Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
الطالب: إذا كان فيه تتابع في العبادة فيكفي النية في أولها، النية في أول العبادة بالنسبة للحديث ياشيخ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصَّوْمَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (٤) الرد عليه؟
الشيخ: الرد على هذا أنَّا نُبَيِّتُه مو قبل الفجر فقط، من قبل يومين، ما هو بقبل الفجر فقط، انتهى؛ لأن هذا قد أشار قبلك.
طالب: ( ... ) ذكرنا الراجح أن ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: الراجح أن ما يشترط فيه التتابع يكفي نية واحدة هل هذا ينطبق على الصوم؟ وهل الصوم يشترط فيه التتابع؟
الشيخ: هل أيش؟
الطالب: هل الصوم يشترط فيه التتابع؟
الشيخ: بعضه يشترط وبعضه لا يُشترط، صيام شهرين متتابعين يُشترط، رمضان يُشترط.
الطالب: من سافر ينقطع ( ... )؟
الشيخ: ذكرنا إنه إذا قطعها بالسفر لا بد من تجديد النية.
الطالب: وهذه القاعدة ما الدليل عليها؟
الشيخ: ( ... ) استثنينا أنه ما لم يوجد سبب شرعي يبيح الفطر فلا بد من استئناف النية.
الطالب: دليلنا على هذه القاعدة، أليس هو التتابع؟
الشيخ: الدليل لأن الإنسان نوى هذا، من الأصل ناو يصوم من واحد رمضان إلى ثلاثين من رمضان، أو إلى تسع وعشرين.
الطالب: ما هو بقياس على الحج أو على الصلاة؟
الشيخ: لا، هو مستقل بنفسه، ما يحتاج قياس، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، لكن مراد الحديث: لو نويت في أثناء النهار وهو صوم واجب ما أجزأ؛ لأنه لا يقال: إنك صمت يومًا.
( ... ) في أثناء النهار فما توجيهكم لذلك؟ توجيهنا لهذا أن عاشوراء لم يؤمر به إلا في ذلك الوقت، وأما صوم النفل فقد أُمر به من قبل، أخذنا ثلاثة الآن؟
***
[باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة]
стр. 3397
طالب: أو استعط، أو احتقن، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله، أو استقاء، أو استمنى، أو باشر فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم، أو احتجم وظهر دم، وظهر دم عامدًا ذاكرًا لصومه، فسد، لا ناسيًا أو مكرهًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال المؤلف: (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة).
والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المُفطرات، وأصولها ثلاثة؛ ذكرها الله في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] هذه أصول المُفطرات، وقد أجمع العلماء على مدلول هذه الثلاثة، وما سوى ذلك فيأتي -إن شاء الله- الكلام فيه.
أولًا: الأكل: الأكل: إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، وقولنا: إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، ما ينفع كاللحم والخبز والسَّوِيق، وما أشبه ذلك، وما يضر: كأكل الحشيشة، والخمر يسمى شربًا، وما أشبهها، وما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع الإنسان خَرَزَة، خرزة سبحة أو نحوها، فهذا لا ينفع ولا يضر، ومع ذلك يكون مُفطرا، ووجه العموم إطلاق الآية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، وهذا يسمى أكلًا.
وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فِطر بأكله، وبناءً على هذا فإن بلع الخرزة لا يُفطر، أو الحصاة، أو ما أشبهها، والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مُفطر لإطلاق الآية، هذه واحدة.
стр. 3398
الثانية: (أو شرب)، الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، ويمكن أن نقول: ما لا نفع فيه ولا ضرر، إن كان فلنقله، المهم أنه يشمل كل ما يُشرب من ماء أو مرق أو لبن أو دم أو دخان أو غير ذلك، كل ما يُشرب فهو داخل في قول المؤلف: (أو شرب).
قال: (أو استعط)، استعط يعني تناول السَّعُوط، والسَّعُوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه أيضا مُفطر؛ لأن الأنف مَنْفَذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للَقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١٢)، فقوله ﷺ : «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلَّا أن المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف فإنه مُفطر، ودليله ما ذكرناه من حديث لَقيط بن صَبِرة ﵁.
стр. 3399
قال المؤلف: (أو احتقن)، الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدُّبُر، وهو معروف، ولا يزال معروفًا، فإذا احتقن فإنه يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، يعني تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، تصل إلى الأمعاء فتكون مُفَطِّرة، بناء على أن العلة وصول الطعام والشراب إلى الجوف، فإذا وصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف أو أي منفذ كان فإنه يكون مُفَطِّرًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه أكثر أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لا فِطْر بذلك، أن الحقنة لا تفطر لأنها لا يُطلق عليها اسم الأكل والشرب، لا لغة ولا عرفًا.
стр. 3400
وليس هناك دليل في الكتاب والسُّنَّة أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، لو كان هناك دليل لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مُفَطِّر، لكن الكتاب والسُّنَّة دلَّا على شيء معين، وهو الأكل والشرب، وهذا ليس أكلًا ولا شربًا، لا عرفًا ولا لغة، وليس مناط الحكم أن يصل الشيء إلى الجوف حتى نقول: إن هذا مُفَطِّر، لكن بعض العلماء المعاصرين يقول: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة، وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قويًّا، لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب، فتكون العلة مركبةً من جزأين، أحدهما: وصول الشيء إلى الجوف، والثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غُذِّي بالإبر لمدة يومين ثلاثة تجده في أشد ما يكون شوقًا إلى الطعام والشراب، مع أنه متغذٍّ، فلقائل أن يقول: ليست العلة هي وصول الشيء إلى الجوف، بل العلة مركبة من شيئين: أحدهما ذلك، والثاني التلذذ.
وبناء على هذا -وليس هذا ببعيد- نقول: إن الحقنة لا تُفَطِّر مطلقًا، ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة، فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقًا، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين وهو أن الحقنة لا تُفَطِّر. ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبُر عند شدة الحمى، فإن هذا معروف عند الأطباء، ومنها أيضًا ما يُدْخَل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يُفَطِّر.
стр. 3401
ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشيء أَمُفَطِّر هو أم لا فما الأصل؟ الأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نُفْسِد عبادة مُتَعَبِّد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله ، فالحقنة مثلا لا شك أنها ليست أكلًا ولا شربًا، ولا يحصل بها ما يحصل بالأكل والشرب من التلذذ، فلذلك لا نُلحِقها بالأكل والشرب إلَّا بشيء نعتمد عليه بَيِّن وواضح.
قال: (أو اكتحل بما يصل إلى حلقه) (اكتحل) الكحل معروف، اكتحل بما يصل إلى الحلق، فإنه يُفَطِّر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال: إن الكحل يُفَطِّر، ولكن هذا التعليل فيه نظر، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى حلقه، وقال: إن هذا لا يسمى أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مُفَطِّر، والأصل عدم التفطير وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يُفْسِدها، وما ذهب إليه ﵀ هو الصحيح، وأن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه، وبناءً على ذلك لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه فإنه لا يُفْطِر لذلك بناءً على ما اختاره شيخ الإسلام، وهو حق إن شاء الله.
قال: (أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله)، إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان -غير الإحليل- فإنه يفطر بذلك، فلو أن الإنسان أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إلى المعدة فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، والصحيح أنه لا يُفْطِر بهذا إلا أن يكون في هذا المنظار دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلَّا للضرورة.
стр. 3402
لو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه وأدخل إلى بطنه شيئًا عن طريق هذه الفتحة، هل يفطر بذلك أو لا؟ نقول: على ما مشى عليه المؤلف: يُفْطِر، وعلى القول الثاني: لا يُفْطِر.
نقول: إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير الإحليل، الإحليل يعني الذَّكَر، لو أدخل عن طريق الذَّكَر خيطًا فيه طعم دواء فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه، فإن البول إنما يخرج رشحًا، هكذا علل الفقهاء ﵏ البول يجتمع في المثانة، وإذا أراد أن يخرج فإنه يخرج رشحًا، هكذا يقولون. وقد يقال: إن في هذا نظرًا؛ لأن البول إذا أراد الله أن يخرج فإنه ينفتح، تنفتح المثانة وينزل البول، وهذا يدل على أنه يصل إلى المثانة، لكن يقولون: إن المثانة أيضا لا تتصل بالبدن؛ لأن الماء ينزل إليها عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا ثقب واحد، والحمد لله نحن نقول: إننا في غنى عن هذه التعليلات؛ بماذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: بالأصل أن المُفَطِّر هو الأكل والشرب، وما أُدْخِل من طريق الإحليل لا يسمى أكلًا ولا شربًا، وإذا كانت الحقنة -وهي التي تُدْخَل عن طريق الدبر- لا تفطر فما دخل عن طريق الإحليل من باب أَوْلَى.
стр. 3403
قال المؤلف: (أوِ استقاء)، استقاء يعني استدعى القيء، ولكن لا بد من قيد: استقاء فقاء، فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلًا أو كثيرًا ما دام قيئًا، أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يُفَطِّر، لا يُفَطِّر إلَّا ما خرج من المعدة، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (١٣) ذرعه يعني غلبه. واستدعاء القيء له طرق: النظر والشم والعصر والجذب، هذه أربعة أشياء، وربما نقول: السمع أيضًا، أما النظر فأن ينظر الإنسان شيئًا كريهًا فتتقزز نفسُه ثم يتقيأ، وأما الشم فظاهر؛ يشم رائحة كريهة فيتقيأ، وأما العصر فأن يعصر بطنه عصرًا شديدًا إلى فوق ثم يتقيأ، وأما الجذب فأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يتقيأ، والسمع ربما يسمع شيئا كريهًا، وبعض الناس نفسه قريبة فيتقيأ، المهم إذا غَلَبَه القيء فلا شيء عليه، وإن تعمده هو فعليه القضاء، والدليل حديث أبي هريرة، وقال بعض العلماء: إنه لا فطر بالقيء ولو تعمده؛ بناء على قاعدة قَعَّدوها، وهي: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل، قاعدتان متقابلتان. وبناء على هذه القاعدة التي ليست بصحيحة قالوا: إنه لا نقض بأكل لحم الإبل، لا ينتقض الوضوء؛ لأن لحم الإبل داخل وليس بخارج، ولا فساد للصوم بأيش؟
طالب: بالقيء.
