Полный текст (12 382 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
ولكن عند التأمل نجد أن هذا القول ضعيف، وأن المأموم ينبغي أن يقول كما يقول الإمام والمنفرد، يعني يقول بعد رفعه: ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، فجعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) معادلًا لقول الإمام: (سمع الله لمن حمده). والإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) في حال الرفع، فيكون المأموم في حال الرفع يقول: ربنا ولك الحمد، أما بعد القيام فيقول: ملء السماوات إلى آخره؛ لقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩).
فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة: أن المأموم يقول كما يقول الإمام والمنفرد بعد رفعهما، وعرفتم وجه الترجيح.
إذن يترجح بأمرين: الأمر الأول: أن النبي ﷺ جعل قول المأموم: (ربنا ولك الحمد) بإزاء قول الإمام؟
طلبة: سمع الله لمن حمده.
الشيخ: سمع الله لمن حمده. وهذا حين الرفع.
الوجه الثاني: قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٩)، فإن هذا يشمل المأموم كما يشمل الإمام والمنفرد.
وعلم من كلام المؤلف أن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وهو كذلك.
فإذا قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقد كان يقول: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»؟
فالجواب على هذا سهل وهو أن قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» عام، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢٥) هذا خاص، والخاص يقضي؟
طلبة: على العام.
стр. 1192
الشيخ: على العام، فيكون المأموم مستثنًى من هذا العموم بالنسبة لقول: (سمع الله لمن حمده) فإنه يقول: (ربنا ولك الحمد) فقط. وظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد على هذا الذكر الواجب بعد القيام من الركوع. ولكن الصحيح أنه يزيد ما جاءت به السنة، مثل: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢٦).
وعلى هذا فالظاهر أن المؤلف حذف هذه الجملة اقتصارًا أو اختصارًا؟
طلبة: اختصار ..
طلبة: اقتصار ..
الشيخ: هو في الحقيقة فيه احتمال أن يكون اقتصارًا أو اختصارًا؛ إن كان اختصارًا فالمعنى أن المؤلف اقتصر على بعض الذكر الوارد، وإذا كان اقتصارًا فالمعنى أن المؤلف يرى ألا يقال سواه، يعني هو اقتصر على هذا. ولكن الذي يظهر أنه اقتصار، أنه حذفها اقتصارًا؛ لأن المقام مقام ذكر، والذكر ينبغي أن يذكر كل ما ورد فيه، إلا أن يدعي مدعٍ أن المؤلف يرى أن هذا الكتاب مختصر، فاختصر.
على كل حال لا يهمنا ما أراده المؤلف، الذي يهمنا أن السنة أن يقول الإنسان ما ورد في هذا مما زاد على كلام المؤلف.
قال: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد فقط) ولم يذكر المؤلف ﵀ ماذا يصنع بيديه بعد الرفع من الركوع؟ هل يعيدهما على ما كانتا عليه قبل الركوع فيضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، أو يرسلهما؟
فالمنصوص عن الإمام أحمد ﵀ أن الإنسان يخير بين إرسالهما وبين وضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى، وكأن الإمام أحمد ﵀ رأى ذلك؛ لأنه ليس في السنة ما هو صريح في هذا، فقال: الإنسان مخير، وهذا كما يقول بعض العلماء في مثل هذه المسألة: الأمر في ذلك واسع؛ إن شاء أرسل، وإن شاء وضع.
стр. 1193
ولكن الذي يظهر من السنة أن السنة هي وضع اليمنى على ذراع اليسرى؛ لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في البخاري: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة (٢٧). فإنك إذا أخذت بعموم هذا الحديث في الصلاة ولم يقل: في القيام، تبين لك أن القيام بعد الركوع يشرع فيه الوضع؛ لأن الصلاة اليدان فيها حال الركوع تكون على الركبتين، وفي حال السجود على الأرض، وفي حال الجلوس على الفخذين، وأيش بقي؟
طلبة: القيام.
الشيخ: حال القيام يشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع، فيضع الإنسان يده اليمنى على ذراعه اليسرى، وهذا هو الصحيح.
طالب: شيخ، لم يذكر المصنف قول المأموم: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه (٢٨).
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا ما ذكره المؤلف، مع أنه قد ثبتت به السنة في إقرار الرسول ﵊ للرجل الذي قال ذلك.
طالب: ما ورد في السنة قول النبي ﷺ .
طالب آخر: نسمع السؤال الأول يا شيخ.
الشيخ: السؤال يقول: ما ذكر: حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. إي نعم.
طالب: وهل جاء في السنة قول الصحابي حينما أقره النبي ﷺ : كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك؟
الشيخ: لا أعرف هذا.
طالب: الذي تعرف ( ... ).
الشيخ: إي، ما ذكر هذا.
طالب: شيخ، الإكثار من الحمد، يعني النبي ﷺ كان يقف وقوفًا طويلًا، لا نقول يعني: إن الإنسان يحمد كما يشاء، ما جاءت به السنة وما لم تأت.
الشيخ: نعم. يعني مثلًا إذا كان في صلاة تطال فيها الأركان.
طالب: مثل؟
الشيخ: مثل الركوع، والقيام بعده، والسجود، والجلوس، يكرر الحمد، أقول: يكرر الحمد.
طالب: هل يكرر ويأتي .. ؟
الشيخ: يأتي بالوارد ويكرر ما شاء، مثلًا يقول: لربي الحمد، اللهم لك الحمد، وما أشبه ذلك.
стр. 1194
طالب: طيب، يا شيخ، فيه وجه ( ... ) أن المأمومين يقولون مثل الإمام، أنت قلت: النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
الشيخ: نعم.
طالب: فيه وجه يا شيخ، ما نقول: قاعدة: أن المأموم الأصل يفعل مثل الإمام إلا ما جاء الدليل بالتخصيص.
الشيخ: نعم، ما فيه شك، هذا هو الأصل، كل مصل؛ إمام أو مأموم أو منفرد ذكر أو أنثى، فيفعل كما فعل رسول الله ﷺ .
طالب: أحسن الله إليك، هل يجوز أن يوصل الأذكار في قوله: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماوات وملء الأرض؟
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به؛ لأن الأول بإقرار الرسول ﷺ وهذا بفعله، لكن كونه يبدأ بما جاءت به السنة الصريحة عن الرسول أحسن، إي نعم.
طالب: ( ... ) الحمد والشكر.
الشيخ: في هذه من الزيادات التي لا تنبغي.
طالب: هذا اللفظ.
الشيخ: لغة إي نعم؛ لأنه يقال: إن الألفاظ الواردة في الأذكار ينبغي المحافظة عليها. نعم.
طالب: جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإرسال اليدين بعد الركوع، لو شاهدنا رجلًا يرسل يديه هل نقول له: أنت خالفت السنة أو نقول: إن الأمر على السعة؟
الشيخ: أما على مذهب الإمام أحمد فالأمر على السعة، ما نقول له شيئًا، لا نقول: ضع ولا أرسل، لكن على ما رجحناه: ينبغي أن ندله؛ لأن بعض الناس قد يغتر بكلام بعض العلماء الذين أنكروا هذا إنكارًا عظيمًا، يعني أنكروا الوضع، وزعموا أنه بدعة، فيبين له؛ لأنه يخشى أن يعتقد أن الوضع بدعة، فيكون في هذا خطر عليه.
طالب: شيخ. قد جاء في سنن الدارقطني من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: كنا إذا قال النبي ﵊: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قلنا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد (٢٩). فماذا يجاب عليه؟
стр. 1195
الشيخ: يجاب بأن هذا اجتهاد منهم مخالف لأمر الرسول ﵊؛ لأن الرسول قال: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مع أن الإمام يقول: ربنا ولك الحمد بالاتفاق.
طالب: لكن هو يقول يا شيخ: كنا يعني إن صح ..
الشيخ: إي، هذا مثل قول ابن مسعود ﵁: كنا نقول بعد موت الرسول: السلام على النبي، بدل قوله: السلام عليك أيها النبي (٣٠). ولا شك أن هذا من فعل ابن مسعود ﵁، ليس عن جميع الصحابة؛ لأن عمر بن الخطاب خطب على المنبر؛ على منبر الرسول، وأمر بالتشهد، وقال: قولوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (٣١). صريحة.
***
( ... ) وآله وأصحابه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقرأ الفاتحة).
وسؤالنا الآن: ما حكم قراءة الفاتحة على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: حكم قراءة الفاتحة واجب.
الشيخ: من أي نوع من أنواع الواجبات؟
الطالب: الواجب لازم على صاحبي الحال.
الشيخ: هذا تعريف الواجب.
طالب: الواجب الذي ..
الشيخ: من أي أنواع الواجبات؟
طالب: شو أنواع الواجبات؟
الشيخ: لأن الواجبات لها أنواع، الواجبات في الصلاة التي يجب تحققها في الصلاة أنواع.
طالب: هذه من الأشياء التي يجب تحققها في الصلاة.
الشيخ: ما هذا يعني؟ نعم.
طالب: إنها ركن.
الشيخ: من الأركان؟ صح. من الأركان. يعني فيه واجب وركن وشرط، وكلها يصدق عليها اسم واجب، لكنها أنواع. هي ركن من أركان الصلاة على كل مصلٍّ، على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: لا. على المنفرد والإمام، أما المأموم فلا.
الشيخ: إذن فيه ركن في حق الإمام والمنفرد، دون المأموم؟ كيف نستخرج هذا من كلام المؤلف؟
طالب: إي نعم. لأنه قال: (ثم يقرأ الفاتحة) يتكلم عن الإمام.
الشيخ: لا.
طالب: لا؛ لقوله: (يقرأ به لزم غير مأموم إعادتها).
الشيخ: نعم. نأخذه من قوله: (لزم غير مأموم)؟
طالب: (إعادتها).
стр. 1196
الشيخ: (إعادتها)، وغير المأموم هو المنفرد؟
طالب: والإمام.
الشيخ: والإمام. طيب.
ما هو الدليل على ركنية قراءة الفاتحة؟
طالب: قوله ﷺ : إنه صلاة لم يقرأ فيها بالفاتحة فهي خداج.
الشيخ: «بِأُمِّ».
طالب: «بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خَدَاجٌ» (٢٠).
الشيخ: نعم خَدَاجٌ يعني فاسدة. هذا حديث أبي هريرة. حديث عبادة (٣٢): «لَا صَلَاةَ».
طالب: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِ .. ».
الشيخ: طيب. لو قال قائل: هذا لنفي الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقول النبي ﷺ في حديث المسيء في صلاته: «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١٧).
