Полный текст (12 382 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
يقول ﵀: (وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة)، هذا أيضًا من خصائص الجمعة؛ أنها تحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد، أما غير الجمعة فإنها تصلى في الدور.
أيش في الدور؟ الدور: الأحياء، ففي حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب (٢٠).
في الدور يعني؟
الأحياء، ولهذا يقال: دار بني فلان؛ أي: حيهم، ما سوى الجمعة يصلى في الأحياء، كل حي يصلي في مسجده، الجمعة يجب أن تكون في مسجد واحد؛ لأنها لو فرقت في مساجد الأحياء لانتفى المعنى الذي من أجله شرعت الجمعة، ولتفرق الناس، ولصار كل قوم ينفضُّون عن موعظة تختلف عن موعظة الآخر، فيتفرق البلد، ولا يشربون من نهر واحد، واضح؟
وأيضًا لو تعددت الجمع لفات المقصود الأعظم وهو جمع المسلمين وائتلافهم؛ لأنهم لو تُركوا، كل قوم يقيمون الجمعة في حيهم، لو تُركوا كذلك ما تعارفوا ولا تآلفوا، وبقي كل جانب من البلد لا يدري عن الجانب الآخر، فهذه من حكم الجمعة، أن يجتمع الناس في مكان واحد، وعلى إمام واحد، ويصدرون عن رأي واحد، ويشربون من نهر واحد.
ولهذا لم تقم الجمعة في أكثر من موضع لا في زمن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا في زمن الصحابة كلهم، ولا في زمن التابعين، وإنما أقيمت في القرن الثالث بعد مئتين وست وسبعين تقريبًا، فكان المسلمون إلى هذا الزمن يصلون على إمام واحد.
حتى إن الإمام أحمد سئل عن تعدد الجمعة، فقال: ما علمت أنه صُلى في المسلمين أكثر من جمعة واحدة.
الإمام أحمد توفي سنة مئتين وإحدى وأربعين، إلى هذا الحد لم تقم الجمعة في أكثر من موضع من البلد.
أقيمت في بغداد أول ما أقيمت لما صار البلد منشقا، فيه نهر بين الشرقي منه والغربي منه، فجعلوا فيها جمعتين؛ لأنه يشق أن يعْبُر الناس النهر كل أسبوع، فجعلت جمعتين.
стр. 2382
وعلي بن أبي طالب ﵁ في الكوفة أقام صلاة العيد في الصحراء، وجعل واحدًا من الناس يقيم في المسجد الجامع داخل البلد للضعفاء، فمن هنا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن صلاة الجمعة يجوز تعددها لحاجة.
على كل حال، إقامتها في أكثر من موضع من البلد محرمة.
قد يقول قائل: ما هو الدليل على التحريم؟
نقول: الدليل أن النبي ﵊ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، وحافظ النبي ﷺ على صلاة في مسجد واحد طيلة حياته، والخلفاء من بعده، والصحابة من بعده، وهم يعلمون أن البلاد اتسعت؛ ففي عهد عثمان اتسعت المدينة فزاد أذانًا ثالثًا، جعل أذان أول، ثم أذان عند حضور الإمام، ثم الإقامة، ولم يعدد الجمع.
والجمعة في عهد الرسول ﵊ وأيضًا كانت أحياءً، العوالي بعيدة عن الجمعة، ومع ذلك يحضرون إلى مسجد النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن الجمعة لا بد أن تكون على إمام واحد وفي مكان واحد.
ولكن مع الأسف الآن أصبحت بلاد كثير من المسلمين، أو أصبح كثير من بلاد المسلمين لا يفرقون بين الجمعة وبين صلاة الظهر؛ أي أن الجمعة تقام في كل مسجد، فتفرقت الأمة، وصار الناس يقيمون صلاة الجمعة وكأنها صلاة ظهر.
وهذا لا شك أنه خلاف مقصود الشرع، وخلاف هدي النبي ﷺ ، ولهذا جزم المؤلف بتحريم إقامتها في أكثر من موضع من البلد.
قال: (إلا لحاجة)، والمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة؛ لأن هناك ضرورة وحاجة، الحرام لا يبيحه إلا الضرورة، والحاجة إنما تبيح المكروه فقط ولا تبيح المحرم، فالمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة، وأظنكم تعرفون الفرق بين الحاجة والضرورة.
طالب: لا
الشيخ: ما تعرف.
الحاجة: هي التي يكون بها الكمال، والضرورة: هي التي يندفع بها الضرر، هذا الفرق.
стр. 2383
يعني الحاجة أنك تحتاج للشيء لكن لو فات ما يضرك، والضرورة هي التي لو فات لضرك، هذا هو الفرق بين الحاجة والضرورة.
ولهذا نقول: المُحَرَّم لا تبيحه إلا الضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
والمكروه أخف تبيحه الحاجة.
ما هي الحاجة؟
لم يبين المؤلف ﵀ الحاجة، ولكن تعرف مثلًا إذا ضاق المسجد عن أهله ولم يمكن توسيعه، هذه حاجة؛ لأن الناس لا يمكن أن يصلوا في الشمس في أيام الصيف، ولا في المطر في أيام الشتاء، فإذا كان الناس كثيرين والمسجد ضيقًا فهذا حاجة.
ثانيًا: إذا تباعدت أقطار البلد، وصار الناس يشق عليهم الحضور، فهذا أيضًا حاجة لا شك.
ولكن في عصرنا الآن، هل هناك حاجة؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم، ليس هناك حاجة من جهة البعد، لكن هناك حاجة من جهة الضيق؛ لأن الذين يأتون بالسيارة من أماكن بعيدة يحتاجون إلى مواقف، وقد لا يوجد مواقف، قد يبقى الإنسان يدور والإمام يخطب ويصلي وهو يدور، لم يجد مكانًا يقف فيه، فهذه حاجة.
لكن إذا كان هناك مواقف، أو كانت السيارات قليلة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ولو بعيدًا، ويقال للقريبين: لا تأتوا بالسيارات، ينبه على القريبين أنهم لا يأتون بالسيارات؛ لأجل أن يفسحوا المجال لمن كانوا بعيدين.
ومن الحاجة أيضًا: أن يكون بين أطراف البلد حزازات وعداوات يخشى إذا اجتمعوا في مكان واحد أن تثور فتنة، فهنا لا بأس بأن تتعدد الجمع، لكن هذا مشروط بما إذا تعذر الإصلاح، أما إذا أمكن الإصلاح وجب الإصلاح وتوحيدهم على إمام واحد، لكن لو تعذر فحينئذ لا يمكن أن نجمعهم في مكان واحد تثور الفتنة فيما بينهم، فإذا كان يمكن الإصلاح وجب، إذن هذا -أعني خوف الفتنة- إنما يكون عند تعذر الإصلاح.
أما إذا أمكن الإصلاح فهذا هو الواجب، هل من الحاجة أن يكون الإمام مُسبلًا؟
الجواب: لا.
стр. 2384
هل من الحاجة أن يكون فاسقًا؟ يعني فيقول الناس مثلًا: نحن لا نصلي خلف هذا الفاسق، نريد إمامًا عدلًا، وإلا لم يقم الجمعة في مسجدنا، بإمام نرضاه.
نقول: لا، هذا ليس من الحاجة؛ لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج بن يوسف، وهو من أشد الناس ظلمًا وعدوانًا؛ يقتل العلماء ويقتل الأبرياء، وكانوا يصلون خلفه.
وعلى هذا فنقول: إن اختلاف الناس مع الإمام من أجل فسوقه ليس بحاجة في تعدد الجمعة، بل الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام فاسقًا ولو في غير الجمعة؛ يعني معناه يجوز أن تصلي خلف الفاسق ولو في غير الجمعة، ما لم يكن فسقه إخلالًا بشرط من شروط الصلاة يعتقده هو شرطًا، فحينئذ لا نصلي خلفه.
أما إذا كان إخلاله بشرط من شروط الصلاة نعتقده نحن شرطًا وهو لا يعتقده فهذا لا يضر، مثل: أن نعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، والإمام يعتقد أنه لا ينقض ثم صلى بنا فإننا، نصلي خلفه.
لأن هذا اختلاف اجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نحكم على الإنسان ظاهريًّا إن أظهر صفة من صفات النفاق؟
الشيخ: لا، نحكم عليه بأنه منافق في هذه الخصلة.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم، ( ... ) علينا بأن الحجاج له سلطة على الصحابة، لو صلى في مسجد آخر ( ... )، إنما لو كان فاسقًا يعني ليس له سلطة تُقدِّمه.
الشيخ: لا هذا غير وارد؛ لأن مثل ابن عمر ﵁ ما يهمه الحجاج، ما يهمه أن يصلي في مسجد آخر يقيم الجمعة وهو يدع الحجاج.
طالب: يؤذيه، يقتله.
الشيخ: لا ما يقتله أبدًا، لا، هو يتودد إليه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تعددت الجمع في بلد واحد وكان ( ... ).
الشيخ: بيجينا إن شاء الله، إذا تعددت.
طالب: بعض الناس في الصلاة يقرأ آيات مناسبة للخطبة غير (الجمعة) و (المنافقون)؟
الشيخ: هذا خلاف السنة.
طالب: جائز هو؟
الشيخ: هو جائز، لكن خلاف السنة، السنة أن تقرأ بهذه السور الأربعة.
стр. 2385
طالب: بعض الأئمة يخطب بالناس ثم يغير صوته فيما يتلو في آية من الآيات، هل هذا نقول: إنه بدعة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ؟ ولّا نقول: إنه لا بأس؛ لأنه يؤثر في الناس، و ( ... )؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ يقول: لو أن الإمام إذا أراد أن يتلو الآية في الخطبة رتلها كما يرتلها خارج الخطبة، هل نقول: هذا بدعة أو نقول إنه سنة؟ أو نقول إنه حسن، لا بأس به وهو حسن؟
المعروف عند علمائنا ومشايخنا أنهم لا يغيرون، يجعلون التلاوة واحدة وأنا لا أظن أن في هذا بأسًا ولكنه خلاف ما نعتاده، فهو بدعة عرفية، لا بدعة شرعية.
طالب: أحسن الله إليك، لو قال رجل: إن النبي ﷺ ما عدد الجمع في عهده، فإن الصحابة كانوا يحبون شهود الجمعة مع النبي ﷺ ، قصة بني سلمة وبكر.
الشيخ: أنا أنصحك أنت وإخوانك، أنصحكم عن هذه الإيرادات البعيدة، فكروا في الأمر، الصلوات الخمس يصلون في أحيائهم، ثم إذا سلمنا جدلًا كما قلت، فهل الخلفاء الراشدون مثل الرسول ما عددوها واللي بعدهم التابعون ما عددوها؟
ولهذا أنا قلت لكم كثيرًا، وأقول كثيرًا: الاحتمالات العقلية لا توردونها على الأدلة الشرعية، ترى هذا يفتح لكم جدلا ( ... ).
