Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
قال بعض العلماء: نعم، إذا طيبه ولبسه قبل أن يعقد الإحرام فلا بأس، لكن يكره، وقال بعض العلماء: لا يجوز لبسه إذا طيبه؛ لأن النبي ﷺ قال: «لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» (١٩)، فنهى أن نلبس الثوب المطيب، وهذا هو الصحيح.
ولهذا حرم بعض العلماء تطييب ثياب الإحرام، قال: لأن تطييبها لا فائدة منه، إذا حرمنا عليه لباسها، فإنه ما الفائدة؟ إضاعة مال؛ ولهذا حرمه بعض أصحابنا كالآمدي ﵀. قال: يحرم تطييب ثياب الإحرام.
المذهب أنه يكره، ولكن لاحظوا على المذهب يكره إن لبسها قبل أن يعقد الإحرام، أما إذا عقد الإحرام فلا يمكن أن يلبسها؛ لأن الثياب المطيبة لا يجوز لبسها في الإحرام.
وهنا مشكلة تقع كثيرًا: إذا تطيب في بدنه، وضع الطيب على رأسه وعلى لحيته، ثم سال الطيب من الموضع الذي وضعه فيه نازلًا إلى أسفل، فهل هذا يؤثر أو لا؟
الجواب: لا، لا يؤثر؛ لأن انتقال الطيب هنا بنفسه، انتقال الطيب بنفسه ما هو اللي نقله، ليس هو الذي أخذه بيده من طيب رأسه ووضعه مثلًا على صدره، لا، سال بنفسه، ولأن ظاهر حال النبي ﷺ وأصحابه أنهم لا يبالون إذا سال الطيب؛ لأنهم وضعوه في حالٍ يجوز لهم وضعه، فلا يُعْبأ به بعد ذلك، وهذا أمر واضح.
لكن هنا شيء آخر: المحرم سوف يتوضأ، أليس كذلك؟ وإذا طيب رأسه فسوف يمسح رأسه بيديه، وإذا مسح رأسه بيديه لصق من الطيب بيديه، فماذا يصنع؟ هل نقول: أعِدَّ لنفسك جوربًا تضعه في يدك إذا أردت أن تمسح رأسك لئلا تمس الطيب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا تنطعٌ في الدين، ولم يرد، هل نقول: امسح الرأس بعودٍ أو نحوه كالخشبة والجلد، وعلى هذا يُعِدُّ المحرم معه أعوادًا وجلودًا يمسح بها رأسه؟
الجواب: لا. بقي علينا أن يمسح بيده مباشرة، وهنا يُشْكِل؛ سوف يعلق الطيب بيده قطعًا، فماذا يصنع؟
стр. 3677
على المذهب يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب فورًا؛ يجب أن يغسل يديه من هذا الطيب حتى يذهب ريحه فورًا، لكن الذي يظهر لي أن هذا مما يعفى عنه، فالرجل لم يبتدئ الطيب، وهذا طيبٌ مأمور به، والمشقة في غسل يده غسلًا تذهب معه الرائحة لا ترد به الشريعة، فالصواب: أنه لا حرج عليه أن يمسح حتى ولو علق الطيب بيده؛ لأنه لم يستأنف الطيب، ولم يبتدئه وهو محرم.
ثم قال المؤلف: (ويسن تجرُّدٌ من مخيط).
(تجرُّدٌ من مخيط)؛ كيف تجرد؟ (يسن تجرُّدٌ من مخيط)، والتجرد من المخيط حال الإحرام واجب؛ لأن لبس المخيط حرام على المحرم، فكيف يتفق هذا الكلام؟
المراد أنه عند الاغتسال ينزع المخيط ثم يغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام. وتجرُّدٌ من مخيط، ويشترط في هذا التجرد ألا يستلزم كشف العورة أمام الناس، فإن استلزم ذلك كان حرامًا، ولكن ماذا يصنع؟
نقول: البس الإزار أولًا، ثم اربطه على نفسك، ثم اخلع القميص، ثم البس الرداء. يلبس الإزار أولًا وعليه القميص، ثم يخلع القميص ويلبس الرداء.
( ... )
***
قوله: (أبيضين)؛ لأنها خير الثياب، وهل يسن أن يكونا جديدين أو يشترط؟
لا يشترط، لكن كلما كانت أنظف فهو أحسن؛ لأن الصحابة ﵃ لما سألوا الرسول ﷺ عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (٢٠)، فكلما كان أنظف فهو أحسن.
وهذه السُّنَّة سُّنَّة لجميع الناس؛ الرجال، وإنما كانت على هذا الوجه من أجل اتفاق الناس على هذا اللباس، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد؛ لأنه لو أطلق العنان للناس تفاخر الناس، وصار هذا يلبس ثوبًا جميلًا جدًّا، وهذا عليه ثوب رديء، واختلف الناس، ولم تظهر الوحدة الإسلامية، وصار بعض الناس إذا رأى من عليه الثوب الذي يفوق ثيابه بمدًى بعيد اشتغل قلبه، وقال: كيف هذا عليه كذا وأنا علي كذا؟ ثم ربما يذهب يستدين ليلبس مثلما يلبس غيره.
стр. 3678
لهذا كان الناس في لباس الإحرام على حدٍّ سواء، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يغالي في ثياب الإحرام، بل يكون من جنس الناس.
(في إزار ورداء أبيضين، وإحرامٌ عقب ركعتين) الواو حرف عطف، (إحرام) معطوف على أيش؟
طالب: (سنَّ).
الشيخ: لا، ما هي على (سنَّ).
طالب: (غسلٌ).
الشيخ: على (غسل)، يعني: وسن لمريد الإحرام إحرامٌ عقب ركعتين، ودليل ذلك أن النبي ﵌ أهل دبر الصلاة (٢١)، أهلَّ: يعني أحرم دبر الصلاة، فيسن أن يصلي ركعتين ليحرم بعدهما، ولكن الدليل الذي استدل به الأصحاب ﵏ لا يتعين أن تكون الصلاة التي أهلَّ دبرها صلاةً مسنونة، بل هو أهلَّ دبر صلاةٍ مفروضة ﵊، دبر صلاة الظهر أهلَّ، وهذا لا نعلم هل النبي ﵊ قصد أن يكون إهلاله بعد الصلاة أو أهل لأنه لما صلى ركب وأهلَّ؛ أهلَّ عند ركوبه؟
في هذا احتمال، ومن ثَمَّ ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن ركعتي الإحرام لا أصل لمشروعيتهما، وأنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن كان في الضحى فيمكن أن يصلي صلاة الضحى ويحرم بعدهما، إذا كان في وقت الظهر نقول: الأفضل أن تمسك حتى تصلي الظهر، ثم تحرم بعد الصلاة، وكذلك صلاة العصر، وأما صلاة مستحبة بعينها للإحرام، فهذا لم يرد عن النبي ﵌.
بقي أن يقال: لو أن الإنسان إذا توضأ صلى ركعتين سنة الوضوء، فهل سنة الوضوء مشروعة؟
نعم مشروعة، وعلى هذا فنقول: أنت إذا اغتسلت وتوضأت فصلِّ ركعتين سنة الوضوء.
ولكن يبقى نظر: إذا كان ليس من عادته في غير هذا المكان أن يصلي ركعتي الوضوء، انتبهوا: ما كل الناس إذا توضؤوا صلوا، فإذا لم يكن من عادته أن يصلي للوضوء، فأراد أن يصلي هنا، أليس سوف يشعر في نفسه أن هذه الصلاة أيش؟ من أجل الإحرام؟ أو على الأقل من أجل الاشتراك بين الإحرام والوضوء؟
стр. 3679
هذا هو الظاهر، ولذلك نقول: إذا كان الإنسان سيبقى في الميقات حتى يأتي وقت الفريضة، فالأفضل أن يهلَّ بعد الفريضة؛ هذا هو الأفضل.
***
يقول: (ونِيَّته شَرْط).
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا لم يجد نعلين يا شيخ، لبس ( ... ) ماذا يفعل؟
الشيخ: إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين كما قال الرسول ﵊، لكن في وقتنا والحمد لله سيجد نعالًا ما هو نعلين، كلها مكومة عند المقعد، إنما ربما لا يجد دراهم يشتري بها.
طالب: داخل الطائرة يا شيخ.
الشيخ: نعم، أو في الطائرة نعم يمكن لا يجد، لكن الغالب أن الذي في الطائرة يكون عليه إما خفان وإما حافيًا وهذا بعيد، لكنِ الخفان يجوز أن يلبسهما إذا لم يجد نعلين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بالبخور.
الطالب: لا.
الشيخ: لا، ثياب الإحرام.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثوب الإحرام.
الطالب: أو يتطيب؟
الشيخ: يتطيب في بدنه، أما ثوبه لا.
الطالب: لا، البخور؟
الشيخ: حتى البخور ما يطيب الإحرام.
طالب: ( ... ).
الشيخ: العمرة؟
الطالب: العمرة أو الحج؟
الشيخ: العمرة لا بد يحرم من الحِل.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لازم يحرم من الحل.
طالب: طيب الحج يا شيخ.
الشيخ: الحج يحرم من مكانه، إذا جاء وقت الحج يحرم من مكانه الذي هو فيه.
طالب: أحسن الله إليكم؛ ذكرتم بأن من لم يؤدِّ فرض الحج والعمرة ثم مرَّ بالميقات فإنه يلزمه الإحرام ولو لم ينوِ، ما الجواب عن قول النبي ﷺ : «لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» (٢٢) ( ... )؟
الشيخ: إي نعم، يعني: ممن أراد أن يفعل، لكن هل يجب أن يريد أو لا يجب؟
الطالب: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، الفريضة على الفور.
طالب: ( ... ) هذا الأمر على الفور؟
الشيخ: إي نعم، أرأيت مثلًا لو قال: الوضوء واجب على من يريد الصلاة؛ هل يدل هذا على أن الصلاة غير واجبة؟
الطالب: لا، ما يدل.
الشيخ: ما يدل على هذا.