طالب: نعم هو يقال: هذا مردود من وجهين.
الشيخ: نعم.
طالب: الأول: قوله ﷺ : «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» (٣٢).
الشيخ: نعم.
طالب: الثاني: أن النفي إذا أطلق فإنه يعني ينصرف إلى نفي الصحة، فإن لم يمكن حمله على ذلك على نفي الوجود ( ... ).
الشيخ: لأنه قد يصلي بلا فاتحة.
طالب: فيحمل على نفي الصحة، ولا ينتقل عنه إلا بدليل.
الشيخ: هو يقول: عندي دليل: ﴿اقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ هذا في القرآن، «فَاقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (١٧) هذا في السنة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: نقول: إن الآية هذه والحديث هذا عام.
الشيخ: نعم.
طالب: وحديث عبادة بن الصامت يخصص الفاتحة فقط.
الشيخ: إي نعم، نجيب عنه بهذا، نجيب عنه بأن هذا عام وهذا خاص، ثم نقول أيضًا: ما أشار إليه «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ» (٣٢). وحديث أبي هريرة: «فَهِيَ خَدَاجٌ» (٢٠)، يعني؟
طلبة: فاسدة.
الشيخ: فاسدة، الخداج: الشيء الفاسد. ثم نقول أيضًا: في الغالب أن أيسر ما يكون من القرآن؟
طالب: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة عند المسلمين؛ لأنهم يقرأونها كثيرًا ( ... )
***
стр. 1197
طالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يخر مكبرًا).
قوله: (ثم) كلمة أو حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي، ولم يبين المؤلف ﵀ مقدار هذا التراخي، ولكنه قد دلت السنة من حديث البراء بن عازب وغيره على أن هذا القيام -أعني الاعتدال بعد الركوع- يكون بمقدار الركوع تقريبًا، فقد قال البراء بن عازب ﵁: رمقت صلاة النبي ﷺ ، أو قال: الصلاة مع النبي ﷺ ، فوجدت قيامه وقعوده وركوعه وسجوده ما عدا القيام والجلوس -يعني في التشهد- قريبًا من السواء (٣٣).
وعلى هذا فالسنة الواردة عن النبي ﵊ إطالة هذا الركن -أعني ما بين الركوع والسجود- خلافًا لمن كان يسرع فيهما، بل لمن كان لا يطمئن فيهما، كما نشاهده من بعض المصلين؛ من حين أن يرفع من الركوع يسجد، فالذي يفعل هذا -أي لا يطمئن بعد الركوع- صلاته باطلة؛ لأنه ترك ركنًا من أركان الصلاة، وقد رأى النبي ﷺ رجلًا يصلي ولا يطمئن، فصلى الرجل ثلاث مرات وكلها يقول فيها رسول الله ﷺ : «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» (١٧).
стр. 1198
والآفة التي جاءت المسلمين في هذا الركن -القيام بعد الركوع- وفي الركن الذي بين السجدتين يقول شيخ الإسلام: إن هذا جاء من بعض أمراء بني أمية؛ فإنهم كانوا لا يطيلون هذين الركنين، أي القيام بعد الركوع والجلوس بين السجدتين. وتعرفون أن الناس على دين ملوكهم، فتلقى الناس عنهم التخفيف في هذين الركنين، فظن كثير من الناس أن ذلك هو السنة، فماتت السنة، حتى صار إظهارها من المنكر، أو يكاد يكون منكرًا، حتى إن الإنسان إذا أطال فيهما ظن الظان أنه قد نسي وأوهم.
المهم أن قول المؤلف: (ثم يخر): لم يبين مقدار المهلة أو التراخي ولكن نقول: دلت السنة على أنه أيش؟ بمقدار الركوع أو قريبًا منه.
وبناءً على ذلك فنحن نعلم جميعًا أنه في صلاة الكسوف يطال الركوع، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: يطال إطالة طويلة، فإذا رفع من الركوع -الركوع الثاني- فإنه أيضًا يطيل القيام نحوًا من الركوع، ولكن ماذا يقول؟
يكرر الحمد، إن كان يعرف ما ورد عن النبي ﵊ في هذا المقام قاله، وإن كان لا يعرف كرر، والإنسان يستطيع أن يكرر الحمد مدة طويلة؛ لأن هذا الركن ذكره حمد، من حين ما يرفع الإنسان، يقول: سمع الله لمن حمده. ثم يشرع في الحمد. فهذا الركن إذن ركن حمد، فإذا كنت تعرف ما جاءت به السنة في هذا فذلك أفضل، وإذا لم تعرف فكرر الحمد، لو تقول: لربي الحمد، ربي ولك الحمد، وما أشبه ذلك من الكلمات كفى.
قال المؤلف: (ثم يخر مكبرًا ساجدًا) (يخر مكبرًا) حال من فاعل (يخر). والحال الأصل فيها أنها مقارنة للفعل، فإذا قلت مثلًا: جاء زيد راكبًا. فمتى ركوبه؟ حين مجيئه. (خر مكبرًا): متى تكبيره؟ حين خروره.
стр. 1199
وهو كذلك؛ فإن محل التكبير هو الخرور من القيام إلى السجود، وكذلك جميع تكبيرات الانتقال محلها ما بين الركن الذي انتقلت منه وبين الركن الذي انتقلت إليه. وقد سبق لنا البحث في هذا، فلا حاجة إلى إعادته. المهم أنك تكبر في حال الخرور إلى السجود.
ولم يذكر المؤلف ﵀ رفع اليدين، فهل هذا من باب الاختصار أو الاقتصار أو العمد؟
طالب: الثالث ..
الشيخ: الجواب: الثالث. من باب العمد؛ لأن رفع اليدين عند السجود ليس بسنة؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ -وهو من أشد الناس حرصًا على السنة وأضبط الناس لها- أنه ذكر أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا كبر للإحرام، وإذا ركع كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع. قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود، ولا إذا قام من السجود (٣٤).
والرجل قد ضبط وفصل وبين، وليس هذا من باب النفي المجرد، هذا نفي يدل على إثبات ترك الفعل؛ لأن الرجل قد تحرى الصلاة وضبط: تكبير عند الدخول في الصلاة، عند الركوع، عند الرفع منه، عند السجود، عند القيام من السجود. هذه محلات الانتقالات، فأثبت التكبير في ثلاثة مواضع ونفاها في السجود، وعند القيام من السجود.
طالب: الرفع ولا التكبير.
الشيخ: ( ... ) الرفع.
طالب: تقول: التكبير.
الشيخ: لا، أنا أقول: هذه التكبيرات اللي أثبتها. على كل حال الرفع، نحن نتكلم عن الرفع. وعلى هذا فليس من السنة أنه يرفع يديه إذا سجد. وقد روي عن النبي ﵊ أنه كان يرفع في كل خفض ورفع. ولكن ابن القيم ﵀ ذكر أن هذا وهم، وأن صواب الحديث: كان يكبر في كل خفض ورفع، وقال: إن وجه الوهم فيه حديث ابن عمر فإنه صريح في عدم الرفع عند السجود وعند الرفع من السجود.
стр. 1200
وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي حتى نقول بالقاعدة المشهورة: إن المثبت مقدم على النافي؛ لأن النفي هنا في قوة الإثبات، فإنه رجل يحكي عن عمل واحد فصله، قال: هذا فيه كذا، وأثبته، وهذا ليس فيه كذا، ونفاه. وفرق بين النفي المطلق وبين النفي المقرون بالتفصيل؛ فإن النفي المقرون بالتفصيل دليل على أن صاحبه قد ضبط حتى وصل إلى هذه الحال، عرف ما ثبت فيه الرفع وما لم يثبت فيه الرفع.
وعلى هذا فنقول: إن حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين مقدم على ذلك الحديث الضعيف، والوهم فيه قريب. وعلى هذا فإذا قال قائل: ما الفرق بين الهوي إلى الركوع والهوي إلى السجود؟ أليس كل منهما انتقالًا من أعلى إلى أسفل؟ الجواب: بلى، ولكن العبادات مبنية على؟
طلبة: التوقيف.
الشيخ: التوقيف، فلا قياس فيها. ولو دخل القياس في مثل هذه الأمور في صفات العبادات وما أشبهها لضاع انضباط الناس، ولصار كل إنسان يقيس على ما يريد، أو على ما يظن أن القياس فيه تام الأركان، ويضيع الاتفاق بين الأمة في عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله .
يقول المؤلف ﵀: (ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء) (ساجدًا) حال من أين؟
طلبة: فاعل يخر.
الشيخ: من فاعل يخر، ولكنها حال مقارنة ولّا حال يعني لاحقة؟
طلبة: لاحقة.
الشيخ: لاحقة؛ لأن هذه الحال -أعني السجود- لا تكون في حال الخرور، ولكنها تكون بعد انتهاء الخرور، فهي حال لاحقة مقدرة.
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء): (ساجدًا) لا بد أن يكون ساجدًا، والسجود بحيث تتساوى أطرافه العليا والسفلى، فلو فرض أنه سجد على شيء مرتفع هكذا منزلق وصار إلى القعود أقرب منه إلى السجود، فإن ذلك؟
طلبة: لا يعد ..
الشيخ: لا يعد سجودًا، لا بد من تساوي الأعالي والأسافل، أو على الأقل نقول: أن يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الجلوس التام، فيما لو كانت الأرض متصاعدة.
стр. 1201
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء) وبيَّنها قال: (رجليه ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه).كم هذه؟
طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نعدها زين؛ رجليه ثم ركبتيه.
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ثم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ثم يديه ستة. ثم جبهته مع أنفه.
طلبة: هذه واحد.
الشيخ: جبهة وأنف؟
طلبة: واحد.
الشيخ: الجبهة والأنف واحد؟
طلبة: واحد.
الشيخ: واحد؟
طالب: عضو واحد.
الشيخ: عضو واحد. طيب لو قضم الإنسان أنف رجل، كان فيه نصف الدية ولا دية كاملة؟
طلبة: دية كاملة.
الشيخ: طيب، إذا كان هو الجبهة والعضو واحدًا، معناه ما قضم إلا نصف العضو؟
ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه ولو مع حائلٍ ليس من أعضاءِ سُجودِه، ويُجافِي عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ وبَطْنَه عن فَخِذَيْه، ويُفَرِّقُ رُكبتَيْهِ ويقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى " ثم يَرفعُ رأسَه مُكَبِّرًا ويَجلِسُ مُفْتَرِشًا يُسراهُ ناصبًا يُمْنَاهُ ويقولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي "، ويَسْجُدُ الثانيةَ كالأُولى، ثم يَرْفَعُ مُكَبِّرًا ناهضًا على صُدُورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْهِ إن سَهُلَ، ويُصَلِّي الثانيةَ كذلك ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ
يقول: (ساجدًا على سبعة أعضاء).
