Полный текст (12 382 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
وقوله ﵀: (استأنفوا ظهرًا) يستثنى من ذلك ما إذا كان الوقت متسعًا لإعادتها جمعة، فإن اتسع الوقت لإعادتها جمعة بحيث حضر الرجل الذي ذهب يتوضأ، والوقت متسع، فإنه يلزمهم إقامتها جمعة؛ لأن الجمعة فرض الوقت، وقد أمكن إقامته، إذن كلام المؤلف ليس على إطلاقه، يحتاج إلى قيد، فنقول: استأنفوا ظهرًا ما لم تمكن إعادتها جمعة، فإن أمكن وجب أن تعاد جمعة.
هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀، وقال بعض العلماء: بل يتمونها جمعة؛ لأن الصلاة انعقدت على وجه صحيح، فإبطالها بعد انعقادها يحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه يبنى آخرها على أولها، فإذا دخلوا على أنهم أربعون ثم أحدث أحدهم وذهب يتوضأ قلنا: أتموا أيش؟
طلبة: جمعة.
الشيخ: أتموا جمعة.
القول الثالث في المسألة قول وسط، وخير الأمور الوسط، والغالب أن الوسط من أقوال العلماء الغالب عليه أنه يكون هو الصحيح الراجح، يقول: إن نقصوا بعد أن أتموا الركعة الأولى أتموا جمعة، يعني إذا كان النقص في الركعة الثانية كما بعد أتموا جمعة، وإن نقصوا في الركعة الأولى استأنفوا ظهرًا ما لم يمكن إعادتها جمعة، وهذا اختيار الموفق ﵀، صاحب أصل هذا المختصر، صاحب من؟ المقنع الذي هذا مختصره الكتاب، وهذا القول هو الراجح.
ودليله قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٩).
أما القول الذي يقول: إنهم يتمونها جمعة مطلقًا، ويقولون: إنهم ابتدؤوا الصلاة على وجه صحيح فنحتاج إلى دليل على بطلانها.
فنقول: الدليل أن هذه الصلاة من شرط صحتها العدد، فإذا فقد الشرط في أثنائها بطلت، كما لو أحدث في أثنائها، أو انكشفت عورته، أو ما أشبه ذلك.
فالقول الوسط في هذه المسألة أن يقال: إن نقصوا قبل أتموا.
طلبة: قبل إتمام ركعة.
стр. 2347
الشيخ: قبل أن يصلوا ركعة، إن نقصوا قبل أن يصلوا ركعة استأنفوا ظهرًا ما لم تمكن إعادة الجمعة، وإن نقصوا بعد أن صلوا ركعة يتمونها ظهرًا.
طلبة: جمعة.
الشيخ: جمعة، يتمونها جمعة، الدليل قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وهؤلاء أدركوا ركعة تامة من الجمعة، فيصلون جمعة كما أن الإنسان لو أدرك من صلاة الجمعة ركعة كاملة ماذا يصلي؟
طالب: يصلي جمعة.
الشيخ: يصلي جمعة، مع أنه سيصلي الركعة الثانية وحده.
يقول: (استأنفوا ظهرًا)، (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر)، (من أدرك مع الإمام منها ركعة)، (مع الإمام) إمام الجمعة. (منها) أي: من الجمعة، (ركعة) ركعة تامة بسجدتيها أتمها جمعة.
دليله: قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ».
(وإن أدرك أقل من ذلك) متى يدرك أقل من ذلك؟ يدرك أقل من ذلك إذا جاء بعد رفع الإمام رأسه من ركوع الثانية، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تأملوا يا جماعة. يدرك أقل من ركعة إذا جاء بعد أن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية، وكأن بعضكم يفكر أنها الركعة الأولى.
طلبة: لا.
طالب: الصحيح من الثانية.
الشيخ: متفقون على هذا من الركعة الثانية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا جاء بعد أن رفع الإمام رأسه من ركوع الركعة الثانية فهنا لم يدرك شيئًا، أدرك أقل من ركعة فيتمها ظهرًا، لكن اشترط المؤلف (إذا كان نوى الظهر) صح؟
طالب: نعم.
стр. 2348
الشيخ: يشترط شرط آخر، ودخل وقته إذا كان نوى الظهر وقد دخل وقت الظهر؛ لأن فيه احتمالًا أن تصلى الجمعة قبل الزوال، فإذا صليت قبل الزوال وأدرك منها أقل من ركعة فإنه لا يتمها جمعة، بل يتمها ظهرًا، وهنا نقول: الظهر ما دخل وقته، إذن يتمها نفلًا، ثم إذا دخل وقت الظهر صلى الظهر، فيشترط إذن، يشترط لمن أدرك مع الإمام أقل من ركعة يشترط لإتمامها ظهرًا شرطان، قلهما.
طالب: إذا كان نوى الظهر، والشرط الثاني دخول وقت الظهر.
الشيخ: أحسنت، إذا كان نوى الظهر، والثاني إذا كان قد دخل وقته.
أنا قلت: يُشترَط شرطانِ، وأَصر إلا أن يقول: يُشترَط شرطينِ، والصواب شرطان. وأنا أقول لكم: الزموا في المثنى الألف دائمًا من أجل ألا يغلطكم أحد، يعني مثلًا لو قلت: قام الرجلان صحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، ورأيت الرجلان قائمان؟
الأول صحيح والثاني غلط على اللغة الفصحى، لكن يمكن لو يجيء واحد يرد عليه، والإنسان ما يحب أحدًا يرد عليه، قال: يا أخي، أنت ما لك أنك تحتكر اللغات، أنا على لغة من يلزم المثنى الألف مطلقًا، يعني فيه ناس من العرب يقول: قدم الرجلان فأكرمت الرجلان ونظرت إلى الرجلان، فهذه فيها فسحة لطالب العلم اللي ما يعرف النحو.
على كل حال أقول: يُشترط لمن أدرك مع الإمام أقل من ركعة لإتمامها ظهرًا شرطان: الشرط الأول: أن يكون نوى الظهر، والثاني: أن يكون قد دخل وقتها.
стр. 2349
فإن لم ينو الظهر دخل مع الإمام بنية الجمعة؛ لأنه يظن أن هذه هي الركعة الأولى، يعني جاء والإمام قد قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الثانية، فظن أنها الركعة الأولى، فدخل بنية الجمعة، ثم تبين أنها الركعة الأخيرة، فماذا يصنع؟ كلام المؤلف يدل على أنه يتمها نفلًا؛ لأنه لم ينو الظهر، وعلى هذا يحتاج الإنسان إذا جاء إلى الجمعة بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع وهو لا يدري هل هي الأولى ولَّا الثانية يحتاج أن ينتظر؛ لأنه الآن لو دخل مع الإمام لم يدرك شيئًا ينتظر، فإن جلس الإمام للتشهد دخل معه بنية الظهر، وإن قام دخل معه بنية الجمعة.
القول الثاني في المسألة: يقول: ادخل معه بنية الجمعة، فإذا تبين أنك لم تدرك ركعة، فانوها ظهرًا بعد سلام الإمام، وقال: إن هذا هو الذي لا يسع الناس إلا العمل به، خصوصًا العامة؛ أي عامي يدخل مع الإمام حتى لو كان يعلم أنها الركعة الثانية وقد فاته ركوعها، ماذا ينوي العامي؟ سينوي الجمعة، ثم إذا سلم الإمام فمن العامة من يتمها جمعة أيضًا، ومنهم من يتمها ظهرًا، لكن لا ينوي الظهر إلا بعد أن يسلم الإمام، وهذا القول هو الصحيح؛ لأن الظهر فرع عن الجمعة، فرع عنها، فإذا انتقل من جمعة إلى ظهر فقد انتقل من أصل إلى بدل، وكلاهما فرض الوقت.
وهذه في الحقيقة قد تنخرم علينا القاعدة التي يقال فيها: (إن الانتقال من معين إلى معين يبطل الأول، ولا ينعقد الثاني به) معلوم الكلام هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يعني مثلًا: إنسان دخل في الصلاة بنية الظهر ناسيًا، ثم ذكر أنه الآن في وقت العصر، وأنه صلى الظهر من قبل، في أثناء الصلاة نواها عصرًا، ماذا نقول له؟
стр. 2350
نقول: طبعًا الظهر بطلت؛ لأنك أبطلتها، والعصر لم تنعقد؛ لأنك لم تنوها عصرًا من أولها، والمعين لا بد أن تنويه من أوله، كل معين لا يصح أن ينوى من الأثناء لكن نقول: هذه المسألة يمكن أن تستثنى من القاعدة بناء على أن الظهر بدل عن الجمعة إذا فاتت فهي فرع لها، وهو لم ينتقل من شيء مغاير من كل وجه.
يقول ﵀: (ومن أدرك مع الإمام منها ركعة، وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهرًا إذا كان نوى الظهر).
طالب: ( ... ).
الشيخ: شرط ثان.
طالب: ودخل ( ... ).
الشيخ: إذا كان نوى الظهر الشرط الثاني ودخل وقتها.
هنا تكلم في الشرح على مسألة مهمة تعتري الناس في أيام موسم الحج والعمرة في المسجد الحرام، وهي ما إذا زحم الإنسان عن السجود أو عن الركوع، نقرؤها لأنها مفيدة: قال: (ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم عن السجود، لزمه السجود على ظهر إنسان أو رجله).
إنسان دخل مع الإمام الجمعة، لكن الناس متضايقون، فلما جاء يسجد ما وجد مكانًا يسجد فيه، لما كانوا قيامًا فيه مكان عند السجود ما وجد، نقول: يجب عليك أن تسجد على ظهر إنسان، أو على رجل إنسان.
لكن هذا يخشى منه أن الإنسان المسجود عليه يقاتله، وكثير من العوام ما يعرفون عن حكم هذا، لو كان طالب علم يمكن يقول: نعم، له أن يسجد على ظهري، لكن إذا كان عاميًّا فيا ويله منه. على كل حال هذا كلام العلماء ﵏، يقول: يسجد على ظهر إنسان أو رجله.
ثم قد يكون الإنسان الذي أمامه أحيانًا يكون مع الضيق تكون أمامك امرأة ما يمكن تسجد على ظهرها، لكن هذا كلام المؤلف.
فيه رأي آخر يقول: إذا زحم فإنه ينتظر حتى يقوم الناس، ثم يسجد، ويكون التخلف هنا عن الإمام لعذر.
стр. 2351
وفيه رأي ثالث يقول: تومئ إيماء، تجلس وتومئ بالسجود إيماء؛ لأن الإيماء للسجود قد جاءت به السنة عند التعذر، بخلاف التخلف عن الإمام، التخلف عن الإمام ما يأتي إلا لعذر، لا يمكن للإنسان أن يتابع الإمام فيه، وهنا تمكن المتابعة بأن يجلس ثم يومئ بالسجود، وهذا القول أقرب، ويليه القول بأنك تنتظر، ثم تسجد بعد الإمام، وأما القول بأنك تسجد على ظهر إنسان أو رجله فإنه ضعيف؛ لما يلزم عليه من التشويش التام على المسجود عليه، ثم ما ظنكم إذا كان الساجد كبير الجسم وكان المسجود عليه صغير الجسم، يعني خطر في الحقيقة، أنا لا أقول هذا من أجل أنه على سبيل الفكاهة لكن على سبيل الحقيقة، المسألة هذه عندما يتدبرها الإنسان كلما تدبرها الإنسان وجد أن هذا القول ضعيف. على كل حال إذا أدرك ركعة تامة بسجدتيها فإنه يتم.