стр. 3680
طالب: طيب، يا شيخ لو كان وصل الميقات وأهل بيته وضعوا الطيب في الإحرام.
الشيخ: يغسله.
الطالب: يغسله؟
الشيخ: يغسله، نعم، إذا وصل الميقات وأهله قد طيبوا الإحرام يغسل إحرامه.
طالب: ( ... ) إذا أرادوا أن يذهبوا إلى مكة يمنعون؛ لأنهم قد حجوا أول مرة، قد حجوا الفريضة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويكثر الأسئلة يقولون: هل يجوز لنا أن نتجاوز الميقات بثيابنا؟
الشيخ: بدون إحرام يعني؟
الطالب: نحرم لكن بثيابنا؟
الشيخ: ما يجوز يلبسون الثياب.
الطالب: ( ... ) يريد أن يتجاوز منطقة التوقيف، وبعدما نتجاوزه نخلع الثياب.
الشيخ: والله ما أرى هذا؛ أرى أنهم إذا أحرموا التزموا بحكم الله.
الطالب: لكن يمنعون يا شيخ.
الشيخ: إذا منعوا يكون هذا مما سلط عليهم، فيشكون إلى الله أنه يخفف هذا المنع.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما هو بعلى كل حال.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لبس القميص حرام؛ لا يلبس القميص.
الطالب: لكن ليس بشرط.
الشيخ: إي، ما هو بشرط، لكن يأثمون.
الطالب: ( ... ) تجاوز الميقات الآن ما هو الدليل على أنه إذا تجاوزه عليه دم؟
الشيخ: دعنا من الدم، لكن يحرم عليه؛ لأن وجوب الدم بترك الواجب في النفس منه شيء، ما فيه إلا حديث ابن عباس ﵄، قال: «مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دمًا» (٢٣)، وهذا فيه نقاش أولًا في ثبوته، والثاني هل له حكم الرفع أو لا؟ لكن الكلام أنه يأثم بالاتفاق.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ترتيب الميقات ليس فيه سعة.
الشيخ: سعة؟
الطالب: فيه سعة ( ... ).
الشيخ: لكن رابغ أبعد من مكة من الجحفة ( ... ) هذا المكان من زمان.
طالب: هل القول بكراهة تطييب ثياب الإحرام؛ لو طيبها وخلعها ثم أراد أن يلبسها ( ... ).
الشيخ: إي نعم، يعني لو طيبها ولبسها ثم بعد ذلك خلعها لسبب من الأسباب فإنه لا يعيدها وفيها الطيب، يجب أن يغسلها.
стр. 3681
الطالب: طيب يا شيخ إذا سال العرق عليها وفيه الطيب هل نفس الحكم؟
الشيخ: نعم، هذا كلام الفقهاء، نفس الحكم، لكن في هذه الحال ربما أقول: يعفى عنه؛ لأن الطيب الذي أصابها من طيب مأمور به، وربما يشق على الإنسان أن يتحرز من هذا، ربما يشق عليه، والشيء إذا شق ولم يكن هناك نصٌّ بيِّن في تحريمه فإنه يسامح فيه.
طالب: ( ... ) مخيطه وبها جيوب.
الشيخ: المخيط سيأتينا إن شاء الله، إن المخيط هو اللباس المعتاد، ما هو بالذي به الخياط، وسيأتينا أن هذه العبارة ليست من عبارات الشرع، ما قالها الرسول، وقد قيل: إن أول من تكلم بها إبراهيم النخعي ﵀، وهو من فقهاء التابعين.
طالب: أحسن الله إليكم، لا يوجد دليل أن جبريل أتى النبي ﷺ بذي الحليفة لما أراد أن يحرم من الميقات قال: صلِّ في هذا الوادي فإنها أرض مباركة.
الشيخ: هذا جبريل أتاه وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» أَوْ «عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (٢٤).
لكن لا يدل على أن يكون الإحرام من حين الصلاة أو أن للإحرام صلاة؛ لأن قوله: «صَلِّ» أمر، يحتمل المراد بذلك الفريضة، يعني: انتظر حتى تصلي، ويحتمل أنها نافلة.
طالب: يسن له الصلاة.
الشيخ: كما قلنا قبل ذلك ( ... ) ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إذا كان هناك سبب آخر فليفعل.
طالب: تجرده من مخيطه هل هو سُّنَّة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني لو ما تجرد من مخيطه، يجب عليه التجرد من مخيطه؛ لأنه عقد.
الشيخ: إذا أحرم وجب عليه التجرد.
الطالب: ( ... ) عليه السُّنَّة؟
الشيخ: ( ... ) بلى، لكن معناه أنه يتجرد قبل أن يلبس الإحرام، وقبل أن يعقد الإحرام، فإذا عقد وجب أن يتجرد.
***
стр. 3682
الطالب: قال رحمه الله تعالى: (ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويستحبُ قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي، وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ، وصفته أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
قال المؤلف ﵀: (ونِيَّتُه شَرْطٌ).
(نِيَّتُه) أي: نية النسك، وما هي نية النسك؟ يعني نية الدخول في النسك، شرط، فلا بد أن ينوي الدخول في النسك، فلو لبى بدون نية الدخول فإنه لا يصير محرمًا بمجرد التلبية، ولو لبس ثياب الإحرام بدون نية الدخول، فإنه لا يكون محرمًا بلبس ثياب الإحرام، لا بد من النية، ودليل هذا قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢٥).
والتلبية قد تكون في غير الحج، فإن الرسول ﵊ كان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» (٢٦).
وأتيت بهذا استطرادًا؛ لأنه مهم بالنسبة لكم: إذا رأيتم ما يعجبكم من الدنيا من قصور أو سيارات أو بنين أو زوجات أو غيرها، فقولوا: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، فانظر كيف صد الإنسان نفسه بقول: لبيك، إجابة لله ؛ حتى لا تذهب نفسه مع الدنيا، ثم قال: «إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ» وإن هذا العيش الذي أمامي ليس بشيء، زائل.
إذن لا بد من النية؛ هل يكفي لبس الإحرام؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، هل يكفي أن يقول: لبيك اللهم لبيك؟ لا؛ لأن التلبية تكون للحاج ولغيره.
قال: (ويستحب قولُه: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا، فَيَسِّرْه لي، وإن حَبَسَني حابسٌ فَمَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي).
стр. 3683
هذه الجملة اشتملت على مسألتين:
المسألة الأولى: قوله: (يستحب أنْ يقول: اللهم إني أريد نُسُكَ كذا). والاستحباب يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، لم يكن الرسول ﵊ إذا أراد أن يحرم بحج أو عمرة يقول: اللهم إني أريد العمرة، أو اللهم إني أريد الحج.
ومعلومٌ أن العبادات مبناها على الاتباع وعلى الوارد، فإذا كان الرسول ﵊ اعتمر أربع مرات، وحج مرة، ولم يكن يقول هذا، ولا أرشد إليه؛ فإنه ينبغي ألا يكون مستحبًّا.
ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن النطق بهذا القول كالنطق بقوله: اللهم إني أريد أن أصلي فيسر لي الصلاة، أو أن أتوضأ فيسر لي الوضوء، وهذا بدعة، فكذلك في النسك لا تقل هكذا، قل ما أرشد إليه النبي ﵊ حين استفتته ضباعة بنت الزبير أنها تريد الحج وهي شاكية قال: «قُولِي: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (٢٧) أخرجه النسائي (٢٨)، ولم يقل: قولي: اللهم إني أريد كذا وكذا.
طيب، المسألة الثانية: يقول: (وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني).
فإن قوله: (إن حبسني حابس) عام، أو إن شئت فقل: مطلق، يشمل من كان خائفًا، ومن لم يكن خائفًا، يعني: يشمل من كان يخشى من عائق يعوقه عن إتمام نسكه من مرض، أو ضياع نفقة، أو انكسار مركوب، أو خوف على نفسه، أو ما أشبه ذلك، المهم أنه خائف ألا يكمل النسك.
ومن لم يكن خائفًا، هذا كلام المؤلف؛ لأنه لم يُفَصِّلْ، لم يقل: يقول: إن حبسني حابس إن خاف أن يحبسه حابس.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فمنهم من قال: إنها سُّنَّة مطلقًا، أن يقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
ومنهم من يقول: ليست بسُّنَّة مطلقة.
ومنهم من فَصَّلَ وقال: سُّنَّة لمن كان يخاف المانع من إتمام النسك، وتركها سُّنَّة لمن لم يخف.
стр. 3684
وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة، فإن الرسول ﷺ أحرم ولم يشترط، لم يقل: إن حبسني حابس، أحرم بِعُمَرِهِ كلِّها، حتى بالحديبية أحرم ولم يقل: إن حبسني حابس، وحبس، وكذلك في عمرة القضاء، وكذلك في عمرة الجعرانة، وكذلك في إحرامه في حجة الوداع، لم ينقل عنه أنه قال: إن حبسني حابس، ولا أمر به أصحابه أمرًا مطلقًا، بل أمر به من جاءت تستفتي لأنها مريضة تخشى أن يشتد بها المرض فلا تكمل النسك ..
وعلى هذا فيكون القول الراجح في هذه المسألة أن لا استحباب مطلقًا، ولا إنكار مطلقًا، بل من خاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، قلنا له: اشترط؛ استرشادًا بإرشاد الرسول ﵊، ومن لم يخف قلنا له: لا تشترط؛ السُّنَّة ألا تشترط، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة؛ كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء؛ بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة ( ... ) قليلة.
وفي عهد الرسول ﵊ حصلت حوادث، ففي عرفة وقصت ناقة صاحبها فسقط منها فمات (٢٩)، هذه حادث، حادث سيارة ولّا حادث ناقة؟ حادث ناقة، ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يستحب الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النسك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإن السُّنَّة ألا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظ يتعبد به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
стр. 3685
وأَفْضَلُ الأنساكِ التَّمَتُّعُ، وصِفَتُه أن يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ في عامِه، وعلى الأفقي دمٌ،
فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة، كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة الأوادم قليلة.