سألني سائل اليوم في الصباح سؤالا -الحقيقة اقشعر منه الجلد- قال: إن الله قال عن أهل النار: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟
طالب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
طالب آخر: صدق الله، كما قال الله .
طالب آخر: أنكر عليهم.
الشيخ: هذه خطيرة، الله يقول: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، نقول: كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟ ! ما نعرف، هل نسوا؟ هل حصل لهم شيء؟
стр. 2386
المهم يجب أن نؤمن بأنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا ولا نفرض هذه الافتراضات، أنا أنصحكم أن تكون في نفوسكم هذا، يدخل عليكم الشيطان حتى في ذات الله ، فلذلك اترك هذه الاحتمالات.
كون الرسول يواظب على صلاة جمعة واحدة، ويأتي الناس من العوالي ومن غير العوالي يحضرون، والخلفاء الراشدون مثله والصحابة كلهم والتابعون، يعلم الإنسان علم اليقين أنها لا يمكن أن تتعدد الجمعة.
طالب: ورد عند النسائي في السنن الصغير أن النبي ﷺ كان يقرأ (الجمعة) و (الغاشية) (٢١)، حديث النعمان بن بشير؛ يعني يجمع بين الجمعة وبين والغاشية.
الشيخ: الظاهر لي -والله أعلم- أن هذا وهم.
طالب: بوب له النسائي.
الشيخ: إي، ولو بوب له النسائي؛ لأن التناسب بين الجمعة والغاشية في الطول بعيد، وكان من هدي الرسول ﵊ أن الصلاة ما تختلف هذا الاختلاف.
طالب: يا شيخ لو احتج الذي يقرأ آية تناسب الخطبة، بقراءة النبي ﷺ بسورة الجمعة يوم الجمعة، ما يمكن هذا نقول؟
الشيخ: أأنت أعلم أم الرسول؟ الرسول يقرأ بيوم الجمعة سواء كان موضوع الخطبة الجمعة وغير الجمعة؟
طالب: أحسن الله إلى الفقهاء يا شيخ، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
الشيخ: يا أخي، لماذا تستغل الموقف، ثلاثة أسئلة جميعًا؟
طالب: الأسئلة كثيرة، يا شيخ.
طالب: ( ... ) بنفس القاعدة، الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.
الشيخ: لا ما هو بصحيح، ما تنزلت، إنما الحاجة قد تبيح المحرم إذا كان محرمًا تحريم الوسائل، كمسألة العرايا مثلًا، يعرفونها أكثر الطلبة.
العرايا: بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر قديم، بشروطها المعروفة، هذه فيها ربا الفضل لكنها للحاجة أبيحت.
وكالنظر للمرأة عند الخطبة؛ فإن تحريم النظر إنما هو تحريم وسيلة، فتبيحه الحاجة.
стр. 2387
طالب: ذكر بعض العلماء: أنه إذا حضر ثلاثة رجال، بعد أن خطب الإمام وصلى، وجب عليهم أنهم يخطبون ويصلون.
الشيخ: فتعاد الجمعة مرتين؟
طالب: إي بعد؛ يعني يلزمهم؛ لأنها فرض الوقت.
الشيخ: هذا شاذ عملًا، وشاذ دليلًا؛ لأنه ما كان هذا معهودًا في عهد الصحابة، وأيضًا الرسول قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ» (٢٢)، والجمعة لا تقام إلا مرة واحدة في عهد الرسول ﷺ .
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل
والجمعة ركعتان، يسن أن يقرأ جهرًا في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين، وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة، فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها، فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة، وإن وقعتا معًا أو جهلت الأولى بطلتا، وأقل السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست، ويسن أن يغتسل، وتَقَدَّمَ، ويتنظف، ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كم عدد صلاة الجمعة؟
طالب: ركعتان.
الشيخ: ركعتان؟ ما الدليل؟
طالب: ( ... ) الخطبة الأولى في الجمعة، والثانية في ( ... ).
الشيخ: الدليل من السنة، وغير؟ فيه دليل آخر؟
طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع المتواتر المعلوم الذي يعرفه الصغير عن الكبير.
ما هي الحكمة في أنه يقرأ فيها جهرًا؟
طالب: هو اجتماع الأمة؛ يعني يدل على ائتلاف الأمة على قراءة واحدة وعلى إمام واحد.
الشيخ: يعني؟
طالب: اجتماعهم ..
طالب آخر: إظهار الائتلاف بين ..
الشيخ: إظهار الائتلاف وتوحيد الكلمة والموافقة حيث كانوا يستوون عن قراءة واحدة بإمام واحد. تمام.
هل لها نظير من الصلاة النهارية؟
طالب: صلاة العيدين.
الشيخ: صلاة العيدين، وغيرها؟
طالب: صلاة الكسوف.
стр. 2388
الشيخ: وصلاة الكسوف، وغيرها؟
طالب: الاستستقاء.
الشيخ: الاستستقاء؛ لأن كل هذه الصلوات السنة فيها الاجتماع على إمام واحد.
ما الذي يُقرأ في صلاة الجمعة؟
طالب: ( ... ) أنهم يقرأ في صلاة الجمعة إما سورة (الجمعة) و (المنافقون)، هذه ..
الشيخ: أو؟
طالب: أو (سبح) و (الغاشية).
الشيخ: يقرأ إما الجمعة والمنافقون، أو (سبح) و (الغاشية).
ما هو الأولى فيما ذكرناه، أن يقرأ هذا أو هذا؟
طالب: مرة بهذا، ومرة بهذا.
الشيخ: مرة بهذا وهذا، لكن ما الأفضل أن يراعي؟
طالب: يراعي البرد إذا كان فيه برد وشدة فيقرأ بالأيسر، ثم إذا كان في يسر فيقرأ مرة بهذا ومرة بهذا.
الشيخ: صح، حكم إقامة الجمعة في أكثر من موضع؟
طالب: حرام.
طالب آخر: حرام، لا يجوز إقامتها في أكثر من موضع.
الشيخ: هل عندك دليل على هذا؟
طالب: الدليل فعل الرسول ﷺ ، والخلفاء الراشدين، لم يقيموا أكثر من جمعة.
الشيخ: نعم، مع تباعد البلد؛ كان في عهد الرسول تسعة مساجد في المدينة، ولا يقام فيها الجمعة إلا واحد فقط.
يقول المؤلف: (إلا لحاجة)، ما المراد بالحاجة هنا؟
طالب: ( ... ) بأن يكون، الإنسان يكون من بعيد.
الشيخ: تباعد البلد، وغير؟
طالب: كذلك إذا فيه حزازات أو عداوات.
الشيخ: إذا خيفت الفتنة، وغيرها؟
طالب: ضيق المسجد.
الشيخ: إذا ضاق المسجد.
طالب: إذا ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: قبل أن ( ... ) من عدم الإصلاح.
الشيخ: إي نعم، مسألة إذا خيفت العداوة أو الفتنة بشرط أن لا يمكن الإصلاح، إذا أمكن الإصلاح زال الخوف.
طالب: دليل ( ... ).
الشيخ: إي، ما هو لازم، يكفي دليل واحد، ما هو لازم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن فعلوا): يعني صلوها في أكثر من موضع لغير حاجة.
стр. 2389
(فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها) يعني إذا تعددت الجُمع بأن أقاموا جمعتين بدون حاجة، فإن الصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها، إذا قال العلماء: الإمام، فمرادهم من له أعلى سلطة في الدولة، وذلك لأن الإمام العام فُقِد من زمان طويل، منذ سقوط الخلافة العباسية والإمام العام قد فُقِد، ست مئة وخمسين صارت الأمة الإسلامية -مع الأسف- دويلات، فالمراد بالإمام الأعظم هو من له السلطة العليا في البلد، أو في الدولة، هذا الإمام الأعظم.
فإذا تعددت الجمعة في موضع واحد لغير حاجة، فالصحيحة ما باشرها الإمام؛ يعني ما صلى فيها سواء كان هو الإمام أو كان مأمومًا، وكانوا فيما سبق لا يصلي الجمعة إلا الإمام، الإمام يتولى الإمامة في صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وقيادة الحجيج، لكن تفرقت الأمة.
وقوله: (أو أذن فيها) يعني: إن لم يباشرها، مثل أن يكون بلد الإمام في محل آخر، وهذا البلد الذي فيه تعدد الجمعة لم يكن الإمام حاضرا لكنه أَذِن، قال: أَذِنْت لكم أن تقيموا جمعتين فأكثر.
وهذه المسألة ليست مبنية على ما سبق في قول المؤلف: (لا يشترط لها إِذْن الإمام)؛ لأن إِذْن الإمام هناك لا تشترط في إقامة الجمعة الواحدة، أما في التعدد فلا بد من إذن الإمام، والفرق بينهما ظاهر.
الأولى: لو قلنا إنه يشترط لإقامة الجمعة إذن الإمام لكانت الفرائض باختيار من؟ باختيار الأئمة.
أما هذه، وهي تعدد الجمعة، فلا بد من إذن الإمام، لماذا؟
لأن لا يفتات عليهم، وتتفرق الأمة، وتتمزق، وهذا أمر يرجع إلى الدين من جهة، وإلى نظام الدولة من جهة أخرى.
إلى الدين من جهة أن الدين ينهانا عن التفرق في دين الله، قال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
стр. 2390
من جهة النظام -الدولة- وأن ولي الأمر هو اللي له الكلمة: يكون في هذا افتئات على الإمام، يكون كل طائفة من الناس تود أن تتزعم البلد تجعل في محلها جمعة، فلهذا لا بد من إِذْن الإمام في: كمِّل؟
طلبة: تعدد الجمع.
الشيخ: في تعدد الجمع.
فإذا أذن الإمام في الجمعة الزائدة عن الواحدة فإنه يصح، ولهذا قال: (فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها).
معنى (ما باشرها)؟
طالب: المعنى: ( ... ) وهو إمام أو مأموم.
الشيخ: يعني صلى فيها؟ سواء كان إمامًا، أو مأمومًا، أو أذن فيها إذا لم يكن فيها.
يقول: (فإن استوتا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة)، (فإن استوتا): كان المتوقع أن يقول: فإن استوتا؛ أي: الجمعتان، (في إذن أو عدمه) إذن من؟
في إذن الإمام، بأن يكون الإمام قد أذن فيهما جميعًا، (أو عدمه): بأن يكون لم يأذن فيهما جميعًا.
وبهذا نعرف أن القسمة ثلاثية:
يأذن في إحداهما.
يأذن فيهما.
لا يأذن في واحدة منهما.
إن أذن في إحداهما؟
طلبة: غير صحيحة.
الشيخ: فهي الصحيحة، سواء تأخرت أو تقدمت.
وإن أذن فيهما جميعًا، أو لم يأذن فيهما جميعًا يقول المؤلف: (فالثانية باطلة) الثانية.