يقول: (فإن لم يمكنه) إن لم يمكنه أيش؟ السجود على ظهر إنسان أو رجله (فإذا زال الزحام) ينتظر حتى يزول الزحام، وهذا الحمد لله فيه فسحة، إذا كان لا يمكنه أن يسجد فإذا زال الزحام.
ثم إننا نقول: في الحقيقة أن السجود على ظهر الإنسان لا تتأتى به صورة السجود، لماذا؟ لعلو الإنسان، السجود يكون وجهه مساويًا محاذيًا لرجليه، وهنا لا يمكن، خصوصًا إذا كان الساجد أيضًا رفيعًا، فالسجود لا تتحقق صورته بالسجود على ظهر إنسان.
يقول: (وإن أحرم، ثم زحم، وأخرج عن الصف، فصلى، فذا لم تصح) هذه عاد مسألة الفذية، لو أنه زحم وعجز على أن يطيق الوقوف في الصف حتى خرج، فإنه على المذهب لا تصح صلاته؛ لأنه فذ. والصحيح أن صلاته تصح؛ لأنه معذور في الفذية. فإذا كان قد صلى الركعة الأولى في الصف فإنه إذا زحم حتى خرج من الصف حتى على المذهب ينوي الانفراد ويتمها جمعة؛ لأنه أدرك ركعة كاملة، فيتمها جمعة.
طالب: شيخ، المخيمات الطلابية غالبًا ما تكون في الخميس والجمعة، فلو ما ( ... ).
стр. 2352
الشيخ: ما يقيمون الجمعة إذا كانوا بعيدين، لكن يلزمهم إذا كانوا قريبين من البلد أن يدخلوا إلى البلد.
طالب: إذا كان البعد مثلًا فوق الثلاثين.
الشيخ: لا، إذا كان البعد فوق الثلاثين يصلون ظهرًا.
الطالب: والعشرين.
الشيخ: والعشرين، حتى لأنهم يقول العلماء: إذا كان بينهم وبين المسجد أكثر من فرسخ فإنها لا تلزمهم.
طالب: أحسن الله إليك ( ... ) إذا كانوا مقابل البنيان أن يصلوا في مكانهم أو يدخلوا داخل المدينة ويصلوا.
الشيخ: لا، يجب أن يدخلوا المدينة؛ لأنه لا يجوز تعدد الجمع كما سيأتينا إن شاء الله.
طالب: ( ... ) ركعة إنسان يصلي ( ... ).
الشيخ: دخل مع الإمام وهو يصلي صلاة الجمعة.
طالب: ولم يعلم هل هذه الركعة الأولى أم الركعة الثانية، فنقول: القول فيه قول لبعض العلماء أنه ينتظر.
الشيخ: على المذهب.
طالب: ينتظر ( ... ).
الشيخ: حتى يعرف أنها الثانية أو الأولى.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، هو الرجل سيصلي لكن بس تأخر لأجل أن يصحح النية، هل ينوي ظهرًا أو ينوي جمعة.
قال المؤلف: (ويشترط تقدم خُطبتين) أو خِطبتين؟ خُطبتين بالضم؛ لأن الخِطبة بالكسر: خِطبة النكاح، يعني أن يخطب الرجل امرأة، والخُطبة بالضم خطبة الوعظ، وما أشبه ذلك.
يشترط يعني لصحة الجمعة تقدم خطبتين، أن يتقدمها خطبتان، فإن لم يتقدمها خطبتان لم تصح. ويدخل في ذلك ما إذا لم يتقدمها شيء من الخطب، وما إذا تقدمها خطبة واحدة. فإن خطب خطبة واحدة تصح ولَّا لا؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه يلزم تقدم خطبتين، لم يتقدم شيء؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا تصح.
تأخرت الخطبتان بعد الصلاة، لا تصح، إذن تقدم خطبتين يخرج منه ما لو لم يتقدم شيء أو تقدم خطبة واحدة، أو تأخرت الخطبتان، ففي هذه الصور الثلاث لا تصح الجمعة، لا بد أن يتقدم خطبتان.
ما هو الدليل؟ هناك عدة أدلة:
стр. 2353
الدليل الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فأمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء، ومعلوم بالتواتر القطعي أن النبي ﷺ كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب، إذن فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجبًا فهو واجب؛ لأن السعي وسيلة إلى إدراكه وتحصيله، فإذا وجبت الوسيلة وجبت الغاية. هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي ﷺ حرم الكلام والإمام يخطب، وهذا يدل على وجوب الاستماع إليهما، ووجوب الاستماع إليهما يدل على وجوبهما وأنه لا بد من خطبتين.
الدليل الثالث: مواظبة النبي ﷺ عليهما مواظبة غير منقطعة، فلم يأت يوم من أيام الجمعة لم يخطب فيه النبي ﵊، وهذا الدوام المستمر صيفًا وشتاءً، شدةً ورخاءً، يدل على وجوبهما.
الدليل الرابع، وهو تعليل، أنه لو لم يجب لهما خطبتان لكانتا كغيرهما من الصلوات، لا يستفيد الناس من التجمع لهما. ومن أهم أغراض التجمع لهذه الصلاة الموعظة وتذكير الناس، فلو لم تجب الخطبتان لم يكن هناك فائدة. فهذه عدة أدلة، صارت خمسة الآن؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، تدل على وجوب خطبتين للجمعة.
ثم قال المؤلف: (من شرط صحتهما: حمد الله) يعني أن الخطبتينِ لهما شروط لا تصحان بدونها، الشرط الأول: حمد الله؛ أن يحمد الله بأي صيغة، سواء كانت الصيغة اسمية أم فعلية، أي: سواء قال: الحمد لله، أو قال: أحمد الله، أو قال: نحمد الله، المهم أن يحمد الله فيهما، وسواء كان الحمد في أول الخطبة أم في آخرها، المهم أن يوجد فيها حمد، لكن الأفضل أن يكون في الأول.
стр. 2354
ما هو الدليل؟ الدليل قول النبي ﵊: «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (١١)، وهذا أحد ألفاظ الحديث، والأبتر: الناقص البركة، مبتور، ما فيه خير ولا بركة.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا حديث جابر في صحيح مسلم: كان النبي ﷺ إذا خطب حمد الله وأثنى عليه (١٢)، وهذا كما تعلمون دليل، قد لا يستطيع الإنسان أن يجزم ببطلان الخطبة إذا خلت من الحمد، لكن على كل حال لا شك أنه أفضل وأحسن.
من شرط صحتهما أيضًا الصلاة على رسوله محمد ﷺ ، يعني أن يصلي على الرسول باسمه، بأي اسم من أسمائه، فيقول: اللهم صل على محمد، اللهم صل على أحمد، اللهم صل على العاقب، اللهم صل على الحاشر، المهم أن يسميه.
قال بعضهم: فإن صلى عليه مضمرًا لا مظهرًا لم تصح، فلو قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ على رأي هؤلاء لم تصح الخطبة؛ لأنهم يرون أن من شرط صحتها الصلاة على النبي ﷺ مظهرًا لا مضمرًا، ولكن هذا غير صحيح.
كذلك أيضًا الصلاة على النبي ﷺ لا بد أن يكون لها دليل؛ لأنه يترتب عليها أنه لو خلت الخطبة من الصلاة على الرسول ﵊ لبطلت الخطبة، ثم بطلت الصلاة، وهذا أمر ليس بالهين، فيحتاج إلى دليل يستند عليه المرء ليصحح عبادة المسلمين أو يبطلها، فما هو الدليل؟
قالوا: لأن كل عبادة، انتبه للدليل، ما فيه إلا تعليل، قالوا: لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله افتقرت إلى ذكر رسوله.
هذا التعليل عليل، وليس بصحيح، وما أكثر العبادات التي لا تفتقر إلى ذكر الرسول وهي تفتقر إلى ذكر الله. لو أراد الإنسان يتوضأ يقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: ( ... )
الشيخ: كيف ما يقول: والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يقوله، اجزموا يا جماعة.
طلبة: لا، ما يقوله.
стр. 2355
الشيخ: ما يقول، إذن هي مفتقرة لذكر الله غير مفتقرة إلى ذكر رسول الله.
لو أراد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يقول، بل كره بعض العلماء أن يصلي على النبي ﷺ عند الذبح، قال: لأن هذا يؤدي إلى الشرك، حتى يكون الإنسان يذبح لله ولرسول الله.
الأذان يفتقر إلى ذكر الرسول صحيح، لكن هل يفتقر إلى ذكر الصلاة عليه؟ لا يفتقر، فالعلة هنا منتقضة، وانتقاض العلة يدل على بطلانها، ولهذا ليس هناك دليل صحيح يدل على اشتراط الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة. ما فيه دليل. لكن نمشي مع المؤلف، وإن رجحنا خلاف كلامه.
والصلاة على رسوله محمد ﷺ ، الصلاة على رسوله، سواء جاءت بلفظ الطلب، أو بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب، مثالها بلفظ الطلب؟ الصلاة على النبي بلفظ الطلب؟
طالب: اللهم صل على محمد.
الشيخ: اللهم صل على محمد، هذا طلب.
مثالها بلفظ الخبر الذي بمعنى الطلب؟
طالب: صلى الله على محمد.
الشيخ: صلى الله على محمد، صح.
شوف الطلب أن تقول: اللهم صل، تطلب من الله، والخبر اللي بمعنى الطلب تقول: صلى الله عليه، صلى الله خبر، لكن معناه الطلب.
(وقراءة آية) يعني من شرط صحتهما أيضا قراءة آية، فإن لم يقرأ آية لم تصح الخطبة، لا بد أن يقرأ آية، وإن قرأ آيتين؟
طلبة: صحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: المؤلف يقول: قراءة آية واحدة، يعني أقل شيء، فإن قرأ آيتين فقد قرأ آية وزيادة، ولكن يشترط في الآية أن تستقل بمعنى، فإن لم تستقل بمعنى لم تجزئ، فلو قرأ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] آية أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لكن ما تستقل بمعنى، من الذي نظر؟ لا يعلم. لو قرأ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤].
طلبة: ما تستقل.
стр. 2356
الشيخ: ما تجزئ؟ ويش معنى مدهامتان؟ سوداوان، هنا يفهم منها معنى، لكن ما هما الموصوفتان بهذه الصفة؟ لو قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح؟
طلبة: نعم.
طالب: لا.
الشيخ: إي نعم تصح واضح؛ كلام مستقل مفهوم واضح، ما هو الدليل على اشتراط الآية؟ الدليل: أن النبي ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] يخطب بها، (١٣) ولكن هذا ليس بدليل؛ لأن لدينا قاعدة في أصول الفقه، وهي أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، فكوننا نجعل قراءة الآية شرطًا في خطبة الجمعة الذي لا بد من وجودها قبل الصلاة فإن لم توجد لم تصح الجمعة هذا فيه نظر.
الرابع: (الوصية بتقوى الله ، نعم الوصية لا بد منها.