(سبعة أعضاء): وبيَّنَاها.
قال: (رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)، كم هذه؟
طلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نَعُد زين؛ رجليه.
طالب: اثنان.
الشيخ: ثم ركبتيه.
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ثم؟
الطلبة: يديه.
الشيخ: ثم يديه؛ ستة، ثم جبهته مع أنفه.
الطلبة: واحد.
الشيخ: الجبهة والأنف واحد؟
الطلبة: الأنف والجبهة واحد.
الشيخ: واحد؟
طالب: عضو واحد.
الشيخ: عضو واحد، لو قضم الإنسان أنف رَجُل كان فيه نصف الدية ولَّا دية كاملة؟
الطلبة: دية كاملة.
الشيخ: إذا كان هو الجبهة والعضو واحد، معناه ما قضم إلا نصف العضو؟
الطلبة: محل واحد.
стр. 1202
الشيخ: نقول: الواقع أن الجبهة والأنف ليس شيئًا واحدًا في الحقيقة، لكن الرسول ﵊ ألْحَقَ الأنف بالجبهة إلحاقًا، وسنتلو الحديث، روى ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ -أَوْ أَعْضَاءٍ- عَلَى الْجَبْهَةِ»، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ (١).
وهنا لو كان الأنف من الجبهة حكمًا وحقيقةً ما أشار إليه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ولو كان عضوًا مستقلًّا لنص عليه، وجعله مستقلًّا، وقال: على الجبهة وعلى الأنف، إذن فهو تابع، فهو من الجبهة حُكْمًا لا حقيقة، ولهذا أشار إليه النبي ﷺ إشارة.
الجبهة واليدين، يقول المؤلف: (ثم يديه)، (يديه)، والحديث «كَفَّيْهِ»، و «الْكَفَّيْنِ» (٢)، فهل بينهما فرق؟ لا؛ لأن اليد عند الإطلاق هي الكف فقط.
أرأيتم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ثم أرأيتم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ماذا يُطلَق عليه لفظ اليدين في الآيتين؟
الطلبة: الكف.
الشيخ: الكف.
ولهذا يُقطَع السارق من مفصل الكف، وفي التيمم أرى النبي ﷺ عمار بن ياسر كيف مسح اليدين، فمسح ظاهر كفيه، ومسح الشمال على اليمين (٣).
إذن كلام المؤلف لا يعارض الحديث؛ لأن اليدين عند الإطلاق؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: يُراد بهما الكف، وأما إذا قُيِّدت اليد فعلى حسب ما قُيِّدَت به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
يقول المؤلف ﵀: (ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه)، (جبهته مع أنفه)، ولهذا ما قال: جبهته وأنفه، أو ثم أنفه.
стр. 1203
قال: (مع)، إشارة إلى أن الأنف تابع مصاحِب، وهو كذلك.
وبقي علينا نظر آخر في هذه العبارة.
أولًا: قال المؤلف: (على سبعة أعضاء: رجليه)، أليس هو قائم على رجليه من الأصل؟
الطلبة: في السجود.
الشيخ: في السجود ربما يرفعهما، كذا ولَّا لا؟
الطلبة: إي.
الشيخ: ولهذا نص عليهما، حتى لا يرفعهما إذا سجد.
ينزل المصلي على ركبتيه أولا ثم يديه ثم قال المؤلف: (ثم ركبتيه، ثم يديه).
فأفاد المؤلف بالنص الصريح أن الركبتين مقدمتان على اليدين، وهذا الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب ﵁ وعامة أهل العلم -ومنهم الأئمة الثلاثة؛ أحمد وأبو حنيفة والشافعي- على أن الركبتين مقدمتان على اليدين، وهذا مقتضى النص المروي عن النبي ﷺ فعلًا، والذي ثبت عنه أو كاد يثبت قولًا، وهو أيضًا مقتضى النظر الصحيح.
أما الأول؛ وهو أنه مقتضى النص، فلأن النبي ﷺ رُوِيَ عنه أنه كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه (٤)، لكن هذا الحديث طعن فيه كثير من أهل العلم وقالوا: إنه ضعيف.
وأما ما ثبت عنه قولًا أو كاد يثبت فهو حديث أبي هريرة، وهو قوله ﵊: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (٥)، فإن الرسول ﷺ نهى أن يبرك الرجل كما يبرك البعير، والبعير إذا برك يقدم يديه، فيقدم مُقَدَّمه على مُؤَخَّره كما هو ظاهر.
وقد ظن بعض أهل العلم أن معنى قوله: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»، يعني: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وأنه نهى أن يبرك الإنسان على ركبتيه، وعلى هذا فيقدِّم يديه.
ولكن بين اللفظين فرقًا واضحًا، فإن النهي في قوله: «كَمَا يَبْرُكُ» نهي عن؟ الكيفية؛ لأن الكاف للتشبيه.
وأما النهي فلا يبرك على ما يبرك، لو كان بهذا اللفظ لكان نهيًا على ما يسجد عليه، وعلى هذا فلا يسجد على الركبتين؛ لأن البعير يَبْرُك على ركبتيه.
стр. 1204
وأما النظر فلأن الوضع الطبيعي للبدن أن ينزل شيئًا فشيئًا، كما أنه يقوم من الأرض شيئًا فشيئًا، فإذا كان ينزل شيئًا فشيئًا فالأسفل منه ينزل قبل الأعلى، وإذا قام شيئًا فشيئًا فالأعلى يكون قبل الأسفل، وعلى هذا فيكون هذا القول الذي عليه عامة أهل العلم هو الموافق للمنقول والطبيعة.
لكن مع ذلك لو أن إنسانًا كان ثقيلًا أو مريضًا، أو في ركبتيه ما يشق عليه به السجود على الركبتين؟ ففي هذه الحال نقول: لا بأس أن الإنسان يفعل ويقدم اليدين، ويكون النهي ما لم يوجَد سبب يقتضيه، فإن وُجِدَ سبب يقتضيه كالحاجة لمرض أو كِبَر أو ألم في الركبتين، أو غير ذلك فإن هذا لا بأس به؛ لأن مبنى الدين الإسلامي -ولله الحمد- على .. ؟
طالب: اليسر.
الشيخ: اليسر والسهولة؛ ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والإرادة هنا شرعية، يعني أن الشرع هو التيسير.
وفي السنة: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (٦)، «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٧).
فالمقصود الوصول إلى السجود، فإن تمكن الإنسان به على الوجه الأكمل فهو أكمل، وإن شق عليه فإنه يفعل ما تَيَسَّر.
ومن العلماء من يقول: بل يسجد على يديه أولًا، ظنًّا منه أن قوله: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (٥) يراد به: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وقال: إن رُكْبَتَيِ البعير في يديه، وهذا صحيح؛ أن ركبتي البعير وكل ذات أربع في اليدين، لكن الحديث لا يساعد لفظه على هذا المعنى.
وأما آخر الحديث المفرع على أوله، ففيه انقلاب كما حققه ابن القيم، وهو قوله: «وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتِهِ»؛ لأنه لو كان على الصحة لكان مناقضًا لأول الحديث، وكلام النبي ﵊ لا مناقضة فيه.
أقول: من العلماء من قال: إنه يبدأ بيديه قبل ركبتيه.
стр. 1205
ومن العلماء، بل ما هم من العلماء، بل من الناس الإخوة المبتدئين مَن حاول أن يجمع بين الأمرين، فقال: لا أنزل أعالي بدني ولا أسجد على الركبتين، أجلس مُسْتَوْفِزًا ثم أضع يدي على الأرض كذا، ثم أدفعهما إلى الأمام كذا، يسحبها إلى الأمام.
فنقول: مَن جاء بهذه الصفة؟ هذه الصفة ما قال بها أحد من المتقدمين أبدًا، والجمع بين النصوص بصفة تخالف ما تقتضيه النصوص وتخرج عما قاله العلماء خطأ.
رأيت بعض الناس يحط يديه يبغي يسجد (يبُوبَز) كما نقول باللغة العامية، وما أدري يا إخوان اللي ..
يحاول أن يجمع بين وصول اليدين إلى الأرض قبل الركبتين، وبين أن لا يخطئ أعاليه، ويش اللي راح؟ أعاليه قبل أسافله.
فالحقيقة أن هذه الصفة غريبة، ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بها أبدًا، وتحتاج إلى دليل إثبات أن الرسول يخلي إيديه يصح من عند الرُّكب إلى أن يوازي الوجه.
هذا فعل خلاف ما تقتضيه الطبيعة والجِبِلَّة، وكل فعل يخالف ما تقتضيه الطبيعة والجِبِلَّة في الصلاة يحتاج إلى دليل؛ لأن الصلاة عبادة كلها بأفعالها وأقوالها.
وهذه قاعدة أُحِبُّ أن تنتبهوا لها: كل فعل يخالف مقتضى الطبيعة -العادة يعني- في تنقُّلات البدن يحتاج إلى دليل على إثباته؛ لأنه يكون مشروعًا.
وبناءً على ذلك نقول: الأصل وضع الأعضاء على ما هي عليه في الصلاة حتى يقوم دليل على أيش؟
طالب: المخالفة.
الشيخ: على المخالفة.
ولهذا لولا أنه ورد ما يدل على تطابق الرِّجْلَين في السجود لكنا نقول: إن الإنسان يجعلهما طبيعيتين، فإذا كان الركبتان متباعدتين فلتكن القدمان كذلك.
لكن لَمَّا ورد ما يدل على أنها يلصق بعضهما ببعض خرجنا عن هذا الأصل، فكل شيء لم يُنقل مما خرج عن عادة البدن فإنه يبقى على ما هو عليه من عادة البدن.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ( ... ) أنه لقي في العبادة.
الشيخ: نعم.
стр. 1206
الطالب: ( ... ) فيها، لكن مر علينا أن قلنا: إنه يجوز للمعتكف أن يخرج من مُعْتَكَفِه إن اشترط ذلك، قياسًا على حديث ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هذه ليست في الصفة؛ لأن الرسول قال: «إِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (٨)، فهذا التعليل يدل على أن كل عبادة تَلْزَم للدخول فيها إذا استثنى فيها الإنسان فله ذلك.
طالب: ما فهمت يا شيخ.
الشيخ: أقول: التعليل، «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ».
الطالب: نعم.
