← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وهذا أمر مهم؛ لأن بعض الناس يتساهل في هذا الأمر، والإنسان المفتي أو المؤلف يَحْكي عن الله، ويقول على الله، فلا بد أن يعرف له جوابًا عند الله يوم القيامة إذا سأله: كيف أفسدتَ عبادة عبادي بدون إذن مني؟ فماذا يقول؟ فإذا جاءت النصوص -ولله الحمد- مُيَسِّرة على العباد عاذِرَةً لهم بالجهل والنسيان وعدم القصد، فلماذا نحن نُلزِم الناس بشيء قد عفا الله عنه، وعفو الله تعالى أوسع من مؤاخذته، ورحمته أوسع من عقوبته، ورضاه أوسع من غضبه . وهذه مسألة ينبغي للإنسان طالب العلم الذي يمن الله عليه بالفتوى أن يجعل هذا السؤال نصب عينيه: لماذا ضيَّقْتَ على عبادي بالشروط؟ لماذا أفسدتَ عبادة عبادي بلا دليل؟ وما أشبه ذلك. طالب: ضد العَمْد ما هو؟ الشيخ: ضد العَمْد عدم الاختيار، يعني أنا ما اخترت هذا الشيء، فعامدًا بمعنى مختارًا، كل شيء يحصل بلا قصد أو بإكراه؛ لأن الْمُكْرَه يفعل الشيء بلا قصد. إنسان أُغْمِيَ عليه وهو صائم، فاضطُرَّوا إلى أن يُوجِرُوه بدواء. طالب: لا يُفْطِر. الشيخ: لا يُفْطِر؟ لماذا؟ الطالب: لعدم قصد الفطر. الشيخ: لعدم القصد منه، صحيح؟ وهل يجوز لهم أن يفعلوا ذلك به؟ الطالب: يجوز لهم للحاجة. الشيخ: يجوز لهم للضرورة؛ ولأنه لا يُفْطِر، صومه لن يَفْسُد بهذا العمل. رجل قبَّل زوجته فأمذى. طالب: لا يُفْطِر. الشيخ: حتى على كلام المؤلف؟ الطالب: نعم. الشيخ: حتى على ما ذهب إليه المؤلف؟ طالب: على ما ذهب إليه المؤلف أنه يُفْطِر. الشيخ: أنه يُفْطِر؛ لأنه يجعل المذي؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: كالإنزال، رجل كَرَّرَ النظر فأمذى، أَيُفْطِر؟ طالب: لا يُفْطِر. الشيخ: حتى على رأي المؤلف؟ الطالب: وعلى رأي المؤلف يُفْطِر. طالب آخر: بلى يُفْطِر. الشيخ: ما تقولون؟ أيهما أصح أيهما؟ الثاني أو الأول؟ طلبة: الثاني.

стр. 3432

الشيخ: الثاني، وهنا فرَّق المؤلف بين الإمذاء والإمناء، والصواب أن الفرق بينهما في هذه الحال وغيرها. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما لا يُفْسِد الصوم: (أوْ طَارَ إِلَى حَلْقِه ذُبَابٌ) يعني: فلا يُفْطِر؛ لأنه بغير قصد، لكن لو كان مستقَر الذباب حين طار أقصى الفم فإنه يمكنه أن يُخْرِجَه، إنما لو ذهب إلى الحَلْق فإنه لا يمكن أن يخرجه، وربما لو حاول إخراجه لتقيأ، لذلك نقول: يُعفى عنه. كذلك إذا طار إلى حلقه غبار، فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد، ولا يقال للعامل الذي يعمل في التراب: لا تعمل وأنت صائم؛ لأنك لو عملت وأنت صائم لطار إلى حلقك غبار؛ لأننا نقول: إن طيران الغبار إلى حلقه ليس بمقصود، هو يريد أن يعمل في التراب، ومن يعمل في التراب فلا بد أن يطير إلى حلقه الغبار، فإذا طار إلى حلقه غبار فإن ذلك لا يضر. أفلا يمكن أن يقال: ما دام هذا العمل وسيلة إلى إفطاره أفلا نقول: إنه لا يجوز أن يعمل؟ الجواب أن نقول: هذا ليس وسيلة إلى إفطاره؛ لأنه إذا طار إلى حلقه غبار بلا قصد فإنه؟ طالب: لا يُفْطِر. الشيخ: لا يُفْطِر. كذلك إذا يقول: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ)، (فَكَّرَ) يعني: في الجماع، (فَأَنْزَلَ)، سواء كان ذا زوجة ففكر في جماع زوجته، أو لم يكن ذا زوجة ففكر في الجماع عمومًا فأنزل فإنه لا يفسد صومه بذلك، ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (١٢)، وهذا لم يعمل، ولم يتكلم، إنما حدَّث نفسه وفكَّر فأنزل. وعُلِم منه -من كلامه- (فَكَّرَ فَأَنْزَلَ) أنه لو حصل منه عمل فإنه يُفْطِر أو لا؟ يُفْطِر، يعني لو حصل منه عمل بأن تدَلَّك بالأرض حتى أنزل، أو حرَّك ذكره حتى أنزل، أو قبَّل زوجته حتى أنزل، أو ما أشبه ذلك فإنه يُفْطِر.

стр. 3433

قوله: (أوْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ أوِ احْتَلَمَ)، (احْتَلَمَ) فإنه لا يُفْطِر، حتى لو نام على تفكير، واحتلم في أثناء النوم فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن النائم غيرُ قاصد، وقد رُفِع عنه القلم فلا يُفْطِر إذا احتلم. أحيانًا يستيقظ الإنسان حينما يتحرك الماء الدافق، فهل يلزمه -في هذه الحال- أن يمسكه؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم؟ لا؛ لأنه انتقل من محله، ولا يمكن رده، وحَبْسُهُ بالضغط على الذَّكَر مُضِرّ، فيقال في هذه الحال: يمشي، كما أنه لو تحركت معدته ليتقيأ فإنه لا يلزمه أن يحبسها؛ لما في ذلك من الضرر. يقول: (أوِ احْتَلَمَ، أَوْ أَصْبَحَ فِي فِيهِ طَعامٌ فَلَفَظَهُ)، فهنا لا يفسُد صومه؛ لأنه لم يبتلع طعامًا بعد طلوع الفجر، كيف يتصور هذا؟ يتصور إذا كان الإنسان مثلًا يأكل تمرًا، وصار في أقصى فمه شيء من التمر، ولم يُحِسّ به إلَّا بعد أن طلع الفجر، نقول في هذه الحال: الفِظْ هذا وصومك صحيح، ولا بأس. يقول: (أوِ اغْتَسَلَ) اغتسل فدخل الماء إلى حلقه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم؟ طالب: القصد. الشيخ: لعدم القصد. (أوْ تَمَضْمَضَ) فدخل الماء إلى حلقه، حتى وصل إلى معدته، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد. (أوِ اسْتَنْثَرَ) والمراد: استنشق؛ لأن الاستنثار يَخرج الماء من الأنف، فإما أن تكون هذه من المؤلف سبقة قلم، أو سهوًا؛ لأن المراد بقوله: (اسْتَنْثَرَ) يعني: استنشق الماء في الوضوء مثلًا، ثم نزل الماء إلى حلقه فمعدته فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد. (أوْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) يعني زاد على الثلاث في المضمضة أو الاستنشاق، فدخل الماء إلى حلقه، فإنه لا يفسُد صومه.

стр. 3434

وأتى المؤلف بقوله: (زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ)؛ لأن ما قبل الثلاث مشروع، ما قبل الثلاث في المضمضة والاستنشاق مشروع، ومأذون فيه، والقاعدة عند العلماء أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، فهنا إذا تمضمض في الأُولى والثانية والثالثة فنزل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك واضح؛ لأنه لم يفعل إلَّا شيئًا مشروعًا، وهذا ترتب على شيء مشروع فلا يضر. لكن لو زاد على الثلاث فالزيادة على الثلاث في الوضوء إما محرَّمة وإما مكروهة كراهة شديدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» (١٣)، فإذا زاد على الثلاث فالزيادة مكروهة، أدنى أحوالها أنها مكروهة، لكنه زاد عليها ووصل الماء إلى بطنه، فإنه لا يُفْطِر؛ لعدم القصد. لأنك لو سألت هذا الذي تمضمض أكثر من ثلاث: أَأَنت تريد أن يصل الماء إلى بطنك؟ لقال: لا، فإذا كان كذلك فإنه لا يُفْطِر؛ لأنه لم يقصد أن ينزل الماء إلى بطنه. وكذلك لو بالغ في الاستنشاق أو المضمضة، مع أنه مكروه، يُكْرَه للصائم أن يبالغ فيهما، لكن لو بالغ ودخل الماء إلى بطنه فإنه لا يُفْطِر بذلك؛ لعدم القصد. لو أنه يَبِس فمه كما يوجد في أيام الصيف، ويوجد أيضًا مع بعض الناس، يكون ريقه قليلًا ينشف فمه، فتمضمض من أجل أن يَبْتَلَّ فمه، أو تَغَرْغَرَ بالماء ونزل إلى بطنه، فهل يُفْطِر بذلك؟ نقول: لا؛ لأنه غير مقصود، ولم يقصد الإنسان أن ينزل الماء إلى بطنه، وإنما أراد أن يَبُلَّ فمه ونزل الماء بغير قصد. ويتفرع على هذا: هل يجوز للصائم أن يستعمل الفرشة والمعجون أو لا؟ نقول: يجوز، لكن الأَوْلَى ألَّا يستعملهما؛ لما في المعجون من قوة النفوذ والنزول إلى الحلق، وبدلًا من أن يفعل ذلك في النهار يفعله في الليل، الأمر واسع. (أَوْ بَالَغَ فَدَخَلَ المَاءُ حَلْقَهُ لَمْ يَفْسُدْ).

стр. 3435

ثم قال: (وَمَنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوع الفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ)، (مَنْ أَكَلَ شَاكًّا)، ومن شَرِب؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: مثله، ومن جامع؟ طلبة: كذلك. الشيخ: كذلك، يعني: من أتى مُفَطِّرًا، وهو شاكٌّ بطلوع الفجر فصومه صحيح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلى متى؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، وضد التبيُّن: الشك والظن، فما دمنا لم يتبين لنا فلنا أن نأكل ونشرب؛ لأن الله أباح ذلك. ثم إن الإنسان في هذا الوقت إما أن يتيقن أن الفجر لم يطلع، مثل أن يكون طلوع الفجر في الساعة الخامسة، ويكون أكْلُه وشُرْبُه في الساعة الرابعة والنصف، فهنا يتيقن أن الفجر لم يطلُع، وهذا لا إشكال فيه، وإما أن يتيقن أن الفجر طلع، كأن يأكل الساعة الخامسة والنصف، فهذا صومه فاسد ولا شك، وإما أن يأكل وهو شاكٌّ هل طلع الفجر أو لا، ويغلب على ظنه أنه لم يطلُع، فما الحكم؟ طلبة: صومه صحيح. الشيخ: صومه صحيح؟ طلبة: نعم. الشيخ: طيب، وإما أن يأكل ويشرب، ويغلب على ظنه أن الفجر طالع. طلبة: صومه صحيح. الشيخ: فصومه صحيح، وإما أن يأكل ويشرب مع التردد الذي ليس فيه رجحان، فصومه؟ طالب: صحيح. الشيخ: صحيح. هذه خمسة أقسام يصح الصوم فيها في ثلاثة أقسام؛ إذا علم أنه لم يطلُع، أو غلب على ظنه أنه لم يطلُع، أو تردد فيه، أو غلب على ظنه أنه طلع لكن لم يتيقن، كل هذا يؤخذ من الآية الكريمة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. هل يُقَيَّد هذا فيما إذا لم يتبين أنه أكل في الفجر؟ أما على القول الراجح فإنه لا يُقَيَّد، حتى لو تبين أن الفجر قد طلع فصومه صحيح، بناءً على العذر بالجهل بالحال.

