Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
ثانيًا: ما كان سبيله الاحتياط فقد ذكر الإمام أحمد وغير الإمام أحمد فيما أظن أنه ليس بلازم، وإنما هو على سبيل الورع والاستحباب؛ وذلك لأننا إذا احتطنا وأوجبنا فقد وقعنا في غير الاحتياط، من حيث تأثيم الناس بالترك، والاحتياط أن تؤثِّم الناس أو لا تؤثِّمهم؟
طالب: أن لا تؤثِّمهم.
الشيخ: أن لا تؤثِّمهم؛ فلذلك نقول: إن باب الاحتياط إنما يكون فيما الأصل وجوبه، والأصل هنا عدم الوجوب أو الوجوب؟
طلبة: عدم الوجوب.
الشيخ: عدم الوجوب، فتبين ضعف هذا الاستدلال.
أما الأثر -أثر ابن عمر- فلا دليل فيه أيضًا؛ لأن ابن عمر إنما فَعَلَه ﵁ على سبيل الاستحباب لا شك؛ لأنه لو كان على سبيل الوجوب لأمر الناس به، ولو على الأقل أهْله، ولم يأمرهم بذلك، فسقط الاستدلال بهذين؛ بالأثر، وبالنظر.
بقي أن يُقال: هل في المسألة قول آخر؟
نقول: فيها ستة أقوال غير هذا القول، وهذا السابع؛ فمن العلماء من قال: إنه إنه يَحْرُم صومه، على العكس من القول بالوجوب، واستدل هؤلاء بقول الرسول ﵊: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» (٣)، وإذا كان لا يصوم صومًا فصام هذا اليوم الذي فيه الشك فقد تقدم رمضان بيوم، وبحديث عمار بن ياسر الذي علقه البخاري ووصله أصحاب السنن: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ » (٤)، ولا شك أن هذا يوم يُشَك فيه؛ لوجود، أيش؟ الغيم والقَتَر، وبقول النبي ﵌: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (٥)، فقوله: «أَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» أمر، والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 3292
وإذا وَجَب إكمال شعبان ثلاثين يومًا حَرُم الصوم، وهذا القول هو الصحيح، هو الراجح، أنه لا يجوز صومه احتياطًا، وربما نستدل بدليل رابع وهو قوله ﵌: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٦) فإن هذا من باب التنطع في العبادة، والاحتياطِ لها في غير محله.
القول الثالث: أن صومه مستحب، وليس بواجب؛ استدلالًا بفعل عبد الله بن عمر.
القول الرابع: أن صومه مكروه، وليس بحرام.
والقول الخامس: أن صومه مباح، وليس بواجب، ولا مكروه، ولا مستحب، كم هذه؟ خمسة، الأحكام الخمسة تجري في هذا؛ الوجوب والتحريم والاستحباب والكراهة والإباحة.
القول السادس: العمل بعادةٍ غالبة، العمل بعادةٍ غالبة؛ يقولون: إذا مضى شهران كاملًان فالثالث ناقص، أو شهران ناقصان فالثالث كامل، هذا الغالب، فيُعمل بالعادة الغالبة، فإذا كان شهر رجب وشعبان ناقصين فرمضان كامل، وإذا كان رجب وجمُادى الثانية ناقصين فشعبان كامل.
والقول السابع: أن الناس تبعٌ للإمام، إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا؛ لقوله ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» (٧)، والناس يَتْبَعُون إمامهم في هذا.
فهذه أقوال سبعة أصحُّها التحريم، ولكن إذا رأى الإمام وجوب صوم هذا اليوم وأَمَر الناس به فإنه لا تنبغي منابذته، ويحصُل عدم منابذته أن لا يُظْهِر الإنسان فطرَه، فيفطر في هذه الحال سرًّا.
والمسألة الآن كلها ما ثبت الشهر، أما لو حكم ولي الأمر بدخول الشهر فالصوم واجب، لكن الآن لم يثبت دخول الشهر، فهذه سبعة أقوال، وقد عرفتم أدلة كل قول.
стр. 3293
(وإن رُئِيَ نهارًا) (إن رئي) الضمير يعود على الهلال (نهارًا فهو لليلة المقبلة)، وكلام المؤلف في قوله: (فهو لليلة المقبلة) لم يُرِد به الحكم بأنه لليلة المقبلة، بل أراد به رَدَّ قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فإن بعض العلماء يقول: إذا رُئِيَ الهلال نهارًا قبل غروب الشمس من هذا اليوم دلَّ ذلك على أنه لليلة الماضية، ومنهم من فصَّل بما إذا رُئِيَ قبل الزوال أو بعده.
ولكن القول الصحيح أنه ليس لليلة الماضية، اللهم إلَّا أن يُرى بعيدًا عن الشمس؛ يعني مرتفعًا عن الشمس كثيرًا، فهنا ربما نقول: إنه لليلة الماضية، إذا قدَّرنا أن بينه وبين مغرب الشمس، يعني: مسافة طويلة، فهذه قد يقال: لليلة الماضية، وأنه لم يُرَ في تلك الليلة لسبب من الأسباب، لكن مع ذلك لا نتيقن هذا الأمر.
ثم إن قوله: (إنه لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه أيضًا؛ لأنه إن رُئي تحت الشمس فليس لليلة المقبلة قطعًا، إن رُئي تحت الشمس يعني: أقرب إلى المغرب من الشمس فليس لليلة المقبلة؛ لماذا؟ لأنه سابق لها، والهلال لا يكون هلالًا إلَّا إذا تأخر عن الشمس، فمثل: لو رأيناه قبل غروب الشمس بنصف ساعة، ووجدناه -أي الهلال- قد بقي عليه ربع ساعة أو عشر دقائق والشمس بقي عليها نصف ساعة فهنا قطعًا لا يكون للمقبلة؛ لماذا؟ لأنه سيغيب قبل أن تغرب الشمس، وإذا غاب قبل أن تغرب الشمس فلا عبرة برؤيته؛ إذ إن العبرة بالرؤية رؤيته بعد الغروب متخلفًا عن الشمس، هذا العبرة.
стр. 3294
ثم قال: (وإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، (إذا رآه): أي الهلال، (أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم)، والمراد بالأهل هنا: من تثبت به رؤيته، فهو عامٌّ أُريد به الخاص، فليس المراد به أن جميع أهل البلد من صغير كبير وذكر وأنثى يراه، المراد إذا ثبتت رؤيته بمكان من بلاد المسلمين لزم الناس كلهم الصوم في مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها؛ لقول النبي ﵌: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨). والخطاب موجه لعموم الأمة، فيُصام للرؤية، ويُفطَر للرؤية في جميع أقطار الأرض؛ لأنه خطاب عام، «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ ولأن ذلك أقرب إلى اتحاد المسلمين، واجتماع كلمتهم، وعدم التفرق بينهم بحيث يكون هؤلاء صائمين وهؤلاء مفطرين، هؤلاء مُعَيِّدين وهؤلاء صائمين، ففيه تفريق للأمة، وإذا اجتمعوا فصار يوم صومهم واحدًا ويوم فطرهم واحدًا كان هذا أقوى في الاتحاد، واجتماع الكلمة.
ففيه إذَن دليل أثري ودليل نظري معنوي؛ الأثري قوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأْفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والنظري: أن فيه اجتماع كلمة المسلمين واتحادهم، وهذا أمر يَنْظُر إليه الشرع نظر اعتبار، وعلى هذا فإذا ثبتت رؤيته في أقصى المغرب، بل في أمريكا وجب على أهل الصين أن يصوموا مع تباعد ما بين المطالع، فإن مطالع الهلال في أمريكا ومطالعه في أقصى الشرق متباعدة جدًّا لكن مع ذلك يجب الصوم لما سمعتم من الدليل الأثري والدليل النظري.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب إلَّا على مَنْ رآه أو كان في حكمهم، من رآه أو كان في حكمهم، ومن هو الذي في حكمهم؟ مَن وافقت مطالع الهلال عنده مطالع الهلال عند مَنْ رآه، فإذا اتفقت المطالع فإنه يجب الصوم، وإذا اختلفت لم يجب.
стр. 3295
قال شيخ الإسلام ﵀: تختلف مطالع الهلال باتفاق أهل المعرفة، أهل المعرفة بالفلك وجرائم الشمس والقمر، فإن اتفقت لزم الصوم، وإلَّا فلا، وهذا القول أقوى من الأول وأصح بدلالة الأثر والنظر الصحيح عليه، أما الأثر فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، والقوم الآخرون الذين لا يوافقون من شهده في المطالع لا يقال: إنهم شهدوه، لا حقيقة ولا حكمًا، والله إنما أوجب الصوم على مَنْ شهده، ولقول النبي ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» فعلَّل الأمر بالصوم بالرؤية، ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه، لا حقيقة ولا حكمًا.
وأما القياس فإن التوقيت اليومي يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، التوقيت اليومي إمساكًا وإفطارًا يختلف فيه المسلمون بالنص والإجماع، فإذا طلع الفجر في المشرق فهل يلزم أهل المغرب أن يُمسكوا؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف؟ ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الخطاب للأمة ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، تبيَّن لنا في المشرق، نقول لأهل المغرب: أمسكوا؟
غابت الشمس في المشرق، وأهل المغرب صائمون والوقت عندهم أول النهار، نقول: غربت الشمس فأفطروا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش ما نقول؟ أليس إذا دخل هلال شوال ورُئي هلال شوال، وهو وقت في الفطر، على هذا القول اللي هو المذهب يُفطِر الناس جميعًا؟
وإذا رُئِي هلال رمضان أمسك الناس جميعًا؟ يعني: صاموا، أليس كذلك؟ إذن ما الفرق؟
الخطاب واحد موجه للعموم معلق بطلوع الفجر وبغروب الشمس.
стр. 3296
إذن القياس الصحيح أنه كما يختلف المسلمون في الإمساك والإفطار اليومي يجب أن يختلفوا كذلك في الإمساك والإفطار الشهري إذا اختلفت المطالع، وبناء على هذا القول لو رآه أهل المغرب -أي الهلال- ولم يره أهل المشرق لم يلزمهم الصوم، ولو رآه أهل المشرق ولم يره أهل المغرب لزمهم الصوم.
طالب: ما يصير.
