Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
على كلِّ حالٍ المهمُّ بالنسبة لنا الآن إذا لَحِقَ الإنسانَ مللٌ فلا حرجَ أنْ يستريح إمَّا بنومٍ أو بقُرآنٍ أو بمذاكرةٍ مع إخوانه أو بِمُدارسةِ القرآنِ أو في أحاديث تتعلَّق بالرحمةِ والرجاءِ والبعثِ والنشورِ وأحوالِ الآخرةِ حتى يلينَ قلبُه ويرقَّ قلبُه، والإنسانُ طبيبُ نفْسِهِ في هذا المكان، لكنْ ينبغي أنْ يغتنمَ آخِرَ النهارِ بالدعاء أخِرَ النهارِ، ينبغي أنْ يغتنمه بالدعاء ويتفرَّغ له تفرُّغًا كاملًا.
وهنا نسأل: هل الأفضل أن يدعو كلُّ واحدٍ مِنَّا لنفسه أو أن نجعل لنا إمامًا يدعو بنا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، كلُّ إنسانٍ يدعو لنفسه، لكنْ لو جاءك إنسانٌ وقال: ادعُ اللهَ لنا. ورأيتَ منه التشوُّفَ أنْ تدعو له -ما هو له تقول: اللهم اغفِر له. لا، تدعو له مِثل أنْ تصلِّي له؛ يعني تدعو وهو يؤمِّن- فإنَّه لا بأسَ في هذا الحال تطييبًا لقَلْبه، وربما يكون فيه خشوعٌ أيضًا إذا شَعَرَ الإنسانُ بالناس كلِّهم يلتفُّون حوله ويؤَمِّنون على دعائه، وربما يكون بعضُهم قريبَ الخشوعِ يَخْشع ويَبْكي فيُخَشِّع الناسَ، هذا لا بأس به فيما يظهر لي.
طالب: الدليل يا شيخ؟ الدليل على هذا؟
الشيخ: الدليل أنَّه ما فيه منع، وهذا يحصُل أحيانًا من الصحابة؛ يطلبون من الرسول أنْ يدعو لهم.
طالب: ( ... ) الموقف ما ( ... ).
الشيخ: لا، في هذا الموقف ما أعلم أنَّه دعا بالناس، ولهذا نقول: الأفضل أنْ يدعو كلُّ إنسانٍ لنفسه.
***
يقول: (ويُكثر من الدعاء ومما وردَ. ومَنْ وقفَ ولو لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له صَحَّ حجُّه).
(مَنْ وقفَ) (مَنْ) هذه اسم شَرْط، فهلْ يعُمُّ كلَّ واقفٍ أو يخصُّ مَنْ كان مُحرِمًا بحجٍّ؟ أيهما؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شك، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يُحرِم إلَّا بعد أنْ غادَرَها لم ينفعه الوقوف.
стр. 3957
(مَنْ وقفَ) محرمًا (بعرفة ولو لحظةً). قوله: (ولو لحظة) يحتمِل أنه إشارة خلافٍ، ويحتمِل أنه للمبالغة وأنه لو وقفَ ولو أدنى وقفةٍ، وهذا الأقرب.
(مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر) أفادنا المؤلف ﵀ أنَّ وقت الوقوفِ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على خلافه؛ على أنَّ وقت الوقوفِ من الزوال.
حُجَّة الإمام أحمد ﵀ حديثُ عُروة بنِ الْمُضَرِّس أنَّه وافَى رسولَ الله ﵌ في مزدلفة لصلاةِ الصبح، وأخبره ما صَنَعَ وأنَّه أَتْعَبَ نفْسَه وأَكَلَّ راحِلتَه ولَمْ يَدَعْ جبلًا إلَّا وقفَ عنده، فقال له النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (٧). فالشاهد قوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، ولم يقيِّده بما بعد الزوال، هذا ما استدلَّ به الإمام أحمد ﵀ في المشهور عنه.
أمَّا جمهور العلماء -وهو رواية عن أحمد- فإنَّ وقت الوقوفِ يكون مِن زوال الشمس، ويحتجُّون لذلك بأنَّ النبي ﵌ لم يقِفْ قبل الزوالِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٨)، وعليه فيُحمَل قولُه لعروة بن المضرِّس: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»؛ أي: نهارًا مما يصِحُّ الوقوفُ فيه، فيكون مطْلقًا مقيَّدًا بالسُّنة الفعلية من رسول الله ﵌، ولا شكَّ أنَّ هذا القول أَحْوط من القول بأنَّ النهار يشمل ما قبل الزوال.