стр. 3436

وأما على المذهب فيقولون: إذا تبين أن أكله كان بعد طلوع الفجر فعليه القضاء، بناءً على أنهم لا يَعْذرون بالجهل، والصواب العذر بالجهل كما سبق. يقول: (لَا إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ) فإنه لا يصح صومه، (إِنْ أَكَلَ شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ) فإنه لا يصح صومه، والفرق بين من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أن الأول بانٍ على أصل، وهو الأصل بقاء الليل، والثاني أيضًا بانٍ على أصل وهو الأصل بقاء النهار، فلا يجوز أن يأكل مع الشك. إذن متى يجوز أن يأكل؟ إذا تيقن، أو غلب على ظنه أن الشمس قد غربت، حتى على المذهب في هذه الحال إذا غلب على ظنه أن الشمس قد غربت فله أن يُفْطِر، ولا قضاء عليه ما لم يتبين أنها لم تغرب، وسبق على القول الصحيح أنه معذور أيضًا، أرجو أنكم فهمتم الآن، إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر فأكْلُه جائز أو غير جائز؟ طلبة: جائز. الشيخ: وصومه؟ طلبة: صحيح. الشيخ: صحيح، إذا أكل شاكًّا في غروب الشمس فأكله حرام، ولَّا لا؟ فأكله حرام وعليه القضاء، الفرق أنه في الأول بنى على أصل، وفي الثاني بنى على أصل، الأول بنى على أي أصل؟ طلبة: بقاء الليل. الشيخ: على أصل بقاء الليل؛ لأن الأصل بقاء الليل حتى نتيقن أنه طلع الفجر، والثاني بنى على أصل أيضًا وهو أن الأصل. طلبة: بقاء النهار. الشيخ: بقاء النهار ما لم نعلم أن الشمس قد غربت. إذا تبين -بعد أن أكل شاكًّا في غروب الشمس- إذا تبين أن الشمس قد غربت قبل أن يأكل، فما حكم صومه؟ صومه صحيح؛ لأن شكَّه كان تَبَيَّن أنه مبني على غير أصل، أعرفتم؟ وإن أكل ظانًّا أن الشمس غربت ولم يتبين الأمر، فصومه؟ صحيح، من أين نأخذه من كلام المؤلف؟ من قوله: (شَاكًّا في غُرُوبِ الشَّمْسِ).

стр. 3437

فَعُلِم منه أنه لو أكل وقد ظن أن الشمس قد غربت فإنه يصح صومه ما لم يتبين أنها لم تغرب، فإن تبين أنها لم تغرب فقد عرفتم القول الصحيح في هذا، وهو أنه لا قضاء عليه، والمذهب أن عليه القضاء. فإن قال قائل: ما الدليل على أنه يجوز الفطر بالظن مع أن الأصل بقاء النهار؟ قلنا: الدليل حديث أسماء في عهد النبي ﵊ أفطروا في يوم غيم، وإفطارهم بناءً على إيش؟ على ظن ولَّا أو على يقين؟ طلبة: على ظن. الشيخ: على ظن قطعًا؛ لأنهم لو تيقنوا أن الشمس غربت ما طلعت، فهم بَنَوْا على ظن، فدل ذلك على أنه يجوز أن يُفْطِر بظن الغروب، ثم إن تبين أن الشمس غربت فالأمر واضح، أو لم يتبين شيء فالأمر أيضًا واضح، وإن تبين أنها لم تغرب وجب القضاء على المذهب، وعلى القول الراجح: لا يجب القضاء. ثم قال: (أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا)، يعني: سواء من أول النهار أو آخره، أكل يعتقد أنه ليل، بناءً على ظنه، أو بناءً على الأصل، فبان نهارًا، فعليه القضاء، لماذا؟ لأن الفقهاء ﵏ لا يَعذرون بالجهل، ويكون العمل بالواقع. مثاله: أكل السَّحُور يعتقد أن الفجر لم يطلُع، فتبين أنه طالع، فما الحكم؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: المذهب يجب عليه القضاء، وهذا يقع كثيرًا، يقوم الإنسان من فراشه ويقرِّب سَحوره ويأكل ويشرب، وإذا بالصلاة تُقَام، يعني أنه أكل وشَرِب بعد طلوع الفجر، فعلى المذهب يلزمه القضاء، وعلى القول الراجح: لا قضاء. كذلك أكل يعتقد أن الشمس غربت، ثم تبين أنها لم تغرُب فهو أكل يعتقد أنه في ليل، فبَانَ أنه في نهار، فيلزمه -على المذهب- القضاء، والراجح أنه لا يلزمه. إذن حصلنا على الفرق بين أول النهار وآخره في أنه يجوز في أول النهار الأكل مع الشك، وفي آخر النهار لا يجوز الأكل مع الشك.

стр. 3438

طالب: أحسن الله إليكم، ما أدري مناط الحكم -يعني بالإفطار- هل هو مرور الشيء إلى الجوف أو إلى المعدة أو إلى الحلق أم ماذا؟ لأن تعليلات الفقهاء تختلف من شيء إلى .. الشيخ: المذهب: وصوله إلى جوفه، سواء الحلق أو البطن أو أي مكان، شيخ الإسلام يرى أن مناط الحكم بوصول الشيء إلى المعدة. الطالب: المعدة فقط؟ الشيخ: فقط، وأما غيرها فلا فلا عبرة به. الطالب: وهذا الـ .. الشيخ: وهذا أقرب إلى الانضباط وإلى الصواب. الطالب: قلنا قاعدة سابقة: إذا تعذر ( ... ). الشيخ: نعم. الطالب: إذا غلب على ظنه أنه ( ... ). الشيخ: نعم، صحيح. الطالب: فإذا غلب على ظنه أنها لم تغرب، قلنا: إنه يجوز له الفطر. الشيخ: لا، ما يجوز، إذا غلب على ظنه أنها لم تغرب لا يجوز. طالب: شيخ بارك الله فيك، بعض الناس يُفْطِرُون على الأذان. الشيخ: نعم. الطالب: فإذا كان المؤذن أو العامل في المسجد يُصَلِّح الميكروفون تكلم في الميكروفون ففكروه الأذان فأكلوا. الشيخ: إي نعم، أكل ثم تبين أنها لم تغرب الشمس. طالب: نعم. الشيخ: فجاء يستفتي فماذا يقول له؟ طالب: أقول: إن صومه صحيح، على المذهب غير صحيح. الشيخ: وعلى الراجح؟ الطالب: الراجح صحيح. الشيخ: وهو كذلك. طالب آخر: إذا كان العامل يرش مبيدات الحشرات، الرائحة قوية جدًّا فذاقها؟ الشيخ: الرائحة لا تضر، يعني لو إنسان مثلًا -كما قال الأخ- يرش مبيد الحشرات فطار إلى حلقه رائحته فلا يضر. طالب: نفس الشيء البخور يا شيخ؟ الشيخ: نعم. الطالب: ( ... ). الشيخ: أسمعتم؟ طلبة: نعم. الشيخ: إيراد جيد، يقول: القاعدة عند الفقهاء أن ما وصل إلى مجوَّف فإنه مُفطِّر، فلماذا استثنَوا الإحليل؟ يعني إذا قطَّر في إحليله -أي في ذَكَرِه- فإنه لا يضر، يقولون: لأن المثانة ما تنفذ إلى الجوف. الطالب: هي ما هي جوف؟ الشيخ: لا، ما هي جوف. طالب: الإمساك يا شيخ بعد طلوع الفجر هل هو عند قول: الله أكبر الله أكبر، أو عند الفراغ؟

стр. 3439

الشيخ: المؤذِّنون في الواقع يختلفون، أولًا منهم من ليس بحريص، ومنهم من ساعته غير مضبوطة، ومنهم من نظره ضعيف، فيظن أربعة ونص يظنها خمسة ونص، ما الإنسان يعتمد عليهم تمامًا، إلَّا مؤذن تعرفه تمامًا يتحرى، فهذا إذا أذَّن من يوم ما أذَّن أمسِكْ، لكن ورد أنه إذا أذَّن والإناء في يدك وأنت تشرب فلا تضعه حتى تقضي نَهْمَتَك منه، وهذا فيه سعة. طالب: شيخ ( ... ). الشيخ: الصلاة. طالب: بارك الله فيكم، الناس الذين في السهول والجبال، قلنا في قول أهل الطائرات: أهل الطائرات إذا كانوا في سماء البلاد فإنهم لا يُفْطِرون بزوال الشمس وتغيب على أهل الأرض قبلهم، فهل نقيس أهل الجبال والمرتفعات والعمارات الشاهقة مئة دور، وما أشبه ذلك، لا يُفْطِرون اللي تحت حتى يُفْطِر الذين فوق؟ الشيخ: ما فهمت؟ الطالب: بعض المناطق سهول أو جبال. الشيخ: نعم. الطالب: أو عمارات مرتفعة جدًّا، لا تغيب عن العلوية، تغيب عن السفلية قبل أن تغيب عن .. الشيخ: نعم، احنا قلنا: من غابت عنهم فلْيُفْطِروا، ومن لم تغب عنهم فلا يُفْطِرون. الطالب: الاحتقان لا يُفَطِّر مطلقًا، ذكرنا هذا الرأي. الشيخ: نعم. الطالب: ذكرنا أيضًا أن الإبر المغذية تُفَطِّر. الشيخ: نعم. الطالب: فما وجه الفرق بين الحقنة إن كان فيها ما يغذِّي وغيرها من الإبر المغذِّية. الشيخ: نعم، هم يقولون: إن الحقنة ما هي تغذي، إنما هي تنظِّف الأمعاء فقط، لكن إذا ثبت أن الحقنة تغذِّي فالحكم واحد. طالب: هل يجوز أن يُفْطِر إذا غلب على ظنه أن الشمس غربت. الشيخ: نعم. الطالب: لو شك أن الشمس غربت، فأفطر فتبين أن الشمس غربت. الشيخ: نعم، صومه صحيح. الطالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، هو آثم؛ لأنه نقول: لا تأكل وأنت شاك، لكنه أكل. الطالب: هو نوى الإفطار.

стр. 3440

الشيخ: إي نعم، لكن نوى الإفطار في الليل، اصبر، والرسول ﵊ يقول: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (١٤) سواء نوى أو لم يَنْوِ، لأن نقول لهذا الرجل الذي أكل شاكًّا: أنت يجوز لك الأكل قبل أن تُفطر. طالب: إذا تعمَّد الأكل وبان أنه نهار ( ... ). الشيخ: إي نعم، يصح. *** طالب: في باب ما يُفْسِد الصوم ويوجب الكفارة: فصلٌ: وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ، أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً، أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ، وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَة. الشيخ: فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَة. طالب: عندي (فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَة). الشيخ: لا، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَة وفي الأولَى ثْنَتَانِ. الطالب: وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ، وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلك مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ، وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ، وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ، وَهْيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ.

