Полный текст (12 382 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وعُلِمَ من كلامه ﵀ أنه لا يجوز أن يقصر ما دام في قريته، ولو كان عازمًا على السير، ولو كان مرتحلًا، ولو كان راكبًا يمشي بين البيوت، فإنه لا يقصر حتى يبرز، وذلك لأن النبي ﷺ كان لا يقصر إلا إذا خرج (١)، إذا خرج وارتحل قصر، أما ما دام في البلد فإنه كان لا يقصر ﵊.
ولأن السفر هو أن يسفر الإنسان ويبرز ويخرج، كما سبق أن السفر مفارقة محل الإقامة، ومن كان في محل إقامته فإنه ليس مسافرًا.
قال المؤلف: (إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه).
في القصيم الآن إذا خرج الإنسان إلى المطار هل يقصر في المطار؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يقصر؛ لأنه فارق عامر قريته، جميع القرى التي حول المطار منفصلة عنه، أما من كان من سكان المطار فإنه لا يقصر في المطار، لماذا؟ لأنه لم يفارق عامر قريته.
وهل له أن يفطر في المطار؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، له أن يفطر، يعني لو أراد أن يسافر في رمضان وخرج وبقي في المطار ينتظر الطائرة، وأقصد بذلك مطار القصيم، فإنه يفطر؛ لأنه فارق عامر قريته.
لو قُدِّرَ أن الطائرة لم تنزل ولم يحصل السفر ذلك اليوم، هل يعيد الصلاة التي كان قصرها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه أتى بها بأمر الله موافِقةً لشرعه، فتكون مقبولة؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٠)، فمفهومه من عمل عملًا عليه أمر الله ورسوله فهو قَبُول.
هل يلزمه إذا رجع وهو مُفْطِر ولم تأت الطائرة فرجع إلى بلده هل يلزمه الإمساك؟
طالب: لو رجع أثناء النهار يا شيخ يلزمه من أجل الحفاظ على حرمة الشهر.
طالب آخر: يلزمه الإمساك.
طالب آخر: لا يلزمه.
الشيخ: فيه قولان للعلماء، والصحيح أنه لا يلزمه، وذلك لأنه أفطر بعذر شرعي على وجه مباح، فزالت حرمة النهار في حقه، فبقي آخر النهار غير محترَم بالنسبة له.
стр. 2172
يقول: (وإن أحرم حضرًا ثم سافر)، فيه سؤال: هذا رجل سافر من أجل أن يترخص، هل يترخص؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأن السفر حرام، ولأنه يعاقَب بنقيض قصده، مَن أراد التحيل على إسقاط الواجب أو فِعْل المحرَّم.
الرجل التائه، إنسان تائه ضائع، خرج من بلده يتمشى، فجأة هبَّت رياح أضلته عن الطريق، فصار تائهًا، يطلب الطريق ولكنه لم يَهْتَدِ إليه، ماذا نقول؟
يقولون: إنه لا يقصر؛ لأنه لم يَنْوِ المسافة المعيَّنة، وكذلك من خرج لطلب بعير شارد يطلبه، يقولون: فإنه لا يقصر؛ لأنه لم يَنْوِ المسافة.
ولكن الصحيح أنه يقصر؛ لأن كل هؤلاء على سفر.
يقول: (وإن أحرم ثم سافر)، (أحرم) يعني: دخل في الصلاة، فالدخول في الصلاة يعتبر إحرامًا، ولهذا نُسَمِّي التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام.
فهذا رجل أحرم يعني كَبَّر للإحرام ثم سافر، كيف يكبر ثم يسافر، يمكن؟ يمكن، كما لو كان في سفينة، أو كان في سيارة، السفينة تجري في نهر في البلد، يشق البلد، وكانت راسية، فكَبَّرَ للصلاة، ثم مشت السفينة ففارقت البلد وهو في أثناء الصلاة.
إذن هذا أحرم في الحضر ثم سافر، فماذا يلزمه؟ يقول المؤلف: إنه يلزمه الإتمام، يلزمه أن يتم؛ لأنه ابتدأ الصلاة في حال يلزمه إتمامها، فلزمه الإتمام.
المسألة الثانية: قال: (أو في سفر ثم أقام)، يعني: أحرم بالصلاة في سفر ثم أقام، يمكن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طلبة: عكس الثانية.
الشيخ: عكس الأولى، السفينة مُقْبِلَة على البلد، والنهر قد شق البلد، فكَبَّرَ للإحرام وهو في السفينة قبل أن يدخل البلد، ثم دخل البلد، نقول: يلزمه الإتمام، لماذا؟
قالوا: لأنه اجتمع في هذه العبادة سببان؛ أحدهما يبيح القصر، والثاني يمنع القصر، فغُلِّبَ جانب المنع.
стр. 2173
ما الذي يبيح القصر؟ السفر، وهو الذي ابتدأ الصلاة فيه، والذي يمنعه الإقامة، وهو الذي أتم الصلاة فيها، فيُغَلَّب هذا الجانب؛ لأن عند الفقهاء قاعدة: إذا اجتمع مُبِيحٌ وحاظر فالحكم للحاظر، ولَّا للحاضر؟
طلبة: للحاضر.
الشيخ: بالظاء ولا بالضاد؟
طلبة: بالضاد.
الشيخ: بالظاء الْمُشَالَة، إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحظر.
ودليل هذه القاعدة قول النبي ﵊: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١١)، وقوله: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (١٢)، ولها أيضًا أدلة أخرى.
هاتان مسألتان فيهما إتمام.
قال المؤلف: (أو ذَكَرَ صلاة حضر في سفر).
رجل مسافر، وفي أثناء السفر ذكر أنه صلى الفجر وعليه جنابة، يتم ولَّا لا؟
طلبة: ما فيها قصر.
الشيخ: تمام، إذن أنتم الحمد لله فيه انتباه.
في أثناء السفر ذكر أنه صلى الظهر في البلد بغير وضوء، يتمها أربعًا؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١٣)، «فَلْيُصَلِّهَا»، يصلي هذه الصلاة بعينها إذا ذكرها، ولأن هذه الصلاة لزمته تامة فوجب عليه قضاؤها تامة، وهذا واضح.
قال المؤلف: (أو عكسها)، يعني: أو ذكر عكسها، بأن ذكر صلاة سفر في حضر، يعني لما وصل إلى بلده ذكر أنه صلى الظهر ركعتين في السفر لكن بلا وضوء.
يقول المؤلف: يلزمه أن يصلي أربعًا، لماذا؟ لأنها صلاة وجبت عليه في الحضر، القضاء، فلزمه الإتمام، ولأن القصر من رُخَص السفر، وقد زال السفر فيلزمه الإتمام.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن القول الراجح خلافه، وأنه إذا ذكر صلاة سفر في حضر صلَّاها قصرًا؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، قال: فليصلها هي.
стр. 2174
وهذا الرجل ذكر أنه صلى صلاة مقصورة بغير وضوء، فيلزمه أن يصليها صلاة مقصورة، ولأننا نقول كما قالوا في الأولى: هذه صلاة وجبت عليه في سفر، وصلاة السفر مقصورة، فلا يلزمه إتمامها، وهذا القول هو الراجح.
كم مسألة ذكرها؟
طالب: أربع.
الشيخ: إذا أحرم في الحضر ثم سافر، أو في السفر ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو ذكر صلاة سفر في حضر.
(أو ائتم بمقيم)، يعني: ائتم المسافر بمقيم، فإنه يتم؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (١٤)، ولقوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» (١٥)، قال: ما أدركتم فصلوا، فيشمل كل ما أدرك الإنسان وما فاته فليتم.
ولأن ابن عباس سُئِلَ: ما بال الرجل المسافر يصلي ركعتين، ومع الإمام أربعًا؟ فقال: تلك هي السنة. (١٦)
ولأن الصحابة ﵃ كانوا يصلون خلف عثمان بن عفان وهم في سفر، يصلون أربعًا في منى (٤)، فهذه أدلة أربعة كلها تدل على أن المأموم يتبع إمامه.
فإن قال إنسان: إذا أدرك من صلاة الإمام ركعة، من الصلاة الرباعية فبكم يأتي؟
طلبة: يأتي بثلاث.
الشيخ: يأتي بثلاث، وإن أدرك ركعتين أتى بركعتين، وإن أدرك ثلاثًا أتى بركعة، وإن أدرك التشهد أتى بأربع؛ لعموم قوله ﷺ : «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(أو بمن يشك فيه) يعني: ائتم بمن يشك فيه؛ هل هو مسافر أو مقيم، وهذا إنما يكون في محلٍّ يكثر فيه المقيمون والمسافرون، مثل المطار، المطار فيه مقيمون، وفيه مسافرون، أحيانًا يكونون بعلامة، وأحيانًا يكونون بغير علامة، إن كانوا بعلامة فالأمر ظاهر.
فمثلًا إذا رأينا جنديًّا في المطار فهو مقيم، إذا رأينا شخصًا يحمل حقيبة سفر فهو مسافر، إذا شككنا ولم يوجد قرينة تؤيد أنه مسافر أو أنه مقيم فإنه يلزمه أن يتم، لماذا؟
стр. 2175
قالوا: لأن من شرط القصر أن ينويه بنية جازمة، لا مع التردد، والإنسان إذا ائتم بمن يشك فيه لا يدري هل هو مسافر فيصلي معه ركعتين، أو مقيم فيصلي معه أربعًا.
فإن قال حينما رأى إمامًا يصلي بالناس في مكان خليط ما بين مسافرين ومقيمين: إن أتم إمامي أتممت، وإن قصر قصرت، هل يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: قالوا: إنه يصح، وإن كان معلَّقًا؛ لأن هذا التعليق يطابق الواقع، فإن إمامه إن قصر ففرضه هو القصر، وإن أتم ففرضه الإتمام.
قالوا: هذا التعليق لا يضر؛ لأنه تعليق مطابق للواقع شرعًا، وعليه فيدخل معه؛ إن أتم أتم، وإن قصر قصر.
وليس هذا من باب الشك، لكن هذا من باب تعليق الفعل بأسبابه، علَّق الفعل اللي هو الإتمام والقصر بأسباب القصر أو الإتمام، ما سبب القصر؟ قصر الإمام في هذه الحال، وسبب الإتمام إتمام الإمام.
(أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها).
قوله: (أو أحرم) يعني بذلك: المسافر أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، مثل لو ائتم بمقيم، فرضنا أنه مسافر وائتم بمقيم، فقد أحرم بصلاة أيش؟ يلزمه إتمامها، فسدت الصلاة، ثم أعادها، فإنه يلزمه الإتمام.
مثاله: أحرم مع الإمام في إقامة، يعني خلف إمام مقيم، دخل يصلي الظهر خلف هذا الإمام المقيم، كم يلزمه؟
طلبة: أربع ركعات.
الشيخ: أربع ركعات، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا المأموم في أثناء الصلاة أحدث وانصرف وتوضأ، ورجع ووجد الناس قد صلوا، فأراد أن يصلي لنفسه، ماذا نقول له؟ يلزمك أن تصلي أربعًا، لماذا؟
لأن هذه الصلاة إعادة لصلاة يجب إتمامها، فإنك حينما شرعت في صلاة الظهر أولًا لزمك أن تصلي أربعًا، فالصلاة وجبت في ذمتك أربعًا فيلزمك أن تصلي أربعًا.
طالب: كيف يتم إنسان لهذا الحال؟
الشيخ: إي؛ لأنه شرع مع الإمام في صلاة يلزمه إتمامها.
