Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
يُشترط، المؤلف ﵀ ما ذكر غير هذا الشرط، يُشترط ألَّا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، فيمكن أن يُؤْخَذ من قول المؤلف: (ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج)، فإن ظاهره أنه لا سفر، وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي.
المهم أنه يُشترط ألَّا يسافر بين العمرة والحج، فإن أتى بالعمرة ثم عاد مثلًا إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج فقد سافر بينهما؛ لأن السفر من مكة إلى المدينة سفر بلا شك.
فهل يسقط الدم؟
ربما نقول: إن ظاهر كلام المؤلف أنه أيش؟ يسقط؛ لأن قوله: (يفرغ منها ثم يحرم)، ولم يقل: ولو سافر، وظاهر أنه يفرغ ثم يحرِم أن المسألة متوالية، أن هذا متوالٍ.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوالٍ تعتبر أصل الأقوال:
القول الأول: أن السفر لا يُسقط الهدي، طال أم قصُر، إلى بلد الحاج، أو إلى بلدٍ أخرى.
فعلى هذا لو أن الرجل أتى بالعمرة في أشهر الحج، وهو عازم على أن يحج هذا العام، ثم رجع إلى بلده، وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الهدي أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافر للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يُسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو سافر إلى بلدٍ أخرى.
وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافة قصْر.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
стр. 3712
ففي المثال الذي ذكرناه: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟
طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده .. إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الْهَدْيَ أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائلُ هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافرٌ للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفرَ مسافةَ قصرٍ يُسْقِطُ الهدي، سواء سافر إلى بلده، أو سافر إلى بلد أخرى، وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافةَ قصرٍ.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
ففي المثال الذي ذكرنا: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وَحَلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟ لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده، ثم عاد منها محرِمًا بالحج سقط عنه الهدي.
стр. 3713
وهذا القول هو الراجح؛ لأنه أنشأ سفرًا جديدًا، فإن السفر مفارقة الوطن، وهذا أنشأ للحج سفرًا جديدًا غير سفر العمرة، فيكون مُفْرِدًا لا مُتَمَتِّعًا، وهو مَرْوِيٌّ عن عمر وابنه ﵄ أنه إذا رجع إلى بلده، ثم عاد مُحْرِمًا بالحج فإنه مُفْرِد وليس بِمُتَمَتِّع، وإن عاد إلى بلد آخر فإنه مُتَمَتِّع؛ لأنه لم ينشئ سفرًا جديدًا؛ إذ إن سفره إلى البلد الآخر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعًا للسفر، وهذا القول هو القول الراجح في هذه المسألة.
ذكر في الشرح مسألة ينبغي أن نتكلم عليها، وهي: إذا أحرم الإنسان بالحج ووصل إلى مكة فإنه يُسَنُّ أن يجعل الحج أيش؟ عمرة ليصير متمتعًا، انتبهوا لهذا القيد، فلو جعل الحج عمرة ليتحلل بالعمرة منه فإن ذلك لا يصح، ماذا قلنا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إن الرجل إذا أحرم بالحج وقلنا: افسخ الحج إلى عمرة لتصير متمتعًا، فأراد أن يفسخ الحج إلى عمرة ليحل بها منه، لا لأجل أن يتمتع، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا حيلة على إسقاط وجوب الحج عنه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين مَن فسخ الحج ليصير متمتعًا، ومَن فسخ الحج بالعمرة ليتحلل منه؟
قلنا: الفرق بينهما ظاهر؛ مَن فسخ الحج إلى عمرة ليتحلل بها منه فهو أيش؟ متحيِّل على سقوط وجوب الْمُضِيِّ في الحج، ومَن فسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فإنه منتقل من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن المتمتع أفضل من القارِن والْمُفْرِد، وهذا هو الذي أمر به النبي ﷺ أصحابه؛ أن يفسخوا الحج ويجعلوه عمرة (١)، لماذا؟ ليصيروا متمتعين، لا ليتحللوا بالعمرة من الحج.
على كل حال نضرب مثلًا في ذلك: رجل سافر إلى مكة في أشهر الحج وأحرم بالحج، وكأنه تطاول المدةَ، باقٍ على الحج عشرة أيام أو عشرون يومًا، فقال: إذن أُحوله إلى عمرة من أجل أطوف وأسعى وأُقَصِّر وأرجع إلى بلدي، ما تقولون في هذا؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: هذا لا يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
стр. 3714
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لأنه لما شَرَعَ بالحج وجب عليه إتمامه، فإذا حَوَّلَه إلى عمرة ليتخلص منه صار متحيِّلًا على إسقاط واجب عليه، وهذا لا يجوز، واضح ولَّا لا؟
طالب: واضح.
الشيخ: رجل آخر ذهب ليحج، أحرم بالحج في أشهر الحج، ثم قيل له: إن التمتع أفضل، فحوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، سيبقى إلى الحج ويحج، هذا ماذا نقول؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا جائز، بل سنة، لماذا؟ لأنه انتقل من مفضولٍ إلى أفضل، ولم يتحيل على إسقاط واجب، بل انتقل من المفضول إلى الأفضل، عرفتم؟
ونظير هذا أن رجلًا جاء إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، يعني في مكة، لماذا؟ لأن مكة أفضل من بيت المقدس، فأعاد عليه، قال: «صَلِّ هَاهُنَا»، وكأن الرجل لم يقتنع، أعاد عليه، قال: «فَشَأْنُكَ إِذَنْ» (٢)، خَلَّاهُ لنفسه، عرفتم؟ هنا انتقل من معين إلى معينٍ أفضل منه.
نظير هذا أيضًا -وإن كنا طولنا عليكم-: رجل شَرَعَ في صلاة الظهر منفردًا، فحضرت جماعة، فحوَّلها إلى نفل ليدخل مع الجماعة، ما تقولون؟ جائز ولَّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، يعني لما كان في الركعة الثانية حضرت الجماعة فحوَّلها إلى نفل ليصلي مع الجماعة، نقول: هذا جائز، وليس فيه شيء.
دخل في صلاة الظهر، ولما صلى في الركعة الثانية تذكر شيئًا لا يفوت، فقال: أحوِّلها إلى نفل من أجل أن أتخلص به منها، أيجوز أو لا يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا أيش؟ تحيّل على إسقاط واجب؛ لأنه إذا شرع في الفرض وجب عليه إتمامه.
فالمهم أن هذه قواعد مهمة لطالب العلم: الذي ينتقل عن شيء إلى آخر تخلُّصًا من الأول لوجوبه عليه، هذا لا يصح؛ لأن الواجبات لا تسقط بالتحيُّل عليها، كما أن المحرَّمات لا تحل أيش؟ بالتحيل عليها.
стр. 3715
وأما من انتقل من واجب لتكميل هذا الواجب، فإن ذلك جائز، ولا بأس به؛ لأنه تحوَّل إلى أفضل.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَإِنْ حَاضَتِ المَرأةُ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ، وَصَارَت قَارِنَةً).
(إن حاضت المرأة)، المرأة هنا عامٌّ أريد به الخاص، فالمراد بالمرأة هنا المرأة المتمتِّعة، يعني أحرمت بأيش؟ بعمرة، أحرمت بعمرة لتحل منها ثم تحج من عامها، لكنها حاضت، وكانت وصلت إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة، فحاضت، وعادتها ستة أيام، وهي الآن في اليوم الخامس، متى تطهر؟
طالب: يوم أحد عشر.
الشيخ: يوم أحد عشر، يعني بعد فوات الوقوف، إذن لا يمكنها أن تطوف وتسعى وتنتهي عمرتها، لا يمكنها ذلك، صح ولَّا لا؟ صح، نقول لهذه: يجب وجوبًا أن تُحْرِم بالحج لتكون قارِنةً.
وإنما قلنا: يجب؛ لأن النبي ﵌ أمر بذلك عائشة حين حاضت بسَرِف قبل أن تدخل مكة (٣)، والأصل في الأمر الوجوب، ولأن الحج يجب على الفور، فلو لم تُحْرِم به لفاتها الحج هذا العام؛ إذ لا يمكن أن تطوف وتسعى قبل الوقوف، ولأنها شرعت في العمرة من أجل الحج في الواقع، هي لم تَقْدَم إلا للحج؛ لأن العمرة تصح في كل وقت، ولا يمكن أداء الحج إلا بالتحلُّل من العمرة، والتحلل من العمرة مستحيل في هذا الحال؛ لأنها حائض، والحائض لا تطوف، فلم يَبْقَ عليها إلا أن تُحْرِم بالحج فتكون قارِنة.
ومثل ذلك مَن حصل له عارض بعد أن أحرم بالعمرة، حصل له عارض لا يمكنه معه أن يصل إلى مكة إلا بعد فوات الوقوف؟ فنقول لهذا: أَحْرِم، وهو محرِم بالعمرة متمتِّعًا بها إلى الحج، نقول لهذا أيش؟ أَحْرِم بالحج.
صورة المسألة: سافَر من المدينة إلى مكة وأحرم بالعمرة، يقصد أيش؟ يقصد التمتع بالعمرة إلى الحج.
стр. 3716
في أثناء الطريق خربت السيارة، وعرف أنها لا يمكن أن تصلح إلا في زمنٍ لا يمكنه به إدراك العمرة قبل فوات الوقوف، ماذا نقول له؟ نقول: أَحْرِم بالحج لتكون قارنًا؛ لأنك لو بقيت على إحرامك بالعمرة ولم تَصِلْ إلَّا يوم التاسع فإن عليك خطرًا أن يفوتك الحج، فالآن أَحْرِم بأيش؟ بالحج؛ لئلا يفوتك الحج.
الصورة واضحة ولَّا غير واضحة؟ واضحة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بقينا، هل معنى قولنا: يُحْرِم بالحج أنه يفسخ العمرة ثم يُحْرِم بالحج، أو يُدْخِل الحج على العمرة؟ الأول ولَّا الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، فمعنى قولنا: أَحْرِم بالحج، يعني: أَدْخِل الحج على العمرة، وليس فسخًا للعمرة؛ لأنه لو كان فسخًا للعمرة لكان الحج أيش؟ إفرادًا، وقد قال النبي ﵌ لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٤)، واضح؟
إذن قول المؤلف: أحرمت به، أي: أدخلته على العمرة، وليس المعنى أن تفسخ العمرة ثم تُحْرِم بالحج؛ لأن هذا لا يستقيم.