ولكن بماذا نعتبر السبق؟ هل نعتبر السبق بالزمن بأن نقول: ما تقدمت، أو ما تقدم إنشاؤها زمنًا فهي الصحيحة؛ لأن الثانية طارئة عليها؟
أو نقول: بالتقدم عملًا، فما سبقت بتكبيرة الإحرام فهي الصحيحة؟ الأول أو الثاني؟
طلبة: الأول.
الشيخ: فيها قولان للحضور، كما أن فيها قولان لمن سبقوا، المذهب: أن المعتبر التأخر عملًا، فيكون المراد بالثانية: ما تأخرت عن الأولى بتكبيرة الإحرام، ما تأخرت عن الأولى بتكبيرة الإحرام فهي الباطلة، وما سبقت بتكبيرة الإحرام فهي؟
طلبة: الصحيحة.
الشيخ: الصحيحة، ولكن كيف نعلم؟ نقول: أما في الزمن السابق فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون صعبًا، أما في الزمن هذا فالعلم بتقدم إحداهما بالإحرام قد يكون سهلًا.
بأي وسيلة؟
стр. 2391
بمكبر الصوت، إذا سمعنا قال الإمام في الأولى: الله أكبر، ثم قال الإمام في الثانية بعده مباشرة: الله أكبر، قلنا للثاني: صلاتك باطلة، وللأول صلاتك صحيحة.
لأن الأول لما سبق بالإحرام تعلق به الفرض، الصلاة الأولى التي سبقت بالإحرام تعلق بها الفرض لأنها سبقت.
وعلى المذهب: تدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام، فإذا سبقت بتكبيرة الإحرام تعلق الفرض بها وصارت هي الصلاة المفروضة، والثانية باطلة.
وقال بعض العلماء: المعتبر السبق زمنًا، فما كانت قد أنشئت أولًا فالحكم لها؛ لأن الثانية هي التي حدثت على الأولى فهي تشبه مسجد الضرار الذي بناه المنافقون عند مسجد قباء، وقال الله لنبيه: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨].
وهذا القول هو الصحيح، بل هو المتعين.
هو الصحيح، أن المعتبر السابقة؟
زمنًا وإنشاءً، ولو تأخرت عملًا.
فلو فرضنا أن الجديدة التي أنشئت حديثًا وبدون إذن الإمام صلوا ركعة قبل أن تقام الثانية التي هي الأولى إنشاءً، فأيتهما الصحيحة؟
طلبة: الأولى.
الشيخ: الثانية، التي تأخرت عملًا وسبقت زمنًا؛ لأن الوارد عليها هو الذي أخطأ.
من هم الذين أرادوا تفريق المسلمين؟
طلبة: الثانية.
الثانية ولّا الأولى؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية لا شك؛ لأن الناس مجتمعون على الأولى فجاء هؤلاء وأنشأوا مسجد جامع فرقوا الناس، فيكون الحكم للأولى، هذا هو القول الصحيح المتعين، لكن على المذهب: تعتبر السابقة عملًا، فأيتهما سبقت بالإحرام فهي الصحيحة، ولهذا قال: (فالثانية باطلة، وإن وقعتا معًا بطلتا معًا).
نحن نستمع الآن إلى المسجد الشمالي والجنوبي فقال كل إماميها: الله أكبر، جميعًا، تكبيرة رجل واحد، وصلوا الجمعة كلها، ماذا نقول لهم؟
صلاتكم جميعًا باطلة؛ لأنها لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا؛ تساقطتا، تعرفون البينتين؟
طالب: نعم.
стр. 2392
الشيخ: يعني شهد شهود بكذا، وشهد شهود اثنين بضده في قضية واحدة، تبطل الشهادات كلها.
وعلى القول الذي رجحناه، ما الذي يصح؟
طلبة: ( ... ) إنشاءً.
الشيخ: إنشاءً، شوف القول الصحيح سبحان الله يكون أيضًا تطبيقه سهلًا.
هذا القول الذي رجحنا نقول: أيهما الأول؟ أي المسجدين أولًا؟
قالوا: المسجد الشمالي.
نقول: نقول أهل المسجد الشمالي صحت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم.
واضح يا جماعة؟
طالب: نعم.
الشيخ: على كلام المؤلف حيث اعتبر السبق بالعمل أي بتكبيرة الإحرام إذا وقعتا معًا كبر الإمامان جميعًا؟
فالصلاتان باطلتان.
(أو جُهِلت الأولى بطلتا) إذا جُهلت الأولى بطلتا، كيف جُهلت الأولى؟
يعني: صلوا ولا ندري أيهما الذي تقدم في تكبيرة الإحرام، ما نعرف، نقول: بطلت صلاة المسجد الشمالي، وصلاة المسجد الجنوبي؛ ليش؟
هذا هو، بطلت.
إذا قالوا: أقرعوا بيننا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ( ... ) التي تقع القرعة تصح صلاته.
نقول: ها ما يصح، هذه عبادة، لا تصح القرعة فيها.
قالوا: إذن لما بطلتا دعونا نصلي من جديد جميعًا، نجتمع في هذا المسجد ونصلي جميعًا.
نقول: لا يمكن، ولا تصلوا جميعًا.
الجمعة وقتها باق؟
نقول: لا يمكن.
في المسألة الأولى إذا وقعتا معًا، لما قلنا: بطلتا، قالوا: دعونا نصلي جمعة.
نقول: ما يخالف، أبشر، صلوا جمعة جميعًا.
في المسألة الثانية: إذا جُهِلت الأولى؟ نقول: بطلتا.
فإذا قالوا: دعونا نصلي جمعة. قُلنا: لا.
стр. 2393
وأَقَلُّ السنةِ بعدَ الْجُمعةِ ركعتان وأَكْثَرُها سِتٌّ ويُسَنُّ أن يَغْتَسِلَ - وتَقَدَّمَ - ويَتَنَظَّفَ ويَتَطَيَّبَ ويَلْبَسَ أَحْسَنَ ثيابِه ويُبَكِّرَ إليها ماشيًا، ويَدْنُوَ من الإمامِ ويَقرأَ سورةَ الكهفِ في يومِها ويُكْثِرَ الدعاءَ ويُكثِرَ الصلاةَ على النبيِّ ﷺ ، ولا يَتَخَطَّى رِقابَ الناسِ إلا أن يكونَ إمامًا أو إلى فُرْجَةٍ، وحَرُمَ أن يُقيمَ غيرَه فيَجْلِسَ مَكانَه إلا مَن قَدَّمَ صاحبًا له في مَوْضِعٍ يَحْفَظُه له، وحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مفروشٍ ما لم تَحْضُر الصلاةُ،
(فالثانية باطلة وإن وقعتا معًا) إن وقعتا معًا بطلتا معًا، نحن نستمع إلى المسجد الشمالي والجنوبي، فقال كل إماميهما: (الله أكبر) جميعًا، تكبيرة رجل واحد، وصلوا الجمعة كلهم، ماذا نقول لهم؟ صلاتكم جميعًا باطلة؛ لأنها لم تتقدم إحداهما حتى يكون لها مزية، وإذا لم يكن لها مزية صارت كل واحدة تبطل الأخرى، كالبينتين إذا تعارضتا تساقطتا.
تعرفون البيِّنتين؟ يعني شهد شهود بكذا، وشهد شهود اثنان بضدهم في قضية واحدة، تبطل الشهادات كلها. وعلى القول الذي رجحناه ما الذي يصح؟ الأقدم إنشاء، شوف القول الصحيح سبحان الله يكون أيضًا تطبيقه سهلًا، على القول الذي رجحناه نقول: أيهما الأول؟ أي المسجدين أولًا؟ قالوا: المسجد الشمالي، نقول: أهل المسجد الشمالي صحَّت جمعتهم، وأهل المسجد الجنوبي لم تصح جمعتهم.
على كلام المؤلف حيث اعتبر السَّبْق بالعمل -أي بتكبيرة الإحرام- إذا وقعتا معًا كبر الإمامان جميعًا، فالصلاتان باطلتان.
(أو جُهلت الأولى بطلتا) إذا جُهلت الأولى بطلتا. كيف جُهلت الأولى؟ يعني صلوا ولا ندري أيهما الذي تقدم في تكبيرة الإحرام، ما نعرف. نقول: بطلت صلاة المسجد الشمالي وصلاة المسجد الجنوبي، ليش؟ هذا هو، بطلت.
стр. 2394
إذا قالوا: أقرِعوا بيننا ( ... ) اللي تقع له القرعة تصح صلاته، نقول: هذا ما يصح، هذه عبادة لا تصح القرعة فيها.
قالوا: إذن لما بطلتا دعونا نصلي من جديد جميعًا، نجتمع في هذا المسجد ونصلي جميعًا؟ نقول: لا يمكن، ولا تصلوا جميعًا، الجمعة وقتها باقٍ؟ نقول: لا يمكن.
في المسألة الأولى إذا وقعتا معًا لما قلنا: بطلتا قالوا: دعونا نصلي جمعة، نقول: ما يخالف أبشِر، صلوا جمعة جميعًا، في المسألة الثانية إذا جُهلت الأولى نقول: بطلتا، فإذا قالوا: دعونا نصلي جمعة قلنا: لا، لا تصلوا جمعة.
والفرق بينهما ظاهر؛ لأنه في المسألة الأولى بطلت الجمعتان جميعًا، كل واحدة أبطلت الأخرى فلم تصح واحدة منهما، في المسألة الثانية إحداهما صحيحة، ما هي الصحيحة؟ التي سبقت، لكن الآن مجهولة، والجمعة لا تُعاد مرتين، فحينئذٍ نقول: لا تعيدوا الصلاة، ولو اجتمعوا في مسجد واحد، أفهمتم يا جماعة.
إذن قول المؤلف ﵀: (وإن وقعتا معًا أو جُهلت الأولى بطلتا) نقول: هما في البطلان سواء، لكن فيما لو أرادوا أن يعيدوا الجمعة، ماذا نقول لهم؟
نقول في المسألة الأولى: نعم، أعِيدوا الجمعة؛ لأنه لم تصح جمعة واحد منهما، وفي الثانية لا تعيدوا الجمعة؛ لأن إحداهما قد صحَّت وسقط بها الفرض، ولكنها مجهولة فوجب على الجميع إعادة الصلاة ظهرًا، وفي المسألة الأولى يجب عليهم إعادة الجمعة إن استطاعوا وإلا فظهرًا.
يقول: (وإن وقعتا معًا أو جُهلت الأولى بطلتا).
ثم قال: (وأقلُّ السُّنَّة بعد الجمعة ركعتان).
شرع المؤلف الآن في بيان السنن التوابع للجمعة، فقال: (أقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست). وأوسطها أربع، أقلها ركعتان؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، ثبت ذلك عنه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ (١).