الطالب: فُسِخَت النية خلاص، نوى نية ثانية.
الشيخ: كأن الأخ يعارض في هذه المسألة.
الطالب: إي نعم.
стр. 2176
الشيخ: في المسألة الثانية دخل مع الإمام المقيم وهو مسافر، ولما شرع في الصلاة ذكر أنه على غير وضوء، يجب عليه أن ينصرف، انصرف وتوضأ، فلما رجع وجد الناس قد صلوا، فما الذي يلزمه هنا؟
طالب: ركعتان.
الشيخ: نعم، لا يلزمه الإتمام؛ لأن المؤلف يقول: (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت)، فدل قوله: (ففسدت) على أن الفساد طارئ.
أما إذا ذكر أنه صلى بغير وضوء، فإن الصلاة لم تنعقد أصلًا، وعلى هذا فلا يلزمه الإتمام، في المسألة الثانية وهي ما إذا ذكر في أثناء الصلاة أنه على غير وضوء لا يلزمه الإتمام.
المسألة الأولى إذا فسدت بعد أن انعقدت، يقول المؤلف: إنه يلزمه الإتمام، ويقول الأخ: لا أُسَلِّم لهذا، ولعل قول الأخ قريب من الصواب، وذلك لأن الصلاة الأولى التي شرع فيها إنما يلزمه إتمامها أيش؟ تبعًا لإمامه لا من أصل، فهي في ذمته مقصورة، لكن يلزمه الإتمام تبعًا لإمامه، والآن وبعد أن فسدت زالت التبعية، فلا يلزمه إلا صلاة مقصورة.
وهذا التعليل أقوى من التعليل الذي ذكروه ﵏، فيكونهذا القول أرجح أنه إذا أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها في حال يجوز له القصر، فإنه لا يلزمه الإتمام.
طالب: شيخ، الدليل على مفارقة العامر إذا قصر؟
الشيخ: أن الرسول ﵊ ما كان يقصر إلا إذا خرج. (١) يعني لم يُحْفَظ عنه أنه قصر في مكانه، هذا الراجح
طالب: الحكم ثابت في مفارقة البلد في الذهاب والإياب؟
الشيخ: إي نعم، في الذهاب والإياب.
الطالب: يعني لو قدم قادم من مكة مثلًا ونزل بالمطار وهو يؤذَّن لصلاة الفجر في شهر رمضان، هل يفطر؟
الشيخ: هو ناوٍ الإفطار، يعني ما نوى الصوم؟
الطالب: قدم من مكة الآن، هو قادم إلى أهله.
الشيخ: نعم، له أن يُفْطِر.
الطالب: حتى لو كان ما بينه وبين البلد خمسة سنتي يعني؟
الشيخ: لا هذه خمسة سنتي والله ما أدري.
الطالب: إذن مفارقة البلد لغويًّا ما هو دليلها، هل هي ..
стр. 2177
الشيخ: لا واضح، إذا فارق عامرَ قريته.
الطالب: لو كان فارق مدى الخمسة سنتي ينطبق عليه ..
الشيخ: لا، هذه الخمسة ما أظنها، المسألة تقريبية، السنتي ما هو بشيء.
طالب: لو قلنا مفارقة عرفية؟
الشيخ: إذا قلنا مفارقة عرفية فالناس من يوم يخرجون ( ... )، ولهذا لما أقبلوا على الكوفة مع علي بن أبي طالب أقبلوا على الكوفة ينظرونها قريبةً صلى ركعتين، فسألوه، قال: إنا لم ندخلها (١٧)، وهذا يدل على أن العبرة بنفس البلد.
طالب: في قولنا: إن الإنسان إذا كان مسافرًا أحرم في الصلاة وهو مسافر ثم دخل البلد فإنه يتم، مع أن القول بقصر الصلاة بالوجوب قول قوي، ألا يكون مرجِّحًا للقصر، والعكس؟
الشيخ: لا؛ لأن هذه الصلاة الآن اجتمع فيها سببان؛ مبيح وحاظر، فغُلِّب جانب الحظر.
الطالب: لكن هناك حاظر وهو إتمام الصلاة.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قصر الصلاة على الوجوب، وهو حظر الإتمام.
الشيخ: إي، لكن القائلين بالوجوب يقولون بوجوب القصر في السفر، الآن زال السفر في أثناء الصلاة، فموجِب القصر وهو السفر زال، وموجِب الإتمام وهو الإقامة وُجِدَ، واضح؟ تأمل.
الطالب: أتأمل لكن ما أقتنع.
الشيخ: لا، اقتنع.
طالب: شيخ، تعليل الفقهاء تعليلًا آخر فيمن أحرم بمقيم ثم ..
الشيخ: من ائتم بمقيم؟
الطالب: إي، مسافر أحرم بمقيم.
الشيخ: يعني ائتم بإمام مقيم؟
الطالب: إي نعم، وبعد فسدت صلاته، يعني أحدث وخرج من المسجد وتوضأ، يجب عليه أربع لأجل هذا؛ لأن كل من نوى شيئًا فهو كالمنذور عليه، يعني هذا لزم عليه يصلي أربعة لأنه كالمنذور.
الشيخ: إي نعم، يعني هذا أيضًا تعليل لا بأس به؛ أنه لما شرع فيها تامة لزمته؛ لأنه التزم بها تامة، لكن هؤلاء يقولون: التزم بها تامة ثم بطلت.
الطالب: وكذلك هذا عامٌّ في الصيام كذلك، وهذا التعليل.
الشيخ: وكذلك الصيام لو أنه شرع في الصيام ثم أفطر وجب عليه القضاء.
الطالب: الصيام مستحق؟
الشيخ: لا، ما يلزم، الصحيح أنه لا يلزم.
стр. 2178
طالب: إذا أذَّن المؤذِّن ثم شرع في السفر، المسافر بعدما يشرع يلتزم إتمام الصلاة؟
الشيخ: هذه المسألة: لو دخل وقت الصلاة وهو في البلد في الحضر، ثم سافر بعد ذلك، فإن القول الراجح أنه يصلي ركعتين اعتبارًا بفعل الصلاة، ولو كان بالعكس؛ دخل عليه الوقت وهو في السفر، ثم وصل البلد فإنه يصليها أربعًا؛ لأن العبرة بفعل الصلاة.
***
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في بيان المسافر الذي يجب عليه أن يتم صلاته:
أو لم يَنْوِ القصرَ عند إحرامها, أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملَّاحًا معه أهله لم يَنْوِ الإقامة ببلد لزمه أن يتم.
وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما، أو ذكر صلاةَ سفرٍ في آخر قصر.
وإن حُبِسَ وَلم يَنْوِ إقامة، أو أقام لقضاء حاجة بلا نيةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يبدأ المسافر برُخَصِ السفر؟
طالب: إذا خرج من عامِرِ قريته.
الشيخ: إذا فارق عامر قريته.
وإذا كان فيه خيام، يعني مثلًا ناس نازلين في البر كالبادية؟
الطالب: إذا فارق خيام ..
الشيخ: إذا فارق خيام قومه.
رجل أحرم بالصلاة حاضرًا ثم سافر في أثناء الصلاة؟
طالب: هذا يصليها قصرًا.
الشيخ: يصليها قصرًا، لماذا؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه يتم.
الشيخ: وعلى كلام غير المؤلف؟
الطالب: يعني يصليها قصرًا؛ لأنها غُلِّبَت العلة من الطرف الآخر.
الشيخ: لكنه ابتدأها وهو مقيم؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: يصليها تمامًا.
الشيخ: يصليها تمامًا، ولم نذكر نحن قولًا آخر، عَلِّل؟
الطالب: قوله ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ». (١٨)
الشيخ: أيش اللي يريبنا هنا؟
الطالب: اجتمع السفر والحضر، فالذي لا يريبنا هو الحظر، وكذلك القاعدة؛ إذا اجتمع الحاظر والمبيح غُلِّبَ جانب الحظر.
стр. 2179
الشيخ: الحظْر أي المنع.
طالب: قالوا كذلك: إنه ابتدأ الصلاة تامة فلزمه إتمامها كما بدأها.
الشيخ: لما شرع فيها تامة لزمه الإتمام؛ لأنه التزم بها.
على العكس من ذلك؛ أحرم بالصلاة مسافرًا، ثم وصل البلد؟
طالب: يتمها أربعًا.
الشيخ: يتمها أربعًا، العلة؟
الطالب: لأنه زال السبب المانع من القصر فيُغَلَّبُ جانب الحظر.
طالب آخر: لأنه اجتمع جانب الحظر وجانب المبيح للقصر، وقالوا: يُغَلَّبُ جانب الحظر.
الشيخ: يغلب جانب الحظر.
الطالب: لقول النبي ﷺ : «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».
الشيخ: هل يفرق بين ما إذا صلى ركعة أو لا؟ يعني هل يفرق بين ما إذا وصل إلى بلده بعد أن صلى ركعة وهو في السفر، أو وصل إلى بلده في أول الركعة؟
طالب: لا، ما يُفَرَّق.
الشيخ: لا يُفَرَّق؛ لأنه اجتمع سببان أحدهما مبيح والثاني حاظر فغُلِّب جانب الحظر أو الحاظر.
رجل أدرك مع إمام مقيم ركعة، والرجل المدرِك للركعة مسافر؟
طالب: يتم أربعًا.
الشيخ: يتم أربعًا.
الطالب: يقوم ويجيب ثلاثة ويتم أربعًا.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل الرسول ﷺ يعني ما أدركتم فأتموا.
الشيخ: ما أدركتم فأتموا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما أدركنا أدركنا، كيف نتم؟
الطالب: إذا مثلًا إنسان مسافر إذا صلى وراء المقيم يتابع الإمام.
الشيخ: إي نعم، لكن ما هو الدليل إذا أدرك ركعة، لماذا لا نقول: ائت بركعة وسَلِّم؟
طالب: قول الرسول ﷺ : «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». (١٥)
الشيخ: وجه الدلالة من هذا الحديث؟
الطالب: الإتمام.
الشيخ: إي، ما وجه الدلالة؟
الطالب: أننا أدركنا أول الصلاة الرباعية ..
الشيخ: لكن لو قال قائل: هذا في الحضر، إذا ما أدركتم فصلوا، يعني في الحضر، وما فاتكم فأتموا؟
الطالب: نقول: نستشهد بحديث ابن عباس يا شيخ أنه لما سُئِلَ عن ..
стр. 2180
الشيخ: أنت الآن أتيت بدليل، وَجِّه هذه الدلالة؟
الطالب: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»، فالآن نحن أدركنا ..
الشيخ: لو قال لك قائل: هذا فيما إذا كان مقيمًا؟
الطالب: الحديث عام يا شيخ.
الشيخ: إي، هذا هو، إذن نقول: لعموم حديث «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
رجل مقيم صلى خلف إمام مسافر؟
طالب: يقوم ويكمل الركعتين اللي فاته ..
الشيخ: إذا سلم الإمام؟
الطالب: يكمل إذا كانت رباعية ..
الشيخ: هي رباعية، ما فيه قصر إلا في الرباعية.
طالب: إي، يعني المسافر هو المأموم.
الشيخ: المأموم كان مقيمًا، والإمام كان مسافرًا، فهل يتبع إمامه في القصر كما تبعه في الإتمام في المسألة الأولى، أم ماذا؟
طالب: لا، ما يتبعه في القصر.