طالب: ( ... ) قبل الطواف؟
الشيخ: إي، قبل الطواف؛ لأنها إذا حاضت بعد الطواف ما فيه إشكال؛ السعي يجوز أن تسعى وهي حائض.
طالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: ما هو بواضح؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: طيب، الآن نوضح، هذه امرأة أحرمت بالعمرة تريد التمتع، فحاضت قبل أن تطوف بالبيت، وتعلم أنها لن تطهر إلا بعد فوات الوقوف، ماذا نقول لها؟ نقول: أَحْرِمِي بالحج، أدخلي الحج على العمرة من أجل أن تكوني قارنة، تمام.
مثال آخر: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، ثم طافت، وبعد الطواف حاضت، هل نقول: تُحْرِم بالحج؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يمكن أن تُحْرِم بالحج الآن، إذا شرعت في طواف العمرة ما يمكن أن تُحْرِم بالحج، لكن تسعى وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تسعى وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طلبة: لأنه لا يُشْتَرَط له الطهارة.
стр. 3717
الشيخ: نعم، تسعى وهي حائض؛ لأن السعي لا يُشْتَرَط له الطهارة، فيجوز سعي الجُنُب، وسعي المحدِث حَدَثًا أصغر، لكنه على طهارةٍ أفضل لا شك، كل العبادات على الطهارة أفضل، لكن يصح السعي، فنقول لهذه: أكملي العمرة، أكملت العمرة، جاء وقت الحج وهي حائض، هل تُحْرِم وهي حائض؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تُحْرِم وهي حائض، الدليل؟
طلبة: حديث عائشة. (٣)
الشيخ: لا، عائشة؟
طلبة: أسماء.
الشيخ: أسماء بنت عميس، نَفِسَت فأرسلت إلى النبي ﷺ : كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» (٥)، واضح؟
إذن معنى قول المؤلف: (حَاضَتْ فَخَشِيتْ فَوَاتَ الحَجِّ)، لا يمكن أن تخشى فوات الحج إلا إذا كان حيضها قبل الطواف، أما إذا كان بعد الطواف فإنه لا يضرها شيء.
الشيخ: ما تقولون فيما لو حاضت أثناء الطواف؟ وهذا يقعُ كثيرًا من النساء، سبحان الله، الحيض يأتي لأسباب، قد يتقدم لأسباب، مع ( ... ) والزحام حاضت في أثناء الطواف، فهل تُتِمُّ الطواف وتكمل العمرة، أو تخرج من الطواف وتُحْرِم بالحج؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه لا يمكن تكميل الطواف، تكميل الطواف متعذِّر؛ حيث حاضت في أثنائه، أحدثت حدثًا أصغر في أثناء الطواف؟
طالب: على القول بعدم ( ... ).
الشيخ: تكمل، سبحان الله.
الطالب: على القول ( ... ).
الشيخ: فيها قولان؛ من اشترط الطهارة للطواف قال: إن طوافها بطل، ويجب عليها أن تتوضأ وتستأنف الطواف.
ومن قال: إن الطهارة في الطواف ليست بشرط؛ لعدم وجود دليل صحيح صريح لاشتراطها، قال: تكمل الطواف، وليس عليها شيء، وهذا القول هو الصحيح؛ أنه لا يُشْتَرَط له الطهارة؛ الطهارة من الحدث الأصغر.
ثم قال المؤلف ﵀: (وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ).
стр. 3718
(إذا استوى على راحلته)، استوى عليها يعني: علَا واستقر، ركب ركوبًا تامًّا، قال: (لبيك اللهم لبيك) يعني: يُلَبِّي إذا استوى على راحلته، مع أنه في الأول قال: (إِحْرامٌ عَقِبَ رَكْعتَينِ)، فهل في كلامه تناقض؟
نقول: لا، كلام المؤلف ليس فيه تناقض، فهو ينوي الدخول في النسك بعد أن يصلي، لكن لا يلبي إلا إذا استوى على راحلته.
إذن تناقض فيه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: أيش الجمع؟ أنه بعد الصلاة ينوي الإحرام؛ ينوي الدخول في النسك، أما التلبية فإذا ركب، إذا استوى على راحلته قال: لبيك، عندنا رواحل اليوم؟
طالب: السيارة.
الشيخ: السيارات هي رواحل؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، رواحل، إذن إذا ركب السيارة يحتاج أن يقول؛ شَغَّل السواق ولَّا وإن لم يُشَغِّل؟
طلبة: وإن لم يُشَغِّل.
الشيخ: وإن لم يُشَغِّل، الدليل على هذا أن ابن عمر ﵄ ذكر أن النبي ﷺ حين استوى على راحلته قال: لبيك (٦). وهذا أحد أقوالٍ ثلاثة في المسألة.
والقول الثاني، وهو المذهب: يُلَبِّي عقب الصلاة، يعني: إذا نوى الدخول في النُّسُك قال: لبيك.
والقول الثالث في المسألة: إذا علا على البيداء، البيداء: جبل صغير هناك في ذي الْحُلَيْفَة، قال: لبيك، يعني: يُلَبِّي إذا استوى، إذا علا على أول علوٍّ يكون بعد الاستواء على الراحلة والسير.
فالأقوال إذن ثلاثة، وهذا أيضًا وردت به السُّنَّة؛ الأخير، قال جابر ﵁: ثم ركب رسول الله ﷺ ، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك (٧)، قال: حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك.
стр. 3719
فحديث ابن عمر في الصحيحين (٦)، وحديث جابر في مسلم (٨)، وكلاهما صحيح، فهل بينهما تعارض؟ لا، ليس بينهما تعارض؛ لأنه يُحْمَل على أن جابرًا لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي ﷺ به على البيداء، ولن ينقل ما لم يسمع، وابن عمر سمعه يلبي، متى؟ حين استوى على راحلته، فنقل كلٌّ منهما ما سمع.
بقينا فيما رواه النسائي؛ أن النبي ﷺ أَهَلَّ دُبُرَ صلاته (٩)، وهذا يدل على أنه أَهَلَّ بعد الصلاة؟
فيقال: دُبُرُ الصلاة ما كان بعدها، ولما استوى على راحلته فهو دُبُرُ الصلاة، وحتى إذا عَلَت به راحلته على البيداء فهو دُبُرُ الصلاة، فلا تناقض.
لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس ﵄ بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة -ابن عباس- وقال: إن الناس نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي ﵌ لَبَّى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أَهَلَّ دُبُرَ الصلاة، ولَبَّى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لَبَّى حين ركب، وسمعه أناس حين استوت به راحلته على البيداء يلبي، فقالوا: لَبَّى حين استوت به راحلته على البيداء (١٠)، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهرًا؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جرَّبْنَا أن الأَوْلَى أن لا يلبي إلَّا إذا ركب، ليش؟ لأنه أحيانًا يتفطن الإنسان لشيء، يكون ناسيًّا شيئًا كطِيب أو شبهه، ويتفطن له إذا أراد أن يركب، فإذا قلنا: أَحْرِم بعد الصلاة، لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّي الإحرام إلا بعد الركوب، حصل في ذلك فسحة.
وجربنا هذا وقلنا: ليتنا أخذنا بحديث ابن عمر، أن لا نلبي إلا إذا ركبنا؛ لأننا نسينا ما لا يمكن أن نستعمله ..
( ... )
طالب: يا شيخ، الرسول ﵊ قَرَنَ؟
الشيخ: قَرَنَ إي نعم.
الطالب: وأهدى؟
الشيخ: وأهدى.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
стр. 3720
الطالب: فكيف الآن نخالف قول الرسول ﵊ ( ... ).
الشيخ: من المعلوم أنه لا يمكن أن نُلْزِم الناس باتباع الرسول ﵊ في هذه المسألة، وإلا لألزمناهم أن يُهْدُوا مئة بدنة؛ لأن الرسول أهدى مئة بدنة (١١)، وهَدْي الرسول ﵊ لا شك أنه تطوُّع، يعني ما زاد على الواحدة، فأين التفريط أن الرسول ﵊ أراد لواحدة من سبع مئة الواجب والباقي تطوُّع.
ثم القاعدة الأصولية عند العلماء أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، وعلى كل حال نحن ذكرنا أن الأحوط أيش؟ الأخذ بقول الجمهور، سواءٌ قلنا: إنه ثبت بالنص، وأن القِرَان داخل في التمتع المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أو قلنا: إنه ثابت بالقياس، كما قاله الإمام أحمد ﵀.
طالب: أمره أن يشترك كل سبعة في بدنة (١٢)، يُخَصِّص هذا؟
الشيخ: ما يُخَصِّص.
الطالب: أم نقول لهم: بل كل واحد مثلًا ( ... ) يقدم بدنة.
الشيخ: إي، لكن بارك الله فيك، ما فيه دليل على أن الرسول أراد الوجوب بأي واحدة من السبع مئة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، إحنا ما نهينا عن الهدي، اللي يهدي جزاه الله خيرًا؛ أخذًا بالأحوط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لا ما يدخل في هذا؛ لأن هذا صفة أو فعل مستقل، الظاهر أنه ما يدخل في هذا.
طالب: المفرِد يُشْرَع له هدي.
الشيخ: إي نعم، المفرِد يُشْرَع له الهدي، والمعتمِر عمرة واحدة يُشْرَع له الهدي، والذي في بلده إذا أرسل الهدي إلى مكة يُشْرَع له ذلك.
طالب: يُمْنع الطيب للمُحْرِم بمجرد الإحرام؟
الشيخ: إي نعم، بمجرد الإحرام.
طالب: بارك الله فيكم، هل هذا القول وهو الصحيح إن شاء الله.
الشيخ: القول بأيش؟
الطالب: القول هذا بأن القارِن ليس عليه الهدي وجوبًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لا يستطيع الإهداء هل يلزم بالصيام؟
стр. 3721
الشيخ: إي نعم، على القول بالوجوب يُلزم بالصيام.
الطالب: القول الذي اتبعناه.
الشيخ: على قول الذي لا يقول بالوجوب يستحب له الصيام.