стр. 3404
الشيخ: بالقيء والحجامة؛ لأن هذا خارج وليس بداخل. ولكن من المعلوم أن هذا رأي يقابل النص، ويعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له رأي فاسد، لا عبرة به، نقول لصاحبه: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي، ولكن مع ذلك نحن قلناه لنبين لكم أن من العلماء من يذهب مذهبًا غريبًا، القاعدتان أول ما يسمعهما الإنسان يقول: ما أحلاهما، ولكن إذا كانتا تخالفان النص فلا خير فيهما.
يقول ﵀: (أو استمنى)، استمنى يعني طلب خروج المني بأي وسيلة، ولكن سيذكر المؤلف في الآخِر (فأمنى، أو أمذى)، إذا استمنى يعني استدعى المني سواء بيده أو بالتدلُّك على الأرض أو ما أشبه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة ﵏؛ مالك والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى، أين الدليل من القرآن والسُّنَّة على أنه يُفْطِر بذلك؟ فإن أصول المُفَطِّرات كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، وليس هذا منها، فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نُفْسِد عبادة عباد الله إلَّا؟
طلبة: بدليل.
стр. 3405
الشيخ: بدليل من الله ورسوله. ولكن عندي -والله أعلم- أنه يمكن أن يُستدل لذلك من وجهين: الوجه الأول نص، والوجه الثاني قياس، أما النص فإن في الحديث الصحيح أن الله قال في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (١٤)، والاستمناء شهوة، والمني شهوة، والدليل على أن المني يطلق عليه اسم شهوة قول الرسول ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قالوا: يارسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْه وِزْرٌ، كَذَلِكَ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» (١٥) والذي يوضع هو المني، النطفة، وهذا يدل على أن المني مُفَطِّر إذا كان لشهوة، وأما القياس فأن نقول: جاءت السُّنَّة بفطر الصائم بالتقيؤ إذا قاء، وجاءت السُّنَّة بفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم، وكلا هذين يضعفان البدن، أما خروج الطعام فإنه واضح أنه يُضْعِف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعًا، وأما خروج الدم فظاهر أيضًا أنه يُضْعِف البدن، ولهذا ينصح من احتجم أو تبرع لأحد بدم من جسمه أن يبادر بالأكل، وبالأكل السريع؛ السريع الهضم والسريع التفرق في البدن؛ حتى يعوض ما نقص بالدم. خروج المني هل يحصُل به ذلك؟ نعم، يُفَتِّر البدن بلا شك، يُفَتِّر البدن، ولهذا أُمِر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياسًا على أيش؟
طلبة: على الحجامة.
الشيخ: على الحجامة وعلى القيء، وبهذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة فهو مُفَطِّر للدليل والقياس.
стр. 3406
يقول: (أو استمنى، أو باشر فأمنى)، باشر مَن؟ باشر زوجته، سواء باشرها باليد أو باشرها بالوجه، بتقبيل، أو باشرها بالفرج أيضًا، فإنه إذا أنزل أفطر، وإن لم يُنْزِل فلا فطر بذلك، ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلناه في الإنزال بأيش؟ بالاستمناء: إنه مُفَطِّر. وعُلِمَ من كلام المؤلف أنه لو استمنى بدون إنزال فإنه لا فطر، وأنه لو باشر بدون إنزال فإنه لا فطر بذلك، وسيأتي بيان حكم المباشرة وأن العلماء قالوا: إنها مكروهة ما لم يَظُن الإنزال فتحرم، وبعض العلماء قال: إنها مباحة مالم يَظُن الإنزال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يباشر وهو صائم، ويقبل وهو صائم، وسيأتي الكلام عليها فيما بعد.
стр. 3407
قال: (أو باشر فأمنى أو أمذى)، (أمنى) واضح، (أو أمذى)، ما هو المذي؟ المذي: هو ماء رقيق يحصل عَقِب الشهوة بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بين البول والمني من جهة النجاسة، فالمني طاهر موجِب لغسل جميع البدن، والبول نجس موجِب لغسل ما أصاب من البدن فقط، يعني يوجب أن نغسل ما أصابه من البدن فقط، والمذي بين بين، يوجب غسل الذكر والأنثيين وليس يوجب الغسل إذا أصاب الملابس، بل يكفي فيه النضح كما ثبت عن النبي ﷺ ذلك، يرى المؤلف ﵀ أن المذي كالمني، يعني إذا استمنى فأمذى أو باشر فأمذى فإنه يَفْسُد صومه، والذين يقولون: لا يفسد بالمني يقولون: لا يفسد بالمذي من باب أولى، والذين يقولون: إن الصوم يفسد بالمني اختلفوا في المذي على قولين؛ فالمذهب ما سمعتم ولكن ليس له دليل صحيح؛ لأن المذي دون المني، لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، فلا يمكن أن يُلْحَق به. والصواب أنه إذا باشر فأمذى أو استمنى فأمذى أنه لا يَفْسُد صومه، وأن صومه صحيح، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والحجة فيه عدم الحجة؛ لأن هذا الصوم عبادة شرع فيه الإنسان على وجه شرعي، فلا يمكن أن نُفْسِد هذه العبادة إلا بدليل.
قال: (أو كرر النظر فأنزل)، إذا كرر النظر فأنزل فسد صومه، وإن نظر نظرة واحدة فأنزل أيش؟ لم يفسد؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَةُ» (١٦)، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء، فإن بعض الناس يكون سريع الإنزال وقوي الشهوة من حين ينظر إلى امرأته يُنْزِل، وهذا لو قلنا بأنه يُفَطِّر لكان فيه مشقة، فصار النظر فيه تفصيل: إن كرر حتى أنزل فسد صومه، وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، بقي شيء ثالث الآن: التفكير، لو جعل يفكر يفكر يفكر حتى أنزل أيفسد صومه؟
طالب: لا.
стр. 3408
الشيخ: لا، لا يفسد صومه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (١٧)، فعندنا الآن المباشرة والنظر والتفكير، المباشرة إذا أنزل فيها أو أمذى -على المذهب- فسد صومه، النظر إن كان واحدة فأنزل أو أمذى فلا شيء في ذلك، وإن كرر فأمذى فلا شيء في ذلك، وإن كرر فأنزل فسد صومه، التفكير لا يفسد صومه سواء أمنى أو أمذى، والدليل كما سمعتم.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأنه لو قيل يعني بأن التلذذ علة مع كونه مغذيًا لكان قولًا ( ... ) أحسن الله إليكم، وهذه العلة ألا يدفعها قول النبي ﵊: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١٨) معلوم أن الصائم لا يتلذذ بهذا الماء الذي يأتي يخرج يخرج من أنفه ( ... ).
الشيخ: ما فيه شك أنه ما يحصل به اللذة كما يحصل باللسان؛ لأنه يكون وراء الذوق.
الطالب: ومع ذلك نهى النبي عن ..
الشيخ: نهى خوفًا من الإفساد، يمكن أن يُعَلَّل بأن هذا منفذ معتاد وجرت العادة أن الإنسان يتغذى به، لكن لا شك أن اللذة ما تحصل به كما تحصل بالفم.
طالب: قوله: (أوْ اسْتَمْنَى) ذكرنا خلافًا، وذكرنا الصحيح أنه يُفَطِّر إذا استمنى.
الشيخ: إذا أمنى.
الطالب: إذا أمنى، الدليل قول: «شَهْوَتَهُ» (١٤) في الحديث القدسي، قلنا: «شَهْوَتَهُ» ( ... ) قوله: «شَهْوَتَهُ» هذه عامة وقيدت بالمباشرة بالآية.
الشيخ: بالآية؟
الطالب: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الشيخ: الآية ما.
الطالب: الشهوة عامة اللمس والنظر والتقبيل والضم وغير ذلك.
الشيخ: لكن كلمة: وضعها.
الطالب: هذه عائدة من العموم أو شهوته الحديث وضعها ( ... ).
الشيخ: إي.
الطالب: فقوله: أو شهوته هذه عامة.
الشيخ: ما هو مجرد الشهوة تُفَطِّر، ولهذا لو قَبَّل أو باشر وحصلت شهوة شديدة لكن ما أنزل فلا شيء عليه.
стр. 3409
الطالب: نعم، قوله ﵀ ( ... ) فائدة التخصيص؛ لأن الشهوة هنا عامة، والله خص بالمباشرة الاستمناء، كيف نخصصه من هذا العموم؟
الشيخ: الاستمناء فيه نوع مباشرة، ولهذا لو خرج المني منه بدون أن يحرك ذكره، ولكن مجرد يعني انفعال وتفكير ما فسد صومه.
الطالب: الاستمناء لا يسمى مباشرة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الاستمناء لا يسمى مباشرة.
الشيخ: ما هو مباشرة غيرك لكن مباشرة يدك، وقد يستمني الإنسان بيد زوجته.
الطالب: يعني الآية ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] تشمل الاستمناء بمباشرة الزوجة وبمباشرة اليد؟
الشيخ: لا، الآية قد لا نقول: إن قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: النساء، واضحة، لكن عندما نقول: نزول المني لأنه شهوة مفسد للصوم فنقول: الاستمناء هو سبب النزول هذا، فإذا استمنى وأنزل فسد صومه.
الطالب: على هذا نقول: إن النظر بشهوة يفسد الصوم، واللمس بشهوة يفسد الصوم.
الشيخ: لا، لا بد من إنزال، النظر لولا أن النظرة الواحدة لا يمكن التحرز منها لقلنا أيضًا: إذا أنزل بنظرة واحدة فسد صومه.
