Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الشيخ: ليس لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الْخُمُس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنه إذا لم يكن خُمُسٌ فهم يستحقون الزكاة قطعًا ولا إشكال فيه، بخلاف بني هاشم.
إذن بنو المطلب حُكْمُهم في مَنْع الزكاة حُكْم بني هاشم، حُكْمُهم في استحقاق الْخُمُس كبني هاشم.
بنو عمهم: النَّوْفَلِيُّون والعَبْشَمِيُّون هل هم كَهُمْ؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس لهم حق من الْخُمُس، ولهم الأخذ من الزكاة.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد ﵀، والصحيح الرواية الأخرى -وهي المذهب- أنه يصح دفْعُ الزكاة إلى بني عبد المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد، ويُجاب عن تشريكهم في الْخُمس بأن مبناه على المناصرة والمؤازرة، بخلاف الزكاة، فهم لَمَّا آزروا بني هاشم وناصروهم أُعطُوا جزاءً لفعلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر، فالصحيح أن بني المطلب يصح دفْعُ الزكاة إليهم.
قال المؤلف: (ولا إلى مواليهما)؛ أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب لا تُدفع الزكاة إليهم؛ لقول النبي ﵌: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (٦).
فإذا قلنا بجواز دفع الزكاة إلى بني المطلب؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: جاز دفْعُ الزكاة؟
طلبة: إلى مواليهم.
الشيخ: إلى مواليهم.
إذا قال قائل: هل هؤلاء الآن موجودون؟ -أعني بني هاشم وبني المطلب- قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن من أثبت مَن يكون نسبًا من بني هاشم ملوكَ اليمن، الأئمة الذين انقضت ملكيتهم بثورة الجمهوريين عليهم قريبًا، فهم منذ أكثر من ألف سنة مُتَوَلُّون على اليمن، ونَسَبُهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم، ويوجد أناس كثيرون أيضًا ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم، قلنا: لا تحل لك الزكاةُ؛ لأنك من آل الرسول ﵌.
стр. 3257
ثم قال المؤلف: (ولا إلى فقيرةٍ تَحْت غنِيٍّ مُنْفِق)، (ولا إلى فقيرة) (فقيرة) هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير؟
طلبة: امرأة.
الشيخ: امرأة فقيرة، (تحت غني منفق)، اشترط المؤلف شرطين: أن تكون تحت غني، وأن يكون هذا الغني مُنْفِقًا، أي: باذلًا للنفقة، فلا تُدفع إليها؛ لأنها في الحقيقة غيرُ فقيرة؛ إذ إن زوجها الذي ينفق عليها قد استغنَتْ به، لكن لَمَّا كان نظرُنا إلى ذات المرأة يَجْعلنا نحكم بفقرها قلنا: هي فقيرة، ومع ذلك:
طالب: لا تحل لها الزكاة.
الشيخ: لا تحل لها الزكاةُ، والعلة في هذا ظاهرة؛ أنها مُستغنية بإنفاق زوجها عليها، فإن كانت تحت فقير، امرأة فقيرة وزوجها فقير هل تحل لها الزكاة؟
طلبة: نعم.
طالب: كليهما ( ... ).
الشيخ: أنا أسأل عنها هي؟
طلبة: نعم تحل.
الشيخ: تحل. وتحل لزوجها أيضًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وتحل لزوجها؛ لأن الوصف مُنْطَبِق عليه.
قال: وإذا كانت تحت غني مِلْيارِيٍّ، لكنه أبْخلُ مِن أشعب فهل تُعطَى؟
طلبة: نعم، تُعطَى.
الشيخ: نعم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تُعطَى من الزكاة؛ لأنها فقيرة، فإن قال قائل: لماذا لا تقولون لها: طالِبِي الزوج، ارفعيه إلى المحكمة؟
قلنا: لا نقول لها ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه مشاكلُ، قد يُفضِي إلى أن يطلقها، وهذا ضرر عليها، ودفْعُ حاجتها لدفع هذا الضرر لا شك أنه مما تأتي به الشريعة.
يقول المؤلف: (ولا إلى فرعه وأصله)، (فرعه): مَن كان هو أصلًا له. (وأصله): من كان هو فرعًا لهم، هذا تعريف. فرْعُه مَن هو أصلهم، وأصْلُه مَن هو فرعهم، نعم؟
طالب: صحيح.
الشيخ: هذا لا يعطي تصورًا لهذا، الأصل هم الآباء والأمهات وإن عَلَوْا، والفرع.
طلبة: هم الأبناء.
الشيخ: هم الأبناء والبنات وإن نزلوا، سواء كانوا وارثين أو غير وارثين.
وعلى هذا فلا يَدفع زكاتَه إلى جدته، لا من قبل أبيه ولا من قبل أمه، ولا إلى بنته، ولا بنت ابنه، ولا بنت بنته؛ لأن كل هؤلاء؟
طلبة: أصول وفروع.
стр. 3258
الشيخ: أصول وفروع، والمؤلف ﵀ لم يقيد الأصل والفرع، يعني: لم يقل: ولا إلى فرعه الوارث، أو أصله الوارث، فيشمل الوارث وغير الوارث، وعلى هذا فبِنْتُ البنت لا يَدفع لها زكاتَها، وأمُّ الأم لا يَدفع لها زكاتَها؛ وأبو الأم لا يَدفع له زكاتَه، وهَلُمَّ جرًّا، لماذا؟
قال: لأن الأصل والفرع تَجِب النفقةُ عليهما بكل حال، إذا كانوا فقراء وهو غني فإن النفقة واجبة عليه لهما سواء كانوا وارثين أو غير وارثين، ولكن يقال: استحقاق الزكاة مقيد بأيش؟ بوصف، مُقَيَّد بوصف الفقر، المسكنة، العَمَالَة، وهكذا.
فكل مَن انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة، ومَنِ ادَّعى خروجَه فعليه الدليل، وليس في المسألة دليل، ولهذا نقول: القول الراجح الصحيح أنه يَجُوز أن يدفع الزكاة إلى أصله وفرعه ما لم يدفع بِها واجبًا عليه، انتبه.
الصحيح أنه يَجوز أن يدفع الزكاةَ إلى أصله وفرعه -أبيه وأمه، وجدِّه وجدته، وابنه وبنته- ما لم يُسقِط بها واجبًا عليه، يعني: ما لم تَجب نفقتُهم عليه، فإنْ وجبَتْ نفقتُهم عليه فلا يجوز أن يدفع الزكاةَ؛ لأن معنى ذلك أنه أسقط النفقة عن نفسه.
وعلى هذا فإذا كان له جَدٌّ وأبٌ كلاهما فقير، لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه، فهنا لا يَجوز دفعُ الزكاة للأب، والجد؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لا يتسع مالُه للإنفاق عليه وهو فقير -الجد- يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، ويش المانع؟ لكن لو صاح الأب على ابنه قال: تُعْطِي يا القاطع يا العاق تُعْطِي جدَّك ولا تعطي أباك من زكاتك؟ ويش يقول؟ يقول: أنا أعطي أبي مما هو أطهر من الزكاة، من مالي الخاص، ولا أعطيه من أوساخي، أنا أعطي جدي الآن من الأوساخ، وأعطي أبي من الْمُنَظَّف الطاهر، واضح؟
طيب، عنده أمٌّ وجدة، ومالُه يتسع للإنفاق على الأم فهو ينفق عليها، ولكن لا يتسع للإنفاق على جدته، فهل يجوز أن يعطيها من الزكاة؟
طلبة: نعم.
стр. 3259
الشيخ: نعم، المذهب: لا يَجوز، المذهب لا يجوز، ويش نسوي؟ يرزقها اللهُ زكاةً من غيره، وهذا ضعيف جدًّا؛ قال النبِيُّ ﵊: «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (٣).
وأنا الآن لا أدفع عن نفسي، أو: لا أُسقِط عن نفسي واجبًا حتى يقال: إني حابَيْتُ نفسي.
طيب، لو كان غنيًّا ينفق على أبيه، وأبوه مُسْتَغْنٍ: إما بنفسه أو بإنفاق ولده، لكن عليه دَيْن يستطيع الولدُ أن يؤديَ الدَّيْن، لكن يقول: لا أؤديه، أنا أريد أن أقضي دَيْن أبي من زكاتي، هل يجوز؟
طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأنه لا يَجب على الابن.
طالب: وفاء الدين.
الشيخ: وفاءُ دَيْن أبيه، اللهم إلَّا إذا كان هذا الدَّيْن بسبب النفقة، يعني أن الأب يَحتاج ويشتري في ذمته فلَحِقَه الدَّيْن لشراء مَؤُونَتِه، ففي هذه الحال نقول: لا يجوز أن تقضي دَيْن أبيك من زكاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يُضَيِّق الإنسان على أبيه حتى يضطر إلى أن يستدين للنفقة، ثم يقول: أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي.
فلهذا نقول: يجوز أن يقضي الدين عن أبيه وأمه، أو ابنه وابنته، بشرط ألَّا يكون هذا الدين استدانه لنفقة واجبة على، على من؟ على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فإنه لا يقضي دينه منه؛ لأن ذلك يؤدي إلى التَّحَيُّل على إِلْجاء الأب إلى الاستدانة، ثم بعد ذلك يقضيه من زكاته فيُسقِط بذلك واجبًا عليه. نعم.
طالب: مثال.
الشيخ: هذا المثال، رجل أبوه فقير لكنه الابن غني وعنده زكاة، والأب يحتاج ويشتري بذمته لنفقته، فجاء الأب إلى الابن وقال: اقْضِ دَيْنِي، فهنا لا يقضي دينه من زكاته؛ لأن هذا الدين إنما لحق الأب بأيش؟
طلبة: بالنفقة.