الشيخ: كيف ما يصير؟ نعم هو حقيقة ما يصير، متى رآه أهل المشرق والخط واحد فلا بد أن يراه أهل المغرب؛ لأنه إذا رُئي متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فإنه لا يزداد في مسير الشمس إلَّا تأخُّرًا، وإذا رُئي خَفِيًّا في المشرق فسوف يُرى في المغرب ظاهرًا قويًّا، ولا يمكن أن يُرى في المشرق ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه، أبدًا، بل إحدى الدَّعْوَيَيْنِ كاذبة، إما أن المشرق لم يروه، وإما أن المغرب قد حُجِب عنهم، أمَّا أن يقول المشرق: رأيناه ثم يقول أهل المغرب: ما رأيناه فهذا لا يمكن، أليس كذلك؟
لكن لو قال أهل المغرب: رأيناه، وقال أهل المشرق: لم نره؟
طلبة: احتمال، يمكن.
الشيخ: صحيح، هذا يمكن.
إذن القول الراجح على هذا أنه إذا اختلفت مطالع الهلال لم يلزم مَنْ خالفت مطالعهم مطالع الرائين أن يصوموا أو أن يُفطِروا.
القول الثالث في المسألة: أن الناس تبعٌ لإمامهم، إذا صام صاموا، وإذا أفطر أفطروا، فإذا كان تبع المملكة أو الإمارة إذا ثبت في بلد الأمير رؤية الهلال لَزِم جميع مَنْ ينتسب لهذا الأمير أن يصوم.
وعلى هذا فلو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة، ثم حكم الخليفة بالثبوت لَزِم جميع من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها يصوم أو يفطر؛ لئلَّا تختلف الأُمَّة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرُّق.
стр. 3297
وعَمَلُ الناس اليوم على هذا: أنه إذا ثبت عند ولي الأمر لَزِم جميع من تحت ولايته أن يتبعوا ما ثبت عنده من صوم أو فطر، وهذا من الناحية الاجتماعية قول قويٌّ، وحتى لو صححنا القول الثاني الذي نحكم فيه باختلاف المطالع فينبغي لمن رأى أن المسألة مبنيَّة على اختلاف المطالع ألَّا يُظْهِر مخالفةً لما كان عليه الناس؛ لأن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس.
طيب، على هذا القول إذا كانت الحد بين الدولتين فاصلًا فقط، كالمراسيم بين الأرضَيْن، أهل القرية الذين في هذا الحكم يلزمهم الصوم، وأهل القرية التي ليس بينها وبينها إلَّا ذراع واحد لا يلزمهم الصوم، بناء على أن المرجع الولاية، لكن الذي تدل عليه الأدلة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أن المسألة مبنية على اختلاف المطالع.
وذهب بعض أهل العلم -ولا سيما المتأخرين- إلى أنه يلزم حكم الرؤية كلَّ من أمكن وصول الخبر إليه في الليلة؟ وهذا في الحقيقة يشابه المذهب في وقتنا الحاضر؛ لأنه يمكن وصول الخبر لجميع أقطار الدنيا في أقل من ليلة، هذا القول -في الحقيقة- إنما يختلف عن المذهب فيما لو كانت وسائل الاتصالات مفقودة، فيكون ما يصل إلى الخبر في الليلة يجب أن يصوم، وما لا يصل الخبر إليه إلَّا بعد يوم لا يجب.
فالآن باعتبار المواصلات والاتصالات يمكن أن يصل الخبر في دقيقة، إذا أُعلِم مثلًا في الإذاعة هنا في المملكة يَسْمع الإذاعة الذي في المملكة والذي في خارج المملكة كل من يصل إليه صوت الإذاعة.
قال: (وإذا رآه أهلُ بلد لزم النَّاسَ كُلَّهُم الصَّوْمُ)، أو (لزم النَّاسُ كُلُّهُم الصَّوْمَ)؟
طلبة: الأول: (النَّاسَ).
الشيخ: هل الناس يَلْزمون الصوم، ولا الصوم يلزمهم؟
طلبة: الصوم يلزمهم.
الشيخ: الصوم يلزمهم؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لكن ما اللازم؟ هل الناس يلزمون الصوم ولَّا الصوم يلزمهم؟
طلبة: الصوم يلزمهم.
стр. 3298
الشيخ: إي، الصوم يلزمهم، صحيح، كما نقول: يجب الصوم؛ يعني: يلزم الصوم.
طالب: وإذا قال قائل: يا شيخ، وهذا القياس قياس رؤية الهلال على الإمساك والإفطار غير صحيحة؛ يعني: في المملكة العربية السعودية مثلًا بهذه المملكة عشر أوقات للإمساك والإفطار؛ يعني: في ستة ونصف، ستة مثلًا ونصف ودقيقة، إلى عشر دقائق مع أنه رمضان في يوم واحد.
الشيخ: عمل الناس الآن مبنيٌّ على القول بأن الناس تبع للإمام في مسألة دخول الشهر وخروجه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا بالإجماع.
***
( ... ) تختلف، قد يُرى في المغرب ولا يُرى في المشرق، وقد يُرى في الشمال ولا يُرى في الجنوب؛ لأن القمر دائمًا متأخر عن الشمس؛ قال الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ١، ٢]، بعض العلماء يقول: المعنى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ هذا أول النهار، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ هذا أول الشهر؛ لأنه في أول الشهر يتلوها، لكن الواقع أن القمر دائمًا يتلو الشمس، دائمًا متأخر عنها، صحيح؟
إي، لكن قد يقول قائل: في آخر الشهر القمر يطلع قبل الشمس.
نقول: هو بسبب تأخره طلع قبلها؛ يعني: هو كل يوم يتأخر كل يوم يتأخر.
الطالب: ما الذي يترتب على هذا؟
الشيخ: يترتب على هذا نفي قول من يقول: إنه لليلة الماضية، فهؤلاء يقولون إذا رُئِيَ الهلال يلزم الإنسان، إذا رُئِيَ الهلال نهارًا يلزم الإنسان؛ لأنه تَبَيَّن اليوم من رمضان.
طالب: إذا رُئِيَ نهارًا فهو لليلة المقبلة.
الشيخ: كلام المؤلف، لليلة المقبلة، فيه مَنْ يَرى أنه لليلة الماضية، وعليه فيجب الإمساك إذا رُئِي في النهار.
الطالب: ( ... ) أحسن الله إليكم.
الشيخ: ما ندري مَنْ قال، لكنه قول العلماء، لكنه مثلما قلت لكم أنا؛ قلت: حتى كلام المؤلف قوله: (لليلة المقبلة) ليس على إطلاقه.
стр. 3299
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة إذا رآه أهل بلد لزم الناس الصوم؛ يعني: الذين قالوا: إنهم تبع الإمام، ماذا يجيبون عن قضية ابن عباس ﵁ عندما .. ؟
الشيخ: حديث أم الفضل أنها أرسلت مولى لها إلى معاوية، فرجع من معاوية إلى المدينة وقال: إن معاوية أفطر لأنهم رأوا الهلال ليلة الجمعة، قال ابن عباس: أما نحن رأيناه ليله السبت، ولا نزال نصوم حتى نراه، فالفقهاء يجيبون عن هذا بجواب ليس بصواب؛ يقولون: إن ابن عباس لم يعتدَّ بقول الواحد؛ لأنه فِطْر ولا يُعتدَّ بقول الواحد، فهمت؟ ولكنَّ هذا ليس بصحيح والحديث لا يدل على أنه لم يعتدَّ بقول الواحد، بل يدل على أنها لما اختلفت المطالع صار أهل المدينة لا يلزمهم الفطر حتى يروا الهلال.
طالب: ( ... ) ابن عباس ( ... ) رضي الله تعالى عنه.
الشيخ: نعم، لكن معاوية لا يخالف ابن عباس في هذا؛ لأنه يوافقه بعلمه وفقهه.
طالب: شيخ، قد يكون الفرق يومًا بين المطالع يُقْبَل من الناس، لكن المشكلة الآن يوجد يومين؛ لأن قد يصوم الناس في المشرق ويجلس بعض أهل المغرب يومين ما صاموا.
الشيخ: لا، هو الغريب أحيانًا أن أهل المغرب يصومون وأهل المشرق يصومون بعدهم بيومين.
الطالب: بالعكس ( ... ).
الشيخ: لا بالعكس، الباكستان يتأخرون أحيانًا عنا يومين.
الطالب: والمغرب كذلك.
الشيخ: المغرب لا بأس، المغرب قد يكون.
الطالب: بس يومين يا شيخ، هذا السؤال ( ... ) أحدهما يكون كاذبًا.
الشيخ: أحدهما يكون كاذبًا الذي يقول: رأيناه في المشرق، والمغرب يقولون: ما رأيناه.
الطالب: ( ... ) ما صاموا؛ لأنهم ما رأوه.
الشيخ: إذا قال: أهل المشرق رأيناه، وقال أهل المغرب: لم نره، فأحدهما كاذب.
الطالب: هذا الواقع.
الشيخ: لا هذا ما هو بالعكس، هذا الصواب.
الطالب: بس هذا الواقع.
стр. 3300
الشيخ: لأنه إذا رُئي في المشرق لا بد أن يُرى في المغرب، لا بد؛ لأنه إذا كان متأخِّرًا عن الشمس في المشرق فلا يمكن أن يقفز يروح قدامها فلا يُرى، ولهذا تذكرون قبل ثلاث سنوات أننا أفطرنا وكسفت الشمس بعد غروبها، وصار في ضجة كبيرة، قالوا: إفطار السعودية خطأ، لماذا؟ لأن كسوف الشمس سببه أن القمر يحول بينها وبين الأرض، وهذا يقتضي أنها حين غابت عنا غابت بعد القمر، غابت بعد القمر ثم لحقته وكسفت، وصار فيها ضجة كبيرة في الصحف الخارجية، نعم؟ وهذا ما فيه شك، يعني: لا يمكن أن تكسف الشمس بعد الغروب، ثم يُقال: إن الهلال قد هلَّ، أبدًا، مستحيل.
لكن لو قال الإنسان: إن الله على كل شيء قدير، نقول: الله على كل شيء قدير، صحيح، يمكن يجعل الهلال ليلة البدر، القمر ليلة البدر يمكن أن يجعله هلالًا، على كل شيء قدير، لكن كلام العادة والسُّنَّة التي أجراها الله أن هذا لا يمكن أن يقال: هَلَّ الهلال ثم تكسف الشمس بعد الغروب.
ولما قال الفقهاء ﵏: إذا وقع خسوف القمر يوم عرفة صلَّى صلاة الكسوف ثم دفع، قالوا: لأن الدفع وقته واسع، والكسوف غير واسع؛ لأنه ربما ينجلي فتفوت الصلاة، لما قالوا هذا قالوا: ويتصور كسوف الشمس والقمر كل وقت والله على كل شيء قدير، فقال شيخ الإسلام: نعم، لا نعارض في قدرة الله، كما أنه يمكن أنه تخرج الشمس في نصف الليل، ولَّا ما يمكن؟ والله على كل شيء قدير، في آخر الزمان تخرج من مغربها، لكن يقول: أجرى الله العادة أنه لا خسوف للقمر إلَّا في زمن الإبدار، ولا كسوف للشمس إلَّا في زمن الاستسرار في آخر الشهر، ولا يمكن أن يقع خسوف القمر في عَرَفَة أبدًا، مستحيل، وتعرفون أظن قبل شهرين عندنا هنا في عُنيزة ( ... ).