стр. 2395
(وأكثرها ست)؛ لأنه ورد عن عبد الله بن عمر بإسناد صححه العراقي يقول: إن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ستًّا (٢)، وكان ابن عمر إذا صلى في مكة تقدم بعد صلاة الجمعة فصلى ركعتين، ثم صلَّى أربعًا (٣)، وفي المدينة يصلي ركعتين في بيته، ويقول: إن الرسول ﷺ كان يفعله (١).
أما الأربع؛ فلأن النبي ﷺ أمر بذلك فقال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» (٤).
فصارت السُّنَّة بعد الجمعة إما ركعتان، أو أربع، أو ست. ولكن هل هذا مما وردت به السنة على وجوه متنوعة، أو على أحوال متنوعة؟
طلبة: على أحوال متنوعة.
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: فيه خلاف؛ منهم من قال: إنها على أحوال متنوعة، ومنهم من قال: إنها على وجوه متنوعة. والفرق؟
طالب: الفرق .. ابن عمر صلى في مسجد ..
الشيخ: لا، الفرق بين هذين القولين، الذي يقول على وجوه متنوعة أو على أحوال متنوعة؟
الطالب: الحال كونه يعني بمكة أو بالمدينة.
الشيخ: لا، ولكنك قاربت.
الطالب: الحال كأنه يعني يسافر أو حاضر؛ أي حضر.
الشيخ: أبعدت شوي!
طالب: شيخ، الحال إذا كان في المسجد أو في بيته، إذا كان في المسجد يصلي أربعًا، وإذا كان في بيته يصلي ركعتين على قول.
الشيخ: نعم، هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، يجعل الخلاف هنا تنوع حال، فيقول: إن صليت راتبة الجمعة في المسجد فصلِّ أربعًا، وإن صليتها في البيت فصلِّ ركعتين، ومنهم من يجعلها تنوع وجوه، فيقول: صلِّ أحيانًا أربعًا، وأحيانًا ركعتين؛ هذان قولان.
стр. 2396
فيه قول ثالث لا أدري هل قيل به، لكنه ينطبق على القاعدة: وهو أنه إذا تعارض قول النبي ﷺ وفعله يُقدَّم قوله، وعلى هذا فتكون السنة أربع ركعات؛ لأن هذا ثبت من قوله والركعتان ثبتتا من فعله، والأولى للإنسان -فيما أظنه راجحًا- أن يصلي أحيانًا هكذا وأحيانًا هكذا، يعني أحيانًا يصلي أربعًا، وأحيانًا يصلي ركعتين. أما الست فإن ظاهر حديث ابن عمر أن الرسول كان يفعله أيضًا فيكون كما قال المؤلف.
وعُلم من قول المؤلف: (أقل السنة بعد الجمعة ركعتان) أنه ليس للجمعة سنة قبلها، وهو كذلك، انتبهوا، ليس للجمعة سُنة قبلها، ولكن ماذا يصنع؟ نقول: يصلي ما شاء بغير قصد عدد، يصلي ركعتين، ثم يجلس يقرأ ينتظر الإمام، يصلي أربع ركعات، يصلي ستًّا، يصلي أكثر، حسب ما يتيسر له.
فإن قال قائل: هل تختارون لي إذا جئت يوم الجمعة أن أشغل وقتي بالصلاة، أو أن أشغل وقتي بالقراءة، يعني قراءة القرآن؟ نرى أن ركعتين لا بد منهما، وهما تحية المسجد، لا بد منهما، وما عدا ذلك فلينظر الإنسان ما هو أرجح له؛ إذا كنت في مسجد يزدحم فيه الناس ويكثر المترددون بين يديك، فالظاهر أن قراءة القرآن أخشع للإنسان، أخشع لقلبه وأفيد، وإذا كنت في مكان سالم من التشويش فلا شك أن الصلاة أفضل من القراءة؛ لأن الصلاة تجمع قراءة وذِكر ودعاء، قيام، قعود، ركوع وسجود، روضة من رياض العبادات، فهي أفضل، لكن في المسجد الحرام في أيام المواسم إذا صلى الإنسان يتعب، يتعب بأيش؟ بمدافعة الناس، يتعب، فهنا قد يكون لو جلس وجعل يقرأ القرآن بتدبر، وتمهل حصل له من خشوع القلب ورقته وقوة الإيمان ما لا يحصل بالصلاة.
والإمام أحمد ﵀ سئل عن مسألة من مسائل العلم، فقال للسائل: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله، وهذه كلمة عظيمة: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله.
стр. 2397
ولا شك أن الإمام أحمد إنما يريد فيما لم يرد فيه التفضيل، أما ما ورد فيه التفضيل فالقول ما قال الله ورسوله. لكن مع ذلك نحن نشاهد من فعل الرسول ﷺ وحال الرسول أنه أحيانًا يُقدِّم المفضول على الفاضل، أحيانًا يصوم حتى يقال: لا يفطر، أحيانًا يُفطر حتى يقال: لا يصوم (٥)، وكذلك في قيام الليل، أحيانًا يأتيه الوفود يشغلونه عن الراتبة يجلس معهم ولا يصلي الراتبة إلا بعد صلاة أخرى كما أخَّر راتبة الظهر إلى ما بعد العصر (٦).
فالإنسان العاقل الموفق -نسأل الله لنا ولكم التوفيق- يعرف كيف يتصرف في العبادات غير الواجبة، الواجبة ما فيها كلام لا بد من فعلها، لكن غير الواجبة يستطيع الإنسان يقارن ويُوازن بين المصالح ويفعل ما هو أصلح.
طالب: حديث ابن عمر صلاة النبي ﷺ ست ركعات في مكة (٣) ما قال ( ... ) النبي ﷺ مسافر، وهذا العمل نفل، ليس راتبًا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: النبي ﷺ بمكة يعتبر مسافرًا، صلاة المسافر، وهذا نفل لا يعتبر راتب الجمعة.
الشيخ: لا، ما هو الظاهر، يعني كلام ابن عمر ﵄ قد يكون أن مراده أنه في غير المدينة مطلقًا، وأنه صادف أنها في مكة.
طالب: قول المؤلف يا شيخ: (فإن استويا في إذن) يعني أذن لهم الإمام.
الشيخ: أذن لهم الإمام جميعًا.
الطالب: طيب إذا أذن لهم ( ... ) لحاجة.
الشيخ: لا، هو قد يأذن لغير حاجة، مشكلة، نعم، نقول: الإمام لا يجوز أن يأذن إلا لحاجة.
الطالب: إن أذن لحاجة؟
الشيخ: لا، إن أذن لحاجة ما فيه إشكال، جائزة، كلاهما صحيح.
طالب: يا شيخ، على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، صلاة ( ... ) ست أو فعل ابن عمر ست ( ... ) بأي حال ننزلها.
الشيخ: ما له وجه ( ... ) أنه أراد أن يجمع بين فعله في المدينة وفعله في مكة ( ... ).
***
стр. 2398
طالب: (ويسن أن يغتسل –وتقدم– ويتنظف ويتطيب، ويلبس أحسن ثيابه، ويبكِّر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف في يومها، ويُكثر الدعاء، ويُكثر الصلاة على النبي ﷺ ، ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إمامًا أو إلى فرجة).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن صلاة الجمعة ليس لها راتبة قبلها، وإنما يُصلي الإنسان ما تيسر، وأن لها راتبة بعدها، وهي؟
طالب: ورد أن أقلَّها ركعتان، وأكثرها ست.
الشيخ: أكثرها ست، وهذا الدرس الماضي اللي يحتاج إلى مناقشة وهو سهل؛ لأن (إقامتها في أكثر من موضع)، انتهينا منه ولَّا لا؟ ناقشنا فيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسنُّ أن يغتسل لها وتقدَّم)
(يُسن) يعبر الفقهاء بـ (يُسن، ويجب، ويُشرع)، ثلاثة تعبيرات، إذا قالوا: (يُشرع) فهو لفظ صالح للوجوب والاستحباب، وإذا قالوا: (يجب) فهو للوجوب، وإذا قالوا: (يُسن) فهو للاستحباب. والسنة عند الفقهاء في تعبير الفقهاء: هي ما أُثيب فاعلُه، ولم يعاقَب تاركه؛ فهي بين الواجب وبين المباح.
فقوله: (يسن أن يغتسل) يعني أنه إذا اغتسل ليوم الجمعة فهو أفضل، وإن لم يغتسل فلا إثم عليه. هذه هي السنة في اصطلاح الفقهاء.
وقوله: (أن يغتسل) لم يُبيِّن كيف الاغتسال، ولكنه إذا أُطلق في لسان الشارع، أو في لسان أهل الشرع -وهم الفقهاء- فإنه يُحمل على الاغتسال الشرعي لا على مجرد أن الإنسان يغسل بدنه، على الاغتسال الشرعي.
وصفته على وجهين:
واجبة: وهي أن يعم جميع بدنه بالماء، ولو بالانغماس في بركة أو نهر أو بحر.
ومستحبة: وهي أن يتوضأ أولًا كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل شعره ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده.
стр. 2399
وقول المؤلف: (يسن أن يغتسل) لم يُبيِّن متى يكون الاغتسال؛ فقال بعضهم: إن أول وقته من آخر الليل. وقال آخرون: بل من طلوع الفجر؛ لأن النهار لا يدخل إلا بطلوع الفجر. وقال آخرون: بل من طلوع الشمس؛ لأن ما بين الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة خاصة، وهي الفجر، ولا ينتهي وقتها إلا بعد طلوع الشمس. وعلى هذا فيكون ابتداء الاغتسال من طلوع الشمس، وهذا أحوط الأقوال الثلاثة كما تعلمون؛ لأن من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أتى على الأقوال كلها.
وقوله: (يُسن أن يغتسل) لم يُبيِّن من الذي يغتسل؟ هل هم الرجال أو النساء؟ والسنة تدل على أن الاغتسال خاص بمن يأتي للجمعة؛ لقول النبي ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٧)، ولقوله: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ» (٨)، وكلمة «الْجُمُعَةِ» هنا تحتمل أن يكون المراد بها الصلاة، أو أن يكون بها اليوم، لكن قوله: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ» يعين أن يكون المراد بها الصلاة. وعلى هذا فالنساء لا يُسن لهن الاغتسال، وكذلك من لا يحضر لصلاة الجمعة لعذر فإنه لا يسن له أن يغتسل، وإنما يغتسل من أتى إلى الجمعة.
نعم، لو كان الإنسان على جلده وسخ، تحدث منه رائحة كريهة عند العرق، فهنا يسن أن يغتسل من باب التنظف.
وقول المؤلف: (يُسنُّ أن يغتسل) هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أن حُكم الاغتسال سُنَّة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاغتسال واجب، وهذا القول هو الصحيح: أن غسل الجمعة واجب؛ لقول أفصح الخلق وأنصحهم محمد ﷺ : «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (٨)، فصرح النبي ﷺ بالوجوب.