الشيخ: يدل على أن كل عبادة إذا شرع فيها الإنسان لزمته، فإنه إذا استثنى فيها فله على ربه ما استثناه، يعني فيه علة تشير إلى هذا.
طالب: بارك الله فيك، عندما يكون الإمام واقفًا يا شيخ وقف على سجود التلاوة، فيكبِّر يرفع يديه ويسجد.
الشيخ: لا، هذا قال الفقهاء: إنه يُشرع، الفقهاء ﵏ استثنوا من السجود مسألتين:
المسألة الأولى: إذا سجد للتلاوة.
والمسألة الثانية: إذا سجد بعد القنوت في الوتر.
ولكن لا دليل على ذلك، الصحيح أنه لا يُسْتَثْنَى شيء.
طالب: بالنسبة لفعل ابن عمر يا شيخ، فقد كان يقدِّم يديه على ركبتيه.
الشيخ: نعم.
طالب: ما أدري ما الإجابة على ذلك؟
الشيخ: الإجابة عن هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه فعل صحابي معارَض بفعل من هو أعلم منه وهو أبوه عمر.
والوجه الثاني: أن ابن عمر ﵄ كان في آخر عمره ثقيلًا، فقد كان حتى في جلوسه في الصلاة يتربع ولا يفترش، وسأله أحد أبنائه لماذا كان يصنع ذلك والرسول ﵊ كان يفترش؟ قال: إن رِجْلَيَّ لا تُقِلَّانِي (٩).
ورجل تصل به الحال إلى هذا، لا شك أنه يحتاج إلى أن ينزل على يديه؛ لأنه أيسر له.
طالب: شيخ، لو قال إنسان يعني خروجًا من الخلاف: إنه يفعل هذا مرة وهذا مرة ( ... ).
стр. 1207
الشيخ: لا، لو قال: خروجًا من الخلاف، أولًا: النصوص ما تدل على هذا حتى يُثبت خلافًا، وأقوال العلماء إذا لم يكن لها حظ من النظر يبقى أهل العلم فيها معذورين فيما ذهبوا إليه، لكن لا يُجعل قولهم قولًا مُشَرِّعًا.
وليست هذه المسألة كجلسة الاستراحة التي يمكن أن تُحْمَل على حال دون حال -كما سيأتينا إن شاء الله تعالى - بل هذه صفة، إما هذه ولَّا هذه. ***
( ... ) نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعة أعضاء؛ رِجْلَيْه، ثم ركبيته، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه).
وأوردنا إشكالًا على قوله: (رجليه)، ما هو الإشكال؟
طالب: تكون مضمومتين أو ..
الشيخ: لا، أوردنا إشكالًا على قول المؤلف: (رِجْلَيْه)، مع أن الرِّجْلين في الأرض من الأصل.
الطالب: إي نعم، ولذلك إذا سجد فإنهما يرتفعان عن الأرض.
الشيخ: إذا سجد فلا يرفعهما.
الطالب: نعم.
الشيخ: عن الأرض، ثم إن كيفيتهما في القيام غير كيفيتهما في السجود، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: يقول: (ثم جبهته مع أنفه)، قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).
(ولو مع حائل) يعني: يسجد على الأرض ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود.
(الحائل): يشمل الثوب، والغُطرة، والمَشْلَح، وما كان من جنس الأرض، وما كان من غير جنسها، عامٌّ، لكن لا بد أن يكون طاهرًا؛ لأنه لا يمكن السجود على النجس؛ إذ إن من شرط الصلاة -كما سبق- اجتناب النجاسة.
وقول المؤلف: (ليس من أعضاء سجوده).
يعني: لا يجوز أن يسجد على حائل من أعضاء السجود بأن يضع جبهته على كفَّيْه مثلًا، أو يضع يديه بعضهما على بعض، أو يضع رِجْلَيْه بعضهما على بعض؛ لأنه إذا فعل ذلك فكأنما سجد على عضو واحد، إذا وضع جبهته على يديه فلم يسجد على الجبهة في الحقيقة، بل سجد على العضو المباشر دون العضو الذي فوقه.
وقوله ﵀: (ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود).
стр. 1208
لم يُبَيِّن حكم السجود على الحائل إذا كان من غير أعضاء السجود، إنما بَيَّنَ أن السجود مُجْزِئ مع الحائل، لكن ما حكم وضع الحائل؟
قال أهل العلم: إن الحائل ينقسم إلى قسمين:
قسم متصل بالمصلِّي؛ فهذا يُكره أن يسجد عليه إلا من حاجة، مثل: الثوب الملبوس، والْمَشْلَح الملبوس، والغُطرة، وما أشبه ذلك.
ودليل ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمَكِّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه (١٠).
فقوله: (إذا لم يستطع أن يُمَكِّن)، دل على أنهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة، ثم التعبير (إذا لم يستطع) يدل على أنه مكروه لا يُفْعَل إلا عند الحاجة.
أما إذا كان الحائل منفصلًا فهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على الخمرة (١١)، والخمرة عبارة عن خَصيف من النخل يَسع جبهة المصلي وكفَّيْه فقط.
وعلى هذا فتكون الحوائل ثلاثة أقسام:
قسم من أعضاء السجود؛ فهذا السجود عليه حرام، ولا يجزئ السجود.
وقسم من غير أعضاء السجود لكنه متصل بالمصلي؛ فهذا مكروه، ولو فعل لأجزأ السجود لكنه مع الكراهة.
والثالث: قسم منفصل، فهذا لا بأس به.
ولكن قال أهل العلم: يُكره أن يَخُصَّ جبهته فقط بما يسجد عليه، وعلَّلُوا ذلك بأن هذا يشابه فعل الرافضة في صلاتهم، فإن الرافضة يتخذون هذا تديُّنًا، يصلون على قطعة من المَدَر كالفخار يصنعونها مما يسمونه النجف الأشرف، ولهذا تجد عند أبواب مساجدهم، تجد الصناديق الدواليب مملوءة من هذه الحجارة، إذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد أخذ حجارة ليسجد عليها.
стр. 1209
ومنهم من يفعل ذلك؛ لأنه يرى أنه لا يجوز السجود إلا على شيء من جنس الأرض، فلا يجوز السجود على الفراش ولو من خصيف النخل، مع أنه ثبت عن النبي ﵊ أنه سجد على خصيف النخل كما في حديث أنس حينما غسل له الحصير الذي اسودَّ من طول ما لُبِس، وصلى عليه ﷺ (١٢).
لكن هم لا يرون ذلك، فيسجدون على شيء معيَّن، لكن يضعون الجبهة عليه فقط، ولهذا قال أهل العلم: يُكْرَه أن يَخص جبهته بما يسجد عليه؛ لأنه فعل الرافضة.
المؤلف ﵀ يقول: (يسجد على أعضائه السبعة) (ولو مع حائل ليس من أعضاء السجود).
السجود على هذه الأعضاء السبعة واجب في كل حال السجود، بمعنى أنه لا يجوز أن يرفع عضوًا من أعضائه حال سجوده؛ لا يدًا، ولا رجلًا، ولا أنفًا، ولا جبهة، ولا أي شيء من هذه الأعضاء السبعة، فإن فعل -فإن كان في جميع حال السجود- فلا شك أن سجوده لا يصح؛ لأنه نقص عضوًا من الأعضاء التي يجب أن تسجد.
وأما إذا كان في أثناء السجود، بمعنى أن رَجُلًا حَكَّتْهُ رِجْلُه فحَكَّها بالرِّجْل الأخرى فهذا محل نظر؛ قد يقال: إنها لا تصح صلاته؛ لأنه ترك هذا الركن جزءًا من السجود.
وقد يقال: إنه يجزئه؛ لأن العبرة بالأعم والأكثر، فإذا كان الأعم والأكثر أنه ساجد على الأعضاء السبعة أجزأه.
وعلى هذا فيكون الاحتياط أن لا يرفع شيئًا، وليصبر حتى لو أصابته حكة في يده مثلًا، أو في فخذه، أو في رجله فليصبر حتى يقوم من السجود.
ومن المباحث في هذا الركن: أنه إذا عجز عن السجود ببعض الأعضاء فهل يسجد على البقية أو لا؟
نقول: لدينا قاعدة تبين هذا وغيره، وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقول النبي ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٣).
стр. 1210
فإذا قُدِّر أن إحدى يديه جريحة لا يستطيع أن يسجد عليها فليسجد على بقية الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وإذا قُدِّر أنه قد عمل عملية في عينيه، وقيل له: لا تسجد على الأرض، فليومئ ما أمكنه، وليضع من أعضاء السجود ما أمكنه.
وأما قول بعض الفقهاء: مَن عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه بغيرها.
فهذا مُسَلَّم في بعض الأحوال؛ مُسَلَّم فيما إذا كان لا يستطيع أن ينحني بحيث يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الاعتدال التام، فهذا مُسَلَّم أن يقال: لا يلزمك السجود.
مثلًا: لو كان ما يستطيع إلا أن يقول هكذا، ما نقول: ضع يديك؛ لأنه لو وضع يديه ليس كهيئة .. ؟
طالب: السجود.
الشيخ: الساجد.
لكن إذا كان يستطيع أن يومئ بحيث يكون إلى السجود التام أقرب منه إلى الجلوس التام فهنا يلزمه أن يسجد ببقية الأعضاء، فيدنو من الأرض بقدر ما يمكنه، ثم يضع أيش؟
طلبة: يديه.
الشيخ: يضع يديه.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا؟
قلنا: الدليل أننا أُمِرْنَا بالسجود، وأُمِرْنَا أن نتقي الله ما استطعنا، فإذا كنا أقرب إلى السجود وجب أن ( ... )؛ لأننا نكون كهيئة الساجد الذي رفع جبهته، فيلزمنا ذلك.
أما إذا كنا لا نستطيع أن ندنو من الأرض بحيث نكون إلى السجود أقرب ففَرْضُنَا حينئذ الإيماء، فيومئ الإنسان ولا يلزمه أن يضع يديه أو ركبتيه على الأرض، أفهمنا هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن بَيَّنَّا هذا الأمر ببحثين، ما هما؟
طالب: استدامة.
الشيخ: استدامة السجود على الأعضاء السبعة، والثاني؟ إذا عجزنا عن بعضها فهل يلزمنا البعض الآخر، وعرفتم التفصيل.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة من السجود؟ وما هو السر في هذا السجود؟
قلنا: لأنه من كمال التعبد لله والذل له، فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه بحذاء أدنى ما فيه، كذا؟ يضع أشرف ما فيه وهو وجهه، بحذاء أسفل ما فيه وهو: قدمه.