***
стр. 3301
(ولو أنثى) لأن النبي ﵌ لما أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (ولو أنثى)؛ لأنه خبر ديني فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس تُفْطِر على قولها.
إذا رآه على المذهب يُصام بأمر ثالث وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر فإنه يجب أن يُصام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم أو قَتَر.
والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه.
إذا رُئي الهلال نهارًا، هل يكون لليلة الماضية أو المقبلة؟
المذهب يقول: إنه لليلة المقبلة ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرَى تحت الشمس أو فوق الشمس؟ ذكرناه فيما سبق.
إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟
المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع لم يلزمهم، وإن اتفقت لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أنَّا بَيَّنَّا الأدلة على ذلك؛ الأثرية والنظرية.
ثم قال المؤلف: (ويُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، (يُصام): نائب الفاعل يعود إلى رمضان، أي: يصوم الناس على التفصيل السابق، (يُصامُ برؤية عدل ولو أنثى)، وبعضهم يعبر: برؤية ثقة وهو أعم.
(برؤية عدل) مَن العدل؟
العدل في اللغة: المستقيم، ضد المعوج، وفي الشرع: من قام بالواجب ولم يَفْعَل كبيرة ولم يُصِرَّ على صغيرة، هذا العدل، مَن قام بالواجب: يعني أدى الفرائض كالصلوات الخمس، ولم يفعل كبيرة ولم يصرَّ على صغيرة؛ وحينئذ نحتاج في هذا التعريف إلى معرفة ما هي الكبائر؛ لأن الكبيرة بمجرد ما يفعلها الإنسان يخرج عن العدالة ما لم يَتُبْ، والصغيرة لا يخرج بمجرد فعلها ما لم يُصِرَّ عليها؛ فما هي الكبيرة؟
стр. 3302
من الكبائر النميمة، وهي نقل كلام الناس بعضهم ببعض لقصد الإفساد بينهم، فيأتي إلى شخص ويقول: قال فيك فلان كذا وكذا، مما يؤدي إلى العداوة والبغضاء، هذه النميمة.
وقد ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» (٩)، أي: نمَّام، وثبت عنه أنه كُشِف له عن رجلٍ يُعَذَّب في قبره بالنميمة كما في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مَرَّ بقبرين، فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» (١٠)، فإذا نَمَّ الإنسان مرة واحدة ولم يتب فليس بعدل.
من الكبائر أيضًا الغيبة، وهي: «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» (١١) من عَيْبٍ خِلْقي، أو خُلُقي، أو ديني، هذه الغيبة، خِلْقي كأن تقول: هذا الرجل أعور، هذا أنفه مائل، هذا فمه واسع، وما أشبه ذلك، هذا عَيْب خِلْقي.
خُلُقي مثل أن تقول: هذا أحمق، سريع الغضب، عصبي، وما أشبه ذلك.
ديني مثل أن تقول: مُتَهاوِن بالصلاة، لا يَصِلُ رحمه، لا يَبَرُّ بوالديه، وما أشبهها، هذه الغيبة «ذُكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» في غَيْبته ولَّا في حضوره؟
في غَيْبته؛ ولهذا تسمى غِيبة فِعْلَة، من الغَيْب، أما في حضرته، فلا تُسَمَّى غِيبة وإنما تُسَمَّى سبًَّا وشتمًا؛ ولهذا قال النبي ﵊: «إِنِ امْرُؤٌ سَابَّهُ»؛ يعني: الصائم «سَابَّهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (١٢).
رجل اغتاب شخصًا في المجلس، نقول: إنه خرج عن العدالة ما لم يتب من ذلك، هذا هو العدل.
стр. 3303
يقول الفقهاء أيضًا -يزيدون على ذلك-: ولم يخالف المروءة، فإن خالف المروءة فإنه ليس بعَدْلٍ، ومَثَّلوا لذلك بمن يأكل في السوق، ومَثَّلوا لذلك أيضًا بمن يَتَمَسْخَر بالناس؛ يقلِّد أصواتهم وما أشبه ذلك؛ قالوا: هذا ساقط المروءة فيكون ساقط العدالة.
وظاهر كلام أحمد فيمن ترك الوتر: أنه رجل سوء لا ينبغي أن تُقْبَل له شهادة، أنَّ مَنْ ترك عبادة مؤكدة فإنه تَسْقُطُ عدالته، ولكن ينبغي أن يقال: إن الشهادة في الأموال ليست كالشهادة في الأخبار الدينية؛ في الأموال ينبغي أن نُشَدِّد، لا سيما في وقتنا هذا؛ فما أكثر الذين يشهدون زورًا، لكن في الأخبار الدينية يَبْعُد أن الإنسان يكذب فيها إلا أن يكون هناك مُغريات توجب أن يكذب، مثلما يقال: إنه في بعض الدول إذا شهد شخص بدخول رمضان أعطَوْه مكافأة، أو بشهادة شوال أعطوه مكافأة، هذه ربما تُغْرِي ضعيف الإيمان فيشهد بما لم يرَ.
يُشْتَرط مع العدالة -وهي قد فاتت المؤلف ﵀ أن يكون قويَّ البصر بحيث تَصْدُق دعوى أنه رآه، فإن كان ضعيفَ البصر فإنه -وإن كان عدلًا- لا تقبل؛ لأنه إذا كان ضعيف البصر وهو عدل فإننا نعلم أنه متوهم، لكن لعدالته خاف أن يتعلق بذمته شيء فشهِد بما هو متوهم فيه، أليس كذلك؟
لهذا لا بد مع العدالة من قوة البصر بحيث يحتمل صدقُه فيما ادَّعاه، وإلَّا فلا، فلو جاءنا رجل أعمش ضعيف البصر لكنه عَدْل في دينه لا يُخِلُّ بواجب ولا ينتهك محرمًا وقال: لقد رأيت الهلال، قلنا: هات غيرك، قال: تقدح في ديني؟ ماذا أقول له؟
لا، صَوْمُ الناس، خَفْ ربك، يقول للقاضي: خَفِ الله، فيقول له: أنا أشك في إدراكك لهذا، أقدح في رؤيتك، ولا مانع، وإن شاء أن يختبره اختبره، فيضع له علامة في الجدار يكون بينه ويبنها كما بيني وبين الجدار كم أرى؟ ثلاثة متر، علامة كبيرة، علامة استفهام، يقول ما هذه؟ فيقول: هذا رقم تسعة. هل يكون هذا ثقة؟
стр. 3304
لا ما هو ثقةً، فلا نقبله وإن كان عدلًا في دينه، وعندنا في ذلك دليل من القرآن وهو أن الله جعل القوة والأمانة من مُسَوِّغَات إجراء ما يترتب على العمل، ففي قصة موسى مع صاحب مَدْيَن؛ قالت إحدى ابنتيه: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال العفريت من الجن الذي التزم أن يأتي بعرش ملكة سبأ قال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]، فهذان الوصفان رُكْنان في كل عمل، ومنها الشهادة.
إذن نقول: برؤية عدل، فات المؤلف أن يقول: قويّ البصر، لكن لو أراد شخص أن يعتذر عن المؤلف ويقول: إن العدل إذا كان ضعيفَ البصر فلا يمكن أن يشهد بما لم يره، ما تقولون؟
نقول: لا هذا ليس بعذر؛ لأن العدل إذا تَوَهَّم وتَخَيَّل أنه رأى الهلال فسوف يُصِرُّ على أنه رآه؛ لما عنده من الدِّين الذي يرى أنه من الواجب عليه أن يبلِّغ لأجل أن يصوم الناس أو يُفْطِر الناس، فلا بد من إضافة قوي البصر.
قال: (ولو أنثى) قوله: (لو) غالبًا ما تأتي إشارة للخلاف، والمسألة كذلك في هذا.
قوله (ولو أنثى) إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: الأنثى لا تُقبل شهادتُها في رؤية الهلال، رمضان ولا غيره؛ لأن الذي رأى الهلال في عهد رسول الله ﷺ رجل فلا يُقبل إلَّا الرجال؛ ولأن النبي ﵌ قال: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فُصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (١٣)، شاهدان، والمرأة شاهدة، وليست شاهدًا.
ولكن الفقهاء ﵏ -فقهاء المذهب- يقولون: إن هذا خبرٌ دينيٌّ يستوي فيه الذكور والإناث، كما استوت الذكور والإناث في الرواية، والرواية خَبَرٌ ديني، فكذلك الخبر برؤية الهلال؛ ولهذا لم يشترطوا لرؤية هلال رمضان ثبوت ذلك عند الحاكم، ولا لفظ الشهادة، بل قالوا: لو سمع شخصًا ثقة يحدث الناس في مجلسه: إنه رأى الهلال فإنه يلزمه أن يصوم بخبره.
стр. 3305
وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ يعني كون الإنسان إذا سمع شخصًا يُخبِر بأنه رأى هلال رمضان فإن يلزمه الصوم؟ هذه تحتاج إلى نظر؛ لأنه لا بد أن تُضبط الأمور ويقال: لا بد أن يذهب هذا الشاهد إلى الحاكم ليحكم برؤيته.
قال: (فإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلالُ، أو صاموا لأجل غَيْمٍ لم يُفْطِروا)، (إن صاموا) أي: الناس (بشهادة واحد) أي: في دخول شهر رمضان، ولم يُرَ الهلال حينها أتموا ثلاثين فإنهم لا يفطرون، بل يصومون واحدًا وثلاثين يومًا، فإن لم يُرَ الهلال صاموا اثنين وثلاثين يومًا.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: بلى، كيف.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، ربما يكونوا أخطؤوا في شعبان.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يكون فيه خطأ في شعبان يوم، وفي دخول رمضان يوم.
طلبة: يومين.
الشيخ: هذان يومان، على كل حال، إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يُرَ الهلال، وجب عليهم واحدًا وثلاثين يومًا، لماذا؟ لأنه لا يثبُت خروج الشهر إلَّا بشهادة رجلين، وهنا الصوم مبنيٌّ على شهادة رجل، فهو مبنيٌّ على سببٍ لا يثبُت به خروجُ الشهر.
الآن الصيام ثابت بشهادة واحد، والإفطار لا يثبُت إلا بشهادة اثنين إذن لا تُفْطِر؛ يعني: إذا أفطرت فقد بَنَيْتَ على شهادة واحد، هذا هو المشهور من المذهب، وعرفتم التعليل.