الشيخ: لا يتبعه في القصر؟
طالب: المسافر هو الإمام؟
الشيخ: إي نعم، والمأموم مقيم.
الطالب: يقوم ويكمل يعني الركعتين إذا كانت الصلاة رباعية اللي هو الحاضر، ما يتبع الإمام.
الشيخ: ما الدليل؟ لو قال قائل: إنا أقيسها على المسألة الثانية عكس هذه؟
طالب: أن الرسول ﷺ لما سلَّم قال: «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ إِنَّا قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ». (١٩)
الشيخ: لمن قاله؟
طالب: قال لمن خلفه.
الشيخ: من هم؟
طالب: الصحابة.
الشيخ: الصحابة، أهل الرياض ولَّا أهل القصيم! !
الطالب: أو حديث الرسول ﷺ يقول: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». (١٥)
الشيخ: ما فاتنا شيء، الإمام صلى ركعتين وجلس وسَلَّم، وأنا داخل معه من أول الصلاة.
الطالب: لأنه ما له أي حق أن يقصر.
الشيخ: كلمة ما له أي حق هذه ما هو جواب.
طالب: اللي ذكره الأخ حديث النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّا قَوْمٌ عَلَى سَفَرٍ فَأَتِمُّوا» يشير إلى الصحابة من أهل مكة.
الشيخ: إلى أهل مكة، كان يصلي بهم عام الفتح فيقول: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ».
стр. 2181
رجل ذكر صلاة حضر في سفر؟
طالب: يتم.
الشيخ: متأكد؟
الطالب: إي نعم، لزم عليه أربع، وهو الإعادة لما لزم.
الشيخ: إي نعم، هذا تعليل جيد، ما فيه دليل؟
الطالب: والدليل قول الرسول ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». (٢٠)
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: قال: يصلي ما هو معيَّن، الصلاة المعيَّنة الذي لزم عليه.
الشيخ: إي نعم، تمام، فليصلها، هذه تُعَيِّن الصلاة، ولهذا لو قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ، ولو قضى صلاة ليل في نهار جهر.
رجل ذكر صلاة سفر في حضر؟
طالب: فيه قولان؛ على قول المؤلف أنه يتم لأنه اجتمع مبيح وحاظر، وعلى القول الثاني أنه يقصر الصلاة.
الشيخ: يعني فيها قولان؛ القول الأول أنه يتم.
الطالب: لاجتماع المبيح والحاضر، والقول الثاني أنه يصلي صلاة المسافر.
الشيخ: والقول الثاني أنه يصلي ..
الطالب: صلاة المسافر؛ لعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
الشيخ: لعموم قوله: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، يعني: يصلي هذه الصلاة المعيَّنة على صفتها إذا ذكرها، ولأن القضاء؟
طالب: يحكي الأداء.
الشيخ: يحكي الأداء، هذه قاعدة فقهية، القضاء يحكي الأداء، يعني يكون شبهه مماثلًا له.
إنسان في المطار، فوجد رجلًا يصلي بجماعة، وشك هل هو من المسافرين أم من المقيمين، فهل يلزمه الإتمام، أو يجوز له القصر؟
طالب: نقول: إذا كان هناك أناس معروفون جنود مثلًا، فإنه إذا كان إمامًا يعني من أهل المطار فإنه يتم، ولكن قد يعلِّق يقول: إذا أَتَمَّ الإمام أُتِمُّ، وإذا قصر قصرت.
الشيخ: نحن ذكرنا أنه ثلاثة أقسام؛ أن يوجد عليه علامة السفر، أن يوجد عليه علامة الإقامة، فهنا؟
طالب: هنا يتم.
الشيخ: إن وجد عليه علامة الإقامة أتم، أو علامة السفر قصر، إذا لم يجد شيئًا لا هذا ولا هذا؟
стр. 2182
طالب: يقول: إن أتم الإمام أتمت، وإن قصر قصرت.
الشيخ: فلا حرج أن يقول: إن قصر قصرت، وإن أتم أتممت، وإذالم يقل؟
الطالب: إن أتم الإمام أتم، وإن قصر قصر.
الشيخ: ويش يدريه الآن؟ المسألة هو الآن أدركه فسلَّم الإمام، ما يدري هل صلى قبل أن يدخل معه ركعتين، أو أنه أدركه في الركعة الأولى، هو لو أتم ما هي مشكلة، لكن قد يكون أدركه في الركعة الثالثة، وقد تكون هذه الثالثة هي الأولى.
طالب: يلزمه أن يتم.
الشيخ: يلزمه أن يتم.
الطالب: لأنه شك.
الشيخ: لأنه شك، يعني شك في السبب المبيح للقصر، فيلزمه أن يتم.
رجل أحرم بالصلاة خلف إمام مقيم وهو مسافر، فلما أتم الصلاة ذكر أنه ليس على وضوء، فكيف يقضي هذه الصلاة؟
طالب: يقضيها بالقصر على الاتفاق.
الشيخ: يقضيها بالقصر، ليش؟
الطالب: لأن الصلاة التي أحرم بها ما كان فيها شرط الوضوء.
الشيخ: يعني لم تنعقد.
الطالب: لم تنعقد.
الشيخ: زين، نقول: هنا له أن يصلي قصرًا، ليش؟ لأنه تَبَيَّن أن صلاته خلف هذا الإمام لم تنعقد.
في هذه الصورة أحدث في أثناء الصلاة، ثم بعد ذلك ذهب يتوضأ، فجاء فوجدهم قد صلوا، فهل يصلي أربعًا أو ركعتين؟
طالب: على قول المؤلف أنه يتم الصلاة، وجب عليه أن يصلي أربعًا؛ لأنه يجب عليه إعادة ما أتم من الصلاة، والقول الراجح أنه يصلي ركعتين؛ لأن التبعية هنا زالت.
الشيخ: نعم، أحسنت.
قال المؤلف ﵀: (أو لم يَنْوِ القصر عند إحرامها).
المسألة الثامنة مما يجب فيه الإتمام: إذا لم يَنْوِ القصر عند إحرامها، يعني: رجل دخل في صلاة الظهر وهو مسافر، لكن على العادة نوى صلاة الظهر، ولم يستحضر تلك الساعة أنه مسافر لينويها ركعتين، فماذا يلزمه؟
يقول المؤلف: يلزمه أن يتم، وهذه المسألة لها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن ينوي الإتمام.
الصورة الثانية: أن ينوي القصر.
الصورة الثالثة: أن ينسى، ما على باله لا قصر ولا إتمام.
стр. 2183
فإذا نوى الإتمامَ لزمه الإتمام، على رأي من يرى جواز إتمام المسافر.
وإذا نوى القصر قصر، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». (٢١)
وإذا لم يَنْوِ هذا ولا هذا، لم يَنْوِ القصر ولا الإتمام، فالمؤلف يرى أنه يتم، وعلَّلُوا ذلك بأن هذا هو الأصل، الأصل وجوب الإتمام، فإذا لم يَنْوِ القصر لزمه الأصل، وهو الإتمام، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا لم يَنْوِ القصر قَصَرَ؛ لأن الأصل في صلاة المسافر القصر، وما دُمْنَا نُعَلِّل بأنه الأصل فنقول: ما هو الأصل في صلاة المسافر؟ القصر، إذن يقصر وإن لم يَنْوِ.
وهذا يقع كثيرًا، يكبِّر الإنسان في الصلاة الرباعية وهو مسافر، ولا يخطر على باله القصر، لكن بعدما يُكَبِّر ويقرأ الفاتحة أو يركع أو ما أشبه يذكر أنه مسافر، فينوي القصر، على كلام المؤلف يجب عليه الإتمام.
والصحيح أنه لا يلزمه الإتمام، بل يقصر؛ لأنه الأصل.
التاسعة: قال: (أو شك في نيته)، شك في نيته، أي: في نية القصر، يعني: شك هل نوى القصر أم لم يَنْوِ؟ فيلزمه الإتمام، وهذه المسألة غير المسألة الأولى؛ الأولى جزم بأنه لم يَنْوِ، الثانية شك هل نوى أم لا، فيرى المؤلف أنه يلزمه الإتمام، العلة لأن الأصل عدم النية.
وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق: أن مَن شك في وجود شيء أو عدمه فالأصل العدم، فهنا شك هل نوى القصر أم لا، نقول: الأصل عدم النية، وإذا لم يَنْوِ القصر لزمه الإتمام.
ووجوب الإتمام في هذه المسألة أضعف من وجوب الإتمام في المسألة التي قبلها، وهي: إذا جزم بأنه لم يَنْوِ، فإذا كان القول الصحيح في المسألة الأولى أنه يقصر كان القول بجواز القصر في هذه المسألة من باب أولى.
وعلى هذا فنقول: إذا شك هل نوى القصر أو لم يَنْوِهِ، فإنه يقصر، ولا يلزمه الإتمام؛ لأن الأصل في صلاة المسافر هو القصر.
стр. 2184
المسألة العاشرة: قال: (أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام).
(أو نوى) أي: المسافر، (إقامة أكثر من أربعة أيام) في أي مكان كان، سواء نوى الإقامة في البر، أو نوى الإقامة في بلد، إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في مكان لزمه أن يتم.
إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام في البلد؛ كرجل سافر إلى العمرة، ونوى أن يقيم في مكة أسبوعًا، فيلزمه الإتمام؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
مثال الإقامة في غير بلد: رجل مسافر انتهى إلى غدير، أتعرفون الغدير؟ مجتمع مياه السيول، فأعجبه المكان فنزل، وقال: سأبقى في هذا المكان؛ لأن الجو معتدل، والوقت ربيع، سأبقى لمدة أسبوع في هذا المكان، يلزمه أن يتم؛ لأنه نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
هل هو مسافر أو غير مسافر؟
طلبة: مسافر.
الشيخ: هو مسافر لا شك، ولم يَنْوِ الإقامة إلا خمسة أيام فقط، ثم يرجع لأهله، أو أسبوعًا ثم يرجع لأهله، فهو مسافر.
ما الدليل على أنه يقصر في هذه المدة، ويتم فيما زاد على أربعة أيام؟
الدليل على هذا هو أن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع، قدمها يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء، وخرج يوم الخميس إلى منى، فأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة (٢٢).
إذن نأخذ من هذا أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام فإنه يقصر؛ لفعل النبي ﷺ ، ونحن نعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ قد عزم على أن يبقى هذه الأيام الأربعة.
لماذا عَلِمْنَا؟ لأنه قدم إلى الحج، ولا يمكن أن ينصرف قبل الحج، إذن فضروري أنه نوى إقامة أربعة أيام.
فإذا قال قائل: إقامة النبي ﷺ هذه الأيام الأربعة هل وقعت اتفاقًا؟ يعني بلا قصد، أو عن قصد؟
стр. 2185
فالجواب: أنها وقعت اتفاقًا بلا شك، يعني أن رحلته ﵊ صادفت القدوم في اليوم الرابع من ذي الحجة؛ لأنه لم يَرِد عنه أنه قال: إننا سنقدم في اليوم الرابع، أو حدد يومًا معينًا للقدوم حتى نقول: إن هذا القدوم وقع عن قصد، لكنه وقع كما يقع للمسافر، يقدم قبل بيوم أو بعد بيوم كما هي العادة.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن نقول: إنه لو أقام خمسة أيام يقصر، ما دمتم قلتم: إنه وقع اتفاقًا لا قصدًا؟
قلنا -بلسان المؤلف ﵀: الأصل أن إقامة المسافر في أي مكان تقطع السفر، هذا الأصل عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضحوة أو عشية، أما أن ينزل أكثر من ذلك فإن هذا خلاف الأصل، فإذا كان الأصل أن المسافر إذا أقام في البلد، أو في مكان غير البلد، الأصل أن إقامته تقطع السفر، فنقول: سُمِح بالأيام الأربعة؛ لأن النبي ﷺ أقامها ولم ينقطع السفر في حقه ..