طالب: إذا ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا كان قارِنًا، يعني: الصورة التي قلنا أنه ينتقل من مرحلة إلى أعلى منها، يكون في هذه الحالة ..
الشيخ: ما هي الصورة جزاك الله خيرًا؟ لأني فهمت من كلامك أنك ما فهمتها.
الطالب: نسيتها راحت عن بالي الآن.
الشيخ: هل نبني على شيءٍ منسي؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: أنه أحرم بالحج مُفْرِدًا، ثم أُعلِم أن التمتع أفضل، فقال: أريد أن أتمتع.
الشيخ: أجْعَلها عمرة؟
الطالب: أجْعَلها عمرة ( ... ).
الشيخ: لا يا أخي، هو أصلًا حاجٌّ هذا.
الطالب: حاجٌّ مُفْرِد.
الشيخ: مُفْرِد، فقال: أريد أن أجعلها عمرة ..
طالب: على القول بعدم اشتراط الطهارة ما الذي ( ... ).
الشيخ: لا، الحائض لا يمكنها أن تمكث في المسجد، الْجُنُب لو توضأ لجاز أن يمكث في المسجد على رأي الجمهور.
الطالب: ويطوف؟
الشيخ: يطوف، إذا جاز أن يمكث في المسجد فالطواف مُكْثٌ.
الطالب: الحائض يا شيخ؟
الشيخ: الحائض ثبت عن الرسول أنها ما يمكن.
الطالب: بالنص؟
الشيخ: بالنص، إي نعم، مع أن الجنب لو قيل بعدم الجواز مطلقًا لكان له وجه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على هذا الرأي لا فرق، لكن وجوبه على القارِن ليس ببعيد، المفرِد ما يجب عليه، ما فيه إشكال.
الطالب: يُسْتَحَبُّ يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، على المفرِد يستحب أن يسوق الهدي.
الطالب: أصبحوا سواء؟
الشيخ: ما هم سواء؛ لأن المفرِد يسوقه على وجه التطوع بلا خلاف، قصدي المفرِد يهدي على وجه التطوع بلا خلاف، والقارِن على وجه الاحتياط، فرق بين هذا وهذا، إلا على رأي الجمهور أنه يهدي وجوبًا.
الطالب: يا شيخ، ما يدل على أنه الواجب الأرجح أو غير الواجب؟
الشيخ: ما يدل على هذا، أنت ما تعرف أن هناك درجة بين الواجب وغير الواجب؟ !
الطالب: بلى.
стр. 3722
الشيخ: هذه الدرجة الاحتياط؛ لأن إذا قلنا: الاحتياط، معناه أنه لو تركه فهو على خطر من الإثم، لكن المستحب ما هو على خطر من الإثم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: صحيح، القِرَان يسمى تمتعًا؛ لأنه تمتع بسقوط أحد السَّفَرَيْن.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لكن الآية ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى﴾ [البقرة: ١٩٦]، إيش تدل عليه؟ على انفصال العمرة عن الحج ولَّا لا؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كذا ولَّا لا؟ طيب، إذا انفصل الحج عن العمرة حصل بينهما متعة كاملة، وتَحَلُّلٌ مِن مُحَرَّم، لكن مَن تمتع بالعمرة إلى الحج، بمعنى: مع الحج؛ لأن القِرَان ما هو تمتع بالعمرة إلى الحج، تمتعٌ بالعمرة مع الحج، فهو ما يحصل على هذا التمتع الذي يتنعم به ويَتَتَرَّف به.
طالب: لغةً؟
الشيخ: لا، لغةً ممنوع عند كثير من العلماء، لكن دعنا من اللغة، خَلِّي التمتع لغةً يصدُق بجمع الحج والعمرة في سفر واحد، لكن إذا قال الله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ واضح الانفصال.
طالب: ( ... )، وساق الصحابة الهدي ( ... )، ومنهم مَن لم يَسُقْ، مَن لم يَسُقْ أمرهم بالصيام.
الشيخ: أمرهم بالتمتع.
الطالب: ما يُحْمَل على القارِن الذي لم يَسُق الهدي؟
الشيخ: بلى، يُحْمَل على القارِن الذي لم يَسُق الهدي أنه يجعلها عمرة.
الطالب: لكن أمرهم بالصيام.
الشيخ: كيف أمرهم بالصيام؟ ! في القرآن: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالأصل وجوب الهدي.
الطالب: ( ... )؛ لأن الرسول أمر مَن قَرَنَ بالصيام؟
الشيخ: أَمَرَ مَنْ لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمرة (١٣)، لكن هل أمر مَن قَرَنَ ولم يَسُقِ الهدي أن يذبح هديًا، فإن لم يجد فليَصُم؟ إذا جاء هذا فهو فيصل.
طالب: أحرم من ذي الْحُلَيْفَة ثم أراد الذهاب إلى مكة جوًّا، فهل له تأخير التلبية إلى أن يصعد الطائرة.
الشيخ: كيف؟
стр. 3723
الطالب: أحرم من ذي الحليفة وأرد أن يذهب إلى جدة.
الشيخ: لا، ما يمكن، أصله يجب أن ينوي من ذي الحليفة.
الطالب: لكن التلبية في الطائرة يؤخرها.
الشيخ: إي، يعني هو ما بيركب السيارة ولَّا بيروح على رجليه؟
الطالب: بالسيارة.
الشيخ: طيب، إذا ركب السيارة.
الطالب: الدابة هي الطائرة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الدابة اللي ستوصله إلى مكة أو الراحلة هي الطائرة.
الشيخ: إي، لكن هذه دابة بدل دابة، هل مثلًا إذا صار بيروح مثلًا على جمل من ذي الحليفة إلى جدة أو إلى رابغ، وبعدها بيروح على بغل، هل نقول: أَخِّر التلبية إلى أن تركب البغل؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن أول ما تركب من الميقات هو الذي تُحْرِم منه.
طالب: بارك الله فيكم، عرضتم الخلاف في نية الدخول في التلبية أن تكون بعد الصلاة، أو إذا استوى على راحلته، أو إذا استوت به الراحلة على البيداء، كما جاء في الأحاديث، ثم قلتم في الأخير أنه يجب النية في الدخول في النسك بعد الصلاة، ولا يُلَبِّي إلا في السيارة؛ لأنه ربما يكون هذا أحسن له؛ لأنه ينسى شيئًا معينًا كالطِّيب.
الشيخ: لا، وبارك الله فيك، هذا الذي فهمته، لكن إذا قلنا: لا تلبي إلا إذا ركبت، معناه: لا تَنْوِ إلَّا إذا ركبت؛ لأن التلبية هي مِن أول ما يُحْرِم يُلَبِّي، ما فيها التأخير.
طالب: يا شيخ، قول المؤلف: (إذا حاضت المرأة فخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ أحْرَمَتْ بِهِ)، وإن لم تَخْشَ لم تُحْرِم؟
الشيخ: تبقى على إحرامها بالعمرة.
الطالب: وإن طال معها الحيض حتى وقت الحج؟
الشيخ: وصلت إلى مكة مثلًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على أنها ستَطْهُر في اليوم السادس، لكن استمر معها الحيض فجاء اليوم السابع، وجاء اليوم الثامن، وهي ما بعدُ طهرت، نقول: أَدْخِلِي الحج.
стр. 3724
طالب: عائشة حينما قال لها رسول الله ﷺ : «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٤)، فتكون اعتمرت مع أنها قالت: كيف الناس يرجعون بحج وعمرة وأرجع أنا بحج؟ (١٤)
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال أن الرسول قال لها: يكفيك عن حجك وعمرتك، وهي في الأخير تقول: كيف يرجعون بحج وعمرة وأنا أرجع بحج؟
الشيخ: فهمتم الإشكال؟ يقول: كيف يقول الرسول لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، ثم تقول هي: إن الناس يرجعون بحج وعمرة وأرجع بحج؟ نعم، هذا ظاهره التناقض.
فنقول: إنها أرادت أفعال العمرة، يعني: يرجع الناس بعمرة منفرِدة مستقلة وحج منفرِد مستقل، وأنا أرجع بحج؛ لأن القارن عمل الحج في حقه كعمل المفرِد سواءً لا يختلف، فهذا الذي أرادت.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقولون: إذا صار الوادي جيدًا يدفع كل شيء حتى الحجر الذي أمامه ( ... ).
طالب: ( ... ) إلى أن ساق الهدي.
الشيخ: إي نعم؛ ويش سؤالك؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على وجوب الهدي.
الشيخ: لا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ( ... ) أيش؟ مِنْ أَمْرِ مَنْ لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمرة، قال: إلَّا مَنْ ساق الهدي فإنه لا يمكن أن يجعلها عمرة (١٣)؛ لأنه لو جعلها عمرة حَلَّ قبل أن يبلغ الهدي محلَّه، إي نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة للحائض إذا كان عليها طواف الوداع وهي حائض ( ... ).
الشيخ: ماذا أيش؟
الطالب: الحائض إذا كان عليها طواف وداع وطواف إفاضة.
الشيخ: عبارتك هذه غير سليمة، صَحِّح العبارة.
الطالب: إذا كانت المرأة حائضًا.
الشيخ: نعم، كَمِّل.
الطالب: وأراد أصحابها الرحيل من مكة وهي عليها طواف إفاضة.
الشيخ: وطواف وداع.
الطالب: نعم.
الشيخ: العبارة غير صحيحة؛ ويش تقولون؟
طالب: صحيحة.
стр. 3725
الشيخ: لا، غير صحيحة؛ لأن قوله: وعليها طواف وداع غير صحيح، الحائض ما عليها طواف وداع، لكن قل: إذا خافت فوات الرُّفْقَة ولم تَطُف طواف الإفاضة، عرفت؟
هذه المسألة وقعت في عهد الرسول ﵊ حين قيل له: إن صفية بنت حُيَيٍّ كانت حائضًا، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ! »، قال ذلك تعجبًا أو إنكارًا، المهم أنه قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ! »، قالوا: إنها قد أفاضت، يعني: طافت طواف الإفاضة، قال: «انْفِرُوا» (١٥)، يعني: ما هي حابستنا الآن؛ لأن طواف الوداع على الحائض ليس بواجب، لكن الرسول ﵊ سيبقى حتى تطهر المرأة.