وقال بعض أهل العلم: بل إذا صاموا ثلاثين يومًا بشهادة واحد لزمهم الفطر؛ لأن الفطر هنا تابع للصوم ومبنيٌّ عليه، والصوم ثبت بطريق شرعيٍّ مقبول، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فشهادة شوال لا تُقبل إلَّا برجلين لكن لما ثبت دخول شهر رمضان شرعًا كان دخوله مبنيًّا على أصل شرعي، فيكون خروجه مبنيًّا على هذا الأصل تبعًا، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا.
стр. 3306
وهذا القول هو الصحيح أنهم إذا صاموا بشهادة واحد ثلاثين يومًا لزمهم الفطر؛ لأن الشهر لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا، كذلك إذا صاموا لأجل غيم فإنهم لا يفطرون، وهذا الذي قالوه نوافقهم عليه؛ لأن صيامهم في أول الشهر ليس مبنيًّا على بَيِّنَة، وإنما هو احتياط، كما ذكروا أنه يصومه احتياطًا حكمًا ظنيًّا؛ وعلى هذا فإذا صاموا لأجل غيم لم يفطروا لو صاموا ثلاثين يومًا، وعلى القول الصحيح: هل تأتي هذه المسألة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنهم لن يصوموا لأجل الغيم، فهذه المسألة إنما تتأتى على قول مَنْ يُلزِمُهم بالصيام يوم الغيم.
طالب: قال بعض العلماء: يجوز شهادة رجل غير عدل في الصيام وفي ( ... ) لا يجوز؛ لأن هذا الرجل غير عدل عنده تهاون في الواجبات، وإذا قال ( ... )، وإذا قال ( ... ) عنده تهاون في الواجبات ( ... )، فما تقول في قول هذا؟
الشيخ: أقول: ليس بصحيح.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: نعم، غير صحيح؛ لأنه حتى وإن كان غير عدل يمكن يريد أن يُضِرَّ الناس فيشهد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هو يأكل أو ما يأكل.
طالب: شيخ لو أن إنسانًا فاعلًا كبيرة، ثم رأى الهلال، فهل يجب أن يخبرهم أنه فعل كبيرة أو يمكن أن يشهد؟
الشيخ: ما تقولون؟ سؤال: يقول إذا كان الإنسان غير عدل فاعل كبيرة ورأى الهلال، فهل يلزمه أن يخبر القاضي بأنه فعل كبيرة ليرد شهادته، أو يسكت ويجعل الحاكم يحكم بالظاهر؟
طلبة: يسكت.
طالب آخر: يشهد.
الشيخ: يُخبر، يفضح نفسه؟ !
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، يتوب ويبلِّغ.
الطالب: ( ... ) يُخبر عن نفسه ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا إن حصل فطيب، يعني: لو فرضنا إنسانًا مبتلى بشرب الخمر -والعياذ بالله- ويعرف أنه ما هو براح يترك الخمر، لكنه رأى الهلال قطعًا، فهل يلزمه أن يُخبر؟ فيجيء القاضي يقول: يا حضرة القاضي، لقد رأيت الهلال يقينًا، وأنا أشرب الخمر؟
طالب: أحسن الله إليكم، نلزمه أنه يصوم.
стр. 3307
الشيخ: إي، ما يخالف، هو يمكن يصوم، لكن الكلام على أنه هل يشهد عند القاضي ولَّا لا؟
طالب: ( ... ) القاضي ما فيه فائدة؛ لأن القاضي لا ( ... ).
الشيخ: لا، هو إن أخبر القاضي ما هو بقابل شهادته، لكن هل يلزمه أن يُخبر أو يقول: أنا تيقنت الآن إني رأيت الهلال، هو إذا حصل أن يتوب إلى الله ويُخبر، هذا هو الواجب، لكن إذا لم يحصل فالظاهر لي أنه يَلْزَمه أن يخبر، ما هو بأنه يشرب الخمر، يلزمه أن يخبر بأنه رأى الهلال، ولا يُخبِر بأنه شارب الخمر؛ لأن الأحكام تتبعض.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما يمكن ( ... ).
الطالب: ترائي الهلال ( ... ) هل يؤثر على ( ... )؟
الشيخ: لا، يقول: ترائي الهلال في الصباح يوم الثلاثين أو التاسع والعشرين هل يؤثر؛ يعني: هل نستفيد؟
لا نستفيد منه من حيث ثبوت دخول الشهر، لكن نستفيد منه من حيث أنه يُقرِّب أن يُرى الليلة أو لا يُرى؛ فمثلًا إذا رُئي رفيعًا فهذا يبعد أن يُرى، لكن إذا لم يُرَ فإن الناس يزداد تحرِّيهم له بعد الغروب.
طالب: أحسن الله إليكم ( ... ) استعمال النظارات، هل تقبل رؤيتهم بالعين المجردة هكذا؛ ( ... ) نظارات ( ... ) مكبر؛ ميكروسكوب ولَّا؟
الشيخ: إي، معناه: أنه قَوِيَ النظر.
الطالب: إي، لكن يلبس نظارت.
الشيخ: إي ما يخالف؛ يعني: بواسطة؟
الطالب: بواسطة.
الشيخ: ما في بأس، أنا أذكر لما كان ما فيه أنوار كهرباء كان الناس يصعدون على المناير ومعهم مكبر النظر، إي نعم ما فيه شيء؛ ولهذا نرى أن هذا حجة في استعمال مراصد، لكن المراصد أنا أرى أنه يُعمل بها في ردِّ شهادة مَنْ شَهِد ولم يُرَ في المرصد، لا في إثبات الهلال إذا لم يَرَه أهل الأرض؛ يعني: مثلًا لو جاءنا إنسان في الأرض قال: أنا رأيت الهلال قطعًا، وأهل المرصد عدول ثِقات يقولون: ما رأيناه، بل رأيناه قد غاب قبل الشمس؛ لأن المرصد يمشي مع القمر، فهل نَرُدُّ شهادة هذا الرجل؟ نعم، أنا أرى أنه يجب أن تُرَد؛ لأنه كذَّب الواقع.
стр. 3308
لكن لو قال أهل المرصد: رأينا الهلال، ولكن أهل الأرض لم يروه فلا عبرة بالمرصد؛ لأن قول الرسول «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ» (١٤) يعني: الرؤيا المعتادة.
***
طالب: ( ... ) شيخ لو ثبت دخول شهر رمضان بعدلين، فهل ( ... ) الثلاثين أو لا؟
الشيخ: لا، يُفطرون.
الطالب: الذين قالوا: إنه إذا ظهر الهلال في بلد ولم يظهر في الآخر لم يلزمهم الصوم واستدلوا بالليل والنهار، قالوا: يكون أهل البلد الصائمون ( ... ) هؤلاء صائمون، شيخ، ما نرد عليهم ونقول: إن الاختلاف القمري أوسع من الاختلاف الشمسي؛ الاختلاف الشمسي يكون دقائق، لكن الاختلاف القمري يكون أكبر.
الشيخ: لا، نفس الشيء، دقائق.
الطالب: هذا الاختلاف ما هو اختلافًا شهريًّا.
الشيخ: لا، دقائق؛ لأن هذا مُقَيَّد بالغروب ويكون يومًا كاملًا، لكن هو دقائق؛ يعني: يمكن يغيب عن أهل المشرق قبل الغروب بدقيقة، ويتأخر عن أهل المغرب بعد الغروب بدقيقة فيُرى.
طالب: لكن هذا مثلًا بشهر.
الشيخ: لا، ما هو بشهر، هذا يوم، الفرق يوم؛ لأن هذا اليوم موقت برؤية الهلال عند الغروب، إنما نفس الهلال يتأخر عن هؤلاء بدقيقة أو دقيقتين.
الطالب: وأيضًا يا شيخ نفس الصائمون يكونون مشتركين في اليوم؛ يعني: مثلًا هؤلاء مثلًا بينهم دقيقة ( ... ).
الشيخ: ما يهم، كله واحد، ما فيه شيء، هذا غير مؤثر، كونهم يشركون في اليوم، وإذا لم تغيب الشمس قبل أن يصوموا ما يؤثر.
طالب: مَنْ عرَّف الكبيرة بأنها ما حُدَّ لها عقوبةٌ دنيوية يترتب على فعلها عقوبة دنيوية ..
الشيخ: عقوبة دنيوية أو أخروية.
طالب: يعني هل .. ؟
الشيخ: هذا حَدُّ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة واقتصر على ذلك، وبعضهم قال: ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ترتيب لعنة أو غضب أو نَفْي إيمان فجعلها خمسة.
стр. 3309
وبعضهم عدَّها عدًّا: الزنا، الربا، السرقة، وحَدَّ وعَدَّ، لكن ما ذكره الشيخ وجيه؛ كل ما رُتِّبَ عليه عقوبة خاصة فهو كبيرة؛ لأنه يتميز عما نُهي عنه نهيًّا مجرَّدًا.
طالب: ينبغي لنا أن نتراءى الهلال بالمكبرات؟
الشيخ: بالميكروفونات؟ !
الطالب: بمكبرات النظر.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: يعني: مطلوب يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، مطلوب.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لمستور الحال ( ... )؟
الشيخ: المذهب لا يقبلون مستور الحال في هذه المسألة، في بعض المواضع يقبلون مستور الحال، لكن في هذه لا يقبلون.
طالب: ( ... ).
الشيخ: والله الذي يظهر لي أن القاضي إذا وثق بالرجل ما يحتاج للبحث عن عدالته.
طالب: ( ... ) يجب عليه الشهادة؟ تاب، هل يجب عليه أن يشهد عند القاضي؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: إذا رأى الهلال وقد فعل كبيرة ثم تاب، فهل يلزمه أن يبلغ القاضي؟
نقول: يجب، نعم يلزمه.
طالب: لكنه غير عَدْل، واشتراط العدالة؟
الشيخ: العدالة عند الأداء.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو عند التحمل، عند الأداء؛ ولهذا لو تَحَمَّل الشهادة وهو فاسق، ثم أدَّاها وهو عَدْل قُبِلْ، بل لو تَحَمَّل الشهادة وهو كافر ثم أسلم فإنه يُقبَلْ.
طالب: بالنسبة للعدالة ( ... ).
الشيخ: إي هذه المشكلة.
الطالب: فإن بعض الناس ( ... ).