الشيخ: بالنفقة، والنفقة واجبة على الابن، أما لو أن الأب لَحقه دين بسبب جائحة اجتاحت ماله أو حادث عليه أو ما أشبه ذلك فهنا يجوز أن يقضي دين أبيه من زكاته؛ لأنه لا يلزمه وفاءُ الدين عن أبيه.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
стр. 3260
الطالب: إحنا رجحنا إن موالي بني هاشم ما يأخذون الزكاة، يا شيخ لو قال قائل: إن معنى مولى القوم من العون والمساعدة مثل قوله ﷺ : «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» (٧).
الشيخ: نعم.
الطالب: ما هو معنى هذا ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: مولى القوم منهم يعني أنه تابع لهم، كقوله ﷺ : «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» فنُجيب عن ذلك بأن الحديث سببُه طلبُ الإعطاء من الزكاة فمَنَعَه من ذلك وقال: «إِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» (٦).
طالب: شيخ، رجل عنده قرابة لا يرثون لا من فرض ولا تعصيب، ولكن ( ... ) الأفضلية في التقديم كالأفضلية في ذوي الأرحام أو ..
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: يعني رجل عنده قرابة لكن لا يرث من فرض ولا تعصيب، ولا ..
الشيخ: يعني يريد أن ينفق عليهم؟
الطالب: لا، يعطيهم من مال الزكاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الأفضلية؟
الشيخ: الأفضل الأقرب فالأقرب.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذا كانوا في الحاجة سواءً.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: وإلَّا فالأحوج، حسب ذوي الأرحام، نعم.
طالب: بالنسبة للأخ يا شيخ يجوز أن يُنْفِق عليه مطلقًا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الأخ تجوز عليه النفقة مطلقًا؟
الشيخ: تَجب له النفقة ..
الطالب: لا، أقول هل يجوز صَرْف الزكاة له مطلقًا؟
الشيخ: إعطاء الزكاة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما لم تجب نفقته عليك.
الطالب: يعني ( ... ).
الشيخ: إي، ما وصلناه، بيذكره المؤلف ( ... ).
***
طالب: ولا إلى عبد وزوج، وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلًا، أو بالعكس لم يُجْزِه، إلَّا لغني ظنه فقيرًا، وصدقة التطوع مستحبة، وفي رمضان وأوقات الحاجات أفضل، وتُسَنُّ بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بمن يُنْقِصها.
الشيخ: بما؟ ويأثم؟
الطالب: (ويأثم بما يُنْقِصها).
الشيخ: لا، (بما يَنْقُصها)، من: (نَقَصَ)، (أَنْقَصَ) ما في اللغة العربية أَنْقَصَ.
стр. 3261
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكمُ دفعِ الزكاة إلى بني هاشم؟
طالب: لا يجوز يا شيخ.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل قولُ النبي ﷺ : «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» (٤) وبنو هاشم من آلِ محمدٍ.
الشيخ: طيب، هل في المسألة خلاف؟
طالب: إعطاء بني هاشم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بالنسبة للفريضة ليس فيها خلاف.
الشيخ: الزكاة، الزكاة، كلامنا في الزكاة.
الطالب: ليس فيها خلاف.
طالب آخر: ذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنهم يُعطَوْن من الزكاة إذا لم يكن خُمسٌ؛ دفعًا لضررهم.
الشيخ: نعم، يعني استثنى بعض العلماء -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- ما إذا لم يكن هناك خُمسٌ فإنهم يُعطَوْن دفعًا للضرورة، واستثنى بعض العلماء أيضًا استثناءً آخر؟
طالب: محمد؟
الشيخ: إي.
طالب: استثنوا إن كان به حاجة، كان فقيرًا.
طالب آخر: استثنَوْا زكاة الهاشمي لهاشمي.
الشيخ: زكاة الهاشمي لهاشمي مثله فقالوا: إنه لا بأس.
بعض العلماء استثنى ما إذا كان غازيًا أو غارمًا لإصلاح ذات البَيْن أو من المؤلفة قلوبهم، يقول: لأن الغازي لا يُعطَى لحاجته ولكن للحاجة إليه، والغارم لإصلاح ذات البَيْن كذلك، هو لا ينتفع بما يُعطَى، بل يُعطَى لإصلاح ذات البَيْن، والْمُؤَلَّف؛ لأنه خيرٌ له من أن يكون بعيدًا عن الإسلام، ولكن ظاهر النصوص العموم، وأنهم لا يُعطَون من ذلك، من الزكاة.
هل تُدفع الزكاة إلى مطلبي؟
طالب: لا.
الشيخ: من المطلبي؟
طالب: هم بنو المطلب.
الشيخ: بنو المطلب، ما صِلَتُهم ببني هاشم؟
طالب: إخوة، بَنُو عَمٍّ.
الشيخ: بنو عم، طيب، هل تُدفع إلى المطلبي أو لا؟ الزكاة؟
طالب: فيها خلاف.
الشيخ: نعم، فيها خلاف، بعض العلماء يقول:
الطالب: بعض العلماء يقول: تُدفع لهم.
стр. 3262
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟ نعم.
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنه ليس من آل البيت.
الشيخ: أنه ليس من آلِه، حجة القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا:
الطالب: مِنْ آلِهِ.
الشيخ: من آله، ولذلك لم تُدفع إلى بني نوفل وعبد شمس.
حجة القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول ﷺ : إنما بنو عبد مناف، وإنما بنو هاشم ..
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تدفع إليهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفع، إذا قلنا: تُدفع فالعلة لأنهم ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن تُدفع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
الطالب: قولُ الرسول ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (٥).
الشيخ: «وَبَنُو الْمُطَّلِبِ» ما هو عبد المطلب.
طيب، هذا واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعْب.
الشيخ: إي هذا تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: وكان الرسولُ ﷺ يعطيهم من الْخُمُسِ مثلَ ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا كان يعطيهم من الْخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم. ما وجْهُ كون هذا هو الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] أن –أيضًا- يدخل في هذا، يدخل عبد مناف ونوفل فلم يُعطَوْا، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعطَوْن من الزكاة، لا أنهم يُعطَوْن من الْخُمُسِ.
الطالب: لمشاركتهم في الْخُمُسِ.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
стр. 3263
الشيخ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] لا يدخل فيها بنو المطلب.
هاشمي أعتق عبدًا فهل يجوز أن نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا ( ... ).
الشيخ: لا ( ... ).
ولا إلى عبدٍ وزَوجٍ، وإن أَعطاهَا لِمَنْ ظَنَّه غيرَ أهلٍ فَبَانَ أَهلاً أو بالعكْسِ لم يُجِزْهُ، إلا لغَنِيٍّ ظَنَّه فقيرًا. باب صدقة التطوع و (صَدقةُ التَّطَوُّعِ) مُستَحَبَّةٌ، وفي رمضانَ وأوقاتِ الحاجاتِ أَفضلُ، وتُسَنُّ بالفاضِلِ عن كِفايتِه ومَن يَمُونُه، ويَأْثَمُ بما يَنْقُصُها.
(كتابُ الصيامِ)
يَجِبُ صومُ رَمضانَ برؤيةِ هِلالِه، فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثينَ أَصْبَحوا مُفْطِرِينَ وإن حالَ دونَه غَيْمٌ أو قَتَرٌ فظاهِرُ المذْهَبِ يَجِبُ صومُه، وإن رُؤِيَ نَهَارًا فهو للَّيلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وإذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، ويُصامُ لرؤيةِ عَدْلٍ ولو أُنْثَى،
الشيخ: .. الْمُطَّلِبِيّ أو لا؟ الزكاة، فيها خلاف، بعض العلماء يقول .. ؟
طالب: بعض العلماء يقول: تُدفع لهم.
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنهم ليسوا من آل البيت.
الشيخ: أنهم ليسوا من آله، حجة القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا .. ؟
الطالب: من آله.
الشيخ: ولذلك لم تُدفَع إلى بني نوفل وعبدِ شمس، حجة القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ .. » (١).
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تُدفع إليهم؟
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي، ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفَع، إذا قلنا: تُدفَع، فالعلة لأنهم ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن تُدْفَع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
стр. 3264
الطالب: قول الرسول ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .. ».
الشيخ: وبنو المُطَّلِب، ما هو عبد المُطَّلِب.
الطالب: «وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ».
الشيخ: طيب، هذا واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعب.
الشيخ: إي، هذا تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: ( ... ) الرسول ﷺ يعطيهم من الخُمُس مثل ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا كان يعطيهم من الخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحْرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم. ما وجه كون هذا هو الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] أنه أيضًا يدخل في هذا، يدخل في عبد مناف ونوفل فلم يُعْطَ، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعْطَون من الزكاة، لا أنهم يُعْطَون من الخُمُس.
الطالب: لمشاركتهم في الخُمُس.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، لا يدخل فيها بنو المُطَّلِب.
هاشميٌّ أعتق عبدًا، فهل يجوز أن نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا ( ... ) وَمَوَالِيهما.
الشيخ: لا؛ لأنه من موالي بني هاشم.
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام، هل يجوز دفع الزكاة إلى الأب؟
طالب: لا يجوز، إذا كان الابن يُنفق على أبيه ..
الشيخ: نريد أولًا كلام المؤلف.
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز دفع الزكاة إلى الأب، بكل حال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟
طالب: القول الراجح يا شيخ أنه إذا كان الوالد فقيرًا فيلزم الولد النفقة على والده، فلا يعطيه الزكاة.
الشيخ: لا، نريد قاعدة عامة، إحنا ذكرنا حول هذا الموضوع قاعدة عامة.
الطالب: إن .. ما أذكرها يا شيخ.
стр. 3265
طالب آخر: أنه يجوز أن يُعطيه من الزكاة ما لم يُسْقِط بهذه الزكاة واجبًا عليه.