إنما إذا كانت المرأة مع رُفْقَة لن يبالوا بها ولن ينتظروها، فماذا تصنع؟ يقول بعض العلماء: تذهب معهم إذا لم يمكن أن يتخلف معها مَحْرَمُها، وتبقى على إحرامها أبد الآبدين، حتى تقدر على البيت وتأتي وتطوف طواف الإفاضة، فإن كانت ذات زوج لم يَقْرَبْهَا زوجها، وإن كانت غير مُزَوَّجَة لم تتزوج، إلى متى؟
طالب: إلى أن تصل البيت.
الشيخ: إلى أن تقدر على البيت وتجيء، وهي امرأة مثلًا قدَّرنا أنها من الهند أو من السند، ما تستطيع، نقول: هذا قضاء الله وقدره، لكن قضاء الله وقدره قد يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، لكن شَرْعُ الله لا يمكن أن يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، الشَّرْع مَبْنِيٌّ على القدرة، والقدَر إلى الله، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
стр. 3726
الشيخ: فنقول: شَرْعُ الله لا يعارض قدره، وقدر الله لا يعارض شَرْعَه، ومثل هذه المرأة قد جعل الله لها يسرًا، نقول: تدفع الأذى عن المسجد بالتحفظ، تَتَلَجَّم، يعني: تجعل على فرجها حائلًا يمنع من تسرب الدم إلى المسجد، فهنا يزول الأذى المحتمَل بالنسبة للمسجد، بالنسبة لها الوصف القائم ببدنها المانع لها من الطواف يُعْفَى عنه؛ لأنها في هذه الحال مُضْطَرَّة إليه، وعلى هذا فنقول كما قال شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة: إنها تَتَلَجَّم وتطوف طواف الإفاضة ولو كانت حائضًا.
فإن قال قائل: هذا في امرأة لا يمكنها الرجوع إلى مكة، لكن في امرأة يمكنها الرجوع، يعني: مثلًا في المملكة لا تحتاج إلى تأشيرة دخول ولا إلى نفقة باهظة؟
نقول: هذه الآن نُخَيِّرُها، إن شاءت بقيت في مكة حتى تطهر وتطوف، وإن شاءت خرجت مع قومها، فإذا طَهُرَت عادت إلى مكة وطافت طواف الإفاضة، ولكن إذا عادت هل يلزمها أن تُحْرِم وتأتي بعمرة؛ لأنها مَرَّتْ بالميقات مُرِيدَةً لنُسُكٍ، أو لا يلزمها؟
طلبة: ما يلزمها.
طالب آخر: لأنها ما زالت مُحْرِمة.
طالب آخر: خلاف.
الشيخ: لا، هي حَلَّت التَّحَلُّل الأول، لاحظوا أنها حَلَّت التَّحَلُّل الأول، هذا ما هي عمرة، هذا حج، حَلَّت التَّحَلُّل الأول، والإحرام بالعمرة بعد التحلُّل الأول جائز، فهنا نقول: تُحْرِم بعمرة، وتطوف وتسعى وتُقَصِّر للعمرة، ثم بعد ذلك تطوف طواف الإفاضة، فإن كان الطواف طواف عمرة فإنها تبقى على إحرامها، يعني ما تحل من العمرة، تبقى على إحرامها أو ترجع مع قومها، فإذا طهرت عادت، إذا مَرَّت بالميقات هل تُحْرِم منه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها على إحرام، إي نعم.
طالب: ( ... )
الشيخ: أهلَّ دُبُرَ صلاته.
الطالب: أَهَلَّ دُبُرَ صلاته ( ... ).
الشيخ: هذا له دليل، وهذا له دليل، الإنسان في حال الصلاة هل يُحْرِم بالحج وهو يصلي؟
الطالب: بعد الصلاة.
стр. 3727
الشيخ: نقول: دُبُر الصلاة إذا ثبت أنه من حين سَلَّم، حديث ابن عباس (١٦) لو كان صحيحًا لكان فيصلًا، لو ثبت أنه من يوم انتهى من الصلاة أَهَلَّ يعني قال: لبيك، ما فيه إشكال، والجمع كما عرفتم ممكن، لكن الحديث فيه نظر، في صحته نظر، وأما حديث ابن عمر أنه حين استوى على راحلته فهو صحيح (٦)، وحديث جابر حينما استوت به على البيداء أيضًا صحيح (٨).
أما حديث معاذ فقلنا: إن معنى قوله: دُبُرَ كل صلاة (١٧) أي: في آخرها، أولًا: لأن آخر الصلاة محلٌّ للدعاء، وما بعد الصلاة محلٌّ للذكر، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ قال لعبد الله بن مسعود حين ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (١٨)، وقال الله تعالى فيما بعد السلام: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّه﴾ [النساء: ١٠٣].
طالب: ذكرت يا شيخ أنه لا يُشْتَرَط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، طيب ماذا يفعل في ركعتي الطواف؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد، يقول: إذا قلنا بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، فماذا يصنع في ركعتي الطواف؟ هل يصليهما على غير طهارة أم ماذا؟
طلبة: يتوضأ.
الشيخ: نقول: يذهب ويتوضأ ويصلي، أو يتركهما؛ لأنهما سنة، أرأيت لو أنه بعد أن طاف أحدث، طاف مُتَطَهِّرًا وبعد الطواف أحدث، فماذا يصنع بالركعتين؟
طالب: يتوضأ.
الشيخ: يتوضأ ويصليهما أو يدعهما.
طالب: ( ... ) دال على أن الإهلال بعد الصلاة؟
الشيخ: على أن الإهلال بعد الصلاة، الواو يقولون: لا تقتضي الترتيب.
الطالب: لكن ظاهرة فيه؟
الشيخ: على كل حال هي ظاهرة فيه، لكن ما هي صريحة، فإذا ثبت أنه لم يهلَّ إلا حين استوى على راحلته أخذنا به.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، رجل حج النفل، ويريد أن يفسد الحج إلى عمرة ليتحلل منه، هل يجوز؟
الشيخ: أنت حضرت الآن ولَّا من قبل؟
الطالب: الآن.
الشيخ: قبل الدرس، في أثناء الدرس ما حضرت؟
الطالب: حضرت.
стр. 3728
الشيخ: ويش قلنا؟
الطالب: قلتم: الحج إذا كان واجبًا لا يجوز التحلل منه.
الشيخ: ما قَيَّدْته بأنه واجب، ما تقولون؟ هل فهمتم فهمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لعلك حين خرجت ثم رجعت نسيت، أصله: إذا دخل في الحج وجب عليه أن يتمه، فإذا أراد أن يجعله عمرة ليتحلل منه قلنا: هذا حرام، لكن لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة ليتمتع به إلى الحج –انتبهوا-، ثم بعد ذلك بدَا له ألَّا يحج، هل نُلْزِمُه بالحج أو لا؟ ما تقولون؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: عندنا الآن صورتان؛ الصورة الأولى: رجل أَحْرَم بالعمرة من أول الأمر مُتَمَتِّعًا بها إلى الحج، وحَلَّ منها، ثم بَدَا له ألَّا يحج، ما تقولون؟ جائز أو غير جائز؟
طالب: جائز.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: هذا جائز، ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناويًا الحج، ولكن بَدَا له ألَّا يحج، لكن رجل أحرم بالحج ثم حَوَّلَه إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ لأن بين الصورتين فرقًا، الأخيرة تَحَوَّل من الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، والأولى لم يحصل له تحوُّل، فهل نقول: ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟
طالب: إذا كان الفرض ( ... ).
الشيخ: لا، خَلِّي إذا كان فرضًا، إذا كان فرضًا ما يجوز يدعه؛ لأنه واجب على الفور، الآن كلامنا في النفل، يحتمل عندي وجهين؛ الوجه الأول: إلزامه بأن يحج إلا إذا ترك هذا لعذر يعذر فيه، فهذا شيء آخر، لماذا؟ لأنه إنما أَجَزْنَا له أن يتحول من أجل أن يحج، فكيف إذا تَحَوَّل يرجع ويقول: لا أريد الحج، أما مَن كان معتمرًا بنية التمتع ثم بعد حلِّه من العمرة طرأ له ألَّا يحج، فهذا لا شك في جوازه، واضح؟
طالب: إن كان لعذر؟
الشيخ: إن كان لعذر يجوز، لا نُلْزِمُه بشيء؛ لأنه ما شَرَع في النُّسُك.
طالب: بالنسبة يا شيخ للقِرَان ( ... ) على قول أنه ليس بواجب.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ( ... ) واجب في التمتع.
الشيخ: نعم.
стр. 3729
الطالب: ولكنه يقال يا شيخ: إن التمتع أصلًا لم يكن يعرفه الصحابة، فورد التفصيل فيه حتى يعرفوا الأحكام، أما القِرَان ففعل الرسول ﷺ يُبَيِّن حكم الواجب وهو وجوب الذبح؟
الشيخ: ما فيه نص يدل على الوجوب.
الطالب: فِعْل الرسول ﷺ .
الشيخ: الفعل ما يدل على الوجوب.
الطالب: وأنهم ما كانوا يعملونه من قبل، أما القِرَان موجود عندهم، أما التمتع فهو طارئ.
الشيخ: ما ندري! ! الظاهر أنهم في العمرة ما يرون العمرة في أشهر الحج ولا بالقِرَان، هذا هو الظاهر؛ لأنهم قالوا له، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، إلا الحج. (١٩)
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ولهذا قالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنا الحج؟ وعلى كل حال المسألة لا بأس أنا بعطيكم شيئًا، ابحثوها.
طالب: يا شيخ أَعْطِنَا الخلاصة.
الشيخ: لا، هذا خلاصة ما عندي، ما ذكرته أولًا هو خلاصة ما عندي.
طالب: الدم في القِرَان واجب؟
الشيخ: هذا هو الذي عليه الجمهور، لكن لما ذكر صاحب الفروع، وأنا بالمناسبة صاحب الفروع في الحج بحث بحثًا ما بحثه في أي باب من أبواب الفقه، استوعب وناقش، يعني في عدة مسائل أورد ييجي ستة إيرادات أو سبعة مناقشة، لكن ما عدا عباراته الصعبة، إلا أننا ننصح بقراءته ليتعود الناس عليه، المهم لما ذكر هذه الرواية عن أحمد وأن أحمد قال: ليس كالتمتع، يجب وجوبًا، إنما قاسوه عليه، قال: فيؤخذ من هذا أنه لا يلزمه الدم، وهو مذهب داود الظاهري.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
قال المؤلف -رحمنا الله وإياه-: وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ، يُصَوِّتُ بها الرجل، وتُخْفِيهَا المرأة.