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هذا حق أن ننبه عليه.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: لو قلنا بهذا القول ما وجدنا أحدًا عدلًا، مَن يَسلَم من الغِيبة؟ مَن يَسلَم من السخرية بالناس؟ مَن يَسلَم من التهاون في الواجبات؟ مَن يَسلَم من أكل المحرَّم؟ ما أكثر الذين يتخلفون عن الواجب في الوظائف، يتأخر في الحضور أو يتقدم في الخروج، وما أكثر الذين يقولون في إخوانهم ما لا يرضَون، مشكلة هذه، ويشرب الدخان ويحلق اللحية.
стр. 3310
فيه بعض الناس يحلق اللحية ويشرب الدخان ويشرب الخمر، لكن لا يمكن أن يشهد إلَّا على حق، أبدًا، هذا شيء مُشاهَد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فجعل المسألة راجعة إلى ما يرضاه الناس، والصحيح في هذه المسألة أنه يُقْبَل مِنْ شهادة الفاسق ما يترجح أنه حَقٌّ وصدق؛ لأن الله لم يأمرنا بِرَدِّ شهادة الفاسق، قال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] تثبَّتوا، فهذا هو الصحيح.
***
طالب: الحمد لله رب العالمين، وأُصَلِّي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وإن صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، فلم يُرَ الهلال، أو صاموا لأجل غيم لم يُفْطِروا، ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قولُه أو رأى هلال شوال صام، ويلزم الصومُ لكل مسلم مكلَّف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل مَنْ صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طَهُرَتَا ومسافر قَدِمَ مُفْطِرًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق أن الناس يلزمهم الصوم على المشهور من المذهب بواحد من أمور ثلاثةٍ:
الأول: رؤية الهلال.
والثاني: إكمال شعبان ثلاثين.
والثالث: أن يحول دون منظره ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قَتَر.
أمَّا الأول والثاني فصحيح، وأما الثالث فلا، الصواب: أن الثالث إذا حال دون منظره غَيْمٌ أو قَتَر فإنه لا يجب الصوم، بل يحرُم، وبناءً على ذلك إذا صاموا من أجل الغيم وأتموا ثلاثين، فما الحكم؟
طالب: إن صاموا من أجل الغيم وأتمَوا ثلاثين فإنهم يصومون.
الشيخ: يفطرون أو لا؟
الطالب: يفطرون.
الشيخ: بناء على؟
الطالب: على الصحيح ( ... ).
الشيخ: على الصحيح.
стр. 3311
طالب: ( ... ) حفظكم الله ( ... ) يصومون واحدًا وثلاثين؛ لأنهم ( ... ).
الشيخ: إذن لا يبنون على الصوم الأول، إذا صاموا ثلاثين من أجل الغيم ولم يُرَ الهلال أتمُّوا.
الطالب: واحدًا وثلاثين.
الشيخ: يعني: استمروا في الصوم.
إذا صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا، على المذهب؟
الطالب: لا يفطرون.
الشيخ: لا يفطرون، لماذا؟
الطالب: قالوا: لأن ..
الشيخ: دخول شوال لا يثبت؟
الطالب: لا يثبت إلَّا بشهادة إلَّا باثنين.
الشيخ: نعم، إلَّا باثنين، ودخول رمضان ثبت بواحد فلا يُبنى عليه، وهل هناك قول آخر؟
طالب: ( ... ).
طالب آخر: ( ... ) على تحريم صيام يوم ..
الشيخ: لا، هل هناك قول آخر أنهم إذا أتموا ثلاثين بشهادة واحد يُفطرون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فيه قول، ما حجة هذا القول؟
الطالب: الذين قالوا ( ... ).
الشيخ: لأنهم يفطرون، الذين قالوا: لا يفطرون عرفنا.
الطالب: نعم يقولون: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: يدخل في ( ... ) ما لا يثبت بالاستقلال ( ... ).
الشيخ: ودخول رمضان ثابت شرعًا؟
الطالب: بشهادة واحد ( ... ).
الشيخ: تمام، صحيح، وهذا القول هو الصحيح.
ثم انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى مهمة؛ (وَمَنْ رأى وَحْدَه هلالَ رمضانَ ورُدَّ قولُه) (وَحْدَه) أي: منفردًا عن الناس، سواءٌ كان منفردًا بمكان أو منفردًا برؤية.
مثال المنفرد بمكان: أن يكون الشخص في برية ليس معه أحد فيرى الهلال، ويذهب إلى القاضي فيَرُدُّ قوله؛ إما لجهالته بحاله، أو لغير ذلك من الأسباب هذا انفرد بالمكان، أو انفرد بالرؤية؛ بحيث يجتمع معه ناس يتراءَون الهلال فيراه هو ولا يرونه، فهذا أيضًا رأى وحده هلال رمضان منفردًا بالرؤية لا بالمكان، لكن رُدَّ قوله.
стр. 3312
يقول المؤلف: (صَامَ)، (صام) يعني: لزمه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا الرجل قد شَهِدَ الشهر فوجب عليه أن يصوم؛ ولقول النبي ﵌: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٨)، وهذا الرجل رآه فوجب عليه الصوم، وفي لفظ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» وهذا الرجل رآه فيلزمه الصوم، وهل يلزمه الصوم فقط أو كل ما يترتب على دخول الشهر؟
كل ما يترتب على دخول الشهر؛ لأنه رآه، فيلزمه الصوم.
المسألة الثانية: (أو رأى هلالَ شوالٍ) يعني: وحده، إذا رأى هلال شوال فإنه يصوم، والفرق بينهما أن هلال شوال لا يثبت إلَّا بشاهدين، لا يثبت شرعًا إلَّا بشاهدين، وهنا لم يشهد به إلَّا واحد، فلا يكون داخلًا شرعًا، فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكَّد.
نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يَثْبُت دخول شوال إلَّا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفِطر سِرًّا، إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يُفْطِر سِرًّا؛ لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وآلهوسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (١٤) وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًا؛ لئلا يُعْلِن مخالفة الجماعة، لئلا يُعلن مخالفة الجماعة.
واختار شيخ الإسلام ﵀ في هاتين المسألتين أنه يَتْبَعُ الناس وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال: ما هَلَّ واستهل واشتهر، لا ما رُئِي، وعلى هذا -على رأي الشيخ ﵀ يلزم هذا الرجل أن يصوم كما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان لا يلزمه أن يصوم.
стр. 3313
ويَلْزَمُ الصومُ لكلِّ مُسلمٍ مكَلَّفٍ قادرٍ. وإذا قامت البَيِّنَةُ في أثناءِ النهارِ وَجَبَ الإمساكُ والقضاءُ على كلِّ مَن صارَ في أثنائِه أَهلاً لوُجوبِه، وكذا حائضٌ ونُفَسَاءُ طَهُرَتَا، ومسافرٌ قَدِمَ مُفْطِرًا، ومَن أَفْطَرَ لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه أَطْعَمَ لكلِّ يومٍ مِسكينًا،
فيلزمه الصوم مع أنه رآه، رأى الهلال بعينه وتأكد، نقول: يلزمه الصوم، والتعليل: لأنه لا يثبت دخول شوال إلا بشاهدين، وإذا شهد واحد لم يثبت دخوله شرعًا.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه الفطر سرًّا إذا رأى وحده هلال شوال، يجب عليه أن يفطر سرًّا لماذا؟ لقول النبي ﵌: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (١)، وهذا الرجل قد رآه، ولقوله: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (٢)، وهذا الرجل قد رآه، فيلزمه الفطر، ولكن يلزمه ذلك سرًّا؛ لئلا يُعلن مخالفة الجماعة.
واختار شيخ الإسلام ﵀ في هاتين المسألتين أنه يتبع الناس، وأنه لو رأى وحده هلال رمضان لم يلزمه الصوم؛ لأن الهلال ما هلَّ واستهل، واشتهر، لا ما رُئي، وعلى هذا -على رأي الشيخ ﵀ يلزم هذا الرجل أن يصوم وكما قال المؤلف، لكن كلامنا نريد على رأي الشيخ في مسألة رؤية رمضان، لا يلزمه أن يصوم إذا رأى وحده هلال رمضان ورد قوله.
وهنا المؤلف ﵀ يقول في هلال رمضان: (ورد قوله)، ولم يقل في هلال شوال (ورد قوله)؛ لأن هلال شوال لا يثبت به دخول الشهر مطلقًا حتى لو قُبل، وقيل له: أنت رجل عدل، ونصدقك بأنك رأيته فإنه لا يعتبر، بخلاف رمضان.
стр. 3314
والخلاصة الآن ليتضح المقال: دخول رمضان يثبت بشهادة الواحد، ودليله حديث ابن عمر: أخبرت النبي صلى الله عليه أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه (٣)، هلال شوال وغيره من الشهور لا يثبت إلا بشاهدين؛ لقول النبي ﵌: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (٤)، فقال: «إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا»، ومثل ذلك أيضًا دخول شهر ذي الحجة، لو رأى الإنسان وحده هلال ذي الحجة، فهل يثبت دخول الشهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وعلى هذا فلو وقف هذا الرجل بعرفة في اليوم التاسع عنده الذي هو الثامن عند الناس، فإن ذلك لا يجزئه، ولو أراد أن يصوم في اليوم التاسع عنده الذي هو الثامن عند الناس بنية أنه من عرفة، فإن ذلك لا يجزئه عن عرفة. وفي اليوم التاسع عند الناس الذي هو العاشر عنده، هل يجوز أن يصومه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنه وإن كان عنده حسب رؤيته العاشر، لكنه عند الناس التاسع، لم يثبت شرعًا دخول شهر ذي الحجة بشهادة هذا الرجل، وعلى هذا فإذا وقف في اليوم العاشر عنده، وهو التاسع عند الناس أجزأه الوقوف.
والذي يظهر لي في مسألة الصوم ما ذكره المؤلف ﵀ أنه يصوم سرًّا، أما في مسألة الفطر فإنه لا يفطر، وهذا من باب الاحتياط، نكون احتطنا في الصوم، واحتطنا في الفطر، ففي الصوم قلنا له: صُم، وفي الفطر قلنا له: لا تفطر، صُم؛ لأنك وإن رأيته فإن الاحتياط ألا تفطر، تبعًا لمن؟ تبعًا للجماعة، هذا عندي أقرب، مع أن المسألة تحتاج إلى نظر، أما شيخ الإسلام ﵀ فقال: المعتبر ثبوته شرعًا لا عبرة برؤيته؛ لأن الهلال هو ما استهل وظهر وبان، وأما أن ينفرد برؤية رجل فهذا لا ينبني عليه حكم.
ثم قال المؤلف مبينًا من يلزمه الصوم: (يلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر)، يلزم الصوم لكل مسلم وضده؟
طلبة: الكافر.
стр. 3315
الشيخ: الكافر، فالكافر لا يلزمه الصوم، بل لو صام لم يجزئه، ولم يصح منه، والله أعلم.