стр. 1211
وأيضًا يضعه على موطئ الأقدام، كل هذا تعبدًا لله تعالى وتقربًا إليه، ومن أجل هذا التطامُن والنزول للرب صار أقرب ما يكون الإنسان من ربه وهو؟
الطلبة: ساجد.
الشيخ: ساجد.
يعني: مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، كل ما علا الإنسان كان أقرب لله ، لكن هذا نزل حتى صار في الأسفل، ولنزوله لله صار أقرب إلى الله «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ» (١٤)، هذا هو الحكمة والسر في هذا السجود العظيم، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبنا قبل أن تسجد جوارحنا، قبل أن تسجد أعضاؤنا، بأن يشعر الإنسان بهذا الذل والتطامُن والتواضع لله حتى يدرك لذة السجود وحلاوته، ويعرف أنه الآن قَرُبَ من ربه ، بل هو أقرب ما يكون إلى الله.
هذا المعنى قد يغفل عنه أصحاب الظواهر الذين يريدون أن يُجَمِّلوا الطاعات بظاهرِها، وهم يُحْمَدون على هذا، لا شك أننا مأمورون بأن نُجَمِّل الطاعات بظواهرها، أو نُجَمِّل ظواهرها بتمام الاتباع وكماله، لكن هناك شيء آخر يغفل عنه كثير من الناس، ويعتني به أرباب السلوك، وهو تكميل الباطن بحيث يركع القلب قبل ركوع البدن، ويسجد قبل سجود البدن.
ولكن قد يُخطئ أرباب السلوك الذين يعتنون بالبواطن، قد يقصرون في إصلاح الظواهر، فتجدهم يُخِلُّون كثيرًا في إصلاح الظواهر، والكمال هو؟
طالب: إصلاح الظاهر والباطن.
الشيخ: إصلاح الأمرين جميعًا، والعناية بكمالهما جميعًا؛ بكمال البواطن وكمال الظواهر.
стр. 1212
وإني والله، وأُشهِدُ الله، أننا لو أقمنا الصلاة كما ينبغي لخرجنا في كل ما نخرج من صلاة بإيمان جديد قوي؛ لأن الله يقول: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه، ندخل فيها بقلب ونخرج منها بقلب هو القلب الأول إن لم يكن أردأ؛ لأننا ما نأتي بما ينبغي أن نأتي به من خضوع القلب وحضوره وشعوره بهذه التنقلات التي هي رياض في الواقع، رياض عبادة، يعني الصلاة هي صلاة واحدة، لكنها رياض متنوعة، أفعال مختلفة متنوعة، وأقوال كذلك ما بين قراءة كلام الله وذكره، وتعظيمه وتكبيره، ودعائه والثناء عليه، ووصفه بأكمل الصفات (التحيات لله، والصلوات والطيبات)، إلى آخره، فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور من جهة مراعاة هذه الأسرار.
إذن نقول: إن هذا هو السر في السجود؛ كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه ؛ لأنه تَوَاضَع لله ونَزَل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه.
وقد ورد في الحديث أن الله حرَّم على النار أن تأكل أعضاء السجود (١٥) فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبُون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترَمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم:
يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا
مِنْ فَضْلِكَ الْوَافِي وَأَنْتَ الْبَاقِي
وَالْعِتْقُ يَسْرِي فِي الْغِنَى يَا ذَا الْغِنَى
فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِي
فتوسَّل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يُعتِق جميع البدن بسريان العتق إليه.
قال المؤلف ﵀: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده).
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه).
(يجافي): الفاعل من؟
طلبة: المصلي.
стр. 1213
الشيخ: المصلي الساجد.
(يجافي عضديه عن جنبيه) يعني يبعدهما؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يفعل ذلك (١٦)، حتى إن الصحابة ليأوون له، يَرِقُّونَ له من شدة مجافاته صلوات الله وسلامه عليه، وحتى إنه ليُرَى بياض إبطه (١٧) من شدة مجافاته، يعني رداءه يتمايز عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطه، وحتى إنه لو شاءت أن تمر البَهْمَة -وهي صغار الغنم- من تحته لَمَرَّت (١٨) من شدة مجافاته.
فـ (يجافي عضديه عن جنبيه)، ويُسْتَثْنَى من ذلك ما إذا كان في الجماعة وخشي أن يؤذي جاره، فإنه لا يُستحب له أذية جاره، وذلك لأن هذه المجافاةَ سُنَّة، والإيذاء أقل أحواله الكراهة، ولا يمكن أن يُفعل شيء مكروه مُؤْذٍ لجارك مُشَوِّشٍ عليه من أجل سُنَّة، ولهذا استثنى العلماء ﵏ ذلك، فقالوا: ما لم يؤذ جاره، فإن آذى جاره فلا يفعل.
ولكن اعلم أنك متى تركت السنة لدرء المفسدة، والله يعلم أنه لولا ذلك لفعلت، فإنه يُكْتَب لك أجرها، فإن الرجل إذا ترك العمل لله عوَّضَه الله ، بل إذا تركه بغير اختياره، مَن مَرِضَ أو سَافرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا، فيجافي عضديه عن جنبيه.
قال: (وبطنه عن فخذيه)، يجافي بطنه عن فخذيه، أي: يرفعه، وكذلك أيضًا يرفع الفخذين عن الساقين.
فهذه ثلاثة أشياء:
التجافي بالعضدين عن أيش؟
الطلبة: عن الجنبين.
стр. 1214
الشيخ: عن الجنبين، وبالبطن عن الفخذين، وبالفخذين عن الساقين، ولهذا قال النبي ﵊: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» (١٩)، «اعْتَدِلُوا» يعني: اجعلوه سجودًا معتدلًا، لا تَخْصِرُون فتنزل البطن على الفخذ، والفخذ على الساق، ولا تمتدون أيضًا، كما يفعل بعض الناس، تجده إذا سجد يمتد حتى يقرب من الانبطاح، فهذا لا شك أنه من البدعة؛ لأنه ليس بسنة، ما ثبت عن النبي ﵊ ولا عن الصحابة فيما نعلم أن الإنسان يمد ظهره في السجود، إنما مد الظهر في حال أيش؟ الركوع، أما السجود فإنه يرتفع ببطنه ولا يمده.
ويقول المؤلف ﵀: (وعضده عن جنبيه) (ويفرق ركبتيه).
(يفرق ركبتيه) يعني: لا يضم ركبتيه بعضهما إلى بعض، واليدين؟
طالب: يجافيهما.
الشيخ: يجافيها، إذن لا بد أن يفرقهم، والركبتان تفرَّق، القدمان؟
الطلبة: يتراصَّا.
الشيخ: اختلف العلماء في ذلك:
فمن العلماء من يقول: إنه يفرِّق قدميه أيضًا؛ لأن القدمين تابعان للساقين، والركبتين، فإذا كانت السُّنَّة تفريق الركبتين، فلتكن السنة أيضًا تفريق القدمين، حتى إن بعض الفقهاء ﵏ قدَّرُوا ذلك بأن يكون بينهما مقدار شبر للتفريق.
ولكن الذي يظهر من السنة أن القدمين تكونان مرصوصتين، يعني يَرُصّ القدمين بعضهما ببعض، كما في الصحيح في حديث عائشة حين فقدت النبي ﷺ ، فوقعت يدها على قدميه منصوبتين وهو ساجد (٢٠).
واليد الواحدة لا تبقى على القدمين إلا في حال التراصّ، وقد جاء ذلك أيضًا في صحيح ابن خزيمة (٢١): أن الرسول ﷺ كان يَرُصُّ قدميه.
وعلى هذا فالسُّنَّة في القدمين هي التراص بخلاف الركبتين واليدين.
ولم يذكر المؤلف ﵀ أين يكون محل اليدين، هنا ما ذكره، ولكنه ذكره في أول باب صفة الصلاة حين قال: (يرفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجود).
стр. 1215
وعلى هذا فيكون موضع اليدين على حذاء المنكبين، وإن شاء قدَّمَهُمَا وسجد وجعلهما على حذاء الجبهة أو فروع الأذنين؛ لأن كل هذا مما جاءت به السنة.
فله أن يجعلهما على حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، وله أن يقدِّمَهُما حتى يكونا حَذْوَ جبهته وأنفه، كل هذا جاءت به السنة.
ولكن ماذا يصنع لو طال السجود؛ بأن كان خلف إمام يطيل السجود، فماذا يصنع؟ هل يضع ذراعيه على الأرض، يتكئ على الأرض، أو ماذا يصنع؟
نقول: لا، لا يتكئ على الأرض؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، قال: «لَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (١٩). إذن أين يضعهما؟
قال العلماء ﵏: يعتمد على ركبتيه، يعني يضع طرف المرفق على الركبة إذا شَقَّ عليه طول السجود، وهذا إذا كان مع إمام، أما إذا كان في نفسه فإنه لا ينبغي له أن يكلِّف نفسه ويشق عليها، بل إذا شق عليه وتعب فإنه يقوم، ولا ينبغي للإنسان أن يشق على نفسه؛ لأن الله يَسَّر على عباده.
يقول ﵀: (ويفرِّق ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى).
يقول في حال السجود: (سبحان ربي الأعلى).
وقد مَرَّ علينا معنى التسبيح، وما الذي يُسبَّح الله عنه، أي يُنَزَّه.
وأما قوله: (ربي الأعلى) دون أن يقول: (ربي العظيم)؛ لأن ذِكر عُلُوِّ الله هنا أنسب من ذِكْر العظمة؛ فإن الإنسان الآن أنزل ما يكون، فلما كان أنزل ما يكون كان من المناسب أن يثني على الله بماذا؟
طلبة: بارتفاعه.
الشيخ: بالعُلُو، وانظر إلى الحكمة والمناسبة في مثل هذه الأمور، كيف كان الصحابة ﵃ في السفر إذا عَلَوْا شيئًا كَبَّرُوا، وإذا هَبَطُوا واديًا سَبَّحُوا. (٢٢) لماذا؟
стр. 1216
لأن الإنسان إذا علا وارتفع قد يتعاظم في نفسه ويتكبر ويعلو، فناسب أن يقول: الله أكبر؛ ليُذَكِّر نفسه بكبرياء الله ، أما إذا نزل فإن النزول لا شك أنه نقص، فكان ذِكْر التسبيح أولى، تنزيه الله عن النقص الذي أنا كنت فيه الآن، انحدرت، فكان هذا من المناسبة أن الإنسان يُذَكِّر نفسه بما هو أعلى منها.