стр. 3441

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. سبق لنا أن مَن أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أنه طالع، فما الحكم؟ طالب: صَحَّ صومه. الشيخ: تبين أنه طالع. الطالب: تبين له بعد ذلك؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: نعم يصح صومه. الشيخ: يصح صومه؟ حتى على ما مشى عليه المؤلف؟ الطالب: على المذهب عليه القضاء. طالب آخر: ( ... ). الشيخ: إي، طيب، هذا يقول. الطالب: ( ... ) القضاء ( ... ). الشيخ: المذهب أن عليه القضاء، والراجح؟ الطالب: الراجح -كما هو ظاهر الآية- يصح صومه. الشيخ: الراجح أن صومه صحيح. ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟ طالب: رجحان القول؟ الشيخ: نعم، أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فصومه صحيح على القول الصحيح، فما هو الدليل؟ الطالب: عموم الأدلة التي ( ... ). الشيخ: ما هو الدليل؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. الشيخ: إي نعم: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. الطالب: وهذا من الخطأ. الشيخ: وهذا من الخطأ، وهل هناك دليل خاص في المسألة؟ طالب: حديث أسماء ﵂ أنها قالت: صُمْنَا في عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، فطلعت الشمس (١٠) فلم يُؤْمَرُوا بالقضاء. الشيخ: فطلعت الشمس، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوله من باب أَوْلَى؛ لأن أوله مأذون له أن يأكل ويشرب إلى أن يتبين له الفجر. رجل آخر أكل يعتقد .. (فصلٌ)

стр. 3442

ومَن جامَعَ في نهارِ رمضانَ في قُبُلٍ أو دُبُرٍ فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، وإن جامَعَ دونَ الْفَرْجِ فأَنْزَلَ أو كانت المرأةُ مَعذورةً أو جامَعَ مَن نَوَى الصوْمَ في سَفَرِه أَفْطَرَ ولا كَفَّارَةَ، وإن جامَعَ في يومينِ أو كَرَّرَه في يومٍ ولم يُكَفِّرْ فكَفَّارَةٌ ثانيةٌ، وكذلك مَن لَزِمَه الإمساكُ إذا جَامَعَ، ومَن جامَعَ وهو مُعافًى ثم مَرِضَ أو جُنَّ أو سافَرَ لم تَسْقُطْ، ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بغيرِ الجِماعِ في صِيامِ رَمضانَ، وهي عِتْقُ رَقبةٍ، فإنْ لم يَجِدْ فصيامُ شَهرينِ مُتتابعينِ، فإن لم يَستطعْ فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، فإن لم يَجِدْ سَقَطَتْ. (بابُ ما يُكْرَهُ ويُستحبُّ وحُكْمُ القضاءِ) يُكْرَه جَمْعُ رِيقِه فيَبْتَلِعُه، ويَحْرُمُ بَلْعُ النُّخامةِ ويُفْطِرُ بها فقط إن وَصَلَتْ إلى فَمِه ويُكْرَهُ ذَوقُ طَعامٍ بلا حَاجةٍ، ومَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ، وإن وَجَدَ طَعْمَها في حَلْقِه أَفْطَرَ ويَحْرُم العِلْكُ الْمُتَحَلِّلُ إن بَلَعَ رِيقَه، وتُكْرَهُ القُبلةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهوتَه، ويَجِبُ اجتنابُ كَذِبٍ وغِيبةٍ وشَتْمٍ، الشيخ: على رُجْحَان هذا القول، أنه إذا أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فصومه صحيح على القول الصحيح فما هو الدليل؟ طالب: عموم الأدلة ( ... ). الشيخ: ما هو الدليل؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. الطالب: وهذا من الخطأ. الشيخ: وهذا من الخطأ، وهل هناك دليل خاص في المسألة؟ طالب: حديث أسماء ﵂ أنها قالت: صُمْنَا في عهد رسول الله ﷺ في يوم غيم، فطلعت الشمس (١).

стр. 3443

الشيخ: فطلعت الشمس، وإذا كان هذا في آخر النهار فأوَّله من باب أَوْلَى؛ لأن أوله مأذون له أن يأكل ويشرب إلى أن يتبين له الفجر. رجل آخر أكل يعتقد أنه ليل في آخر النهار، فبان نهارًا؟ طالب: نعم يا شيخ ( ... ) حديث أسماء. الشيخ: ما حكم هذا الذي فعل هذا الفعل؟ الطالب: غير آثم، وصومه صحيح، ولكن يلزمه الإمساك. الشيخ: أنا أحب أن تجيب أولًا بما قاله المؤلف من أجل أن أعرف أنك هضمت الكتاب. الطالب: لا أعرف كلام المؤلف. الشيخ: إي، إذن ما درست الكتاب، لا تقول: إني درست زاد المستقنع. الطالب: ما ألزمتمونا بالحفظ يا شيخ. الشيخ: مو لازم الحفظ. طالب: يبطل الصوم. الشيخ: يلزمه القضاء؟ الطالب: نعم. الشيخ: على رأي المؤلف يلزمه القضاء لأنهم في باب مفسِدات الصوم لا يعذرون بالجهل، والقول الراجح؟ الطالب: أنه لا قضاء عليه. الشيخ: أنه لا قضاء عليه، ما هو دليل رجحان هذا القول؟ طالب: حديث أسماء. الشيخ: ما هو؟ الطالب: أنهم أفطروا .. الشيخ: أنهم أفطروا؟ الطالب: ولَمَّا، ثم بَانَ النهار. الشيخ: كيف؟ الطالب: أفطروا على غَيْم في عهد النبي ﷺ . الشيخ: إي نعم، أفطروا متى؟ الطالب: أفطروا قبل، في يوم غيم. الشيخ: في يوم غيم، ثم طلعت .. الطالب: الشمس. الشيخ: ولم يأمرهم بالقضاء، هذا دليل خاص، وأما الأدلة العامة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فهي واضحة. ثم عقد المؤلف فصلًا خاصًّا للجماع، الجماع من مُفَطِّرات الصائم بالإجماع، ودليله قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾، أي: الإمساك، ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو مُفَطِّر بالإجماع، وهو أعظم المُفَطِّرات، ولهذا وجبت فيه الكفارة.

стр. 3444

قال المؤلف: (وَمَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَان فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ)، (مَنْ جَامَعَ)، (مَنْ) هذه من صِيَغ العموم؛ لأنها اسم شرط، فيشمل كل مَن جامع في نهار رمضان وهو صائم فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، ولكن ليس هذا على عمومه، بل لا بد من شروط: الشرط الأول: أن يكون ممن يلزمه الصوم، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم -كالصغير- فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن له أن يُفْطِر بدون عذر. الشرط الثاني: ألَّا يكون هناك مُسقِط للصوم، فإن كان هناك مُسقِط للصوم كما لو كان في سفر وهو صائم فجامع زوجته فإنه ليس عليه إثم وليس عليه كفارة، وإنما عليه القضاء فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. إذن لا بد من أن يكون ممن يلزمه الصوم، ولا بد ألَّا يوجد مُسْقِط للصوم. رجل مريض صائم وهو ممن يباح له الفطر بالمرض، لكنه تكلَّف وصام، ثم جامع زوجته، فهل عليه الكفارة؟ لا؛ لأنه ممن يحلُّ له الفطر، فالحاصل إذا كان ممن يلزمه الصوم. وقوله: (فِي قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ) يشمل القُبُل الحلال والدُّبُر الحلال، والدُّبُر الحرام والقُبُل الحرام، يعني حتى ولو كان زنًا -والعياذ بالله- فإنه يلزمه القضاء والكفارة، (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ). طالب: قلت: الدُّبُر الحلال. الشيخ: نعم؟ الطالب: هل الدُّبُر الحلال. الشيخ: لا، الدُّبُر حرام، كل الدُّبُر حرام حتى لزوجته، لكن دُبُر مِن امرأة حلال، أما الدُّبُر فلا يحل وطؤه حتى من الزوجة، فهو يشمل كل هذا. (فَعَلَيْهِ القَضَاءُ)؛ لأنه أفسد صومه الواجب فوجب عليه القضاء.

стр. 3445

(وَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ)، الكفارة احترامًا للزمن، وبناءً على ذلك -أنه احترامًا للزمن- أنه لو كان هذا في قضاء رمضان فالقضاء واجب، وعليه القضاء لهذا اليوم الذي جامَع فيه وليس عليه كفارة، لماذا؟ لأنه خارجَ شهرِ رمضان، بخلاف ما إذا كان في الشهر فعليه الكفارة. وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يُنزِل أو لا يُنزِل، فإذا أولج الحَشَفَة في القُبُل أو الدُّبُر، فإنه يلزمه -كما قال المؤلف- القضاء والكفارة. قال: (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الفَرجِ فأَنْزَلَ) فالجواب قوله: (أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، إن جامع دون الفرج كما لو جامع بين فخذيها، أو ما أشبه ذلك، فأنزل فعليه القضاء ولَا كفارة. كذلك إذا (كَانَتِ المرأةُ معذورةً) بجهل أو نسيان أو إكراه، فإنه ليس عليها كفارة، وعليها القضاء، وعُلِمَ من قوله: (أَو كَانَتِ المرأةُ معذورةً) .. إلى آخره أنه لو كانت مُطاوِعَةً فعليها .. طالب: القضاء. الشيخ: القضاء والكفارة. فإن قال قائل: ما هو الدليل على وجوب الكفارة؟ قلنا: الدليل على ذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: هلكْت، قال: «مَا أَهْلَكَكَ؟ »، قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هل يجد رقبة؟ فقال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ »، قال: لا، قال: «هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ »، قال: لا، فالرجل فقير وعاجز عن الصوم، ثم جلس الرجل، فجيء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتمر، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، قال: أَعَلَى أفقر مني يا رسول الله؟ ! والله ما بين لَابَتَيْهَا أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٢) فرجع إلى أهله بتمر.

стр. 3446

فإن قال قائل: هذا الرجل عرفنا الدليل، لكن ما هو الدليل على وجوب الكفارة على المرأة؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكر في هذا الحديث أن على المرأة الكفارة، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يمكن، يعني لا يمكن أن يؤخر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيان الحكم مع دعاء الحاجة إليه؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن هذا الرجل استفتى عن فعل نفسه، والمرأة لم تَسْتَفْتِ، وحالها تحتمل أن تكون معذورة ومُكْرَهَة، وتحتمل أن تكون مُطاوِعة، فلمَّا لم تأتِ وتَسْتَفْتِ سكت عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يذكر أنَّ عليها كفَّارة، والاستفتاء لا يُشترط فيه البحث عن حال الشخص الآخر، ولهذا لَمَّا جاءت امرأة أبي سفيان للنبي ﵌ تشتكيه بأنه لا يُنْفِق لم يطلب أبا سفيان ليسأله، بل أَذِن لها أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي ولدها. فإذا قال قائل: ما الدليل على الوجوب؟ أليس الأصل براءة الذمة؟ قلنا: الدليل على ذلك أن الأصل تَسَاوِي الرجال والنساء في الأحكام إلَّا بدليل، ولهذا لو أن رجلًا قذف رجلًا بالزنا لجُلِد ثمانين جلدة إذا لم يأت بالشهود، مع أن الآية في النساء: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فالأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام الشرعية إلَّا بدليل. فإذا قال قائل: ظاهر كلام المؤلف أنه لو كان الرجل هو المعذور بجهل أو نسيان فإنَّ الكفارة لا تسقط عنه؟ قلنا: نعم، هذا ظاهره؛ لقوله: (أَوْ كَانَتِ المرأةُ معذورةً) ففُهِم منه أنه لو كان الرجل هو المعذور فإنَّ الكفارة لا تسقط عنه، وهذا هو المشهور من المذهب.