ومن المعلوم أننا لو قرأنا هذه العبارة في مؤلف كهذا الذي بين أيدينا لم نفهم منها إلا أنه واجب يأثم بتركه، فكيف والتعبير به من رسول الله ﷺ الذي هو أفصح الخلق وأنصح الخلق وأعلمهم بما يقول؟
стр. 2400
ثم إنه علق الوجوب بوصف يقتضي التكليف، وهو الاحتلام الذي يحصل به البلوغ، فإذا أخذنا اللفظ وأخذنا المعنى تبين لنا ظاهرًا أن غسل الجمعة واجب، وأن من تركه فهو آثِم.
ولكن هل هو شرط لصحة الصلاة أو واجب مستقل بنفسه؟
الجواب: الثاني، أي أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة، فلو صلى الجمعة بدون اغتسال صحت جمعته؛ لأن هذا الاغتسال ليس عن جنابة، لكنه يأثم؛ لتركه ما أوجبه النبي ﷺ .
ويدل للوجوب أيضًا أن عثمان بن عفان ﵁ دخل وعمر بن الخطاب يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة، فأنكر عليه تأخره، فقال: والله يا أمير المؤمنين، كنت في شغل، وما زدت على أن توضأت ثم أتيتُ، فقال له موبِّخًا: والوضوءَ أيضًا؟ -يعني: تفعل الوضوء أيضًا- وقد قال النبي ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٩)، ووبَّخه على اقتصاره على الوضوء، واستدل لذلك بقول النبي ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ».
وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (١٠)، فهذا الحديث لا يُقاوِم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرته آنفًا: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (١١)، ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف؛ لأن كثيرًا من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، وإن كنا رجحنا في المصطلح أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفًا بالتدليس، فإنه يُحمل على السماع، على أن الحسن ﵀ رماه بعض العلماء بالتدليس، وعده من المدلسين.
стр. 2401
ثم إن هذا الحديث أيضًا من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكًا، ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ»، «بها» أيش؟ «وَنِعْمَتْ»؟ أين مرجع الضمير؟ فيه شيء من الركاكة، يعني ضعيف في البلاغة، «وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» يعني يظهر عليه تمامًا أنه من كلام غير النبي ﷺ .
فالذي نراه وندين الله به ونحافظ عليه أن غسل الجمعة واجب، وأنه لا يسقط إلا لعدم الماء، أو للضرر باستعمال الماء.
بقي أن يُقال: إذا لم يجد الماء أو تضرر باستعماله، فهل يتيمم لهذا الغسل، أو نقول: إنه واجب سقط بعدم القدرة عليه؟ الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ويقول شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها فإنه لا يَتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شُرع للحدث؛ لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه.
وعلى هذا فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجدَه وكان باردًا لا يستطيع استعماله، أو كان مريضًا، فهل يتيمم؟ بناء على هذا لا، والفقهاء ﵏ يقولون: بل يتيمم، ولكن الصحيح خلاف ذلك.
стр. 2402
إذنغسل الجمعة -على القول الراجح- واجب، ولا يمكن الإنسان يُلاقي ربه وقد بلغه عن نبيه أنه قال: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (١٢)، ثم يتهاون به ويتركه؛ هذه صعبة على النفوس. ما العذر؟ هل هو نقص في التعبير؟ لا، التعبير واضح، ولم يأتِ حديث صحيح عن النبي ﵊ أن الوضوء كافٍ، وإن كان قد ورد في صحيح مسلم ما يدل على ذلك، ولكنه مرجوح من حيث الرواة؛ لأن الرواة اختلفوا فيه؛ فبعضهم قال: «مَنِ اغْتَسَلَ» (١٣)، وبعضهم قال: «مَنْ تَوَضَّأَ» (١٤)، ورواية: «مَنِ اغْتَسَلَ» أرجح.
قال: (وتقدم)، ويش معنى تقدم؟ يعني سبق ذكر استحباب الغسل ليوم الجمعة، تقدم في كلام المؤلف.
الشارح يقول: (فيه نظر)، وإذا قال العلماء: (فيه نظر)؛ يعني أنه غير مُسلَّم. أحيانًا يقولون: (فيه شيء)، العلماء يعبرون أحيانًا يقولون: (فيه شيء)، إذا نَقل كلام غيره قال: (فيه شيء). (فيه شيء) أخف من قولهم: (فيه نظر)، وقول الشارح: (فيه نظر) نقول: فيه نظر؛ يعني في قول الشارح نظر؛ لأن الماتِن ذكره في أقسام المياه حين قال في أقسام المياه: (وإن استُعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة)، (كتجديدِ وضوء وغُسل جمعة)، هذا صريح في أن غسل الجمعة مُستحب، لكن كأن الشارح لما لم يذكره المؤلف في باب الغسل كما جرت به عادة الفقهاء في ذِكر الأغسال المستحبة في باب الغسل، كأنه لما رأى الماتِن لم يذكره، قال: إن فيه نظرًا. إذن قول الشارح (فيه نظر) فيه نظر؛ لأن المؤلف ذكره.
***
стр. 2403
يقول: (ويُسن أيضًا أن يتنظَّف ويتطيب) كما جاءت به السنة عن النبي ﷺ (١٥). والتنظف أمر زائد على الاغتسال، التنظف بقطع الرائحة الكريهة وأسبابها؛ هذا التنظف: أن يقطع الإنسان الرائحة الكريهة وأسبابها؛ من أسباب الرائحة الكريهة الشعور التي أمر الشارع بإزالتها والأظفار، وعلى هذا فيُسنُّ حلق العانة، نتف الإبط، حف الشارب، تقليم الأظفار.
لكن من المعلوم أن هذا في كل جمعة قد لا يجد الإنسان شيئًا يزيله، وقد وقَّت النبي ﵊ هذه الأشياء الأربعة ألا تزيد على أربعين يومًا (١٦).
(وتطيُّب) يعني ويسن أيضًا أن يتطيب، بأي طيب، سواء من الدهن أو من البخور، في ثيابه وفي بدنه، وذلك من أجل اجتماع الناس في مكان واحد؛ لأن العادة أنه إذا كثُر الجمع ضاق النَّفَس، وكثر العرق، وثارت الرائحة الكريهة، فإذا وُجِد الطيب، وقد سبقه التنظف، فإن ذلك يُخفِّف من الرائحة، بل إن الرسول ﷺ نهى مَنْ أَكَل بصلًا أو ثومًا أن يقرب المسجد (١٧)، وكانوا إذا رأوا إنسانًا أكل بصلًا أو ثومًا، أمروا فأُخرج من المسجد إلى البقيع (١٨)، إلى المقبرة هناك.
стр. 2404
ومن الأسف أن بعض الناس اليوم يأتي إلى الجمعة وثيابه مروحة نتنة، وجسمه أشد، وشعره أشد، ونفَسه أشد، ثم لا يستطيع أحد أن يصلي إلى جنبه، وليس من عند الله بل هو من نفسه، هو الذي يجلب على نفسه الأوساخ والأنتان، ولا يهتم بنفسه، وهذا أذية للمصلين وأذية للملائكة، بل إن العلماء قالوا: حتى ما كان من الله ولا صُنع للآدمي فيه، إذا كان يؤذي المصلين فإنه يُخرَج؛ بعض الناس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يكون في أنفه بخر، أو في فمه، أو تحت إبطيه فيؤذي من حوله، هذا نقول له: إذا كان فيك رائحة تؤذي لا تقرب المسجد، قال: هذا من الله؟ نقول: طيب، إذا ابتلاك الله به تؤذي العباد به؟ تؤذي الملائكة؟ أنت على كل حال مأجور على الصبر على هذا الشيء، واحتساب الأجر من الله، ولكن لا تؤذِ الناس، ولستَ بآثم إذا لم تُصلِّ مع الناس؛ لأنك إنما تركتَ ذلك بأمر الله.
فإذا قال: هذا يُنقص إيماني؛ لأن صلاة الجماعة أفضل؟ قلنا: إنك لا تُلام على هذا النقص، كما أن الحائض لا تصلي وينقص إيمانها بذلك ولا تُلام على النقص؛ لأن النقص الذي ليس بسبب الإنسان لا يُلام عليه.
إذن يُسن في الجمعة التنظف والتطيب، ويُسن أيضًا لبس أحسن الثياب؛ لأن النبي ﷺ كان يعد أحسن ثيابه للوفد والجمعة (١٩)، أنت بتشوف الرسول ﵊ كيف يعامل الناس؟
стр. 2405
إذا جاء الوفد لبس أحسن ثيابه؛ ليظهر أمام الوفد بالمظهر اللائق، وقد قال النبي ﵊ محذرًا من الكِبر: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ». قالوا: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؟ فقال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢٠)، يعني يحب التجمل، وليس الجمال الطبيعي الخِلقي، ولكنه يحب التجمل؛ لأن الرسول بنى هذا الكلام على قولهم: يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا؛ ولأن هذا هو الذي يستطيعه الإنسان، فيُثاب عليه إذا فعله، أما الجمال الخِلقي فهذا ليس باختيار الإنسان.
المهم «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، دل ذلك على أنه ينبغي للإنسان أيضًا أن يُحسِّن ثيابه ويُحسِّن نعله، لكن بشرط ألا يؤدي ذلك به إلى الإسراف والفخر والخيلاء؛ ولهذا وردت أحاديث تدل على فضل التواضع في اللباس.
وهذا في مكانه، يعني لو كان الإنسان يأتي إلى قوم فقراء، ويخشى إذا جاء بلباسه الزاهي عليهم أن تنكسر قلوبهم، فهنا الأفضل أن يلبس ما يناسب الحال، ويكون مأجورًا على ذلك.
(ويلبس أحسن ثيابه)، عندي أنا: (وأفضلها البياض، ويعتمّ، ويرتدي).
(أفضلها البياض)، لا شك أن أفضل الثياب للرجال البياض، ولكن أحيانًا لا يجد الإنسان البياض مناسبًا للوقت، مثل أيام الشتاء فإنه يندر أن تجد ثيابًا بيضاء تناسب الوقت، فهنا نقول: ارفق بنفسك، ويجوز أن تلبس ثيابًا متعددة، ويكون الأعلى هو الأبيض.
وقوله: (ويعتم) يعني يلبس العمامة. وما هي العمامة؟ العمامة هي ما يُطوى على الرأس ويُكوَّر عليه؛ هذه العمامة، وعندنا -عند البادية- العمامة الشماغ والغترة تسمى عمامة؛ لأنها لباس الرأس، فالعرف، اللغة العرفية عندنا أوسع من اللغة العربية؛ لأنهم يرون أن ما غُطِّي به الرأس فهو عمامة، ولكنه ليس بصحيح، العمامة ما يدار على الرأس.