ونظير هذا من بعض الوجوه أن الرسول ﷺ كان إذا رأى شيئًا يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (٢٣)، سبحان الله! لَبَّيْكَ، ويش المناسبة لَبَّيْكَ؟
لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا ربما يلتفت إليه فيُعرض عن الله، فيقول: «لَبَّيْكَ» استجابة لله ، ثم يُوطِّن نفسه فيقول: «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ».
فهذا العيش الذي يعجبُكِ لا تغترِّي به، عيش زائل، العيش حقيقة هو عيش الآخرة، ولهذا كان من السنة إذا رأى الإنسان ما يعجبه في الدنيا وخاف أن تنقاد نفسه إليه أن يقول: لَبَّيْكَ، إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ، ذكرنا هذا استطرادًا.
المهم أن الإنسان يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى.
وما المراد بالعلو؛ أعُلُوُّ المكان، أم علو الصفة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا.
وهذا أمر - أعني أنه يشمل الأمرين جميعًا - مُتَّفَقٌ عليه في فِطَر الناس، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته، فإن علو الله عُلُوُّ ذات، أمر مفطور عليه الخلق.
لو أنك قلت للعامي: ماذا تريد بقولك: سبحان ربي الأعلى؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: عُلُوُّ المكان، يعني عُلُوّ الذات، ولا يدري عن علو الصفة، ومع ذلك فقد أنكر عُلُوَّه في ذاته مَن أنكره ممن يستقبلون قِبْلَتَنَا، ولا شك أنهم خالفوا الكتاب والسنة وإجماع السلف والعقل والفطرة، ولو رجعوا إلى فِطَرِهم لعرفوا أن هذا أمر لا بد منه، لا بد من الإقرار به، هم عندما يصيبهم شيء يندهشون منه بسرعة، أين تنصرف قلوبهم؟
стр. 1217
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إلى السُّمُوّ، إلى العلو، هم يقفون بعرفة الله يدعون الله ويرفعون أيديهم، ولَّا ينزلونها للأرض؟
طلبة: يرفعونها.
الشيخ: يرفعون أيديهم، ومن العجيب أنهم يرفعون أيديهم ويَدَّعون أن الله في الأرض - نسأل الله العافية-.
المهم أننا نشعر بقولنا: سبحان ربي الأعلى، بأن الله عَلِيٌّ في ذاته وعَلِيٌّ في صفاته، بل هو أعلى من كل شيء، والله تعالى وصف نفسه أحيانًا بالأعلى، وأحيانًا بالعَلِيّ؛ لأن الوصفين ثابتان له؛ العلو، وكونه أعلى، كما أنه يُوصف بأنه الكبير، وأنه الأكبر، وبالعليم وأيش؟
طلبة: الأعلم.
الشيخ: وبالأعلم، وصيغة التفضيل في هذه الأشياء على بابها، وليست بمعنى اسم الفاعل كما يدَّعِيه بعض العلماء.
( ... ) -رحمه الله تعالى-: (ثم يرفع رأسه مُكَبِّرًا).
(يرفع رأسه)، يعني: وما يتبعه من اليدين.
(مُكَبِّرًا): حال من فاعل (يرفع).
وعلى هذا فيكون التكبير في حال أيش؟ في حال الرفع؛ لأن هذا التكبير تكبير انتقال، وتكبير الانتقالات كلها تكون ما بين الركنين، لا يبدأ بها قبل ولا يؤخرها إلى ما بعد؛ لأنه إن بدأها قبل أدخلها على أذكار الركن الذي انتقل منه، وإن أخَّرَها أدخلها على أذكار الركن الذي انتقل إليه، فالسنة أن يكون التكبير في حال الانتقال.
(مُكَبِّرًا، ويجلس مفترشًا يُسْرَاه).
(يجلس) يعني: بعد السجدة الأولى.
(مفترشًا يسراه) يعني: جاعلًا لها كالفراش.
هذا من الافتراش، والفراش يكون تحت الإنسان، أي يضعها تحته مفترِشًا لها، لا جالسًا على عَقِبَيْهِ، بل يفترش هو عليه، فيكون ظهرها إلى الأرض، وبطنها إلى أعلى، هذا معنى الافتراش.
يقول: (مفترشًا يُسْرَاه، ناصبًا يمناه).
(ناصبًا يمناه) يعني: جاعلها منتصبة، والمراد: القدم.
стр. 1218
وحينئذ لا بد أن يُخرجها من يمينه، فتكون الرِّجْل اليمنى مُخْرَجة من اليمين، واليسرى مفترشة، وهذه الصفة متَّفَق عليها، أي أنه يجلس بين السجدتين هكذا، لا يجلس مُتَوَرِّكًا.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُسَنُّ في هذا الجلوس سوى هذه الصفة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجلس ناصبًا قدميه على عقبيه، واستدلوا بحديث ابن عباس ﵄ أن ذلك هو السنة. (٢٤)
ولكن المعروف عند أصحاب الإمام أحمد-﵀ أن ذلك ليس من السنة؛ لأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ كلها تصف هذه الجلسة بالافتراش، ولا يبعد أن يكون ابن عباس ﵄ ذكر ما كان أولًا، فإن صفة الجلوس قد تكون كصفة الركوع، وكان المسلمون في أول الأمر يركع الرجل فيضع يديه بين فخذيه، ولا يضعهما على الركبتين (٢٥)، حتى إن ابن مسعود ﵁ تَمَسَّك بهذا، ويسمى عندهم التطبيق، ولم يَعلم ابن مسعود بالسنة التي نسخت هذا الفعل مع أنه منسوخ بلا شك، صح عن النبي ﷺ هذا.
ففقهاؤنا ﵏ يرون أن هذه الجلسة ليس لها إلا صفة الافتراش فقط.
ويقول المؤلف: (ناصبًا يمناه، ويقول: رب اغفر لي وارحمني) إلى آخره.
لم يذكر المؤلف ﵀ أين يضع اليدين، وكيف يضعهما، مع أنهما من الأمر المهم.
في هذه الجلسة يضع يديه على فخذيه، وينتهي الوضع إلى الركبة، هذه صفة.
صفة ثانية: أنه يضع اليد اليمنى على الركبة، واليد اليسرى تُلقم الركبة، يعني يمسكها هكذا كأنه قابض لها.
يعني: إما أن يضع اليدين على الفخذين، يكون أطراف الأصابع على حد الرُّكبة.
أو يقدِّم شوي، ويكون اليد اليسرى يُلْقِمُهَا الرُّكْبة، واليد اليمنى يضعها على حرف الركبة.
صفتان عن النبي ﷺ كلاهما صحيحة، ولكن كيف يكون وضع اليد؟ الآن عرفنا المكان، لكن كيف يكون الوضع؟
стр. 1219
أما بالنسبة لليسرى فتكون مبسوطة مضمومة الأصابع موجَّهة إلى القبلة، ويكون طرف الْمِرْفَق عند طرف الفخذ، بمعنى أنه لا يقول هكذا، يُخرجها، بل يضمها إلى الفخذ حتى يكون طرف المرفق على طرف الفخذ.
أما اليمنى فإن السُّنَّة تدل على أنه يقبض منها الخنصر والبنصر، ويُحلق الإبهام مع الوسطى، ويرفع السبابة ويُحركها عند الدعاء.
هكذا جاء فيما روى الإمام أحمد (٢٦) من حديث وائل بن حجر بسند قال فيه صاحب الفتح الرباني: إنه جيد. وقال فيه الْمُحَشِّي على زاد المعاد: إنه صحيح. وإلى هذا ذهب ابن القيم ﵀.
أما كلام الفقهاء فيرون أن اليد اليمنى تكون مبسوطة في الجلسة بين السجدتين كاليد اليسرى.
ولكن اتباع السنة أولى، إذا كان هذا قد ورد عن النبي ﵊ فإنه هو الأولى.
ولذلك لم يرد في السنة لا بحديث صحيح ولا ضعيف ولا حسن أن اليد اليمنى تكون مبسوطة على الرِّجل اليمنى.
إنما ورد أنها تُقْبَض، يعني يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، أو تضم الوسطى أيضًا ويضم إليها الإبهام، إذا جلس في الصلاة (٢٧)، وفي بعض الألفاظ: إذا جلس في التشهد (٢٨). وكلاهما في الصحيح؛ صحيح مسلم.
فنحن إذا أخذنا كلمة: إذا جلس في الصلاة.
قلنا: هذا عام في جميع الجلسات.
وقوله: إذا جلس في التشهد في بعض الألفاظ لا يدل على التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة ذكرها الأصوليون، وممن كان يذكرها دائمًا الشوكاني في نيل الأوطار، والشنقيطي في أضواء البيان، على أنه إذا ذُكِرَ بعض أفراد العام بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يدل على التخصيص.
يعني ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام ليس ذلك تخصيصًا، إنما التخصيص أن يُذكر بعض أفراد العام بحكم يُخالف العام.
مثال الأول: قلت لك: أكرم الطلبة. هذا عام يشمل كل طالب، ثم قلت: أكرم فلانًا؛ وهو من الطلبة، فهل هذا يقتضي أن لا أُكرم سواه؟
طلبة: لا.
стр. 1220
الشيخ: لا، لكن يقتضي أن هناك عناية من أجلها خصصته بالذِّكْر.
أما إذا قلت -وهو مثال للثاني-: أكرم الطلبة. ثم قلت: لا تكرم فلانًا؛ وهو من الطلبة، فهذا تخصيص؛ لأن الأول ذكرت فلانًا بحكم يُوافق العام، وهنا ذكرته بحكم يُخالف العام.
ولهذا يقولون في تعريف التخصيص: تخصيص بعض أفراد العام بحكم يخالف، أو إخراج بعض أفراد العام من الحكم.
فهو لا بد أن يكون مخالفًا، أما إذا كان موافقًا فإن الجمهور -جمهور الأصوليين- كما حكاه صاحب أضواء البيان يرون أنه لا يفيد التخصيص، وهو ظاهر كما في المثال الذي ذكرنا لكم.
وعلى هذا فيكون بعض أفراد حديث ابن عمر الذي خُصَّ بالتشهد لا يقتضي التخصيص من بعض ألفاظه الدالة على العموم.
أما الفقهاء ﵏ فقالوا: إنه في هذه الجلسة يبسط يده اليمنى كما يبسط يده اليسرى.
وبناءً على كلام الفقهاء تكون كل جلسة من جلسات الصلاة مخالِفة للأخرى، من أجل التمييز، كيف ذلك؟
لأن الجلسة بين السجدتين افتراش مع كون اليدين مبسوطتين، في التشهد الأول افتراش لكن اليمنى تُقبَض، في التشهد الأخير تَوَرُّك وإن كان يوافق التشهد الأول في قبض اليد.