الوصية: يعني أن يوصي الخطيب المستمعين بتقوى الله، سواء قال: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، أو قال: يا أيها الناس اتقوا الله، فكل من هذا وهذا وصية، فلا بد أن يوصي بتقوى الله؛ لأن هذا هو لب الخطبة أن يعظ الناس، ويذكرهم ويلين قلوبهم، ويوصيهم بما ينفعهم.
فإن أتى بمعنى التقوى دون لفظها بأن قال: يا أيها الناس افعلوا أوامر الله، واتركوا نواهي الله، يصح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يصح، أو قال: يا أيها الناس أطيعوا الله، أقيموا أوامره، اتركوا نواهيه، يجزئ ولَّا لا؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ. وكذلك أيضًا (حضور العدد المشترط)، يعني لا بد أن يحضر الخطبتين العدد المشترط، كم عددها على ما مشى عليه المؤلف؟
طلبة: أربعين.
الشيخ: أربعين لا بد أن يحضر أربعون من أهل وجوبها، فإن حضر الخطبة عشرون، ثم لما أقيمت الصلاة قبل أن يشرع في الصلاة أتموا أربعين، يجزئ أو لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، لماذا؟
طالب: لأنه يشترط أربعين.
الشيخ: حضور أربعين، لا بد أن يحضر أربعون.
لو حضر أربعون نصف الخطبة؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لم يجزئ.
стр. 2357
والصحيح أن تقدير العدد بأربعين ليس بصواب كما مر علينا، لكن إذا قلنا: إنه يشترط حضور ثلاثة صار لا بد من حضور الثلاثة.
هذه المؤلف يقول: (من شرط صحتهما)، من شرط و (من) هذه تدل على التبعيض، والتبعيض يدل على أن بعضًا لم يذكر، وأن ما ذكر ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: البعض، فهل هناك شروط أخرى؟ نقول: نعم.
من شرط ذلك أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت، فإن خطب قبل دخول الوقت لم تصح الخطبتان، ثم لا تصح الجمعة بعد ذلك.
وذكر بعض أهل العلم أن الشرط الأساسي في الخطبة أن تشتمل على الموعظة الملينة للقلوب، المفيدة للحاضرين، وأن هذا هو الأساس، وأن البداءة بالحمد، أو الصلاة على النبي ﷺ ، أو ما أشبه ذلك كلها من كمال الخطبة، وكذلك قراءة الآية من كمال الخطبة.
ولكننا نقول هذا القول وإن كان له حظ من النظر لا ينبغي للإنسان أن يعمل به إذا كان أهل البلد يرون القول الثاني الذي هو ما مشى عليه المؤلف، لماذا؟ لأنه لو ترك هذه الشروط التي ذكرها المؤلف لوقع الناس في حرج، وصار كل يخرج من الجمعة وهو يرى أنه لم يصل الجمعة. ومراعاة الناس في أمر ليس بحرام مما جاءت به الشريعة، فقد راعى النبي ﵊ أصحابه في الصوم والفطر في رمضان، وراعاهم ﵊ في بناء الكعبة، ترك بناءها على قواعد إبراهيم، كل ذلك مراعاة لهم، وهذه قاعدة معروفة في الشرع، وهي مراعاة الناس في غير المحرم.
стр. 2358
أما إذا راعاهم في المحرم فهذه تسمى مداهنة، ما هي مداراة، المداراة طيبة، لكن مداهنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فأقول: حتى لو كان الإنسان يرى أن هذه الشروط لا دليل عليها، أو أن بعض هذه الشروط لا دليل عليه، فإنه لا ينبغي أن يؤم الناس بما يرى وجمهور الحاضرين معه يرون أنه شرط، وذلك واضح؛ لأن فيه إزالة الحرج عن قلوبهم، وفيه التأليف، وهل أنت إذا فعلت هذا تكون وقعت في حرام، يعني لو أتيت بهذه الشروط تكون وقعت في حرام؟ أبدًا ما وقعت في حرام.
ثم قال: (ولا يشترط لهما الطهارة) فلو خطب وهو محدث فالخطبة صحيحة؛ لأنها ذكر ليست صلاة.
ولو خطب وعليه جنابة؟
طالب: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؟ قراءة الآية؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: مشكلة قراءة الآية الواقع أنه إذا خطب وهو جنب ففيه مشكلتان:
المشكلة الأولى: اللبث في المسجد، لكن قد يقال: إنه يتوضأ يزول هذا بالوضوء.
المشكلة الثانية: قراءة القرآن وهو جنب، والمذهب يرون أن قراءة القرآن حرام من الجنب، فكيف تصح القراءة وليس عليها أمر الله ورسوله؟ بل عليها النهي. قالوا: أما في الأول وهو تحريم لبث الجنب فيزول بالوضوء، وأما الثاني فلأن النهي هنا لا يتعلق بقراءة الآية في الخطبة، بل هو عام، لو ورد نهي: لا تقرأ القرآن وأنت جنب حال الخطبة، ثم قرأ قلنا: إن الخطبة لا تصح؛ لأنه فعل فعلًا محرمًا بنفس العبادة، أما قراءة الجنب للقرآن فهي محرمة على سبيل العموم، فهي لم تحرم لشيء متعلق بالخطبة.
وهذا التعليل صحيح، لكنه أحيانًا ينقض على المذهب، فقد قالوا: إن الرجل لو صلى في ثوب مغصوب فصلاته باطلة، مع أن الحكم تحريم لباس المغصوب هل هو خاص بالصلاة؟ لا، عام، ومع ذلك يقولون: إنها لا تصح الصلاة؛ لأنه ثوب محرم، ولكن الصحيح أن الصلاة تصح بالثوب المغصوب.
لو توضأ بماء مغصوب لا يصح الوضوء على كلام المشهور من المذهب؛ لأن الماء المغصوب يحرم استعماله.
стр. 2359
والقول الثاني وهو الراجح: أنه يصح أن يتوضأ بماء مغصوب مع الإثم.
هذه المسألة قالوا: يصح أن يقرأ الآية من القرآن وهو ( ... ) مع الإثم، وهو مما يقوي القول الذي رجحناه الآن، وهو صحة الوضوء بالماء المغصوب، وصحة الصلاة بالثوب المغصوب، وصحة الصلاة بالبقعة المغصوبة أيضًا، نعم.
طالب: ( ... ) إلا قراءة الآية يخرج من الإثم؟
الشيخ: أخشى أنها ما تجزئ.
طالب: يقصد الذكر.
الشيخ: إي بس القراءة يقصد قراءة ( ... ).
طالب: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
الشيخ: إي.
طالب: يقصد الذكر؟
الشيخ: أقول: أخشى ألا يكون لأن الذي يقصد الذكر بالقرآن ما يحصل له ثواب القراءة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: والله ما أدري الظاهر أنها ما تصح.
طالب: شيخ، كيف تزول الجنابة بالوضوء؟
الشيخ: لا، ما تزول الجنابة بالوضوء، لكن يجوز المكث في المسجد إذا توضأ الجنب، ولا الجنابة باقية، ولهذا لو أراد يصلي ما صح أن يصلي.
طالب: في المذهب يشترط أن يجمع بين هذه الشروط كلها ( ... ) أي لا بد أن يصلي ( ... ).
الشيخ: إي لا بد من هذه الشروط كلها، وفيه أيضًا شروط أخرى ما ذكرها الماتن، ولهذا الماتن خرج من العهدة بقوله؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف ما خرج؟ فاهم ما أقول ولا ما فهمته، خرج من العهدة بقوله؟
طالب: ما أدري.
الشيخ: بقوله يا جماعة؟
طالب: من شرط صحتها.
الشيخ: من شرط صحتها، علشان يخليك أنت تبحث عن الباقي.
طالب: شيخ، ثبت أن الرسول ﷺ أنه يخطب بـ ﴿ق﴾ ( ... ) ولا يخطب ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد ما رجحناه أن المهم من الخطبة الموعظة وتذكير الناس.
طالب: لو قال قائل بشرطية الصلاة على النبي ﷺ في الخطبة، واستدل بما جاء عند الترمذي وصححه جمع من العلماء عن عمر بن الخطاب، أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك ﷺ (١٤).
стр. 2360
الشيخ: نعم، هذا الدعاء، الخطبة لا يشترط أن تشتمل على الدعاء أصلًا، لو خطب الخطبتين جميعًا بدون دعاء صح، حتى على المذهب.
طالب: لكن هو ( ... ) الدعاء.
الشيخ: لا ما هو قطعًا أبدًا.
الطالب: الصلاة عن النبي ﷺ .
الشيخ: ما هو قطعًا يا أخي لو خطب بدون دعاء صحت الخطبة.
طالب: ثم أيضًا يا شيخ قول الخطيب: صلوا على من أمركم الله بالصلاة عليه، هذا الآن الأمر ..
الشيخ: والله أنا عندي في نفسي شيء من هذا، يعني لو قال: أكثروا من الصلاة على الرسول؛ لأنه إذا قال: صلوا على من أمركم ترى بعض الناس يقول: ترى أمرنا أن نصلي الآن ولهذا تجدهم يلجون في الصلاة.
طالب: لكن هم ما يؤيدون يا شيخ أن يصلي على النبي.
الشيخ: لا، ما يؤيد هذا، حتى هذا اللي ذكرت ما كان الرسول يفعله ما كان يقول للناس: صلوا علي في وسط خطبة الجمعة.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قلنا: إن الإمام يصح أن يخطب وهو جنب فتأتينا الصلاة هل الفصل بين الاغتسال للجنابة للصلاة وبين الخطبة هل هذا صحيح؟
الشيخ: ما تقولون يا جماعة؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إي يمكن يذهب ويغتسل ويرجع.
طالب: فصل كبير.
الشيخ: لو فصل كبير ما هو بشرط الاتصال ما هو بشرط.
طالب: ويستأنف يا شيخ؟
الشيخ: لا، يصلي هذه واحد يمكن كما قال الإخوان: يصلي واحد غيره.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن.
طالب: وهل هو لم يخطب يا شيخ؟
الشيخ: ولو كان سيأتينا أنه لا يشترط أن يتولاهما واحد.
طالب: جزاك الله خيرًا.
طالب آخر: إذا كان الخطيب يا شيخ أحسن الله إليك يعني بعد الخطبة الأولى ( ... ) ما استطاع أن يكمل الخطبة ماذا يعمل المصلون؟
الشيخ: هذا سؤال مهم يقول: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة عجز عن إتمامها فهل يتمها الثاني أو يستأنف؟
طالب: يتمها الثاني.
الشيخ: يتمها الثاني.
طالب: تصح من اثنين.
الشيخ: تصح من اثنين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي.
طالب: ( ... ).
стр. 2361
طالب آخر: شيخ، يتمها لأنها لم يشترط الصلاة والخطبة من واحد، فأيضًا لا يشترط الخطبة أن تكون من واحد.
الشيخ: لكن الخطبة واحدة، ما هما بخطبتين، يعني لو خطب واحد الأولى وواحد خطب الثانية، وثالث صلى هذا صحيح، لكن هذا في أثناء الخطبة الأولى أصابه عذر لم يتمكن.
طالب: كلها شروط ( ... ) يعني كلها ( ... ).
الشيخ: السؤال أجب ولا تعلل.