الطالب: إذن العلة الشهوة والإنزال.
الشيخ: معلوم إي.
الطالب: إذا تخلف أحدهما؟
الشيخ: ما يمكن الإنزال بلا شهوة، يمكن يتخلف الإنزال عن الشهوة، ولا يمكن أن تتخلف الشهوة عن الإنزال، لو تخلفت عن الإنزال لن يكون له أثر، لو أنزل لمرض أو ما أشبه ذلك ما يضر.
طالب: شيخ قلنا: إن علة الإفطار الطعم مع الفائدة للجسم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: علة الإفطار للجسم الإنسان يتلذذ، اللذة مع الفائدة، طيب يا شيخ كيف قلنا: إن الإفطار بالحصى والخَرَزة، هنا لا يستفيد به ولا يتلذذ؟
الشيخ: نقول: لو قائل بهذا لم يكن بعيدًا، لكن يبقى عندنا مسألة الخَرَزة وشبهها التي لا فائدة منها ولا يتلذذ بها الإنسان نأخذها بالعموم؛ لأن كوننا نعلل بالتلذذ مع التغذية علة استنباطية، والعلة المستنبَطة لا تخصِّص العموم، كما هو المعروف.
стр. 3410
طالب: أحيانًا الإنسان وهو صائم يتجشم ما يخرج من بطنه من طعام ويصل إلى حلقه ( ... ) قيء يبلعه إلى جوفه؟
الشيخ: ينزل، ما يضر.
الطالب: ما هو الفم؟ حدود الفم؟ ( ... ) اللسان؟
الشيخ: لا، طرف اللسان من أسفل.
طالب: الحقنة المعروفة ( ... ) الإسلام هل هي ( ... )؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: الحقنة المعروفة قديمًا هل هي مثل الحقنة الآن يا شيخ؟
الشيخ: الحقن، الإبر هذه؟ من باب أولى، لا تُفَطِّر.
الطالب: الحقنة القديمة كيف ( ... )؟
الشيخ: الحقنة القديمة عبارة عن. .؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟
أو حَجَمَ أو احْتَجَمَ وظَهَرَ دمٌ عامدًا ذاكرًا لصومِه فَسَدَ لا ناسيًا أو مُكْرَهًا، أو طارَ إلى حَلْقِه ذبابٌ أو غُبارٌ، أو فَكَّرَ فأَنزَلَ أو احْتَلَمَ أو أَصْبَحَ في فيه طعامٌ فلَفَظَه، أو اغْتَسَلَ أو تَمضمضَ أو اسْتَنْثَرَ أو زادَ على ثلاثٍ أو بالَغَ فدَخلَ الماءُ حَلْقَه لم يَفْسُدْ، ومَن أَكَلَ شاكًّا في طلوعِ الفجْرِ صَحَّ صومُه، إلا إن أَكَلَ شاكًّا في غُروبِ الشمسِ أو مُعْتَقِدًا أنه ليلٌ فبانَ نهارًا.
الشيخ: فنقول: الاستمناء هو سبب النزول هذا، فإذا استمنى وأنزل فسد صومه.
طالب: على هذا نقول: إن النظر بشهوة يفسد الصوم، واللمس بشهوة يفسد الصوم.
الشيخ: لا، لا، لابد من إنزال، النظر لولا أن النظرة الواحدة لا يمكن التحرز منها لقلنا أيضًا: إذا أنزل بنظرة واحدة فسد صومه.
الطالب: إذن العلة الشهوة والإنزال.
الشيخ: معلوم، إي.
الطالب: إذا تخلَّف أحدهما؟
الشيخ: ما يمكن إنزال بلا شهوة، يمكن يتخلف الإنزال عن الشهوة، ولكن لا يمكن أن تتخلف الشهوة عن الإنزال؛ لو تخلفت عن الإنزال لم يكن له أثر، لو أنزل لمرض أو ما أشبه ذلك ما يضر.
طالب: شيخ، قلنا: إن علة الإفطار الطعام مع الفائدة في الجسم.
الشيخ: إيش.
الطالب: الجسم، الإنسان يتلذذ، اللذة مع الفائدة، يا شيخ كيف قلنا بالإفطار في حق مَن بلع حصاة ولَّا خَرَزة؟
الشيخ: إي نعم.
стр. 3411
الطالب: هنا لا يستفيد منه ولا يتلذذ.
الشيخ: إحنا نقول: لو قائل بهذا لم يكن بعيدًا، لكن يبقى عندنا مسألة الخَرَزَة وشبهها التي لا فائدة منها، ولا يتلذذ بها الإنسان، نأخذها بالعموم؛ لأن كوننا نعلل بالتلذذ مع التغذية علة استنباطية، والعلة المستنبَطة لا تخصِّص العموم كما هو معروف.
طالب: أحيانًا الإنسان وهو صائم يتجشَّأ فيخرج من بطنه طعم ويصل إلى حلقه، ( ... ) يبلعه إلى جوفه؟
الشيخ: ينزل .. ( ... )
إلى الفم، ما يضر.
الطالب: ما هو الفم، حدود الفم؟ ( ... ) اللسان؟
الشيخ: لا، لا، طرف اللسان من أسفل.
طالب: الحقنة المعروفة في عصر الإسلام هل هي ..
الشيخ: كيف؟ كيف؟
الطالب: الحقنة المعروفة قديمًا هل هي مثل الحقنة الآن؟
الشيخ: الحقن، الإبر هذه؟ من باب أولى لا تفطِّر.
الطالب: الحقنة القديمة كيف ( ... )؟
الشيخ: الحقنة القديمة عبارة عن لَيّ متصل بوعاء، هذا الوعاء يُجعل فيه أدوية معينة ثم يُدْخَل الليّ في الدُّبُر ويُفتح الدواء عليه.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀ في باب: ما يُفسد الصوم ويوجب الكفارة: أَوْ حَجَمَ أوِ احْتَجَمَ، وَظَهَرَ دَمٌ عامدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَسد، لا ناسيًا أَوْ مُكْرَهًا، أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ أوْ غُبَارٌ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْثَرَ أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المُفَطِّرات أصولها موجودة في القرآن.
طالب: موجودة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هي أصول ثلاثة.
стр. 3412
الشيخ: أصولها ثلاثة: الأكل، والشرب، والجماع، وهذه متَّفق عليها، لو أكل طينًا، هل يُفْطِر أو لا؟ أكل طينًا، سوَّى له طينة بيده ثم أكلها.
الطالب: هذا ما هو طعام يا شيخ.
الشيخ: ما هو طعام! إي.
طالب: شيخ يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر؟
الطالب: إي نعم، لعموم ..
الشيخ: لعموم الأكل، إي نعم، ولهذا يقال: فلان يأكل التراب مثلًا، يوجد بعض الحوامل، النساء إذا حملت في أول شهور الحمل، يأتيها حُب لأكل الطين، بعضها تأكل الفحم، وتختلف، يُسَمَّى عند الناس الوِحام أو الوَحم.
رجل شرِب دخانًا؟
طالب: يُفْطِر؛ لوصوله إلى المعدة.
الشيخ: يُفْطِر لوصوله إلى المعدة؟ يدخل في الأكل ولَّا في الشرب؟
الطالب: الدخان يتحول لحبيبات فيكون ( ... ).
الشيخ: الدخان معروف، يسمى سيجارة، يسمى تِتِن، إيش تقول فيه؟
الطالب: يدخل في الشرب.
الشيخ: يدخل في الشرب؛ لأنه يسمى شُرْبًا، رجل احتقن في دُبُره هل يُفْطِر؟ المذهب أنه يُفْطِر، والقول الثاني؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: أنه لا يُفْطِر، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعدم دخوله في الأكل والشرب، رجل قَطَّر في إحليله شيئًا، فهل يُفْطِر أو لا؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر، وعلى القول الثاني؟
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: إذن قول واحد لا يُفْطِر، لماذا؟
الطالب: لأنه لا يصل إلى جوفه.
الشيخ: لا يصل إلى جوفه، بخلاف الحقنة فإنها تصل إلى الجوف، هذا الفرق بينهما، يقول: لأن المثانة تمنع أن ينفذ شيء من الدُّهْن إلى جوف الإنسان؛ لأن البول ينزل رشْحًا.
استنشق رجلٌ الماء؟
طالب: استنشاق الماء؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يُفَطِّر.
الشيخ: يُفَطِّر؟ ما الدليل؟
الطالب: قوله ﷺ : «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا» (١).
الشيخ: نعم، يفطِّر؛ لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، جملة معترضة لإفساح المجال.
стр. 3413
رجل استقاء؟
طالب: إن كان متعمِّدًا فطر.
الشيخ: شوف السؤال: استقاء، أي: طلب خروج القيء، هل يُفْطِر أو لا؟
الطالب: إذا أنزل القيء.
الشيخ: إي؟
الطالب: أفطر.
الشيخ: أحسنت، إذن إذا قاء أفطر، أما إن حاول أن يقيء ولكن لم يخرج شيء فإنه لا يُفْطِر.
إنسان حاول خروج الماء الدافق حتى خرج؟
الطالب: يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر، هذا أَكْل؟
الطالب: لا.
الشيخ: شُرْب؟
الطالب: لا.
الشيخ: جماع؟
الطالب: بمعنى الجماع.
الشيخ: لا، ما هو بمعنى الجماع، لو أن أحدًا فعل بامرأة أجنبية هذا الفعل ما قلنا: زنى بها، ولا رجمناه ولا جلدناه.
الطالب: ولكن يُفْطِر يا شيخ؛ لأنه قضى شهوته.
الشيخ: وهل قضاء الشهوة يوجِب الفطر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
الشيخ: نعم، يعني؟
الطالب: يعني النهار غير ..
الشيخ: الجماع هذا.
الطالب: نعم.
الشيخ: نتكلم عن إنسان حاول إخراج الماء الدافق فخرج.