أو مَلَّاحًا معه أهلُه لا يَنْوِي الإقامةَ ببَلَدٍ لَزِمَه أن يُتِمَّ.
وإن كان له طريقان فَسَلَكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في آخَرَ قَصَرَ، وإن حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أَقامَ لقَضاءِ حاجةٍ بلا نِيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أَبَدًا.
قلنا بلسان المؤلف ﵀، قلنا: الأصلُ أنَّ إقامةَ المسافرِ في أيِّ مكانٍ تقطع السفر، هذا الأصلُ عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضَحْوةً أو عَشِيَّةً، أمَّا أن ينزل أكثر من ذلك فإنَّ هذا خلافُ الأصلِ، فإذا كان الأصلُ أنَّ المسافر إذا أقام في البلد أو في المكان غيرِ البلدِ الأصلُ أن إقامتَه تقطع السفر؛ فنقول: سُومِح في الأيام الأربعة؛ لأن النبي ﷺ أقامها ولم ينقطع السفرُ في حقِّه، وقَصَر، فيبقى ما زادَ عليها على القاعدة؛ وهي أنَّ الأصلَ أنَّ المسافرَ إذا وَصَلَ إلى بلدٍ، الأصل فيه أنه ينقطع سَفَرُه.
стр. 2186
فإذا كان هو الأصلَ نقول: خولِفَ فيما كان أربعةَ أيامٍ بفِعْل الرسول ﵊، فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو المنعُ من الترخُّص، ووجوبُ الإتمامِ، وامتناعُ المسحِ على الخفَّينِ أكثر من يومٍ وليلةٍ، ومنعُ الإفطار في رمضان، المهم جميعُ أحكامِ السفرِ تنقطع إلَّا حكمًا واحدًا فإنه يبقى، وهو صلاة الجمعة؛ فإن صلاة الجمعة تَلْزم هذا الرجل، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها، ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا أن يَتِمَّ به العدد على القول باشتراط العدد، فصار هنا مسافرًا من وجْهٍ، مقيمًا من وجْهٍ؛ ففي الجمعة ليس من المقيمين؛ لأنها لا تنعقد به الجمعة، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا تسقطُ عنه، بلْ تجب عليه، فيما عدا ذلك حُكْمه حُكْم المقيم، لكنْ في الجمعة لا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وهذه المسألةُ من مسائل الخلاف التي كثرتْ فيها الأقوالُ؛ فقد زادت الأقوالُ فيها على عشرين قولًا لأهل العلم ﵏، وسببُ ذلك أنه ليس فيها دليلٌ فاصلٌ ينقطع به النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم، فأقوال المذاهب المتبوعة هي:
أولًا: مذهب الحنابلة ﵏؛ المشهور عندهم أنه إذا نَوَى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ انقطعَ حُكم السفر في حقِّه ولَزِمه الإتمامُ، لكنْ لا ينقطع بالنسبة للجمعة؛ لأن الجمعة يُشترط فيها الاستيطانُ، وهذا غيرُ مستوطِن. وبناءً على هذا القول ينقسم الناس إلى: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ.
المسافرُ أحكامُ السفرِ في حقِّهِ ثابتةٌ.
والمستوطِنُ أحكامُ الاستيطان في حقِّه ثابتةٌ، ولا يُستثنى من هذا شيءٌ.
والمقيمُ غيرُ المستوطِن تثبتُ في حقِّه أحكامُ السفر من وجْهٍ وتنتفي من وجْهٍ آخر.
стр. 2187
لكن هذا التقسيم يقول شيخ الإسلام: إنه ليس عليه دليلٌ لا من الكتابِ ولا من السُّنةِ ولا من الإجماعِ. تقسيمُ الناسِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ، هذا لا دليل عليه.
القول الثاني من أقوال المذاهب المتبوعة، يقول: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ فأكثر فإنه يَلْزمه الإتمام، لكنْ لا يُحسَب منها يومُ الدخول ويومُ الخروج، وعلى هذا تكون الأيام؟
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة؛ يومُ الدخولِ، ويومُ الخروجِ، وأربعةٌ بينهما. وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي.
القول الثالث: إذا نَوَى إقامة أكثر من خمسةَ عشَرَ يومًا أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ. وهذا مذهبُ أبي حنيفة ﵀.
فيه أيضًا مذاهب أُخرى لا حاجةَ لنا بها؛ لأنها مذاهبُ فرديَّةٌ؛ مثل ما ذَهَبَ إليه ابنُ عباس ﵄ بأنه إذا نَوَى إقامةَ تسعةَ عشَرَ يومًا قَصَرَ، وما زادَ فإنه لا يَقصُر (١).
стр. 2188
ولكنْ إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهرُ الكتابِ والسُّنةِ وجدْنا أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ هو القول الصحيح؛ وهو أن المسافرَ مسافرٌ، سواء نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ أو دونها؛ وذلك لعموم الأدلَّة الدالَّة على ثبوتِ رُخَصِ السفرِ للمسافر بدون تحديدٍ؛ لم يحدِّد النبي ﵊، بلْ لم يحدِّد اللهُ في كتابه ولا رسولُه ﷺ المدةَ التي ينقطع بها حُكم السفر؛ ففي القرآن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا عامٌّ يشمل كلَّ ضاربٍ، ومن المعلوم أن الضربَ في الأرض أحيانًا يحتاج إلى مدَّةٍ؛ قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فالذين يضربون في الأرض للتجارة -مَثَلًا- هل التاجر يكفيه أن يُقيم أربعةَ أيامٍ فأقلَّ في البلد؟
ربما يكفيه وربما لا يكفيه، قد يكفيه يومٌ واحدٌ يُصفِّي ويمشى، وقد تكون السلعة ثقيلة المشي يتأخر أربعة أيامٍ، خمسةَ أيامٍ، عشرةَ أيامٍ، وقد يكون هو يطلبُ سلعةً لا تَحْصل في أربعة أيام يجمعها من هنا وهناك، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ عامَّة؛ ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾.
стр. 2189
والنبي ﷺ أقام مُدَدًا مختلفة يَقْصُر فيها؛ فأقام في تبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عامَ الفتح تسعةَ عشَرَ يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عام حجَّة الوداع عشرة أيامٍ يقصُر الصلاة؛ لأن أَنَسًا سُئِل ﵁: كمْ أقمتم في مكة؟ -يعني في حجَّة الوداع- قال: أقَمْنا بها عشرًا (٢). لأنه أضاف أيامَ الحجِّ إلى الأيام المتقدمة؛ يعني إلى الأيام الأربعة، ومن المعلوم أن النبي ﵊ قدم مكة في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وخرج في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، فتكون الإقامة عشرة أيام.
فإن قال قائل: ما تقولون في دليل من يَرَى أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيامٍ لَزِمه الإتمام، وهو الاحتجاج بأن الرسول ﷺ أقام أربعة أيامٍ قبل أن يخرج إلى مِنى؟
стр. 2190
فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا دليلٌ عليهم وليس دليلًا لهم، هو في الحقيقة دليلٌ عليهم لِمَنْ تأمَّله وليس دليلًا لهم؛ لأن النبي ﷺ قَدِم مكةَ في اليوم الرابع كما قلنا اتفاقًا، ولا أحد يشكُّ في هذا، وهل عندنا دليلٌ على أنه لو قَدِم في اليوم الثالث أتَمَّ؟ ما فيه دليل، بلْ نعلم أن النبي ﷺ يعلم بأن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع؛ يعني ليس كل الحجاج لا يقدمون إلا من الرابع فأقل؛ يقدمون قبل الرابع، يقدمون في أول ذي الحجة، في ذي القعدة، في شوال؛ لأن أشهر الحج تبتدئ من شوال، ولم يقُل للأمَّة: من قَدِم مكةَ قبل اليوم الرابع فلْيُتِمَّ. ومن المعلوم لو كانت شريعة الله أن مَن قَدِم قبل اليوم الرابع من ذي الحجة إلى مكة لَزِمه أن يُتِمَّ، لو كانت هذه شريعةَ الله لَوَجَبَ على النبي ﷺ أن يُبيِّنها لدُعاء الحاجة للبلاغ والتبيين، فلما لم يبيِّن ولم يقلْ للناس: مَنْ قدم قبل اليوم الرابع فإنه يلزمه الإتمام، عُلِم أنه لا يَلْزمه، فيكون هذا الحديث دليلًا على أنه لا يَلْزم الإتمامُ مَن نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيام.
ثم نقول: سبحان الله! أربعة أيامٍ كمْ مِن ساعة؟
طالب: ستٌّ وتسعون.
الشيخ: ستٌّ وتسعون ساعة. نقول: مَن نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً فله أن يقصُر، ومَن نوى إقامة ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق فليس له أن يقصُر؛ لأن الأولَ مسافرٌ والثانِيَ غيرُ مسافرٍ؛ مقيمٌ، أين هذا التحديد في الكتاب والسُّنة حتى نقول بأنه واجب؟
стр. 2191
والصلاةُ -كما نعلم- أعظمُ أركانِ الإسلامِ بعد الشهادتين، فكيف نقول للأمَّة: هذا الرجل الذي نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق لو قَصَر قُلنا: صلاتك باطلة؟ ! مسألةٌ عظيمةٌ ما هي هيِّنة، ومِثْل هذا لا يمكن أن يُترك بلا بيان، وتَرْك البيان بيانٌ في الحقيقة؛ تَرْك البيان في موضعٍ يحتاج إلى البيان يُعتبر بيانًا؛ إذ لو كان خلافَ الواقعِ والواجبِ لبُيِّن، وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن المسافرَ مسافرٌ ما لم ينوِ واحدًا من أمرينِ: الإقامة المطْلقة، أو الاستيطان.
والفرق بينهما أن (الاستيطان) ينوي أن يتَّخذ هذا البلدَ وطنًا، انتهى، طلَّق جميع البلدان سِوَاه بالثلاث واتَّخذ هذا البلدَ وطنًا.
(الإقامة المطْلقة) أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركةَ فيه كبيرةٌ أو طلب العلمِ فيه قويٌّ، فينوي الإقامة مطْلقًا بدون أن يقيِّدها بزمنٍ أو بعملٍ، لكن نيَّته أنه مقيمٌ؛ لأن البلد أجاز له إمَّا بكثرة العلم، أو بقوَّة التجارة، أو إنسان موظَّف للحكومة ووضعته هنا كالسُّفراء مثلًا، الأصل عَدَم السفر في هذا ولَّا السفر؟ عَدَم السفر؛ لأنه نوى الإقامة، فنقول: هذا ينقطع حُكم السفر في حقِّه. أمَّا من قيَّد الإقامةَ بعملٍ ينتهي أو بزمنٍ ينتهي فهذا مسافرٌ ولا تتخلَّف أحكام السفر عنه.