الشيخ: أحسنت، أنه إن أسقط بدفع الزكاة واجبًا عليه مُنِع، وإلَّا فلا، وبناءً على ذلك إذا قضى بها دَيْنًا على والده ليس سببه النفقة؟
طالب: إذا كان ليس سببه النفقة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه يجوز أن يقضي دَيْنَه.
الشيخ: يجوز؛ لأنه؟
الطالب: لأنه فقير.
الشيخ: لأنه فقير؟
الطالب: لا؛ لأنه لا يُسْقِط حقًّا واجبًا عليه.
الشيخ: لأنه لا يُسْقِط بذلك حقًّا واجبًا عليه؛ إذ إن قضاء الدَّيْن عن الوالد ليس بواجب.
إذا كان الابن غنيًّا، لكن غناته قليلة تكفي لزوجته وأولاده، ولا يستطيع أن يُنفق على أبيه، فهل يعطي أباه من الزكاة للنفقة؟
طالب: لا، ما يعطي.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لا ينفق عليه.
الشيخ: لأن نفقته لا تجب عليه، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهكذا نقول في الفَرْع الذي قال فيه المؤلف: (وَلاَ إِلَى فَرْعِهِ)، فإن كلام المؤلف يدل على منع دفع الزكاة إليه مطلقًا، والصحيح التفصيل.
***
قال المؤلف ﵀: (وَلَا إِلَى زَوْجٍ).
طلبة: (عَبْدٍ).
الشيخ: (عَبْدٍ)، إي نعم، (وَلَا إِلَى عَبْدٍ)، يعني: لا تُدْفَع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل مُلْك الزكاة فورًا إلى سيده، فإنَّ مال العبد مُلْك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك، ومُلْكه لسيده، لكن يُستثنى من هذا المكاتَب، فقد سبق أن المكاتَبين من إيش؟ مِنْ أهل الزكاة، داخلون في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فَيُعْطَى المكاتَب ما يقضِي به دَيْن الكتابة.
ولكن نسأل: هل المكاتَب عبد؟
стр. 3266
الجواب: نعم، هو عبد حتى يؤدي فيعتق، وأظن المكاتَب معلومًا لكم؛ هو أن يشتري العبدُ نفسَه من سيده بثمن مؤجَّل، فيُعْطَى هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده ما يُوفِي سيدَه ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ» (٢).
واستثنى بعض العلماء أيضًا ما إذا كان عاملًا على الزكاة؛ فإنه يُعْطَى لعمالته كما لو كان أجيرًا، ومعلوم أنه يصح أن يُستأجر العبد من سيده، فيصح أن يُجعَل عاملًا في الزكاة بإذن سيده، إذن يُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان: المسألة الأولى؟
طلبة: المكاتَب.
الشيخ: المكاتَب، والثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يُستأجَر بإذن سيده.
قال: (وَلاَ إِلَى زَوْجٍ)، مَن الذي يدفع الزكاة؟
طالب: الزوجة.
الشيخ: الزوجة، لا يصِح أن تدفع زكاتها إلى زوجها، لماذا؟ لقوة الصلة بينهما، فيُشبه الأصل مع الفرع، أعرفتم؟ ولكن هذا التعليل عليل، والصواب: أنه يجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها إذا كان من أهل الزكاة.
فلو فرضنا أن امرأة موظَّفة وعندها مال، وزوجها فقير محتاج، إما أنه مَدِين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن أيش؟
طلبة: أن تدفع الزكاة له.
الشيخ: أن تؤدي زكاتها إليه، وقولنا: أو لأنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيرًا يلزمها؟
طلبة: أن تنفق عليهم.
стр. 3267
الشيخ: أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير فللزوجة أن تُعطي زكاتها لهذا الزوج، وربما يُستدَل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي ﵌ حث على الصدقة، فقال ابن مسعود: أعطيني وأولادي، أنا أحق من تصدقتِ عليه. فقالت: لا، حتى أسأل النبي ﷺ ، فسألت النبي ﷺ ، فقال: «صَدَقَ عَبْدُ اللهِ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» (٣).
فيمكن أن يقال: إن قوله: «مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» يشمل؟
طلبة: الفريضة.
الشيخ: الفريضة والنافلة، وعلى كل حال، إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل: إنه خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقريرِ جوازِ دفعِ الزكاةِ إلى الزوج: الزوجُ فقير، ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المانع؟ لأنه إذا وُجِد السبب ثبت الحكم إلَّا بدليل، وليس هناك دليل -لا من القرآن ولا من السُّنَّة- على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، أفهمتم؟
وهذه قاعدة أنا ذكرتها لكم من قبل: الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلَّا بدليل، ولا نعلم مانعًا من ذلك إلَّا مَنْ كان إذا أعطاها أسقط عن نفسه بذلك إيش؟
طلبة: واجبًا.
الشيخ: واجبًا، وهل يجوز أن يعطي الزوج زوجتَه من زكاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا ناس، لا تتسرَّعوا، كلمة (زَوْج) في كلام المؤلف يُمكن أن تُحْمَل على الزوجة، وعلى؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج؛ لأن كلمة: (زَوْج) في اللغة العربية تُطْلَق على المرأة؛ وعن عائشةَ .. ؟
طالب: زوج النبي.
الشيخ: إي، زوج النبي ﵌، فيمكن أن يقال: إنها تجزئ، أي: تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته، على ما اخترناه، أما على المذهب فلا تجزئ، يعني على المذهب لا يجوز أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته؛ لقوة الصلة والرابطة.
стр. 3268
ولكن القول الراجح أنه يجوز أن يدفع الزكاة إلى زوجته بشرط، قولوه.
طلبة: ألَّا يُسْقِط واجبًا.
الشيخ: ألَّا يُسْقِط به؟
الطلبة: حقًّا.
الشيخ: حقًّا واجبًا عليه، وعليه فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوبًا، لتشتري طعامًا، فإن ذلك؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دَيْن عليها، فإن ذلك؟
طلبة: يُجْزِئ.
الشيخ: يُجْزِئ؛ لأن قضاء الدَّيْن عن زوجته لا يَلْزَمه.
ثم قال المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا، أوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَهْلٌ فَبَانَ غَيْرَ أهْلٍ، (لَمْ يُجْزِهِ) أو: (لَمْ تُجْزِئْهُ).
(إِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) فإنها لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها وُضِعَتْ في غير موضعها، ولأنه متلاعب، كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنيًّا ثم بعد ذلك يتبين أنه فقير؟ كيف نقول: تجزئه؟ لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها؟
طلبة: في غير محلها.
الشيخ: في غير محلها، ولأنه متلاعب، فلا تجزئه، وهذا واضح.
(بِالْعَكْسِ) أعطاها لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فلا تجزئه أيضًا؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، لا بِظَنِّه، مثاله: أعطى رجلًا يظنه غارمًا، فبان أنه غيرُ غارم، فإنها لا تجزئه، لماذا؟ لأن العبرة .. ؟
طلبة: بما في نفس الأمر.
الشيخ: بما في نفس الأمر، يعني: بالواقع، والواقع أنه غير أهل، أعطاها لشخص يظنه ابنَ سبيل، فتبين أنه غيرُ ابنِ سبيل، مواطن، فإنها؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه، أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه، ولكن تَبَيَّن أنه لا يجزئه إعطاءُ هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه، فإنها؟
طلبة: لا تجزئه.
стр. 3269
الشيخ: لا تجزئه، يُسْتَثْنَى من ذلك مسألة: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ)، مثل: رجل جاء يسأل وعليه علامة الفقر من الثياب الرديئة، فأعطيتُه من الزكاة، فلما انصرف عني جاءني شخص وقال: ما الذي أعطيتَه؟ قلتُ: زكاة، قال: هذا أغنى منك، هذا عنده ملايين، فما حكم الزكاة التي دفعتُها؟
طلبة: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؛ لأنه ليس لنا إلَّا الظاهر، ومثل ذلك أولئك السُّؤَّال الذين يأتون إلى طلب مساعدة في مدرسة، أو مسجد، أو ما أشبه ذلك، ثم نعطيهم بناءً على الظاهر لنا، ويتبين أنهم على خلاف هذا، فإن ذلك؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ما هو الدليل؟ الدليل قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي، خرج بصدقته فدفعها إلى شخص، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق الليلةَ على غني، فقال: الحمد لله، على غني! ! يعني رأى أن هذا مصيبة، ثم خرج مرة أخرى فتصدق، فوقعت في يد بَغِيّ، البَغِيّ هي؟
طلبة: زانية.
الشيخ: الزانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على زانية، أو على بَغِيّ، فقال: الحمد لله، على غني وعلى زانية! ! ثم خرج مرة ثالثة، فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق، فقال: الحمد لله، غني وبغي وسارق! ! فقيل له: أما صدقتك فقد تُقُبِلَت؛ أمَّا الغني فلعله يتذكر ويتصدق ويتَّعِظ بما حصل منك، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة، وأما البَغِيّ فلعلها تتعفف بما أعطيتَها عن البَغْيِ، أو عن البِغَاء.
فانظر إلى هذا، هذا الرجل نيته طيبة، وقعت الصدقة في غير ما يريد، ولكن لحُسْن نيته صارت مفيدة، مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم؛ لأنه قال: (لعله).
فيؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان إذا تصدق على غني يظنه فقيرًا فإن الزكاة تجزئ.
стр. 3270
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا دفعها إلى مَن يظنه أهلًا بعد التحرِّي فَبَانَ غيرَ أهل فإنها تجزئه حتى في غير مسألة الغِنىَ عمومًا، قال: لأنه اتقى الله ما استطاع، ويصعُب أن نقول له: إن زكاتك لم تُقبَل، مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ أنه إذا دفعها لمن يظنه أهلًا مع الاجتهاد والتحري فتَبَيَّنَ غيرَ أهل فزكاته مُجْزِئَة؛ والعلة ما سمعتم.