فهم ﵏ يجعلون لكل جلسة صفة تميزها عن الصفات الأخرى.
ولكن كما قلت لكم: إن اتباع السنة أولى من اتباع الرأي.
أما ما يقول في هذه الجلسة، فيقول المؤلف: (يقول: رب اغفر لي)، وسكت عما سواه.
اقتصر ﵀ على الواجب، ولكن الصحيح أنه يقول كل ما ذُكر عن النبي ﵊: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي» (٢٩)، أو: «اجْبُرْنِي» (٣٠) بدل: «ارْزُقْنِي».
وإن شاء جمع بينها؛ لأن المقام مقام دعاء.
قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي» يعني أنك تسأل الله أن يغفر لك الذنوب كلها أو الصغائر؟
طلبة: كلها.
стр. 1221
الشيخ: كلها، الصغائر والكبائر، والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه، مأخوذة من المِغْفَر الذي يكون على رأس الإنسان عند الحرب يتقي به السهام.
وأما «ارْحَمْنِي» فهو طلب رحمة الله التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، هذا إذا جُمِعَ بينهما.
إما إذا فُرِّقت المغفرة عن الرحمة فإن كل واحدة منهما تشمل الأخرى، ولهذا نظائر في اللغة العربية:
فالفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعًا صار لكل واحد منهما معنى، وإذا أُفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدًا.
يعني: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
وأما قوله: «ارْزُقْنِي» فهو طلب الرزق، ولكن، ما هو الرزق؟ هل هو ما يقوم به البدن، أو ما يقوم به الدين؟
طلبة: الرزق.
الشيخ: كلاهما، يعني أن رزق الله ما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن، وما يقوم به الدين من علم وإيمان وعمل صالح.
فهل نحن نستحضر هذه المعاني عندما نقول: «ارْزُقْنِي»؟ ويش نستحضر؟
طلبة: الأول.
الشيخ: يعني ما تستحضر إلا أن الله يرزقك طعامًا وشرابًا ولباسًا.
طالب: نعم.
طلبة: ده الغالب.
الشيخ: أو ما نستحضر شيئًا أبدًا، نقول هذا على أنه دعاء يقال في هذا المكان.
على كل حال الإنسان ينبغي له أن يعوِّد نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة، حتى يخرج منتفعًا.
فإذا قال: ارْزُقْنِي، يعني: ارزقني ما به قوام البدن، وما به قوام الدين؛ قوام البدن بالطعام والشراب واللباس والمسكن.
وقوام الدين؟
طالب: بالعلم.
الشيخ: بالعلم والإيمان والعمل الصالح.
«وَعَافِنِي» من أي مرض؟
أما إذا كان الإنسان صحيحًا، فالظاهر أنه يقول: «عَافِنِي»؛ لأنها دعاء مسنون في هذا المكان، دون أن يستحضر شيئًا.
стр. 1222
وإن كان مريضًا مرضًا بدنيًّا، استحضر أنه يسأل الله أن يعافيه من هذا المرض البدني، أما إذا كان مريضًا مرضًا قلبيًّا، وما أكثر الأمراض القلبية! -نسأل الله أن يعافينا منها- فما أدري أنستحضر ذلك أو لا؟ نعم، ما أدري.
على كل حال ينبغي للإنسان إذا سأل العافية في هذا المكان أو غيره أن يستحضر أنه يسأل الله العافية؛ عافية البدن، وعافية القلب، ولا حرج أن يقول: عافني في بدني وقلبي، حتى يستحضر؛ لأنه إن لم يقل هذا قد يغفل.
«اجْبُرْنِي»، الجبر يكون من النقص، وكل إنسان ناقص، مُفرِّط، مُسْرِف على نفسه بتجاوز الحد أو القصور عنه، يحتاج إلى جَبْر حتى يعود سليمًا بعد كسره.
ولكن جَبْر مِن كَسْر العظم، ولَّا منين؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: نعم، من كسر العظام البدنية، ومن كسر العظام المعنوية، الإنسان يحتاج إلى جبر يجبر له النقص الذي يكون فيه، فهذه المعاني التي تُذكر في الأدعية ينبغي للإنسان أن يستحضرها.
فإن قال قائل: أليس يغني عن ذلك كله أن يقول: اللهم ارحمني؛ لأن الرحمة عند الإطلاق بها يحصل المحبوب وزوال المكروه؟
فالجواب: بلى.
لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، لكن البسط على حسب ما جاءت به السنة، ما هو بالبسط الذي يذكرونه، بعض الناس يجعلونه من هذا إلى مكة، أو إلى مصر، أو غيرها، أدعية مسجوعة يمكن لا يكون لها معنى، أو لها معنًى غير صحيح.
لماذا كان المشروع فيه البسط؟ لأسباب؛ أولًا: أن الدعاء عبادة، وكلما ازددت في العبادة ازددت خيرًا.
ثانيًا: أن الدعاء مناجاة لله ، وأحب شيء إليك هو الله ، ولا شك أن كثرة المناجاة مع الحبيب مما تزيد في الحب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
стр. 1223
الشيخ: ثالثًا: أن يستحضر الإنسان ذنوبه؛ لأن الذنوب أنواع، فإذا كُرِّر، إذا زِيد في الدعاء استحضر، ولهذا كان من دعاء الرسول ﵊: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» (٣١).
فلهذا كان من المشروع أن يزيد الإنسان في الدعاء ولو كان متكرِّرًا، ولو كان مبسوطًا؛ لأن كل مقام له مقال.
قال: (ويسجد الثانية كالأولى)، يسجدها كالأولى في القول ولَّا في الفعل؟
طلبة: في كل شيء.
الشيخ: في كل شيء؛ في القول والفعل، يعني فيما يقال فيها من أذكار وما يقال فيها من الأفعال، وسبق لنا أن أقوال السجود أن يقول: سبحان ربي الأعلى، (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح. ويدعو، وكلما أكثر من الدعاء في السجود كان أولى؛ لقول النبي ﷺ : «وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٣٢).
وهل يَقرأ القرآن وهو ساجد؟
لا، بل قد نُهِيَ عن ذلك، نُهِيَ النبي ﷺ أن يقرأ القرآن وهو راكع أو ساجد (٣٢)، اللهم إلا إذا دعا بجملة من القرآن مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، فهذا لا يضر؛ لأن المقصود به الدعاء.
قال: (ثم يرفع مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه).
(يرفع) من السجدة الثانية.
(مُكَبِّرًا) حال من فاعل (يرفع)، فيكون التكبير في حال الرفع.
(ناهضًا على صدور قدميه)، قال في الشرح: ولا يجلس للاستراحة. يعني ينهض على صدور قدميه مُعْتَمِدًا على ركبتيه؛ كما قال: (معتمدًا على ركبتيه إن سَهُل)، وإن لم يسهُل عليه فإنه يعتمد على الأرض.
يقول ﵀: (ناهضًا على صدور قدميه).
стр. 1224
ويبدأ بالنهوض من السجود، يبدأ بالجبهة والأنف، ثم باليدين فيضعهما على الركبتين، ثم ينهض على صدور القدمين، هذا هو السنة على ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
فاستفدنا من كلامه أنه لا يجلس إذا قام إلى الركعة الثانية.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل الحديث وبين الفقهاء أيضًا؛ فمنهم من قال: إنه لا يجلس، كما ذكره المؤلف، فلا يُسَنُّ الجلوس مطلَقًا، لكن إن احتاج إليه جلس لا للتعبد ولكن لمشقة النهوض، كما لو كان شيخًا كبيرًا، أو كان مريضًا، أو كان في ركبتيه ألم، فيجلس هنا لا تعبدًا ولكن لدفع المشقة.
وقال بعض العلماء: بل يجلس مطلقًا. وهذان قولان متقابلان.
هذا القول الثاني يقول: يجلس، سواء كان محتاجًا للجلوس أم لم يحتج، يجلس تعبُّدًا لله .
القول الثالث: قول وسط؛ وافق هؤلاء في حال، ووافق هؤلاء في حال، فقال: إن كان الإنسان محتاجًا إلى الجلوس، أي أنه لا يستطيع أن ينهض فيجلس، وإذا كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس.
ولكل قول من هذه الأقوال الثلاثة دليل، ونتكلم عليه إن شاء الله في الدرس القادم.
طالب: بالنسبة يا شيخ للجلسة بين السجدتين، قوله: «رَبِّ اغْفِرْ لِي»، هل يكرِّرها أو يقتصر على هذا كما وردت به السنة؟
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه يقتصر على هذا فقط، والحقيقة أني نسيت أن أذكر هل يُطيل هذا الركن أو لا، وهو مهم، إن شاء الله نعود إليه في الدرس القادم.
طالب: بالنسبة لقيام الليل، كان النبي ﷺ يكرِّرها، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض، إلا بدليل؟
الشيخ: نعم، ولهذا قال الفقهاء اللي غير المؤلف، قالوا: يُسَنُّ تكرارها ثلاثًا.
طالب: شيخ، القاعدة اللي قررناها أن الأوراد توقيفية لا يقال فيه بشيء إلا موافِقًا للنص، والآن قلنا في الدرس: إنه إذا جمع بين (ارْزُقْنِي) و (اجْبُرْنِي)، أو مثلًا قال: عافِنِي في القلب والبدن، أن هذا جائز، كيف نوفِّق بين القاعدة؟
стр. 1225
الشيخ: أصل هذه الأدعية ليس معناها أنها محصور فيها، ليس محصورًا، وإلا لو أخذنا بهذا لقلنا: لا يجوز لنا أن نقرأ في الصلاة إلا بما قرأ به النبي ﵊؛ لأنها توقيفية، لكن إذا علمنا أن هذا مكان دعاء نجعله مكان دعاء، إذا علمناه مكان ذِكر نجعله مكان ذِكر، لو زاد.
طالب: شيخ، تردد في السنة النبي ﷺ أمر أن يقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»، واحد نقله للسجود، قلنا: هذه أدعية جامعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأن المكان يعني مكان استجابة.
الشيخ: نعم، نقول: إذا نقلها تعبُّدًا فهذا غلط، وإن نقلها لأنها دعاء يحب أن يدعو الله به فلا بأس، لكن يذكرها أيضًا إذا فرغ من التشهد الأخير؛ لأن الرسول ﷺ أمر به، أمر إذا فرغ من التشهد الأخير أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» (٣٣) إلى آخره.
طالب: ( ... ) لازم يكون ( ... ).