طالب: ( ... ) رؤية، ما هو احتياط أنه يصوم؟ لأن اليوم العاشر يوم العيد ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: نفرض عليه الصيام؟
الشيخ: بلى، لكن ما صار يوم العيد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم؟
الطالب: عنده احتياط، ما هو الأولى أنه ما يصوم احتياطًا؟ لأن اليوم العاشر عيد عنده.
الشيخ: يقول: إذا رأى هلال ذي الحجة وصار عنده اليوم العاشر، فلماذا لا نقول: إنه يحتاط ولا يصوم؛ لأنه يوم عرفة؟
نقول: لأن دخول الشهر لا يثبت شرعًا إلا بشاهدين، أما رمضان فلأن دخول الشهر يثبت بشاهد واحد، فلهذا نقول: إذا رأيت هلال رمضان فصم.
طالب: جزاك الله خيرًا، طيب إن احتطنا يا شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: ( ... ) هلال شوال ( ... ) يصوم احتياطًا؟
الشيخ: كيف يصوم احتياطًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: يصوم تبعًا للجماعة.
طالب: ( ... ) احتياطًا.
الشيخ: يصوم تبعًا للجماعة، لا، هو الآن لو أنه اعتبر رؤيته في هلال شوال لكان الصوم حرامًا عليه.
الطالب: لا، أقصد يا شيخ، إحنا الآن ثلاثين من رمضان ( ... ) رأى الهلال- هلال شوال، قلنا احتياطًا: إنه يصوم احتياطًا.
الشيخ: طيب.
الطالب: وهذا يا شيخ ( ... ) هل يصوم احتياطًا؟
الشيخ: لا، لأن هنا قلنا له: يتبع الجماعة، حكمنا بأنه يتبع الجماعة احتياطًا في دخول شوال، نحكم بأنه يتبع الجماعة احتياطًا أيضًا في دخول ذي الحجة.
الطالب: رجل صام يومًا من رمضان، ثم ارتد ( ... )، ثم فاته يوم أو يومان، هل يلزم القضاء؟
الشيخ: يعني ثم عاد للإسلام؟ ما يلزمه القضاء، في حال الكفر لا يلزمه القضاء.
طالب: شيخ، على قول المذهب ومن تبعه إذا هل الهلال في بلد لزم الجميع، الآن العالم الإسلامي الآن متفرق، والإعلام منتشر يعني لو ظهر في السعودية يراه في المغرب يسمع به، هل نقول للذي في المغرب مثلًا يصوم؟
стр. 3316
الشيخ: الآن عمل الناس -بارك الله فيك- كل دولة لها رؤيتها، إلا إذا حسنت العلاقات مع الدولة الأخرى.
الطالب: صاروا مع بعض.
الشيخ صاروا مع بعض، إنما نقول للإنسان: إذا صام الناس في بلدك صُم، وإذا أفطر فأفطر.
الطالب: بالنسبة للشعب؟
الشيخ: الشعب إي نعم نقول: لا تفده.
الطالب: ( ... ) عندنا مثلًا ( ... ).
الشيخ: هذا غلط من بعضهم، يقول بعض الناس العامة: عَيِّدوا والناس صائمون، ما هو بصحيح.
طالب: لا، هم يتبعونه في الصيام، لكن في العيد يتبعون.
الشيخ: لا، أنا سمعت أنهم عيَّدوا، فيه ناس أقاموا صلاة العيد.
طالب: أحسن الله إليكم، الأقليات في الدول الكافرة من تتبع؟
الشيخ: في الدول الكافرة، نعم، تتبع إذا كان هناك رابطة أو مكتب إسلامي تتبع ما يقول هذا المكتب، وإذا لم يكن كذلك فهم يخيرون، والأحسن أن يتبعوا أقرب بلد إليهم.
طالب: إذا شهد شاهدان في شوال، وكل واحد يقول: رأيت الهلال، ولكن أقوالهم متعارضة، يقول واحد: هلال هكذا، والثاني قال: هلال هكذا؟
الشيخ: ما تقبل شهادتهم.
الطالب: ولا واحد؟
الشيخ: إي، ولا واحد؛ للتناقض.
الطالب: وكذلك في الصيام مثلًا قال: رأيت شهر رمضان، وكان هو الآخر الآخر قال: رأيت رمضان هكذا.
الشيخ: هلال رمضان ما يشترط فيه التعدد.
الطالب: يعني يسقط قول هذه بهذه، ولا ما يسقط؟
الشيخ: لا، ينظر للأرجح منهما.
طالب: المشهور عندنا ( ... ).
الشيخ: المحبوس.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يجب التحري، ( ... ).
الطالب: ( ... ) وافق العيد ( ... ).
الشيخ: إي؛ لأنه يكون وافق وقت نهي، أيش عندنا الآن؟
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
стр. 3317
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويلزم الصوم لكل مسلم مكلف قادر، وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا، ومسافر قدم مفطرًا، ومن أفطر لِكبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لما ذكر المؤلف ﵀ ما يثبت به دخول الشهر، ذكر من يلزمه الصوم، فقال: (ويلزم الصوم لكل مسلم)، يعني لا كافر، الإسلام ضده الكفر، فالكافر لا يلزمه الصوم، ولا يصح منه الصوم، ومعنى قولنا: لا يلزمه أننا لا نلزمه به حال كفره، ولا بقضائه بعد إسلامه، أما دليل الأول فقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].
فإذا كانت النفقات -ونفعها متعدٍّ- لا تُقبل منهم لكفرهم، فالعبادات الخاصة من باب أوْلى، وأما كونه لا يقضي إذا أسلم؛ فلقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يعني عن كفرهم ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وثبت عن طريق التواتر أن الرسول ﵊ كان لا يأمر من أسلم بقضاء ما فاته من الواجبات.
стр. 3318
ولكن هل يُعاقَب على تركها في الآخرة؟ الجواب: نعم، يعاقب على تركها في الآخرة، وعلى ترك جميع واجبات الدين؛ لأنه إذا كان المسلم المطيع لله الملتزم لشرعه يعاقب عليها، فالمستكبر من باب أولى، وإذا كان الكافر يعذب على ما يتمتع به من نِعم الله من طعام وشراب ولباس، ففعل المحرمات وترْك الواجبات من باب أوْلى، هذا بالنظر للقياس، أما بالنظر للنص، فقد قال الله تعالى عن أصحاب اليمين أنهم يقولون للمجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]، فهذا هو الذي أدخلهم في سقر.
فإن قال قائل: تكذيبهم بيوم الدين كُفر، وهو الذي أدخلهم في سقر؟
قلنا: لكنهم ذكروا أربعة أشياء، ولولا أن لهذه المذكورات، مع التكذيب بيوم الدين أثر في إدخالهم النار لم يكن لذكرها فائدة، ولولا أنهم عُوقبوا عليها ما جرت على بالهم.
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الصلاة، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ الزكاة، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ مثل الاستهزاء بآيات الله، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
إذن فالكافر لا يُؤمر بالصوم حال كفره، ولا يُقبل منه لو صام، ولكنه يُعذَّب عليه في الآخرة.
قال: (مُكلَّف) وإذا رأيت كلمة (مكلف) في كلام الفقهاء فالمراد بها البالغ العاقل؛ لأنه لا تكليف مع الصغر، ولا تكليف مع الجنون، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة بالنسبة للذكر: تمام خمس عشرة سنة، إنبات العانة، إنزال المني بشهوة، وللأنثى بأربعة أشياء هذه الثلاثة، ورابع وهو.
طالب: الحيض.
الشيخ: الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت ولو لم يكن لها إلا عشر سنين.
стр. 3319
العاقل ضده المجنون، أي: فاقد العقل، من مجنون ومعتوه ومُهذر، وما أشبه ذلك، كل من ليس له عقل بأي وصف وُصف فإنه ليس بمكلَّف، وليس عليه شيء من واجبات الدين لا صلاة، ولا صيام، ولا إطعام، ولا شيء، يعني لا يجب عليه إطلاقًا، وعليه فالمهذرم الكبير المُخرِّف، لا يجب عليه صوم، ولا إطعام، لماذا؟ لفقد الأهلية، أهلية التكليف؛ وهي العقل.
(قادِر) يعني قادرًا على الصيام احترازًا من العاجز؛ فالعاجز ليس عليه ليس عليه صوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، لكن بالتتبع والاستقراء تبين أن العجز ينقسم إلى قسمين: قسم طارئ، وقسم دائم.
فالقسم الطارئ هو المذكور في الآية عليه ﴿عِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والدائم هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، حيث فسرها ابن عباس ﵄ بالشيخ والشيخة لا يُطيقان الصوم، فيطعمان عن كل يوم مسكينًا.
والحقيقة أنه بالنظر لظاهر الآية ليس فيها دلالة على ما فسرها به ابن عباس ﵄؛ لأن الآية في الذين يطيقون الصوم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
стр. 3320
وهذا واضح أنهم قادرون على الصوم، لكنهم مخيرون بين الفدية والصوم، وهذا في أول الأمر، أول ما نزل وجوب الصوم كان الناس مخيَّرين فيه، إن شاؤوا صاموا، وإن شاؤوا أطعموا، كما ثبت في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع ﵁، لكن غور فقه ابن عباس ﵄ عجيب، هذا في الحقيقة يدل على عمق فقهه ﵁؛ لأن وجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل الفدية عديلًا للصوم لمن قدر، فإذا لم يقدر بقي عديله وهو الفدية، وهذا في الحقيقة من غور فقهه ﵁ ورسوخ علمه، وإلا فالإنسان إذا قرأ الآية ما فيها تعرُّض لمن لا يطيق بل فيها لمن يطيق، لكن هذا وجه الدلالة، فصار العاجز عجزًا لا يرجى زواله، الواجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا، ولكن كيف الإطعام؟ ومتى؟
أما كيفيته، فله كيفيتان:
الكيفية الأولى: أن يصنع طعامًا فيدعو إليه المساكين بحسب الأيام التي عليه، كما كان أنس بن مالك يفعله حين كبر ﵁.
الكيفية الثانية: أن يُطعمهم طعامًا غير مطبوخ، قالوا: في هذه الحال يُطعمهم مُد بُرٍّ أو نصف صاع من غيره؛ أي: من غير البر، ومد البر رُبع الصاع النبوي، خمس الصاع الحالي عندنا في القصيم، فالصاع النبوي أربعة أمداد، والصاع النبوي أربعة أخماس صاعِنا، وعلى هذا فيكون صاعنا، كم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: خمسة أمداد، يكون خمسة أمداد، فيُجزئ من البُرِّ عن خمسة أيام لخمسة مساكين، لكن ينبغي في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدِّمه من لحم أو نحوه، حتى يتم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، هذه الكيفية.