وفي عهد الرسول ﵊ حصلت حوادث، ففي عرفة وَقَصَت ناقةٌ صاحبَها فسقط منها فمات، هذه حادثة، حادث سيارة ولَّا حادث ناقة؟ حادث ناقة ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول ﵊، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يُسْتَحَبُّ الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النُّسُك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإنَّ السُّنَّة أن لا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظٌ يُتَعَبَّدُ به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
والصواب أن له فائدة، وفائدته أنه إذا وُجِدَ المانع حَلَّ من إحرامه مجانًا، ومعنى قولي: (مجانًا) أي بلا هَدْي؛ لأن مَن أُحْصِر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدي، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإذا كان قد اشترط ووُجد ما يمنعه من إتمام النسك قلنا له: حُلَّ بلا شيء، مجانًا.
стр. 3686
لكن لو لم يشترط لم يَحِلّ إلَّا إذا حُصِر بعدو، على رأي كثير من العلماء، فإن حُصِر بمرض، أو حادث، أو ذهاب نفقة، أو ما أشبه ذلك، فإنه يبقى مُحْرِمًا ولا يحل، لكن إن فاته الوقوف فله أن يتحلل بعمرة، ثم يحج من العام القادم.
إذن الفائدة من هذا الاشتراط أنه إذا وُجِد مانع يمنعه من إتمام النسك فإنه يَحِلّ ولا شيء عليه، يرجع إلى بلده.
هنا عبارتان؛ العبارة الأولى أن يقول: (إنْ حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني)، (محلي) أي: مكان إحلالي من النسك، أو قت إحلالي من النسك.
والعبارة الثانية: أن يقول: (إن حبسني حابس فلي أن أَحِلّ).
هل بينهما فرق؟
نعم بينهما فرق؛ إذا قال: (فمَحِلِّي حيث حبستني)، حل بمجرد وجود المانع؛ لأنه عَلَّقَ الْحِلَّ على شرط، فوُجد الشرط، وإذا وُجِدَ الشرط وُجِدَ المشروط.
أما إذا قال: (إن حبسني حابس فلي أن أحل)، فإنه إذا وُجِدَ المانع فهو بالخيار؛ إن شاء حل، وإن شاء استمر.
فإن قيل: وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النِّفَاس، أو الطاهر من الحيض؟
طالب: النفاس نعم.
الشيخ: النفاس نعم لا شك؛ لأن المرأة إذا نَفِسَت ما تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالبًا.
لكن نقول: حتى الحيض، إذا كان أهلها أو رُفْقَتُها لا يَبْقَوْن معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط.
فإذا كانت امرأة لم يطرأ على بالها الحيض، لكن معها كسل أو مرض، وتخشى أن لا تُتِمَّ النسك من أجل هذا المرض، فقالت: إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني، فأتاها الحيض، لكنه لم يطرأ على بالها، فهل نقول: إن حالها تُخَصِّص النية؟ أو نقول: إن العموم يشمل الحيض؟
طالب: العموم يشمل الحيض.
стр. 3687
الشيخ: نعم، هي الآن مريضة، فقالت: إن حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني، تريد يعني المرض، ما طرأ على بالها إلَّا المرض، لكن هي تستطيع، المرض يعني خَفَّ عليها أو زال، لكن حدث الحيض، فهل نقول: إن مقتضى حالها يخصِّص العموم، أو نأخذ بعموم اللفظ؟
الطلبة: نأخذ بعموم اللفظ.
الشيخ: يحتمل الأمرين عندي، أنا عندي يحتمل الأمرين، لكن مَن قال: إنه يؤخَذ بالعموم (حبسني حابس) نكرة في سياق الشرط فتعم، قال: هذا من الحوابس، والحوابس متعددة؛ قد يكون في قلبها تلك الساعة المرض، ويحصل حابس آخر كالحيض، والخوف، وفقدان النفقة، وموت الْمَحْرَم، وما أشبه ذلك.
فعلى كل حال الأخذ بالعموم أرجو ألَّا يكون به بأس، وإلا فإن الحال قد تُخَصِّص العموم.
فإذا قال قائل: ما نقول في شخصٍ اشترط بدون احتمال المانع، على القول بأنه لا يُسَنُّ الاشتراط إلا إذا كان يخشى المانع، فهل ينفعه هذا الاشتراط؟
طالب: ينفعه.
طالب آخر: لا ينفعه.
طالب آخر: على قولين.
الشيخ: على قولين، الآن فيها قولان عندكم؛ منكم من قال: إنه ينفعه، ومنكم من قال: إنه لا ينفعه؛ فالذي يقول: إنه ينفعه، يقول: إن هذا وإنْ وَرَدَ على سبب، فالعبرة بعمومه، والذي يقول: لا ينفع، يقول: هذا اشتراطٌ غير مشروع، وغير المشروع غير متبوع فلا ينفع.
وهذا عندي أقرب؛ أننا إذا قلنا بأنه لا يُسْتَحَبُّ الاشتراط فإنه لا يكون مشروعًا، وغير المشروع غير متبوع، لا يترتب عليه شيء، وإذا قلنا: إنه يترتب عليه حكم وهو غير مشروع، صار في هذا نوع من المضادة للأحكام الشرعية.
الاحتمال الراجح عندي -أنا ما راجعتها بالنسبة لهذه الأقوال- لكن الاحتمال الراجح عندي أنه لا يستفيد من هذا الشرط إلا إذا كان مشروعًا، لكن على قول مَن يقول: إن الاشتراط مشروع مطلقًا، يستفيد أو لا؟
طلبة: يستفيد.
الشيخ: نعم يستفيد، على قول مَن يقول: إنه مشروعٌ مطلقًا، يستفيد.
стр. 3688
فيه مسألة: لو أن الرجل دخل في الإحرام، وقال: لبَّيْك اللهم عمرة، ولي أن أحل متى شئت، فهل يصح هذا الشرط؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه ينافي مقتضى الإحرام، مقتضى الإحرام وجوب الْمُضِيّ في الإحرام، وأنك غير مخيَّر، فلست أنت الذي ترتب أحكام الشرع، المرتِّب لأحكام الشرع هو الله ورسوله، فإذا قلت هذا فإنه لا يصح هذا الشرط.
***
قال المؤلف: (وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ).
قوله: (أفضلُ الأَنْساكِ)، أفادنا ﵀ أن هناك أنساكًا متعددة؛ لأن (الأنساك) جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فهنا أنساكٌ ثلاثة: (التمتُّع، والإفراد، والقِرَان)، وذلك لأن الإنسان إما أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، أو بالحج وحده، أو بهما، ما فيه قسمة رابعة.
إن أحرم بالعمرة وحدها فتمتُّعٌ، لكن بالشروط التي ستُذكر، بالحج وحده فهو مُفْرِد، بهما جميعًا هو قارِن، سنذكر الشروط.
لكن أقول: وجه انحصار الأنساك في هذه الثلاثة هو هذا؛ إما أن يُحْرِم بواحد، عمرة، أو حج، أو يقرِن بينهما؛ هذه الأنساك.
ويدل لهذا – أي: لتنوع الأنساك إلى هذه الثلاثة أنواع- حديث عائشة في مسلم قالت: حَجَجْنَا مع رسول الله ﷺ ، فمنا مَنْ أهلَّ بحج، ومنا مَن أهلَّ بعمرة، وأهلَّ رسول الله ﷺ بالحج (١). ثم فصَّلت.
قولها: (بالحج) يُحْمَل على أنه بالحج من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام؛ لأنه كان قارِنًا.
وقيل: أحرم بالحج أولًا ثم أردفه بالعمرة، وسنذكر هذا إن شاء الله تعالى في صفة القِرَان، وهل يصح إدخال العمرة على الحج، أو لا يصح؟
قال: (أفضل الأنساك التمتع)، ما هو الدليل؟
الدليل على هذا أن النبي ﵌ أمر أصحابه حين قضى من الطواف والسعي أن يَحِلُّوا ويجعلوها عمرة إلَّا مَن ساق الهدي، وكان سائقُ الهدي في تلك الحجة قليلين، هذا الدليل.
стр. 3689
وقد حتَّم الرسول ﵊ في ذلك، أمر أصحابه حينما أكمل السعي قال: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، وقال: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، وقال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ».
وراجعه الصحابة في ذلك، وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنَا الحج، يعني: لَبَّيْنَا بالحج، قال: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ»، حتى أوردوا عليه مسألةً يُسْتَحْيَا منها، لكن حملهم ما في نفوسهم على إيرادها، قالوا: يا رسول الله، نخرج إلى مِنى وذَكَرُ أحدنا يقطر مَنِيًّا؟ يعني من جماع أهله؛ لأنهم سيحلون الحل كله.
ولكن الرسول ﵊ أبى إلَّا أن يحتم عليهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة (٢).
استدل الإمام أحمد ﵀ في هذا الحديث على أن التمتع أفضل إلا مَن ساق الهدي، فإنه لا يمكن أن يتمتع؛ لأن مَن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، وحينئذٍ يتعذر التمتع.
وقول المؤلف: (أفضل الأنساك التمتع) أفادنا ﵀ بكلمة (أفضل) أنه يجوز ما سوى التمتع، وليس التمتع بواجب، وهذا رأي جمهور أهل العلم؛ أن التمتع ليس بواجب.
وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجب، وأن الإنسان إذا طاف وسعى للحج إذا لم يَسُق الهدي فإنه يحل؛ شاء أم أبى، وهذا رأي ابن عباس ﵄ يرى أن الإنسان إذا لم يَسُق الْهَدْي وأحرم بالحج في أشهر الحج فإنه لا يصح منه الحج، يجب أن .. أيش؟ يحل لتكون عمرة ويكون متمتعًا.
واستدل ﵁ بأمر النبي ﷺ وحَتْمه على الناس وغضبه لما تراخوا وصاروا يراجعونه (٣).