يقول: (ومَنْ وقفَ ولوْ لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له) أي: للحجِّ، جملة: (وهو أهلٌ) حالٌ من فاعل (وقفَ)؛ يعني: والحالُ أنه أهلٌ للحج.
فمَنْ هو الذي هو أهلٌ للحج؟
стр. 3958
المسلم؛ لا شكَّ أنه لا بُدَّ أنْ يكون مسلمًا؛ فغير المسلم ليس أهلًَا للحج، وعلى هذا فلو كان لا يُصَلِّي ووقفَ بعرفةَ وبعدَ الدفْعِ منها -وهو حاجٌّ، وقفَ بعرفةَ حاجًّا- ومَنَّ اللهُ عليه بعد الدفْعِ منها فصلَّى، فهلْ يصِحُّ حَجُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه حين الوقوف ليس أهلًا للحج.
الثاني: لا بدَّ أن يكون مُحرِمًا كما أشرْنا؛ لأن غير الْمُحْرِم ليس أهلًا للحج، لم يكنْ في إحرامٍ حتى يصِحَّ وقوفه.
الثالث: ألَّا يكون مجنونًا، فإنْ كان مجنونًا لم يصِحَّ وقوفه. ( ... )
***
إذَنْ جملة (وهو أهلٌ له) في موضع نصبٍ على الحال.
فمَنْ هو الأهل؟
أنْ يكون مسلمًا، وأنْ يكون عاقلًا، وألَّا يكون سكرانًا ولا مُغْمًى عليه، أربعةُ أوصافٍ: وصْفانِ ثُبوتيَّانِ ووصْفانِ سَلْبيَّانِ؛ أنْ يكون مسلمًا، عاقلًا، غير سكرانٍ ولا مُغْمًى عليه.
طالب: مُحرِمًا.
الشيخ: مُحرِمًا بحجٍّ، إذَنْ ثلاثةٌ ثُبوتيَّة، واثنانِ سَلْبيَّان.
كيف يكون مُغْمًى عليه؟
لنفرِضْ أنَّه حصلَ عليه حادِثٌ وهو متَّجِهٌ إلى عرفة، فأُغْمِيَ عليه قبلَ أنْ يَصِل إلى عرفة، وبقي مُغْمًى عليه حتى انصرفَ الناسُ وانصرفوا به، فنقول: هذا الرجُل لم يصِحَّ وقوفُه لأنه كان مُغْمًى عليه. ونقول: إنَّه فاته الحجُّ، فإذا أفاقَ تحلَّل بعمرةٍ ثم قضاهُ إذا كان فَرْضًا من العام القادم.
(صَحَّ حَجُّه وإلَّا فلا) قوله: (وإلَّا) (إنْ) هذه شرطية، و (لا) نافية، وفِعْل الشرطِ محذوفٌ، وليست (إلَّا) استثنائية، بلْ هي مركَّبة مِن حرفين: من (إنْ) و (لا)، لكنْ أُدغِمت إحداهما في الأخرى، والتقدير: وإلَّا يكن الأمرُ كذلك فلا؛ أي: فلا يصِحُّ حجُّه.
لننظر (وإلَّا):
المؤلف قال: (ومَنْ وقفَ بعرفة)، يعني: وإلَّا يقفْ بعرفة.
وقوله: مِن طلوع الفَجْر إلى طلوع النَّحر. يعني: وإلَّا يقفْ في هذه المدَّة لم يصِحَّ حجُّه.
стр. 3959
المؤلف قال: (وهو أهلٌ له)، يعني: وإلَّا يكنْ أهلًا لم يصِحَّ حجُّه.
فصار الذي يدخل في قوله: (وإلَّا) ثلاثة أشياء: وإلَّا يقفْ، وإلَّا يقفْ في الزمن؛ زمنِ الوقوف، وإلَّا يقفْ وهو أهلٌ للحج.
***
ثم قال: (وإلَّا فلا. ومَنْ وقفَ نهارًا ودفعَ قبلَ الغروبِ ولم يَعُدْ إليها قَبْله فعليه دمٌ، ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا).
يقول: (مَنْ وقفَ نهارًا) ولو قبل الغروب بلحظةٍ ثم دفعَ بعد الغروبِ فحجُّه صحيحٌ، وإنْ وقفَ نهارًا ثم دفعَ قبْلَ الغروبِ نظرتَ؛ فإنْ عاد إليها قبل الغروب صحَّ حجُّه، وإن غابت الشمسُ قبل أنْ يعود صحَّ حجُّه وعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ الواجبَ وهو الوقوفُ بعرفة إلى الغروب.