стр. 3447

والصحيح أن الرجل إذا كان معذورًا بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فإنه ليس عليه قضاء، وليس عليه كفارة، وأن المرأة كذلك إذا كانت معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فليس عليها قضاء ولا كفارة، المذهب أن عليها القضاء، وليس عليها الكفارة، والصحيح أنه لا قضاء عليها ولا كفارة. وكذلك بالنسبة للرجل، فلو كان الرجل جاهلًا لا يعلم أن الجماع بدون إنزال حرام على الصائم، قلنا له: ليس عليك قضاء وليس عليك كفارة؛ للجهل، وقد سبقت الأدلة على ذلك. وكذلك لو قال: أنا نسيتُ أني صائم، قلنا: لا قضاء عليك ولا كفارة، وإن كان النسيان في مثل هذه الحال بعيدًا؛ لأن الناس في رمضان والنسيان يكون بعيدًا، لكن نقول: ربما يحصل، ولو قال قائل: إذا نَسِيَ هو لم تنسَ الزوجة، قلنا: يمكن أن تَنْسَ الزوجة أو تداهن، ربما تداهن وتسكت، وتقول: ما نقدر نذكِّره، كما يقول بعض العامَّة: إذا رأيت الرجل يشرب وهو صائم أو يأكل وهو صائم فلا تذكِّره؛ لأن الله هو الذي أطعمه وسقاه، فنقول: هذا قد يكون هي داهنت وسكتت وقالت: هذا ناسٍ ولا أُذَكِّره. فعلى كل حال إذا وُجِدَ الجهل أو النسيان أو الإكراه من الزوج أو الزوجة وجامعها فالقول الراجح أنه ليس عليهما قضاء. طلبة: ولا كفارة. الشيخ: ولا كفارة. بقي أن نُنَبِّه على مسألة مهمة، وهي أن الفقهاء ﵏ قالوا: لا يمكن الإكراه على الجماع من الرجل، يعني لا يمكن أن يُكْرَه الرجل على الجماع؛ لأن الجماع لا بد فيه من انتشار وانتصاب الذَّكَر، والمكْرَه لا يمكن أن يكون منه ذلك. فيقال: هذا غير صحيح؛ لأن الإنسان إذا هُدِّد مثلًا بالقتل أو بالحبس، أو ما أشبه ذلك، ثم دنا من المرأة فلا يَسْلَم من الانتشار، وكونهم يقولون: هذا غير ممكن، نقول: هذا ممكن. فإن قال قائل: الرجل الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أليس جاهلًا؟ كما استشكله الأخ.

стр. 3448

نقول: هو جاهل ما يجب عليه، وليس جاهلًا أنه حرام، ولهذا يقول: «هَلَكْتُ»، فهو عارف وعالم، لكن لا يدري ماذا عليه، ونحن إذا قلنا: إن الجهل عذر، فليس مرادُنا أن الجهل بما يترتب على هذا الفعل المحرَّم، ولكنَّ مرادَنا الجهل بهذا الفعل هل هو حرام أو ليس بحرام. ولهذا لو أن أحدًا زنى جاهلًا بالتحريم وهو ممن عاش في غير البلاد الإسلامية، رجل حديث عهد بالإسلام، أو عاش في بادية بعيدة لا يعلمون أن الزنا محرَّم فزنا فإنه لا حدَّ عليه، لكن لو كان يعلم أن الزنا حرام، لكن لا يعلم أنَّ حدَّه الرجم، أو أنَّ حدَّه الجلد والتغريب، فإنه يُحَدُّ؛ لأنه انتهك الحرمة، فصار الجهل بما يترتب على الفعل المحرم ليس أيش؟ ليس بعذر، والجهل بالفعل هل هو حرام أو ليس بحرام هذا عذر. يقول: (أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، (جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) يعني: من صام في سفره، هذا المراد، إنسان مسافر سفرًا يبيح الفطر فصام، ثم في أثناء النهار جامع زوجته، فهذا يُفْطِر، وليس عليه كفارة، ويلزمه القضاء أو لا يلزمه؟ طلبة: يلزمه. الشيخ: يلزمه القضاء، وعليه فالذين يذهبون إلى العمرة في رمضان ويصومون هناك، ثم يجامع أحدُهم زوجته في النهار ليس عليه كفارة، لماذا؟ طلبة: مسافر. الشيخ: لأنه مسافر، والمسافر يُبَاح له الفطر، هذا إذا نوى أقل من أربعة أيام، أما إذا نوى أكثر من أربعة أيام فالمسألة خلافية معروفة، والصحيح أنه مسافر، حتى لو أقام الشهر كله فإنه مسافر يجوز له الفطر، ويجوز له الجماع. (أوْ جَامَعَ مَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أفْطَرَ وَلَا كَفَّارَةَ)، لماذا؟ طالب: لأنه مسافر. الشيخ: لأن الجماع والأكل والشرب في حقه مباح، له -أي المسافر- أن يُفْطِر في أثناء النهار.

стр. 3449

(وإنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ كَرَّرَهُ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يُكَفِّر فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ في الثانية، وفي الأولَى اثْنَتَانِ)، ذكر المؤلف ﵀ مسألتين؛ المسألة الأولى: إذا جامع في يومين، بأن جامع في اليوم الأول من رمضان، وفي اليوم الثاني، فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام؟ طلبة: ثلاث. الشيخ: كم؟ طلبة: ثلاث. الشيخ: ثلاث كفارات، وإن جامع في كل يوم من الشهر؟ طالب: فثلاثون كفارة. الشيخ: فثلاثون كفارة أو تسع وعشرون، حسب أيام الشهر؛ وذلك لأن كل يوم عبادة مستقلة، ولهذا لا يفسد صوم اليوم الأول بفساد صوم اليوم الثاني؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة فيلزمه لكل يوم كفارة. وقيل: لا يلزمه إلَّا كفارة واحدة إذا لم يُكَفِّر عن الأول، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد فاكتُفِيَ فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أَيْمَان متعددة ولم يُكَفِّر، فإنه إذا حَنِث في جميعها تكفيه كفارة واحدة، وكما لو أحدث بأحداث متنوعة فإنه يجزئه .. طلبة: وضوء واحد. الشيخ: وضوء واحد، وهذا القول -وإن كان له حظ من النظر وقوة- لكن لا تنبغي الفُتْيَا به؛ لأنه لو أُفْتِيَ به لانتهك الناس حرمة الشهر كله، وسَهُلَ عليه أن يُطْعِم ستين مسكينًا، ولا سيما إذا كان شابًّا تزوج في آخر شعبان، فإنه يقول: ما دام يجزي أن أُطْعِم ستين مسكينًا فسيفعل، ولا يبالي أنه فعل محرَّمًا، وإلَّا فهو آثم، ليس المعنى أن الكفارة تُبيح الفعل، لكنها تكفِّر الذنب، وأما الفعل فهو حرام. على كل حال لا ينبغي الفتوى بهذا القول وإن كان له حظ من النظر، وذلك خوفًا من إيش؟ طلبة: التساهل. الشيخ: من التهاون في هذا الأمر. أما إذا جامع في يوم واحد مرتين، فإن كَفَّر عن الأول لزمه كفارة عن الثاني، وإن لم يُكَفِّر عن الأول أجزأه كفارة واحدة؛ وذلك لأن الموجَب والموجِب واحد، واليوم؟ طالب: واحد. الشيخ: واحد، فلا تتكرر الكفارة.

стр. 3450

وقيل: إنه لا يلزمه عن الثاني كفارة؛ لأن يومه فسد، فسد بإيش؟ بالجماع الأول، فهو في الحقيقة غير صائم، وإن كان يلزمه الإمساك لكنه ليس هذا الإمساك مُجْزِئًا عن صوم، فلا تلزمه الكفارة؛ لأن الكفارة تلزم إذا أفسد صومًا صحيحًا. وهذا القول له وجه من النظر أيضًا؛ أنه إذا كرر في يوم واحد لم تلزمه إلَّا كفارة واحدة، سواء كفَّر عن الأول -يعني عن أول مرة- أم لم يكفِّر. مثاله: رجل جامع في أول النهار بعد طلوع الشمس مثلًا بربع ساعة، ثم كفَّر بإعتاق رقبة، ثم جامع بعد الظهر، على ما مشى عليه المؤلف يلزمه؟ طلبة: كفارة. الشيخ: كفارة ثانية؛ لأنه كفَّر عن الأول، وهو الآن وإن كان ليس صائمًا صومًا شرعيًّا لكنه يلزمه الإمساك، وعلى القول الثاني: لا تلزمه الكفارة؛ لأن الجماع وَرَد على صوم غير صحيح، وإنما هو على إمساك فقط، وفي الأولى اثنتان. (وإنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، وَكَذَلكَ مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ)، يعني: مَن لزمه الإمساك إذا جامع فإنه يُكَفِّر وإن كان لا يُعْتَدُّ بصومه. مثاله: رجل مسافر، وكان مُفْطِرًا، فقدِم إلى بلده، فعلى المذهب يلزمه أن يُمْسِك، مع أن هذا الإمساك لا يُعتبر له، فلو جامع فإن عليه الكفارة؛ لأنه يلزمه الإمساك، أعرفتم ولَّا فيه نظر؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: رجل مسافر مُفْطِر في سفره قدِم إلى بلده، فالمذهب -كما سبق- يلزمه .. طالب: الإمساك. الشيخ: الإمساك؛ لحرمة اليوم، فلو كان مشتاقًا إلى أهله، وجامع زوجته في ذلك اليوم الذي قَدِم فيه وهو مُفْطِر فعليه؟ طلبة: الكفارة. الشيخ: الكفارة، أما القضاء فواضح إنه لا بد أن يقضي لأنه مُفْطِر، وهذا ما مشى عليه المؤلف، والقول الثاني أنه لا يلزمه الإمساك؛ لأن هذا اليوم في حقه غير محترَم؛ إذ إنه .. طالب: مُفْطِر في أوله.

стр. 3451

الشيخ: في أوله مُفْطِر بإذن من الشرع، وليس عندنا صوم يجب في أثناء النهار، إلَّا إذا قامت البينة فهذا شيء آخر، وهذا هو القول الراجح، قال عبد الله بن مسعود ﵁: من أفطر أول النهار فليفطر آخره (٣)، يعني: مَن أُبيح له أن يُفْطِر في أول النهار أُبِيح له أن يُفْطِر في آخر النهار. ومثل ذلك أيضًا إذا كان مريضًا يُبَاحُ له الفطر، وهو الآن مُفْطِر، ثم شفاه الله، وزال عنه المرض الذي استباح به الفطر، فإنه على المذهب إيش؟ طلبة: يمسك. الشيخ: يلزمه؟ طلبة: الإمساك. الشيخ: الإمساك، فإن جامع في هذه الحال فعليه؟ طلبة: الكفارة. الشيخ: الكفارة، كذلك بالنسبة للمرأة لو طَهُرَت من الحيض في أثناء النهار وهي -طبعًا- مُفْطِرة؛ لأن الحيض ليس فيه صيام، فيلزمها على المذهب .. طلبة: الإمساك. الشيخ: الإمساك، فلو جامعها زوجها المريض الذي يباح له أن يُفْطِر فعليها؟ طلبة: كفارة. الشيخ: الكفارة، والصحيح أنه لا كفارة عليها، وبناءً على ذلك لو قَدِم المسافر مُفْطِرًا في يوم كانت زوجته طاهرًا في أثنائه من الحيض، فهل يجوز أن يجامعها؟ طلبة: نعم. الشيخ: على القول الراجح يجوز أن يجامعها، ولا إثم عليه ولا عليها؛ لأن هذا اليوم في حقهما غير محترَم؛ لإذن الشارع لهما بالفطر فيه، لكن على المذهب -كما رأيتم- يلزمه الإمساك، ويترتب على الجماع ما يترتب على الصوم من أول النهار. (وَكَذَلكَ مَنْ لَزِمَه الإِمْسَاكُ إِذَا جَامَعَ، وَمَنْ جَامَعَ وَهُوَ مُعَافًى، ثُمَّ مَرِضَ، أوْ جُنَّ، أَوْ سَافَرَ لَمْ تَسْقُطْ)، هذه عكس المسألة الأولى، جامع وهو معافًى وصائم، ثم مُرِض في أثناء النهار، أصابه مَرض يُبِيحُ له الفطر، فهل تلزمه الكفارة؟ طلبة: نعم. الشيخ: إي نعم، تلزمه الكفارة مع أنه في آخر النهار .. طالب: يُبَاح. الشيخ: يُبَاحُ له أن يُفْطِر، لكن نقول: هو حين الجماع كان ممن لم يؤذن له في إيش؟ طلبة: في الفطر.