أما متى؟ فهو بالخيار إن شاء فدى عن كل يوم بيومه، وإن شاء أخَّر إلى آخر يوم لفعل أنس ﵁.
стр. 3321
وهل يُقدِّم قبل ذلك؟ يعني لو قال: أنا أريد أن أُخرج الفدية في أول يوم من رمضان، نقول: لا تقدم؛ لأن تقديمك الفدية كتقديمك الصوم، فهل يجزئ أن تُقدِّم الصوم في شعبان؟ لا، إذن لا تقدم الفدية، فإما أن تجعل كل يوم بيومه، أو في آخر يوم من رمضان.
الخلاصة الآن: أن قول المؤلف قادر ضده؟
طلبة: العاجز.
الشيخ: العاجز، وأن العجز ينقسم إلى قسمين، وعرفتم حكم كل منهما ودليله، بقي عليه شرط خامس أو رابع.
طلبة: خامس.
الشيخ: مسلم، مكلف، قادر، رابع على كلام المؤلف، وهو المقيم، أن يكون مقيمًا، فإن كان مسافرًا لم يجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وقد أجمع العلماء -الظاهرية وغير الظاهرية- أنه يجوز للمسافر الفطر، واختلفوا فيما لو صام؛ فذهبت الظاهرية وبعض أهل القياس إلى أنه لا يصح صوم المسافر، وأنه إذا صام فقد قدَّم الصوم عن وقت وجوبه فيكون كما لو صام في شعبان، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فأوجب عليه عدة من أيام أخر؛ لأن ﴿عدَّة﴾ هذه مبتدأ خبرها محذوف، التقدير؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: فالواجب: أو فعليه عدة، ولكن قولهم ضعيف، فإنه ثبت عن النبي ﵌ أنه صام في سفره في رمضان (٥)، وثبت أن الصحابة كانوا يسافرون في رمضان فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٦)، وحينئذٍ يكون المراد بالآية بيان البدل أن عليه عدة من أيام أخر، لا وجوب أن تكون عدة من أيام أخر.
إذن المسافر لا يلزمه الصوم، لكن يلزمه القضاء كالمريض، وحينئذٍ نسأل: أيهما أفضل للمريض والمسافر أن يصوما أو يفطرا؟
طلبة: ( ... ).
стр. 3322
الشيخ: نقول: الأفضل أن يفعل الأيسر، فإن كان في الصوم ضرر كان الصوم حرامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. فإن هذه الآية تدل على أن ما كان ضررًا على الإنسان فإنه منهي عنه.
ولكن لو قال قائل: الآية في القتل لا في مطلق الضرر؟
قلنا: نعم، هذا ظاهر الآية، أنه في القتل لا في مُطلق الضرر، لكن عمرو بن العاص استدل بها على نفي الضرر فأقرَّه النبي ﷺ على ذلك، وذلك في قصة أنه بعثه مع سرية فأجنب، فتيمم ولم يغتسل، فقال له النبي ﷺ : «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ » (٧). قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وكانت الليلة باردة فتيممت، فضحك النبي ﵌ تقريرًا أو تحذيرًا؟
طلبة: تقريرًا.
الشيخ: تقريرًا لفعله، وهذا يدل على أن الآية تتضمن النهي عن القتل، وعن ما فيه الضرر، وعليه فنقول: إذا كان الصوم يضر المريض كان الصوم حرامًا عليه.
فإن قال قائل: ما مقياس الضرر؟
قلنا: مقياس الضرر قد يُعلم بالحس، وقد يُعلم بالخبر، أما بالحس فأن يشعر المريض نفسه بأن الصوم يضره، ويثير عليه الأوجاع، ويُوجب تأخر البرء، وما أشبه ذلك، وأما الخبر فأن يخبره طبيب عالِم ثقة بذلك، أي بأنه؟
طلبة: مريض.
الشيخ: بأنه مريض، سبحان الله!
طلبة: يضره.
الشيخ: بأنه يضره. إن أخبره عامي ما هو عالم ما هو بطبيب، فهل يأخذ بقوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إن أخبره طبيب غير عالم، ولكنه متطبب، فإنه لا يأخذ بقوله، إن أخبره طبيب غير ثقة، فإنه لا يأخذ بقوله، ولكن هل يشترط في الثقة أن يكون مسلمًا؛ لأن غير المسلم لا يُؤْمَن؟
الطالب: لا.
стр. 3323
الشيخ: لا، الصحيح لا، وأننا متى وثقنا بقوله عملنا بقوله في إسقاط الصيام؛ وفي إسقاط الصلاة قائمًا مثلًا وما أشبه ذلك؛ لأن مِثل هذه الأشياء صنعة، وقد يحافظ الكافر على صنعته، وسُمعته فلا يقول إلا ما كان صوابًا في اعتقاده وهو حادِث، وها هو النبي ﵌ وثق بكافر في أعظم حال خطرة، وثق بكافر في أعظم الحالات خطرًا، وذلك حين هاجر من مكة إلى المدينة استأجر رجلًا مشركًا من بني الديل، يقال له: عبد الله بن أريقط على أن يدله على الطريق، وهذه مسألة خطرة؛ لأن قريشًا كانت تبحث عنه، وأخرجت مئة بعير للنبي ﵊، ومئة بعير لأبي بكر، يعني أخرجوا مئتي بعير على من دلهم على رسول الله ﷺ وأبي بكر، ومثل هذا عِوض مغرٍ لهذا الرجل المشرك، لكن الرسول ﵊ كان واثقًا منه، فدل هذا على أن المشرك أو الكافر إذا وثقنا منه فإننا نأخذ بقوله.
بالنسبة للسفر هل الأولى أن يصوم أو الأولى ألا يصوم؟ نقول: مذهب الحنابلة أن الأوْلى ألا يصوم؛ بل كرهوا الصوم، والشافعية قالوا: الأولى أن يصوم.
والصحيح التفصيل في هذا؛ أنه إذا كان الفطر والصوم سواءً فالصوم أفضل، وإن شق عليه الصوم من أجل السفر.
طلبة: الفطر أولى.
стр. 3324
الشيخ: فالفطر أولى، الدليل على هذا التفصيل هو أن النبي ﵌ كان يصوم في السفر، ولم يفطر إلا حين قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، فإنه في غزوة الفتح صام حتى بلغ كراع الغميم فأتوا إليه، وقالوا: يا رسول الله، الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينتظرون ما تفعل، مع علمهم بأن الإنسان مخير، لكن يريدون تمام التأسي برسول الله ﵌، فدعا بقدح من ماء بعد صلاة العصر -يعني ما بقي على الغروب إلا قليلًا- ورفعه على فخذه حتى رآه الناس، فشرب، والناس ينظرون إليه ﵊؛ ليقتدوا به؛ لأنه إمامهم، وهم ينتظرون ما يفعل، فجيء إليه، فقيل: إن بعض الناس قد صام، قال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (٨)؛ لأنهم صاموا مع المشقة، ومع أن رسولهم ﵊ وإمامهم أفطر، ثم يبقون هم صيامًا، هذه معصية، فسماهم عصاة.
فإذن نقول: الصواب هو هذا، أنه مع المشقة يكون الفطر أولى، وإن كانت المشقة شديدة يخشى من ضررها كان حرامًا، أما مع عدم المشقة فعلمتم أن الصوم أفضل.
وأما قول الرسول ﵊: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» (٩) الذي استدل به الحنابلة عل كراهة الصوم في السفر فهذا خاص، وليس عامًّا، خاص بمن؟ بالرجل الذي رآه النبي ﷺ قد ظُلِّل عليه، وازدحم الناس عليه ينظرون حاله، فقال ما هذا؟ قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»، فنقول: إنه خاص بهذا الرجل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، قولوا: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
стр. 3325
الشيخ: لا بخصوص السبب، وحينئذٍ نجيب على هذا فنقول: الخصوصية نوعان: خصوصية شخصية، وخصوصية نوعية، نوع وشخص؛ فالخصوصية الشخصية أن تقول: هذا الحكم خاص بهذا الرجل لا يتعداه إلى غيره، هذا يحتاج إلى دليل، وهذا هو الذي تقول فيه: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
الشيخ: لا، بخصوص السبب، فآية اللعان وردت في قصة رجل معين، آية الظهار كذلك، فهل العبرة بالعموم أو بالخصوص؟
طالب: بالعموم.
الشيخ: بالعموم، كل أحد يثبت له هذا الحكم.
النوع الثاني من الخصوصية: الخصوصية النوعية، وإن شئت فقل: الخصوصية الحالية؛ يعني التي لا يثبت بها العموم إلا لمن كان مثل هذا الشخص؛ أي مثل حاله، أو مثل نوعه، فيقال: ليس من البر الصوم في السفر، لمن؟
طلبة: لمن شق عليه.
الشيخ: لمن شق عليه، كهذا الرجل، ولا يعم كل إنسان صام، فهذا هو التفصيل في شرط أن يكون مقيمًا.
فيه الشرط الخامس: الخلو من الموانع، وهذا خاص بالنساء؛ فالحائض لا يلزمها الصوم، والنفساء لا يلزمها الصوم؛ ودليل ذلك قول النبي ﵌ مقررًا ذلك: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (١٠)، فلا يلزمها الصوم إجماعًا، ولا يصح منها إجماعًا، ويلزمها قضاؤه إجماعًا، ثلاث إجماعات؛ أن الصوم.
طالب: لا يلزمها.
الشيخ: لا يلزمها، وأنه.
طالب: . لا يصح منها.
الشيخ: لا يصح منها، وأنها تقضيه، والنفساء كالحائض في هذا.
ثم قال المؤلف: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه)، يعني: وإن لم يكن حال الفطر من أهل الوجوب، ولهذا قال: في أثنائه، أي أثناء النهار (أهلًا لوجوبه)، (إذا قامت البينة)، البينة في دخول الشهر واحد أو متعدد؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: واحد.
طالب: ( ... ).
стр. 3326
الشيخ: لا، البينة، ما أقول متى يجب الصوم، واحد، إذا قامت البينة في أثناء النهار مثل أن يكون الذي رآه في مكان بعيد، فحضر إلى القاضي في أثناء النهار، وشهد، يقول المؤلف: (وجب الإمساك والقضاء)، أما وجوب الإمساك فلا شك فيه، ودليله أن النبي ﷺ حين وجب صوم عاشوراء أمر المسلمين بالإمساك في أثناء النهار، أمرهم بالإمساك في أثناء النهار فأمسكوا؛ ولأن هذا اليوم من رمضان فهو يوم محترم، له حرمته، فلا يمكن أن ينتهك بالفطر.