وظاهِرُ قولِ المؤلف: (ولم يَعُدْ قَبْله) أنه لو عاد بَعْد الغروبِ فعليه الدمُ، مع أنَّ ما بَعْد الغروبِ وقتٌ للوقوفِ، ولهذا كان قولُ المؤلف ﵀ فيه شيءٌ من مخالفةِ القواعد؛ لأنه إذا عاد بعد الغروب فهلْ عاد في وقتِ الوقوفِ أو في غير وقتِ الوقوفِ؟
طلبة: في وقت الوقوف.
الشيخ: في وقت الوقوف، فمقتضى القياسِ أنه لا شيء عليه كما لو عاد قبل الغروب، المؤلف يقول: لو دَفَعَ ثم عاد قبل الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه عاد في وقت الوقوف، وإنْ رجع بعد الغروب فعليه دمٌ.
فإنْ قال: كيف نُلزمه بالدم مع أنه عاد في وقت الوقوف؟ ! ولهذا كان المذهب طرد هذه المسألة؛ أي إن مَن رجع قبل أنْ يطلع الفجر فليس عليه شيء؛ لأنه رجع في وقت الوقوف.
وذهبَ بعضُ العلماء أنه يَلْزمه الدمُ بمجرَّد الدفع قبل الغروبِ سواءٌ رجعَ أمْ لَمْ يرجع؛ لأنه دَفَعَ مُنْهِيًا الوقوفَ، فحصلت المخالفةُ بذلك، فلَزِمه الدمُ. ولا شكَّ أنَّ هذا أو المذهب هو المطَّرد، أمَّا كلامُ المؤلف ففيه شيءٌ من التناقض.
стр. 3960
فالاطِّراد إذَنْ أنْ نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ لَزِمه الدمُ. أو نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ وعادَ قبل الفَجْرِ فلا دمَ عليه. أمَّا أنْ نقول: إنْ رجع قبل الغروب فلا دمَ عليه، وإنْ رجع بعده فعليه دمٌ. مع قولنا بأنَّ الكُلَّ وقتٌ للوقوف؛ ففيه شيءٌ من التناقض.
ولو قيل بالقول الثالث الذي يُلْزمه الدمُ إذا دفعَ قبل الغروب مُطْلقًا، إلَّا إذا كان جاهلًا ثم نُبِّهَ فرجعَ ولو بعد الغروب فلا دم عليه، لو قيل بهذا القول لكان له وجْهٌ؛ وذلك لأنه إذا دفع قبل الغروب فقد تعمَّد المخالفةَ، فيَلْزمه الدمُ بالمخالفة، ورجوعه بعد أنْ لَزِمه الدمُ بالمخالفةِ لا يؤثِّر شيئًا، أمَّا إذا كان جاهلًا -كما لو دفعَ قبل الغروبِ ثم قيل له: إنَّ هذا لا يجوز، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، ثم رجع ولو بعد الغروب- فإنه ليس عليه دمٌ، لو قيل بهذا القولِ لكان له وجهٌ، وهو أقربُ إلى القواعدِ مما ذهب إليه المؤلف.
يقول: (ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا) ويش معنى (فقطْ)؟ أي: دون النهار؛ بأنْ لم يأتِ إلى عرفة إلَّا بعد غروب الشمسِ، فإنه يُجزِئه؛ لعموم قول النبي ﵊: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (٩).
стр. 3961
(ثم يَدْفعُ بَعْد الغروبِ إلى مُزدلفةَ بسَكِينةٍ، ويُسرِعُ في الفَجْوةِ، ويَجْمَعُ بين العِشاءينِ)؛ لأن النبيَّ ﵌ دَفَعَ بعد الغروبِ وأردفَ أسامةَ بن زيدٍ خَلْفه، ودَفَعَ ﷺ بسَكِينةٍ، وقد شَنَقَ الزِّمامَ لناقته حتى إنَّ رأسها من شِدَّة الشنق لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، قد عنَّها عنًّا شديدًا، وهو يقول بيده اليُمنى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (١٠). وسبحان الله! التاريخ يُعيد نفسه؛ يعني من عهد الرسول وربما من قبل أيضًا كان الناسُ إذا نَفَروا أسرعوا، وفي ذلك الوقت الإسراعُ له وجْهٌ؛ لأن الدروب وعرةٌ، والليل قد أسدلَ ظلامه، فكانوا يحرصون على السرعة من أجْل مبادرةِ الوقتِ، بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أنْ تغرب الشمس؛ إذا صارت الشمسُ على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتنامًا لوقتِ السفر؛ يعني الإضاءة.