وإلى هذا يميل ابن القيم ﵀ فإنه في زاد المعاد مال إلى هذا الرأي، وأن التمتع واجب لمن لم .. أيش؟ لمن لم يَسُق الهدي، وذكر رأي شيخه ﵀ وقال: أنا إلى قول ابن عباس أَمْيَل مني إلى قول شيخنا.
стр. 3690
فخالف شيخه في هذه المسألة، ومال إلى قول ابن عباس، وكان ابن عباس ﵄ يناظر على هذه المسألة، حتى يقول: أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء (٤)؛ لأن أبا بكر وعمر ﵄ يريان أن الإفراد أفضل من التمتع.
واختار شيخ الإسلام في قصة أمر الرسول ﵊ للصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه، وتحتيمه، قال: إن هذا الوجوب خاصٌّ بالصحابة ﵃، وأما مَن بعدهم فتختلف الحال بحسب حال الإنسان، لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا الإفراد، ولا القِرَان، انتبهوا.
شيخ الإسلام ﵀ يقول: إنه يجب على الصحابة الذين خاطبهم الرسول ﵊ أن يجعلوها عمرة، أما مَن بعدهم فلا، وله دليل سمعي ونظري؛ أما السمعي يعني الأثري، فهو أن أبا ذر ﵁ سُئل عن المتعة، هل هي عامة أو للصحابة خاصة؟ قال: بل لنا خاصة (٥).
ويُحْمَل كلامه ﵁ على أن الوجوب لهم خاصة، وإلا فلا يمكن أن يقول أبو ذر: لنا خاصة، والرسول ﵊ سأله سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» (٦)، يقول الرسول ﵊.
فخصوصية الحكم للصحابة إذا كان المقصود الوجوب فله وجه، أما إذا كان القصد، أو إذا كان المراد فسخ الحج مطلقًا فليس بصحيح، هذا دليل أيش؟ أثري سمعي لشيخ الإسلام ابن تيمية.
دليل نظري يقول: إن الصحابة خُوطِبوا من الرسول ﵊ مباشرة، وهذا أول شيء يقع الحِل من الحج في أشهر الحج، لو لم ينفذه الصحابة كان هذا وصمة عار للأمة، فيقال: إذا كان الصحابة رفضوا أمر الرسول مباشرة فنحن من باب أولى.
стр. 3691
ثم إن الرسول ﵊ يريد أن يقرر هذا الحكم، والتقرير بالفعل أقوى من التقرير بأيش؟ بالقول، فإذا تقرر بالفعل بقي الأمر على ما هو عليه أولًا، وهو أنه هو الأفضل، أو يختلف كما قال شيخ الإسلام باختلاف حال الإنسان.
وما قاله ﵀ وجيهٌ جدًّا؛ أن وجوب الفسخ في ذلك العام الذي واجههم به الرسول ﵊ حق، وأما بعد ذلك فليس بحق، وأظنه لا يخفى، لو كان الأمر واجبًا على أبي بكر وعمر، وهما مَن هما بالنسبة لقربهما من الرسول ﵊، ولفهمهما قوله، ومعلوم أن مَن كان أقرب إلى الإنسان كان أعرف الناس بقوله ومراده.
فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من حيث وجوب التمتع وعدمه، وأنه واجب على الصحابة لما علمتم، أما غيرهم فالمذهب أن التمتع أفضل مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي فالتمتع في حقه أفضل، لكن كيف يعمل وهو لا يَحِلّ له أن يحلق إلا في يوم العيد، ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؟
قالوا: إذا طاف وسعى لا يحل، ينوي أن العمرة انتهت، لكن لا يحل بالحلْق، فإذا كان يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج. وهذا لا شك أنه قولٌ ضعيف جدًّا، ولا تَأْتي، ما رأيت السُّنَّة أتت بمثله.
فالصواب أن مَن ساق الهدي لا يمكنه أن يتمتع؛ لأنه لا يمكن أن يحل، والتمتع لا بد فيه من حل.
شيخ الإسلام يقول: لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا القِرَان أفضل مطلقًا، ولا الإفراد أفضل مطلقًا.
يقول: مَن ساق الهدي فالأفضل له القِرَان؛ لأن التمتع في حقه متعذِّر، صح ولَّا لا؟ ما يمكن أن يتمتع، كيف يتمتع وهو ما حل؟ ! اللي ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، فمتى يتمتع؟
ولأن هذا - أعني القِرَان مع سَوْق الهدي- فعل النبي ﷺ (٧)، فيكون موافقًا لفعل الرسول ﵊، فالقِرَان إذن أفضل.
стр. 3692
المعنى الثالث: أنه يجمع بين الحج والعمرة، يجمع بين نسكين، مع أنه لو أَفْرَد وهو قد ساق الهدي صح، لكن القِرَان أفضل لهذه الوجوه الثلاثة.
يقول: فإن كان قد اعتمر قبل أشهر الحج ولم يَسُق الهدي، فالأفضل له الإفراد، سواءٌ اعتمر قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، أو اعتمر قبل أشهر الحج ورجع إلى بلده ثم عاد إلى مكة، فإن الأفضل الإفراد، حتى إنه قال: إن هذا بلا خلاف، قال: هذا بلا خلاف أن الأفضل الإفراد؛ لأنه يأتي بالعمرة في سَفْرَةٍ مستقلة، وبالحج في سَفْرَةٍ مستقلة.
المسألة الآن لها صورتان؛ الصورة الأولى: أتى بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، فهذا لا شك أن الإفراد أفضل له، يعني لا يمكن أن يتمتع، التمتع لا بد يأتي بالعمرة من الميقات، وهنا في مكة ليس له عمرة من الميقات، هنا نقول: هذه الصورة واضحة من كلام شيخ الإسلام، وربما يكون قوله فيها صوابًا.
الصورة الثانية: يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يرجع إلى بلده، ثم يعود إلى مكة. يقول: الأفضل ألَّا يُحْرِم بعمرة، يُحْرِم مفرِدًا، ويقول: إن هذا بلا خلاف، فإن صح الإجماع فليس لنا أن نخالفه، وإن لم يصح الإجماع فإنه يقال: إن الرسول ﵊ أمر أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة إلا مَن ساق الهدي (٧)، ولم يقل: ومن اعتمر منكم قبل أشهر الحج فليَبْقَ على إحرامه، مع أنه يوجد في الصحابة مَن -فيما يظهر أنه يوجد فيهم- اعتمر قبل أشهر الحج.
فلذلك هذه المسألة مشكلة عليَّ من كلام شيخ الإسلام، وليس المشكل عليَّ أنه ذهب إليها؛ لأنه ﵀ معروف بقوة استدلاله وفهمه وعقله، لكن المشكل عليَّ قوله: إن هذا بلا خلاف ( ... ).
طالب: بالنسبة لمن ساق الهدي يا شيخ ثم مات عليه الهدي في مكة، وأرد أن يُكْمِل الـ ..
الشيخ: أن يتمتع.
الطالب: أن يتمتع، هل يجزئه الهدي يا شيخ؟
стр. 3693
الشيخ: هذا يُنْظَر، إن تلف بغير فعله وتفريطه سقط سَوْقُه وله أن يحل، وإن كان هو الذي أتلفه وجب عليه بدله، وحينئذٍ لا يحل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو مثل هذا؛ لأن الشهر يشمل التسع والعشرين والثلاثين.
الطالب: لكن ما نوى ( ... ).
الشيخ: ويش ما نوى؟
الطالب: ما نوى هل هو الشهر مثلًا التسع والعشرين أو الثلاثين.
الشيخ: لا، هو شهر، نوى شهرًا، وكون عدده تسعًا وعشرين أو ثلاثين هذا عند الله.
طالب: يا شيخ، حديث الرجل الذي حج عَن شُبْرُمَة، يقول: لبيك حجة عَن شُبْرُمَة (٨).
الشيخ: نعم.
الطالب: أجبتم بأن ظاهر وصول الرجل إلى مكة بأنه ليس فقيرًا، والفقير قد قررتم بأنه إذا سافر على نفقته ( ... ) ولم يستفسر النبي ﷺ منه: هل أنت فقير؟ هل أنت ممن وجبت عليه؟
الشيخ: ما الذي أوصله إلى مكة إلا القدرة.
الطالب: لعله مَن حج عنه.
الشيخ: لا، هو هذه ما هي معروفة في السلف، يعني كونهم يعطون الذي يحج شيئًا ما هو معروف عنهم.
الطالب: إي، ما سأل.
الشيخ: ما هي معروفة أصلًا، يسأل عن شيء غير معروف! ! !
الطالب: يا شيخ، لو هناك نقل لشيخ الإسلام آخر بالنسبة للإفراد.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لشيخ الإسلام قول آخر في مسألة الإفراد، وأن الأفضل الإفراد ( ... ) التمتع حتى ولو حج.
الشيخ: حتى ولو اعتمر.
الطالب: إي نعم؛ ( ... ) الفتاوى يقول: مَن سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج فتمتُّعُه أفضل من الحج، فإن كثيرًا من الصحابة الذين حجوا مع النبي ﷺ كانوا قد اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا أمرهم بالتمتع ولم يأمرهم بالإفراد.
الشيخ: نعم، والله هذا هو الموافق، لكنه صرَّح بمنسكه بما ذكرتُ لكم، وكذلك في الفتاوى أيضًا، أظنه حتى في الفتاوى قال هكذا.
الطالب: إي نعم، هو في الفتاوى ( ... ).
стр. 3694
الشيخ: لكن هذا هو اللائق به، الواقع القول الثاني هذا هو اللائق به؛ أنه إذا أفرد العمرة بسفر، ثم عاد من بلده إلى مكة في أشهر الحج فإننا نستحب له أن يتمتع؛ لظاهر أمر الرسول ﵊.
طالب: وجه أخير ( ... ).
الشيخ: والله هذا هو المشكل ( ... ).
***
طالب: .. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وَصِفَتُه أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرغَ منها ثم يحرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ، وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ أَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فيما سبق فهمنا أن الأنساك ستة ..