وأما القضاء فيلزم؛ لأن من شرط صيام الفرض أن يُنوى قبل الفجر؛ لأنه إذا لم يُنوَ إلا في أثناء اليوم صار الصائم صائمًا نصف يوم إذا قام في نصف اليوم، إذا نوى في نصف اليوم صار صائمًا نصف يوم فلا يجزئ، وعلى هذا فيلزمه القضاء لهذه العلة.
أما وجوب الإمساك فلا أعلم هل فيه مخالف أم لا؛ لأنه لا شك قول جمهور العلماء، ودليله واضح، وأما وجوب القضاء فليس فيه دليل، ولكن فيه تعليل وهو عدم النية قبل الفجر، فإذا كانت النية من أثناء اليوم لم يَصدُق عليه أنه صام يومًا، بل صام بعض اليوم؛ لقول الرسول ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١١).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنه لا قضاء، يجب الإمساك دون القضاء، وعلَّل ما ذهب إليه أن هؤلاء الذين كانوا يأكلون ويشربون قبل ثبوته بالبينة كانوا يأكلون ويشربون بأمر الله، بإذن الله، قد أحله الله لهم، فهم لم ينتهكوا حرمة، بل هم جاهلون بها، بكون هذا اليوم من رمضان، فيدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وبناءً على قوله: لو لم تقُم البينة إلا بعد الغروب؛ غروب ذلك اليوم لم يلزمهم قضاؤه، فإذا كان الشهر تسعًا وعشرين فقد صاموا بالفعل، كم؟
طلبة: ثمانية وعشرين.
الشيخ: ثمانية وعشرين يومًا.
стр. 3327
وأجاب عن قولنا باشتراط النية من قبل الفجر بأن النية تتبع العلم، وأن الله لا يكلف أحدًا أن ينوي ما لم يعلم، والعلم لم يحصل إلا.
طالب: بعد ( ... ).
الشيخ: في أثناء النهار، فلو أنه نوى بعد العلم ولو بلحظة، يعني لو أخَّر النية بعد العلم لم يصح صومه لا شك، لكن الرجل من حين أن علم نوى، ولا يُكلَّف أن ينوي قبل أن يعلم.
وفيه أيضًا القياس على من أكل قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، ثم تبين أنها لم تغرب، أو من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه قد طلع الفجر فإن صومه صحيح.
ولا شك أن تعليله قوي ﵀، لكن يرجح قول الجمهور عندي أن من أفطر قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، أو أكل بعد طلوع الفجر ظانًّا أن الليل باقٍ كان عنده نية؛ نية الصوم، فأكل في آخر النهار ظنًّا أن الوقت قد انقضى، أما هؤلاء فليس عندهم نية أصلًا، ولهذا كان الخلاف في المسألتين الأخيرتين في من أكل قبل الغروب أو بعد طلوع الفجر كان أشهر من الخلاف في المسألة الأولى، والمسألة الخَطْب فيها يسير، فكون الإنسان يقضي يومًا ويُبرئ ذمته عن يقين خير من كونه يأخذ بقول شيخ الإسلام ﵀، وإن كان له حظ قوي من النظر فيكون في الحقيقة مخاطر.
وقوله: (على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه) ومن كان من قبل هذا اليوم أهلًا للوجوب؟
طلبة: من باب أوْلى.
الشيخ: من باب أوْلى، مثال الذي يكون في أثنائها للوجوب: صبي بلغ في أثناء النهار، ثم قامت البينة فيلزمه.
طالب: الإمساك.
الشيخ: الإمساك؛ لأنه صار في أثناء اليوم من أهل.
طلبة: الوجوب.
الشيخ: من أهل الوجوب، وكذلك لو فُرض أنه قامت البينة وهو لم يبلغ، لكن بلغ بعد قيام البينة فإنه يلزمه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ولكن سيأتينا الخلاف فيما إذا طرأ شرط الوجوب في أثناء النهار، هل يلزم القضاء أو لا يلزم؟ سيأتي إن شاء الله.
стр. 3328
(على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا ومسافر قدم مفطرًا) هذه ثلاث مسائل: حائض طهُرت في أثناء النهار، ماذا يلزمها على كلام المؤلف؟
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك والقضاء، نفساء طهرت في أثناء النهار يلزمها الإمساك والقضاء، مسافر قدم مفطرًا، يلزمه الإمساك والقضاء، لماذا؟ لأنه بزوال المانع صار من أهل الوجوب، فألزمناه بالإمساك، ولكونه متلبسًا بمانع في أول النهار وليس من أهل الوجوب ألزمناه بالقضاء، وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: رواية ما ذهب إليه المؤلف، ورواية أخرى لا يلزمه الإمساك في هذه الصورة، لكن عليهم القضاء، والفرق بينهم وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار أن هؤلاء لهم الفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، هؤلاء الثلاثة لهم الفطر في أول النهار.
طلبة: ظاهرًا وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فاليوم في حقهم غير محترم، لكن إذا قامت البينة في أثناء النهار، وكان الرجل في أول النهار قد أكل وشرب، فإن له الفطر ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنه لو علم في أن أول النهار من الشهر لزمه.
طلبة: الصوم.
الشيخ: الإمساك، بخلاف من قدم من السفر وهو مفطر، أو طهرت الحائض والنفساء، فإنهم يعلمون أن اليوم من رمضان، لكن لا حُرمة لهذا اليوم في حقهم، ولهذا ذكر صاحب المغني عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من أكل في أول اليوم فليأكل في آخره، يعني من حل له الأكل في أول اليوم حل له الأكل في آخر اليوم، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المسافر إذا قدم لبلده مفطرًا فإنه لا يلزمه الإمساك، وأن الحائض إذا طهرت مفطرة لا يلزمها الإمساك، العبارة سليمة؟ الحائض إذا طهرت مفطرة.
طلبة: ( ... ).
стр. 3329
الشيخ: هذا لا يستقيم، لأنك إذا قلت: الحائض إذا طهرت مفطرة مفهومه إذا طهرت صائمة، وهذا لا يستقيم، ولهذا الحائض يقول المؤلف حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرًا، فقيد المسافر بكونه مفطرًا بخلاف الحائض والنفساء؛ لأنه لا يمكن بحقهما الصوم، فإذا طهرت الحائض لم يلزمها الإمساك، وإذا طهرت النفساء لم يلزمها الإمساك، وحينئذٍ يمكن أن نأتي بمسألة معاياة؛ يعني (لُغْز)، فيقال: رجل بالغ عاقل قادر مسلم في بلده جاز أن يجامع زوجته في نهار رمضان.
طالب: قدم مسافرًا.
الشيخ: مسافر قدم مفطرًا على امرأته التي طهرت من الحيض، فيجوز له أن يجامعها؛ لأن كل واحد منهما لا يلزمه الإمساك.
هذه المسائل الثلاث يمكن أن نعبر عنها بعبارة عامة فنقول: إذا زال مانع الوجوب في أثناء النهار، فهل يلزم القضاء؟ الجواب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هل يلزم الإمساك؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه خلاف؛ المذهب نعم، يلزم الإمساك، والصحيح لا يلزم الإمساك، وعرفتم التعليل؛ أن هؤلاء الثلاثة ليس لهذا اليوم حرمة في حقهم؛ لأنهم يجوز لهم الأكل في أول النهار ظاهرًا وباطنًا. المريض إذا برئ في أثناء النهار.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: وهو مفطر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: مثلهم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لأنه زال مانع الوجوب كالمسافر إذا قدم مفطرًا.
رجل اضطر إلى الفطر لإنقاذ غريق؟ غريق أو حريق، قال: لا أستطيع أن أنقذه وأنا صائم، أنا تعبان، قلنا: يجب عليك أن تفطر لإنقاذه، فأفطر لإنقاذه، هل نقول: إذا أنقذه يلزمه الإمساك؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا؟ لماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأن هذا الرجل حلَّ له الفطر لسبب مباح، فلا يلزمه، امرأة أفطرت خوفًا على رضيعها؛ لأنها ترضعه، وفي أثناء النهار مات الرضيع.
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: يلزمها الإمساك؟
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: ينبني على الخلاف.
طالب: على القول الصحيح؟
الشيخ: على القول الصحيح: لا يلزمها، إذن يُعنون عن هذه المسائل بماذا؟
стр. 3330
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إذا زال مانع الوجوب هل يلزم الإمساك؟ الجواب الصحيح أن نقول: الصحيح لا، والمذهب؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم، طيب، ما دخل؟
طلبة: ( ... ) المؤذن.
طالب آخر: شيخ، هل يشترط بالنسبة إلى النية بصورة جماعية، ولا لكل صوم نية.
الشيخ: إي، يسأل: يقول: هل يجب لكل صوم نية أو تكفي نية رمضان في أوله؟
الصحيح أنه يُكتفى بنية واحدة من أول الشهر ما لم يوجد عذر يبيح الفطر في أثناء الشهر فيفطر فإنه لا بد من تجديد النية.
طالب: شيخ، إذا قامت البينة في أثناء النهار ( ... ).
الشيخ: يسأل: يقول: إذا قامت البينة في أثناء النهار، وقلنا بوجوب الإمساك والقضاء، فما فائدة الإمساك؟ فائدة الإمساك أن الأصل في هذا الرجل أن يمسك، لكن رُفع عنه الوجوب من أجل الجهل فتبين الآن أنه يلزمه الإمساك، وبقي النظر لماذا لا يجزئ الإمساك بعض النهار؛ لأنه غير عالم، فقلنا: إن هذا الرجل لم ينوِ من أول، من قبل الفجر.
طالب: ( ... ) في آخر الوقت، وأنه لا يجوز له أن ( ... ) لأنه معذور، لا يجوز له أن ( ... )؛ لأنه معذور ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما لو تعمد التأخير لآخر الوقت فإنه، فإنه لا يجوز له ( ... ) يجوز له ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ليش؟ لأنه ما وجب عليه، النائم ما يجب عليه.
الشيخ: نعم؛ لأن النائم لم تجب عليه الصلاة إلا حين استيقاظه.
طالب: الفرق بينها وبين مسألة الإمساك لمن وجدت البينة على أن رُئي الهلال في ليلة رمضان.
الشيخ: يعني في أثناء النهار، ما الفرق بين هذا وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار. هكذا؟
الطالب: شيء ثانٍ، شيخ، ألزمنا مثلًا شيخ ( ... ) قلنا: إن الراجح.
الشيخ: اترك الشيء الثاني، الآن؟
الطالب: نحن قلنا: صيام يوم الشك يحرم، وأنه لو صامه يبطل ولا يصح.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) لو نام عن الصيام يوم الشك، فلما تبين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: يوم ثلاثين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: لا.
следующие страницы →