стр. 3730
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف فيما سبق: إن المرأة إذا حاضت قبل طواف العمرة وجب عليها أن تُحْرِم بالحج لتصير قارنة، وإنما يجب؛ لأن الحج يجب على الفور.
وقلنا: مثلُ ذلك؛ مثلها مَن تَعَرَّض لعمل يمنعه من أن يتم العمرة قبل الوقوف بعرفة، وسبق لنا أن الإنسان يُلَبِّي، ومتى يبدأ بالتلبية؟ على ثلاثة أقوال للعلماء:
الأول: دُبُرَ الصلاة.
والثاني: إذا ركب على ناقته.
والثالث: إذا علا على البيداء، أو على أدنى شَرَفٍ حوله إذا كان في غير ذي الْحُلَيْفَة.
وبَيَّنَّا أن الصحيح أنه يبدأ متى؟ إذا استوى على راحلته، إلَّا إذا صح حديث ابن عباس (١٦) ﵄– فهو فيصل، إذا صح فهو فيصل؛ أنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.
نبدأ بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك)، هذه التلبية عظيمة جدًّا، أطلق عليها جابر بن عبد الله التوحيد، قال ﵁: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد (٨)، والتوحيد هو الذي دعت إليه جميع الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
فلننظر: (لبيك اللهم لبيك)، (لبيك) كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ» (٢٠)، فهي كلمة إجابة، وتَحْمِلُ معنى الإقامة، الإقامة من قولهم: أَلَبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي إذن متضمِّنة للإجابة والإقامة؛ الإجابة لله، والإقامة على طاعته، ولهذا فَسَّرَهَا بعضهم بقوله: لبيك أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير بالمعنى لا شك، وهذا هو معناه.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه الْمُحْرِم؟
стр. 3731
قلنا: هو قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، أَذِّنْ بهم: أَعْلِم بهم، ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ يعني: لا إناثًا؟ أيش المعنى؟
طالب: للتغليب.
الشيخ: للتغليب؟ لا، رِجَالًا يعني: على أرجلهم، ليس المعنى ضد الإناث، والدليل أنهاا على أرجلهم ما بعدها: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وهذه قاعدة مفيدة لكم في التفسير: قد يُعْرَف معنى الكلمة بما يقابلها، ومنه قوله تعالى -وهو أخفى من الآية التي معنا-: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، معنى (ثُبَاتٍ) متفرقين، مع أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ يبعد جدًّا أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ عُلِم أن المراد بالثُّبات المتفرقون.
إذن نقول: لبيك، أي: أنا مجيب لدعوتك مقيم عليها.
والتثنية هنا هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي: أجبتك مرتين، أو المقصود بها مُطْلَق التكثير، الأول أو الثاني؟ الثاني؛ لأن المعنى: إجابةً بعد إجابة، وإقامةً بعد إقامة، فالمراد بها مطلَق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط، ولهذا قال النحويون: إنها مُلْحَقَة بالمثنى وليست مثنًى حقيقة؛ لأنه يراد بها أيش؟ الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدرٌ لفعل محذوف وجوبًا، لا يُجْمَع بينها وبينه، والتقدير: أَلْبَبْتُ إِلْبَابَيْنِ لَكَ، أَلْبَبْتُ يعني: أقمت بالمكان، إِلْبَابَيْنِ، لكن حصل فيها حذف؛ حذف الهمزة، وصارت: لَبَابَيْنِ، بعدها حذف الهمزة، ثم قيل: نحذف أيضًا الباء الثانية، ونقول: لَبَّيْكَ، فالياء هنا علامة للإعراب، منصوبة بأيش؟ بفعل محذوف وجوبًا، فهي مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا.
стр. 3732
(اللهم لبيك)، ما معنى (اللهم)؟ أي: يا الله، لكن حذفت ياء النداء وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم أخيرًا، ولم تكن في مكان الياء، فيرد علينا سؤالان؛ السؤال الأول: لماذا عُوِّضَ عن الياء بالميم؟ ولماذا نُقِلَ العِوَض إلى الآخِر ولم يكن في مكان الْمُعَوَّض؟
قال: يقال عن الأول: الميم أَدَلُّ على الجمع، ولهذا هي من علامات الجمع، (إليهم) للجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه ؛ لأنه يقول: يا الله.
وثانيًا: أما كونها حُوِّلَت فتَيَمُّنًا بالبداءة بذكر اسم الله : اللهم.
وقوله: (لبيك) هذا من باب التوكيد اللفظي أو اللفظي المعنوي؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، هو لفظي، لم يتغير لفظ الأول، لكن له معنًى جديد، يكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك.
(لبيك لا شريك لك لبيك)، تكرار ثالث؛ لأنك تجيب مَن؟ تجيب الله وكلَّما أجبته ازددت إيمانًا به وشوقًا إليه، فكان التأكيد في مقتضى الحكمة، ولهذا ينبغي لك أن تشعر وأنت تقول: (لبيك) أن تشعر نداء الله لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلماتٍ تقال.
(لَبَّيْك لا شريك لك): لا شريك لك في التلبية، أو لا شريك لك في كل شيء، أيهما؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه أعم، يعني: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مُخْلِصٌ لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولَبَّيْتُ لك فقط.
стр. 3733
وقوله: (لا شريك لك) إعرابها أن (لا) نافية للجنس، و (شريك) اسمها، و (لك) خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق نفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت –بالرفع- هذه ليست نافية للجنس، هذه مطلق نفي، ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك الناس العالِمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، تنفي الجنس أولًا، ثم تعود وتثبت؟ لا يمكن.
على كل حال (لا شريك لك)، (لا) نافية للجنس، وهي أعم ما يكون في النفي.
(إن الحمد والنعمة لك)، يقال: (إن) مروية بالكسر ومروية بالفتح؛ (أن الحمد والنعمة لك)، فعلى رواية الهمزة (أن الحمد لك) تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، تكون تعليلية، فتكون التلبية مُقَيَّدَة بهذه العلة، أي: بسببها، لبيك؛ لأنه لا شريك لك، وعلى رواية الكسر تكون الجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالمصدر المستفاد من (أن).
إذا كانت الرواية: (لَبَّيْك أن الحمد لك)، (لَبَّيْك إن الحمد لك)، صار التعليل هنا بنفس اللفظ، في الأول (أن) بنفس اللفظ، يعني: لَبَّيْك لأن الحمد لك، فصارت الآن التلبية مقيَّدة بأيش؟ بهذه العلة: لَبَّيْك؛ لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: (إن الحمد لك)، فالجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالعلة، تكون تلبية مطلقة: لبيك بكل حال.
ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد، ولو قلت ذلك لكان جائزًا.
(إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك)، الحمد أو المدح؟
الحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي: في الحروف دون الترتيب، ولَّا لا؟
стр. 3734
يتفقان في الحروف دون الترتيب، نشوف الحروف: حاء، ميم، دال، موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح أو بينهما فرق؟
الصحيح أن بينهما فرقًا عظيمًا؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم، والمدح لا يُبْنَى على ذلك؛ قد يُبْنَى وقد لا يُبْنَى، قد أمدح رجلًا
لا محبةً له ولا تعظيمًا، لكن محبةً في نَوالِه، فيما يعطيني، أليس كذلك؟ ربما أمدح رجلًا من أجل أن يعطيني شيئًا، لكن قلبي لا يحبه ولا يعظِّمه.
أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنيًّا على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، ولا يمكن أحدٌ يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله .
إذن الحمد معناه وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا.
وقول بعضهم: الحمد والثناء بالجميل الاختياري، أن يُثْنِيَ على المحمود بالجميل الاختياري الذي يفعله اختيارًا من نفسه، هذا التعريف غير صحيح، يُبْطِلُه الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (٢١)، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد، وهو كذلك.
الحمد (أل) فيه للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، على دفع الضرر، على حصول الخير الخاص والعام، كله لله، على الكمال كله لله.
وقوله: (النِّعْمَةَ) يعني: الإنعام، فالنعمة لله، هل الصواب لله أو من الله؟ الحمد لله واضح، يعني: تَعَدِّي الحمد باللام واضح ما فيه إشكال، (النِّعْمَةَ) كيف تتعدى باللام؟ ما نقول: النعمة من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
طالب: ( ... ).
стр. 3735
الشيخ: اللام بمعنى من؟ لأن اللام (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، (لك) خبر للحمد والنعمة، يقال في الجواب: النعمة لك، يعني: التفضل لك، أنت صاحب الفضل، فأنت المستحِقُّ للفضل، أي: الذي يُقَال: إنه أفضل وأنعم، فهي مِن، لكن حقيقةً له، هو صاحب الإفضال.
وقوله: (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، ذكرنا أن الحمد غير المدح؛ المدح قد يكون محبةً وتعظيمًا وقد لا يكون، لكن الحمد محبة وتعظيم.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد بحثًا مستفيضًا حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث بحثًا فيها مُسْهَبًا، وقال في أثناء البحث: وكان شيخُنَا -يعني: ابن تيمية- إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، مع أن شيخ الإسلام ما هو نحوي! ! نعم، غير نحوي، ما هو من علماء النحاة، من علماء الفقه والعقائد وما أشبه ذلك، لكن مع ذلك فتح الله عليه، كان إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، ولكنه كما قيل:
تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ
إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
مشغول بماذا؟ بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية وأسرار اللغة العربية.
قال: (والْمُلْك، لا شريك لك)، هذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له، فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها مشتملة على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر: أَهَلَّ بالتوحيد (٨)، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد لا شك، فلنرجع الآن، أنواع التوحيد ثلاثة، هل في هذا شيء من توحيد الربوبية؟
طالب: نعم.
الشيخ: وين؟
الطالب: ( ... ).