إذا جاءك سائل يسأل، يقول: أعطني من الزكاة، ورأيتَه جَلْدًا قويًّا، فهل تعطيه أم ماذا؟ نقول: عِظْهُ أوَّلًا، انصحه، وقل: إن شئت أعطيتك، ولا حَظَّ فيها لغني ولا لقوي مُكْتَسِب، كما فعل النبي ﷺ في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة، فرآهما جَلْدَين، فقال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (٤).
فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، حتى لو وعظته بهذا الكلام لم يَتَّعِظْ، فما الجواب؟
الجواب: أن لنا في رسول الله ﷺ أُسوة حسنة، فنعظه بما وعظه النبي ﵌، وإذا أَصرَّ ونحن لا نعلم خلاف ما يدَّعي فإننا نعطيه، أما إذا أَصرَّ على السؤال ونحن نعلم أنه على خلاف ما يدعيه فإننا لا نعطيه.
ومما يتفرع على هذا الموضوع هل نقول للشخص إذا أعطيناه: هذه زكاة، أو لا نقول؟
فيه تفصيل: إن كان الرجل نعلم أنه أهلٌ للزكاة، وأنه يقبل الزكاة أعطيناه بلا قول؛ لأن قولنا له: إنها زكاة فيه غضاضة عليه، أما إذا كنا لا ندري وفيه احتمال أنه ليس من أهل الزكاة فإننا نخبره؛ لِئَلَّا نقع في مشكلة، وكذلك إذا كان لا يقبل الزكاة؛ لأن بعض الناس عنده عِفَّة، لا يقبل الزكاة وإن كان محتاجًا، فهنا نقول له: هذه زكاة.
стр. 3271
يَستحسِن بعض العامَّة أننا إذا علمنا حاله وأنه فقير حقيقة، يأكل الغداء ولا يحصُل له العشاء، ويأكل العشاء ولا يحصُل له الغداء، ولكن لا يقبل الزكاة، يقول بعض العامَّة: أَعْطِه من الزكاة ولا تخبره، فما رأيكم؟
لا، رأينا لا نعطيه؛ لأنه إذا كان لا يقبل فإن الزكاة لا تدخل مُلْكه؛ لأن من شرط التملك إيش؟
طلبة: القبول.
الشيخ: القبول، وهذا لا يَقبل، ونقول لهذا الرجل الذي يريد أن ينفع هذا الفقير العفيف، نقول: أعطه صدقة تطوع ولا تَقُل: هذه صدقة، وأنت مأجور، أما أن تُقْحِمَ في مُلْكِه ما لا يريده فهذا لا يصح ولا يجوز.
[باب صدقة التطوع]
ثم قال المؤلف: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ)، (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ) يعني: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان تطوعًا، (مُسْتَحَبَّةٌ)، كلمة (مُسْتَحَبَّةٌ) بمعنى مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها.
واعلم أنه لا فرق بين (مستحب) و (مسنون) عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يُستحب السواك، ونقول: يُسَنُّ السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء: أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب، ولكن فقهاء الحنابلة يمشون على أنه لا فرق.
فقوله: (مُسْتَحَبَّةٌ) بمعنى؟
طلبة: مسنونة.
стр. 3272
الشيخ: مسنونة، ما هو الدليل؟ فيها دليل أثري ودليل نظري؛ أما الدليل الأثري فلأنَّ الله أثنى على المتصدقين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، إلى أن قال: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، وفي آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
والسُّنَّة طافحة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها: «أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ مِنْ طَيِّبٍ بعِدْلِ تَمَرَةٍ إلَّا أَخَذَهَا اللهُ تَعَالَى بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» (٥)، عِدْل تمرة يأخذها الله بيمينه ويربِّيها للمتصدِّق حتى تكون مثل الجبل، ويقول ﵊: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٦)، ويقول: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» (٧)، ويقول: «إِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» (٨)، والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة، ولكن تتأكد في زمان، وفي مكان، وفي أحوال؛ ففي الزمان قال المؤلف: (وفِي رمضان أفضل).
طالب: الدليل النظري يا شيخ.
الشيخ: نعم، أحسنت، الدليل النظري أن في الصدقة دَفْع حاجة الفقراء، والتَّخَلُّق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ؛ فإن الكرماء إذا أنفقوا وتصدَّقوا تنشرح صدورهم، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد عشر فوائد لها -للصدقة- فمن أرادها فليرجع إليها.
стр. 3273
فهي تتأكد أو يزيد فضلها في أزمان وإيش؟
طلبة: وأمكنة.
الشيخ: وأمكنة.
طلبة: وأحوال.
الشيخ: وأحوال.
يقول المؤلف: (في رمضان آكَد)، أو قال: (أفضل)، (فِي رَمَضان أفضلُ)، أفضلُ من غيره، الدليل أن النبي ﷺ كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» (٩)، وهذا يدل على أنه ﵊ يزداد إنفاقه في هذا الشهر.
ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي ﵌: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، يعني عشر ذي الحجة الأولى، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». (١٠) وهذا عام، والدليل على عمومه قولهم: ولا الجهاد، قال: «وَلَا الْجِهَادُ».
المكان؟
طالب: في الْحَرَم.
الشيخ: في الحرم المكي والمدني أفضل من غيره؛ لشرف المكان.
الحالات؟ قال المؤلف: (وأوقات الحاجاتِ أفضل) مثل أوقات الحاجات إيش؟ فيه أوقات حاجات دائمة، وأوقات حاجات طارئة؛ فمن أوقات الحاجات الدائمة فصل الشتاء، فإن الفقراء فيه أحوج من فصل الصيف؛ لأنهم يحتاجون إلى زيادة أكل، فالإنسان في الشتاء يأكل أكثر مما يأكل في الصيف، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: في الشتاء يحتاج إلى ثياب أكثر مما يحتاجه .. ؟
طلبة: في الصيف.
الشيخ: في الصيف، يحتاج إلى تدفئة أكثر مما يحتاجه في الصيف، أليس كذلك؟ فالغالب أن الفقراء تشتد حاجاتهم في زمن الشتاء أكثر، هذه قلنا إيش؟
طلبة: حاجات دائمة.
الشيخ: حاجات دائمة، هناك حاجات طارئة مثل أن تَحْدُثَ مجاعة في الناس، أو جَدْب، فيحتاج الناس أكثر، سواءٌ في الشتاء أو في الصيف، فهذه أيضًا تكون الصدقة فيها أفضل.
стр. 3274
المكان؛ قلنا: تَشْرُف الصدقة بشرف المكان كمكة والمدينة، هل من شرف المكان ما لو كانت جهة من الأرض فيها مجاعة أو لا؟
طلبة: هذا حال.
الشيخ: لا؛ لأن هذا ليس لشرف المكان، ولكن للحاجة، بدليل أن أهل هذا المكان إذا اغتنوا صارت الصدقة فيهم مثل غيرهم، لكن مكة والمدينة الصدقة فيها أفضل مطلقًا لشرف المكان.
إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيُّهما يقدَّم؟
طلبة: الأحوال.
الشيخ: نعم، الحاجات، يقدَّم فضل الحاجات؛ لأن أصل الصدقة إنما شُرِعَت لدفع .. ؟
طلبة: الحاجة.
الشيخ: الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد مر علينا قاعدة مفيدة في هذا الباب؛ وهي أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ما الفرق بين قول المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) وبين قوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؟
الشيخ: هذا مستثنى ما دخل في الحكم.
الطالب: لكن قوله -أحسن الله إليكم-: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: في حالة هذا هل يناقض: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا).
الشيخ: ما هو العكس؟
الطالب: العكس إذا أعطاها غير أهل فبانَ أهلًا.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا أعطاه غير أهل فبان.
الشيخ: لا إذا أعطاها مَن ظَنَّهُ أهلًا ..
الطالب: فبان غير أهل.
الشيخ: فبان غير أهل، هذا الاستثناء يعود على الأخيرة، على قوله: (أَوْ عَكْسِه).
الطالب: هي التي قوله: (أو لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؟
الشيخ: إي نعم، تعود على الأخيرة التي أعطاها لمن يظنه أهلًا فبان غير أهل، الاستثناء يعود على الأخيرة.
طالب: الغارم لإصلاح ذات البَيْن إذا -يا شيخ- كانت توجد صدقة تطوع ووُجِدَت زكاة، هل نعطيه من الزكاة أو نعطيه من صدقة التطوع؟
стр. 3275
الشيخ: سؤال يقول: إذا وُجِد غارم لإصلاح ذات البَيْن، وفيه صدقة تطوع أو زكاة، هل نعطيه من الزكاة؟ أو نقول: نعطيه من صدقة التطوع؟
نقول: لا بأس أن نعطيه من الزكاة لأنه مستحِق لها، وصدقة التطوع تكون لغيره.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا أعطاها فقيرًا ظن أنه مسلم، ثم بعد ذلك بان أنه كافر.
الشيخ: تجزئه، على القول الراجح، أما على المذهب لا، ما تجزئ.
طالب: إذا أعطاها يا شيخ لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فإنها لا تجزئه؛ لأن العبرة بما كان واقعًا في نفس الأمر.
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب يا شيخ إذا كان العبرة بما كان واقعًا في نفس الأمر إذا أعطاها مَن ظَنَّهُ غير أهل فبان أهلًا تجزئ، لأن هذا ..
الشيخ: أحسنت، هذا يسأل يقول: إذا قلنا: العبرة بما في نفس الأمر، وأعطاها لمن ظنه غير أهل، فبَانَ أهلًا فلماذا لا تجزئ؟ ذكرنا تعليلين.
الطالب: لكن ( ... ).