стр. 2192
ثم إننا إذا تأمَّلنا القولَ بأنه تنقطع أحكامُ السفر إذا نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيامٍ وجدْنا هذا القول متناقضًا، وجْهُ التناقض ذكرناه قبل قليلٍ؛ أنه في الجمعة في حُكم المسافرين، وفي غير الجمعة في حُكم المقيمين، أين هذا التفصيل؟ ! فمِثْل هذه الأمور تحتاج إلى دليلٍ وتوقيفٍ، ولهذا ما أَحْسنَ قولَ صاحبِ المغني ﵀ لَمَّا ذكر أن تحديد السفر بالمسافة مرجوحٌ؛ قال: إن التحديد توقيفٌ، حدٌّ من حدود الله يحتاج إلى دليلٍ، فأيُّ إنسانٍ يحدِّد شيئًا أطْلقه الشارعُ فعليه الدليل، أيُّ إنسانٍ يخصِّص شيئًا عمَّمَه الشارعُ فعليه الدليل. لماذا يا إخوان؟ لأن التقييد زيادةُ شرطٍ، والتخصيص أيضًا إخراجُ شيءٍ من نصوص الشارع، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُضيف إلى ما أطْلقه الشارع شرطًا، ولهذا قلنا في المسح على الخفَّينِ: الصحيح أنه لا يُشترط فيه ما اشترطه الفقهاء من كونه ساترًا لمحلِّ الفرض بحيثُ لا يتبيَّن فيه ولا موضع الخَرْز، وقُلنا: إن ما سُمِّي خُفًّا فهو خُفٌّ، سواءٌ كان مُخرَّقًا أو كان رقيقًا أو ثخينًا أو سليمًا؛ لأن الشرع إذا أَطْلق شيئًا فلا يحلُّ لنا أن نقيِّده، كما أنه إذا عمَّمَ شيئًا لا يحل لنا أن نُخرِج بعضَ أفراده بتخصيصٍِ إلا بدليل، ولنا في هذه المسألة رسالةٌ كتبناها أظن في عامِ ألْفٍ وأربعِ مئةٍ وخمسةٍ تقريبًا، ربما -إن شاء الله- نقرؤها في الدرس القادم لأنها مفيدةٌ جدًّا، وتُبيِّن مَن اختارَ هذا القولَ من العلماء؛ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، الشيخ محمد رشيد رضا، وبعضُ الإخوان المتخرِّجين من الجامعة الإسلامية كتبوا في هذا مُؤَلَّفًا، وعلى كلِّ حالٍ نحن لا نعرف الحقَّ بكثرة الرجال، إنما نعرف الحقَّ بموافقة الكتاب والسُّنة.
стр. 2193
طالب: يُجيز الفقهاء خمسةَ عشَرَ يومًا، وأربعةَ أيامٍ، وهم يقولون: مَن ( ... ) إقامة رسول الله ﷺ عشرين يومًا، والجواب عن هذا هم يقولون: كلُّ مَن نَوَى خمسةَ عشَرَ يومًا ولَّا أربعةَ أيامٍ نَوَى يُتِمُّ الصلاةَ، ومَن لم يَنْوِ ولو كان سكن في مَحَلٍّ واحدٍ سَنَةً كاملةً؛ يعني يقول: بُكرة وبَعده، ومضى عليه سنة ..
الشيخ: هذه إن شاء الله ستأتينا في كلام المؤلف
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
هذه إحدى المسائلِ الأربعةِ التي كتبها أبو البراء غسَّانُ بن يوسفَ البرقاوي في القصر.
(المسألة الرابعة: مقدار المدة التي يَقصُر فيها المسافر سائرًا كان أمْ لبِثَ لقضاء حاجةٍ ولم يستوطِن المكانَ).
قال: (يَقصُر المسافرُ الصلاةَ ما دام غائبًا عن بلده الذي اتخذه موطنًا وفي نيَّته الرجوعُ إليه ولو بعد حينٍ، سواءٌ أكان شاخصًا سائرًا، أو أقام في بلدٍ آخر مدَّةً معلومة لَدَيْهِ عددُ أيامها ولو لبِثَ سنين ما لم يتخذْه موطنًا، أو لم يكنْ يعلم المدَّةَ وفي نفْسِه يقول: اليوم أَخرُجُ، غدًا أَخرُجُ).
الشيخ: المسألةُ الآن معلومةٌ أظنُّ.
الطالب:
(الأدلَّة على ذلك:
أولًا: عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرجْنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلَّى ركعتينِ ركعتينِ حتى رَجَعَ. قلتُ: كم أقام بمكة؟ قال: عَشْرًا (٣).
ثانيًا: عن ابن عباسٍ ﵁ قال: سافرَ رسول الله ﷺ فأقام تسعَ عشرةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ. قال ابن عباس: فنحن إذا سافرنا فأقمْنا تسعَ عشرةَ صلَّينا ركعتينِ ركعتينِ، فإذا أقمْنا أكثرَ مِن ذلك صلَّينا أربعًا (٤).
стр. 2194
ثالثًا: عن أبي فروة الهمْدانيِّ، قال سمعتُ عونًا الأزديَّ قال: كان عُمر بن عبيد الله بن مَعْمرٍ أميرًا على فارسٍ، فكتب إلى ابن عمر يسأله عن الصلاة، فكتب ابنُ عمر: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا خرج من أهله صلَّى ركعتينِ حتى يرجعَ إليهم (٥).
رابعًا: عن ثُمامةَ بنِ شراحيلَ قال: خرجتُ إلى ابن عمر فقلْنا: ما صلاةُ المسافر؟ فقال: ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا صلاةَ المغربِ ثلاثًا. قلتُ: أرأيتَ إنْ كُنَّا بذي المجاز. قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكانٌ نجتمعُ فيه ونبيعُ فيه، ونَمْكثُ عشرين ليلةً أو خَمسَ عشرةَ ليلةً. قال: يا أيها الرجل، كنتُ بأذربيجانَ -لا أدري قال: أربعةَ أشهرٍ، أو: شهرينِ- فرأيتهم يصلُّونها ركعتينِ ركعتينِ، ورأيتُ نبِيَّ الله ﷺ نُصْبَ عيني يصلِّيهما ركعتينِ ركعتينِ. ثم نزع هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ حتى فرغ من الآية (٦).
خامسًا: عن بِشْر بن حربٍ قال: سألتُ ابن عمر: كيف صلاةُ المسافرِ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: إمَّا أنتم تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم ﷺ أخبرتُكم، وإمَّا أنتم لا تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم لم أُخبِرْكم. قال: قلنا: فخيرُ السُّنن سُنَّةُ نبيِّنا ﷺ يا أبا عبد الرحمن. فقال: كان رسول الله ﷺ إذا خَرَجَ من هذه المدينةِ لم يَزِدْ على ركعتينِ حتى يرجع إليها (٧).
سياقُ أقوال جماعةٍ من العلماء ذهبوا إلى ما ذكرْنا:
стр. 2195
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأمَّا من تبيَّنتْ له السُّنةُ وعَلِم أن النبي ﷺ لم يشرع للمسافر أن يصلِّي إلا ركعتين، ولم يَحُدَّ السفرَ بزمانٍ أو بمكانٍ، ولا حدَّ الإقامةَ أيضًا بزمنٍ محدودٍ؛ لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عَشَرَ، ولا خمسةَ عَشَرَ؛ فإنه يَقصُر كما كان غيرُ واحدٍ من السلف يفعل، حتى كان مسروقٌ قد ولَّوْه ولايةً لم يكنْ يختارها، فأقام سنين يقصُر الصلاةَ (٨)، وقد أقامَ المسلمون بنهاوندَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاةَ، وكانوا يقصُرون الصلاةَ مع علمهم أنَّ حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيامٍ ولا أكثر، كما أقامَ النبيُّ ﷺ وأصحابُه بعد فتْحِ مكةَ قريبًا من عشرين يومًا يقصُرون الصلاةَ (٩)، وأقاموا بمكة عشرة أيامٍ يُفطرون في رمضان (١٠)، وكان النبي ﷺ لَمَّا فَتَحَ مكةَ يعلم أنه يحتاج أن يُقيم بها أكثر من أربعة أيامٍ، وإذا كان التحديدُ لا أصل له فما دام المسافرُ مسافرًا يقصُر الصلاةَ ولو أقام في مكانٍ شهورًا، والله أعلم.
انتهى، مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
وقال العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ بعد حديث ثُمامة: وهذا الحديثُ يدلُّ على أن السفر لا ينقطعُ بإقامةِ مدَّةٍ معيَّنةٍ في جِهَةٍ واحدةٍ أيًّا كانت المدَّةُ؛ طالتْ أو قصُرتْ، وتوجيهُ الاستدلال دقيقٌ جدًّا وقد يخفى على بعض الناظرينَ، ولذلك حَذَفَ المجدُ آخرَه المرفوعَ حين ذَكَره في المنتقى مكتفيًا بالأثر عن ابن عمر، والموقوفُ ليس حجَّةً وحدَه، والمرفوعُ الذي حَذَفَه ليس نصًّا في الموضوع.
стр. 2196
ووجْهُ الاستدلال أن ابن عمر أجاب سائله إذْ سأله عن طُولِ مُكْثِ المسافرِ في مكانٍ بعينه؛ لأنه هو والصحابةُ الذين كانوا بأذربيجانَ أقاموا مدَّةً أطولَ من هذه شهرينِ أو أربعةَ أشهرٍ في هذه الرواية، فكانوا يقصرون، ثم وكَّد الاستدلالَ بأنه رأى النبي ﷺ يقصُر في السفر، فكأنه يقول للسائل: ثَبَتَ مِن فِعْل رسولِ الله ﷺ القصرُ في السفر، ولم يثبتْ لديهم أنه جَعَلَ لذلك حدًّا معيَّنًا فيما إذا أطال المسافرُ الْمُكْثَ في مكانٍ ما، وأنَّه هو ومَنْ معه من أصحاب رسول الله ﷺ أخذوا هذا على إطلاقه فأطالوا المكثَ وقَصَرُوا، وأنه لو كان عند واحدٍ منهم سُنَّةٌ في تحديد وقتٍ معيَّنٍ للمُكْثِ لَمَا سَكَتَ على ذلك ولَأَبانَهُ لهم حتى لا يُصَلُّوا صلاةَ المسافرين، وهذا قويٌّ دقيقٌ فيما أرى. انتهى من تحقيق أحمد شاكر على المسند.
وقد أفتى بذلك من التابعينَ أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، واسمُه: رُفَيْعُ بن مِهرانَ البصريُّ؛ قال عثمانُ الطويلُ عن أبي العالية الرِّياحيِّ قال: خطبنا أبو بكر فقال: قال رسول الله ﷺ : «لِلْمُقِيمِ أَرْبَعٌ، وَلِلظَّاعِنِ رَكْعَتَانِ، مَوْلِدِي بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرِي بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَصَاعِدًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا» فقلتُ لرُفَيْعٍ: إني آتي البلدَ فأُقيمُ به شهرينِ أفأقصُر الصلاةَ. قال: نعم، وإنْ أقمتَ به خمسين سَنَةً حتى ترجع إلى قارِّكَ (١١).
стр. 2197
قال الشيخ السيِّد سابق حفظه الله: المسافر يقصُر الصلاةَ ما دام مسافرًا، فإنْ أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها قَصَرَ الصلاةَ كذلك لأنه يُعتبر مسافرًا، وإنْ أقام سنين فإنْ نَوَى الإقامةَ مدَّةً معيَّنةً فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامةَ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أمْ قصُرتْ ما لم يستوطن المكانَ الذي أقامَ فيه، وللعلماء في ذلك آراء كثيرة لَخَّصها ابنُ القيم. انتهى من كتاب فقه السُّنة.