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: التمتع والقِران والإفراد.
الشيخ: التمتع والقِران والإفراد، تمام، ما هو أفضل هذه الأنساك؟
طالب: التمتع.
الشيخ: التمتع؟
الطالب: لكن قال شيخ الإسلام ..
الشيخ: اصبر اصبر، لا ما بعد وصلنا إلى ذكر الخلاف، ما هو الدليل على أنه أفضل؟
الطالب: أن النبي ﷺ أمر الصحابة بأن يَحِلُّوا.
الشيخ: يَحِلُّوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة (٧)، تمام، فيه أيضًا مرجِّح آخر؟
طالب: قال النبي ﷺ : «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ».
الشيخ: أن الرسول قال: «لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (٧).
طالب: لأنه يا شيخ يعمل أعمالًا كثيرة أكثر من ..
الشيخ: أكثر عملًا من غيره؛ لأن فيه طوَافَيْن وسَعْيَيْن.
طالب: أنه أيسر وأسهل للحاج.
الشيخ: أيسر وأسهل؛ حيث إن الإنسان يتمتع بين العمرة والحج بمحظورات الإحرام.
стр. 3695
طالب: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: نعم، أنه النسك المذكور في القرآن، لكن هذا قد ينازع فيه منازع، يقول: إن الله ذكره من أجل ما يترتب عليه من الحكم.
طالب: حديث عمران يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: حديث عمران (٩) في توقيت التمتع قال ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا استدلال على الجواز، على كل حال هو أفضل للوجوه الثلاثة؛ أن الرسول أمر به، أنه أسهل على المكلَّف، أنه أكثر عملًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يدخل فيها القِرَان، هذه ثلاثة، هل التمتع أفضل مطلقًا، أم يعارضه غيره في بعض الأحوال؟
طالب: بارك الله فيكم، على خلاف.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه أفضل مطلقًا إلا لِمَن ساق الهدي.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: كلام المؤلف أن التمتع ..
الشيخ: أفضل الأنساك التمتع.
الطالب: نعم، على كلام المؤلف أن أفضل الأنساك التمتع.
الشيخ: في كل حال؟
الطالب: إلا لمن ساق الهدي.
الشيخ: أين في كلامه: (إلا لمن ساق الهدي)؟
الطالب: لا، ما أدري.
الشيخ: ما تدري؟ ! كيف تحكم على ما لا تدري؟ !
طالب: أفضل مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نحن قلنا هكذا، كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي؟
طالب: يتحلل من العمرة ويجعلها ( ... ).
الشيخ: كيف؟ الله يقول: ﴿لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦]! ! فمن ساق الهدي لا يمكن أن يحل إلا يوم العيد، ولو كان يمكن أن يحل لحل الرسول ﵊ وزال الإشكال.
الطالب: على كلام المؤلف؟
الشيخ: إي على كلام المؤلف.
طالب: إذا كان ذهب الهدي معه من غير تفريط منه ..
الشيخ: لا، لا ما هو هذه.
طالب: يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد.
стр. 3696
الشيخ: تمام، يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد، والحقيقة أنه على هذا لم يحصل له تمتع، أين التمتع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما في السؤال، أفضل الأنساك التمتع، ما هو رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة؟ هل أفضل الأنساك التمتع مطلقًا، أو عنده تفصيلٌ في هذا؟
طالب: عنده تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: ( ... ) أن التمتع أفضل لمن لم يَسُق الهدي.
الشيخ: ومَن ساق الهدي؟
الطالب: كان القِران أفضل.
الشيخ: كان القِران أفضل، هذه واحدة.
طالب: أنه إذا فعل العمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة فالإفراد أفضل له.
الشيخ: وكذلك إن أنشأ سَفَرًا للحج ..
الطالب: إن أنشأ سفرًا على رأي شيخ الإسلام أن الإفراد أفضل.
الشيخ: فالإفراد أفضل، لكن ذكر لنا بعض الإخوان البارحة أن كلام شيخ الإسلام اختلف في هذه المسألة. هل الإفراد متعذِّر في هذا الوقت؟
طالب: لا، غير متعذِّر.
الشيخ: غير متعذِّر، خلافًا لبعض المعاصرين، قال: الإفراد متعذِّر، وعنده أنه إن ساق الهدي فالقِرَان، وإن لم يسق الهدي فالتمتع، ولا إفراد، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن الصحابة ﵃، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر كلهم أَمَرُوا بالإفراد.
بل في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم، أن الناس أحرموا مع الرسول ﵊، منهم مَن أَهَلَّ بحج، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بحج وعمرة (١)، لما قَدِمَ مكة أمر مَن لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمره، فشمل مَن؟ القارِن والمفرِد اللذين لم يسُوقَا الهدي أن يجعلوها عمرة، وأما مَن ساق الهدي فيبقى على إحرامه.
وظاهر الحديث حتى المفرِد يبقى على إحرامه إذا كان قد ساق الهدي، وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه عمل الناس.
***
ثم قال: (وَصِفَتُهُ) صفة التمتع: (أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج ويَفْرُغَ منها، ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، انتبهوا للشروط.
стр. 3697
لا يكون الحج تمتعًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف؛ أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال لم يكن متمتعًا، لماذا؟ لأنه لم يُحْرِم بها في أشهر الحج.
الشيخ: ومَن أَحْرَم بها في شوال لم يكن متمتعًا.
طلبة: لا ( ... ).
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه أحرم بها في أشهر الحج.
الشيخ: لأنه أحرم بها في أشهر الحج، ومَن أحرم بها في رمضان، وأتمها في رمضان، وبقي إلى الحج فليس بمتمتع.
إذن ثلاث صور: أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وأتمها في أشهر الحج، أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أحرم بالعمرة وأتمها قبل أشهر الحج.
الشيخ: مَن الذي لا يكون متمتعًا؟
طلبة: الأول والثاني.
الشيخ: الأول والثاني، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها ..
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال، هذا غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في رمضان غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في شوال وأتمها في شوال متمتع، هذه واحدة.
ثانيًا: (ويَفْرُغَ منها)، يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، وهنا التقصير أفضل من الحلق؛ لسببين:
الأول: أن النبي ﵌ أَمَرَ به مَن لم يَسُق الهدي أن يُقَصِّر.
والثاني: أنه من أجل أن يبقى للحج ما يُحْلَق أو يُقَصَّر، ولو أنه حَلَقَ والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.
(يَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، (ثم) يعني بعد الفراغ منها والإحلال والتمتع بما أحل الله له، (يُحْرِم بالحج في عامه)، فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج عام ثلاثة عشر، وحج عام أربعة عشر، ما تقولون؟
طلبة: ليس متمتعًا.
الشيخ: ليس متمتعًا؛ لأنه لا بد أن يُحْرِم بالحج في عامه، هذا هو المتمتع.
стр. 3698
بقينا بالقِرَان؛ القِرَان له صورتان أو ثلاث صور؛ الصورة الأولى: أن يُحْرِم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك عمرة وحجًّا، أو لبيك حجًّا وعمرة. قالوا: والأفضل أن يقدِّم العمرة في التلبية، فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا؛ لأنها سابقة على الحج.
الصورة الثانية: أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف.
الصورة الثالثة: أن يُحْرِم بالحج أولًا، ثم يُدخل العمرة عليه، وهذه الصورة مختلف فيها؛ فأجازها كثير من أهل العلم، ومنعها آخرون.
فالصور الآن كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: أن يُحْرِم بهما جميعًا، أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدخل العمرة عليه، هذه ثلاث صور.
الصورة الأولى دليلها أن النبي ﷺ جاءه جبريل، وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ -أَوْ قَالَ: - عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (١٠).
هذا الإحرام بهما معًا، دليله: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ».
دليل الثاني: أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، ما حدث لعائشة ﵂ حين أحرمت بالعمرة وحاضت بِسَرِف، فأمرها النبي ﷺ أن تُهِلَّ بالحج، وأمره بإهلالها بالحج ليس إبطالًا للعمرة، بدليل قوله: «طَوَافُكِ بِالْبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِعُمْرَتِكِ وَحَجِّكِ» (١١).
وهذا يدل على أنها لم تُبْطِل العمرة؛ لأنها لو أبطلت العمرة لقال: طوافك بالبيت وبالصَّفا والمروة يسعك لحجك فقط، إذن هذا الدليل.
وإذا تأملت الدليل قد تعارِض وتقول: الدليل أَخَصُّ من المدلول، ولا يصلح الاستدلال بالأخص على الأعم، والعكس صحيح، كلام معلوم ولَّا؟
стр. 3699
طالب: ( ... ).
الشيخ: نحن قلنا: الصورة الثانية أن يُحْرِم بالعمرة ثم يُدخل الحج عليها، واستدللنا بأيش؟ بحديث عائشة؛ أنها حاضت قبل أن تصل مكة، فأمرها الرسول ﷺ أن تُحْرِم بالحج، وجعلها قارِنة.
الدليل الآن إنما وقع في حالٍ تشبه الضرورة؛ لأن عائشة في هذه الحال لا يمكن أن تُكَمِّل العمرة وهي حائض، صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تطهر قبل الخروج إلى منى؛ لأنهم وصلوا اليوم الرابع؟
قلنا: بلى، يمكن، لكن الأمور الشرعية مبناها على الظن، على غلبة الظن، وهي عارفة نفسها أنها تأتيها الحيضة مثلًا لمدة ستة أيام، ولا تتمكن من العمرة قبل الخروج إلى الحج.