ولا أن يَتَولَّاهما مَن يَتَوَلَّى الصلاةَ، ومِن سُنَنِهما أن يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ أو مَوْضِعٍ عالٍ ويُسَلِّمَ على المأمومينَ إذا أَقْبَلَ عليهم ثم يَجْلِسَ إلى فَراغِ الأذانِ ويَجْلِسَ بينَ الْخُطبتينِ ويَخْطُبَ قائمًا ويَعتمِدَ على سيفٍ أو قَوْسٍ أو عصًا ويَقْصِدَ تِلقاءَ وَجهِه ويُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ ويَدْعُوَ للمسلمينَ.
(فصلٌ)
والجُمُعَةُ رَكعتان، يُسَنُّ أن يَقْرَأَ جَهْرًا في الأُولَى بالْجُمُعَةِ وفي الثانيةِ بالمنافِقِينَ، وتَحْرُمُ إقامتُها في أَكْثَرَ من مَوْضِعٍ من البَلَدِ إلا لحاجةٍ، فإن فَعَلُوا فالصحيحةُ ما باشَرَها الإمامُ أو أَذِنَ فيها، فإن اسْتَوَيَا في إذْنٍ أو عَدَمِه فالثانيةُ باطلةٌ وإن وَقَعَتَا معًا أو جُهِلَت الأُولَى بَطَلَتا،
طالب: إذا كان الخطيب، يا شيخ، أحسن الله إليك، بعد الخطبة الأولى أتاه عذر ما استطاع أن يكمل الخطبة، ماذا يعمل، هل يصلي؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة عجز عن إتمامها، فهل يتمها الثاني أو يستأنف؟
طالب: يتمها الثاني.
الشيخ: يتمها الثاني ( ... ).
طالب: ( ... ).
طالب آخر: شيخ، يتمها؛ لأنا لم نشترط الصلاة والخطبة من واحد، فأيضًا ما نقدر نشترط الخطبة قد تكون من واحد.
الشيخ: لكن خطبة واحدة، ما هو خطبتان؛ يعني لو خطب واحد الأولى، وواحد خطب الثانية، وثالث صلى هذا صحيح، لكن هذا في أثناء الخطبة الأولى أصابه عذر لم يتمكن.
طالب: كلها شروط من شروط الجماعة؛ يعني كلها اشترط الجماعة الخطبة.
стр. 2362
الشيخ: السؤال، أجب ولا تعلق.
طالب: هي تصح.
الشيخ: تصح، نشوف، محل نقاش إن شاء الله.
***
طالب: لهما الطهارة ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عالٍ، ويسلّم على المأمومين إذا أقبل عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين، ويخطب قائمًا، ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه، ويقَصِّر الخطبة ويدعو للمسلمين.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه يُشترط لصحة صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان.
طالب: صلاة ( ... ) ركعتين؟
الشيخ: السؤال، سبق أنه يشترط لصحة صلاة الجمعة أن تتقدمها خطبتان، فما هو الدليل على هذا الشرط؟
طالب: أن النبي ﷺ كان لا يصلي حتى يخطب خطبتين (١).
الشيخ: لو قال لك قائل: هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب؟
لأن القاعدة عندنا في أصول الفقه: أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب.
طالب: الآية في سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهنا: الأمر بالوجوب ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فهي الخطبة، فلذلك يبدو أن السعي لهذه الخطبة.
الشيخ: والسعي إليها يدل على؟
طالب: يدل على وجوب السعي إليها، وكذلك وجوب الاستماع لهذه الخطبة، ووجوب الخطبة كذلك.
الشيخ: المهم الآن وجوب الخطبة، هل هذا يدل على وجوب الخطبة؟
طالب: نعم، يدل على وجوب الخطبة، الله ﵎ أمر بالسعي إليه، تمام؟ فهذا واجب، والسعي إلى واجب واجب كذلك.
الشيخ: والسعي الواجب لا يكون إلا لواجب، دليل آخر؟
стр. 2363
طالب: أن النبي ﵊ قال: «مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَى» (٢)، فدل على أن النبي ﷺ أمر بالإنصات للجمعة، وأن الذي يتكلم في الجمعة فإنه قد تلغو جمعته، هذا دليل على وجوبها.
الشيخ: يعني أن من تكلم والإمام يخطب فقد لغى، بل من قال لصاحبه: أنصت. يوم الجمعة فقد لغى، والمتكلم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، ويش وجه الدلالة؟
طالب: وجه الدلالة المترتب على هذه العقوبة على فاعل، الذي يتكلم أو الذي يومئ بالإنصات كذا، يدل على وجوب الخطبة.
الشيخ: وجوب الخطبة؛ لوجوب الاستماع لها، إذن كالآية، فيه دليل ثالث؟
طالب: الدليل يا شيخ ( ... )؛ لأنه لو لم يتقدمها خطبتان صارت مثل بقية الصلوات ( ... ) يدل على الوجوب، حيث إن الغرض من استماع الخطبة تجمع الناس وتذكيرهم.
الشيخ: وتذكيرهم، نعم.
طالب: كذلك مواظبة النبي ﷺ مواظبة غير منقطعة تدل على وجوبها.
الشيخ: نعم، يمكن، هذه تدل على الوجوب؛ لقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، وهو لم يصل الجمعة إلا بخطبة، يكفي هذا.
ذكر المؤلف: أن لهاتين الخطبتين شروطًا، اذكر؟
طالب: الشرط الأول أن يحمد الله .
الشيخ: حمد الله، بأي صيغة؟
طالب: اسمية، أو ..
الشيخ: أو أيش؟
الطالب: أو طلبية أو ( ... ).
الشيخ: طلبية؛ يعني يقول لناس: احمدوا الله؟
الطالب: لا، بل يقول قبلها: الحمد لله، طلبية ..
طالب آخر: هو يُسن في الأول أن يبدأ ..
الشيخ: الآن حمد الله على المسألة، الآن.
طالب: نعم؟ الدليل يعني؟
الشيخ: لا، هو قال: من شرط صحتها نحمد الله، فأقول له: بأي صيغة كانت؟ أو لا بد من صيغة معينة؟
طالب: كل صيغة تدل على حمد الله سواء كانت ..
الشيخ: مثل؟
طالب: مثل الحمد لله، أو: نحمد الله.
стр. 2364
الشيخ: أو أحمد الله؛ يعني سواء كانت فعلية أو اسمية، هي قول، فعلية أو اسمية، ما نريد بالفعل مقابل القول، نقول: الفعل مقابل الاسم والحرف، ما هو الدليل على وجوب ذلك؟ شرط.
طالب: الدليل على شرط الحمد؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أن الرسول ﷺ -كما في مسلم- كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه (٤)، وأيضًا أنه داوم على الخطبة، على حمد الله والثناء عليه، فدل على الوجوب.
الشيخ: لو قال قائل: هذا فعل، والفعل يدل على الاستحباب.
طالب: لا دا قول صحيح؛ لذلك ( ... ) ما يجب الحمد.
الشيخ: لا يجب الحمد؛ يعني إذا صعد المنبر وقال: يا أيها الناس اتقوا الله، واشكروه. وما أشبه ذلك.
طالب: كفى.
الشيخ: كفى.
طالب: قال النبي ﷺ : «كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ .. » (٥).
الشيخ: «فَهُو أَبْتَرُ»، وهذا وعيد على من أراد أن يخطب أن يترك الحمد؛ لأن الوعيد بنقص البركة يدل على وجوب الحمد.
هل يجب فيهما التشهد؟
طالب: التشهد؟ لا.
الشيخ: لا يجب؛ يعني لا يجب أن أقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
الطالب: يعني هذا يجب، ولكن التشهد ..
الشيخ: لا، ما هو بالتشهد في التحيات.
الطالب: التحيات، لا يجب.
الشيخ: لا، هل يجب أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أو لا يجب؟
طالب: بعض العلماء قالوا: يجب، وبعضهم قالوا: لا يجب.
الشيخ: من قال يجب؟
الطالب: أبو يوسف.
الشيخ: أبو يوسف، إي نعم، وشيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا يرى أنه يجب أن يتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، لكن المؤلف لا يرى وجوب هذا.
هل تشترط الصلاة على النبي ﷺ في الخطبتين؟
طالب: نعم.
الشيخ: تشترط؟ ما الدليل، أو التعليل؟
طالب: التعليل قالوا: إن كل عبادة اللي تحتوي فيها ذكر الله لا بد أن يقترن معها ذكر النبي ﷺ ، ومثلوا ذلك بالأذان والتشهد وغيره.
стр. 2365
ولكن هذا القول غير صحيح؛ لأن هناك كثير من العبادات.
الشيخ: هذا التعليل عليل؛ لأن من العبادات ما يذكر فيها اسم الله وحده.
خطب رجل وحوله ثلاثون نفرًا فقط، وبعد انتهاء الخطبة أتموا أربعين؟
طالب: بعد انتهاء الخطبة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لا ما يصح، ما يجزء.
الشيخ: تصح الخطبتان أو لا؟
طالب: لا ما تصح.
الشيخ: ليش؟
طالب: العدد لم يكتمل، العدد أربعون.
الشيخ: لأنه يشترط لصحتهما حضور العدد المشترط.
إن قلت: أربعين، فحضور أربعين، إن قلت: ثلاثة، فحضور ثلاثة، إن قلت: اثنا عشر، فحضور اثني عشر، حسب العدد المشترط، حسب الخلاف بين العلماء.
خطب الخطبة الأولى قبل أن يدخل الوقت، والخطبة الثانية والصلاة بعد دخول الوقت؟
طالب: ما تصح؛ لأنه يشترط أن تكون الخطبتان بعد دخول الوقت.
الشيخ: نعم، يشترط أن تكونا ..
طالب: بعد دخول الوقت.
الشيخ: بعد دخول الوقت، هل عندك دليل على هذا؟
طالب: لأن الخطبتين من صلاة الجمعة.
الشيخ: تابعتان.
طالب: لصلاة الجمعة، والصلاة لا ( ... ) إلا بدخول الوقت.
الشيخ: رجل قام خطيبًا في الناس، فجاء بقصة بدر من أولها إلى آخرها، ثم نزل، بعد أن حمد الله وأثنى عليه جاء بقصة بدر ثم نزل.
طالب: إذا كان لم يقرأ آية ذكرها لمستقل أو حكما مستقلا، فخطبته لا تصح.
الشيخ: لا، قرأ الآيات.
طالب: على الخطبتين والصلاة؟
الشيخ: على الخطبتين، أو في واحدة.
طالب: ولم يوصِ بتقوى الله ؟
الشيخ: أنت، سبحان الله، تبغي تعد الشروط اللي قلت!
طالب: إن كان أوصى فيها بتقوى الله معها.
الشيخ: إي نعم، وقرأ آية، وصلى على النبي ﷺ .
طالب: نقول: إنها تصح.
الشيخ: إذن فإنها تصح، وإلا فلا، يقول المؤلف: (إنه من شرط صحة الخطبتين أن يوصي بتقوى الله)، هل لا بد أن يقول: يا أيها الناس اتقوا الله؟ أو إذا أتى بما يدل على الأمر بالتقوى يكفي؟
طالب: لا، إذا أتى بما يدل على الأمر بالتقوى كفى.
الشيخ: مثل؟
стр. 2366
طالب: مثل: افعلوا أوامر الله ، واجتنبوا ما نهى الله عنه.