ردُّ شُبَهِ المخالفين:
قال العلامة ابن القيم ﵀: أنَّه ﷺ أقامَ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ (١٢)، ولم يقُل للأمَّة: لا يقصُر الرجُلُ الصلاةَ إذا أقام أكثر من ذلك. ولكن اتَّفقتْ إقامتُه هذه المدَّة، وهذه الإقامةُ في حالِ السفرِ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أو قصُرتْ إذا كان غير مستوطِنٍ ولا عازمٍ على الإقامة بذلك الموضع.
وقد اختلفَ السلفُ والخلَفُ في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ ففي صحيح البخاري (١٣) عن ابن عباسٍ ﵁ قال: أقامَ رسولُ الله ﷺ في بعض أسفاره تسْعَ عشرةَ يُصلِّي ركعتينِ، فنحن إذا أقَمْنا تسعَ عشرةَ نُصلِّي ركعتينِ، وإذا زِدْنا على ذلك أتْمَمْنا.
وظاهر كلام أحمد أن ابن عباسٍ أراد مدَّةَ مُقامه بمكة زمنَ الفتح؛ فإنه قال: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثمانَ عشرةَ زمنَ الفتحِ; لأنه أراد حُنَيْنًا ولم يكنْ، ثُمَّ أجْمَعَ الْمُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس.
وقال غيره: بلْ أرادَ ابنُ عباسٍ مُقامَه بتبوكَ؛ كما قال جابر بن عبد الله: أقامَ النبيُّ ﷺ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ. رواه الإمام أحمد (١٤).
وقال عبد الرحمن بنُ الْمِسْورِ بن مخرمة: أقمْنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشام أربعين ليلةً يقصُرها سعدٌ ونُتِمُّها (١٥).
стр. 2198
وقال نافعٌ: أقامَ ابنُ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يُصلِّي ركعتينِ، وقد حَالَ الثلْجُ بينه وبين الدخول.
وقال حفص بن عبيد الله: أقامَ أنسُ بن مالكٍ بالشام سنتينِ يُصلِّي صلاة المسافر (١٦).
وقال أنس: أقامَ أصحابُ رسول الله ﷺ برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاة (١٦).
وقال الحسن: أقمتُ مع عبد الرحمن بن سَمُرَةَ بكابُلَ سنتينِ يقصُر الصلاةَ ولا يجمع (١٧).
وقال إبراهيم: كانوا يُقيمون بالرَّيِّ السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وسجستانَ السنتينِ.
فهذا هَدْيُ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه كما ترى، وهو الصواب.
وأمَّا مذاهبُ الناسِ فقال الإمام أحمد: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ. وحَمَلَ هذه الآثارَ على أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابَه لم يُجمِعوا الإقامةَ البتَّةَ، بلْ كانوا يقولون: اليومَ نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نَظَرٌ لا يخفى؛ فإنَّ رسول الله ﷺ فَتَحَ مكةَ، وهي ما هي! وأقامَ فيها يؤسِّس قواعدَ الإسلام، ويهدم قواعدَ الشِّرك، ويمهِّد أمْرَ ما حولها من العرب، ومعلومٌ قطْعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيامٍ، لا يتأتَّى في يومٍ واحدٍ ولا يومينِ، وكذلك إقامته بتبوكَ؛ فإنه أقامَ ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطْعًا أنه كان بينه وبينهم عِدَّةُ مراحلَ يحتاج قطْعها إلى أيامٍ، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام.
وكذلك إقامةُ ابنِ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجْل الثلْج، ومن المعلوم أن مِثْل هذا الثلْج لا يتحلَّل ويذوب في أربعةِ أيامٍ بحيثُ تنفتح الطُّرُق.
وكذلك إقامةُ أنسٍ بالشام سنتينِ يقصُر الصلاةَ، وإقامةُ الصحابةِ برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون، ومن المعلوم أنَّ مِثْل هذا الحصار والجهاد يُعلم أنه لا ينقضي في أربعةِ أيامٍ.
стр. 2199
وقد قال أصحابُ أحمد: إنه لو أقامَ لجهادِ عدوٍّ أو حبسِ سُلطانٍ أو مَرَضٍ قَصَرَ، سواءٌ غَلَبَ على ظنِّه انقضاءُ الحاجةِ في مدَّةٍ يسيرةٍ أو طويلةٍ. وهذا هو الصواب، لكنْ شَرَطوا فيه شرطًا لا دليل عليه مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا عملِ الصحابة؛ فقالوا: شَرْطُ ذلك احتمالُ انقضاءِ حاجتِهِ في المدَّة التي لا تقطع حُكمَ السفر، وهي ما دون الأربعةِ الأيامِ.
فيُقال: مِن أين لكم هذا الشرطُ؟ ! والنبيُّ لَمَّا أقامَ زيادةً على أربعة أيامٍ يقصُر الصلاةَ بمكة وتبوك ولم يقُل لهم شيئًا، ولم يبيِّن لهم أنه لم يَعْزِم على إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ، وهو يعلم أنهم يقتدونَ به في صلاته ويتأسَّوْنَ به في قَصْرِها في مدَّةِ إقامته، فلمْ يقُل لهم حرفًا واحدًا: لا تقصُروا فوق إقامةِ أربع ليالٍ. وبيانُ هذا من أهمِّ المهمَّات، وكذلك اقتداء الصحابة به بَعْده ولم يقولوا لِمَنْ صلَّى معهم شيئًا من ذلك.
ثم ساق ﵀ مذاهبَ جماعةٍ آخرينَ من أهل العلم، وما سبق يتضمَّن الردَّ عليهم. انتهى من زاد المعاد.
فوائد ومهمات:
الأولى: قال ابن القيم ﵀: والأئمَّة الأربعة متَّفقون على أنه إذا أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها يقول: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ، فإنه يقصُر أبدًا، إلَّا الشافعيَّ في أحد قولَيْهِ فإنه يقصُر عنده إلى سبعةَ عشَرَ أو ثمانيةَ عشَرَ يومًا ولا يقصُر بعدها، وقد قال ابنُ المنذر في إشرافه: أجمعَ أهلُ العلم أن للمسافر أن يقصُر ما لم يُجمِع إقامةً وإنْ أتى عليه سنون. انتهى من زاد المعاد.
الثانية: قال الحافظ ابن حجر ﵀: والمدَّة التي في حديث أنسٍ يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامةَ؛ لأنه ﷺ في أيام الحجِّ كان جازمًا بالإقامة تلك المدة. انتهى من فتح الباري.
стр. 2200
الثالثة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والعلماء متنازِعون في المسافر؛ هلْ فرضُه الركعتانِ ولا يحتاج قَصْره إلى نِيَّةٍ أمْ لا يقصُر إلا بنِيَّةٍ، على قولَينِ؛ والأولُ قولُ أكثرِهم كأبي حنيفة ومالكٍ، وهو أحد القولينِ في مذهب أحمد؛ اختاره أبو بكرٍ وغيرُه، والثاني قولُ الشافعيِّ، وهو القولُ الآخَر في مذهب أحمد؛ اختاره الخرقي وغيرُه.
والأولُ هو الصحيحُ الذي تدلُّ عليه سُنَّةُ النبي ﷺ ؛ فإنه كان يقصُر بأصحابه ولا يُعلِمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصُر، ولا يأمرهم بنيَّة القصر؛ ولهذا لَمَّا سلَّم من ركعتينِ ناسيًا قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أمْ نسيتَ؟ فقال: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». قال: بلى، قد نسيتَ (١٨). وفي رواية: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ» (١٩). ولم يقُلْ: لو قُصِرتْ لأَمَرتُكم أن تنوُوا القصْر. وكذلك لما جَمَعَ بهم لم يُعلِمهم أنه جَمْعٌ قبل الدخول، بلْ لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاةَ الأولى، فعُلِمَ أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأُولى كقول الجمهور، والمنصوصُ عن أحمد يوافق ذلك. انتهى من الفتاوى الكبرى.
الشيخ: مرَّ علينا أن الصحيح أن المسافر لا يحتاج إلى نيَّةِ القصْرِ لأنَّ الأصلَ أن صلاته ركعتانِ، وكذلك الجمعُ أيضًا إذا وُجِدَ سببُه فلا يحتاج إلى نيَّةِ الجمعِ، حتى لو كان لا يريد أن يجمع ثم لما سلم من الأولى هم بالجمع فيجمع ولا حرج.
***
الطالب:
الرابعة: حديثانِ ضعيفانِ أذكرهما للتنبيه:
стр. 2201
الأول: حديث ابن عباسٍ مرفوعًا: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ». هذا حديثٌ ضعيفٌ رواه الدارقطني (٢٠)، وعنه البيهقي (٢١) والطبراني (٢٢)، وقد ضعَّفه غيرُ واحدٍ؛ منهم البيهقيُّ، وابنُ الجوزيِّ، والحافظُ في الفتح، والصحيح أنه موقوفٌ على ابن عباسٍ كما رواه ابن أبي شيبة (٢٣) بلفظ: لا تقصُر إلى عرفةَ وبطنِ نَخْلةَ، واقصُر إلى عُسفانَ والطائفِ وجُدَّةَ، فإذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشيةٍ فأتِمَّ. وسَنَدُهُ صحيحٌ، وانظر تفصيلَ الكلام على الحديث في إرواء الغليل للشيخ الألباني حفظه الله.
الثاني: حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: كان -يعني النبيَّ ﷺ كان إذا سافرَ فرسخًا قَصَرَ الصلاةَ وأفطرَ. حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، رواه ابن أبي شيبة (٢٤)، وعبد بن حميد (٢٥)، وسعيد بن منصور (٢٦)، من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد به، وأبو هارون اسمه عمارة بن جُوَين، وهو متروكٌ، ومنهم من كذَّبه كما في التقريب، ولم يُصِب الحافظ في سكوته عن الحديث في التلخيص، وانظر للكلام على الحديث إرواء الغليل.
الخامسة: مع قولنا بوجوب القصْرِ في السفر فإنَّ المسافر إذا ائْتَمَّ بمقيمٍ أتَمَّ، ومن الأدلة على ذلك ما رواه قتادةُ قال: سمعتُ موسى -وهو ابنُ سلمة- قال: قلتُ لابن عباسٍ: كيف أصلِّي بمكة إذا لم أُصَلِّ في جماعة؟ قال: ركعتينِ، سُنَّةُ أبي القاسم ﷺ (٢٧).
وعن الشعبي أن ابن عمر كان إذا كان بمكةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا أن يجمعه إمامٌ فيصلِّي بصلاته، فإن جَمَعَهُ الإمامُ يصلِّي بصلاته (٢٨).
السادسة: اقتداء المقيم بالمسافر؛ عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قَدِم مكةَ صلَّى بهم ركعتينِ ثم يقول: يا أهل مكة، أتِمُّوا صلاتكم؛ فإنَّا قومٌ سَفْرٌ (٢٩).
خاتمة:
стр. 2202
إذا كنتُ قد وُفِّقتُ فإنما هو فضْلُ اللهِ وله الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كان غير ذلك فأستغفرُ اللهَ العليَّ العظيمَ وأتوبُ إليه، وقولي قولُ الإمامِ الشافعيِّ ﵀: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي.