فإذن حديث عائشة في حال الضرورة، فهل نستدل به على حال السعة، ونقول: الإنسان يجوز إذا أحرم بالعمرة أن يُدْخِلَ الحج عليها ليكون قارِنًا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الفقهاء يقولون: يجوز، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: إذا كان الرسول ﵊ أمر مَن أَحْرَمَ بالحج ولم يَسُق الهدي أن يجعله عمرة، فكيف نجعل العمرة حجًّا؟ وهل هذا إلا خلاف ما أمر به الرسول؟ لأنك إذا جعلت العمرة حجًّا ماذا تصنع؟ ستبقى في إحرامك إلى يوم العيد، أهكذا؟
نحن قلنا: إن الدليل أخص من المدلول، كيف كان أخص؟ المدلول عام، في حال العذر وفي حال عدم العذر، الذي حكمنا به، والدليل خاص في حال الضرورة والعذر.
الصورة الثالثة، ما هي؟ أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدْخِل العمرة عليه، وهذا مُخْتَلَف فيه، فالمشهور عند الحنابلة ﵏ أن هذا لا يجوز؛ لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر، وهذا فيمن أراد أن يكون قارِنًا، أما مَن حوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فهذا واضح أنه جائز، لكن هذا أحرم بالحج ثم أدخل العمرة عليه ليبقى على إحرامه إلى يوم العيد فيكون قارِنًا.
стр. 3700
فعندنا -عند الحنابلة- لا يصح الإحرام بالعمرة ويبقى على حجه، لكن عندهم أنه يُسَنّ أن يفسخ الحج ليجعله عمرة ويكون متمتعًا إذا لم يَسُق الْهَدْي.
والذين قالوا بالجواز قالوا: إن النبي ﷺ أحرم أولًا بالحج كما قالت عائشة: وأَهَلَّ رسول الله ﷺ بالحج، ثم جاءه جبريل وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة (١٢)، فأمره أن يُدْخِل عمرة على الحج، وهذا يدل على إدخال العمرة على الحج.
والقول بأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر مجرد قياس فيه نظر؛ فإن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال: «إِنَّ الْعُمْرَةَ حَجٌّ أَصْغَرُ» (١٣)، فلا مانع ولا تناقض، وهذا القول كما ترون دليله قوي؛ أنه يصح إدخال العمرة على الحج.
فإذا قالوا: إنه لا يستفيد بذلك شيئًا؟ قلنا: يستفيد، بدل أن كان أتى بنسك واحد، أتى الآن بنسكين.
الإفراد، يقول الإفراد أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، وله صورة واحدة فقط، كالتمتع ليس له إلا صورة واحدة، ما هو؟ أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا فيقول: لبيك حجًّا، فقط.
وأيهما أفضل، الإفراد أو القِرَان؟
إن ساق الهدي فلا شك أن القِرَان أفضل، وكذا إن لم يَسُق الهدي، القِران أفضل؛ لأنه يأتي بنُسُكين، بخلاف الإفراد.
وهل يُشْتَرَط في الإفراد أن يُحْرِم بالعمرة بعده؟ لا، ليس بشرط، إذا أتى بالحج وحده فسواءٌ اعتمر بعد ذلك أم لم يعتمر.
وما يوجد في بعض كتب المناسك أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، ثم يأتي بعمرة بعده، فهو بِناء على مشروعية العمرة بعد الحج، وعلى أناس لا يستطيعون أن يَصِلُوا إلى البيت، فيأتون بالعمرة بعد الحج لأداء أيش؟ لأداء الفريضة، والعمرة بعد الحج غير مشروعة، كما تقدم لنا، أو يأتي إن شاء الله تعالى.
فصار الآن القِران له ثلاث صور، التمتع صورة واحدة، الإفراد صورة واحدة.
стр. 3701
قال المؤلف: (وَعَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ).
(عَلَى) هنا للوجوب، و (الأُفُقِيّ) نسبة إلى الأُفُق، ويقال: الآفَاقِي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقول: الأُفُقِيّ، نسبة إلى المفرَد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.
(عَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ)، مَن الأفقي؟
الأفقي: مَن لم يكن حاضر المسجد الحرام، مَن لم يكن مِن حاضري المسجد الحرام؛ هذا الأفقي، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
﴿أَهْلُهُ﴾ يعني: سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان.
﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وحينئذٍ نقول: مَن حاضرو المسجد الحرام؟ مَن هم؟
قيل: حاضرو المسجد الحرام مَنْ دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافًا كبيرًا، فالذين من طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام، ثمانية أيام، وكلهم من حاضري المسجد الحرام، والذين في قَرْن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان، وهذا القول فيه نظر، وفيه ضعف.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه، ومَن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام.
وعلى هذا فمَن سَكَنُهُ في عرفة مثلًا فليس .. أيش؟ ليس من حاضري المسجد الحرام، ومَن سَكَنُهُ في مزدلفة ليس من حاضري المسجد الحرام؛ لأنه ليس من أهل مكة، أهل مكة فقط البناء.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام أهل الحرَم، لا أهل مكة، وعلى هذا فكل مَن كان داخل الأميال فهم حاضرو المسجد الحرام.
فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، أهل عرفة لا، ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
стр. 3702
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرَم، ومَن بينهم وبينه دون مسافة القَصْر؛ لأن مَن دون المسافة يُعْتَبَر من أهل البلد.
ولكن أقرب الأقوال أن نقول: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة أو أهل الحرَم، يعني: من كان من أهل مكة ولو كان في الحِلّ، أو مَن كان في الحرَم.
طالب: ( ... ) بعضهم يعني.
الشيخ: من كان، أنا أقول: أحسن ما يقال: إنهم أهل مكة أو أهل الحرم، فمن كان من أهل مكة وهو خارج الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام، صح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، الآن في التنعيم، التنعيم متصِل بمكة الآن، متصِل بمكة تمامًا، بل فيه الآن بيوت من وراء التنعيم، يعني أصبح التنعيم داخل مكة، مع أنه من الحِلّ، وهنا يمكن أن يُلغِز بها مُلغِز، فيقول: هناك شجرٌ في مكة أنبته الله يجوز أن نَحُشَّه، أو ما يصح؟
الطلبة: نعم، يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه خارج الحرم، وهناك صيد في مكة يجوز أن نصيده، قد يقول قائل: كيف هذا؟ ! الرسول حرَّم شجر مكة (١٤)؟ لكن نقول: هذه مكة امتدت الآن، خرجت عن الحرم.
إذا كان داخل الأميال لكن خارج مكة يعتبر من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذن هذا القول الذي تطمئن إليه النفس، أنهم أهل مكة أو أهل الحرم، يعني: الأبعد من الطرفين، الأبعد من الحرم أو مكة هم حاضرو المسجد الحرام، ومَن عداهم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
إذن الآفاقي على كلام المؤلف نقول: هو مَن كان خارج مكة وخارج الحرَم، على القول الصحيح.
وقول المؤلف: (دَمٌ)، كلمة (عليه دمٌ)، الدم يُطْلَق على الذبيحة هنا، ولو أن المؤلف قال: هَدْي، لكان أجود، لماذا؟ ليطابق الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولكن هذا الهدي هل له شروط أو لا؟
стр. 3703
نعم له شروط؛ لا بد أن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو أن يكون ثَنِيًّا، أو جَذَعًا، فالْجَذَع من الضأن، والثَّنِيُّ مما سواه؛ من المعز والبقر والإبل.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً - أي: ثَنِيَّةً - إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (١٥).
فأجاز الرسول ﵊ ذَبْحَ الجذعة من الضأن إذا تَعَذَّرَت الْمُسِنَّة، ولو كانت لا تجزي ما استثناها.
ولا بد أن يكون الْهَدْي سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي ﷺ سُئِلَ: ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعًا -وأشار بأصابعه- الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ - الْهَزِيلَةُ - الَّتِي لَا تُنْقِي» (١٦).
لكن لو قال قائل: إن النبي ﷺ سُئِلَ: ماذا يُتقى من الضحايا؟ !
فنقول: إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة ما فيها هَدْي، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء عُلِم أن المصاب بهذه الأمراض لا يَصِحُّ أن يكون قُرْبَة، هذا هو الدليل.
فنقول أيضًا: يُتَّقَى من الهدايا هذه الْمَعِيبَات الأربعة، طيب، هل يُشْتَرَط الوقت؟ أن يكون في زمن الذبح؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يُشْتَرَط، وأنه لا يُذْبَح دم المتعة إلا في الوقت الذي تُذبَح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، ومنهم من قال: يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيُذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج.
стр. 3704
قالوا: لأن الصيام لمن لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج، مع أنه بدل، فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية، ويأخذ به كثير من الحجاج اليوم؛ لأنهم يشاهدون الهدايا في منى تُرمى إلا بعد المشروع الجديد، فصاروا يأخذون به.
وتَوسَّع بعض رؤساء الحملات في هذا، فقال: يجوز أن يُذبح الهدي من حين أن يسافر الإنسان من بلده ولو قبل الحج بعشرة أيام أو عشرين يوم، وقال للحملة: اذبحوا كل يوم عشرة شياه اجعلوها هديًا لكم، وهذا جائز، أنتم شرعتم في الحج، نعم، فأفتى نفسه فتيا علَّامة الإسلام، نعم، لماذا؟
ليسلم من تمويلهم باللحم، وهذا هو الواقع، هذا شيء وقع وسُئلنا عنه في عرفة، حَمْلة جاءت من بلد ما فقالوا: إن صاحب الحملة قال: إن هديكم يجوز أن يقدَّم من حين خروجكم من بلدكم، كل يوم اذبحوا عشر هدايا، نعم، وكأنه يستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ [النساء: ١٠٠]! !
على كل حال هذا لا يصح، ولا قال به أحد من أهل العلم، ولا يجوز الْفُتْيَا به، والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هَدْي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده.
والدليل على هذا أنه لو كان يجوز أن يقدَّم ذبح الهدي على يوم العيد لفعله النبي ﵊ وحل المشكلة؛ لذبح هديه حين قدم في اليوم الرابع وحلَّ، ولكنه قال: «لَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (١٧) ولا نحر إلا يوم العيد.
إذن انتبهوا، الصحيح أنه لا يُجزئ ذبح هدي التمتع إلا في زمن الذبح.