الشيخ: هذا الرجل لَمَّا أعطاها مَن ظَنَّهُ غير أهل، هل يعتقد أنها تجزئه الآن؟
طالب: لا يعتقد، ولكن العبرة بما كان في نفس الأمر.
الشيخ: لا، إذا كان ما يعتقد معناه إنه ما نوى، ما صحت زكاته.
طالب: شيخ، يقول المؤلف ﵀: إذا أعطاها مَن ظَنَّه من أهلها فبَانَ ..
الشيخ: لا، من أهلها فبان غير أهل لها.
الطالب: فلا تجزئ.
الشيخ: إلَّا؟
الطالب: إلَّا مَن أعطاها.
الشيخ: لغني.
الطالب: ظَنَّه فقيرًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما الفرق بين ..
الشيخ: هو الأصل أنه إذا أعطاها لغني ظنه فقيرًا ألَّا تجزئ، لكن دَلَّ الحديث على أنها تجزئ، فهمت؟ نحن نقول: دَلَّ الحديث على أنها تجزئ، فيُقَاسُ عليه بقية الأصناف. ( ... )
طالب: فهل هذا صحيح، مع أن القاعدة أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالمال الذي يأخذه على زكاة تعود إلى سيده.
الشيخ: مش قلنا في التعليل: العبد إذا كان عاملًا قلنا: يجوز أن تُدْفَع إليه الزكاة.
الطالب: التعليل.
الشيخ: التعليل لأنها أجرة.
стр. 3276
الطالب: المال ما يأخذه سيده؟
الشيخ: إلَّا، ما يأخذه سيده، مثل ما لو أجَّرَه لعمل بناء أو غيره.
طالب: شيخ، هنا شخص محتاج فقير، عليه دَيْن، يريد أن يقترض بواسطة التوَرُّق حتى يسدد هذا الدَّيْن، ولكنه إن قلنا له: الزكاة، نريد أن نعطيه من الزكاة أبى، وإن قلنا: إن هذا مال متوفِّر ولم نصرِّح بالزكاة قَبِلَه؟
الشيخ: إي، ويش قلنا يا جماعة؟
الطالب: أنا فهمت يا شيخ الشرح الأول، لكن يعني لا يجزئ مطلقًا؟
الشيخ: مطلقًا، لكن نعم ربما نقول: الغارم لا يُشترط تملُّكه، فيمكن أن نذهب إلى صاحب الدَّيْن ونعطيه بدون أن يشعر بهذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، فضيلة العشر الأُوَل من ذي الحجة لا يعارضه فعل النبي ﷺ ، حيث إنه كان أجود ما يكون في رمضان؟
الشيخ: نعم، ويش تقولون؟ يقول الأخ: قولكم أن -أو: قولنا، على الأصح أن الطالب يقول لأستاذه: قولنا- قولنا: إن الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل، أَلَا يعارضه كون الرسول ﵊ أجود ما يكون في رمضان؟
طالب: هذا عامٌّ يُخَص بالحديث الآخر الذي ورد في فضل عشر ذي الحجة، يكون الرسول ﵊ أجود ما يكون إلَّا في هذا، فيكون أجود.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أجود ما يكون في غير رمضان يكون في رمضان، ونستثني عشر من ذي الحجة.
الشيخ: يعني أنه في عشر ذي الحجة أجود منه في رمضان.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: نقول ما ورد العشر من ذي الحجة قول.
الشيخ: نعم.
الطالب: والآخر فعل، والقول مقدَّم على الفعل.
الشيخ: نعم. طالب: روى عن الرسول ﷺ قال: مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ، وأقسم بها الله في القرآن، وجاء فضلها في السُّنَّة، وفي القرآن، وهذا جاء فضلها بسُنَّة الرسول ﷺ وفعله ﷺ .
الشيخ: نعم.
الطالب: وكلهم جاء بهم ( ... ).
الشيخ: نعم، ما عندكم إلَّا هذا؟
стр. 3277
طالب: نقول: إن الفضل في رمضان جاء في الحديث أن جبريل كان يدارِس النبي ﷺ القرآن، فيمكن أن يقال بأن الجود مخصوص هنا بشيء معيَّن، لكن الجود في عشر ذي الحجة عامٌّ، حتى النبي ﷺ فضَّلَه على الجهاد.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ». (١٠)
الشيخ: هذا هو الظاهر أن نقول: جود الرسول ﵊ في رمضان من فعله، وقوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ» من قوله، ويجوز أن يكون في أيام العشر ذي الحجة يجوز ألَّا يكون عنده شيء يجود به بخلاف رمضان، ثم إنه في بعض ألفاظ الحديث: «أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ» (٩)، فيكون هذا الجود مخصوصًا بهذا الحال، وعلى كل حال القول مقدَّم على الفعل.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ .. ).
الشيخ: ما الذي تُسَن؟
الطالب: الصدقة.
الشيخ: إي طيب، وصدقة التطوع قبلها، اقرأ اللي قبلها علشان نعرف اللي يتفرع عليها.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ، وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ، وَيُأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل أعطى زكاته لشخص يظنه فقيرًا فبان غنيًّا؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه.
طالب: يظنه فقيرًا فبان غنيًّا؟ تجزئه، هذا استثناء.
الشيخ: تجزئه.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: خصه من هذا الذي ..
الشيخ: لا، ما هو من كلام المؤلف، كلام المؤلف يُسْتَدَلُّ له ولا يُسْتَدَلُّ؟
طالب: به.
الشيخ: به، نعم.
стр. 3278
طالب: الدليل حديث: تَصَدَّقَ رجل على غني فقال الناس: تُصُدِّقَ على غني.
الشيخ: فقيل له: إن صدقتك ..
الطالب: مقبولة.
الشيخ: قد قُبلَت، لو أعطاها لمن يظنه مسلمًا فبان كافرًا؟
طالب: على كلام المؤلف لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ.
الطالب: إلَّا في قول بعض أهل العلم: إذا كان تحرَّى عن الرجل وكذا يعطيه.
الشيخ: نعم، صحيح.
ما هو التعليل لكونها لا تجزئ على رأي المؤلف؟
طالب: قال: لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بظاهره.
الشيخ: إي، العبرة بما في نفس الأمر، وقد وقعت في غير محلها فلا تجزئ.
ما حكم صدقة التطوع.
طالب: مستحبة.
الشيخ: مستحبة؟ هل تذكر دليلًا يدل على استحبابها من القرآن والسُّنَّة؟
الطالب: قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
الشيخ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ طيب.
الطالب: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
الشيخ: وعموم الإنفاق، ما فيه دليل على الصدقة؟
الطالب: قول الصحابة ﵃ أن الرسول ﵊.
الشيخ: من القرآن.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، في آخر الآية الآية قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
الشيخ: نعم، وكذلك آية نسيناها البارح: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١٨].
الدليل من السُّنَّة على فضل صدقة التطوع، أعطِنا ولَّا مَشِّنا، ها.
طالب: أحاديث كثيرة، ومنها قول النبي ﷺ : «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ». (٨)
الشيخ: صح، هل تختلف فضلًا؟
طالب: نعم تختلف؛ مكانًا وزمانًا وحاجة.
الشيخ: وحالًا.
стр. 3279
الطالب: وحالًا.
الشيخ: مكانًا وزمانًا وحالًا؛ مكانًا مثل؟
طالب: الحرمين يا شيخ.
الشيخ: الحرمين. زمانًا؟
طالب: كرمضان.
الشيخ: كرمضان وعشر ذي الحجة. حالًا؟
طالب: المجاعة.
الشيخ: كشدة الحاجة، والقرابة أيضًا، تتصدق على القريب أفضل من البعيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ)، (تُسَنُّ) أي: يُسَنُّ أن يكون التصدق بشيء فاضل عن كفايته.
(وَمَنْ يَمُونُهُ) أي: وكفاية مَنْ يَمُونُهُ، أي: مَن تلزمه مَؤُونته، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه آله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (١١)، «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، فدل هذا على أن صدقة التطوع تأتي في الدرجة الثانية بعد كفاية مَن يَعُولُهم، وقال ﵊: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» (١١)، أي: عن فاضل غِنًى.
فإن قال قائل: ما الجواب عن جواب النبي ﷺ حين سُئِل: أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْدُ الْمُقِلِّ» (١٢)؟
فالجواب: أن لا منافاة؛ فإن المراد بِجُهد الْمُقِل ما زاد عن كفايته وكفاية مَن يَمُونُه، وهو خلاف الغني، فإذا تصدق رجل بعشرة دراهم وهي الفاضل عن كفايته فقط، وآخر بعشرة دراهم وعنده عشرة ملايين، أيهما أفضل؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن هذا جهده، وذاك عشرة ريالات بالنسبة لعشرة ملايين ليست بشيء، ما الذي يقابل عشرة ريالات من عشرة ملايين، إذا قدَّرنا أن الأول ماله ألف؟
طلبة: جزء من ألف.
الشيخ: ألف ريال، فعلى كل حال، إذا تأمَّلْت الحديثين لن تجد بينهما منافاة؛ لأن المراد بجُهْد الْمُقِلّ ما زاد عن كفايته، لكنه ليس ذا غِنًى واسع.
стр. 3280
ثم قال: (وَيَأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا)، (يَأْثَم) أي: المتَصَدِّق، (بِمَا) أي: بصدقة تَنْقُص كفايته، (بِمَا يَنْقُصُهَا) أي: ينقص كفايتَه وكفايةَ مَن يَمُونُهُ، ووجه ذلك أنه إذا نقص الواجب أَثِم، فكيف يليق بك أن تترك واجبًا وتتصدق بتطوع؟ هذا لا يليق؛ لا شرعًا، ولا عقلًا، ولا عرفًا، ابدأ أولًا بِمَن تعول.