الشيخ: أو أطيعوا الله ورسوله، لو قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، وحمد الله وأثنى عليه؟
طالب: وصلى على النبي ﷺ .
الشيخ: وصلى على الرسول، ثم نزل.
الطالب: يكفي؟
الشيخ: يكفيه؟
الطالب: إي.
الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾؟
طالب: إي؛ لأن فيها وصية بالتقوى، فيها زيادة.
الشيخ: أيش تقولون: يكفي؟ لأن فيها قراءة آية، وفيها أيضًا الوصية بالتقوى، إذن لا يشترط أن تكون الوصية بالتقوى منفصلة عن الآية؛ لو جاء بآية بها الأمر بالتقوى كفى.
يقول المؤلف ﵀ هل يشترط لهما الطهارة؟ الجواب: لا، فلو خطب محدثًا وبعد انتهاء الخطبتين ذكر أنه على غير طهارة، فالخطبتان صحيحتان، ويتوضأ ويصلي.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
طالب: في السؤال الدرس الماضي: إذا تخلف الإمام لعذر، ثم جاء إمام آخر هل يستأنف أو يتم؟
الشيخ: إي نعم، جزاك الله خيرا، تنبيه طيب.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
يعني لا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة، فلو خطب رجل وصلى آخر فهما صحيحتان، الخطبتان صحيحتان والصلاة صحيحة، ولكن هل يشترط أن يتولاهما واحد؟ أو يجوز أن يخطب الخطبة الأولى واحد، والثانية واحد؟
نقول: يجوز؛ يعني: ولا يشترط أن يتولاهما واحد، فلو خطب رجل وخطب الثانية رجل آخر؛ صحَّ، ولكن هل يشترط أن يتولى الخطبة الواحدة واحد؟ بمعنى: لو أن رجلًا خطب الخطبة الأولى في أولها، وفي أثنائها نزل؛ تذكر على أنه على غير وضوء مثلًا، فنزل ثم قام آخر فأتم الخطبة، هل تجزئ؟
стр. 2367
لم أرَ حتى الآن من تكلم عليها، ولكن هم ذكروا في الأذان أنه لا يصح من رجُلَين؛ يعني لا يصحّ أن يؤذن الإنسان أول الأذان ثم يكمله آخر؛ لأنها عبادة واحدة، فكما أنه لا يصح أن يصلي أحد ركعة ويكمل الثاني الركعة الثانية، فكذلك لا يصح أن يؤذن شخص أول الأذان ويكمله آخر.
أما الخطبة فقد يقال: إنها كالأذان؛ يعني: لا بد أن يتولى الخطبة الواحدة واحد، فلا تصح من اثنين، سواء لعذر أو لغير عذر، إن كان لغير عذر: فلا، فالظاهر أن الأمر واضح؛ لأن هذا شيء من التلاعب، واحد خطب أول الخطبة ثم ينزل، ويقوم الثاني يخطب، لكن إذا كان لعذر مثل أن يذكر الإمام الذي بدأ الخطبة أنه على غير وضوء، ثم ينزل يتوضأ، فهنا نقول: الأحوط للثاني أن يبدأ الخطبة من جديد؛ حتى لا تكون عبادة واحدة من شخصين، هذا هو الأحوط.
يقول: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، ومن سننهما)، إذا كان لا يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة، فهل يشترط أن يكون العدد الحاضر لهما هو العدد الحاضر للصلاة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ يعني مثلًا لو خطب بأربعين، ثم خرج، ومعه أربعون رجلًا أصحاب له فخرجوا معه، ثم جاء أربعون وصلوا الجمعة؟ نقول: هذا لا يصح؛ لأنه لا بد أن يحضر الخطبتين.
(ومن سننهما) المؤلف الماتن لم يذكر ما يبطل الخطبتين، لكن ذكر الشارح: أنهما تبطلان بالكلام المحرم؛ يعني: لو أن الخطيب في أثناء الخطبة تكلم كلامًا محرمًا، كقذف أو لعن، أو ما أشبه ذلك فإنها تبطل؛ لأن ذلك ينافي مقتضى الخطبة، المقصود بالخطبة وعظ الناس، وزجرهم عن الحرام، فإذا كان الخطيب نفسه بيفعل الحرام فإنها تبطل.
ولم يذكر أيضًا: هل يشترط أن تكون الخطبتان باللغة العربية؟
والجواب عن هذا أن نقول: إن كان يخطب بعرب فلا بد أن تكون باللغة العربية، ولا إشكال في هذا، وإن كان يخطب بغير العرب؛ فقال بعض العلماء: لا بد أن يخطب أولًا بالعربية، ثم يخطب بلغة القوم الذين عنده.
стр. 2368
وقال الآخرون: لا يشترط أن يخطب بالعربية، بل يجب أن يخطب بلغة القوم الذين يخطب فيهم، وهذا القول هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ﴾ [إبراهيم: ٤]، ولا يمكن أن ينصرف الناس عن موعظة وهم لا يعرفون ماذا قال الخطبيب، والخطبتان ليستا مما يُتعبد بألفاظهما حتى نقول: لا بد أن يكون باللغة العربية، أما إذا مر بالآية فلا بد أن تكون؟
طلبة: باللغة العربية.
الشيخ: بالعربية، كذا؟
لأن القرآن لا يجوز أن يُغَيَّر، لا بد أن يكون باللغة العربية.
قال المؤلف ﵀: (ومن سننهما) أي: الخطبتين، (أن يخطب على منبر) (منبر): وزن مِفْعَل، من النبر، وهو الارتفاع؛ أي: على شيء مرتفع، وكان النبي ﷺ يخطب في أول الأمر على جذع نخلة في مسجده، ثم صنع له منبر من خشب الغابة -الأثل- وصار يخطب عليه، ولما خطب عليه أول جمعة صاح جذع النخلة كما تصيح الإبل العشار، حتى نزل النبي ﷺ وسكَّته فسكت، والناس يسمعون هذا ثم صار يخطب على المنبر (٦).
وإنما كان ذلك سنةً اقتضاءً بالنبي ﷺ ؛ ولأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة إلى الناس؛ لأنه إذا كان مرتفعًا سمعه الناس أكثر، وكذلك إذا كان مرتفعًا رآه الناس بأعينهم، ولا شك أن تأثر السامع إذا رأى المتكلم أكثر من تأثره وهو لا يراه، وهذا أمر مشاهد، ولهذا كان من هدي الصحابة على ما ذُكِر أن النبي ﷺ إذا خطب استقبلوه بوجوههم (٧) ليكون ذلك أبلغ في حضور القلب والانتفاع بالخطبة.
هذا المنبر، قال العلماء: ينبغي أن يكون على يمين مستقبل القبلة في المحراب، كما هو المعمول به الآن، يجعلونه على اليمين؛ من أجل أن الإمام إذا نزل منه ينفتل عن ..
طلبة: يمينه.
طلبة آخرون: يساره.
الشيخ: ما هذا، هذا ما فيه يا جماعة.
стр. 2369
إذا نزل منه انفتل عن يمينه، ما فيها إشكال هذا، إذا كان المنبر عن يمين مستقبل القبلة في المحراب، فإن الإمام إذا نزل ينفتل عن يمينه؛ لأن المحراب عن يمينه، وهذا ما يحتاج إلى هذا الخلاف.
يقول: (أو موضع عالٍ) يعني: إذا لم يوجد منبر، فعلى موضع مرتفع، ولو كومة من التراب؛ من أجل أن يبرز أمام الناس، وكما ذكرنا قبل قليل؛ لأن ذلك أبلغ في الصوت، وأبلغ في التلقي عن الخطيب؛ لأن من يشاهد يتلقى منه أكثر.
ثم قال: (وأن يُسَلِّم على المأمومين إذا أقبل عليهم) يعني يسلم الإمام إذا صعد المنبر على المأمومين، يتجه إليهم ويسلّم؛ لأن ذلك روي عن النبي ﵊ (٨)، وأجمعت الأمة على العمل به، فهو وإن كان من حيث الحديث المرفوع، وإن كان ضعيفًا، لكن الأمة عملت به، واشتهر بينها أن الخطيب إذا جاء وصعد المنبر فإنه يسلم على الناس، وهذا التسليم العام.
أمّا الخاص؛ وهو أنه إذا دخل المسجد سلّم على من يلاقيه أولًا، فهو أيضًا من السنة بناءً على النصوص العامة؛ أن الإنسان إذا أتى قومًا فإنه يُسلّم عليهم، فيكون إذن، يكون للإمام سلامان:
السلام الأول: إذا دخل باب المسجد سلّم على من حوله، على من يمر به، والثاني: إذا صعد المنبر، فإنه يسلّم تسليمًا عامًّا على جميع المصلّين.
(ثم يجلس إلى فراغ الأذان) يعني إذا سلم جلس حتى يفرغ المؤذن، وفي هذه الحال يتابع المؤذن على أذانه؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (٩)، وهذا عام، فينبغي للإمام وهو على المنبر أن يجيب المؤذن، وكذلك المأمومون يجيبون المؤذن، فيقولون مثل ما يقول، إلا في الحيعلتين؛ فإنهم يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2370
(ويجلس بين الخطبتين) نعم؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يجلس بين الخطبتين (١٠)، ولأنه لو لم يجلس لم يتبين التمييز بينهما؛ إذ قد يظن الظان أنه سكت لعذر منعه من الكلام، لكن إذا جلس تميزت الخطبة الأولى من الثانية، فهذا دليل وتعليل.
الدليل ما هو؟ فعل النبي ﷺ .
والتعليل؟ التمييز بين الخطبة الأولى والثانية، وذلك لأنه لو لم يجلس فإنه وإن وقف عن الكلام قد يظن الظانّ أنه وقف لعذر.
(ويخطبُ قائمًا) يعني: يسن أن يخطب قائمًا؛ لفعل النبي ﷺ ؛ ولأن ذلك أبلغ بالنسبة للمتكلم؛ لأن القائم يكون عنده من الحماس أكثر من الجالس؛ ولأنه أبلغ أيضًا في إيصال الكلام إلى الحاضرين، لا سيما في الزمن السابق ليس فيه مكبر صوت، فلذلك نقول: يسن في الخطبتين أن يكون قائمًا للدليل والتعليل؛ أما الدليل؛ ففعل النبي ﷺ ، وأما التعليل؛ فما سمعتم أنه أبلغ، لا بالنسبة للخطيب؛ لأنه يتحمس أكثر إذا كان قائمًا، وأبلغ أيضًا في إسماع الحاضرين.
قال: (ويَعْتَمد على سيف أو قوس أو عصا) يعني يُسَنّ أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا، واستدلوا بحديث يروى عن النبي ﷺ في صحته نظر، ثم إنه على تقدير صحته قال ابن القيم: إنه لم يحفظ عن النبي ﷺ بعد اتخاذ المنبر أنه اعتمد على شيء، ووجه ذلك: أن الاعتماد إنما يكون عند الحاجة، فإن احتاج الخطيب إلى اعتماد مثل أن يكون ضعيفًا يحتاج أن يعتمد على عصا، فهذا سنة؛ لأن ذلك يعينه على القيام الذي هو سنة وما أعان على السنة فهو سنة، أمّا إذا لم يكن هناك حاجة فلا حاجة إلى حمل العصا.