وهل له من مكان؟ نعم، إذن صار في هذه الناحية أضيق من الأضحية؛ الأضحية تصح في كل مكان، لكن هدي التمتع أضيق، لا يصح إلا في الحرَم.
стр. 3705
فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئه، حتى لو دخل به إلى منى، وقد فعل ذلك بعض الناس في العام الماضي، عام اثني عشر وأربع مئة وألف، فذبحوا هداياهم في عرفة ودخلوا بها إلى منى، وهذا لا يجزئ؛ لأن مكان ذبح الهدي في الحرَم.
لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي ﷺ : «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» (١٨).
الشيخ: إذن، صار لا بد في هدي التمتع من شروط أربعة؟
طالب: شروط التمتع؟
الشيخ: نعم، شروط هدي التمتع؟
الطالب: الزمان والمكان ( ... ).
الشيخ: أنت بدأت من الأسفل! لو بدأت من فوق يمكن يسهل عليك.
الطالب: الزمان، والمكان، والسلامة من العيوب، والرابع ..
الشيخ: وبلوغ السن.
الطالب: وبلوغ السن.
الشيخ: فيه شرطٌ خامس؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو أهدى بفرس لم تجزئ، فصارت شروط هدي التمتع خمسة: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتَبَر شرعًا، وأن يكون سليمًا من العيوب، وأن يكون في زمن الذبح، وأن يكون في الحرم، خمسة شروط، هذا قول المؤلف: (وعلى الأُفُقِيّ دم).
طالب: إرشاد النبي ﷺ لعائشة حينما أمرها أن تدخل الحج على العمرة، قلت يا شيخ: إن الرسول ﷺ حينما أرشدها كان في حال ضرورة، ولكن هنا الرسول ﷺ أطلق، وقال: «يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (١٩)، وهذا الكلام يعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والإطلاق يعم.
الشيخ: لا، هو يعم حالة مخصوصة، لاحظ هذه المسألة ترى مفيدة في علم الأصول: إن العموم في حالة مخصوصة يكون عمومًا في هذه الحالة المخصوصة، فمثلًا لما رأى الرسول ﷺ رجلًا مُظَلَّلًا عليه وعليه زحام، قال: «مَا هَذَا؟ » قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (٢٠).
стр. 3706
فهل نقول هذا العموم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» عامٌّ لكل إنسان، في أي حال؟ لا، يختص بمن حاله مثل هذا، لكنه لا يختص بهذا الرجل، بل هو عامٌّ له ولمن كان في مثل حاله.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أجزأه نعم، نكتة طريفة: كنا نُقَرِّر في أيام التوعية أن الهدي لا بد أن يكون قد بلغ السن المعتبر شرعًا، فقام رجل من السودان فرفع يده، فقلنا: تفضل، قال: إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهرٌ واحد. ويش الدليل؟ قال: لأن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾، فإذا لم يتيسر لك إلا شيء صغير فإنه يمشي، يجزئ. فماذا نقول؟
طالب: السنة اللي قيَّدت.
الشيخ: نقول: إن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، (أل) للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي، والهدي الشرعي هو الذي بلغ السن.
( ... )
طالب: الهدي لماذا لا نجعله مُرَتَّبًا، من الثني، ثم ننتقل إلى الجذعة ( ... )؟
الشيخ: نعم، الثَّنِيَّة أفضل من الجذعة.
الطالب: يعني مرتَّب ( ... ).
الشيخ: الرسول قال: «إِلَّا أَنْ تَعْسُر» (٢١)، لو قال: إلا ألَّا تجدوا.
الطالب: إذن الأصل أنه يذبح الثنية، فإذا ما استطاع ..
الشيخ: إذا تَعَسَّر، ما هو بإذا ما استطاع، إذا تعسَّر ذبح جذعة.
طالب: بالنسبة للمحرِم إذا أراد أن يُدْخِل العمرة على حجه، الراجح في هذا ما ( ... )؟
الشيخ: ويش قلنا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هذا قلنا قول فيه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يكفي هذا يكفي، نعم.
طالب: يا شيخ، ألا يمكن الاستدلال بهذا القول، بأن الرسول ﷺ أمر أصحابه بأن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وكان منهم المفرِد، فإذا كانوا مفرِدين ( ... ) يدخلون العمرة على الحج.
стр. 3707
الشيخ: لا، أشرنا إلى هذا، قلنا: إن هذا ليس إدخال عمرة على حج، هذا فسخ حج إلى عمرة، يعني: لغى الحج، مَرَّ، إدخال العمرة على الحج أنه يبقى متلبِّسًا بالنسكين جميعًا.
طالب: هذا التمتع ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول: بناءً على أن أشهر الحج هي نهاية ذي الحجة هل ..
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه ورد تحديده، قال الرسول ﵊: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (٢٢)، وقال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (٢٣).
الطالب: وما الفائدة يا شيخ ( ... )؟
الشيخ: ذكرناها يا شيخ.
الطالب: لا، يعني ما الفائدة بالنسبة لهذه؟
الشيخ: ذكرناها، ما ذكرناها يا جماعة؟ قلنا: تأخير طواف الإفاضة، وتأخير الحلق أو التقصير.
طالب: وفي الأيْمان.
الشيخ: وكذلك في الأيْمان ذكرناها ( ... ).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف ﵀: وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ وأَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعْمةَ لك والمُلكَ لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجلُ وتُخفيها المرأةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هي صفة التمتع؟
طالب: أن يُحْرِم ( ... ).
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، وبعد ما يفرغ ويتحلل يُحْرِم بالحج. صورتها؟
طالب: صورة التمتع؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُحْرِم.
الشيخ: لأ، ما هو معناه، صورتها؟ رجل.
الطالب: إي نعم، رجل نوى التمتع.
الشيخ: رجل وصل إلى الميقات.
الطالب: نعم، رجل وصل إلى الميقات فأحرم بنية عمرة، ثم قام بأداء مناسك العمرة.
الشيخ: اترك بأداء مناسك؛ لأن به تفصيلًا، ثم طاف.
الطالب: والسعي والحلق والتقصير.
الشيخ: والحلق والتقصير؟ !
стр. 3708
الطالب: نعم، الحلق أو التقصير، ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: لا، لا.
الطالب: ثم يتحلل.
الشيخ: ثم يتحلل، الحِل َّ كله أو بعضه؟
الطالب: الحل كله.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: فإذا كان اليوم الثامن؟
الطالب: نعم، خرج إلى منى.
الشيخ: أحرم بالحج، أحسنت، هذه صورتها، من الذي يَلْزَمُه الدم من المتمتعين؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مَن؟ كل متمتع يلزمه دم؟ ما فيه شرط؟
طالب: يلزم الأفقي دم.
الشيخ: إي، يلزم الأفقي، يعني: الذي جاء عن طريق الأفق؟
الطالب: الذي جاء من خارج المواقيت.
الشيخ: من الأفقي؟
طالب: هو الذي يأتي من وراء المواقيت.
الشيخ: ليس من حاضري.
الطالب: المسجد الحرام.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا؟
طالب: على إيه يا شيخ؟
الشيخ: على أنه لا يلزم الهدي إلا مَن ليس من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: قوله تعالى.
الشيخ: قوله تعالى.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: الدليل قوله تعالى في سورة البقرة في سياق آيات الحج، كَمِّل وضحتُ لك كثيرًا.
طالب: قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: إذن الدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، مَن حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: مَن في الحِلّ.
الشيخ: يعني مَن خارج الحرم؟
الطالب: مَن خارج الحرم من أهل مكة.
الشيخ: كيف خارج الحرم وهم من أهل مكة؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يعني: هم أهل الحرم أو أهل مكة؟
الطالب: أهل مكة.
الشيخ: أهل مكة، الذين داخل الأميال لكنهم خارج مكة هل هم حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: إذا اتصلت البنيان.
стр. 3709
الشيخ: إذا خرجت البنيان عن حد الحرم فهل الساكنون هناك من حاضري المسجد الحرام؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذن، أعطنا عبارة نعرفها.
طالب: القول الصحيح يا شيخ.
الشيخ: القول الصحيح أنهم ..
الطالب: أنهم من أهل مكة أو مَن في الحرم.
الشيخ: أو مَن في الحرم ولو كانوا خارج مكة، هذا أقرب ما يُقَال فيها، والمسألة فيها خلاف ذكرناه لكم في الشرح.
***
قال المؤلف: (وعلى الأفقي دم).
وشرحنا الدم، وقلنا: الأولى بالمؤلف أن قال: الهدي، كما قال ربنا .
وقلنا: إن هذا الهدي لا بد فيه من أربعة أمور.
طلبة: خمسة.
الشيخ: ستة أمور.
الطلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة أمور؟ إي نعم؛ بلوغ السن، والسلامة من العيوب، والزمان، والمكان، ومن بهيمة الأنعام، خمسة.
قال ﵀: (وعلى الأفقي دم).
وظاهر كلام المؤلف أن غير المتمتع لا يلزمه دم؛ لأنه قال في سياق التمتع: (وعلى الأفقي دم)، فهل هذا مراد أو لا؟
ظاهر كلام المؤلف أن الدم على المتمتع وحده، وثمة مفرِد وأيش؟ وقارِن، أما المفرِد فلا دم عليه.
أما القارن فظاهر كلامه ﵀ أنه ليس عليه دم؛ لأن القارِن ليس بمتمتعٍ بهذا المعنى الذي قاله المؤلف، والمؤلف قال: (التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج).
ثم قال: (وعلى الأفقي دم)، وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو ما ذهب إليه داود الظاهري، داود الظاهري من الظاهرية، وقال: إن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فلا بد من تمتع فاصل بين أيش؟ بين العمرة والحج؛ لأن (إلى) للغاية، والغاية لا بد لها من ابتداءٍ وانتهاء، فلا بد أن يكون هناك تمتع بين العمرة والحج، أما القارِن فليس بين عمرته وحجه تمتع؛ لأنه سيظل محرِمًا إلى يوم العيد.