قال: (ويُسرع في الفَجْوة) يعني المتَّسع؛ يعني إذا أتى متَّسعًا أسرعَ؛ لأن ذلك أرفقُ به حتى يَصِل إلى مزدلفة مبكرًا، وكان من هَدْي النبي ﷺ في دفْعِهِ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحِبال أَرْخَى لناقته قليلًا من أجْل أنْ تصعد؛ لأن الناقة إذا كانتْ قد عُنَّتْ بالزمام يشقُّ عليها الصعود، فإذا أُرْخِيَ لها سَهُلَ عليها الصعود، فكان من هَدْيِهِ ﵊ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تصعد (١١)، وإذا وجد فجوةً أسرع (١٢).
يقول: (ويجمع بين العشاءينِ) متى يجمع؟
стр. 3962
إذا وصلَ إلى مزدلفة، ولا يَصِل إلى مزدلفة إذا دَفَعَ على صفةِ دفْعِ الرسول ﵊ إلَّا بعد دخول وقت العِشاء، ولهذا كان جمْعُ النبيِّ ﵌ في مزدلفةَ جمْعَ تأخيرٍ؛ لأنكم تصوَّروا أنَّه في أقصى عرفة من جهة الشرق، سيمُرُّ بجميع عرفة وهي واسعة، ويَمُرُّ بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة، ثم إنَّه ثبت في الصحيح أنَّه ﵊ نزلَ في الشِّعب -شِعب المأزِمَيْنِ- وبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وقال له أسامة: الصلاةَ يا رسول الله. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (١٣). وهذا يقتضي وقتًا طويلًا، فلهذا كان وصولُه إلى مزدلفة إلى مَقَرِّه هناك بعد دخول وقت صلاةِ العِشاء بلا شك.
فإنْ قال قائل: هلْ يُسَنُّ أنْ ينزلَ الإنسانُ في أثناء الطريقِ وفي المكان الذي نزلَ فيه الرسولُ ﵊ إنْ كان سار معه، ويبول ويتوضَّأ وُضوءًا خفيفًا أو لا؟
نقول: لا؛ لأنَّ هذا وقعَ اتفاقًا بمقتضى الطبيعة؛ احتاجَ النبيُّ ﷺ إلى أنْ يبول فنزلَ فبالَ بمقتضى الطبيعة، لو أنَّه احتاجَ إلى أنْ يبول في غير هذا المكانِ لَنَزَلَ، ولو لم يحتجْ لم ينزلْ، والدليلُ على هذا أنَّه ﷺ لَمَّا وصلَ إلى مزدلفة ووقفَ صلَّى المغرب قبل حَطِّ الرِّحال، ثم بَعْد صلاةِ المغرب حَطُّوا رِحالهم، ثم صلَّوا العِشاء (١٣)، فهذا دليلٌ على أنَّ الرسول ﷺ نزلَ هناك لا تعبُّدًا، ولكن اتفاقًا.
قال المؤلف: (ويبيتُ بها).
لو صلَّى المغربَ والعِشاءَ في الطريقِ، فهلْ يجوزُ أو لا؟
ذهب ابنُ حزمٍ مِنْجنيقُ العربِ إلى أنَّه لو صلَّى في الطريقِ لم يُجزِئه؛ لأن النبيَّ ﷺ قال لأُسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».
стр. 3963
ولكن الصحيح قول الجمهور: أنَّه لو صلَّى في الطريق لأجزأه؛ لعموم قول النبي ﵌: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١٤).
وأمَّا قول الرسول ﷺ لأسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فوجْهُهُ ظاهرٌ؛ لأنه لو أَوْقفَ الناسَ في هذا المكان؛ لو وقفَ ليُصلِّي وقفَ الناسُ، فلو أَوْقفهم في هذا المكانِ وهُم مُشْرَئِبُّون (١٥) إلى أنْ يَصِلوا إلى مزدلفة لكان في ذلك مشقَّةٌ عليهم ربما لا تُحتَمل، فكان هَدْيُه ﵊ هَدْيَ رِفْقٍ وتيسيرٍ، لكنْ لو أنَّ أحدًا صلى فإنَّ صلاته تصِحُّ لعموم الحديث الذي ذكرْنا: «وجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
لكنْ ربما يجب أنْ يصلِّي في الطريق، متى؟ إذا خَشِيَ خروجَ وقتِ صلاةِ العِشاء بمنتصف الليل، فإنه يجب أنْ يصلِّي في الطريق؛ ينزل ويصلي.