الطالب: نعم.
الشيخ: بغير جماع.
الطالب: نعم، هذا يُفْطِر يا شيخ؛ لأنه قضى شهوته، وأتى حاجته.
الشيخ: إي، ما هو الدليل على أن قضاء الشهوة يوجب الفطر؟
الطالب: نعم، قول النبي ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ » قالوا: نعم، قال: «فَإِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَذَلِكَ» (٢).
الشيخ: ما فيه ذكر الصيام إطلاقًا.
الطالب: هذا يا شيخ يدل على أن دَفْق المني يعني الشهوة، فإذا دفق المني في النهار فقد أتى شهوته.
الشيخ: وإتيان الشهوة يوجب الفطر؟
الطالب: ودليل أتاني من الخلف: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ» (٣).
الشيخ: لُقِّنْتَ يعني؟
الطالب: نعم.
стр. 3414
الشيخ: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ»، وهذا لا شك أن إنزال الماء الدافق من أعلى الشهوة.
رجل باشر زوجته فأَمْذَى.
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على ما مشى المؤلف؟
الطالب: على ما مشى المؤلف يُفْطِر.
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: أنه لا يُفْطِر، وهو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
رجل حَجَم؟
طلبة: ما أخذناها.
الشيخ: نأخذها إن شاء الله.
الطالب: مر علينا مسألة الاستمناء بالنظر والقياس، وذكرنا القياس أنه يُقَاسُ على الاحتجام وعلى خروج الدم؛ لأنه يورِث ضعف البدن، فقسنا المني على الدم.
الشيخ: نعم، هذا النظر، بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀: (أَوْ حَجَمَ أوِ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ).
(حَجَمَ) غيره، (احْتَجَمَ): طلب مَن يَحْجِمُه، فهنا حاجم وهنا محجوم.
يقول المؤلف: إنه إذا حَجَمَ غيره، أَوِ احْتَجَمَ، أي: طلب من يحجمه، وظهر دم، لهذا الشرط، فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج شيء فإنه لا يُفْطِر.
وظاهر قول المؤلف: (وَظَهَرَ دَمٌ) أنه لا فرق بين أن يكون الدم الظاهر قليلًا أو كثيرًا، فإذا حجم الإنسان وظهر دم فإنه يُفْطِر، سواء كانت الحجامة في الرأس، أو في الكتفين، أو في أي مكان من البدن.
ومواضع الحجامة معروفة عند الحجَّامين، وأوقاتها أيضًا معروفة عند الحجَّامين، وأحوال المحجوم معروفة، مَنْ يمكن أن يُحْجَم، ومَنْ لا يمكن، ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد الحجامة أن يحتاط، وأن يختار لمن يحجمه مَن هو معروف بالحِذق، لئلا ينزف دمه من حيث لا يشعر، ونزوف الدم خطير جدًّا.
وقوله: (وَظَهَرَ دَمٌ)، قلت: يشمل القليل والكثير، الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٤).
стр. 3415
فإذا قال قائل: هذا الحديث فهمناه، هذا الحديث ضعَّفه بعض أهل العلم، وقال: إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن ضَعَّفَه فإنه لا يستدل به، ولا يأخذ به؛ لأنه لا يجوز أن يُحْتَج بالضعاف على أحكام الله .
ومن العلماء مَن صحَّحَه كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرِهما من الحفَّاظ، وعلى هذا يكون الحديث حجة، فإذا كان حجة وقلنا: إنه يُفْطِر بالحجامة الحاجمُ والمحجومُ، فما هي الحكمة؟
قال الفقهاء ﵏: إن هذا من باب التعبُّد، والأحكام الشرعية التي لا نعرف معناها تسمى عند أهل الفقه تعبُّدية، بمعنى أن الواجب على الإنسان أن يتعبَّد لله بها، سواءٌ علم الحكمة أم لا.
ولكن نسأل: هل لها حكمة معلومة عند الله؟
الجواب: نعم لا شك؛ لأن الله قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فما مِنْ حكم من أحكام الشريعة إلَّا وله حكمة عند الله ، لكن قد تظهر لنا بالنص، أو بالإجماع، أو بالاستنباط، وقد لا تظهر.
فهذه المسألة -أعني إفطار الحاجم والمحجوم بالحجامة إذا ظهر الدم- هذه من الأحكام التعبُّدية التي يجب على الإنسان أن يتعبَّد لله بها وإن لم يعرف المعنى.
وهذه الأحكام التعبُّدية لها أصل أشارت إليه أم المؤمنين عائشة ﵂ حين سألتها عَمْرة بنت رواحة قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟
طالب: مُعاذة.
الشيخ: مُعاذة، قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمَر بقضاء الصلاة (٥).
стр. 3416
فوكَلَت الأمر إلى مَنْ؟ إلى حكم الله ورسوله، ولم تقل: لأن الصلاة تتكرر، والصيام لا يتكرر، وما أشبه ذلك مما ذكره الفقهاء؛ لأن المؤمن إذا قيل له: هذا حكم الله، فهذه الحكمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فالحاصل أن الأحكام التي لا تُعلم حكمتها تسمى عند العلماء تعبُّدية، يعني الواجب علينا أن نتعبَّد بها لله مع اعتقادنا أن لها حكمة ولا بد، لكن لقصورنا أو لتقصيرنا في طلب الحكمة صِرْنَا لا نعرفها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بل لذلك حكمة، أما المحجوم فالحكمة من كونه يُفْطِر هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعفُ، الذي يحتاج معه إلى غذاء لترتد عليه قوته؛ لأنه لو بقي مثلًا إلى آخر النهار على هذا الضعف فربما يؤثر على صحته في المستقبل، فكان من الحكمة أن يكون مُفْطِرًا، ووجه ذلك أن الحجامة للصائم -إذا قلنا بأنها تُفَطِّر- لا تجوز في الفريضة إلَّا عند الضرورة، فإذا جازت للضرورة جاز له أن يُفْطِر، وإذا جاز له أن يُفْطِر جاز له إيش؟ جاز له أن يأكل، وحينئذ نقول: احتجِمْ وكُلْ واشرب من أجل أن تعود إليك قوتك وتَسْلَم مما يُتَوَقَّع من مرض بسبب هذا الضعف.
وعلى هذا فالقول بتفطير الصائم بالحجامة من مصلحة الصائم، أليس كذلك؟ من مصلحته، لماذا؟ لأننا نقول: إذا كان صومه فرضًا فإنه لا يجوز أن يحتجم إلَّا للضرورة، فإذا اضطُرَّ إلى ذلك وحَجَم قلنا: الآن أفطرت بعذر شرعي، وإذا أفطرتَ بعذر شرعي فَكُلْ حتى ترتدَّ عليك القوة، وعلى هذا فذلك من مصلحته، أما إذا كان الصوم نفلًا فالأمر واضح فيه، والصائم نفلًا له أن يخرج من صومه بدون عذر، لكنه يُكْرَه لغير غرض صحيح.
إذن صارت الحكمة بالنسبة للمحتجم ظاهرة أو غير ظاهرة؟
طلبة: ظاهرة.
الشيخ: ظاهرة، الحكمة بالنسبة للحاجم؟
стр. 3417
الحكمة بالنسبة للحاجم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الحاجم -عادة- يمص القارورة -قارورة الحجامة- وإذا مَصَّهَا فإنه بالضرورة سوف يصعد الدم إلى فمه، وربما من شدة الشفط ينزل الدم إلى بطنه من حيث لا يشعر، وهذا يكون شُرْبًا للدم، فيكون بذلك مُفْطِرًا، يقول: هذا هو الغالب، ولا عبرة بالنادر.
ولا أدري هل تعرفون قوارير الحجامة؟ قوارير الحجامة عبارة عن قارورة من حديد يكون فيها قناة دقيقة، يَمُصُّها الحاجمُ، ويكون في فمه قطنة من حين ما يمصها يسدها بهذه القطنة؛ لأنه إذا مصها تَفَرَّغ الهواء، وإذا تَفَرَّغ الهواء فلا بد أن يجذب الدم، ولهذا إذا جذب الدم ثم امتلأت القارورة سقطت، وأما ما دامت لم تمتلئ فهي باقية.
يقول: لا بد أن يصل إلى الحاجم شيء من هذا الدم من غير شعور، والحكمة إذا كانت غير منضبطة فإنه يؤخذ بعمومها، ولهذا قال: لو أنه حَجَم بآلات منفصلة لا تحتاج إلى مَصّ فإنه لا يُفطِر بذلك، أما الذين يقولون أنه تعبُّدي فيقولون: إن الحاجم يُفْطِر ولو حجم بآلات منفصلة؛ لعموم اللفظ.
فعلى كل حال فالذي يظهر لي -والعلم عند الله- أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أَوْلَى؛ أن نقول: أن الإنسان إذا حجم بطريق بطريق غير مباشر ولا يحتاج إلى مصه فلا معنى لأن نقول بأنه مفطر، والأحكام الشرعية يُنْظَر فيها إلى العلل الشرعية.
وقلت لكم: إن العلماء مختلفون في هذه المسألة، والقول بأن الحجامة مُفَطِّرة هو مذهب الإمام أحمد ﵀ وهو منفرد به عن المذاهب، وانفراد الإمام أحمد عن المذاهب لا يعني أن قوله ضعيف؛ لأن المسألة ما هي بالأكثرية كمجالس الناس اليوم، المسألة تعود إلى ما دَلَّ عليه الشرع، وإذا انفرد الإمام أحمد ﵀ بقول دل عليه الشرع فإن الجماعة معه، وله -يرحمه الله- مُفْرَدَات منظومة شرحها الشيخ منصور بن يونس البَهُوتِي، من أراد أن يرجع إليها فهي مفيدة.
стр. 3418
يقول المؤلف: (وَظَهَرَ دَمٌ عامدًا ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ فَسد)، اشترط المؤلف لفساد الصوم شرطين:
الشرط الأول: أن يكون عامدًا، وضدُّه: غير العامد، والشرط الثاني أن يكون ذاكِرًا، وضده الناسي.