стр. 2406
فقول المؤلف أنه يسن أن يعتم يحتاج إلى دليل، دليله فعل النبي ﵊، كان يلبس العمامة ويمسح عليها كما هو معروف (٢١)، ولكن هل لباسه إياها تعبدًا، أو لباسه إياها؛ لأنها عرف؟ الثاني هو الصحيح، أنه لا يلبسها ﷺ تعبدًا بل اتباعًا للعرف، اتباع العرف في اللباس هو السنة ما لم يكن حرامًا؛ لأنا نعلم أن الرسول ﷺ إنما لبس ما يلبسه الناس، والإنسان لو خالف ما يلبسه الناس لكان ثيابه شهرة.
أما قوله: (ويرتدي)، يعني يلبس الرداء، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان عليه قميص، وهذا أيضًا فيه نظر، لكن بدل الرداء عندنا الْمِشلح، ولكن أكثر الناس اليوم لا يلبسون المشالح، لو لبس الإنسان المشلح أمام الناس قالوا: ويش هذا؟ نعم، هذا شيخ، هذا متزوج، هذا بدوي، يستنكرونه، بينما كان الناس بالأول يستنكرون من لا يلبس المشلح.
أنا أذكر ونحن صغار نطلب العلم، صغار مرَّة نلبس المشلح، ونفرح إذا لبسناه أيضًا، ليش؟ لأن الناس كانوا يعتادونه، أما الآن فأصبح ليس له أهمية.
قال المؤلف: (ويُبكِّر إليها) يعني يُسن أن يُبكِّر إلى الجمعة. ودليله حديث أبي هريرة ﵁: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً» (٢٢). فهذا يدل على أن الأفضل التبكير، وينبغي بعد الاغتسال والتنظف والتطيب، ولبس أحسن الثياب.
стр. 2407
وقوله: (ماشيًا)، دليله أن النبي ﷺ ذكر في حديث: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» (٢٣)، «وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ»، فقال: «مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ»، ولأن المشي أقرب إلى التواضع من الركوب؛ ولأن المشي يكون فيه الخطوات؛ كل خطوة يُرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، فكان المشي أفضل من الركوب، ولكن لو كان منزله بعيدًا أو كان ضعيفًا أو مريضًا، واحتاج إلى الركوب، فإن رفقه بنفسه أولى من الإشقاق عليها.
قال: (ويدنو من الإمام)، هذا أيضًا من السُّنة أن يدنو من الإمام، ودليل ذلك قول النبي ﵊: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٢٤)، ولما رأى قومًا تأخروا في المسجد عن التقدم قال: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» (٢٥)، وهذا أقل أحواله أن يكون التأخر عن الأول فالأول مكروهًا؛ لأن مثل هذا التعبير يعد وعيدًا من النبي ﵊: «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ» ويكررون التأخر «حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ»، ليس في هذا العمل، بل في جميع الأعمال؛ لأن الإنسان إذا لم يكن في قلبه محبة للسبق إلى الخير بقي كسلان دائمًا، كما قال الله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ولهذا ينبغي للإنسان كلما سنحت له الفرصة في العبادة أن يفعل، ويتقدم إليها حتى لا يُعوِّد نفسه الكسل، وحتى لا يُؤخِّره الله .
قال: (ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف)
стр. 2408
الدنو من الإمام أحيانًا يعارضه الأيمن في الصف، بمعنى أنه إن صار في الأيمن صار بعيدًا عن الإمام، وإن صار في الأيسر صار أقرب إلى الإمام، ويعارضه أيضًا الصف الثاني إذا كان خلف الإمام فإنه أدنى إلى الإمام من طرف الصف الأول، فتعارض الآن مطلوبان، فماذا نُقدِّم؟
نقول: القاعدة عندنا أنه إذا تعارض شيئان قدم الأرجح منهما، فبالنسبة للأول اليمين مع اليسار نقول: قد دلت السنة على أن اليمين أفضل من اليسار عند التقارب أو التساوي، وأما مع البُعد فقد دلَّت السنة على أن الأقرب أفضل، ودليل ذلك أن الناس كانوا إذا وُجد جماعة ثلاثة، فإن الإمام يكون بينهما، بين الرجلين، ولو كان اليمين أفضل على الإطلاق لصار مقام الرجلين مع الرجل عن اليمين.
إذن نرجح الآن الدنو على اليمين، لو فُرض أن اليمين عشرة رجال واليسار رجلان، فاليسار أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإمام.
المسألة الثانية: القرب من الإمام في الصف الثاني إذا كان خلف الإمام مباشرة أقرب من طرف الصف الأول من اليمين أو من اليسار، ماذا نُقدِّم؟
طلبة: الصف الثاني.
الشيخ: الصف الثاني.
طلبة: الأول.
الشيخ: نقدِّم الصف الأول، دليل ذلك قول النبي ﵊: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ »، قالوا: كيف؟ قال: «يَتَرَاصُّونَ، وَيُتِمُّونَ الْأَوَّلَ» (٢٦). إذن هنا مُرجِّح في إتمام الأول، ولو بعُد عن الإمام، وهو أن الرسول حث عليه، وعلى هذا فنكمل الأول فالأول، الأول قبل الثاني، الثاني قبل الثالث، الثالث قبل الرابع، وهلُمَّ جرًّا.
قال: (ويدنو من الإمام، ويقرأ سورة الكهف في يومها)
يعني يسن أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»، وهذا الحديث روي مرفوعًا (٢٧) وروي موقوفًا (٢٨). ويش معنى مرفوع؟
стр. 2409
طالب: مرفوع إلى النبي ﵊.
الشيخ: يعني مرفوعًا أنه من قول النبي ﷺ ، موقوفًا؟
طلبة: على الصحابي.
الشيخ: على الصحابي، وقد أعلَّ بعض العلماء المرفوع بأن الحديث روي موقوفًا. ونحن نقول: إذا كان الرافع ثقة، فهذه العلة غير قادحة، فلا توجب ضعف الحديث، والذي يوجب ضعف الحديث هو العلة القادحة، وهذا لا يقدح؛ وذلك؛ لأن من روى الحديث عن النبي ﷺ ربما يُحدِّث به غير منسوب إلى الرسول ﵊، أليس كذلك؟
وهذا يقع كثيرًا، لا سيما في غير مقام الاستدلال، أما في مقام الاستدلال فلا بد أن يرفعه، لكن في غير مقام الاستدلال يمكن يُحدِّث به الصحابي. أنتم الآن يمكن يقول الواحد منكم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢٩)، يُحدِّث واحد هكذا، هل نقول: إن هذا التحديث يبطل رفع الحديث؟ لا. إذن، فإذا تعارض الرفع والوقف فإننا نقول: لا تعارض بينهما إطلاقًا.
ثانيًا: هبْ أنه من قول أبي سعيد، فمثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون له حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد لا يعرف هذا الثواب، إذن لا بد أن يكون مرفوعًا حكمًا إلى النبي ﷺ .
سورة الكهف لها مزية، منها: أن من قرأ من أولها عشر آيات على الدجال عُصم من فتنته (٣٠)، الدجال الأعور الذي يبعثه الله في آخر الزمان على اسمه دجال ( ... ) في الأرض أربعين يومًا، اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كجمعة، والرابع كسائر الأيام، إلى آخره (٣١).
стр. 2410
هذا فتنته عظيمة جدًّا جدًّا، ولهذا ما من نبي إلا أنذر قومه منه، وأمرنا نبينا ﷺ أن نتعوذ بالله من فتنته في كل صلاة (٣٢). اقرأ عليه أول عشر آيات من أول سورة الكهف يكفيك تعصم من فتنته، وفي بعض ألفاظ الحديث: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْكَهْفِ» (٣٠)، والجمع بينهما سهل يحتاط الإنسان، فيقرأ عشرًا من أولها وعشرًا من آخرها، فلها مزية وفيها عبر؛ فيها قصة أصحاب الكهف، فيها قصة الرجلين ذي الجنتين، فيها قصة موسى مع الخضر، فيها قصة ذي القرنين، فيها قصة يأجوج ومأجوج، فيها أشياء، عِبَر، ولهذا ورد الأمر أو الترغيب في قراءتها في يوم الجمعة.
في يوم الجمعة قبل الصلاة أو بعد الصلاة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قبل أو بعد، أما الغسل فيكون قبل الصلاة؛ لأنه غسل للجمعة.
طالب: شيخ، بالنسبة للدنو من الإمام، الدنو من المنبر أو الدنو من ( ... ).
الشيخ: لا، من الإمام نفسه.
الطالب: ( ... ) المنبر.
الشيخ: كيف المنبر؟ ويش لون المنبر؟
الطالب: ( ... ).
طالب آخر: يكون تحت المنبر.
الشيخ: العِبرة بالإمام.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني الدنو منه حال الخطبة، ولا حال الصلاة؟
الطالب: استماع الخطبة، أو من أجل الصلاة؟
الشيخ: لا، من أجل الصلاة.
طالب: جاء في الصحيحين صرف الوجوب عن ظاهره، حديث عائشة لما كان الناس يأتون من العوالي وعليهم الغبار وتظهر منهم الرائحة فقال النبي ﷺ : «لَوْ أَنَّكُمُ اغْتَسَلْتُمْ» (٣٣)، وفي رواية: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ» (٣٤). ولم يأمرهم ولم يقل: وقعتم ( ... )؟
الشيخ: ألا يحتمل أن هذا قبل؟
الطالب: احتمال.
الشيخ: احتمال، ما دام عندنا لفظ صريح في الوجوب مطلقًا.
الطالب: ثم أيضًا يا شيخ أنه جاء من طريق آخر حديث أبي سعيد: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» ما أثبت الوجوب، قال: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ» (٣٥)؟
стр. 2411
الشيخ: نعم، العلماء يقولون: كلمة (على) ظاهرة في الوجوب.
الطالب: يعني السواك واجب؟
الشيخ: وأبو سعيد نفسه قال: أما الغُسل فواجب، وأما السواك فلا أدري (٣٦)، نفسه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لا، إدراج من الحديث.
الطالب: قلت: مخالفة العادة خلاف السنة، لو أحد مثلًا يلبسون مثلًا البدلات هذه لو لبس مثلًا في بلاده ثوبًا وقميصًا نقول له: خالفت السنة؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: الذين يلبسون البدلات، الرداء والإزار والسروال ( ... )، وخالف ما كان عليه.
الشيخ: ما كان عليه الناس؟
الطالب: يقال له: خالفت السنة؟
الشيخ: نعم، السنة أن توافق الناس، إلا أنه في عرفنا الآن نظرًا لأن البلاد الإسلامية تنوعت ألبستها، لو أن أحدًا من السعوديين ذهب إلى بلاد أخرى مسلمة -ولا عاد الكافرة معروفة- وبقي على ثيابه ما يُقال: خالفت السنة؛ لأنه لا يعد هذا شهرة بين الناس، لا يعد شهرة ولا يستنكرون عليه.
طالب: اللباس ( ... ).
الشيخ: دعنا من اللباس اللي لذاته، هذا إذا كان اللباس محرمًا أو مكروهًا لذاته، هذا حتى في بلدك.