стр. 2371
ثم إن تعليلهم بأنه إشارة إلى أن هذا الدين فتح بالسيف، هذا فيه نظر أيضًا، الدين لم يفتح بالسيف؛ لأن السيف لا يستعمل في الدين إلا عند المنابذة، إذا أبى الكفار أن يسلموا أو يبذلوا الجزية فإنهم يقاتلون، أما إذا بذلوا الجزية فإنهم يتركون، هذا هو القول الذي تدل عليه الأدلة.
ثم إن الإسلام -في الحقيقة-لم يفتح المسلمون البلدان إلا بعد أن فتحوا القلوب، فتحوا القلوب أولًا بماذا؟ بالدعوة إلى الإسلام وبيان محاسن الإسلام، بيان محاسن الإسلام بالقول وبالفعل، وليس كزماننا اليوم نبين محاسن الإسلام بالقول، هذا إن بيناها فإنها تبين بالقول، أما بالفعل فنسأل الله أن يوفق المسلمين للقيام بالإسلام.
الفعل؛ إذا رأى الإنسان الأجنبي من البلاد الإسلامية، إذا رأى ما عليه المسلمون من الأخلاق التي لا تمت إلى الإسلام بصلة فإنه يقول: أين الإسلام؟ !
لأنه مع الأسف أن المسلمين اليوم فيهم الكذب، فيهم الغش، فيهم الظلم والجور، وكل هذه تنافي الدين الإسلامي.
فالإسلام في الحقيقة إنما فتحت البلاد به لا بالسيف، السيف يُستعمل متى؟
عند الضرورة إليه، إذا لم يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فحينئذ نستعمل السيف، وأيضًا لا نستعمل السيف يا إخواننا إلا بعد الكثرة، أما أن نستعمل السيف وأعداؤنا أكثر منا بكثير وأقوى منا فهذا يعتبر تهورًا، هذا من التهور، ولهذا أباح الله لنا أن لا نقابل أكثر من مثلينا.
ماذا قال الله ؟ ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
стр. 2372
فأقول: إن التعليل بأن الدين فَتَح بالسيف فيه نظر جدًّا، وفيه أيضًا استغلال للكفار حيث يقولون: إنكم أنتم أيها المسلمون فتحتم بلادنا في الأول بالقوة والسيف، ما فتحتموها بالدعوة، بل بالقوة.
يقول: (وأن يقصد تلقاء وجهه)، (يقصد) يعني: يستقبل، (تلقاء وجهه): ما يتجه لليمين أو لليسار، بل يكون أمام الناس؛ لأنه إن اتجه إلى اليمين أضر بأهل اليسار، وإن اتجه إلى اليسار أضر بأهل اليمين، وإن اتجه تلقاء وجهه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لم يضر بأحد، هذا هو طبيعته، والناس هم الذين ينصرفون إليه، فإن قال قائل: هل من السنة أن يلتفت يمينًا وشمالًا؟
نعم، الظاهر أن هذا ليس من السنة، وأن الخطيب يقصد تلقاء وجهه، ومن أراده التفت إليه.
وهل من السنة أن يحرك يديه عند الانفعال؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: بإصبعه.
الشيخ: الإصبع يشير به عند الدعاء.
لا، إنما يقول: يا أيها الناس اتقوا الله، خافوا الله، إن كان عندهم عصا ضرب بها، هل هذا من السنة؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس من السنة، وإن كان بعض الخطباء بلغني أنهم يفعلونه، لكنه ليس من السنة، أما الخطبة التي غير خطبة الجمعة، فهذا قد نقول: إنه من المستحسن أن الإنسان يتحرك بحركات تناسب الجُمَل التي يتكلم فيها، أما خطبة الجمعة فإن المغلّب فيها التعبد، ولهذا أنكر الصحابة ﵃ على مروان بن الحكم حين رفع يديه في الدعاء، مع أن الأصل في الدعاء رفع اليدين، لكن أنكروا عليه؛ لأن خطبة الجمعة يغلب فيها جانب التعبد، فلا يشرع فيها إلا ما جاء عن النبي ﷺ فقط.
(ويقصد تلقاء وجهه، ويقصر الخطبة) (يقصر الخطبة) يعني: يجعلها قصيرة، كقول النبي ﷺ : «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» (١١).
فالأولى أن يقصر الخطبة؛ لأن في تقصير الخطبة فائدتين:
стр. 2373
الفائدة الأولى: أن لا يحصل الملل للمستمعين؛ لأن الخطبة إذا طالت، ولا سيما إن كان الخطيب يلقيها إلقاءً عابرًا، لا يُحرك القلوب ولا يبعث الهمم، فإن الناس يَمَلُّون، يتعبون منها، وإن كانوا جلوسًا يَمَلُّون.
الفائدة الثانية: أن ذلك أوعى للسامع.
وأيش معنى أوعى؟ يعني: أحفظ للسامع؛ لأنها إذا طالت أضاع آخرُها أولَهَا، وإذا قصرت أمكن وعيها وحفظها؛ ولهذا قال النبي ﵊: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ» أي: علامة ودليل عَلَى فقهه، وأنه يراعي أحوال الناس.
أحيانًا تستدعي الحال إلى التطويل، فإذا أطال الإنسان أحيانًا، لاقتضاء الحال ذلك فإن هذا لا يخرج عن كونه فقيهًا؛ وذلك لأن الطول والقِصَر أمر نسبي.
وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يخطب أحيانًا بسورة (ق) (١٢)، وسورة (ق) مع الترتيل والوقوف على كل آية تكون طويلة لا شك.
(ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين) يعني: ينبغي أيضًا أن يدعو في خطبته للمسلمين، أئمتهم ومأموميهم؛ يعني الرعية والرعاة؛ لأن ذلك الوقت ساعة ترجى فيه الإجابة، والدعاء للمسلمين لا شك أنه خير، فلهذا استحبوا أن يدعو للمسلمين.
ولكن قد يقول قائل: كون هذه الساعة مما تُرجى فيه الإجابة، وكون الدعاء للمسلمين فيه مصلحة عظيمة موجود في عهد الرسول ﵊، وما وجد سببه في عهد النبي ﷺ ولم يفعله فتركه، هو السنة.
وهذه من القواعد المفيدة لطالب العلم: كل شيء وجد سببه في عهد النبي ﵊ ولم يفعله فتركه سنة؛ لأننا نقول: ما الذي جعل النبي ﷺ لا يفعله؟ هل هو جاهل في الحكم؟ كلا.
стр. 2374
هل هو متهاون به؟ كلا، لو كان شرعًا لله لفعله الرسول ﵊، فهذان السببان، وهما: أن هذه ساعة ترجى فيها الإجابة، وأن الدعاء للمسلمين عمومًا من الأمور المطلوبة، هذان السببان موجودان في عهد الرسول ﵊ أو معدومان؟
موجودان.
هل فعل؟
طلبة: لا.
الشيخ: حينئذ نقول: لا بد من دليل خاص يدل على أن النبي ﷺ كان يدعو للمسلمين، فإن لم يوجد دليل خاص فإننا لا نأخذ به، ولا نقول: إنه سنة، وأنه من سنن الخطبة، غاية ما نقول: إنه من الجائز، لكن قد روي أن النبي ﷺ كان يستغفر للمؤمنين في كل جمعة (١٣).
فإذا صح هذا الحديث فهو أصل في الموضوع، وحينئذ لنا أن نقول: إن الدعاء سُنّة، أما إذا لم يصح فإننا قد نقول: إن الدعاء جائز، وحينئذ، حينما نقول إنه جائز: لا يتخذ سنة راتبة يواظب عليها الخطيب؛ لأنه إذا اتخذه سنة راتبة وواظب عليه فهم الناس أنه سُنّة، وكل شيء يوجب أن يفهم الناس منه خلاف حقيقته في الواقع فإنه ينبغي تجنبه.
طالب: بعض الخطباء الموجودون الآن يلمزون لبعض الناس -علماء أو غيرهم- يلمزونهم، أو يغتابونهم ( ... )، أنهم فعلوا، وأنهم كذا جاهلون، هذا كلام ( ... ) ..
الشيخ: ويش يعني؟ يعني يغتابون الناس؟
الطالب: إي، أثناء الخطبة، يتكلمون، يقولون: إن العلماء أضل، يقولون: فعلوا كذا، وفعلوا كذا، أي إما تصريحًا يصرح بالشخص، أو وصفًا يفهمه الناس، وهذا كذب.
الشيخ: والله هذه إذا كان المقصود التحرير، مثل لو أن عالمًا قام يدعو إلى بدعة فقام الخطباء يبينون هذا: من الناس من يقوم يدعو إلى كذا ويحذر، هذا طيب.
الطالب: ( ... ).
طالب: شيخ، النبي ﷺ قال: «خَيْرُ السَّرِايَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» (١٤)، دليل على أنه ممكن مواجهة الكفار ولو كنا أقل منهم؟
стр. 2375
الشيخ: إي، هو الإمكان قد يمكن، لكن لن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة، الآن لا يوجد من أسباب النصر إلا القليل.
طالب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
الشيخ: ما يخالف، إذا أعددنا لا بأس، ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ من قوة مادية ومعنوية، الآن في المسلمين -وبالأخص الذين تولوا أمر المسلمين- فيهم من يستحقون أن يجاهدوهم.
طالب: شيخ، ( ... ) زيادة الدرجة على ثلاث.
الشيخ: ما نرى هذا، نرى هذا أمرا عاديا، ما فيه تعبد.
طالب: ما نقول إنه بدعة؟
الشيخ: ما نقول إنه بدعة، لا.
طالب: قلنا: إن الصحيح أنه لا يشترط الصلاة على رسول الله في الخطب، والشارع لا يذم إلا على الفعل، لا يذم ذمًّا شديدًا إلا على الفعل المحرم أو ترك الورع، مع إنك قلت في الحديث: ما من قوم يستمعون ( ... ) إذا قاموا في مقام ..
الشيخ: يجلسون مجلسا.
الطالب: نعم.
الشيخ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ .. » (١٥).
الطالب: ثم قاموا ..
الشيخ: إي، لكن بس كون نجعله شرطًا في الخطبة خاصًّا فيه نظر.
قد نقول: إن القوم إذا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم تابعوه ثم صلوا عليه بعد الأذان، حصل المقصود.
طالب: شيخ، الصلاة على الرسول واجبة في المجلس.
الشيخ: فيها خلاف، بعض العلماء يرى أنها واجبة، وبعضهم يقول: ليست بواجبة، ظاهر الحديث أنها واجبة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا، صلوا الناس، صلوا على النبي ﷺ بعد الأذان *** ( ... ) وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
صلاة الجمعة تمتاز عن غيرها بشروط خاصة، منها؟
طالب: الوقت ( ... ).
الشيخ: ( ... ) من الخطبتين فيما بعد.
طالب: يتقدمها خطبتان، لا بد أن يتقدمها خطبتان.
الشيخ: لا بد أن يتقدمها خطبتان، ما هو الدليل على هذا؟
стр. 2376
طالب: الدليل فعل النبي ﷺ ، حيث كان يواظب عليهما مواظبة تامة، غير منقطعة، وهذا يدل على وجوبهما.
الشيخ: أيضًا أمر الله؟
طالب: بهما، بالسعي إليهما.