стр. 3452

الشيخ: في الفطر، فلزمته الكفارة. كذلك أيضًا مَن جامع وهو عاقل، ثم جُنَّ في أثناء النهار، فالصوم يبطل بالجنون، وعليه .. طلبة: الكفارة. الشيخ: الكفارة؛ لأنه حين الجماع من أهل الوجوب، وهو أيضًا صائم. وكذلك مَن جامع في أول النهار، ثم سافر في أثنائه، فإنه يباح له الفطر، وتلزمه الكفارة. فإذا قال هو: إنه قد أُذِنَ لي في الفطر آخر النهار فلا كفارة علَيَّ، كالذي أُذِنَ له في الفطر أول النهار وجامع في آخره وقلتم: إنه لا كفارة عليه، ما الفرق؟ نقول: الفرق ظاهر جدًّا، أنت حينما جامعت هل سبق من الشارع إِذْن لك بالفطر؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، بل أنت مُلْزَم بالصوم، وما ورد من العذر أو ما طرأ من العذر فهو طارئ بعد انتهاكك لحرمة الزمن، فَظَهَر الفرق. ثم قال المؤلف: (وَلَا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِغَيْرِ الجِمَاعِ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ)، نزيد قَيْدًا: (مِمَنْ يلزَمَه الصوم)، فلا تجب الكفارة في صيام النفل، ولا تجب الكفارة في صيام كفارة اليمين، ولا تجب الكفارة في صيام فدية الأذى، ولا تجب الكفارة في صيام المتعة لمن لم يجد الهَدْي، ولا تجب الكفارة في صيام النَّذْر، لا تجب إلَّا في الجماع في نهار رمضان ممن يلزمه .. طالب: الصوم. الشيخ: الصوم، أيضًا لا تجب الكفارة في الإنزال بقُبلة، أو مباشرة، أو غير ذلك؛ لأنه ليس بجماع، وظاهره أن الكفارة تجب بالجماع وإن لم يحصُل .. طلبة: إنزال. الشيخ: إنزال، وهو كذلك؛ لأن الكفارة مُرَتَّبَة على الجماع. طالب: يا شيخ، أنتم قلتم الآن ويظهر من كلامك أنك تميل إلى عدم الكفارة كل يوم من أيام رمضان؟ الشيخ: إي، لا ما نُفْتي. الطالب: إي، لكن كلامك الآن يُفْهَم الآن أنك تقول بعدم الكفارة بكل يوم. الشيخ: إي، أقول: هذا قوي جدًّا. الطالب: ما هو الدليل؟ الشيخ: الدليل القياس على ما سمعت. الطالب: لِمَ لا نقيسه على كفارة القتل أو كفارة الظِّهَار؟

стр. 3453

الشيخ: أحسنت، حتى كفارة الظِّهَار إذا ما كفَّر عن الأول ما تكرر. الطالب: ( ... ) كفارة اليمين لكن كفارة القتل. الشيخ: إي نعم، كفارة القتل؛ لأنها عِوَض عن نفس، كما لو قتل المحْرِم صُيودًا في الحرم، لو مثلًا قتل عشر حمامات يلزمه عشر شِياه وإن لم يفدِ عن الأولى؛ لأنها عِوض عن أنفس. الطالب: لكن الآن توجيه القياس هذا يا شيخ هل يتجه، يعني ( ... )؟ الشيخ: قوي قوي جدًّا، أنا أرى أنه قوي لكننا لا نُفتي به حذرًا من التهاون، ومثل هذه المسائل نحن نعطيكم، إن شاء الله أنتم مستقبلًا ستكون من أهل الفُتيا. مثل هذه المسائل التي يظهر فيها الدليل لكن يُخْشَى من انتهاك الناس ما لا يجوز يمكن أن يُفْتِيَ بها الإنسان سرًّا في حال معينة، يعني فلو جاءنا إنسان في هذه المسألة: إنسان مثلًا واقَعَ ثلاثة أيام أو أربعة أيام، وقال: أنا ما أستطيع أصوم عن كل يوم شهرين، فإنَّا في هذه الحال إذا درسنا حاله وعرفنا أن الرجل صحيح يشق عليه ذلك، وأن القياس ظاهر لنا، فهذا ربما نُفْتِيه سِرًّا، ونقول له: لا تُخْبِر الناس، وكان كثير من العلماء يفتون في مثل هذه المسائل سِرًّا مثل المجد ﵀ جد شيخ الإسلام ابن تيمية كان يُفتي بأن الطلاق الثلاث واحدة، لكن يُفتي به سِرًّا ما هو جهرًا. طالب: لكنك يا شيخ أعطيته جهرًا، فلا بد أن يشرِّق ويغرِّب والمنتهِك يا شيخ يسمع هذا الكلام. الشيخ: لا، لا ما دام أني قلت لا أفتي به، الآن قلت لكم: لا أفتي به. الطالب: لكن هذا الشريط الكلام غالبًا يسمعه. الشيخ: ما يخالف، يسمعون هذا وهذا، يسمعون أنه قول قوي، ويسمعون أننا لا نُفتي به. الطالب: عظَّم الله أجركم. الطالب: لو احتال وأكل ثم جامع؟ الشيخ: هل ينفع ذلك؟ الطالب: أنا أسأل: هل تلزمه الكفارة يا شيخ؟ الشيخ: إي، تلزمه الكفارة، ما فيه شك. الطالب: ليش؟ الشيخ: لأنه يلزمه الإمساك أصلًا، أصلًا أكله هذا حرام. أنتم سمعتم سؤال الأخ؟ طلبة: لا.

стр. 3454

الشيخ: يقول لو أنه تحيَّل وأكل ثم جامع في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم، نقول: لا يفيده هذا شيئًا؛ لأن أصل الأكل حرام عليه. طالب: رجل نوى أن يسافر، وقبل السفر جامع زوجته وهو في .. الشيخ: يعني قبل أن يخرج من البلد؟ الطالب: قبل أن يخرج من البلد. الشيخ: إي نعم، عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لا يحل له أن يُفْطِر إلَّا إذا سافر. طالب: شيخ، قول الشيخ هنا: (والنَّزْعُ جِمَاع)، الإنزال بالمساحقة كالجماع. الشيخ: (النَّزْعُ جِمَاع) يعني لو أن الإنسان كان يجامع زوجته في آخر الليل، ثم أَذَّن المؤذن الذي يؤذن على طلوع الفجر وهو على أهله، فنزع في الحال، يعني أخرج ذَكَره، فيقول المؤلف: إن (النَّزْعُ جِمَاع)، وهذا من غرائب العلم والواقع، الفارُّ من الشيء كالذي يفعله؟ هو لَمَّا نزع من يوم سمع الأذان هل هو فارٌّ من الجماع ولَّا واقع فيه؟ طلبة: فارٌّ. الشيخ: فارٌّ منه، ولهذا القول الراجح أن النزع ليس جماعًا، أن النزع توبة، وأنه لا يفسُد صومه، ولا تلزمه كفارة، وهذه أنا تركت التنبيه عليها -وإن كانت مهمة- لأنها نادرة الوقوع، أما المساحقة -والعياذ بالله- فالمساحقة تكون بين المرأتين، كل واحدة تجامع الأخرى، فلو أنزلت إحداهما أو كلتاهما فإنه ليس عليهما كفارة. طالب: شيخ، قلنا: إن المقصود من الكفارة، الحكمة منها احترام الزمان. الشيخ: من إيجابها، إي نعم. الطالب: قلنا: الدليل على ذلك أنه لو أفطر في غير رمضان. الشيخ: لو جامع. الطالب: لو جامع. الشيخ: في صوم واجب غير رمضان. الطالب: كفارة ( ... )؟ الشيخ: فلا كفارة. الطالب: فلا كفارة. الشيخ: نعم. طالب: وقلنا يا شيخ: مَنْ جامع وهو حاضر. الشيخ: نعم. الطالب: في المدينة فعليه كفارة. الشيخ: نعم. الطالب: المهم الزمان فسد. الشيخ: لكن متى جاز انتهاك الزمان أَبَعْدَ الجماع أو قبله؟ الطالب: قبل الجماع. الشيخ: لا، بعد الجماع، هو لَمَّا جامع ( ... ) ما فيه خلاف.

стр. 3455

الطالب: شيخ، الزمن كله ( ... ). الشيخ: لا، لا، فرق بين إنسان انتهك الحرمة بعد والحرمة باقية، وبين إنسان لم ينتهكها. طالب: قلنا: إنه لا تجب الكفارة إلَّا بالجماع، فلو استمنى أو باشر فأنزل لا تجب عليه الكفارة. الشيخ: نعم. الطالب: لو قيل يا شيخ: إن العلة في حديث الأعرابي أنه قضى شهوته فأُمِر بالكفارة. الشيخ: لا، لا. الطالب: كما أننا سوَّينا بين مباشرته بالإنزال والجماع بجامع الشهوة والإفطار، كذلك يكون في الكفارة؟ الشيخ: لا ما يصح؛ لأن الرجل يقول: وقعت على امرأتي (٢)، ولم يذكر أنه أنزل، فجعل العلة الوقاع. طالب: رجل جامع وأذَّن الأذان -أذان الفجر- فقال: لا أريد أن أنزع قياسًا على رجل شرب الماء فجاز. الشيخ: إن شاء الله تعالى إذا تزوجت إن شاء الله أجبناك على هذا، يقول الأخ: أفلا نقيس الرجل إذا كان يجامع وأذَّن على مَن أذَّن والإناء في يده فإنه لا يلزمه ترك الشرب حتى يقضي نَهمته، فيقول هذا: ما هو نازع حتى يقضي شهوته؟ نقول: هذا ربما يكون له وجهة نظر، لكن الأصل المنع، ثم إن الماء قد يكون لدفع ضرورة، بخلاف الجماع، فعلى كل حال يلزمه أن ينزع، لكن الصحيح أنه ليس بجماع. طالب: إذا أُكرِه على الجماع وكذلك امرأته، هل يُلزَمون بالإمساك؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: يُلزَمون بالإمساك بعد .. الشيخ: لا، أصلًا ما فسد صومهما، صومهما باقٍ. الطالب: يعني الصوم باقٍ. الشيخ: إي نعم، ما فيه ما يحتاج إلى الإمساك. الطالب: المسألة التي ذكرها الأخ؛ الإنزال ما يكون عليه كفارة يا شيخ، مثلًا لو استيقظ .. الشيخ: لا، ما يكون عليه، يعني حتى مثلًا لو فرضنا أنه متهيئ لنزول الماء الدافق يخرج حتى مع النزع. طالب: عفا الله عنك، الشرع ميسر على التيسير. الشيخ: حمدًا لله.