فاشترط المؤلف ﵀ شرطين: العَمْد والذكْر، ومقتضى كلامه أنه لا يُشْتَرَط أن يكون عالِمًا؛ لأنه لم يذكر إلَّا شرطين: العمد، والثاني: الذكْر؛ أن يكون ذاكرًا، يعني فإن كان جاهلًا فإنه يُفْطِر؛ لأنه لم يشترط أن يكون عالِمًا.
لو أن الإنسان لم يتعمد فإنه لا يُفْطِر، مثل أن يطير إلى فمه غبار أو دخان، أو يدخله حشرة من ذباب أو غيره بغير قصد، فإنه لا يُفْطِر بذلك، والدليل قوله ﵎: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهذا لم يتعمد قلبه تناول المفسِد فيكون صومه صحيحًا، ولهذا قال: (لَا نَاسِيًا) وهذا ضد؟
طالب: ذاكرًا.
الشيخ: ذاكرًا، أو مُكْرَهًا، وهذا ضد؟
طلبة: عامدًا.
الشيخ: عامدًا.
قبل أن نتكلم على الشرطين نسأل: هل يُلْحَق بالحجامة الفَصْد والشَّرْط والإِرْعاف، وما أشبه ذلك؟
الفَصْد: يعني فَصْد العِرْق، والشَّرْط كذلك: شَقّ العِرْق؛ إن شققته طولًا فهو شَرْط، وإن شققته عَرْضًا فهو فَصْد، فهل يُلْحَق هذا بالحجامة، ونقول: إن الإنسان إذا شَرَط عِرقه حتى خرج منه الدم أفطر؟ وكذلك إذا فَصَدَه؟ وكذلك إذا أَرْعَف نفسه وهو الذي تعمَّد أن يُرعِف من أجل أن يخِفَّ رأسُه؟
المذهب: لا يُلْحَق بالحجامة، ويكون جائزًا للصائم فرضًا ونفلًا، لماذا؟ لأن الأحكام التعبُّدية لا يُقَاسُ عليها، وهذه قاعدة أصولية فقهية من قواعد أصول الفقه (الأحكام التعبُّدية لا يقاس عليها)؛ لأن من شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في العلة، وإذا لم يكن علة فلا قياس، فيقولون: إن الفطر بالحجامة تعبُّدي، والتعبُّدي لا يقاس عليه.
стр. 3419
أما على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو أن علته معقولة معلومة- فيقول: إن الفَصْد والشَّرْط يُفسِدان الصوم، وكذلك لو أَرْعَفَ نفسه، لو أَرْعَفَ نفسه حتى خرج الدم من أنفه فإنه يُفْطِر بذلك، وقوله ﵀ أقرب إلى الصواب.
وأما مغالاة العامة الآن بحيث إن الإنسان لو استاك وأَدْمَت لِثَتُه قالوا: أفطر، ولو حَكَّ جلده حتى خرج الدم من حِكَّتِه قالوا: أفطر، ولو قلع ضرسه وخرج الدم قالوا: أفطر، ولو أَرْعَفَ بدون اختياره جاؤوا يسألون: هل يُفْطِر أو لا يُفْطِر؟ كل هذه مبالغة، فقلع الضرس لا يُفْطِر ولو خرج الدم؛ لأن قالع ضرسه لا يقصد بذلك إخراج الدم، وإنما جاء خروج الدم؟
طالب: تبعًا.
الشيخ: تبعًا، وكذلك لو حك الإنسان جلده، أو لو بَطَّ الجَرح حتى خرجت منه المادة العفنة كل ذلك لا يضر.
بقي علينا الشرطان اللَّذَان ذكرهما المؤلِّف، أن يكون إيش؟
طلبة: عامدًا.
الشيخ: (عامدًا ذَاكِرًا)، ما هو الدليل؟
نقول: أما اشتراط كونه ذاكِرًا فدليله حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٦).
وقوله: «وَهُوَ صَائِمٌ»، يشمل الفريضة والنافلة، «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وانظر الحديث: «أَطْعَمَهُ اللهُ» فلم ينسب الفعل إلى الفاعل، بل إلى الله؛ لأنه ناسٍ، لم يقصد المخالفة، ولم يقصد المعصية، فلهذا نُسِب فعله إلى مَن أنساه وهو الله ، هذا دليل واضح، وهو دليل خاص.
ولدينا دليل عام؛ قاعدة شرعية من أقوى قواعد الشريعة وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: قَدْ فَعَلْتُ (٧)، فصار في النسيان دليلان: عام وخاص.
стр. 3420
وإذا اجتمع في المسألة دليلان عام وخاص فأيهما أولى؟
طالب: الخاص.
الشيخ: أن نستدل بالخاص أو بالعام؟
طلبة: الخاص.
الشيخ: أن نستدل بالخاص؛ لأننا إذا استدللنا بالعام فإنه قد يقول قائل: هذا عام، والمسألة هذه مستثناة من العموم، مثلًا، قد يَدَّعي هذا، مع أنه لو ادَّعاه لكانت الدعوى مردودة؛ لأن الأصل أن العموم شامل لجميع أفراده، هكذا قال النبي ﵊، حيث قال: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٨)؛ لأن «عِبَادَ اللهِ الصَّالِحِينَ» عامة، فالعموم يشمل جميع أفراده، فلو استدلَلْنا على أن الناسي إذا أكل أو شرب لا يفسُد صومه بآية البقرة، استدلال صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: ولو ادَّعَى مُدَّعٍ أن هذا خارج قلنا له: نعم، أين الدليل؟ الأصل أن العام شامل لجميع أفراد العموم، والدليل على هذا الأصل حديث: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، لكن الحمد لله المسألة فيها دليل خاص.
أكل ناسيًا أو شرب ناسيًا، ولَمَّا جعل يَعْلُك اللقمة ذكر أنه صائم، فهل يلزمه أن يلفُظَها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يلزمه أن يلفُظَها؛ لأنها في حكم الظاهر، الفم في حكم الظاهر، والدليل أنه في حكم الظاهر أن الإنسان الصائم يتمضمض ولا يَفْسُد صومه.
ابتلعها حتى وصلتْ ما بين حنجرته ومعدته، هل يلزمه أن يخرجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يلزمه، ولو حاول وأخرجها لفَسَد صومه من جهة التقيؤ.
стр. 3421
هذا رجل -ذكروه لنا سابقًا ونحن صغار- يقول إنه اشترى عنبًا، والعنب في ذلك الوقت قليل جدًّا، مَن يحصل على عنقود من العنب، فجاء به إلى أهله، وكان الناس يفرحون بالعنب جدًّا، العنقود يساوي عندهم شيء كثير، فوضعه في منديل، وكأنه أعجبه، فجعل يأكل وهو صائم، يأكل ويأكل ويأكل حتى خَلَصَ ما في المنديل إلَّا واحدة، ذَكَر أنه صائم، فقال في نفسه: إن كان ما أكلته من العنب سابقًا لا يُفَطِّر فهذه ما تُفَطِّر، واحدة من مئات، وإن كان ذاك يُفَطِّر فقد أفطرت، فأكل الواحدة، فاستفتى بعض العلماء وقال له: أَعِد صومك، لماذا؟ لأنه ..
طلبة: تعمد.
الشيخ: لأنه تعمَّد أكل هذه.
لكن لو قال قائل: أفلا يَرِدُ عليه أنه جاهل؟ قلنا: بلى، لكن على القول بأن الجهل لا يُعْذَر فيه بالصيام يُفطِر ما فيه إشكال، وعلى القول الثاني أنه يُعذَر فيه، يتوجه احتمالان؛ أن يكون مُفْطِرًا، وأن لا يكون مُفْطِرًا؛ لأن كونه يتعمد أن يأكلها وهو عالم أنه صائم دون أن يسأل ويتحرى يكون بذلك مُفَرِّطًا، وعلى كل حال نقول: الحمد لله، عنبة بيوم، اقض يومًا ولا يضرك إن شاء الله، وينتهي.
بقي عليه يقول: (لا ناسيًا أَوْ مُكْرهًا)، قال: (ولو بِوَجُورِ مُغْمًى عليه معالجةً).
طالب: ( ... ).
الشيخ: ها؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم، (أَوْ مُكْرَهًا)، يعني إذا كان مُكْرَهًا فإنه لا يُفْطِر، فيُشترط أن يكون عمدًا، ودليله ما ذكرناه قبل قليل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
يقول: (ولو بوَجُورِ مغمًى عليه معالجةً)، وهذه يُحتاج إليها.
طالب: ( ... ).
стр. 3422
الشيخ: هي شرح، (ولو بوَجُورِ مغمًى عليه معالجةً)، يعني الإنسان أُغْمي عليه وهو صائم فجعلوا يصبُّون في فمه ماءً لعله يصحو، فَصَحَا، هل يُفْطِر بذلك؟ يقول الشارح: لا يُفْطِر بهذا؛ لأنه غير قاصد، الذي صب به الماء آخر، وهو مُغْمًى عليه لا يُحِس، فعلى هذا نقول: هذا الرجل الذي صببنا فيه الماء معالجةً لا يُفْطِر؛ لأن ذلك بغير قصد منه، كما لو أتيت إلى شخص نائم وصببت في فمه ماءً وهو نائم، فهل يُفْطِر بهذا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، وإذا صببت به الماء سوف يزدرده، يبتلعه وهو نائم، ولكنه يبتلعه وهو غير تامِّ الشعور، فلا يكون صومه فاسدًا.
بقي علينا أننا نزيد نحن هنا شرطًا ثالثًا دَلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة، وهو أن يكون عالِمًا، فتكون شروط المُفَطِّرات ثلاثة: العلم، والذِّكْر، والعمد.
فإن كان ضد العلم الجهل، والجهل ينقسم إلى قسمين: جهل بالحكم، وجهل بالحال.