طالب: إذا كان الشخص -يا شيخ- يريد أن يكون خلف الإمام من أجل الخطبة أن يرى الخطيب أو أن يكون خلف المحاضر لكي يكون أدعى لانتباهه، ولا يكمل الصف، ما قولكم في هذا؟
الشيخ: يعني يكون في الصف الثاني قصدك؟
الطالب: إي نعم، ولكن هناك أناس يأتون يكملون الصف.
الشيخ: ما تقولون؟
الطالب: ( ... ) بذلك.
طالب آخر: ما فهمنا السؤال.
الشيخ: يقول: أكون في الصف الثاني أمام الإمام الخطيب؛ لأنني أنتفع بالخطبة أكثر مما لو كنت بعيدًا، فهل أقدم انتفاعي بالخطبة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو أقدم الصف ولو بعُد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: والله على كل حال محل نظر هذه تحتاج إلى تأمل يا أخي، ربما -إن شاء الله- في الدرس القادم يكون الله قد فتح علينا بها.
стр. 2412
طالب: قول النبي ﷺ : «الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ» (٣٧)، حديث ( ... ) كيف يُجمع بينه وبين حديث: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢٠).
الشيخ: نعم، ليس بينهما تعارض يا أخي.
الطالب: عندي تعارض.
الشيخ: البذاذة في الهيئة والمقام؛ يعني الإنسان ما يتشدق بكلامه، ولا ينتفخ في هيئته، بعض الناس يتخيل لك أنه منتفخ كأنه رجلان، وفي لسانه يتشدق، وبعض الناس هيِّن لين سهل. يعني ليست البذاذة خاصة باللباس، لا، البذاذة في الهيئة والحال، والتجمل في اللباس.
طالب: إذا تعارض غسل الجنابة واجب وغسل الجمعة واجب، هل يغتسل غسلين أو غسلًا؟
الشيخ: ( ... ).
الطالب: بنِيَّتين.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: مرَّ.
طلبة آخرون: غسل واحد.
الشيخ: إذا كان على الإنسان جنابة يوم الجمعة، فهل يغتسل للجنابة أولًا، ثم للجمعة ثانيًا أو غسل واحد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: فيه خلاف، كما اختلفتم اختلف من قبلكم ( ... ).
***
يقول المؤلف: إن الجمعة ركعتان، فما هو الدليل؟
طالب: الدليل تواتر هذا الفعل عن النبي ﵊، ثم عن الصحابة، وإجماع الأمة على ذلك.
الشيخ: نعم، إذن الدليل تواتر السنة بذلك وإجماع الأمة عليه، هل يقرأ سرًّا أو جهرًا؟
طالب: يقرأ جهرًا.
الشيخ: جهرًا، الدليل؟
الطالب: فعل النبي ﷺ .
الشيخ: أنه كان يقرأ جهرًا، الحكمة؟
الطالب: الحكمة من ذلك حتى يكون إذا قرأ جهرًا تكون قراءة الإمام قراءة للمأمومين فيتواطؤون على شيء واحد، ويدل على اجتماعهم ( ... ).
الشيخ: أنها صلاة ذات اجتماع كبير، فشرع فيها القراءة جهرًا ليتحد المصلون على إمام واحد، الحكمة في أنه يقرأ في الأولى بـ (الجمعة)، وفي الثانية بـ (المنافقين)؟
طالب: مناسبة الجمعة فلصلاة الجمعة، وفيها الحث على المبادرة، وترك اللهو بالتجارة إلى الصلاة، وأما المنافقون ففيها.
الشيخ: والتحذير من ترك العمل.
الطالب: من ترك العمل، نعم.
стр. 2413
الشيخ: بالقرآن، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥].
الطالب: أما القراءة بالمنافقين، فالمنافقون هم أشر الناس ( ... ) الله .
الشيخ: القراءة بالمنافقين؛ لأن المنافقين هم أضر الناس على الإسلام والمسلمين، فكان من المناسب أن يكرر التحذير منهم في كل جمعة، هل يَقرأ بغير ذلك؟ هل يُسن أن يقرأ بغير ذلك؟
طالب: نعم؟
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بـ (سبح) و (الغاشية).
الشيخ: بـ (سبح) و (الغاشية)، ثبتت بذلك السنة (٣٨).
يقول المؤلف: (إن إقامتها في أكثر من موضع من البلد حرام إلا لحاجة)، ما هو الدليل؟
طالب: الدليل على ذلك؟
الشيخ: نعم.
الطالب: الدليل من الكِتاب والسنة؟
الشيخ: من الذي تبغي، كتاب، سنة، إجماع؟
الطالب: كان في عهد الرسول ﷺ ، كان أهل المدينة رأوا من بعد منازلهم يصلون في مسجد النبي ﷺ ، ورغم أن في الدور مساجد، لكن يصلون صلاة الجمعة في مسجد النبي ﷺ .
الشيخ: كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيه بعد دليل آخر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
طالب: عائشة ﵂، أن النبي ﷺ معنى الحديث أمر ببناء المساجد في الدور، فتعدد ( ... ) على غير حاجة يؤدي إلى ( ... ).
الشيخ: إذن تعليل يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا تعليل ليس بدليل؟
طالب: الدليل أن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣٩)، وهناك تعليل أنه ينتفي المراد بهذا الشيء.
طالب: من أدلة هذا الإجماع.
الشيخ: فيه نظر، ما فيه إجماع، لكن الخلاف شاذ يعتبر.
طالب: قول النبي ﷺ في حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٤٠)، في رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (٤١)، وهذا ليس عليه أمر النبي ﷺ فيكون مردودًا.
стр. 2414
الشيخ: أنه مُحدَث يعني؟
الطالب: نعم.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فإذا كان لا يوجد في عهد الرسول إلا واحدة صار السعي لهذه الواحدة واجبًا، يعني ولا نحدث ثانية؛ لأننا لو أحدثنا ثانية لما وجب علينا أن نسعى إلى هذه الواحدة. يقول المؤلف ﵀: (إن وقعتا معًا أو جُهِلت الأولى بطلتا)، هل تختلف الصورتان في الحكم أو لا؟
طالب: تختلف، بالنسبة لـ (إن وقعتا معًا بطلتا).
الشيخ: (وإن جهلت الأولى بطلتا) كما قال المؤلف.
طالب: نعم، إذا وقعتا معًا، وكان الوقت يتسع لإعادة الجمعة فإنهم يعيدونها جمعة ..
الشيخ: إذا وقعتا معًا؟
الطالب: إذا وقعتا معًا.
الشيخ: وأمكن إعادتهما جمعة؟
الطالب: أعادوها.
الشيخ: أعادوها.
الطالب: أما إذا جهلت الأولى فإنهم لا يعيدونها جمعة، بل يعيدونها ظهرًا.
الشيخ: بكل حال؟
الطالب: بكل حال.
الشيخ: توافقه؟
طالب: نعم.
الشيخ: كما قال، توافقونه؟
طلبة: نعم.
طالب: وإن (جهلت الأولى بطلتا). الثانية: إذا جهلت إحداهما ( ... ) يصلونها ظهرًا.
الشيخ: ولو أمكن إعادتها جمعة؟
الطالب: لا، ما يعيدونها جمعة.
طالب: ( ... ) على قول المؤلف تبطل.
الشيخ: نريد على كلام المؤلف، هل بين الصورتين فرق؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الأولى إذا وقعتا معًا، فما ندري أيهما الأولى ( ... ).
الشيخ: كيف إذا وقعتا معًا، لا ندري أيهما الأولى؟ إذن كيف نقول: وقعتا معًا؟
الطالب: وقعتا يعني كبروا مع بعض، ما ندري هل كبروا مع بعض أو لا، فما كان لأحدهم على الآخر مزية.
الشيخ: لا، فيها مزية، وقعتا معًا، علمنا أنه كل واحد منهم قال: (الله أكبر) جميعًا.
طالب: تعاد الجمعة، أما إن جهلتا فلا يجوز ( ... ).
стр. 2415
طالب آخر: شيخ، مثلما قال الأخ لو وقعتا معًا أنا لا نعلم تقدم أحدهما على الأخرى وتتساقطان، أما إذا جهلت أحدهما، فالثانية فتعاد ظهرًا على كل حال؛ لأننا لا نعلم تأخر أحدهما ( ... ).
الشيخ: هل هذا اللي إحنا قلناه لكم؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: قلنا: إذا وقعتا معًا لا يمكن تصحيحهما، ولا يمكن إعادتهما، وإذا جهلت الأولى أعادوا ظهرًا، يعني عكس ما قال الأخ.
طلبة: ( ... ).
طالب: كلامه صحيح.
الشيخ: المذهب، نحن نتكلم على المذهب، أما غير المذهب المسألة فيه واضحة، اللي غير المذهب، قلنا: إنهم إذا عددوها فإنهم يعذرون، واللي يُخاطب ولي الأمر، انظر الشرح عندك.
طالب: وإن وقعتا معًا ولا مزية لإحداهما بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا تصحيح إحداهما، فإن أمكن إعادتها جمعة فعلوا وإلا صلوا ظهرًا.
الشيخ: والثانية؟
الطالب: أو جُهلت الأولى منهما بطلتا، ويصلون ظهرًا لاحتمال سبق إحداهما، فتصح ولا تعاد.
الشيخ: إذن كلام خالد صحيح، إذا وقعتا معًا فإنه يمكن إعادتها، إذا جهلت الأولى لا يمكن؛ لأن التي وقعت صحيحة حصل بها الفرض.
يقول المؤلف: (يُسن أن يغتسل وتقدم) ما معنى قوله: (تقدم)؟
طالب: يعني تقدم في باب الطهارة.
الشيخ: تقدم في باب الطهارة، أو في كتاب الطهارة.
الطالب: نعم، أن غسل الجمعة مسنون.
الشيخ: أين العبارة التي تدل عليه؟
الطالب: قوله: إن لم تجد وضوءًا وغسلًا مسنونًا، غسل الجمعة مسنون.
الشيخ: ما قال هكذا!
طالب: قول المؤلف: (وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة).
الشيخ: الشاهد قوله؟
الطالب: (وغسل جمعة).
الشيخ: (وغسل جمعة) مع أن الشارح في هذا الموضع قال: فيه نظر، وكأنه غفل عن هذا.
للجمعة سنن تمتاز بها سوى الاغتسال؟
طالب: أن يتنظف ويتطيب، ويبكِّر إليها ماشيًا، ويدنو من الإمام.
الشيخ: ويلبس؟
الطالب: ويلبس أحسن ثيابه.
الشيخ: أحسن ثيابه، إذن هو يوم عيد وتجمل.
طالب: ( ... ).
стр. 2416
الشيخ: نعم، يقرأ سورة الكهف في يومها أيضًا من السنن، وهي تمتاز بذلك، والأفضل أن يكون من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، أما الاغتسال فإنه قبل الصلاة كما مر علينا.