стр. 3456

الطالب: والمذهب بعض ما يسره المذهب فيه تشديد شوي، مثل المسافر القادم من السفر والمرأة التي طهرت نهار اليوم، هذا فيه تشديد من المذهب؛ لأنهم حقهم إنهم معذورون في أول النهار. الطالب: ( ... ). الشيخ: بس يقولون: لأنه رُخِّص لهما في الفطر بالنسبة للمسافر ما دام مسافرًا، أما الآن فهو مقيم. الطالب: المهم أن الله ما كلفهم بالصوم لأنهم ( ... ). الشيخ: صحيح، كلامك صحيح أبدًا، ولو حصل مثل هذا وقَدِم الإنسان مسافرًا وهو مُفْطِر وأهله كذلك قد طَهُروا من الحيض فلا حرج أن يجامع. طالب: بالنسبة للإفطار أليس يكون بالنية؟ الشيخ: بالنية، إذا نوى الإفطار أفطر. الطالب: يا شيخ اللي نوى السفر. الشيخ: نعم، نوى السفر؟ الطالب: ألا يفطر قبل أن يخرج؟ الشيخ: ما حصل السفر إلى الآن. الطالب: اللي نوى الأكل ما أكل. الشيخ: إي. الطالب: يعني نوى الفطر وما أكل. الشيخ: فَرْق، شوف، لا، لو نوى أن يأكل ولم يأكل فإنه لا فِطْر عليه؛ لأن فَرْق بين من نوى المحظور ولم يفعله، وبين مَن قطع العبادة، ولهذا لو نوى أن يُحْدِث وهو يصلي ولم يُحْدِث فصلاته صحيحة. *** طالب: .. وهْيَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. هل تجب الكفارة في غير الجماع؟ طالب: لا تجب. الشيخ: وما هو الجماع الذي تجب فيه الكفارة؟ طالب: الجماع في الصوم. طالب آخر: تجب بشرطين: أن يكون المجامِع ممن يلزمه الصيام، وألَّا يكون هناك عذر يبيح له الإفطار. الشيخ: لا. الطالب: كالسفر والمرض. الشيخ: ما دام قلت: ممن لا يجب عليه الصيام، يكفي عن هذا الذي قلت. طالب: المراد بالجماع إدخال الحَشَفَة في ..

стр. 3457

الشيخ: لا، لا، ما هو الجماع الذي تجب فيه الكفارة؟ الطالب: للجماع شرطين: الشيخ: الأول؟ الطالب: الأول أن يكون ممن يلزمه الصوم. الشيخ: هذا واحد. الطالب: الثاني ألَّا يكون هناك مُسْقِط لهذا .. طالب آخر: أن يكون ممن يلزمه الصوم، وأن يكون في نهار رمضان، وأن يكون ( ... ). الشيخ: إذا قلنا: (ممن يلزمه الصوم) معناه العذر، يعني يشترط شرطان: الأول؟ طالب: ممن يلزمه الصوم. الشيخ: أن يكون في نهار رمضان، والثاني: ممن يلزمه؟ الصوم. رجل جامع في قضاء رمضان، هل عليه الكفارة؟ لا كفارة عليه، لماذا؟ الطالب: لأن الكفارة احترامًا للزمن. الشيخ: لأن الكفارة احترامًا للزمن، ولا يكون ذلك إلَّا في نهار رمضان. مسافر جامع وهو صائم في نهار رمضان؟ طالب: لا كفارة، يُفْطِر ولا كفارة عليه. الشيخ: هل عليه كفارة؟ الطالب: لا. الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه لا يلزمه الصوم. الشيخ: لأنه لا يلزمه الصوم. كرَّر الجماع فهل تتكرر الكفارة؟ طالب: إذا كرر الجماع، إن كَفَّر قبل أن يجامع جماعُا ثانيًا فعلى قول المؤلف أنه تلزمه كفارتان. الشيخ: هكذا نقول؟ الطالب: شيخ، إذا لم يُكَفِّر فإنها لا تلزمه الكفارة. الشيخ: إذا كَفَّر عن الأول لزمه كفارة عن الثاني، وإن لم يُكَفِّر؟ الطالب: يكفِّر كفارة واحدة. الشيخ: خطأ. طالب: على ما مشى عليه المؤلف يلزمه. الشيخ: قبل ما نشوف المؤلف وغير المؤلف، نحتاج إلى تفصيل قبله. طالب: تلزمه كفارة واحدة على القول الصحيح، وإذا كان كَفَّر .. الشيخ: نعم. طالب: هل كان الجماع في يوم واحد أو في يومين؟ الشيخ: نحن نقول: إذا كَفَّر عن الأول؟ الطالب: لزمته كفارة ثانية. الشيخ: لزمه؟ الطالب: كفارة ثانية عن الجماع الثاني. الشيخ: سواء في يوم أو في يومين. الطالب: على قول المصنف سواء في يوم أو في يومين. الشيخ: كفَّر عن الأول يا أخي. الطالب: تلزمه كفارة ثانية عن الثاني. الشيخ: نعم. الطالب: سواء في يوم أو في يومين.

стр. 3458

الشيخ: في يوم أو في يومين، إذا لم يُكَفِّر عن الأول؟ طالب: إن كان في يوم تلزمه كفارة واحدة. الشيخ: نعم. الطالب: إن كان في أيام متفرقة فيلزمه لكل يوم كفارة؛ لأنها عبادة مستقلة على .. الشيخ: بعد ما وصلنا للتعليل، بس أعطنا الحكم. الطالب: تلزمه كفارة واحدة. الشيخ: إذن إذا كان في يوم واحد فكفارة واحدة، وإن كان في أيام متعددة فعليه لكل يوم؟ طلبة: كفارة. الشيخ: كفارة، فيه رأي فيما إذا كرره في يومٍ وكفَّر عن الأول؟ طالب: لا يجب عليه كفارة ثانية. الشيخ: نعم. الطالب: لأنه جامع في يوم فاسد. الشيخ: نعم؛ لأن جِماعه الثاني كان في يوم .. الطالب: فسد. الشيخ: فاسد الصيام، هل يُفَرَّق بين أن يكون الجماع من امرأة واحدة أو من ثنتين؟ طالب: بالنسبة له؟ الشيخ: إي نعم، بالنسبة للزوج. الطالب، لا، لا يُفَرَّق. الشيخ: لا يُفَرَّق، يعني فلو جامع. الطالب: لو جامع الأولى في أول النهار. الشيخ: والثانية في آخره. الطالب: والثانية في غد أو في آخره. الشيخ: لا ما هو غدًا، خلينا في آخره. الطالب: في آخره. الشيخ: ولم يكفِّر. الطالب: يلزمه كفارة ثانية على قول، والقول الثاني لا تلزمه. الشيخ: ولم يكفِّر، جامع إحداهما في أول النهار، والثانية في آخره ولم يكفِّر. الطالب: كفارة واحدة. الشيخ: كفارة واحدة. الطالب: نعم. الشيخ: مع أن الموطوءة؟ الطالب: اثنتين. الشيخ: طيب. ثم نأخذ الدرس الجديد، قال: (وَهِيَ) أي: كفَّارة الوطء في نهار رمضان (عِتْقُ رَقَبَةٍ)، أي: فَكُّها من الرِّق، هذا عتق الرقبة. ووجه المناسبة هو أنَّ هذا الرجل لَمَّا جامع في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه استحق أن يُعاقَب، ففدى نفسه بعِتق الرقبة.

стр. 3459

(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) يعني: إن لم يجد رقبة، أو لم يجد ثمنها، (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)، (فَصِيَامُ) الفاء: رابطة للجواب، و (صِيَامُ): مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فَعَلَيهِ صيام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، بدلًا عن عِتق الرقبة. (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصوم (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، أي: فعليه إطعام ستين مسكينًا، والمسكين هنا يشمل الفقير والمسكين؛ لأن الفقير والمسكين إذا ذُكِرَا جميعًا كان الفقير أشد حاجة، وإذا أُفْرِد أحدهما عن الآخر صارَا بمعنى واحد، إذا اجتمعَا افترقَا وإذا افترقَا .. طلبة: اجتمعَا. الشيخ: اجتمعَا. (فَإِطْعَامُ سِتِيِّنَ مِسْكِينًا)، ودليل ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للرجل الذي قال إنه أتى أهله في رمضان: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، فقال: لا أجد، قال: «صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قال: لا أستطيع، قال: «أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (٢)، قال: لا أجد، فجعلها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُرَتَّبة. وهذه أغلظ الكفَّارات، ويساويها كفَّارة الظِّهَار التي وصف الله الظِّهَار بأنَّه مُنْكَر من القول وزور، ويليها كفَّارة القتل؛ لأن القتل ليس فيه إلَّا خصلتان، العِتق والصيام، وليس فيه إطعام. وقوله: (صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) هل المعتَبر الأَهِلَّة؟ أو المعتبر الأَهِلَّة في شهر كامل، والأيام في الشهر المجَزَّأ؟ في هذا قولان للعلماء، والصحيح أن المعتَبَر الأَهِلَّة، سواء في الشهر الكامل، أو في الشهر المجَزَّأ، أيش الفرق؟ نعم، إذا ابتدأ الإنسان هذين الشهرين من أول يوم، من أول ليلة ثبت الشهر، ولنقل: إنه شهر جُمادى الأولى -كما أنَّا فيه الآن- ابتدأه من أول يوم من شهر جُمادَى الأولى، فيختمه في آخر يوم من شهر جُمادَى الثانية.

стр. 3460

ولنفرض أن جُمادَى الأولى تسعة وعشرون يومًا، وكذلك جمادى الثانية، فيكون صومه؟ ثمانية وخمسين يومًا، هذا لا شك أنَّه يُعْتَبَر بالهلال. لكن إذا ابتدأ الشهر من نصف شهر جُمادَى الأولى، فجُمادَى الثانية معتبرة بالهلال، أليس كذلك؟ لأنه سوف يُدْرِك أوَّل الشهر وآخر الشهر، فيعتبَر بالهلال. بقِينا آخر شهر جُمادَى الأولى وأول شهر رجب، هل يعتبَر بتسعة وعشرين يومًا، أو بستين يومًا؟ الصحيح أنه يعتبَر بتسعة وعشرين يومًا إذا كان شهر جُمادَى الأولى تسعة وعشرين، وقيل: بل يُجبَر ويُجعَل ستين يومًا. إذا ابتدأ الصوم في النصف من شهر جُمادَى الأولى متى ينتهي؟ في الرابع عشر من شهر رجب، آخره الرابع عشر من شهر رجب، وإذا قدَّرنا أن شهر جُمادَى الأولى ناقص، وشهر جُمادَى الثانية ناقص صار صومه؟ طالب: ثمانية وخمسين. الشيخ: ثمانية وخمسين يومًا، وإذا قلنا بأنه كَمَّل النصف بالعدد صار لا ينتهي إلَّا في الخامس عشر من رجب، فيكون الشهر الْمُجَزَّأ كم؟ طلبة: ثلاثين. الشيخ: ثلاثين يومًا. وقول المؤلف: (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، هنا قُدِّر الطاعِم دون الْمُطعَم، فهل الْمُطعَم مقدَّر؟ المشهور من المذهب أنَّه مُقدَّر، وهو مُدٌّ من البُرّ، أو نصف صاع من غيره لكل مسكين، مُدٌّ من البُرّ أو نصف صاع من غيره لكل مسكين، والْمُدّ ربع الصاع -أعني صاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وعلى هذا فتكون الأصواع لستين مسكينًا كم؟ طلبة: خمسة عشر. الشيخ: خمسة عشر صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصاع النبي ﷺ ينقص عن الصاع المعروف الآن هنا في القصيم الخُمُس وخُمس الخُمُس، ولندع خُمس الخُمُس، ينقص الخُمُس، وعلى هذا فيكون الصاع في القصيم خمسة أمداد، ويكون إطعام ستين مسكينًا كم بالأصواع القَصِيمِيَّة؟ اثني عشر صاعًا.