ثم اعلم أيضًا أن خير صدقة تتصدق بها على نفسك وأهلك؛ يعني الصدقة على أهلك أفضل من الصدقة على الخارج، كما جاء في الحديث، فإذا قمت بالواجب في مَؤُونتك ومَؤُونة أهلِك فأنت قائم بواجب وصدقة، كما ثبت عن النبي ﵊ أن الإنسان إذا أنفق على أهله فهي صدقة، بل على نفسه فهي صدقة.
وحينئذ نقول: إنك في الواقع لم تخرج عن مسمَّى المتصدِّق إذا أنفقت على نفسك وأهلك، لماذا؟ لأن النبي ﵌ جعل الإنفاق على الأهل من الصدقة، بل الإنفاق على الأهل واجب تُثَابُ عليه أكثر من الثواب على الصدقة على بعيد.
وقوله: (بِمَا يَنْقُصُهَا)، يقرؤها بعضكم: يُنْقِصُها، من الرباعي، ولكنها من الثلاثي، وهي لازمة ومتعدية، بل تتعدى لاثنين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] هنا تعدَّت؟
طلبة: لاثنين.
الشيخ: لاثنين، الكاف؟
طلبة: وشيئًا.
الشيخ: وشيئًا، وتكون لازمة، كما إذا قلت: نقص المال، ومثلها: (زاد)، (زاد) تستعمل لازمة ومتعدية، فتقول: زاد المال، وتقول: زادني خيرًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، كم نصبت؟
طلبة: اثنين.
الشيخ: مفعولين، إذن صواب قراءتها أن تقول؟
طلبة: (بِمَا يَنْقُصُهَا).
стр. 3281
الشيخ: (بِمَا يَنْقُصُهَا)، فإن قال قائل: كيف تُؤَثِّمُونه بِمَا يَنْقُصُهَا، وقد أَقَرَّ النبي ﵌ أبا بكر حينما تصدق بجميع ماله، فسأله النبي ﷺ : «مَاذَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟ »، قال: تركت لهم الله ورسوله، فأقرَّه النبي ﵊، وكيف تقولون ذلك، أي التصدق بِمَا يَنْقُصُهَا إثم، مع أن الله امتدح الذين ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؟ وكيف تقولون ذلك وقد قال النبي ﷺ للأنصاري الذي قدَّم الضيف على نفسه وأهله، قال: «إِنَّ اللهَ عَجِبَ مِنْ صَنِيعِكُمَا الْبَارِحَةَ» (١٣)، والقصة مشهورة، الضيف جاء إلى الأنصاري وليس عنده إلَّا طعام أهله، فقال لزوجته: أطفئي المصباح إذا قدَّمتِ العَشاء، أطفئي المصباح وأريه أننا نأكل معه؛ لِئَلَّا يخجل، وهما لا يأكلان معه، لكن لِئَلَّا يخجل.
فهذه الأدلة تدل على أنه لا يأثم الإنسان بما يَنْقُص المَؤُونة؛ مَؤُونة نفسه وعياله؟
فالجواب عن ذلك يقال: إذا كان الإنسان قد عَرَف من نفسه الصبر والتوكل، وعنده ما يستطيع أن يُحَصِّل به، فهذا لا حرج عليه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونته، أما إذا كان لا يعرف من نفسه الصبر والتوكل وإخلاف ما أنفق، فإن الأمر كما قال المؤلف، مثل لو فرضنا أنه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونته خرج من الباب الثاني ليتكفَّفَ الناس، هذا لا يجوز.
لكن إذا علم أنه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونة أهله خرج من الباب الثاني ليشتغل، يبيع ويشتري، كما كان أبو بكر ﵁ يفعل، فإن ذلك لا بأس به، أما مسألة الضيف فقد يقال: إن أهله قد رضوا بذلك، أهل الأنصاري رضوا بهذا وصبروا، وإكرام الضيف ليس تطوعًا، بل هو واجب، فيدخل في الواجب.
стр. 3282
وأما ثناء الله على الأنصار في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] فهذا كما قلنا فيمن عَرَف من نفسه إيش؟
طلبة: الصبر.
الشيخ: الصبر والتوكل ويتحمل، وأنه سيجد ما يُخْلِفُ ما أنفق.
وبعد سياق هذه الآية: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ ما معناها؟
طالب: غضاضة، من كره ( ... ).
الشيخ: لا، كان يقول: مما آتَوا.
طالب: يعني نفسه لا تتعلق مع عواقبه، مثلًا تندم من دفع هذا الشيء.
الشيخ: كان يقول: مما آتَوا.
قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ أي: في صدور الذين تَبَوَّؤُوا الدَّارَ ﴿حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أُوتِيَ المهاجرون، المهاجرون أعطاهم الله فضلًا على الأنصار، فهم لا يَجِدُون في صدورهم حاجة مما أُوتُوا فيحسدونهم، هذا معنى الآية، إذن ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟
طلبة: الأنصار.
الشيخ: الأنصار، ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الضمير يعود على؟
طلبة: المهاجرين.
الشيخ: المهاجرين.
الشيخ: نعم؟
طالب: قصة الأنصاري أَلَا يرد علينا فعله بأطفاله حتى ناموا.
الشيخ: إي نعم؛ لأن له الولاية عليهم.
стр. 3283
أظن أول الصيام طلبة: نعم. الشيخ: ما حاجة لإعادته؟ طالب: كثير يا شيخ، وبعضنا يُراجع ( ... ) (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ).الشيخ: متى يُصام رمضان؟ يقول المؤلف: إنه يُصام بواحد من أمرين: رؤية هلاله؟ طلبة: أو إكمال شعبان. الشيخ: أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا. ثانيًا: بماذا تثبت الرؤية؟ بشهادة واحد ولو أُنْثَى؛ لأن النبي ﵌ لمَّا أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (وَلَوْ أُنْثَى)؛ لأنه خبر ديني، فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس، تُفطر على قولها. على المذهب يُصَامُ بأمر ثالث، وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غَيْمٌ أو قَتَر فإنه يجب؟ طلبة: الصوم. الشيخ: أن يُصَام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم .. طالب: أو قَتَر. الشيخ: أو قَتَر. والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه. إذا رُئي الهلال نهارًا هل يكون لليلة الماضية، أو المقبلة؟ المذهب يقول أنه لليلة المقبلة، ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية، خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرى تحت الشمس أو فوق الشمس، ذكرناه فيما سبق. إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟ المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع؟ طلبة: لم يلزمهم. الشيخ: لم يلزمهم، وإن اتفقت؟ طلبة: لزمهم. الشيخ: لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أننا بيَّنَّا الأدلة على ذلك الأثرية والنظرية. ">قرأناه. (١٤)
طلبة: نعم.
الشيخ: ما حاجة لإعادته؟
طالب: كثير يا شيخ، وبعضنا يُراجع ( ... ) (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ).
الشيخ: متى يُصام رمضان؟ يقول المؤلف: إنه يُصام بواحد من أمرين: رؤية هلاله؟
طلبة: أو إكمال شعبان.
стр. 3284
الشيخ: أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا.
ثانيًا: بماذا تثبت الرؤية؟ بشهادة واحد ولو أُنْثَى؛ لأن النبي ﵌ لمَّا أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (وَلَوْ أُنْثَى)؛ لأنه خبر ديني، فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس، تُفطر على قولها.
على المذهب يُصَامُ بأمر ثالث، وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غَيْمٌ أو قَتَر فإنه يجب؟
طلبة: الصوم.
الشيخ: أن يُصَام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم ..
طالب: أو قَتَر.
الشيخ: أو قَتَر.
والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه.
إذا رُئي الهلال نهارًا هل يكون لليلة الماضية، أو المقبلة؟
المذهب يقول أنه لليلة المقبلة، ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية، خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرى تحت الشمس أو فوق الشمس، ذكرناه فيما سبق.
إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟ المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع؟
طلبة: لم يلزمهم.
الشيخ: لم يلزمهم، وإن اتفقت؟
طلبة: لزمهم.
الشيخ: لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أننا بيَّنَّا الأدلة على ذلك الأثرية والنظرية.
***
ثم قال المؤلف: (فَإنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يُرَ الهِلاَل).
طلبة: (ويُصَامُ).
طالب: (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَلَوْ أُنْثَى) يا شيخ.
الشيخ: طيب، ما فيه بأس، هذا إفزاع، ما شاء الله، كل الدنيا قامت! !
يقول: (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَلَوْ أُنْثَى)، (يُصَامُ) نائب الفاعل يعود إلى رمضان، أي: يصوم الناس على التفصيل السابق، يُصَامُ ..
стр. 3285
كتاب الصيام
يَجِبُ صومُ رَمضانَ برؤيةِ هِلالِه، فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثينَ أَصْبَحوا مُفْطِرِينَ وإن حالَ دونَه غَيْمٌ أو قَتَرٌ فظاهِرُ المذْهَبِ يَجِبُ صومُه، وإن رُؤِيَ نَهَارًا فهو للَّيلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وإذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، ويُصامُ لرؤيةِ عَدْلٍ ولو أُنْثَى، فإن صامُوا بشَهادةِ واحدٍ ثلاثينَ يَوْمًا فلم يُرَ الهلالُ أو صَامُوا لأَجْلِ غَيْمٍ لم يُفْطِروا، ومَن رأى وَحْدَه هلالَ رَمضانَ وَرُدَّ قولُه أو رأى هِلالَ شوَّالٍ صامَ.
[مدخل]
الشيخ: باب المياه، باب الآنية، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب الحيض، باب إزالة النجاسة.
هذه هي القاعدة عندهم؛ أن الكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل لمفردات المسائل، إذا طال الباب جعلوه فصولًا.