الشيخ: بالسعي إليهما من بعد نداء الجمعة.
طالب: وما كان السعي إليه واجب فهو واجب.
الشيخ: نعم، ونهى عن الكلام؟
طالب: فيهما.
الشيخ: حال الخطبة، ما تقول في رجل خطب خطبتين بعد صلاة الجمعة؟ ماذا يصنعون؟ صلى ثم خطب خطبتين.
طالب: لأنه يشترط تقدم الخطبتين.
الشيخ: المهم فعلوا هذا وجاءوا يسألون، ماذا نقول لهم؟
طالب: يصلونها ظهرًا.
الشيخ: يصلونها ظهرًا، ولو كان الوقت باقيًا؟ لو أنهم جاءوا يسألون قبل أن يؤذن العصر؟
طالب: لا، ما يصلون.
الشيخ: ويش يسوون؟
( ... )
طالب: يعيدون الخطبة والصلاة إذن الصلاة مبنية على ( ... )؛ يعني يخطب إذا كان ..
الشيخ: يعيد الخطبة والصلاة.
طالب: إذا بقي هناك وقت.
طالب آخر: نفس الذي قال: إذا بقي وقت للخطبة.
الشيخ: إي، باقي وقت؛ يعني باقي ساعة أو ساعتين.
طالب: يعيدون الجمعة.
الشيخ: ويش يعيدون؟
طالب: يعيدون الجمعة والخطبة.
الشيخ: الخطبة والجمعة.
طالب: نعم.
طالب آخر: تبقى الخطبتان، ويعيدون الصلاة.
الشيخ: يعيدون الصلاة فقط؟ ما تقولون؟ عندنا قولان الآن.
طلبة: الأخير.
الشيخ: الثاني هو الصحيح.
طالب: الفاصل.
الشيخ: الفاصل ما يضر، لا يشترط الموالاة، إذن يعيدون الجمعة فقط.
ما تقول في رجل خطب خطبة بليغة جدًّا جدًّا، ولكنه لم يقرأ فيها شيئًا من القرآن؟
طالب: على المذهب ..
الشيخ: كلام المؤلف، إي نعم، المذهب.
طالب: لا تصح الخطبة.
الشيخ: لا تصح الخطبة، ويتفرع على هذا أنها لا تصح الجمعة، تمام؛ لأنه من شرط الخطبتين أن تشتمل على قراءة آية.
خطب رجل وصلى آخر؟
طالب: تصح يا شيخ.
الشيخ: تصح؟
طالب: إذا خطب رجل وصلى آخر تصح.
الشيخ: تصح؟
طالب: نعم؛ لقول المؤلف: (ولا يشترط لهما الطهارة، ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة).
стр. 2377
الشيخ: نعم، ما تقولون في قوله؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، ولكن استدلاله غير صحيح؛ لأنه قال: لقول المؤلف، وهذا يقتضي أن قول المؤلف حجة ودليل، إلا أن تقول: إني أنا مقلد، على كل حال نقول: إنها لا تصح؛ لأن الخطبتين أتتا على وجه صحيح والصلاة أيضًا على وجه صحيح، لكن الأفضل أن يتولاهما من يتولى الصلاة.
رجل خطب مضطجعًا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: تجزئ الخطبة؟ تجزئ.
طالب: ومن سننهما أن يقف في الخطبة.
الشيخ: لأن من سننهما أن يخطب قائمًا، صحيح.
ما تقول في رجل خطب مستدبرًا الناس؟
طالب: تصح، ولكن خلاف السنة، على قول المؤلف.
الشيخ: نعم، وهو كذلك، تصح ولكنه خلاف السنة، السنة: أن يقصد تلقاء وجهه، نعم.
أيهما أفضل أن يطول الخطبة أو يقصر؟
طالب: التقصير.
الشيخ: التقصير.
طيب، لو دعت الحاجة إلى التطويل؟
طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، لكن الأفضل أن يكون الراتب هو التقصير.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل. والجمعة ركعتان).
(الجمعة ركعتان): بالنص والإجماع، أما النص: فإن هذا أمر متواتر مشهور عن النبي ﵊ أنه كان يصلي الجمعة ركعتين فقط، وأما الإجماع: فهو أيضًا إجماع متواتر لم يختلف أحد من المسلمين فيه، فالجمعة ركعتان.
وفي هذا دليل على أن الجمعة صلاة مستقلة، وليست ظهرًا ولا بدلًا عن الظهر، ومن زعم أنها ظهر مقصورة فقد أبعد النجعة، ومن زعم أنها بدل عن الظهر فكذلك، بل الجمعة صلاة مستقلة لها شرائطها الخاصة، ولها صفتها الخاصة؛ ولذلك تصلى ركعتين ولو في الحَضَر.
стр. 2378
قال: (يسن أن يقرأ جهرًا) هذه مما تختلف فيه عن صلاة الظهر، أنه تسن القراءة بها جهرًا؛ أي أن الإمام يجهر في القراءة من بين سائر الصلوات النهارية، ونحن إذا تأملنا الصلوات الجهرية وجدنا أنها الصلوات الليلية المكتوبة: المغرب، والعشاء، والفجر، وأنها أيضًا الصلاة ذات الاجتماع العام مثل: الجمعة، والعيد، والكسوف، والاستسقاء؛ لأن هذه يجتمع فيها الناس اجتماعًا عامًّا، فالسنة في الكسوف مثلًا أن تصلى في الجامع، يصليها أهل البلد كلهم في مسجد واحد، هذه السنة، كذلك في صلاة الاستسقاء، كذلك في صلاة العيد، وكذلك في صلاة الجمعة.
والحكمة من ذلك أنه يجهر في هذه الصلوات ذوات الاجتماع العام، الحكمة من ذلك هو إظهار الموافقة والائتلاف التام؛ لأنه إذا كان الإمام يجهر صارت قراءته قراءة للجميع، فكأنه عنوان على ائتلاف أهل البلد كلهم، واضح؟
أما في الليل، فالحكمة من ذلك هو أنه قد يكون أنشط للمصلين إذا استمعوا القراءة، ولا سيما إذا كان الصوت جيدًا، والقراءة لذيذة، فإن الناس سوف ينشطون أكثر، ولأجل أن يتواطأ القلب واللسان من جميع الحاضرين.
وقوله: (يُسَن أن يقرأ جهرًا): يؤخذ منه أنه لو قرأ سرًّا لصحت الصلاة، لكن الأفضل جهرًا.
(في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين) يعني يقرأ في الأولى بـ (الجمعة)، ويقرأ في الثانية بـ (المنافقون)، ثبت ذلك عن النبي ﷺ (١٦)، والمناسبة فيها ظاهرة، أما (الجمعة): فالمناسبة أظهر من الشمس؛ لأن فيها ذكر الأمر بالسعي إلى صلاة الجمعة، وأما (المنافقون): فالمناسبة ظاهرة، من أجل أن يصحح الناس قلوبهم ومسارهم إلى الله تعالى كل أسبوع، ينظر الإنسان في قلبه، هل هو من المنافقين أو من المؤمنين؟ فيحذر ويطهر قلبه من النفاق.
стр. 2379
وفيه أيضًا من الفائدة أخرى: أن يقرع أسماعَ الناس التحذيرُ من المنافقين كل جمعة؛ لأن الله قال فيها عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وهذا مناسبة تامة.
وله أن يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)، ثبت ذلك أيضًا في صحيح مسلم؛ أن الرسول يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية) (١٧)، فهل يجمع بين السورتين؟ أو هذه مرة وهذه مرة؟
نقول: هذه مرة، وهذه مرة، فإن الذي ثبت عن النبي ﵊ أنه كان يقرأ إما هذا وإما هذا، فالسنة أن يقرأ مرة بهذا ومرة بهذا، ولكن لو أن الإنسان راعى أحوال الناس؛ فصار في أيام الشتاء الباردة يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)؛ لأن الناس ربما يحتاجون إلى التبول، بواسطة البرودة، وفي أيام الحر الشديد أيضًا يقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)، لا سيما إذا كان المسجد ليس فيه تبريد كافٍ، فيقرأ بـ (سبح) و (الغاشية) من أجل التسهيل عليهم، وذلك أن من هدي النبي ﷺ أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (١٨)، والقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية هي اليسر، فإذا علمنا أن الأيسر على المصلين أن نقرأ بـ (سبح) و (الغاشية)، وذلك في شدة البرد وشدة الصيف، فالأفضل أن نقرأ بهما، وهي سنة ثابتة (١٧).
أما في الأيام المعتدلة الجو فينبغي أن يقرأ بهذا أحيانًا وبهذا أحيانًا؛ لئلا تهجر السنة؛ لأننا نذكر أن بعض شيوخنا كانوا يداومون على (سبح) و (الغاشية) لا يقرؤون سواها، فلما قرئ بهما -بسورة الجمعة و (المنافقون) - استنكروا هذا، قالوا: هذا تطويل، والرسول ﵊ نهى معاذًا عن التطويل، لماذا؟
لأنها لما هُجِرَتِ السنة صارت عند العامة كأنها بدعة، فالذي ينبغي للأئمة أن يراعوا السُنَّة الثابِتَةَ عن النبي ﷺ ، أما (سبح) و (الغاشية) فالمناسبة فيهما ظاهرة.
стр. 2380
لأن في (سبح): أمر الله تعالى بالتذكير فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: ٩، ١٠]، والإمام قد ذكر في الخطبة فينبه الناس على أنهم إن كانوا من أهل خشية الله فسوف يتذكرون.
وفي (الغاشية) واضح أيضًا المناسبة؛ ذكر يوم القيامة وأحوال الناس فيها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٢، ٣] و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٨، ٩]، وفيها أيضًا التذكير ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]، فالحاصل أن قراءة النبي ﷺ لهذه السور الأربع لا شك أنها من أعظم المناسبات.
يقول: (في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين) من هم المنافقون؟
المنافقون: هم الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وإن تسموا بالإسلام فهم كفار، بل أخبث من الكفار، وكل من أظهر حسنًا وأبطل سيئًا فهو شبيه بهم؛ ولهذا قال النبي ﵊: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (١٩).
(الجمعة) فيها أيضًا مناسبة عظيمة غير مسألة الأمر بالسعي للجمعة، وهي أن الله تعالى ذكر عن اليهود ﴿الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: ٥]، لم يعملوا بها أن مثلهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ تحذيرًا لنا من أن نكون مثلهم؛ لأن المسلمين لو أنهم لم يحملوا القرآن أي لم يعملوا به صاروا مثل اليهود أو أخبث منهم؛ لأن من مُيِّز على غيره بفضل كان تكليفه بالشكر أكثر، وهذه الأمة ميزت على غيرها بالفضل، فكان الواجب عليها أن تكون أفضل من غيرها عملًا.
ففيها تحذير ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ فيها تحذير لنا أن لا نحمل القرآن الكريم.
стр. 2381
يقول ﵀: (وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة)، هذا أيضًا من خصائص الجمعة؛ أنها تحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد، أما غير الجمعة فإنها تصلى في الدور.
أيش في الدور؟ الدور: الأحياء، ففي حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب (٢٠).