أمَّا أنتم إخواني -وخاصَّة مَنْ أقمتم للدراسة في بلادٍ غيرِ بلادِكم لم تتَّخِذوها وطنًا- فهذا البحثُ إنما كُتِبَ نُزولًا على رغبةِ بعضِكم، فاعملوا به مهما طالتْ إقامتُكم ما لم يَرِدْ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، واعلموا أنه لا حَرَجَ في دينِ اللهِ، ولا يقبل عبادةً نعبدُهُ بها إلا ما شرع، وهذا هو تشريعه في السفر كما أن ذاك تشريعه في الحضَر كما تعلمون، عضُّوا عليها بالنواجذ، ولا تأبَهُوا بنَعْقِ المقلِّدين، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائمٍ ما دام همُّكم رضوانَ ربِّكم عنكم، واعلموا أننا في العصر الذي تحدَّث عنه ابن مسعودٍ ﵁ يقول: كيف أنتم إذا لبِستْكم فتنةٌ يَهْرَمُ فيها الكبيرُ، ويربو فيها الصغيرُ، ويتَّخِذُها الناسُ سُنَّةً، فإذا غُيِّرتْ يومًا قالوا: غُيِّرت السُّنَّةُ. قالوا: ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثُرتْ قُرَّاؤكم، وقَلَّتْ فقهاؤكم، وكثُرتْ أُمَراؤكم، وقَلَّتْ أُمَناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة (٣٠)، وهذا الخبر حُكمه الرفعُ، واعلموا أنه مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومَن ضلَّ فإنما يضِلُّ عليها، ولا عُذْرَ لكم عند الله في أن تعبدوه بغير دليلٍ مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، ومَن قلَّدتموه دِينَكم لنْ يُغْنوا عنكم من الله شيئًا، واللهُ كافٍ عبدَهُ، فما علِمْتموه حقًّا فقولوا: هذا الحقُّ من ربِّنا، فمَنْ شاء فلْيُؤمِنْ ومَن شاء فلْيكفرْ. وحَسْبُنا اللهُ ونِعْم الوكيلُ، سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك.
стр. 2203
كَتَبَهُ على عُجالةٍ العبدُ الفقيرُ إلى الله، راجي عَفْوِ ربِّه الكبيرِ المتعالِ أبو البراء غسَّان بن يوسف البرقاوي، وكان الفراغُ منه قُبَيْلَ عصرِ يوم الإثنينِ بقليلٍ في اثنين وعشرين من ذي القعدة سنة ١٤٠١ للهجرة.
***
طالب: ذكرْنا يا شيخ الآن الحكم يدور مع العِلَّة وجودًا وعدمًا، كيف نقول لشخصٍ يريد الإقامة مثلًا عشْرَ سنواتٍ نقول له: اقصُر، ونستدلُّ بفِعْل النبي ﷺ أنه أقام عشرين يومًا، مع أنه ما قال: إذا أقمتُ فوق العشرين يومًا فاقصُر، والنبيُّ ﷺ ما دام ما قال هذا، دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك.
الشيخ: الإنسان -مثلما قال الأخ- الإنسان اللِّي ما تطمئنُّ نفْسه لهذا القول لا حَرَجَ عليه أن يتبع هذا.
الطالب: لكن كيف يا شيخ نقول لشخص ( ... ) سنة في أيِّ مكان، ولا زالت العلة، أقول: زالت العِلَّة؛ ما عنده مشقَّة ولا عنده تَعَب ( ... )؟
الشيخ: المشقَّة ما هي بشرط باركَ الله فيك، الإنسان إذا سافر حلَّ له جميعُ رُخَصِ السفر ولو كان في آمَنِ ما يكون وفي أَرْيح ما يكون.
الطالب: لكنْ فيه سَفَر يا شيخ دون سَفَر؛ فيه سَفَر مثلًا فيه مشقَّة وفيه تَعَب ..
الشيخ: ما هو بشرطٍ يا أخي، لم يشترط الله إلَّا ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، والحمدُ لله ألغاها الله.
الطالب: ويش يكون نحن أفقه من ابن عباس وأحمد بن حنبل؟ !
الشيخ: على كلِّ حالٍ ما إحنا نبغي أفقه منهم، ولكننا نتبع على الأقل؛ نقلِّد رجُلًا عالِمًا فاضلًا معروفًا بالعلم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
طالب: لعلَّ مِن أقوى الأدلَّة اللِّي استُدِلَّ بها للقصْر فِعْل النبي ﷺ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ ومُدَدٍ متعدِّدةٍ، وكان يقصُر، فوجَّهه مَنْ قال الرأي الثاني بأن النبي ﷺ ينتظر الوحي، ما يأتيه في أيِّ يوم، فما دام ينتظر الوحيَ ما يعرف كم مدته.
стр. 2204
الشيخ: وهلْ جاءه وحيٌ يقول له: امش؟
طالب: إي، هم يقولون: إن الرسول ﷺ لا يسير إلا بوحيٍ.
الشيخ: ما هو بصحيح.
الطالب: لأنه كان ينتظر.
الشيخ: لا، ذي دعوى، صعبة ذي صعبة، يعني الآن لو قيل لواحد: تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا لأجْل أن ينتظر الوحي؟ ما يقدر يشهد.
الطالب: ما هو بصحيح هذا؟
الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأنه يحتاج إلى أنك تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا ينتظر الوحي، ثم ما هو الوحي الذي رخَّص له أن يسافر؛ يعني أنه يمشي؟ !
الطالب: كلُّ أفعالِ الرسول ﷺ كلُّها بوحيٍ من الله .
الشيخ: إمَّا أن يكون الوحيُ إقراريًّا إذا أقرَّه الله عُلِم أنه شَرْعُ اللهِ، أحيانًا قد لا يكون بوحيٍ مباشرٍ، قد يكون بالإقرار.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، على القول هذا إذا خافَ الإنسانُ -مَثَلًا- وهو يؤمُّ بعامَّةٍ، خافَ من البَلْبَلةِ وخافَ من القِيلِ والقالِ، هلْ يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة؟
الشيخ: واللهِ أحيانًا أقول: نَعَمْ، يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة، وأحيانًا أقول: إذا كان الرجلُ قُدوةًَ -يعني ما يُمْكن يتسلَّط عليه أحدٌ يقول مثلًا: إنه قاصرُ عِلْمٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك- فلْيفعل السُّنة اللِّي يرى أنه سُنَّة، وإنْ تَرَكَهُ وأتَمَّ ما فيه مانع؛ هذا الذي يقول: إنه يجوز أن يقصُر، ليس يقول: إنه يجب، إلَّا عاد على رأي الأخ هذا يرى وجوبَ القَصْر، لكنْ إحنا نقول: ما هو بواجب، أصْل القَصْر ما هو بواجب.
ثم هذه المسألة أيضًا متى كان في نفْسك شكٌّ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، أمَّا إذا تبيَّنتْ لك السُّنة مثلما قال شيخ الإسلام: إذا تبيَّنتْ للإنسان السُّنة فلا وجْهَ للاحتياط، إنما الاحتياط في اتِّباع السُّنة.
стр. 2205
طالب: شيخ، بالنسبة لعَمَلِ الرسول ﷺ وما يتعلق بالنية؛ بالنسبة يعني أقام عشرين يومًا، يعني ما دامَ يكون الرجلُ هذا نِيَّتُهُ نِيَّةُ السفرِ ما احتاج أن الرسول ﷺ يشرح؛ لأنه جَلَسَ الرسول ﷺ عشرين يومًا، وهذا الرجُل الجالسُ عشرين يومًا أو أكثر مِن عشرين يومًا نِيَّته نِيَّة السفرِ، ما احتاج يكون كلام الأخ يقول: الرسول يشرح، أو يقول: كان -مَثَلًا- زِدتَ مِن عشرين أو زِدتَ مِن ..
الشيخ: هو على كلِّ حالٍ دليلُ هؤلاء يقولون: إن الرسول أقامَ إقاماتٍ مختلفةً؛ عشرين، تسعةَ عشَرَ، وأربعةَ أيامٍ، ومع ذلك ما قال للناس: مَن زاد على ذلك فلْيُتِمَّ، والعِلَّة هي وجودُ السفر.
طالب: بعضُ العلماء يا شيخ اختارَ أنه يُمْكن أن يكون للمسلم مَحَلَّانِ للإقامة، وبهذا القول نرتاح من مسألة اللِّي بيجلسوا سنين للدراسة أو للعمل، هل فيه اللِّي يدفع هذا القول؟
الشيخ: إي فيه؛ لأن الذين نووا الإقامةَ ما نووا الإقامةَ المطْلقةَ ولا نووا أن يتَّخذوا هذا البلدَ بلدًا لهم، الذي له مَحَلَّانِ مَثَلًا لو فرضْنا واحدًا له سَكَنٌ في الطائف في أيام الصيفِ، وسَكَنٌ في البلد الآخر في أيام الشتاء، هذا له وَطَنانِ مستقِرٌّ فيهما دائمًا، أمَّا الذي ذهب للدراسة فهو يقول: لو أُعطَى شهادتي اليومَ مَشَيْتُ. بينهما فرقٌ.
стр. 2206
ولهذا قُلنا: إنَّ مسألة السُّفَراء ما ينطبق عليها هذا الحكْم؛ لأن السُّفَراء بَقُوا على أصْلِ الإقامة ما لم يُنقَلوا؛ يعني ما حُدِّد بقاؤهم، الأصلُ أنهم باقونَ حتى يُنقَلوا، ولهذا في كلام ابن القيم ﵀ وكلام شيخ الإسلام قالا: ما لم يستوطِن أو يعزِم إقامةً. ومرادهم بالإقامة يعني الإقامة المطْلقة التي لا تحدَّد، فما حُدِّدَ بزمنٍ أو حُدِّدَ بعملٍ فإنه لا فَرْقَ بينهما، فكما أنهم يقولون: لو أقامَ من أجْلِ العلاجِ وهو يعرف أن علاجه هذا سيبقى سنواتٍ قالوا: إنه يقصُر أبدًا، حتى لو بَقِيَ أربعين سَنَةً ومات فهو يقصُر. فنحن نقول: كلُّ مَن قيَّدَ إقامتَه بعَمَلٍ أو مُدَّةٍ فإنه مسافرٌ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، بعض العلماء الذين قالوا: إنْ كان له زوجتانِ في بلدتينِ فإنه في كلِّ بلدةٍ يُتِمُّ. القول هذا يا شيخ ما رأيك؟
الشيخ: يعني يسكن في هذه وهذه؟
الطالب: لا، ما يسكن، بس يقولون: إذا كان له زوجتانِ -مثلًا- يأتي إلى هذه فترةً وإلى هذه ..
الشيخ: هذا معناه أنَّ له وطَنَينِ.
الطالب: بس ما يُقيم في هذه إلا قليلًا.
الشيخ: ما يخالف، لكنْ نسأله نقول: هل أنت اتَّخذْتَ هذا وطنًا؟ إذا قال: لا، إنه بس جاي يزور -مثلًا- زوجته ويرجع لبلده الأصلي صار مسافرًا.
الطالب: هذا عادةٌ عنده يا شيخ، عنده عادةٌ أن يأتي إلى هذه.
الشيخ: على كلِّ حالٍ هذا النيَّة نيَّتُه؛ إذا قال: واللهِ أنا أعتبر أن بيتي هنا هو كبيتي هنا، لكنني أُطِيل المقام في البيت الثاني لأن فيه أولادًا وفيه مدارس وما أشْبَهَ ذلك؛ صار له وطنانِ.