الجهل ينقسم إلى قسمين: جهل بالحكم الشرعي، يعني: لا يدري أن هذا حرام مثلًا، وجهل بالحال: لا يدري أنه في حال يَحْرُم عليه الأكل والشرب، وكلاهما عذر، الدليل لذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا انتفت المؤاخذة انتفى ما يترتب عليها، وهذا عامٌّ.
وهناك دليل خاص في هذه المسألة للنوعين من الجهل؛ أما الجهل بالحكم فدليله حديث عَدِيّ بن حاتِم ﵁ أنه أراد أن يصوم، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فماذا صنع؟ أتى بعِقال أسود، عِقال البعير؛ حبل تُرْبَط به يد البعير، أتى بعِقال أسود وعقال أبيض، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل وينظر إلى الخيطين، حتى تَبَيَّنَ الخيط الأبيض من الخيط الأسود فتوقف، هذا أخطأ في أيش؟
طالب: ( ... ).
стр. 3423
الشيخ: في الحكم، في فهم الآية، وهذا خطأ في الحكم، الحكم أن الخيط الأبيض بياض النهار، والأسود سواد الليل، فلما جاء إلى النبي ﵊ أخبره، قال له: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ أَنْ وَسِعَ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ» (٩)، صحيح ولَّا لا؟ صار وساده مَدّ الأفق، الخيط الأبيض يمتد من الشمال إلى الجنوب، فقال: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» أنْ وَسِع الخيط الأبيض والأسود، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه جاهل، ما قصد ولا تعمد مخالفة الله ورسوله، بل رأى أن هذا هو حكم الله ورسوله، فعُذِر بهذا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء.
وأما الجهل بالحال فقد ثبت في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: أفطرنا في يومِ غَيْمٍ على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم طلعت الشمس (١٠)، هؤلاء أفطروا في النهار وأكلوا في النهار بناءً على إيش؟
طلبة: غروب الشمس.
الشيخ: على أن الشمس قد غربت، فهم جاهلون، لا بالحكم الشرعي ولكن بالحال، لم يظنوا أن الوقت في النهار، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا لكان من شريعة الله، ولكان محفوظًا، فلمَّا لم يُحْفَظ ولم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمرهم بالقضاء فالأصل براءة الذمة وعدم القضاء.
إذن نزيد في الشروط شرطًا ثالثًا وهو؟
طلبة: العلم.
الشيخ: العلم، وضده الجهل؛ سواء كان الجهل بالحكم الشرعي أو بالحال فإنه لا يُفَطِّر، ولكن هؤلاء الذين أفطروا قبل أن تغيب الشمس إذا تَبَيَّنَ أن الشمس لم تغرُب، هل يقولون: نحن أفطرنا الآن أو لا؟
طلبة: ( ... ).
стр. 3424
الشيخ: لا، يجب عليهم الإمساك، يجب عليهم أن يُمْسِكوا؛ لأنهم أفطروا بناءً على سبب تَبَيَّن عَدَمُه، وهذا يجرُّنا إلى مسألة مهمة، وهي أن مَن بنى قوله على سبب تَبَيَّنَ أنه لم يوجَد فلا حكم لقوله، وهذا له مسائل كثيرة، من أهمها: ما يقع لبعض الناس في مسألة الطلاق، يقول لزوجته مثلًا: إنْ دخلت دار فلان فأنت طالق، بناءً على أن عنده آلات محرَّمة كالتلفزيون أو غيرها، ثم يَتَبَيَّن أنه ليس عنده شيء من ذلك، فهل إذا دخلَتْ تطلُق أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لا تطلق؛ لأنه مبني على سبب تَبَيَّنَ زواله، وهذا هو القياس شرعًا وواقعًا.
نعود إلى قضية عَدِيّ بن حاتِم استدل بها البلاغيون على مسألة دَعَوْها -والله أعلم بصحتها- يقولون: كلما كان الإنسان طويل الرقبة كان غَبِيًّا، إذا كان طويل الرقبة كان غَبِيًّا، لماذا؟ لتباعد ما بين الدماغ والقلب، فيضعف فَهمه، ولهذا قول الرسول ﵊: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ»؛ لأن عَرْض الوسادة يدل على طول الرقبة، وطول الرقبة يدل على البلاهة، وهذا قول باطل من أبطل الأقوال، كيف يصف الرسول ﵊ رجلًا مجتهدًا بأنه أبله؟ هذا لا يقع من أدنى واحد، فكيف بالرسول؟ !
طالب: الاحتجام من أي أصول المُفَطِّرات؟
الشيخ: هذه مستقلة، جاءت بها السُّنَّة.
طالب: أحسن الله إليكم، من احتجم ناسيًا أو جاهلًا، أو استقاء ناسيًا أو جاهلًا، فهل نقول أنه يُفْطِر لأنا عَلَّلْنا بأن جسمه يَضْعُف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُفْطِر؟
الشيخ: ما يُفْطِر، لكن لو ضَعُف واحتاج إلى الفطر أفطر لضعفه.
الطالب: ( ... ) الجهل.
الشيخ: إي، هو الآن نقول: لا يُفْطِر، صومه صحيح، لكن لو فُرِض أنه بالقيء تَعِب، لما خَلَت المعدة تعب واحتاج إلى الفطر يُفْطِر.
الطالب: بس هذا ما يناقض ما قاله شيخ الإسلام؟
الشيخ: لا، النادر لا حكم له.
стр. 3425
طالب: شيخ، حفظكم الله، رجل تبرع بدمه وهو صائم، فهل يُفْطِر يا شيخ؟
الشيخ: الغالب أن الدم المتبَرَّع به أنه كثير، يعني يُلْحِق البدن من الضعف ما تُلْحِقُه الحجامة، وبناء على ذلك يكون مفطِرًا.
الطالب: يقاس؟
الشيخ: إي نعم، فإذا كان صومه فريضة فإنه لا يجوز أن يتبرع إلَّا إذا كان هناك ضرورة، وهذا بناء على ما ذهب إليه شيخ الإسلام، أما على المذهب فلا.
طالب: شيخ، إذن على هذا القول أن الأصول أربعة؛ أصول الفطر: الأكل، والشرب، والشهوة، والضرر، ولَّا لا؟
الشيخ: ممكن أن نقول هكذا، ويمكن إذا قلنا بأنها تعبُّدية ما تكون هكذا، نقول: هذه جاءت بها السُّنَّة مستقلة.
طالب: أخذنا قاعدة أن العلة إذا كانت غير مستنبَطة يعني تقريبًا غير منصوص عليها، وعادت على النص بالإِبطال، فإنها لا يؤخذ بها.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: وقول شيخ الإسلام ابن تيمية يعود على النص بالإبطال.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أن ..
الشيخ: الحاجم إذا لم يمص القارورة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، هو صحيح هذه تَرِد على هذه القاعدة، ولهذا قلنا لكم: نحن الظاهر لنا كلام شيخ الإسلام هو الأقرب، بالنسبة للمحجوم واضح، بالنسبة للحاجم قد نقول: إنه إذا كانت العلة هذه غير منصوص عليها ولا مُجْمَع عليها فلا ينبغي أن نقول بأنها تُفَطِّر، لكن لقائل أن يقول: إن الرسول ﷺ يتكلم عن شيء معهود في زمنه، الحاجم يعني المعهود، فتكون (أل) بمعنى العهد الذهني المعروف عندهم، أما اللي يحجم بآلات فهذا بعيد.
طالب: شيخ، إذا كان في المدينة حاجم واحد، وكل واحد في قريته في كل يوم من أيام رمضان واحد مضطر إنه يحتجم، فهل يكون كل الشهر مُفْطِرًا؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا الفرض؟ يقول: إذا كان ليس في المدينة إلَّا حاجم واحد، وكل يوم يجيه واحد مضطر في رمضان، له أن يقول: ما بحجم، إلَّا إذا خاف أن يهلك؛ لأن أحيانًا يثور الدم على الإنسان وربما يُهْلِكُه.
стр. 3426
الطالب: هل يجوز للحاجم .. ؟
الشيخ: يجوز.
الطالب: يُفْطِر كل رمضان؟
الشيخ: إي، وماذا يصنع؟ مثل ما لو كان كل يوم يطلع يلقى حريق ولَّا غريق.
الطالب: بالليل الحجامة.
الشيخ: أخاف يصير مُضْطَرّ، وإلَّا عاد نعم تأخير الليل واضح إذا أمكن، حتى لو عاد ما فيه إلَّا واحد يحجم إذا كان يمكن بالليل.
يقول: أثناء الصلاة يجد بعض الناس ضيقًا شديدًا في الصلاة، وبعض الأحيان يضطر إلى الرجوع إلى الخلف، وأيضًا في التشهد الأخير بعض الإخوان -هداهم الله- يفترش ولا كأن بجواره أحدًا، وربما يكون -ما شاء الله- قد أعطاه الله صحة؟
على كل حال السُّنَّة في التشهد الأخير في الصلاة التي فيها تشهدان أن يتوَرَّك، لكن إذا كان يخشى من أذيَّة جاره فهذه سُنَّة تُتْرك من أجل دفع الأذى.
تقول: رجل عنده بعض الخبرة في الفَصْد والحجامة، وجاءه في يوم من أيام رمضان في النهار مريض يجوز له الفطر لضرورة المرض، ما رأيكم هل يفصده أو يحجمه؟
ما دام مريضًا يجوز له الفطر فهو يُفْطِر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي.
الطالب: ( ... ) بعض الناس ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن هل ما يمكن يصبر إلى الليل؟ إن كان يصبر إلى الليل عشان ما يُفْطِر الحاجم، إنما الْمُفْطِر الآن الحاجم هو المشكل، ولَّا المحجوم ما دام مريضًا يجوز له، لكن إذا كان فيه ضرورة، يعني يُخشى أن يموت قبل الليل فهنا يحجمه، ويُفْطِر هذا الحاجم.