الشيخ: نعم، الأفضل أن يحافظ أولًا على ما ورد، فإذا زاد الوقت مثل في صلاة الليل أو مع الإمام وأطال، يقول: نعم.
طالب: شيخ، ما يتذكر قلنا في دروس سابقة أنه من ادعى في الحديث إما نسخًا أو أنه كان في أول الإسلام، فعليه الدليل أو ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: فإن لم يأت بذلك فلا دليل، وقلنا يا شيخ: قول الحنابلة إن قول ابن عباس ( ... ) هذا متأخِّر، يعني قول منسوخ ..
الشيخ: منسوخ، ما هو متأخر.
الطالب: أين الناسخ؟
الشيخ: هم يقولون: إن أكثر الأحاديث الواردة عن الرسول حتى من المتأخرين من الصحابة كلها تدل على التورك وعلى الافتراش.
طالب: هذا يكون دليلًا على النسخ؟
стр. 1226
الشيخ: هو ليس بدليل إلى ذاك، يعني ما هو إلى ذاك في القوة، لكن لا شك أن الجلوس افتراش أريح للإنسان، وأكثر في الطمأنينة، وتعرف الإنسان لو يجلس على عقبيه هذه الجلسة هو بين أمرين: يا إما بيتحمل على ركبتيه بيديه، ولَّا بيتعب بسرعة، ثم قد لا يطمئن لا سيما إذا كان الإنسان ثقيلًا. ( ... )
***
طالب: .. محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويصلي الثانية كذلك ما عدا التحريمة والاستفتاح، والتعوذ، وتجديدَ النية، ثم يجلس مفترشًا ويداه على فخذيه، يقبض خنصر اليمنى، وبنصرها، ويحلِّق إبهامها مع الوسطى).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان إذا قام من السجود يقوم مُكَبِّرًا ناهضًا على صدور قدميه، ولكن المؤلف قيَّده بقوله: (إن سهل) يعني: فإن شق فعلى ما تيسر.
والذي ذهب إليه المؤلف ﵀ من كون المصلي يقوم معتمِدًا على ركبتيه، على صدور قدميه، هو المشهور من مذهب الحنابلة، وعلى هذا فلا يُسَنُّ أن يجلس عند القيام إلى الثانية، أو القيام إلى الرابعة، وهذه الجلسة تسمى عند العلماء جلسة الاستراحة.
ومعلوم أن إضافتها إلى الاستراحة يعطيها حكمًا خاصًّا بما إذا كان الإنسان يستريح بها، ولهذا رفض بعضهم أن تسمى جلسة الاستراحة، وقال: يجلس، ولا نقول: جلسة استراحة ولا غير استراحة؛ لأننا إذا سميناها جلسة الاستراحة رفعنا عنها حكم التعبُّد، وصارت لمجرد الاستراحة.
стр. 1227
ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأن الاستراحة للتقوِّي على العبادة عبادة، كقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فتسمية العلماء لها قاطبة فيما نعلم بجلسة الاستراحة لا يُنكَر؛ لأننا نقول: حتى وإن سَمَّيْنَاها جلسة الاستراحة فإن التعبد لله بها إذا كان الإنسان يستريح بها لينشط على العبادة يجعلها عبادة.
المهم نحن وعدنا بأن نتكلم على خلاف العلماء في هذه الجلسة، فالمشهور من المذهب كما رأيتم أنها لا تُسَنُّ مطلَقًا، بل السنة أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه، سواء كان نشيطًا، أو غير نشيط.
وقال بعض العلماء: بل يجلس؛ لأنه ثبت في صحيح البخاري (٣٤) من حديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ كان إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا.
وكذلك في نفس الحديث أنه كان يعتمد على يديه، أي يعتمد على الأرض ثم يقوم.
قالوا: وهذا دليل على أنها جلسة يستقر فيها؛ لأن الاستواء بمعنى الاستقرار، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤].
فإذا كان مالك بن الحويرث يروي هذا عن رسول الله ﷺ ، وهو الذي روى قوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٥)، وقد جاء في وفد قومه في السنة التاسعة في آخر حياة النبي ﷺ ، فإن هذا يدل على أنها مستحبة، وأنها من الجلسات المندوبة، وليست من الجلسات التي تفعل بمقتضى الطبيعة والجِبِلَّة.
стр. 1228
جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود سنة في حق من يحتاجها فقط للراحة وعدم المشقة وفصَّل بعض العلماء في هذا، وقال: قد روي عن النبي ﵊ أنه كان لا يجلس، وأنه كان يجلس، ومن المعلوم أن لرسول الله ﷺ حالين؛ حالًا فيها كان نشيطًا شابًّا قويًّا، وحالًا كان فيها دون ذلك، فإنه كان ﵊ في آخر حياته يصلي الليل قاعدًا، أكثر من سَنَة يصلي قاعدًا، وكان ﵊ سابَقَ عائشة فسبقها، ثم سابقها فسبقته (٣٦).
ثم إنه ﵊ كان يحب أن ييسر على نفسه في العبادة، وكذلك يحب أن ييسر الإنسان على نفسه في العبادة، حتى إنه أنكر على الذين قالوا: نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء (٣٧).
ومنع عبدَ الله بن عمرو بن العاص من أن يصوم الدهر، وأرشده إلى أن يصوم يومًا ويدع يومًا، ومنعه من أن يقوم الليل كله، وأرشده إلى أن ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه (٣٨)، وهذا دليل على أن شريعة النبي ﵊ مبنية على اليسر والسهولة.
وكان مالك بن الحويرث قَدِمَ إليه في آخر حياته، فكان ﷺ يحب التيسير على نفسه، فيجلس ثم يعتمد بيديه على الأرض، وهذا يدل على أن قيامه فيه شيء من المشقة، بدليل اعتماده على الأرض؛ لأن مَن كان نشيطًا فإنه وإن جلس للتشهد أو لغير التشهد لا يحتاج إلى الاعتماد، فلولا أنه كان ﵊ محتاجًا إلى هذه الجلسة ما اعتمد عند النهوض منها.
وقالوا أيضًا: إن من المعلوم أن جميع أفعال الصلاة المستقلة أركان، وأن كل ركن له ذكر خاص، وهذه ليست ركنًا بالإجماع، أكثر ما فيها أن العلماء اختلفوا في مشروعيتها.
أما أنها ركن فإنه قد نَقل غيرُ واحد الإجماع على أنها ليست بركن، وأيضًا كل فعل من أفعال الصلاة له ذِكر، وهذه ليس لها ذِكْر، فدل على أنها فعل ليس فعل عبادة.
стр. 1229
وعليه فنقول: إن احتاج الإنسان إليها صارت مشروعة لغيرها؛ للراحة وعدم المشقة، وإن لم يحتج فليست بمشروعة، وهذا القول كما ترون قول وسط، تجتمع فيه الأخبار كما قال صاحب المغني ﵀، وهو اختيار ابن القيم؛ أننا لا نقول: سُنَّة، على الإطلاق، ولا غير سُنَّة، على الإطلاق، بل نقول: هي سُنَّة في حق مَن؟
طالب: يحتاجها.
الشيخ: يحتاج إليها لكِبَر أو مرض أو غير ذلك.
وكنت أميل إلى أنها مستحبة على الإطلاق، وأن الإنسان ينبغي له أن يجلس، وكنت أفعل ذلك أيضًا بعد أن كنت إمامًا، ولكن تبين لي بعد التأمل الطويل أن هذا القول المفصَّل قول وسط، وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقًا، وإن كان الرُّجحان فيه ليس جيدًا عندي، لكنه تميل إليه نفسي أكثر، فاعتمدت ذلك.
يبقى النظر، إذا كان الإنسان مأمومًا فهل يُسَنُّ له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سنة، أو متابعة الإمام أفضل؟
والجواب على ذلك: أن متابعة الإمام أفضل، ولهذا تُرِك الواجب، وهو التشهد الأول، من أجل متابعة الإمام، وفُعِل الزائد، كما لو أدرك الإمام في الركعة الثانية فإنه سوف يتشهد في أيش؟ في أول ركعة، فيأتي بتشهد زائد، كل ذلك من أجل متابعة الإمام.
بل يترك الإنسان الركن من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبي ﵊: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا» ..
طلبة: «قُعُودًا».
الشيخ: «قُعُودًا» (٣٩).
فهو يترك ركن القيام وركن الركوع، فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الركوع، كل هذا من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: الجلسة هذه يسيرة لا يحصل بها تخلف عن الإمام.
стр. 1230
فالجواب: أن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» (٤٠)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، وهذا يدل على أن الأفضل في حق المأموم أن لا يتأخر عن الإمام ولا تأخرًا يسيرًا، بل أن يبادر بالمتابعة، فلا يوافِق ولا يُسابِق ولا يتأخَّر، بل يكون مبادِرًا للفعل مع الإمام.
وهذا هو حقيقة الائتمام؛ أن لا تتأخر عن إمامك، وأن لا تسبقه، وأن لا توافقه، فإذا كان الأمر بالعكس بأن كان الإمام يرى هذه الجلسة وأنت لا تراها؟
فإن الواجب عليك أن تجلس؛ لأنك لو لم تجلس لقُمْتَ قبل إمامك، وهذه مسابَقة، والمسابَقة حرام؛ لقول النبي ﵊: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» (٤١).
قد يقول: أنا لا أقوم قبله، لكن أَتَأَنَّى في السجود حتى أظن أنه قام؟
قلنا: إذن لم تفعل محرَّمًا، لكن تَرَكْتَ أيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: سُنَّة، وهي المبادرة بمتابعة الإمام، فإذا كنت لا ترى أنها مستحبة والإمام يرى فاجلس مع إمامك، كما أنك تجلس معه في التشهد الذي ليس في محل تشهد، كل ذلك من أجل المتابعة.
تُشرع جلسة الاستراحة قبل القيام من السجود إذن القول الذي يترجَّح عندي، وليس رجحانه كثيرًا، لكنني أميل إليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها: أن هذه الجلسة مشروعة عند الحاجة إليها، وإلا فلا يجلس.
أما بالنسبة للمأموم فقد عرفتم ما ذكرناه.
***
يقول المؤلف: (معتمدًا على ركبتيه إن سهل، ويصلي الثانية كالأولى).
(يصلي الثانية)، يعني: الركعة الثانية (كالأولى).
وعلى هذا فـ (الثانية) صفة لموصوف محذوف، تقديره؟
طلبة: الركعة.
الشيخ: الركعة.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن يُحذَف الموصوف وتبقى الصفة؟
следующие страницы →