طالب: بالنسبة يا شيخ لإمامِ المسلمينَ؛ أَلَا تكون البلاد كلُّها التي تحت يده موطنًا له أو وطنًا له؟
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: فكيف النبيُّ ﷺ ..
الشيخ: ولذلك نحن نُورِد عليك؛ إمامُ الإئمَّةِ رسول الله ﵊ كان إذا خرج من المدينة يقصُر حتى يرجع إليها.
стр. 2207
طالب: وهذا اللي أسأل يا شيخ، هذا سؤالي.
الشيخ: قول بعض العلماء .. ؛ لأن بعض العلماء اعتذرَ عن عثمان ﵁ أنه أتَمَّ في مِنًى لأنه كان خليفةً على المسلمين، وإمامُ المسلمين كلُّ اللي تحت إمْرتِهِ هو بَلَدٌ له، هذا غير صحيحٍ، نقول: هذا النبي ﵊ أقوى منه إمامةً، ومع ذلك كان يترخَّص.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بقية أحكام السفر كالفِطْرِ والمسْحِ على الخفَّينِ، يُسمَح له ولَّا؟
الشيخ: إي له كلُّها، لكن مسألة الصوم الذي أرى أنه لا يؤخِّرها إلى رمضان الثاني؛ لأن الصوم كما تعرفون ليس الإفطارُ فيه كالقَصْر، وأيضًا لو أخَّر شهرًا أو شهرينِ تراكمتْ عليه، ربما يعجز أو يتهاون فيضيع عليه الفرض.
طالب: ما دامت العِلَّة موجودة فيجوز أن يُفطر.
الشيخ: يجوز، لكنْ إذا كان يُخشى .. هو الأصْل أنه يجوز أنه يُفطر إلى أن يرجع إلى أهله، لكن نحن نقول: نخشى أنه إذا بَقِي خمسَ سنواتٍ صار عنده خمسة أشهر، فربما يصعب عليه ذلك ويتهاون، فدَرْءًا لهذه الْمَفْسَدة أنا أرى أنه لا يؤخِّره إلى رمضان الثاني، ولهذا كان الرسول ﵊ يصوم في السفر ويقصُر، فدلَّ هذا على أن تأكُّد الفِطْر ليس كتأكُّد القصر.
طالب: ما الفرق بين السُّفَراء والطلاب ( ... )؟
الشيخ: الفرق بينهما: السفيرُ إذا عُيِّنَ في البلدِ فالأصلُ أنه مقيمٌ دائمًا؛ يعني ليس مِن عادة الحكومة أن تُعَيِّنَ السفيرَ لمدَّة أربع سنوات أو خمس سنوات ثم تنقله، لكن المقيم للدراسة يعرف أنه ما أقامَ إلَّا إلى حدِّ الدراسةِ فقط، هذا سواء جاء في أربع سنين أو في ثلاث سنين أو في أكثر.
طالب: بس السفير يا شيخ ( ... ) فيه احتمال أن ( ... ).
الشيخ: فيه احتمال، لكنْ ويش الأصل؟ الاستقرار.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليكم، بعضُ الناس ما يحدِّد إقامةً، لكنْ يقول مَثَلًا: إذا تعلَّمتُ أرجعُ إلى أهلي، مَثَلًا، فهل هذا يُعتبر؟
стр. 2208
الشيخ: ما يستديم، هذا يُعتبر -الظاهر- أنه مستوطِن؛ لأن كلمة: إذا تعلَّمْتُ، ما بيحدِّد العلم.
طالب: العُمَّال -يا شيخ- يَسرِي عليهم ما سَرَى على الطُّلَّاب أو ما سَرَى على السُّفَراء؟
الشيخ: واللهِ الظاهر أنَّ العامل يُعطي فلوسًا لأجْل يجلس، والطالب يُعطي فلوسًا لأجْل يروح إن حصل له، فالعُمَّال الآن يحاولون -حَسَب الظروف الحالية- أنهم يبقون، فأنا أتوقَّف في هذه المسألة، أنا أرى أنَّ العُمَّال يجب عليهم أنهم يُتِمُّون؛ لأنهم لو حصل لهم .. وها هُمْ يحاولون أيضًا تمديدَ المدَّة.
طالب: ونحن الطلاب -على قول شيخ الإسلام- من كان مسافرًا فهو مسافر ( ... ) نحن الطلاب جميعًا مسافرون إلا إخواني الذين ( ... )، هل نحن نقصُر؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ( ... ) الإنسان لازم يحاول يُصلِّي مع الجماعة، هذه واحدة، لكنْ لو فاتتْه يُصَلِّي ركعتينِ.
طالب: والسُّنن؟
الشيخ: والسُّنن يتسنَّن، إحنا قلنا: ما فيه إلا سُنَّة المغرب والعِشاء والظُّهر، والباقي على الأصل.
طالب: ويُصلُّون بالناس؛ بأهل عنيزة مثلًا العوام ( ... ) يصلِّي إمامًا.
الشيخ: إي، كنْ إمامًا، ما فيه مانع.
طالب: بس يقصُر يا شيخ؟
الشيخ: يعني قصْده يقصُر، هذه ترجع إلى قضية الأخ اللِّي سأل؛ يعني إذا كان يشوِّش على أحدٍ؛ إنْ خشيتَ أنك تشوِّش ( ... ) ما فيه مانع.
طالب: لو كان الإمام راتبًا يا شيخ؟
طالب آخر: الآن اللِّي يسافر من دولة إلى دولة أخرى يا شيخ بموجب تأشيرة، ما نقول: إذا كانت التأشيرةُ إقامةً فيُتِمُّ، وإذا كانت الزيارة لمدَّة فيقصُر فيعتبر مسافرًا؟
الشيخ: طيِّب الإقامة هذه .. ما أعرفُ الفرقَ بينهما، الإقامة مدَّة محدَّدة الظاهر، الإقامة محدَّدة.
الطالب: الإقامة قابلة للتجديد، أمَّا الزيارة قابلة لمدَّة معيَّنة.
الشيخ: الظاهر أنَّ الإقامة محدَّدة أيضًا.
الطالب: محدَّدة لسَنَةٍ أو سنتينِ ..
стр. 2209
الشيخ: لكنْ أنا أقول: العُمَّال -مثلما قال الأخ- إنَّ العُمَّال يحاولون تمديدَ الإقامةِ، فهم يرغبون الإقامةَ المطْلقةَ لو حصل ..
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إي، ما يخالف.
طالب: بعضهم يأتون حتى يؤسِّس نفْسَه في بلده ..
الشيخ: أحسنتَ، إذَن يقصُر ( ... ) حتى يمكن أنْ يتنزَّل على المذهب؛ الذي يقول: أنا سأُقيم لحاجةٍ متى انتهتْ رجعْتُ. وهادولا يقولون: نحن نُقيم إلى أن نجمع ما تقوم به حاجتُنا. يمكن يجمع بسهولة، يمكن يجمعها بشهر يمكن يجمعها بسنة، هذا حتى على المذهب يقصُرون.
طالب: إذَنْ يقصُرون يا شيخ؟
الشيخ: هذا على القواعد.
طالب: يا شيخ، لي رأي؛ هلْ هذه المسألة من المسائل المهمَّة جدًّا واللِّي الحقيقة يعني الواحد احتارَ فيها، أنا أقترح أنه يجمع أقوال -بالنسبة لنا كطلبةِ عِلْمٍ- يجمع أقوال الطرفينِ وأدلَّتَها، ونعرضها على الكتاب والسُّنة، ونشوف مَن أقوى أدلَّةً عسى تطمئنُّ قلوبنا.
الشيخ: هذا الواجب، لكن الأدلة -الحمد لله- محصورةٌ الآن.
الطالب: يعني نأخذ دليلَ مَنْ قال كذا، والدليل الثاني.
الشيخ: إي، طبعًا.
الطالب: ونشوف ويش الأدلَّة؛ اللِّي أَوْرد حديثًا -مثلًا- أقوى.
الشيخ: هو الآن ما فيه في السُّنةِ حديثٌ يحدِّد إطْلاقًا، أبدًا.
الطالب: طيِّب، نرى الأدلَّة.
الشيخ: زين، طيِّب، ما يخالف، الله يعينك، أنت أَوْلَى بها.
طالب: ما يخالف.
طالب آخر: لا ( ... ) ننسى الأدلة يا شيخ.
الشيخ: أنا واللهِ -في الحقيقة- تعرفون، هذه المسألة ما هي واردة زمانِها، ما هي من الآن، يعني لنا أكثر من عشرين سَنَة.
الطالب: بس إنها عرضتْ لنا الآن.
الشيخ: أكثر من عشرين سَنَة ونحن نُفْتي بها، وراجعْنا كلام العلماء من قديمٍ وحديثٍ، وما تبيَّنَ لي إلا أن هذا هو السُّنة؛ أنه إذا لم يَنْوِ الإقامةَ المطْلَقةَ أو الاستيطانَ فإنه مسافرٌ.
الطالب: يقصد -سلَّمك الله- أنه ما نطلع مِن ها المسألة إلا قلوبنا اطمأنتْ.
стр. 2210
الشيخ: طيب، هذه من الممكن نقرأ الرسالة اللِّي إحنا كتبناها، أو الجواب اللِّي كتبناه، يمكن يتبيَّن.
طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال الأخ؛ يأتي يقول: متى تعلَّمتُ رجعتُ. ما هي لحاجةٍ متى انتهتْ حاجتُه يرجع، فيقصُر؟
الشيخ: لا، بس العِلْم معروف أنه ما بيتعلَّم بيوم وليلة.
الطالب: قد يطول لسنتينِ.
الشيخ: إي، لكنْ بس ما هو مِثْل أن يقول: حاجتي. ربما حاجته يقضيها بيومٍ ويرجع، أمَّا العِلْم ما هو بيتعلَّم بيوم وليلة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، إنْ كان موظَّف يعمل في شركة، وطلبَ النقلَ إلى مدينة أُخرى، وما جاء الجواب، هل يقصُر إلى أن يأتي جواب النقل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإنْ طالت الفترة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يقول: متى ما جاء مشيت.
الطالب: بس ما يتوقع مثلًا أنه يأتي ..
الشيخ: إي، ما يدري، يبقى حتى يأتي الخبر.
طالب: كثير مِن المسائل اللِّي تمرُّ علينا أحيانًا نقول: عامِل الناسَ بالتربية فيها. المسألة هذه ما تدخل فيها؛ يعني سد الذرائع وغيرها؟
الشيخ: ويش الذريعة؟ ! أخطرُ ما فيها مسألةُ الصيام، ومسألة الصيام إذا حدَّدْنا هذه وقُلنا: إنَّ الإنسان لا يمكن يتأخر إلى ما بعد رمضان، انتهى الموضوع، زالَ الإشكال.
الطالب: بس ما هو على سبيل الإلزام يا شيخ، الواقع الآن في الخارج يقولون: الشيخ ما يقول على سبيل الإلزام.
الشيخ: أيُّ إلزام؟
الطالب: الصيام أنه إلى رمضان الثاني وأنَّا ممكن نتركه.
الشيخ: إحنا نقول: هذه -الحقيقة- ما نُرخِّص فيها؛ لأنه مثلما قلتُ لك: نخشى أنه إذا تكرَّرتْ عليه الشهور تعاجز وتكاسل وخلَّاه، لكنْ ينقله من أيام القيظ إلى أيام الشتاء ما فيه مانع.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعدُ:
следующие страницы →