стр. 3736
الشيخ: الْمُلْك من توحيد الربوبية، بل الألوهية من توحيد الربوبية، إثبات الألوهية مُتَضَمِّنٌ لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مُسْتَلْزِم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحدًا يوحِّد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس مَن يُوَحِّد الله في ربوبيته، ولا يُوَحِّده في ألوهيته، وحينئذٍ نُلزمه، نقول: إذا وَحَّدْتَ الله في الربوبية لزمك توحيده في الألوهية.
ولهذا عبارة العلماء مُحْكَمَة: (توحيد الربوبية مُسْتَلْزِم لتوحيد الألوهية، توحيد الألوهية مُتَضَمِّن لتوحيد الربوبية).
الأسماء والصفات من قوله: (إن الحمد والنعمة)، الحمد، قلنا: وصف المحمود بالكمال، النعمة من أفعاله ، من صفات الأفعال، فقد تَضَمَّنَت توحيد الأسماء والصفات.
من أين نعرف أنه بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؟
من قول: (لا شريك لك)، لو مَثَّلْنَا لأَشْرَكْنَا، فبهذا تَبَيَّن أن هذه الكلمات العظيمة متضمِّنة للتوحيد، مشتمِلة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاااا شريك لك لبيك)! كأنهم ينشدون، ما يأتون بالمعنى المناسب.
تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، لكن هم يقفون على: (إن الحمد والنعمة لك والملك)، ثم يقولون: (لا شريك لك) مع أنها متصلة.
قال المؤلف: (يُصَوِّت بها الرجل).
هذه تلبية الرسول ﵊، كما قال جابر (٨)، فهل لنا أن نزيد عليها؟
стр. 3737
نقول: روى أحمد في المسند أن النبي ﷺ كان يقول: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (٢٢)، وهذا «إِلَهَ الْحَقِّ» من إضافة الموصوف إلى أيش؟ إلى صفته، يعني: لبيك أنت الإله الحق، وكان ابن عمر يزيد: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل (٢٣)، فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فنرجو أن لا يكون به بأس، اقتداء بِمَن؟ بعبد الله بن عمر، لكن الأوْلَى ملازمة ما ثبت عن النبي ﵌.
الناس هل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم؛ لقول أنس ﵁: حَجَجْنَا مع النبي ﷺ ، فمنا الْمُكَبِّر ومنا الْمُهِلُّ (٢٤).
وهذا يدل على أنهم ليسوا يُلَبُّون تلبية جماعية، لو كانوا يُلَبُّون تلبية جماعية لكانوا كلهم مُهِلِّين، لكن بعضهم يُكَبِّر، وبعضهم يُهِلُّ، وكلٌّ يذكر ربه على حسب حاله.
قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه فيها؛ في التلبية، لكن أحيانًا إذا كان في عمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، في حج: لبيك اللهم حجًّا، في قِران: لبيك اللهم عمرةً وحجًّا.
قال: (يُصَوِّت بِهَا الرَّجُلُ).
(يُصَوِّت) يعني: يرفع صوته بها؛ لقول النبي ﵌: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» (٢٥)، فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالًا لأمر النبي ﷺ ، واتباعًا لسنته وسنة أصحابه.
قال جابر: كنا نَصْرَخُ بذلك صُراخًا (٢٦).
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قال لأصحابه وقد سَبَّحُوا أو كَبَّرُوا في سفرٍ معه، قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ - يعني: هَوِّنوا عليها - فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ». (٢٧)
стр. 3738
قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص؛ لأنها من شعائر الحج، فيُصَوِّت.
لو وقفت على الخط ومَرَّتْ بك قوافل الْحُجَّاج أتسمع دوي التلبية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الواقع لا، اللهم إلا نادرًا، هؤلاء الذين يُلَبُّون تلبية جماعية، أما غير هذا تأسف أن تمر بك قوافل الحجيج لا تسمع مُلَبِّيًا، مع أن التلبية كما عرفتم امتثال لأمر الرسول واتباع لسنته واقتداء بأصحابه، ولا يسمعك حجر ولا شجر ولا مدر إلا شهد لك يوم القيامة (٢٨)، قال: أشهد أن هذا حج البيت يُلَبِّي، ومع ذلك صَمْت، سكوت، وهذا لا شك أنه خلاف السُّنَّة.
المرأة، قال: (وتخفيها المرأة)، أي: تُسِرُّ بها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة فيما إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن أيش؟ تُصَفِّق ولَّا تقول: سبحان الله؟ تُصَفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة -وإن لم يكن عورة- لكن يُخْشَى منه الفتنة.
ولهذا نقول: المرأة تُلَبِّي سرًّا بقدر ما تُسْمِعُ رفيقتها، لا تُعْلِن، وهذا من الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجال، وهي كثيرة؛ لأنها كما خالفته خِلْقَةً وفِطْرَةً خالفته حُكْمًا، والله حكيم، أحكامه الشرعية مناسِبة لأحكامه القدَرية.
نعم (تخفيها المرأة)، ولو جهرت نقول: لا بأس؟ لا، نمنعها؛ لأنه ما فيه جهر، أنت امرأة فالسُّنَّة لك أن تُسِرِّي بذلك.
стр. 3739
(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)
وهي تِسعةٌ: حَلْقُ الشعرِ وتقليمُ الأظافرِ، فمَن حَلَقَ أو قَلَّمَ ثلاثةً فعليه دمٌ، ومَن غَطَّى رأسَه بِمُلاصِقٍ فَدَى، وإن لَبِسَ ذَكَرٌ مَخيطًا فَدَى، وإن طَيَّبَ بَدَنَه أو ثوبَه أو ادَّهَنَ بِمُطَيِّبٍ أو شَمَّ طِيبًا
(محظورات الإحرام) كتركيب (سجود السهو)، فاعرفوا، ماذا أردت بقولك: تركيب (سجود السهو)؟
طالب: لأن سجود السهو بعد أن أدى الصلاة واستدبرت حالها.
الشيخ: لا.
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: لا.
طالب: لأن الإضافة إضافة سبب.
الشيخ: صح، أن الإضافة إضافة سبب؛ إضافة الشيء إلى سببه، سجود السهو معناه: السجود الحاصل؟
طلبة: بسبب.
الشيخ: (محظورات الإحرام) المحظورات بسبب الإحرام، والمحظور: الممنوع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠] أي: ممنوعًا، فممنوعات الإحرام يقول المؤلف: إنها تسعة قال: (وهي تسعة).
وحينئذٍ يسأل سائل يقول: ما الدليل على أنها تسعة؟ والجواب: التتبع والاستقراء.
فإذا قال قائل: إحصاؤكم لها وحصركم إياها بتسعة بدعة، هل قال الرسول: محظورات الإحرام تسعة؟ أيش نقول؟
نقول: هذا وسيلة لتقريب العلم للأمة ولم شتاته فإنه أسهل؛ ولهذا كان الرسول أحيانًا يقول: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» (١)، لو قال: يظل الله في ظله إمامًا عادلًا، وفي مكان آخر قال: يظل الله بظله شابًّا نشأ في طاعة الله، وعدَّد السبعة في أمكنة وجمعناها هل يقال: هذا بدعة؟ لا، الرسول أحيانًا يجمع ويحصر، هنا نقول: جمعها وحصرها وسيلة لأيش؟
طلبة: لتقريب العلم.
الشيخ: لتقريب العلم للأذهان.
стр. 3740
(وهي تسعة)؛ الأول: (حلق الشعر)، ولم يقل المؤلف: إزالة الشعر، مع أنه أعم اتباعًا للفظ القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهنا يجب أن نفهم إذا أردنا أن نكتب شيئًا أن المحافظة على لفظ القرآن والسنة أولى؛ لأنها دليل وحكم، فالكاتب المؤلف ينبغي له أن يحافظ على أيش؟
طالب: لفظ الكتاب والسنة.
الشيخ: على لفظ الكتاب والسنة.
(حلق الشعر) لكن هنا المؤلف ﵀ قال: (حلق الشعر)، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ولا شك أن الدليل أخص من المدلول، ما هو المنهي عنه في الدليل؟
طلبة: حلق الرأس.
الشيخ: حلق الرأس، وما هو الحكم الذي استدل له بالدليل؟ حلق الشعر عمومًا، حتى العانة، حتى الشارب، حتى الساق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرنا أنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، ولكنهم يقولون: نحن نقيس حلق بقية الشعر على شعر الرأس، فإذا استدللنا بالآية فهو استدلال على حلق شعر الرأس باللفظ، وعلى بقية الشعر بالقياس، فجاءنا صاحب الراية الخضراء وقال: القياس لا يصح في الشريعة، من هو؟
طلبة: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: ابن حزم والظاهرية قالوا: لا نسلم لكم القياس، والله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ولم ينهنا إلا عن حلق شعر الرأس، فلماذا نضيق على عباد الله ونقول: كل الشعور لا تحلقوها؟ !
رجل نما شعر شاربه وصار إذا أكل التفَّ مع الأكلِ الشعرُ، وإذا شرب كذلك، فماذا يصنع؟ إذا قلنا بأنه يحرم أخذ شعر الشارب يقول: يأخذه ويفدي؛ لأنه أذى، أو يأخذه ولا يفدي، بناء على قاعدة سنذكرها إن شاء الله، على كل حال الآن الدليل أيش؟
طلبة: أخص.
стр. 3741
الشيخ: أخص من المدلول، ولا ينبغي أن نستدل بالأخص على الأعم، لكن إذا قلنا: إنه يقاس ما خرج عن الدليل على ما ثبت بالدليل نحتاج إلى أمر آخر وهو تساوي الأصل والفرع في العلة، فما هي العلة التي نستطيع أن نلحق شعر بقية الجسد بشعر الرأس؟ قالوا: العلة الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس يحصل به النظافة، بدليل أنه كلما زاد وسخ الرأس كثر فيه القمل والرائحة والأذى، فالعلة هي الترقب، فهل هذا مُسلم؟ ننظر هل المُحْرِم ممنوع من الترفه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما أسرع قول: لا، ولَّا: نعم، عندكم المحرم ممنوع من الترفه؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، حقيقةً لا، ليس ممنوعًا من الترفه بالأكل؛ له يأكل من الطيبات ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه باللباس؛ له أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه بإزالة الأوساخ؛ له أن يغتسل ويزيل الأوساخ، فمن قال: إن العلة في المعقول في حلق الرأس هي الترفه حتى نقيس عليه ذلك؟ لا شيء، لكن العلة الظاهرة هو أن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يسقط به نسكًا مشروعًا، ما هو؟
طلبة: الحلق والتقصير.