هذا السؤال الثالث والباقي، يقول: ذكرتم أن الحقنة لا تُفَطِّر ولو غذَّت الجسم؛ لأنها ليست بمعنى الأكل والشرب، فهل يقاس عليها الإبر المغذية؟ وهل هي بمعنى الأكل والشرب؟
نعم الإبر المغذِّيَة نرى أنها تُفَطِّر الصائم؛ لأنها بمعنى الأكل والشرب، فيه فائدة للجسم.
تقول: ما القول الصحيح في مسألة احتجاب المرأة عن الرجل الأعمى؟
والسؤال الثاني: أسقطت طفلًا له شهرين أَيُصَلَّى عليه وتعتد كعدة النُّفَسَاء؟
стр. 3427
أما الأول: فالصحيح أنه لا يجب عليها أن تحتجب عن الرجل الأعمى.
وأما الثاني فلا يُصلَّى عليه؛ لأنه لا يُصَلَّى إلَّا على مَن بلغ أربعة أشهر، وليس فيه نفاس أيضًا؛ لأن النفاس لا يكون إلا إذا خُلِّق، ولا يُخَلَّق في شهرين.
طالب: تصلِّي هي؟
الشيخ: تصلِّي نعم، إذا صارت شهرين تصلِّي.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
نقل المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُفسِد الصوم ويوجب الكفارة: أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه.
الشيخ: نقل عن مَنْ؟ عمَّن نقل؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يقال: نقل، في الأحاديث وشبهها، أما المؤلَّف هو اللي ألَّفه.
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في باب ما يُفسِد الصوم ويوجب الكفارة: أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ، أوْ غُبَارٌ، أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ، أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ، أوِ اغْتَسَلَ، أوْ تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْثَرَ، أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ، وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ، إلَّا ..
الشيخ: لا إِنْ أَكَلَ.
الطالب: لا إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الْمُفَطِّرات التي مرت بنا يُشترط لكونها مُفَطِّرة شروط؟
طالب: العَمَدْ.
الشيخ: العَمْد، وضده؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: الجهل؟
الطالب: لا، العَمْد، وضده الإكراه، الإكراه والخطأ.
الشيخ: الخطأ من الجهل.
طالب: الشرط الأول العَمْد، وضده عدم العَمْد.
الشيخ: يعني عدم العَمْد، يعني أن لا يقصد الشيء، أحسنت.
الطالب: وأن يكون ..
الشيخ: اصبر، يكفي، ما هو الدليل على اشتراط العَمْدية؟
стр. 3428
طالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ( ... ) هنا خطأ.
الشيخ: الخطأ متعمِّد لكن جاهل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، الخطأ قرين النسيان وهو الجهل.
الطالب: قول النبي ﷺ : «مَنْ أَكَلَ شَيْئًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ» (٦).
الشيخ: إذا نسي.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: قال النبي ﷺ : «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنَّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١١).
الشيخ: إي نعم، أين الدليل؟ هذا ما أُكْرِه، لكن لم يتعمَّد.
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
الشيخ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.
الطالب: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾.
الشيخ: إي، ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، يؤخذ من قوله: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
مثال غير العامد؟
طالب: إنسان جامع في نهار رمضان.
الشيخ: حد بيجامع من غير عمد؟
الطالب: غير عامد في الصيام؟
الشيخ: غير عامد لما حصل من المُفَطِّرات.
الطالب: نعم، الوضوء ..
الشيخ: لا، مثال، ما هو دليل.
الطالب: مثال غير العامد شرب ناسيًا.
الشيخ: لا، ناسي.
الطالب: غير العمد مَن دخل في فمه غبار مثلًا أو ذباب.
الشيخ: إي، أو تمضمض فنزل الماء بغير قصد، هذا غير عامد، هذا لا يُفْطِر.
يُشترط شرط آخر؟
الطالب: العلم.
الشيخ: العلم، وضدُّه؟
الطالب: الجهل.
الشيخ: وضدُّه الجهل، أحسنت، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن الجهل نوعان؛ جهل بالحال وجهل ..
الشيخ: لا، الدليل أولًا.
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: أحسنت، والجهل؟ الجهل خطأ، ذكرنا أن الجهل ينقسم إلى قسمين.
طالب: نعم، قسمين، الجهل بالحال.
الشيخ: إي.
الطالب: وجهل بالحكم.
الشيخ: بالحكم، وكلاهما يُعذر به؟
الطالب: كلاهما يُعذر به.
стр. 3429
الشيخ: أحسنت، ما هو الدليل الخاص على العذر بالجهل بالحكم؟
طالب: ( ... ) ورُوِي عن عَدي بن حاتِم أنه ( ... ) ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
الشيخ: نعم.
الطالب: الشاهد من الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ» (٩) ولم يأمره بالقضاء.
الشيخ: إي، ولكن ويش اللي فعله هو، عَدي بن حاتِم ماذا فعل؟
الطالب: أخذ خيطًا من عِقال أبيض وعِقال أسود، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل ويشرب حتى تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
الشيخ: أحسنت، حديث عَدي بن حاتِم أنه أتى بعقالين أبيض وأسود وهو يريد أن يصوم، وجعلهما تحت الوسادة التي هو متكئ عليها، فكان يأكل ويشرب، وينظر إلى هذين العقالين، فلما تبين الأبيض من الأسود أمسك، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يأمره بالقضاء.
الجهل بالحال؟
طالب: أفطر.
الشيخ: مثاله.
الطالب: أن يفطر الإنسان في يوم غيم ( ... ).
الشيخ: يظن أنها؟
الطالب: يظن أنها غابت الشمس.
الشيخ: أنها غابت الشمس، تمام، هل يُفْطِر أو لا؟
الطالب: يُفْطِر.
الشيخ: يُفْطِر؟ إذن معناه لم تعذره بالجهل.
الطالب: لأنه علم أنها ..
الشيخ: ما عَلِم أنها غابت، لو علم أنها غابت ما ذهب يُفْطِر.
الطالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر؛ لأنه؟
الطالب: علم.
الشيخ: لأنه ..
الطالب: جاهل، جاهل.
الشيخ: جاهل بإيش؟
الطالب: بالحكم.
الشيخ: بالحكم؟ لا، يدري أنه لا يجوز الأكل قبل غروب الشمس.
الطالب: جاهل بالحال.
الشيخ: جاهل بالحال، يعني يظن أن الشمس غربت، فهو جاهل بالواقع، طالما أن الحال هنا الواقع، الحال يعني الجهل بالواقع.
ما هو الدليل على هذا؟
طالب: حديث أسماء ﵂ قالت: أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي ﷺ ، ثم طلعت الشمس، ولم يأمرنا ﷺ بالقضاء ( ... ).
стр. 3430
الشيخ: حديث أسماء أنهم أفطروا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيم، ثم طلعت الشمس، ولم يأمرهم بالقضاء.
إذا قال قائل: عدم النقل ليس نقلًا للعدم، يعني كونه لم يُنقَل أنه أمرهم لا يدل على أنه لم يأمرهم، فبماذا نجيب؟
طالب: هذا مما تدعو الحاجة إلى نقله.
الشيخ: نعم.
الطالب: وهذا شرع يجب أن يُحفظ.
الشيخ: نعم.
الطالب: فما دام لم يُنقل دَلَّ على أنه لم يأمرنا به النبي ﷺ بالقضاء.
الشيخ: أحسنت، لو كان القضاء واجبًا لأمرهم به؛ لأنه شرط، ولو أمرهم به لوجب أن يُنقل إلينا؛ لأن الشرع لا بد أن يكون محفوظًا فلا يضيع.
الشرط الثالث؟
طالب: ذاكرًا.
الشيخ: ذاكرًا، ضدُّه؟
الطالب: النسيان.
الشيخ: الناسي، يعني لو أكل أو شرب وهو صائم ناسيًا؟
الطالب: صائم.
الشيخ: يُفْطِر ولَّا ما يُفْطِر؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا يُفْطِر؟
الطالب: الناسي لا يُفْطِر.
الشيخ: إي نعم هو ناسي، أكل شرب على العادة، مرَّ بالبرَّادة وهو عطشان، فعلى العادة شرب ناسيًا.
الطالب: يتم صومه.
الشيخ: ما هو الدليل العام والخاص؟
الطالب: الدليل العام: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الشيخ: والخاص؟
الطالب: الخاص ورد عن النبي صلى عليه وسلم.
الشيخ: حديث أبي هريرة.
الطالب: مَنْ نسي.
الشيخ: أن النبي.
الطالب: أن النبي ﵊ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ إِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٦).
الشيخ: أحسنت، هذا هو المهم في درسنا في معرفة المُفَطِّرات هو معرفة هذه الشروط، حتى لا نُفْسِد صوم أحد إلا بدليل شرعي يكون لنا حجة عند الله؛ لأن الله تعالى سيقول لنا: لماذا أفسدتم عبادة عبادي بلا إذن مني؟
стр. 3431
وهذا أمر مهم؛ لأن بعض الناس يتساهل في هذا الأمر، والإنسان المفتي أو المؤلف يَحْكي عن الله، ويقول على الله، فلا بد أن يعرف له جوابًا عند الله يوم القيامة إذا سأله: كيف أفسدتَ عبادة عبادي بدون إذن مني؟ فماذا يقول؟
فإذا جاءت النصوص -ولله الحمد- مُيَسِّرة على العباد عاذِرَةً لهم بالجهل والنسيان وعدم القصد، فلماذا نحن نُلزِم الناس بشيء قد عفا الله عنه، وعفو الله تعالى أوسع من مؤاخذته، ورحمته أوسع من عقوبته، ورضاه أوسع من غضبه .
وهذه مسألة ينبغي للإنسان طالب العلم الذي يمن الله عليه بالفتوى أن يجعل هذا السؤال نصب عينيه: لماذا ضيَّقْتَ على عبادي بالشروط؟ لماذا أفسدتَ عبادة عبادي بلا دليل؟ وما أشبه ذلك.