стр. 3461

وقيل: بل يُطعِم نصف الصاع من البُرّ أو من غيره، واحتج هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لكعب بنِ عُجرة ﵁ حين حلق رأسه في العمرة، قال: «أَطْعِم سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (٤)، وأَطْلَق، ولم يقل: من التمر أو من البُرّ، وهذا يقتضي أن يكون المقدَّر نصف الصاع، وإذا كان كذلك فزِد على ما قلنا النصف، فيكون بالنسبة لصاع الرسول ﷺ إطعام ستين مسكينًا كم؟ ثلاثين صاعًا، وبالنسبة لصاعنا أربعة وعشرين صاعًا. والأمر في هذا قريب، فلو أن الإنسان احتاط وأطعم لكل مسكين نصف صاع لكان حسنًا. المؤلف يقول: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَقَطَتْ) الكفارة، ودليل ذلك من الكتاب والسُّنَّة؛ أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وهذا الرجل الفقير ليس عنده شيء، فلا يُكَلَّف إلا ما آتاه الله، والله بحكمته لم يؤتِه شيئًا، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ودليل ثالث: العموم؛ عموم القاعدة الإسلامية الشرعية وهي أنه: لا واجب مع عجز، فالواجبات تسقط بالعجز عنها، وهذا الرجل الذي جامَع لا يستطيع الرقبة ولا الصيام ولا الإطعام، نقول: إذن لا شيء عليه وبرئت ذمته، فإن أغناه الله في المستقبل فهل يلزمه أن يُكَفِّر أو لا؟ طلبة: لا يلزمه. الشيخ: لا يلزمه؛ لأننا نقول: سقطت، وكما أن الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي زكاة عما مضى من سنواته؛ لأنه فقير، فكذلك هذا الذي لم يَجِد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.

стр. 3462

نحن قلنا: من الكتاب والسُّنَّة؛ من السُّنَّة أن الرجل لَمَّا قال: لا أستطيع أن أُطْعِم ستين مسكينًا، لم يقل النبي ﵊: أَطْعِمْهم متى استطعت، بل أمره أن يُطعم حين وَجَد، فقال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، فقال: أَعَلَى أفَقَرَ مني يا رسول الله؟ قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٢)، ولم يقل: والكفارة واجبة في ذمتك، فدلَّ هذا على أنها تسقط بالعجز. وقال بعض العلماء: إنها لا تسقط بالعجز، واستدل بالحديث، قال: لأن الرجل قال: لا أجد، فلمَّا جاء النبيَّ ﷺ التمرُ قال: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ»، ولو كانت ساقطة بالعجز لم يقل: «خُذْ هَذَا تَصَدَّقْ بِهِ». فيقال في الجواب: إن هذا وجده في الحال، يعني وجده في حال في المجلس الذي أفتاه النبي ﷺ به، فكان كالواجد قبل ذلك؛ ولهذا لَمَّا قال: أطعمه أهلك لم يقل: وعليك كفارة إذا اغتنيت. فالقول الراجح أنها تسقط، وهكذا أيضًا نقول في جميع الكفارات إذا لم يكن قادرًا عليها حين وجوبها فإنها تسقط؛ إما بالقياس على كفارة الوطء في رمضان، وإما لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وما أشبهها، وعلى هذا فكفارة الوطء في الحيض إذا قلنا: إن الوطء في الحيض يوجب الكفارة، ثم عجز، تسقط أو لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: تسقط، فدية الأذى إذا لم يجد ولم يستطع الصوم تسقط، وهكذا جميع الكفارات، بناءً على ما استدللنا به لهذه المسألة، وبناءً على القاعدة العامة الأصولية التي اتفق عليها الفقهاء في الجملة، وهي أنه لا واجب؟ طلبة: مع عجز. الشيخ: مع عجز. ثم قال المؤلف ﵀: (بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ). طلبة: إيمان الرقبة. الشيخ: كيف؟ طالب: اشتراط الإيمان.

стр. 3463

الشيخ: إي نعم، جاء الحديث مطلقًا: «أَعْتِقْ رَقَبَةً»، ولكن كلما جاءت الرقبة مطلَقة فلا بد من شرط الإيمان؛ لأن النبي ﷺ لَمَّا جاءه معاوية بن الحكم يستفتيه في جارة له لَطَمَها، غضِب عليها ولطمها، فأراد أن يُعْتِقَها، فدعاها الرسول ﵊، وقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟ »، قالت: في السماء، قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٥)، فهذا يدل على أن عِتق غير المؤمن ليس بمشروع، فكلَّما جاءت الرقبة مطلَقة فإنها مقيَّدة بالإيمان. طالب: ما فيه وجه على التخيير؟ الشيخ: ها؟ الطالب: الكفارة على التخيير أو الترتيب؟ الشيخ: على الترتيب. الطالب: فيه ذكر في شرح حديث في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁، أن رجلًا أفطر يومًا من رمضان، فأمره النبي ﷺ أن يُكَفِّر بعِتق رقبة، أو بصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينًا. الشيخ: مو بهذا اللفظ، هذا معنى الحديث، سؤال فقه ولَّا؟ طالب: هل يشترط يا شيخ في الرقبة سلامتها من العيوب؟ الشيخ: إي نعم، اشتراط سلامتها من العيوب فيه خلاف، فمنهم من قال: إنه شرط، ومنهم من قال: لا نشترط سوى ما اشترط الله، وهو الإِيمان. الطالب: الأدلة؟ الشيخ: الأدلة يقول: إنه إذا كان معيبًا عيبًا يُخِلّ بالعمل خللًا بَيِّنًا فإن إعتاقه يكون به عالة على غيره، وعدم إعتاقه أحسن له، يبقى عند سيده يُنْفِق عليه، لكن إذا كان مثلًا مكسَّر رجليه ما يستطيع يعمل، ويش الفائدة من إعتاقه، هذا لا يزداد إلَّا حَسْرة. الطالب: الصحيح. الشيخ: يحتاج إلى تحرير، لكن يظهر لي أنه لا يشترط. يقول: ما وجه خطأ من يقول: محمد حبيب الله، وقد قلنا: إن الخُلَّة أعلى درجات المحبة، والقائل لهذا نطق بالعموم الذي تدخل تحته الخُلَّة، أيهن أعلى؟ طالب: الخُلَّة. الشيخ: إذا وصفته بالأدنى هضمتَه حقه ولَّا لا؟ الطالب: أنا ما وصفته بالأدنى. الشيخ: لا؛ لأن الخُلَّة ما تدخل في المحبة.

стр. 3464

الطالب: الخُلَّة ما تدخل؟ الشيخ: لا، ما تدخل. الطالب: ما قلنا: إن ابن القيم عدها من عشرة أقسام؛ أقسام المحبة. الشيخ: إي. الطالب: ( ... ). الشيخ: درجات، أعلاها الخُلَّة، فالحبيب ليس بخليل، ولهذا قال الرسول: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ» (٦)، واتخذ من أمته أَحِبَّة. الطالب: بس كل خليل حبيب. الشيخ: وليس كل حبيب. الطالب: خليلًا. الشيخ: إذن؟ الطالب: إذن لا ( ... ). الشيخ: نعم، إذا وصفتَ بالأعم دون الأخص الذي هو أعلى فهذا هضم لحقه. الطالب: وعن أبي هريرة ﵁ يقول: أوصاني خليلي. (٧) الشيخ: نعم، أبو هريرة اتخذ الرسول خليلًا، لكن الرسول ما اتخذه خليلًا، هذا الفرق، يعني أنا لي أن أقول: اتخذت رسول الله ﷺ خليلًا، لكن الرسول ما يقول، فالخُلَّة هنا بالنسبة لأبي هريرة من أبي هريرة للرسول، لا من الرسول لأبي هريرة. *** [باب ما يكره ويستحب في الصوم وحكم القضاء] طالب: كتاب الصيام: بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ: يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ، وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ، وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ، وَيُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَمَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ، وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ، ويَحْرُمُ العِلْكُ المُتَحَلِّلُ إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ، وَتُكْرَهُ القُبْلَةُ لِمَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ ونَمِيمَةٍ، وسُنَّ لِمَنْ شُتِمَ قَوْلُهُ: إِنِّي صَائِمٌ، وَتَأخِيرُ سَحُورٍ، وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ عُدِمَ فَتَمْرٌ، فَإِنْ عُدِمَ فَمَاءٌ. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 3465

سبق لنا أن الكفارة تجب في الوطء في نهار رمضان لمن يلزمه الصوم، وأنها عِتق رقبة، فإن لم يجد؟ طلبة: فصيام شهرين. الشيخ: فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؟ طلبة: إطعام. الشيخ: فإطعام ستين مسكينًا، فإن لم يجد سقطت، وقلنا: إن هذا سارٍ في كل واجب يعجز عنه، وبيَّنَّا دليلَ ذلك. ثم قال المؤلف: (بَابُ مَا يُكْرَهُ، وَيُسْتَحَبُّ، وَحُكْمِ القَضَاءِ)، هذه ثلاثة عناوين جمعها المؤلف في باب واحد، فقوله: (مَا يُكْرَهُ) أي: في الصيام، (وَيُسْتَحَبُّ) أي: في الصيام، (وَحُكْمِ القَضَاءِ) أي: قضاء رمضان. والمكروه عند الفقهاء هو الذي نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالتَّرْك، هذا المكروه عندهم، نهى عنه الشرع لا على وجه الإلزام بالترك؛ لأنه إن نهى عنه على وجه الإلزام بالترك صار حرامًا، وأمثلته كثيرة؛ في الصلاة مكروهات، في الوضوء مكروهات، في الصيام مكروهات، في الحج مكروهات، في البيع مكروهات، يعني الأمثلة كثيرة. أما حُكْمُهُ فإنه يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقَب فاعلُه، وبهذا ظهر الفرق بينه وبين الحرام؛ أن الحرام إذا فعله الإنسان استحق العقوبة، أما هذا فلا، أما في لسان الشرع فإن المكروه يُطلَق على المحرَّم، بل قد يكون من أعظم المحرَّمات، قال الله ﵎ في سورة الإسراء حين نهى عن أشياء متعددة منهيات عظيمة قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٨]، وفي الحديث عن النبي ﵊: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ» (٨). أما المستحب، وهو قوله: (يُسْتَحَبُّ)، فالمستحب هو المسنون، وهو ما أُمِرَ به لا على وجه الإلزام بالفعل، فإن أُمِرَ به على وجه الإلزام بالفعل كان واجبًا.