الشيخ: الحلق والتقصير عند انتهاء العمرة، وعند رمي جمرة العقبة إذا حلق رأسه في أثناء الإحرام ووصل إلى مكة في خلال ساعات في وقتنا الحاضر ماذا يصنع؟ أين ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]؟ فالعلة أن في حلق الرأس إسقاط شعيرة من شعائر النسك؛ وهي الحلق أو التقصير، وهذا التعليل لا شك أنه عند التأمل أقرب من التعليل بأن ذلك من أجل؟
طلبة: الترفه.
الشيخ: الترفه، على هذا الرأي لا يحرم إلا حلق الرأس فقط، أما بقية الشعور فليست حرامًا.
قالوا أيضًا: الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور أو التحريم؟
طالب: الحل.
стр. 3742
الشيخ: الحل، فلا نمنع إنسانًا من أخذ شيء من شعوره إلا بدليل، ولكن البحث النظري له حال والتطبيق العملي له حال أخرى، لو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره؛ من شاربه، من لحيته، من إبطه، من عانته احتياطًا ماذا يكون؟ يكون هذا جيدًا، لكن أما أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة فهذا فيه نظر، وأنا ذكرت الآن أربعة شروط: الشارب، واللحية، والإبط، والعانة، أيش اللي خطأ؟
طلبة: اللحية.
الشيخ: اللحية خطأ، هذه سبقت على لساني بغير قصد؛ لأن اللحية لا تؤخذ لا بالإحرام ولا بغير الإحرام.
الثاني: (تقليم الأظفار) يعني؟
طلبة: قصها.
الشيخ: إي نعم، يعني: قصها أو قلمها بالمبراة، وكانوا في الأول يقلمون الظفر يأخذون المبراة -تعرفون المبراة؟ السكينة الصغيرة- يقطعون بها الظفر هكذا كما يُقلَّم القلم، القلم تعرفونه يُقلَّم، الآن لا يُقلَّم؛ لأنه حديد، لكن يقلم المرسمة الرصاص، فيقولون: تقليم الأظفار أيضًا حرام، من أي مكان؛ من اليد أو من الرجل أو منهما؟
طلبة: منهما.
الشيخ: منهما جميعًا، ما هو الدليل؟
طلبة: القياس.
الشيخ: لا دليل إلا بالقياس.
***
( ... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فسبق أن جابر بن عبد الله ﵄ سمى التلبية تلبية النبي ﵌ توحيدًا (٢)، فما وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك أن هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد.
الشيخ: هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أخرج لنا منها توحيد الربوبية؟
الطالب: توحيد الربوبية قوله: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ» .. توحيد الربوبية؟
الشيخ: نعم، امشِ شوية.
الطالب: «لَكَ وَالْمُلْكَ».
الشيخ: «وَالْمُلْكَ».
الطالب: «الْمُلْكَ»، نعم.
الشيخ: هذا من وجه، من وجه آخر؟
طالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
طالب: توحيد الربوبية ( ... ).
стр. 3743
الشيخ: أخذ توحيد الربوبية من هذا، الوجه الأول ما قاله الشيخ سليمان (الْمُلَكَ)، والوجه الثاني؟
طالب: أن توحيد الأولهية متضمن.
الشيخ: تمام، أن توحيد الأولهية متضمن لتوحيد الربوبية، وقد قال الرسول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ».
فيها أيضًا توحيد الأولهية، من أين يؤخذ؟
طالب: توحيد الأولهية «اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: من «اللَّهُمَّ»؟
الطالب: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: لا، هذا تحقيق التوحيد، لكن اللي فيه توحيد الأولهية؛ لأن «لَا شَرِيكَ لَكَ» في ربوبيتك، في ألوهيتك، في أسمائك وصفاتك.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن توحيد الأولهية نص على الأولهية.
طالب: «اللَّهُمَّ».
الشيخ: «اللَّهُمَّ»؛ لأن معناها: يا الله.
الأسماء والصفات؟
الطالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، هذه «لَا شَرِيكَ» -بارك الله فيك- لتحقيق التوحيد في أي نوع من الأنواع.
طالب: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ».
الشيخ: من أين؟ كيف (الحمد والنعمة)؟ كيف ذلك؟
الطالب: لأن الحمد وصف المحمود بصفات الكمال.
الشيخ: مع المحبة والتعظيم.
الطالب: مع المحبة والتعظيم.
الشيخ: وهذا يعني إثبات الأسماء والصفات الكاملة، والتوحيد يؤخذ من قوله: «لَا شَرِيكَ لَكَ».
هل المشروع رفع الصوت بها أم لا؟
طالب: للرجال والنساء.
الشيخ: للرجال والنساء، كيف يجمع بين هذا وبين قول الرسول ﵊ للصحابة: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (٣)؟
الطالب: نقول: إن هذا خاص بفعله هذا.
الشيخ: خاص بالتلبية؛ لأنه من شعار الحج.
هل تصوت المرأة بها؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: تسر بها.
الشيخ: لماذا؟ النساء شقائك الرجال.
الطالب: لا -يا شيخ- في هذا الحال لا؛ لأنها تخشى الفتنة أن تصوت.
الشيخ: ولا تسر بها إطلاقًا؟
الطالب: لا، تسر بها.
الشيخ: بقدر؟
الطالب: بقدر ما تسمع رفيقتها.
الشيخ: إي نعم، أحسنت.
محظورات الإحرام من باب إضافة الشيء؟
طالب: إلى سببه.
стр. 3744
الشيخ: إلى سببه. هل لها نظير؟
الطالب: مثل قول: باب سجود السهو.
الشيخ: مثل قولهم: باب سجود السهو؛ يعني: باب السجود الذي سببه السهو.
ما معنى محظورات الإحرام؟
طالب: أي التي لا يجب ( ... ).
الشيخ: الممنوعات بسببه؛ لأن المحظور هو الممنوع، محظورات الإحرام الممنوعات بسببه، حصرها المؤلف في ثلاثين؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: تسعة. ما الدليل على هذا الحصر؟
الطالب: التتبع والاستقراء.
الشيخ: التتبع والاستقراء.
قال: من الناس من قال: إن حصر مثل هذه الأمور بتسعة بعشرة وما أشبه ذلك بدعة، فما الجواب على هذا؟
طالب: ليس بدعة؛ لأن هذا وسيلة لشيء ممدوح؛ وهو التيسير على الناس.
الشيخ: تيسير العلم على الناس، فهو وسيلة لشيء محمود؛ وهو تيسير العلم على الناس، والوسائل لها أحكام المقاصد.
وهل في السنة ما يفيد الحصر أحيانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: «لَا يَلْبَسِ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا .. ».
الشيخ: لا، حصر بعدد، يقول الرسول مثلًا: عشرة فيهم كذا وكذا.
طالب: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (٤)، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (٥).
الشيخ: مثل: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»، وما أشبه ذلك.
المحظور الأول حلق الشعر، فما دليله؟
طالب: دليل حلق الشعر هو دليل خاص.
الشيخ: ما هو دليله؟ هات دليله، عندك نص هاته.
الطالب: القياس على حلق ..
الشيخ: حلق الشعر يا أخي دليله.
الطالب: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾.
الشيخ: طيب.
الطالب: ولكن قوله: (حلق الشعر) ..
الشيخ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ هل مثل هذا الاستدلال يعتبر صحيحًا؟
الطالب: قلنا -أحسن الله إليك-: إن هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن المدلول ..
الشيخ: إلى الآن ما قلت، أمس ما سمعتك.
الطالب: إي نعم، أن الدليل هنا ..
الشيخ: السؤال الآن هل هذا النوع من الاستدلال صحيح؟
الطالب: نعم.
стр. 3745
الشيخ: نعم؟
الطالب: على حلق الرأس، أما حلق الشعر فلا يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن هنا الدليل أخص من المدلول، وقلنا: إنه لا يجوز.
الشيخ: والقاعدة أنه لا يستدل بالأخص على الأعم، والعكس صحيح؛ يستدل بالأعم على الأخص؛ لأنه عام، إذنْ ما الذي يثبت هذا الحكم في جميع الشعور؟
طالب: أثبتوه بالقياس على حلق الرأس.
الشيخ: القياس على حلق الرأس، ما علة القياس؟
طالب: علتهم الترفه.
الشيخ: الترفه، أيش معنى الترفه؟
الطالب: التنعم.
الشيخ: التنعم. وهل في حلق الشعر تنعم؟
الطالب: قد يكون فيها شيء من الترفه، كما يؤدي إلى أذى داخل الرأس.
الشيخ: لأنه ينظف الرأس.
الطالب: يجمل.
الشيخ: ويزيل عنه الوسخ، أما الجمال فيختلف.
المؤلف قال: (حلق الرأس) لماذا قال: (حلق الرأس) والمحرم إزالته بأي نوع من أنواع الإزالة؟
الطالب: من أجل أن يكون اللفظ مطابقًا لما جاء في القرآن والسنة.
الشيخ: من أجل أن يطابق لفظه لفظ القران والسنة.
هل نأخذ من هذا أن العلماء ﵏ يتحرون أن تكون كلماتهم موافقة لألفاظ الكتاب والسنة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وما ترى في هذا الطريق هل هو سليم؟
الطالب: نعم، سليم.
الشيخ: ومساوٍ لغيره أو لا؟
طالب: الطريق هذا سليم.
الشيخ: لكن هل تساوي غيرها أو هي أفضل منها؟
الطالب: أفضل منها؛ لأن فيها الدليل والحكم.
الشيخ: أفضل منها؛ لأنها فيها الحكم والدليل؛ ولهذا مر علينا في الزاد -زاد المستقنع- لما قال ﵀ في باب صلاة الجماعة: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (٦)، هذه عبارة المؤلف، قال الشارح: رواه مسلم من حديث أبو هريرة، جاء بالدليل والحكم، تكلمنا على موضوع تعدي الحكم إلى بقية الشعور، وقلنا: إن من العلماء من خالف في ذلك، فمن المخالف؟
طالب: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: داود الظاهري، المعروف عن داود الظاهري، ابن حزم ما راجعنا كلامه، لكن المعروف أنه مع داود الظاهري، كيف؟
стр. 3746
طالب: قال: إن الوارد في القرآن هو حلق شعر الرأس.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيكتبها بما ورد في القرآن.