طالب: ضد العَمْد ما هو؟
الشيخ: ضد العَمْد عدم الاختيار، يعني أنا ما اخترت هذا الشيء، فعامدًا بمعنى مختارًا، كل شيء يحصل بلا قصد أو بإكراه؛ لأن الْمُكْرَه يفعل الشيء بلا قصد.
إنسان أُغْمِيَ عليه وهو صائم، فاضطُرَّوا إلى أن يُوجِرُوه بدواء.
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر؟ لماذا؟
الطالب: لعدم قصد الفطر.
الشيخ: لعدم القصد منه، صحيح؟ وهل يجوز لهم أن يفعلوا ذلك به؟
الطالب: يجوز لهم للحاجة.
الشيخ: يجوز لهم للضرورة؛ ولأنه لا يُفْطِر، صومه لن يَفْسُد بهذا العمل.
رجل قبَّل زوجته فأمذى.
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على كلام المؤلف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: حتى على ما ذهب إليه المؤلف؟
طالب: على ما ذهب إليه المؤلف أنه يُفْطِر.
الشيخ: أنه يُفْطِر؛ لأنه يجعل المذي؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كالإنزال، رجل كَرَّرَ النظر فأمذى، أَيُفْطِر؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: حتى على رأي المؤلف؟
الطالب: وعلى رأي المؤلف يُفْطِر.
طالب آخر: بلى يُفْطِر.
الشيخ: ما تقولون؟ أيهما أصح أيهما؟ الثاني أو الأول؟
طلبة: الثاني.
стр. 3432
الشيخ: الثاني، وهنا فرَّق المؤلف بين الإمذاء والإمناء، والصواب أن الفرق بينهما في هذه الحال وغيرها.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما لا يُفْسِد الصوم: (أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ) يعني: فلا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، لكن لو كان مستقَر الذباب حين طار أقصى الفم فإنه يمكنه أن يُخْرِجَه، إنما لو ذهب إلى الحَلْق فإنه لا يمكن أن يخرجه، وربما لو حاول إخراجه لتقيأ، لذلك نقول: يُعفى عنه.
كذلك إذا طار إلى حلقه غبار، فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد، ولا يقال للعامل الذي يعمل في التراب: لا تعمل وأنت صائم؛ لأنك لو عملت وأنت صائم لطار إلى حلقك غبار؛ لأننا نقول: إن طيران الغبار إلى حلقه ليس بمقصود، هو يريد أن يعمل في التراب، ومن يعمل في التراب فلا بد أن يطير إلى حلقه الغبار، فإذا طار إلى حلقه غبار فإن ذلك لا يضر.
أفلا يمكن أن يقال: ما دام هذا العمل وسيلة إلى إفطاره أفلا نقول: إنه لا يجوز أن يعمل؟
الجواب أن نقول: هذا ليس وسيلة إلى إفطاره؛ لأنه إذا طار إلى حلقه غبار بلا قصد فإنه؟
طالب: لا يُفْطِر.
الشيخ: لا يُفْطِر.
كذلك إذا يقول: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)، (فَكَّرَ) يعني: في الجماع، (فَأَنْزَلَ)، سواء كان ذا زوجة ففكر في جماع زوجته، أو لم يكن ذا زوجة ففكر في الجماع عمومًا فأنزل فإنه لا يفسد صومه بذلك، ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (١٢)، وهذا لم يعمل، ولم يتكلم، إنما حدَّث نفسه وفكَّر فأنزل.
وعُلِم منه -من كلامه- (فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) أنه لو حصل منه عمل فإنه يُفْطِر أو لا؟ يُفْطِر، يعني لو حصل منه عمل بأن تدَلَّك بالأرض حتى أنزل، أو حرَّك ذكره حتى أنزل، أو قبَّل زوجته حتى أنزل، أو ما أشبه ذلك فإنه يُفْطِر.
стр. 3433
قوله: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ أوِ احْتَلَمَ)، (احْتَلَمَ) فإنه لا يُفْطِر، حتى لو نام على تفكير، واحتلم في أثناء النوم فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن النائم غيرُ قاصد، وقد رُفِع عنه القلم فلا يُفْطِر إذا احتلم.
أحيانًا يستيقظ الإنسان حينما يتحرك الماء الدافق، فهل يلزمه -في هذه الحال- أن يمسكه؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ لا؛ لأنه انتقل من محله، ولا يمكن رده، وحَبْسُهُ بالضغط على الذَّكَر مُضِرّ، فيقال في هذه الحال: يمشي، كما أنه لو تحركت معدته ليتقيأ فإنه لا يلزمه أن يحبسها؛ لما في ذلك من الضرر.
يقول: (أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ)، فهنا لا يفسُد صومه؛ لأنه لم يبتلع طعامًا بعد طلوع الفجر، كيف يتصور هذا؟ يتصور إذا كان الإنسان مثلًا يأكل تمرًا، وصار في أقصى فمه شيء من التمر، ولم يُحِسّ به إلَّا بعد أن طلع الفجر، نقول في هذه الحال: الفِظْ هذا وصومك صحيح، ولا بأس.
يقول: (أوِ اغْتَسَلَ) اغتسل فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم؟
طالب: القصد.
الشيخ: لعدم القصد.
(أوْ تَمَضْمَضَ) فدخل الماء إلى حلقه، حتى وصل إلى معدته، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
(أوِ اسْتَنْثَرَ) والمراد: استنشق؛ لأن الاستنثار يَخرج الماء من الأنف، فإما أن تكون هذه من المؤلف سبقة قلم، أو سهوًا؛ لأن المراد بقوله: (اسْتَنْثَرَ) يعني: استنشق الماء في الوضوء مثلًا، ثم نزل الماء إلى حلقه فمعدته فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
(أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) يعني زاد على الثلاث في المضمضة أو الاستنشاق، فدخل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفسُد صومه.
стр. 3434
وأتى المؤلف بقوله: (زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ)؛ لأن ما قبل الثلاث مشروع، ما قبل الثلاث في المضمضة والاستنشاق مشروع، ومأذون فيه، والقاعدة عند العلماء أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فهنا إذا تمضمض في الأُولى والثانية والثالثة فنزل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك واضح؛ لأنه لم يفعل إلَّا شيئًا مشروعًا، وهذا ترتب على شيء مشروع فلا يضر.
لكن لو زاد على الثلاث فالزيادة على الثلاث في الوضوء إما محرَّمة وإما مكروهة كراهة شديدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» (١٣)، فإذا زاد على الثلاث فالزيادة مكروهة، أدنى أحوالها أنها مكروهة، لكنه زاد عليها ووصل الماء إلى بطنه، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد.
لأنك لو سألت هذا الذي تمضمض أكثر من ثلاث: أَأَنت تريد أن يصل الماء إلى بطنك؟ لقال: لا، فإذا كان كذلك فإنه لا يُفْطِر؛ لأنه لم يقصد أن ينزل الماء إلى بطنه.
وكذلك لو بالغ في الاستنشاق أو المضمضة، مع أنه مكروه، يُكْرَه للصائم أن يبالغ فيهما، لكن لو بالغ ودخل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد.
لو أنه يَبِس فمه كما يوجد في أيام الصيف، ويوجد أيضًا مع بعض الناس، يكون ريقه قليلًا ينشف فمه، فتمضمض من أجل أن يَبْتَلَّ فمه، أو تَغَرْغَرَ بالماء ونزل إلى بطنه، فهل يُفْطِر بذلك؟ نقول: لا؛ لأنه غير مقصود، ولم يقصد الإنسان أن ينزل الماء إلى بطنه، وإنما أراد أن يَبُلَّ فمه ونزل الماء بغير قصد.
ويتفرع على هذا: هل يجوز للصائم أن يستعمل الفرشة والمعجون أو لا؟
نقول: يجوز، لكن الأَوْلَى ألَّا يستعملهما؛ لما في المعجون من قوة النفوذ والنزول إلى الحلق، وبدلًا من أن يفعل ذلك في النهار يفعله في الليل، الأمر واسع.
(أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ).
стр. 3435
ثم قال: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ)، (مَنْ أَكَلَ شَاكًّا)، ومن شَرِب؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: مثله، ومن جامع؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، يعني: من أتى مُفَطِّرًا، وهو شاكٌّ بطلوع الفجر فصومه صحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وضد التبيُّن: الشك والظن، فما دمنا لم يتبين لنا فلنا أن نأكل ونشرب؛ لأن الله أباح ذلك.
ثم إن الإنسان في هذا الوقت إما أن يتيقن أن الفجر لم يطلع، مثل أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكْلُه وشُرْبُه في الساعة الرابعة والنصف، فهنا يتيقن أن الفجر لم يطلُع، وهذا لا إشكال فيه، وإما أن يتيقن أن الفجر طلع، كأن يأكل الساعة الخامسة والنصف، فهذا صومه فاسد ولا شك، وإما أن يأكل وهو شاكٌّ هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلُع، فما الحكم؟
طلبة: صومه صحيح.
الشيخ: صومه صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وإما أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع.
طلبة: صومه صحيح.
الشيخ: فصومه صحيح، وإما أن يأكل ويشرب مع التردد الذي ليس فيه رجحان، فصومه؟
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح.
هذه خمسة أقسام يصح الصوم فيها في ثلاثة أقسام؛ إذا علم أنه لم يطلُع، أو غلب على ظنه أنه لم يطلُع، أو تردد فيه، أو غلب على ظنه أنه طلع لكن لم يتيقن، كل هذا يؤخذ من الآية الكريمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
هل يُقَيَّد هذا فيما إذا لم يتبين أنه أكل في الفجر؟
أما على القول الراجح فإنه لا يُقَيَّد، حتى لو تبين أن الفجر قد طلع فصومه صحيح، بناءً على العذر بالجهل بالحال.
следующие страницы →