стр. 3466

وحُكْمُهُ أنه يُثَابُ فاعله امتثالًا ولا يُعاقَب تاركُه، يثاب فاعله امتثالًا ولا يُعاقَب تاركه، ولكنَّ ثواب المندوب أو المستحَب أو المسنون أقل من ثواب الواجب، بالدليل الأثري والنظري؛ أما الدليل الأثري فقوله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (٩)، فصلاة ركعتين فريضةً أَحَبُّ إلى الله من صلاة ركعتين نافلة. وأما النظر فإن إيجاب الله للواجب يدل على أنه أَوْكَد، وأنَّ المكلَّف محتاج إليه أكثر من احتياجه إلى النوافل. وعلى هذا فنقول: إن المندوب يُثَابُ فاعله امتثالًا، ولكن ثوابه أقل من ثواب الواجب. وهل يُفَرَّق بين المستحب والمسنون؟ فرَّق بعض العلماء بينهما بأن المستحب ما ثبت بقياس، والمسنون ما ثبت بسُنَّة، أي بدليل. ولكن الصحيح أنه لا فَرْق، والمسألة اصطلاحية، ممن قال: لا فَرْق بينهما، الحنابلة في أصول الفقه، قالوا: لا فَرْق بينهما، فلا فَرْق بين أن تقول: يستحب أن يتوضأ ثلاثًا بثلاث، أو تقول: يُسَنّ أن يتوضأ ثلاثًا بثلاث، وهذا مجرد اصطلاح. يعني لو أن أحدًا قال في مؤلَّف له: أنا إنْ عَبَّرْتُ بـ (يُسَنّ) فإنما أُعَبِّر عن ثابت بسُنَّة، وإن عَبَّرْتُ بـ (يُستحب) فإنما عَبَّرْتُ عن ثابت بقياس، ثم مشى على هذا الاصطلاح، لم نقل له شيئًا. وأما حكم القضاء فسيأتي إن شاء الله حكمه، وأنه يجب القضاء، ولكن ليس على الفور، وإنما يكون على التراخي، فلك أن تؤخِّر قضاء رمضان ولو بلا عذر إلى أن يبقى بينك وبين رمضان الثاني مقدار ما عليك، فحينئذ يجب عليك أن تقضي. قال المؤلف ﵀: (يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ)، (يَبْتَلِعَ) بالنصب، ولك أن تقول: لماذا ننصِبُها وهي فعل مضارع، والأصل في الفعل المضارع أن يكون مرفوعًا، فنقول: لأنه عُطِف على اسم خالص صريح، وابن مالك يقول: وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ

стр. 3467

تَنْصِبُهُ (أَنْ) ثابتًا أو مُنحَذِفْ وهنا (يَبْتَلِع) معطوفة على (جَمْع)، و (جَمْع) اسم خالص، يعني مصدر، ومنه قول الشاعر الجاهلي: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ و(تقرَّ) بالنصب معطوفة على (لُبس). هنا (يَبْتَلِع) بالنصب معطوفة على (جَمْع)، يعني: يُكره جمع ريقه، يُكره أن يجمع ريقه فيبتلعه، سواءٌ فعل ذلك عبثًا، أو فعل ذلك لدفع العطش، أو لأي سبب، المهم أنه يُكْرَه أن يجمعه فيبتلعه، لماذا؟ قال في الشرح: للخروج من الخلاف، أي: خلاف من قال: إنه إذا فعل ذلك أفطر، فإن من العلماء من يقول: إن الصائم إذا جمع ريقه فابتلعه أفطر. ولكن هل التعليل بالخلاف تعليل صحيح تثبت به الأحكام الشرعية؟ الجواب: لا، ولهذا كلما رأيت حكمًا عُلِّل بالخروج من الخلاف فإنه لا يكون تعليلًا صحيحًا، بل نقول: الخلاف إن كان له حظ من النظر بأن كانت النصوص تحتمله فإنه يُراعَى جانب الخلاف هنا، لا من أجل أن فلانًا خالف، ولكن من أجل أن النصوص تحتمله، فيكون تجنبه من باب الاحتياط، وأما أن نقول في أمر فيه خلاف: يُكْرَه خروجًا من الخلاف، لو قلنا بذلك لكانت المكروهات عندنا كثيرة جدًّا؛ لأنك لا تكاد تجد مسألة إلَّا وفيها خلاف، فلو قلنا: إنه يصح التعليل بالخلاف أو بمراعاة الخلاف لكان في هذا مشكلة، مع أنه لا دليل على هذا، بل نقول: الخلاف إن كان له أيش؟ طالب: حظ من النظر. الشيخ: حظ من النظر، بأن كانت النصوص تحتمله، فإننا نراعيه لا لأجل أنه خالف فلان وفلان، لكن لأجل احتمال الأدلة، وهنا ليس هناك دليل يدل على أن جمع الريق يُفَطِّر، إذا جمعه إنسان وابتلعه، وإذا لم يكن هناك دليل فإنه لا يصِح التعليل. وعلى هذا فنقول: لو جمع ريقه فابتلعه فليس بمكروه، ولا يقال: إن الصوم نَقَص بذلك؛ لأننا إذا قلنا: إنه مكروه، لزم من ذلك أن يكون الصوم ناقصًا؛ لفعل المكروه فيه.

стр. 3468

وعُلِم من كلام المؤلف أنه لو بلع ريقه بلا جمع فإنه لا كراهة في ذلك، وهو ظاهر، وعليه فلا يجب التَّفْل ولو بعد شرب الماء عند أذان الفجر، فإنه لم يُعْهَد من الصحابة - فيما نعلم- أن الإنسان إذا شرب عند طلوع الفجر جعل يَتْفُل حتى يذهب طعم الماء، بل هذا مما يُسامَح فيه، نعم لو بقي طعم طعامٍ كحلاوة تمر، أو ما أشبه ذلك فهذا لا بد أن يتفله ولا يبتلعه. (يُكْرَهُ جَمْعُ رِيقِهِ فَيَبْتَلِعَهُ وَيَحْرُمُ بَلْعُ النُّخَامَةِ) بلع النُخامة حرام على الصائم وغير الصائم؛ وذلك لأنها مستقذَرة، وربما تحمل أمراضًا خرجت من البدن، فإذا رددتها إلى المعدة قد يكون في ذلك ضرر عليك، فهي حرام على الصائم وعلى غيره، لكنها تتأكد على الصائم؛ لأنها تُفْسِد صومه، ولهذا قال: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ). بلع النخامة حرام، قلنا: على الصائم وغيره؛ لما فيها من القَذَر، وربما يحصل فيها ضرر على البدن من حيث لا يشعر المرء. وقوله: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)، (فَقَطْ) التفقيط هنا لإخراج الريق، فالريق ولو كثُر لا يُفْطِر به الإنسان. (إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ)، وهو ما يذوق به الطعام، فإن لم تَصِل بأن أحس بها نزلت من دماغه، وذهبت إلى جوفه فإنها لا تُفَطِّر؛ وذلك لأنها لم تصل إلى ظاهر البدن، والفم في حكم الظاهر، فإذا وصلت إليه ثم ابتلعها بعد ذلك أفطر، وأما إذا لم تصل إليه فإنها ما زالت في حكم الباطن فلا تُفَطِّر. وفي المسألة قول آخر في المذهب؛ أنها لا تُفَطِّر أيضًا ولو وصلت إلى الفم، وهذا القول أرجح؛ لأنها لم تخرج من الفم، ولا يُعَدُّ بلعها أكلًا ولا شربًا، فلو ابتلعها بعد أن وصلت إلى فمه فإنه لا يُفْطِر بها، ولكن - كما قلنا أولًا- إن ابتلاعها محرَّم؛ لما فيها من استقذار وخوف الضرر. إذا ظهر دم من لسانه، أو من أسنانه، من لِثَتِه فهل يجوز بلعه؟ طلبة: لا، ما يجوز.

стр. 3469

الشيخ: لا يجوز، لا للصائم ولا لغيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وإذا وقع من الصائم فإنه يُفْطِر، ولهذا يجب على الإنسان أن يلاحظ الدم الذي يخرج من ضرسه إذا قلعه في أثناء الصوم، أو قلعه في الليل، واستمر يخرج منه الدم ألَّا يبتلع هذا الدم؛ لأنه يُفَطِّرُه، وأيضًا هو حرام، حتى لو فرضنا أنك لست بصائم فإن بَلْع الدم حرام؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، وبعض الناس يتدمَّى سِنُّه ولكن حوله أُناس فيخجل منهم فتجده يقول: في البِير ولا في راس البعير، يبتلعه، وهذا خطأ ما هو صحيح. يقول: (وَيُفْطِرُ بِهَا فَقَطْ إِنْ وَصَلَتْ إِلَى فَمِهِ) وَيُكْرَهُ أيضًا، هذا المكروه الثاني (يُكْرَهُ ذَوْقُ طَعَامٍ بِلَا حَاجِةٍ)، يُكْرَه أن يذوق طعامًا كالتمر والخبز والمَرَق وغيرها، إلَّا إذا كان لحاجة فلا بأس. ووجه هذا أنه ربما ينزل شيء من هذا الطعام إلى الجوف من غير أن يشعر به، فيكون في ذوقه الطعام تعرُّض لفساد الصوم، وأيضًا ربما يكون مشتهيًا للطعام كثيرًا، ثم يتذوقه لأجل أن يتلذَّذ به، وربما يمتصه بقوة، ثم ينزل إلى جوفه، لهذا يُكْرَه أن يذوق طعامًا إلَّا لحاجة، الحاجة مثل أن يكون طباخًا يحتاج أن يذوق الطعام لينظر ملحه، أو حرارته، أو ما أشبه ذلك. قال: (وَيُكْرَهُ مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ) يعني: يُكْرَه للصائم أن يمضَغ، أن يعلك، عِلْكًا قويًا، والقوي هو الشديد الذي لا يتفتت، فيُكْرَه للصائم أن يمضَغه؛ لأنه ربما يتسرَّب إلى بطنه شيء من طعمه إن كان له طعم، فإن لم يكن له طعم فلا وجه للكراهة، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يمضَغه أمام الناس؛ لأنه إذا مضغه أمام الناس فما الذي يدريهم أنه علك قوي أو غير قوي، وما الذي يدريهم أنه علك ليس فيه طعم أو فيه طعم، فلذلك لا ينبغي.

стр. 3470

عندي تعليل في الشرح يقول: لأنه يجلب البلغم، ويجمع الريق، ويُورِث العطش، ثلاث أشياء فيه. قوله: (وَيُكْرَهُ مَضْغُ عِلْكٍ قَوِيٍّ وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ)، (إنْ وَجَدَ طَعْمَهُما) أي: الطعام الذي ذاقه ولو لحاجة، (إنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ)، وإن وجد طعم العلك القوي في حلْقه أفطر. وعُلِمَ من قول المؤلف: (فِي حَلْقِهِ) أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الحلْق لا إلى المعدة، وخالف في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: ليس هناك دليل يدل على أن مناط الحكم وصول الطعم إلى الحلْق، وهو واضح؛ لأنه أحيانًا يصل الطعم إلى الحلْق، ولكن ما يبتلع، ما ينزل، يكون منتهاه الحلْق، فمثل هذا لا يمكن أن نتجاسر ونقول: إن الإنسان يُفْطِر بذلك، ثم إنه أحيانًا عندما يتجشأ الإنسان يجد الطعم في حلقه، لكن لا يصل إلى فمه، ومع ذلك يبتلع هذا الذي تجشأ به، يعني ربما يتجشأ ويخرج بعض الشيء لكن لا يصل إلى الفم، بل ينزل وهو يُحِسّ بالطعم. (وإنْ وَجَدَ طَعْمَهُما فِي حَلقِهِ أَفْطَرَ، ويَحْرُمُ العِلْكُ المُتَحَلِّلُ)، قال: (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ)، (العِلْكُ المُتَحَلِّلُ): هو الذي ليس بصَلْب، إذا عَلَكْتَه تحلَّل وصار مثل التراب، هذا حرام، على مَنْ؟ طلبة: على الصائم. الشيخ: على الصائم؛ لأنه إذا عَلَكَه لا بد أن ينزل منه شيء؛ لأنه مُتَحَلِّل يمشي مع الريق، وما كان وسيلة لفساد الصوم فإنه يكون حرامًا إذا كان الصوم واجبًا، ويُفْسِد الصوم إذا بلع منه شيئًا. قال المؤلف: (إِنْ بَلَعَ رِيقَهُ)، يعني: فإن لم يبلع ريقه فإنه لا يحرُم، يعني لو كان الإنسان يعلك العلك فلمَّا تحلل لَفَظَه، فإنه ليس بحرام، أو كان يجمعه، يعلكه ويجمعه ولا ينزل ثم لفظه، فإنه على كلام المؤلف -الماتِن- لا يحرُم؛ لأن المحظور من مضْغ العلك المتحلِّل أن ينزل إلى الجوف، وهذا لا ينزل.
следующие страницы →