стр. 3710
وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن، ظاهر السياق: ﴿مَنْ تَمَتَّعَ﴾ ﴿إِلَى﴾، لو قال: من تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارِن يدخل في ذلك؛ لأن القارِن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفرًا مستقلًّا، لكن لما قال: ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ علمنا أن هناك انفصالًا بين أيش؟ بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابنُ مَشِيش الإمامَ أحمد ﵀ قال: أيجب على القارِن الهدي -أو قال: الدم- وجوبًا؟ قال: كيف يجب وجوبًا وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه ﵀ يشير إلى أن وجوب الدم على القارِن إنما هو بأيش؟ بالقياس، وإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟ لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجِبة، ولّا لا؟
العلة الموجِبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج هي أن الله يسَّر لهذا الناسك، يسَّر له أيش؟ تمتعًا تامًّا بين العمرة والحج، والقارِن ليس كذلك لا شك؛ لأنه سيبقى متمتعًا من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
ولهذا نقول: إن ظاهر القرآن مع الظاهري؛ أن الدم لا يجب إلا على المتمتع فقط لا على القارِن والمفرِد.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنُسُكه أن يُهْدِي؛ لأن من هدي الرسول ﵊ الإهداء التطوعي، فكيف بإهداءٍ اختلف العلماء في وجوبه؟ ! وكان أكثر العلماء على الوجوب، يكون هذا لا شك أولى وأبرأ للذمة وأحوط.
كم أهدى الرسول ﷺ ؟
طلبة: مئة.
الشيخ: بارك الله فيكم، لا إله إلا الله، سبع مئة.
الطلبة: مئة.
الشيخ: لا إله إلا الله، كم مئة بعير؟
الطلبة: سبع مئة.
الشيخ: سبع مئة شاة، وأنت الآن تشح على نفسك بشاة واحدة، اذبح الهدي ولو كنت قارِنًا، فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجبًا فقد تقرَّبت إلى الله تعالى به.
стр. 3711
يُشترط، المؤلف ﵀ ما ذكر غير هذا الشرط، يُشترط ألَّا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، فيمكن أن يُؤْخَذ من قول المؤلف: (ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج)، فإن ظاهره أنه لا سفر، وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي.
المهم أنه يُشترط ألَّا يسافر بين العمرة والحج، فإن أتى بالعمرة ثم عاد مثلًا إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج فقد سافر بينهما؛ لأن السفر من مكة إلى المدينة سفر بلا شك.
فهل يسقط الدم؟
ربما نقول: إن ظاهر كلام المؤلف أنه أيش؟ يسقط؛ لأن قوله: (يفرغ منها ثم يحرم)، ولم يقل: ولو سافر، وظاهر أنه يفرغ ثم يحرِم أن المسألة متوالية، أن هذا متوالٍ.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوالٍ تعتبر أصل الأقوال:
القول الأول: أن السفر لا يُسقط الهدي، طال أم قصُر، إلى بلد الحاج، أو إلى بلدٍ أخرى.
فعلى هذا لو أن الرجل أتى بالعمرة في أشهر الحج، وهو عازم على أن يحج هذا العام، ثم رجع إلى بلده، وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الهدي أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافر للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يُسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو سافر إلى بلدٍ أخرى.
وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافة قصْر.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
стр. 3712
ففي المثال الذي ذكرناه: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟
طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده .. إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الْهَدْيَ أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائلُ هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافرٌ للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفرَ مسافةَ قصرٍ يُسْقِطُ الهدي، سواء سافر إلى بلده، أو سافر إلى بلد أخرى، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافةَ قصرٍ.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
ففي المثال الذي ذكرنا: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وَحَلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟ لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرِمًا بالحج سقط عنه الهدي.
стр. 3713
وهذا القول هو الراجح؛ لأنه أنشأ سفرًا جديدًا، فإن السفر مفارقة الوطن، وهذا أنشأ للحج سفرًا جديدًا غير سفر العمرة، فيكون مُفْرِدًا لا مُتَمَتِّعًا، وهو مَرْوِيٌّ عن عمر وابنه ﵄ أنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد مُحْرِمًا بالحج فإنه مُفْرِد وليس بِمُتَمَتِّع، وإن عاد إلى بلد آخر فإنه مُتَمَتِّع؛ لأنه لم ينشئ سفرًا جديدًا؛ إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعًا للسفر، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.
ذكر في الشرح مسألة ينبغي أن نتكلم عليها، وهي: إذا أحرم الإنسان بالحج ووصل إلى مكة فإنه يُسَنُّ أن يجعل الحج أيش؟ عمرة ليصير متمتعًا، انتبهوا لهذا القيد، فلو جعل الحج عمرة ليتحلل بالعمرة منه فإن ذلك لا يصح، ماذا قلنا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إن الرجل إذا أحرم بالحج وقلنا: افسخ الحج إلى عمرة لتصير متمتعًا، فأراد أن يفسخ الحج إلى عمرة ليحل بها منه، لا لأجل أن يتمتع، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا حيلة على إسقاط وجوب الحج عنه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين مَن فسخ الحج ليصير متمتعًا، ومَن فسخ الحج بالعمرة ليتحلل منه؟
قلنا: الفرق بينهما ظاهر؛ مَن فسخ الحج إلى عمرة ليتحلل بها منه فهو أيش؟ متحيِّل على سقوط وجوب الْمُضِيِّ في الحج، ومَن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارِن والْمُفْرِد، وهذا هو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه؛ أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة (١)، لماذا؟ ليصيروا متمتعين، لا ليتحللوا بالعمرة من الحج.
على كل حال نضرب مثلًا في ذلك: رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم بالحج، وكأنه تطاول المدةَ، باقٍ على الحج عشرة أيام أو عشرون يومًا، فقال: إذن أُحوله إلى عمرة من أجل أطوف وأسعى وأُقَصِّر وأرجع إلى بلدي، ما تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: هذا لا يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
стр. 3714
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه لما شَرَعَ بالحج وجب عليه إتمامه، فإذا حَوَّلَه إلى عمرة ليتخلص منه صار متحيِّلًا على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز، واضح ولَّا لا؟
طالب: واضح.
الشيخ: رجل آخر ذهب ليحج، أحرم بالحج في أشهر الحج، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، سيبقى إلى الحج ويحج، هذا ماذا نقول؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا جائز، بل سنة، لماذا؟ لأنه انتقل من مفضولٍ إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، بل انتقل من المفضول إلى الأفضل، عرفتم؟
ونظير هذا أن رجلًا جاء إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، يعني في مكة، لماذا؟ لأن مكة أفضل من بيت المقدس، فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، وكأن الرجل لم يقتنع، أعاد عليه، قال: «فَشَأْنُكَ إِذَنْ» (٢)، خَلَّاهُ لنفسه، عرفتم؟ هنا انتقل من معين إلى معينٍ أفضل منه.
نظير هذا أيضًا -وإن كنا طولنا عليكم-: رجل شَرَعَ في صلاة الظهر منفردًا، فحضرت جماعة، فحوَّلها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، ما تقولون؟ جائز ولَّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، يعني لما كان في الركعة الثانية حضرت الجماعة فحوَّلها إلى نفل ليصلي مع الجماعة، نقول: هذا جائز، وليس فيه شيء.
دخل في صلاة الظهر، ولما صلى في الركعة الثانية تذكر شيئًا لا يفوت، فقال: أحوِّلها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، أيجوز أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا أيش؟ تحيّل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه.
فالمهم أن هذه قواعد مهمة لطالب العلم: الذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلُّصًا من الأول لوجوبه عليه، هذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيُّل عليها، كما أن المحرَّمات لا تحل أيش؟ بالتحيل عليها.
стр. 3715
وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب، فإن ذلك جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحوَّل إلى أفضل.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَإِنْ حَاضَتِ المَرأةُ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً).
(إن حاضت المرأة)، المرأة هنا عامٌّ أريد به الخاص، فالمراد بالمرأة هنا المرأة المتمتِّعة، يعني أحرمت بأيش؟ بعمرة، أحرمت بعمرة لتحل منها ثم تحج من عامها، لكنها حاضت، وكانت وصلت إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة، فحاضت، وعادتها ستة أيام، وهي الآن في اليوم الخامس، متى تطهر؟
طالب: يوم أحد عشر.
الشيخ: يوم أحد عشر، يعني بعد فوات الوقوف، إذن لا يمكنها أن تطوف وتسعى وتنتهي عمرتها، لا يمكنها ذلك، صح ولَّا لا؟ صح، نقول لهذه: يجب وجوبًا أن تُحْرِم بالحج لتكون قارِنةً.
وإنما قلنا: يجب؛ لأن النبي ﵌ أمر بذلك عائشة حين حاضت بسَرِف قبل أن تدخل مكة (٣)، والأصل في الأمر الوجوب، ولأن الحج يجب على الفور، فلو لم تُحْرِم به لفاتها الحج هذا العام؛ إذ لا يمكن أن تطوف وتسعى قبل الوقوف، ولأنها شرعت في العمرة من أجل الحج في الواقع، هي لم تَقْدَم إلا للحج؛ لأن العمرة تصح في كل وقت، ولا يمكن أداء الحج إلا بالتحلُّل من العمرة، والتحلل من العمرة مستحيل في هذا الحال؛ لأنها حائض، والحائض لا تطوف، فلم يَبْقَ عليها إلا أن تُحْرِم بالحج فتكون قارِنة.
ومثل ذلك مَن حصل له عارض بعد أن أحرم بالعمرة، حصل له عارض لا يمكنه معه أن يصل إلى مكة إلا بعد فوات الوقوف؟ فنقول لهذا: أَحْرِم، وهو محرِم بالعمرة متمتِّعًا بها إلى الحج، نقول لهذا أيش؟ أَحْرِم بالحج.
صورة المسألة: سافَر من المدينة إلى مكة وأحرم بالعمرة، يقصد أيش؟ يقصد التمتع بالعمرة إلى الحج.
следующие страницы →