في الدور يعني؟
الأحياء، ولهذا يقال: دار بني فلان؛ أي: حيهم، ما سوى الجمعة يصلى في الأحياء، كل حي يصلي في مسجده، الجمعة يجب أن تكون في مسجد واحد؛ لأنها لو فرقت في مساجد الأحياء لانتفى المعنى الذي من أجله شرعت الجمعة، ولتفرق الناس، ولصار كل قوم ينفضُّون عن موعظة تختلف عن موعظة الآخر، فيتفرق البلد، ولا يشربون من نهر واحد، واضح؟
وأيضًا لو تعددت الجمع لفات المقصود الأعظم وهو جمع المسلمين وائتلافهم؛ لأنهم لو تُركوا، كل قوم يقيمون الجمعة في حيهم، لو تُركوا كذلك ما تعارفوا ولا تآلفوا، وبقي كل جانب من البلد لا يدري عن الجانب الآخر، فهذه من حكم الجمعة، أن يجتمع الناس في مكان واحد، وعلى إمام واحد، ويصدرون عن رأي واحد، ويشربون من نهر واحد.
ولهذا لم تقم الجمعة في أكثر من موضع لا في زمن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا في زمن الصحابة كلهم، ولا في زمن التابعين، وإنما أقيمت في القرن الثالث بعد مئتين وست وسبعين تقريبًا، فكان المسلمون إلى هذا الزمن يصلون على إمام واحد.
حتى إن الإمام أحمد سئل عن تعدد الجمعة، فقال: ما علمت أنه صُلى في المسلمين أكثر من جمعة واحدة.
الإمام أحمد توفي سنة مئتين وإحدى وأربعين، إلى هذا الحد لم تقم الجمعة في أكثر من موضع من البلد.
أقيمت في بغداد أول ما أقيمت لما صار البلد منشقا، فيه نهر بين الشرقي منه والغربي منه، فجعلوا فيها جمعتين؛ لأنه يشق أن يعْبُر الناس النهر كل أسبوع، فجعلت جمعتين.
стр. 2382
وعلي بن أبي طالب ﵁ في الكوفة أقام صلاة العيد في الصحراء، وجعل واحدًا من الناس يقيم في المسجد الجامع داخل البلد للضعفاء، فمن هنا ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن صلاة الجمعة يجوز تعددها لحاجة.
على كل حال، إقامتها في أكثر من موضع من البلد محرمة.
قد يقول قائل: ما هو الدليل على التحريم؟
نقول: الدليل أن النبي ﵊ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، وحافظ النبي ﷺ على صلاة في مسجد واحد طيلة حياته، والخلفاء من بعده، والصحابة من بعده، وهم يعلمون أن البلاد اتسعت؛ ففي عهد عثمان اتسعت المدينة فزاد أذانًا ثالثًا، جعل أذان أول، ثم أذان عند حضور الإمام، ثم الإقامة، ولم يعدد الجمع.
والجمعة في عهد الرسول ﵊ وأيضًا كانت أحياءً، العوالي بعيدة عن الجمعة، ومع ذلك يحضرون إلى مسجد النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن الجمعة لا بد أن تكون على إمام واحد وفي مكان واحد.
ولكن مع الأسف الآن أصبحت بلاد كثير من المسلمين، أو أصبح كثير من بلاد المسلمين لا يفرقون بين الجمعة وبين صلاة الظهر؛ أي أن الجمعة تقام في كل مسجد، فتفرقت الأمة، وصار الناس يقيمون صلاة الجمعة وكأنها صلاة ظهر.
وهذا لا شك أنه خلاف مقصود الشرع، وخلاف هدي النبي ﷺ ، ولهذا جزم المؤلف بتحريم إقامتها في أكثر من موضع من البلد.
قال: (إلا لحاجة)، والمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة؛ لأن هناك ضرورة وحاجة، الحرام لا يبيحه إلا الضرورة، والحاجة إنما تبيح المكروه فقط ولا تبيح المحرم، فالمراد بالحاجة هنا ما يشبه الضرورة، وأظنكم تعرفون الفرق بين الحاجة والضرورة.
طالب: لا
الشيخ: ما تعرف.
الحاجة: هي التي يكون بها الكمال، والضرورة: هي التي يندفع بها الضرر، هذا الفرق.
стр. 2383
يعني الحاجة أنك تحتاج للشيء لكن لو فات ما يضرك، والضرورة هي التي لو فات لضرك، هذا هو الفرق بين الحاجة والضرورة.
ولهذا نقول: المُحَرَّم لا تبيحه إلا الضرورة، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
والمكروه أخف تبيحه الحاجة.
ما هي الحاجة؟
لم يبين المؤلف ﵀ الحاجة، ولكن تعرف مثلًا إذا ضاق المسجد عن أهله ولم يمكن توسيعه، هذه حاجة؛ لأن الناس لا يمكن أن يصلوا في الشمس في أيام الصيف، ولا في المطر في أيام الشتاء، فإذا كان الناس كثيرين والمسجد ضيقًا فهذا حاجة.
ثانيًا: إذا تباعدت أقطار البلد، وصار الناس يشق عليهم الحضور، فهذا أيضًا حاجة لا شك.
ولكن في عصرنا الآن، هل هناك حاجة؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم، ليس هناك حاجة من جهة البعد، لكن هناك حاجة من جهة الضيق؛ لأن الذين يأتون بالسيارة من أماكن بعيدة يحتاجون إلى مواقف، وقد لا يوجد مواقف، قد يبقى الإنسان يدور والإمام يخطب ويصلي وهو يدور، لم يجد مكانًا يقف فيه، فهذه حاجة.
لكن إذا كان هناك مواقف، أو كانت السيارات قليلة فإنه يجب على الإنسان أن يحضر ولو بعيدًا، ويقال للقريبين: لا تأتوا بالسيارات، ينبه على القريبين أنهم لا يأتون بالسيارات؛ لأجل أن يفسحوا المجال لمن كانوا بعيدين.
ومن الحاجة أيضًا: أن يكون بين أطراف البلد حزازات وعداوات يخشى إذا اجتمعوا في مكان واحد أن تثور فتنة، فهنا لا بأس بأن تتعدد الجمع، لكن هذا مشروط بما إذا تعذر الإصلاح، أما إذا أمكن الإصلاح وجب الإصلاح وتوحيدهم على إمام واحد، لكن لو تعذر فحينئذ لا يمكن أن نجمعهم في مكان واحد تثور الفتنة فيما بينهم، فإذا كان يمكن الإصلاح وجب، إذن هذا -أعني خوف الفتنة- إنما يكون عند تعذر الإصلاح.
أما إذا أمكن الإصلاح فهذا هو الواجب، هل من الحاجة أن يكون الإمام مُسبلًا؟
الجواب: لا.
стр. 2384
هل من الحاجة أن يكون فاسقًا؟ يعني فيقول الناس مثلًا: نحن لا نصلي خلف هذا الفاسق، نريد إمامًا عدلًا، وإلا لم يقم الجمعة في مسجدنا، بإمام نرضاه.
نقول: لا، هذا ليس من الحاجة؛ لأن الصحابة صلوا خلف الحجاج بن يوسف، وهو من أشد الناس ظلمًا وعدوانًا؛ يقتل العلماء ويقتل الأبرياء، وكانوا يصلون خلفه.
وعلى هذا فنقول: إن اختلاف الناس مع الإمام من أجل فسوقه ليس بحاجة في تعدد الجمعة، بل الصحيح أنه يجوز أن يكون الإمام فاسقًا ولو في غير الجمعة؛ يعني معناه يجوز أن تصلي خلف الفاسق ولو في غير الجمعة، ما لم يكن فسقه إخلالًا بشرط من شروط الصلاة يعتقده هو شرطًا، فحينئذ لا نصلي خلفه.
أما إذا كان إخلاله بشرط من شروط الصلاة نعتقده نحن شرطًا وهو لا يعتقده فهذا لا يضر، مثل: أن نعتقد أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، والإمام يعتقد أنه لا ينقض ثم صلى بنا فإننا، نصلي خلفه.
لأن هذا اختلاف اجتهاد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، نحكم على الإنسان ظاهريًّا إن أظهر صفة من صفات النفاق؟
الشيخ: لا، نحكم عليه بأنه منافق في هذه الخصلة.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم، ( ... ) علينا بأن الحجاج له سلطة على الصحابة، لو صلى في مسجد آخر ( ... )، إنما لو كان فاسقًا يعني ليس له سلطة تُقدِّمه.
الشيخ: لا هذا غير وارد؛ لأن مثل ابن عمر ﵁ ما يهمه الحجاج، ما يهمه أن يصلي في مسجد آخر يقيم الجمعة وهو يدع الحجاج.
طالب: يؤذيه، يقتله.
الشيخ: لا ما يقتله أبدًا، لا، هو يتودد إليه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا تعددت الجمع في بلد واحد وكان ( ... ).
الشيخ: بيجينا إن شاء الله، إذا تعددت.
طالب: بعض الناس في الصلاة يقرأ آيات مناسبة للخطبة غير (الجمعة) و (المنافقون)؟
الشيخ: هذا خلاف السنة.
طالب: جائز هو؟
الشيخ: هو جائز، لكن خلاف السنة، السنة أن تقرأ بهذه السور الأربعة.
стр. 2385
طالب: بعض الأئمة يخطب بالناس ثم يغير صوته فيما يتلو في آية من الآيات، هل هذا نقول: إنه بدعة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ؟ ولّا نقول: إنه لا بأس؛ لأنه يؤثر في الناس، و ( ... )؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ يقول: لو أن الإمام إذا أراد أن يتلو الآية في الخطبة رتلها كما يرتلها خارج الخطبة، هل نقول: هذا بدعة أو نقول إنه سنة؟ أو نقول إنه حسن، لا بأس به وهو حسن؟
المعروف عند علمائنا ومشايخنا أنهم لا يغيرون، يجعلون التلاوة واحدة وأنا لا أظن أن في هذا بأسًا ولكنه خلاف ما نعتاده، فهو بدعة عرفية، لا بدعة شرعية.
طالب: أحسن الله إليك، لو قال رجل: إن النبي ﷺ ما عدد الجمع في عهده، فإن الصحابة كانوا يحبون شهود الجمعة مع النبي ﷺ ، قصة بني سلمة وبكر.
الشيخ: أنا أنصحك أنت وإخوانك، أنصحكم عن هذه الإيرادات البعيدة، فكروا في الأمر، الصلوات الخمس يصلون في أحيائهم، ثم إذا سلمنا جدلًا كما قلت، فهل الخلفاء الراشدون مثل الرسول ما عددوها واللي بعدهم التابعون ما عددوها؟
ولهذا أنا قلت لكم كثيرًا، وأقول كثيرًا: الاحتمالات العقلية لا توردونها على الأدلة الشرعية، ترى هذا يفتح لكم جدلا ( ... ).
سألني سائل اليوم في الصباح سؤالا -الحقيقة اقشعر منه الجلد- قال: إن الله قال عن أهل النار: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟
طالب: لا حول ولا قوة إلا بالله.
طالب آخر: صدق الله، كما قال الله .
طالب آخر: أنكر عليهم.
الشيخ: هذه خطيرة، الله يقول: ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، نقول: كيف يعودون وهم قد ذاقوا العذاب؟ ! ما نعرف، هل نسوا؟ هل حصل لهم شيء؟
следующие страницы →