***
يقول المؤلف ﵀: (ويُكثر الدعاء) يعني ويسن أن يكثر من الدعاء؛ وذلك لأن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه (٤٢)، فينبغي أن يُكثر من الدعاء رجاء ساعة الإجابة.
ولم يذكر المؤلف ﵀ نوع الدعاء الذي يُكثره، فهو راجع إليه، وكل إنسان له حاجات خاصة إلى ربه، فليسألْ ربه ما شاء.
قال: (ويكثر الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ أمر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة (٤٣)، كما أن الصلاة على النبي ﷺ مشروعة كل وقت بالاتفاق؛ لأن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
والصلاة على النبي ﷺ معناها أنك تسأل الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى، فصلاة الله على رسوله؛ يعني ثناءه عليه في الملأ الأعلى؛ هذا معنى الصلاة. وفسرها بعض العلماء بالرحمة، قال: صلاة الله على نبيه يعني رحمته إياه، وهذا فيه نظر؛ لأن الله تعالى فرق بين الصلاة والرحمة، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، والأصل في العطف المغايرة؛ ولأن العلماء مُجمعون على أنه يجوز للإنسان أن يدعو بالرحمة لمن شاء من المؤمنين، فيقول: اللهم ارحم فلانًا، ومختلفون في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كانت الصلاة هي الرحمة لم يختلف العلماء في جوازها. إذن فالصلاة أخص من الرحمة.
إذا صلى الإنسان على النبي ﷺ صلى الله عليه بها عشرًا (٤٤)، فلنكثر من الصلاة على نبينا ﷺ حتى يصلي الله علينا عشرًا فيُثني علينا في الملأ الأعلى.
стр. 2417
(ولا يتخطى رقاب الناس)، قوله: (ولا يتخطى) هذه الواو للاستئناف، وليست عطفًا على ما سبق؛ لأننا لو جعلناها عطفًا على ما سبق لكان تقدير الكلام: (ويسن ألا يتخطى)، وليس الأمر كذلك، بل (لا) نافية (ولا يتخطى)، والواو استئنافية، وأقول: إن (لا) نافية، ولا أقول: إنها ناهية؛ لأن الألف موجودة: (يتخطى)، ولو كانت ناهية لحُذفت الألف للجزم.
فإذن (لا) نافية، هذا النفي من المؤلف يحتمل أنه للكراهة، ويحتمل أنه للتحريم، يحتمل هذا وهذا، وهذه المسألة خلافية، فالمشهور من المذهب أن تخطي الرقاب مكروه، والصحيح أن تخطي الرقاب حرام؛ لقول النبي ﷺ لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» (٤٥)، ولا سيما إذا كان ذلك أثناء الخطبة؛ لأنه إذا كان التخطي أثناء الخطبة صار فيه أذية للناس وإشغال لهم عن استماع الخطبة؛ إشغال لمن باشر تخطي رقبته، وإشغال لمن يراه ويشاهده، فتكون المعرَّة فيه واسعة.
على كل حال القول الراجح: أن التخطي حرام، ولا يجوز، سواء في أثناء الخطبة أو في غير ذلك.
قال المؤلف: (إلا أن يكون إمامًا) فإن كان إمامًا فلا بأس أن يتخطى؛ لأن مكانه متقدم، ولكن بشرط ألا يمكن الوصول إلى مكانه إلا بالتخطي، فإن كان يمكن الوصول إلى مكانه بأن كان في مقدَّم المسجد باب يدخل منه الإمام، فإنه كغيره في التخطي، وقد اعتاد الناس اليوم -والحمد لله- أن يجعلوا للإمام بابًا في مقدم المسجد حتى يدخل منه، وكانوا في الزمن السابق لما كانت البيوت لاصقة للمساجد من القبلة كان الإمام يدخل من الباب الشرقي، ويتخطى الرقاب، ولكن الناس لا يرون في هذا بأسًا؛ لأنه أيش؟ إمامهم، فلا يتأذون بذلك.
إذن قول المؤلف: (إلا أن يكون إمامًا) يحتاج إلى قيد أو لا؟ يحتاج إلى قيد، ما هو القيد؟ إلا أن يكون إمامًا، وليس له طريق سوى التخطي، فإن كان له طريق سوى التخطي فإنه لا يتخطى؛ لأن العلة واحدة.
стр. 2418
(أو إلى فرجة) قوله: (أو إلى فرجة)؛ يعني إلى مكان متسع في الصفوف المقدمة، فإن كان هناك فرجة، فلا بأس أن يتخطى إليها.
فإذا قال قائل: الحديث عام: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»، وربما يقول قائل: إن ظاهر الحال أن هناك فرجة؛ لأنه ليس من العادة أن يتخطى الإنسان الرقاب إلا إلى فرجة. ولكن الفقهاء ﵏ استثنوا هذه المسألة، قالوا: لأنه إذا كان ثمة فرجة فإنهم هم الذين جنوا على أنفسهم؛ لأنهم مأمورون أن يُكمِّلوا الأول فالأول، فإذا كان فرجة فقد خالفوا الأمر، وحينئذٍ يكون التفريط منهم وليس من المتخطي.
ولكن الذي أرى أنه لا يتخطى حتى ولو إلى فرجة؛ لأن العلة -وهي الأذية- موجودة، وكونهم لا يتقدمون إليها قد يكون هناك سبب من الأسباب، مثل: أن تكون الفُرجة في أول الأمر ليست واسعة، ثم مع التزحزح اتسعت، فحينئذٍ لا يكون منهم تفريط، فالأوْلى الأخذ بالعموم؛ ألا يتخطى إلى الفرجة.
يقول: (ويحرُم أن يُقيم غيرَه فيجلس مكانه إلا من قدَّم صاحبًا له في موضع يحفظه له).
(يحرم أن يقيم غيره) (أن يقيم) من؟ الإنسان (غيره) ممن جلس في المكان، ويجلس مكانه.
وقوله: (فيجلس مكانه) هذا قيد أغلبي؛ لأن الغالب أن الإنسان يقيم غيره من أجل أن يجلس في مكانه، ومع ذلك لو أقام غيره لا ليجلس في مكانه، قال: قُم عن هذا، وخلِّ المكان مفتوحًا، فإن التحريم باقٍ.
ودليل هذا قول النبي ﷺ : «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (٤٦)، ونهيه ﷺ أن يقيم الرجل أخاه فيجلس مكانه (٤٧). ففي الحديث الأول بيان الأحقية، وفي الحديث الثاني تحريم الإقامة؛ أن يقيم غيره فيجلس مكانه.
стр. 2419
التعليل: لأن ذلك يحدث العداوة والبغضاء بين المصلين، وهذا ينافي مقصود الجماعة، إذ إن المقصود من الجماعة هو الائتلاف والمحبة، فإذا أقام غيره، ولا سيما أمام الناس، فلا شك أن هذا يؤذيه، ويجعل في قلبه ضغينةً على هذا الرجل الذي أقامه.
يقول: (إلا من قدم صاحبًا له) إلى آخره، يعني إلا شخصًا قدم صاحبًا له في موضع يحفظه له، مثل أن يقول لشخص ما: يا فلان، أنا عندي شغل، ولا يخلص شغلي إلا عند مجيء الإمام، فاذهب واجلس في مكان لي في الصف الأول، فإذا فعل وجلس في الصف الأول فله أن يقيمه؛ لأن هذا الذي أقيم أيش؟ وكيل له، ونائب عنه.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا العمل جائز، أي يجوز لشخص أن يُنيب غيره ليجلس في مكان فاضل، ويبقى هذا المنيب حتى يفرغ من حاجاته، ثم يتقدم إلى المسجد.
وفي هذا نظر؛ أولًا: لأن هذا النائب لم يتقدم لنفسه، وربما يراه أحد فيظنه عمل عملًا صالحًا، وليس كذلك.
وثانيًا: أن في هذا تحيلًا على تحجُّر الأماكن الفاضلة لمن لم يتقدم، والأماكن الفاضلة مَنْ أحق الناس بها؟ مَنْ سبق إليها.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم أن يقيم غيرَه، ولو كان الغَيْر صغيرًا، وهذا هو الصحيح، والمذهب أنه يجوز أن يقيم الصغير ويجلس مكانه، ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يقيم الصغير؛ أولًا: لعموم النهي: «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ أَخَاهُ» (٤٨)، وثانيًا: لأن النبي ﵊ قال: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»، وهذا الصبي سابق، فلا يجوز لنا أن نهدر حقه، وأن نظلمه ونقيمه.
стр. 2420
وأما من قال بالجواز، واستدل بقول النبي ﷺ : «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (٢٤)، فقد استند إلى غير مستند له؛ لأن قوله ﷺ : «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» حث لأولي الأحلام والنُّهى أن يتقدموا، ولو قال: لا يلني إلا أولو الأحلام. لو قال هكذا، لكان لنا الحق في أن نقيم الصغير، أما لما قال: «لِيَلِنِي»، فأمر ذوي الأحلام والنُّهى أن يلوه، فالمعنى أن هؤلاء مأمورون بأن يتقدموا حتى يلوا الإمام، والحديث واضح وليس به دلالة لما ذهب إليه هؤلاء.
نقول: إن في إقامة الصغير عن مكانه مفسدة عظيمة بالنسبة للصغير، ما هي؟ أنه يبقى في قلبه كراهة للمسجد والتقدم إليه، وكراهة لمن أقامه، ولذلك لا ننسى ضربة أصابتنا من شخص ولحقنا في المسجد حتى أخرجنا منه -مع أننا ما لعبنا ولا شيء- فالصغير لا ينسى أبدًا، فإذا أقامه من مجلسه أو أمام الناس ولا سيما إذا كان له تمييز كالسابعة والثامنة، ينكسر قلبه ويتأثر بهذا تأثرًا كبيرًا، ويكره الرجل الذي أقامه، ويكره المسجد، ويكون في هذا تنفير للصبيان عن الصلاة، ففيه مفاسد.
ثم ولهذا القول الراجح في هذه المسألة الذي صوَّبه صاحب الإنصاف، وكذلك مال إليه صاحب الفروع، وصرح المجد به أيضًا جد شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تجوز إقامة الصغير من مكانه.
ثم هناك مفسدة أيضًا أخرى غير ما سبق: إذا أقمنا الصغار من الصف الأول وجعلناهم في صف واحد مستقل، فناهيك باللعب، يلعبون لعبًا عظيمًا، لكن إذا أبقيناهم في الصف الأول، وصار كل طفل إلى جنب رجل قل لعبهم بلا شك، لهذا كلما تأملت هذا القول -أعني أنه لا يجوز إقامة الصغير- تبين لك أنه هو الصواب.
طالب: بالنسبة لقول النبي ﷺ : «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ؟ ». قالوا: وكيف تصف الملائكة؟ قال: «يُتِمُّونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ» (٢٦) ( ... ).
следующие страницы →