كتاب الصيام هذا جنس؛ لأن ما سبق في الصلاة والزكاة، وهذا هو الصيام، ورتَّب العلماء ﵏ الفقه في باب العبادات على حسب حديث جبريل، وعلى حسب حديث عبد الله بن عمر ﵄ في بعض ألفاظه؛ فقدموا الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج، والطهارة قبل الصلاة لأنها شرط، وهي مفتاح الصلاة فقدَّموها على الصلاة، وإلَّا لكان من المتوقع أن يجعلوها ضمن شروط الصلاة؛ يعني: في أثناء كتاب الصلاة، لكن لما رأوا أنها مفتاح وأن الكلام عليها كثير قدَّموها على كتاب الصلاة.
стр. 3286
الصيام في اللغة: مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك، فالإمساك في اللغة والصيام بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] صومًا: يعني إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يعني: إذا لم تري أحدًا ﴿فَقُولِي إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: إمساكًا عن الكلام ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، ومنه قولهم: صامت عليه الأرض إذا أمسكته وأخفته.
أما في الشرع: فهو التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
ويجب التفطن لإلحاق كلمة التعبد في التعريف؛ لأن كثيرًا من الفقهاء لا يذكرونها، بل يقول: هو الإمساك عن المُفَطِّرات من كذا إلى كذا، في الصلاة يقولون: الصلاة هي: أقوال وأفعال معلومة، ولكن ينبغي أن نزيد كلمة التعبد حتى لا تكون مجرد حركات، أو مجرد إمساك، بل تكون عبادة.
التعبد لله بالإمساك عن الأكل والشرب وسائر المُفَطِّرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وحكمه الوجوب بالنص والإجماع، ومرتبته في الدين الإسلامي أنه أحد أركانه، فهو ذو أهمية عظيمة في مرتبته في الدين الإسلامي.
ثم اعلم أن من حكمة الله أنَّ الله نَوَّع العبادات في التكليف؛ ليختبر المكلَّف كيف يكون امتثاله لهذه الأنواع، هل يَمْتَثِل ويَقْبَل ما يوافق هواه وطبعه، أم يمتثل ما به رضا الله ؟
فإذا تأملنا العبادات الخمس؛ الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وجدنا أن بعضها بَدنيٌّ محض، وبعضها مالي محض، وبعضها مركب، حتى يُبْتَلَى الشحيح من الجواد، ربما يهون على بعض الناس أن يُصَلِّيَ ألف ركعة، ولا يبذل درهمًا واحدًا، أليس كذلك؟
стр. 3287
نعم، وربما يهون على بعض الناس أن يبذل ألف درهم ولا يصلي ركعة واحدة، هكذا، فجاءت الشريعة بالتقسيم والتنويع حتى يُعرَف مَنْ يمتثل تعبدًا لله، ومن يمتثل تبعًا لهواه.
فالصلاة مثلًا عبادة بدنية محضة، وما يجب لها مما يحتاج إلى المال كماء الوضوء الذي يشتريه الإنسان وثياب ستر العورة فهو تابع، وليس داخلًا في صلب العبادة.
والزكاة مالية محضة، وما تحتاج إليه من عمل بدني كإحصاء المال وحسابه، ونقل الزكاة إلى الفقير والمستحِق فهذا يعتبر تابعًا ليس داخلًا في صلب العبادة.
والحج مركب من مال وبدن إلَّا في أهل مكة فقد لا يحتاجون إلى المال، لكنَّ هذا شيء نادر بالنسبة أو قليل بالنسبة لغير أهل مكة.
الجهاد في سبيل الله مركب من مال وبدن، وربما يستقل بالمال، وربما يستقل بالبدن؛ فالجهاد من حيث التركيب أعم العبادات؛ لأنه قد يكون بالمال فقط، وقد يكون بالبدن فقط، وقد يكون بهما جميعًا.
ثم إن التكليف أو العبادات المكلَّف بها تتنوع من وجه آخر إلى كَفٍّ عن المحبوبات، وإلى بذل للمحبوبات، وهذا نوع تكليف أيضًا؛ كَفٍّ عن المحبوبات مثل الصوم.
بذل للمحبوبات كالزكاة؛ فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يبذل المال المحبوب إلى النفس إلا لشيء أحب إليه منه، وكذلك الكفُّ عن المحبوبات هو أيضًا تكليف، وربما يهون على المرء أن يُنفق ألف درهم ولا يصوم يومًا واحدًا أو بالعكس؛ ومن ثَمَّ استحسن بعض العلماء استحسانًا مبنيًّا على اجتهاد لكنه سيء، حيث أفتى بعضَ الأمراء أن يصوم شهرين متتابعين بدلًا عن عتق الرقبة في الجماع في نهار رمضان، وقال: إن ردع هذا الأمير بصيام شهرين متتابعين أبلغ من ردعه بإعتاق رقبة؛ لأنه ربما يعتق ألف رقبة ولا يهون عليه أن يصوم يومًا واحدًا.
стр. 3288
لكنَّ هذا اجتهاد فاسد؛ لأنه مقابل للنص، ولأن المقصود بالكفَّارة ليس هو تعذيب الإنسان، بل تطهير الإنسان، وتطهيره بالإعتاق الذي أخبر النبي ﵊: «أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا فَإِنَّ اللَّه يُعْتِقُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ» (١) فهو فَكاك من النار، فيكون أفضل وأعظم، والمقصود بالكفارات هو التهذيب، وإن كان فيها شيء من التأديب لكن أهم شيء هو التهذيب وتطهير المرء، فالحاصل أنك إذا تأملت الشريعة الإسلامية والتكاليف الإلهية وجدتها في غاية الحكمة والمطابَقة والامتحان والاختبار.
[وجوب الصيام برؤية الهلال]
يقول المؤلف ﵀: (يجب صومُ رمضان برؤية هلاله) وهذه الجملة لا يريد بها بيان وجوب الصوم؛ لأنه مما عُلِمَ بالضرورة، ولكنه يريد أن يُبَيِّن متى يجب، فذكر أنه يجب بواحد من أمرين:
الأول: رؤية الهلال؛ قال: (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) وسيأتي بيان مَنْ تثبت به رؤية هلال رمضان.
وقوله: (بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ) مستفاد من قوله صلى عليه وآله وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» (٢)، بل من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: من القرآن والسُّنَّة؛ فمن القرآن في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ومن السُّنَّة في قوله: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»، وعُلِم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان، ولكنه لم يُرَ فإنه لا يصام، فلا عمدة على الحساب؛ لأن الشرع علَّق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية.
стр. 3289
الشيء الثاني مما يثبت به دخول رمضان إتمام شعبان ثلاثين يومًا، فإذا كان شعبان قد ثبت وتم ثلاثين يومًا فإنه يجب صوم رمضان في اليوم الحادي والثلاثين؛ لأن الشهر الهلالي لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، ولا يمكن أن يَنْقُص عن تسعة وعشرين يومًا، فهو بين التسعة وعشرين والثلاثين.
(فإن لم يُرَ مع صَحْوٍ ليلةَ الثلاثين أصبحوا مفطرين) (إن لم يُرَ) نائب الفاعل يعود على مَنْ؟
على الهلال.
(مع صَحْوٍ) أي: صحو السماء؛ بأن تكون خالية من الغَيْم، وخالية من القَتَر، خالية من الدخان، خالية من الضباب، من كل مانع يمنع الرؤية ليلة الثلاثين أي: من شعبان أصبحوا مفطرين، حتى وإن كان قد هلَّ في الواقع، ما دام لم يُرَ فإنه وإن كان في السماء وقد هلَّ في الواقع فإنهم يصبحون مفطرين، وفي هذه الحال لا يصومون؛ يعني: أصبحوا مفطرين إما وجوبًا وإما استحبابًا؛ لقول النبي ﵌: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجَلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (٣).
(وإن حال دونه غيم أو قَتَر فظاهر المذهب يجب صومه)، (حال دونه) أي: دون الهلال، أي: دون رؤيته، (غيمٌ أو قَتَر)، الغيم معروف: السحاب، والقَتَر: التراب تحمله الرياح، وكذلك غيرهما مما يمنع الرؤية.
стр. 3290
(فظاهر المذهب يجب صومه) هذه العبارة غريبة من المؤلف؛ لأنه لم يَرِد مثلها في هذا الكتاب، (فظاهر المذهب)، وكأن المؤلف ﵀ يشير إلى أن في المذهب خلافًا قويًّا على خلاف هذا القول، وسيأتي إن شاء الله، (فظاهر المذهب يجب صومه)، يجب صومه وجوبًا ظنيًّا احتياطًا، ما هو قطعيًّا، لماذا لا يكون قطعيًّا؟ لأنه لم يُرَ، وإنما كان احتياطًا، فالوجوب إذن مبنيٌّ على الاجتهاد والظن، لا على اليقين والقطع، فظاهر المذهب يجب صومه، لماذا؟ احتياطًا، كيف يكون احتياطًا؟ لاحتمال أن يكون الهلال قد هَلَّ، ولكن لم يُرَ بواسطة الغيوم أو القَتَر، أو الضباب أو ما أشبه ذلك؛ وحينئذ يكون للناس -في ليلة الثلاثين- حالان:
الحال الأولى: وجوب الصوم.
والثانية: الفطر، متى يكون الفطر؟
إذا كانت السماء صاحية، ويكون الصوم إذا كان عليها غيمٌ أو قَتَر أو نحوهما فظاهر المذهب يجب صومه، وهذا هو المشهور من المذهب المعتمد عند المتأخرين، حتى قال بعضهم: إن نصوص الإمام أحمد ﵀ تدل عليه، أي: على الوجوب واستدلوا -كما قلت لكم- بأن هذا من باب الاحتياط، وبأن ابن عمر ﵄ كان إذا كان ليلة الثلاثين من شعبان وفيه غيم أو قَتَر أرسل من ينظر إلى الهلال، فإن رآه وإلَّا أصبح صائمًا، أصبح هو بنفسه صائمًا، ولا يأمر أهله بالصيام، لكن لورعه وشدة تحريه ﵁ كان يُصبِح صائمًا، إلَّا أننا نعلم أنه لا يرى الوجوب لأنه لم يأمر بذلك أهله.