الشيخ: لأن الأصل؟
الطالب: لأن الأصل الحل.
الشيخ: الحل، فإذا قام الدليل على تخصيص شيء محرم فإننا لا نتعداه إلى غيره، وما جواب الآخرين على هذا؟
الطالب: الجواب القياس.
الشيخ: القياس؛ قياس بقية الشعر.
الطالب: قياس بقية الشعر على شعر الرأس.
الشيخ: على شعر الرأس بجامع الترفه، هل يمكن أن ينقض هذا القياس؟
الطالب: يمكن أن ينقض يا شيخ.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: ينقض بأن العبادات توقيفية ولا تثبت إلا بدليل.
الشيخ: لا، هذا مو تعبد، هذا تخلٍّ عن شيء.
الطالب: التخلي عن شيء يكون تعبدًا.
الشيخ: غير هذا؟
طالب: أقول: إن الحاج يكون بعض الأحيان عنده وقت من الراحة ومن الأكل ومن الشرب وغيره.
الشيخ: لا، هذا نقض العلة، لكن أنا أريد نقض القياس؛ يعني: نقض العلة أن نقول: إن العلة هي الترفه، وقد تنقض؛ لأن ما كل ترفه يكون ممنوعًا، الرسول ﵊ اغتسل وهو محرم (٧).
طالب: نقول: إن الأصل والفرع لازم أن تكون العلة جامعة بينهم، وهنا العلة ليست بجامعه؛ لأن حلق الرأس قد يكون من باب الترفع، وأما حلق العانة وما شابه ذلك فلا يكون من باب الترفع.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه إسقاط شعيرة.
الشيخ: نعم؛ لأن حلق الرأس يفضي إلى إسقاط الشعيرة؛ وهي الحلق أو التقصير، ولكني قلت لكم في الأمس: الاحتياط اتباع أيش؟
طلبة: قول الجمهور.
الشيخ: اتباع الجمهور، وهذه قاعدة يجب أن طالب العلم يتمشى عليها أنك إذا وجدت حكمًا يخالف حكم الجمهور أو قولًا يخالف قول الجمهور فلا تتعجل بالأخذ به، لا تتعجل، انتظر؛ لأن كل جمهور علماء الأمة على خلاف هذا القول لا بد أن يكون هناك شيء وراء من يتصوروا فلا تتعجل، وكذلك ما يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في السنة إذا جاء حديث يعتبر شاذًّا بالنسبة لها فلا تتعجل بالأخذ به.
стр. 3747
المؤلف ﵀ يقول الثاني: (تقليم الأظفار) لم يرد فيه نص لا قرآني ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق الشعر، وإذا كان داود ينازع في حلق بقية الشعر التي في الجسم في إلحاقها بالرأس فهنا؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؛ ولهذا ذكروا في الفروع أنه يتوجه احتمال ألَّا يكون من المحظورات، بناء على أيش؟ بناء على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات، لكن نقل بعض العلماء الإجماع على أنه من المحظورات.
وقول المؤلف: (تقليم الأظفار) يريد بذلك إزالتها بأي شيء كان؛ بالتقليم، أو بالقص، أو بغير ذلك، أو بالخلع، المهم أن إزالة الأظفار من محظورات الإحرام، وقول المؤلف: (الأظفار) يشمل أظافر اليد وأظافر الرجل، وهو كذلك، والعلة نحن قلنا: ليس فيه دليل قرآني ولا نبوي، ولكن فيه القياس بجامع الترفه في كلٍّ من تقليم الأظفار وحلق الشعر.
قال المؤلف ﵀: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم)، (من حلق) (من) اسم شرط جازم، و (حلق) فعل الشرط، و (قلَّم) معطوف على فعل الشرط، و (فعليه دم) الجملة جواب الشرط؛ أي: فأي مُحْرِمٍ حلق ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم؛ عليه فدية؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه إذا حلق ثلاثًا صدق عليه أنه أزال الشعر، وقول المؤلف: (أو قلَّم ثلاثة) نفس الشيء.
وعلم من قوله: (ثلاثة فعليه دم) أنه لو قلَّم دون ذلك أو حلق دون ذلك فليس عليه دم، لكن ماذا يجب عليه؟ قالوا: يجب عليه لكل شعرة إطعام مسكين، ولكل ظفر إطعام مسكين، وهذا التفصيل يحتاج إلى دليل، فأين في السنة ما يدل على أن الشعرة الواحدة فيها إطعام مسكين أو الظفر الواحد فيه إطعام مسكين؟
стр. 3748
ولهذا اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي تجب فيه الفدية وفي مقدار ما يكون دون ذلك، فقال بعضهم: إذا حلق أربع شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق خمس شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ربع الرأس فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ما به إماطة الأذى فعليه دم، فالأقوال كم؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وربع الرأس.
طالب: وما يماط به الأذى.
الشيخ: وما يماط به الأذى، أقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن القول الأخير، وهو مذهب مالك؛ أنه ليس عليه دم إلا إذا حلق ما يماط به الأذى؛ أي حلقًا يكاد يكون كاملًا؛ لأنه هو الذي يماط به الأذى، وهو الذي قال الله تعالى في القرآن في شأنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهو لا يحلق إذا كان به أذًى من رأسه إلا ما يماط به الأذى فعليه فدية، وهذا القول أصلح الأقوال، ويدل له أنه الموافق لظاهر القرآن، هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي ﵌ احتجم وهو محرم في رأسه (٨)، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر لمكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي ﵌ أنه افتدى، لماذا؟ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى قليل بالنسبة لبقية الشعر.
стр. 3749
وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات فليس عليه دم، أو أربعًا، أو خمسًا، أو عشرًا، أو عشرين، ولا يسمى هذا حلقًا، لكن هل يحل له ذلك أو لا؟ هذه النقطة، هل يحل أن يحلق شعرة أو شعرتين أو يزيلها بأي مزيل؟ الجواب: لا يحل، انتبهوا؛ لأن لدينا قاعدة: امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه، فإذا نهيت عن شيء فأنت منهي عنه جملة وأجزاء، وإذا أمرت بشيء فأنت مأمور به جملة وأجزاء، انتبه، امتثال المأمور لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال المحظور لا يتم إلا باجتناب جميعه، وعلى هذا فنقول: إذا حرم حلق جميع الرأس أو ما يماط به الأذى حرم حلق جزء منه، لكن الكلام في الفدية غير الكلام في التحريم.
فإن قال قائل: وهل يمكن أن يكون شيء من محظورات الإحرام محرمًا وليس فيه فدية؟
قلنا: نعم، يمكن، عقد النكاح الخطبة حرام على المحرم، لكن ليس فيهما فدية، القمل على رأي بعض الفقهاء؛ كون الإنسان يزيل القمل عن نفسه وهو محرم يكون حرامًا، وفيه فدية؟ لا، ما فيه فدية.
ولا أدري هل تعرفون القمل أو لا؟ الحمد لله، نحن في الأزمنة الأخيرة لا نعرفه؛ لأن النظافة الكثيرة والثياب دائمًا تكون نظيفة، لكن في الأول تكون القمل في الأبدان، وتتعب الناس أحيانًا؛ تجدها تمشي من فوق الثياب، وهي دويبة صغيرة؛ يعني: منتفخة أقل من الذرة، لكن شأنها قوي؛ تحجم الإنسان حجمًا؛ لأنها تقرصه، ثم تمتص الدم، وتؤذي الإنسان؛ ولهذا جيء بكعب بن عجرة إلى رسول الله ﵊ والقمل يتناثر من رأسه على وجهه، فقال الرسول ﵊ له: «لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » قال: نعم، يا رسول الله (٩)، فسماها هوامًّا.
إذنْ نقول في هذه المسألة، أعني مسألة أيش؟
طلبة: حلق جميع الرأس.
стр. 3750
الشيخ: حلق جميع الرأس محرم وفيه الفدية، وحلق بعضه محرم وليس فيه فدية، وأوردنا هل يمكن أن يكون شيء من المحظورات محرمًا وليس فيه فدية؟ وقلنا: نعم، خِطبة، عقد النكاح، إزالة القمل وصئبانه على رأي من يرى أنه حرام، والصحيح أنه ليس بحرام، الصحيح أن إزالة القمل ليس بحرام، بل أن المُحْرِم يستبيح من أجله أيش؟
طالب: المُحَرَّمَ.
الشيخ: المُحَرَّمَ، يحلق شعره لأجل ينفك عنه هذا القمل.
إذن القول الراجح أن الذي فيه الدم ما يماط به الأذى؛ أي: ما يكون ظاهرًا على كل الرأس بحيث يسلم الرأس من الأذى.
ثم اعلم أن العلماء في محظورات الإحرام إذا قالوا: دم فلا يعنون أن الدم متعين، بل هو أحد أمور ثلاثة: الدم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، صيام ثلاثة أيام، كلما رأيت شيئًا فيه دم إلا الجماع في الحج قبل التحلل الأول فإن فيه بدنة، وإلا جزاء الصيد فإن فيه مثله، كما سيأتي -إن شاء الله- في الفدية.
لكن هذه اجعلوها على بالكم؛ لأن كثيرًا من الإخوة المفتين كلما أتاهم إنسان قالوا: عليك دم، فيذهب العامي وهو لا يدري لم يبين له يتكلف بشراء الدم، وربما يستدين لذلك، لكن لو قيل له: أنت بالخيار؛ دم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، الثالث صيام ثلاثة أيام يمكن يهون عليه، أما كل واحد يجينا نقول: يلا عليك دم، هذا خطأ، الواجب أن يبين للناس الحكم الشرعي.
وبأي شيء عرفنا أنه يخير بين هذه الثلاثة؟ من حلق الرأس؛ لأن الله قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالمحظورات إذنْ ما لا فدية فيه، وما فديته بدنه، وما فديته مثله، وما فديته التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، وهذا هو أكثر المحظورات؛ أنه يخير فيه بين هذه الأمور الثلاثة.
следующие страницы →