فصار الفقهاء ﵏ استدلوا لوجوب الصوم بنظر وأثر؛ النظر الاحتياط، لاحتمال أن يكون الهلال قد هلَّ ولكن منعه هذا الحاجب، والأثر أثر ابن عمر ﵁.
ولننظر إلى هذا الاستدلال هل هو صحيح أو لا؟
فنقول: أما الاحتياط فإنما يكون فيما كان الأصل وجوبه، فشككنا في سقوط الوجوب، وأما ما الأصل عدمه، فلا احتياط في إيجابه، هذه واحدة.
стр. 3291
ثانيًا: ما كان سبيله الاحتياط فقد ذكر الإمام أحمد وغير الإمام أحمد فيما أظن أنه ليس بلازم، وإنما هو على سبيل الورع والاستحباب؛ وذلك لأننا إذا احتطنا وأوجبنا فقد وقعنا في غير الاحتياط، من حيث تأثيم الناس بالترك، والاحتياط أن تؤثِّم الناس أو لا تؤثِّمهم؟
طالب: أن لا تؤثِّمهم.
الشيخ: أن لا تؤثِّمهم؛ فلذلك نقول: إن باب الاحتياط إنما يكون فيما الأصل وجوبه، والأصل هنا عدم الوجوب أو الوجوب؟
طلبة: عدم الوجوب.
الشيخ: عدم الوجوب، فتبين ضعف هذا الاستدلال.
أما الأثر -أثر ابن عمر- فلا دليل فيه أيضًا؛ لأن ابن عمر إنما فَعَلَه ﵁ على سبيل الاستحباب لا شك؛ لأنه لو كان على سبيل الوجوب لأمر الناس به، ولو على الأقل أهْله، ولم يأمرهم بذلك، فسقط الاستدلال بهذين؛ بالأثر، وبالنظر.
بقي أن يُقال: هل في المسألة قول آخر؟
نقول: فيها ستة أقوال غير هذا القول، وهذا السابع؛ فمن العلماء من قال: إنه إنه يَحْرُم صومه، على العكس من القول بالوجوب، واستدل هؤلاء بقول الرسول ﵊: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (٣)، وإذا كان لا يصوم صومًا فصام هذا اليوم الذي فيه الشك فقد تقدم رمضان بيوم، وبحديث عمار بن ياسر الذي علقه البخاري ووصله أصحاب السنن: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » (٤)، ولا شك أن هذا يوم يُشَك فيه؛ لوجود، أيش؟ الغيم والقَتَر، وبقول النبي ﵌: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (٥)، فقوله: «أَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 3292
وإذا وَجَب إكمال شعبان ثلاثين يومًا حَرُم الصوم، وهذا القول هو الصحيح، هو الراجح، أنه لا يجوز صومه احتياطًا، وربما نستدل بدليل رابع وهو قوله ﵌: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٦) فإن هذا من باب التنطع في العبادة، والاحتياطِ لها في غير محله.
القول الثالث: أن صومه مستحب، وليس بواجب؛ استدلالًا بفعل عبد الله بن عمر.
القول الرابع: أن صومه مكروه، وليس بحرام.
والقول الخامس: أن صومه مباح، وليس بواجب، ولا مكروه، ولا مستحب، كم هذه؟ خمسة، الأحكام الخمسة تجري في هذا؛ الوجوب والتحريم والاستحباب والكراهة والإباحة.
القول السادس: العمل بعادةٍ غالبة، العمل بعادةٍ غالبة؛ يقولون: إذا مضى شهران كاملًان فالثالث ناقص، أو شهران ناقصان فالثالث كامل، هذا الغالب، فيُعمل بالعادة الغالبة، فإذا كان شهر رجب وشعبان ناقصين فرمضان كامل، وإذا كان رجب وجمُادى الثانية ناقصين فشعبان كامل.
والقول السابع: أن الناس تبعٌ للإمام، إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا؛ لقوله ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» (٧)، والناس يَتْبَعُون إمامهم في هذا.
فهذه أقوال سبعة أصحُّها التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم وأَمَر الناس به فإنه لا تنبغي منابذته، ويحصُل عدم منابذته أن لا يُظْهِر الإنسان فطرَه، فيفطر في هذه الحال سرًّا.
والمسألة الآن كلها ما ثبت الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجب، لكن الآن لم يثبت دخول الشهر، فهذه سبعة أقوال، وقد عرفتم أدلة كل قول.
стр. 3293
(وإن رُئِيَ نهارًا) (إن رئي) الضمير يعود على الهلال (نهارًا فهو لليلة المقبلة)، وكلام المؤلف في قوله: (فهو لليلة المقبلة) لم يُرِد به الحكم بأنه لليلة المقبلة، بل أراد به رَدَّ قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فإن بعض العلماء يقول: إذا رُئِيَ الهلال نهارًا قبل غروب الشمس من هذا اليوم دلَّ ذلك على أنه لليلة الماضية، ومنهم من فصَّل بما إذا رُئِيَ قبل الزوال أو بعده.
ولكن القول الصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلَّا أن يُرى بعيدًا عن الشمس؛ يعني مرتفعًا عن الشمس كثيرًا، فهنا ربما نقول: إنه لليلة الماضية، إذا قدَّرنا أن بينه وبين مغرب الشمس، يعني: مسافة طويلة، فهذه قد يقال: لليلة الماضية، وأنه لم يُرَ في تلك الليلة لسبب من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر.
ثم إن قوله: (إنه لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه أيضًا؛ لأنه إن رُئي تحت الشمس فليس لليلة المقبلة قطعًا، إن رُئي تحت الشمس يعني: أقرب إلى المغرب من الشمس فليس لليلة المقبلة؛ لماذا؟ لأنه سابق لها، والهلال لا يكون هلالًا إلَّا إذا تأخر عن الشمس، فمثل: لو رأيناه قبل غروب الشمس بنصف ساعة، ووجدناه -أي الهلال- قد بقي عليه ربع ساعة أو عشر دقائق والشمس بقي عليها نصف ساعة فهنا قطعًا لا يكون للمقبلة؛ لماذا؟ لأنه سيغيب قبل أن تغرب الشمس، وإذا غاب قبل أن تغرب الشمس فلا عبرة برؤيته؛ إذ إن العبرة بالرؤية رؤيته بعد الغروب متخلفًا عن الشمس، هذا العبرة.
стр. 3294
ثم قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، (إذا رآه): أي الهلال، (أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، والمراد بالأهل هنا: من تثبت به رؤيته، فهو عامٌّ أُريد به الخاص، فليس المراد به أن جميع أهل البلد من صغير كبير وذكر وأنثى يراه، المراد إذا ثبتت رؤيته بمكان من بلاد المسلمين لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها؛ لقول النبي ﵌: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨). والخطاب موجه لعموم الأمة، فيُصام للرؤية، ويُفطَر للرؤية في جميع أقطار الأرض؛ لأنه خطاب عام، «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ ولأن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وعدم التفرق بينهم بحيث يكون هؤلاء صائمين وهؤلاء مفطرين، هؤلاء مُعَيِّدين وهؤلاء صائمين، ففيه تفريق للأمة، وإذا اجتمعوا فصار يوم صومهم واحدًا ويوم فطرهم واحدًا كان هذا أقوى في الاتحاد، واجتماع الكلمة.
ففيه إذَن دليل أثري ودليل نظري معنوي؛ الأثري قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأْفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والنظري: أن فيه اجتماع كلمة المسلمين واتحادهم، وهذا أمر يَنْظُر إليه الشرع نظر اعتبار، وعلى هذا فإذا ثبتت رؤيته في أقصى المغرب، بل في أمريكا وجب على أهل الصين أن يصوموا مع تباعد ما بين المطالع، فإن مطالع الهلال في أمريكا ومطالعه في أقصى الشرق متباعدة جدًّا لكن مع ذلك يجب الصوم لما سمعتم من الدليل الأثري والدليل النظري.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب إلَّا على مَنْ رآه أو كان في حكمهم، من رآه أو كان في حكمهم، ومن هو الذي في حكمهم؟ مَن وافقت مطالع الهلال عنده مطالع الهلال عند مَنْ رآه، فإذا اتفقت المطالع فإنه يجب الصوم، وإذا اختلفت لم يجب.
стр. 3295
قال شيخ الإسلام ﵀: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة، أهل المعرفة بالفلك وجرائم الشمس والقمر، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلَّا فلا، وهذا القول أقوى من الأول وأصح بدلالة الأثر والنظر الصحيح عليه، أما الأثر فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، والقوم الآخرون الذين لا يوافقون من شهده في المطالع لا يقال: إنهم شهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله إنما أوجب الصوم على مَنْ شهده، ولقول النبي ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فعلَّل الأمر بالصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حكمًا.
وأما القياس فإن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، التوقيت اليومي إمساكًا وإفطارًا يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، فإذا طلع الفجر في المشرق فهل يلزم أهل المغرب أن يُمسكوا؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف؟ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الخطاب للأمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، تبيَّن لنا في المشرق، نقول لأهل المغرب: أمسكوا؟
غابت الشمس في المشرق، وأهل المغرب صائمون والوقت عندهم أول النهار، نقول: غربت الشمس فأفطروا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش ما نقول؟ أليس إذا دخل هلال شوال ورُئي هلال شوال، وهو وقت في الفطر، على هذا القول اللي هو المذهب يُفطِر الناس جميعًا؟
وإذا رُئِي هلال رمضان أمسك الناس جميعًا؟ يعني: صاموا، أليس كذلك؟ إذن ما الفرق؟
الخطاب واحد موجه للعموم معلق بطلوع الفجر وبغروب الشمس.
следующие страницы →