فإنْ لم يُمْكنه النزول للصلاة فإنه يصلِّي ولو على السيارة إذا كان لا يُمْكنه؛ لأنه ربما يكون الخطُّ يمشي لكن مشيًا ضعيفًا لا يُمْكنه أن يَصِل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، وليس الخطُّ واقفًا حتى يمكن أنْ ينزل ويصلِّي ثم يركب، ففي هذا الحالِ إذا اضطُرَّ إلى أنْ يصلِّي في السيارة فلْيُصَلِّ، وعليه أنْ يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
قال المؤلف ﵀: (ويبيتُ بها).
يبيتُ بها وجوبًا أو استحبابًا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يبيتُ بها وجوبًا؛ بدليل قوله فيما بعد: (فعَليه دمٌ) إذا لم يفعل.
стр. 3964
(ويبيت بها). واختلف العلماء ﵏ في البيتوتةِ في المزدلفة؛ فمنهم مَن قال: إنها سُنَّة، ومنهم مَن قال: إنها واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ومنهم مَن قال: إن المبيتَ فيها ركنٌ كالوقوف بعرفة؛ لأن الله نصَّ عليه وقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والنبي ﵌ سوَّاها في عرفة حينما قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١). ولكن القول الوسط لعله أحسن الأقوال: أنَّه واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ولا يُقتصر فيه على السُّنة.
قال المؤلف: (وله الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ).
(له) الضمير يعود على مَن؟ على الحاجِّ مُطْلقًا؛ قويًّا كان أَمْ ضعيفًا، رجُلًا كان أَمِ امرأة.
(له الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ) ما الدليل؟
الدليل أنَّ النبي ﷺ أذِنَ للضَّعَفةِ أنْ يدفعوا من مزدلفة ليلًا (١٦)، قالوا: وإذا انتصفَ الليلُ فقد أمضى أكثرَ الليلِ في مزدلفة، وإذا أمضى أكثرَ الليلِ أجزأه.
ولكن في هذا الحكم نظرٌ لأنه لا يُطابِق الدليل، فالدليل هو أنَّ الرسول ﵌ بعث الضَّعَفَةَ مِن أهله بليلٍ، وكلمة (ليل) تَصْدق على النصف الأول، والنصف الثاني، والسَّحَر، وتعيينها بما بعد النصف يحتاج إلى دليل، ومن المعلوم أننا لو أخذنا بظاهر اللفظ لقُلنا: يجوز الدفعُ قبل منتصف الليل؛ لأنه دفع بليل. وهذا لا يقول به المؤلف ﵀.
стр. 3965
ثم نقول: إذا قُلنا: الواجبُ المبيتُ مُعْظمَ الليلِ، فإنَّ نصف الليلِ ليس هو مُعْظم الليل؛ لأن الناس دفعوا من عرفة بعد غروب الشمس، والمسير من عرفة إلى مزدلفة يحتاج إلى ساعةٍ ونصفٍ أو ساعتين، ومن ثَمَّ كان من فِقْه أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ أنها تنتظر، حتى إذا غاب القمرُ دفعتْ (١٧)، وغروب القمر يكون بعد مُضِيِّ ثُلثي الليل تقريبًا، قد يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكأنها ﵂ اعتبرتْ نصف الليل، لكن اعتبرت النصف من نزول الناس في مزدلفة، ونزولُ الناس في مزدلفة إذا اعتبرنا النصف فإنه يزيد على النصف الحقيقي الذي هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يزيد بنحو هذا المقدار الذي اعتبرته أسماء، وهو غروب القمر، وهذا هو الصحيح أنَّ المعتبر غروب القمر، وإنْ شئتَ فقُل: إنَّ المعتبر البقاءُ في مزدلفة أكثرَ الليل، ولكنْ يؤخذ من الليلِ المسافةُ ما بين الدفعِ من عرفة إلى وصولِ مزدلفة، فيكون ما ذهبتْ إليه أسماءُ ﵂ هو المطابق لمعْظَم الليل.
يقول: (ويبيتُ بها، وله الدفْعُ بَعْدَ نصفِ اللَّيلِ، وقَبْلَهُ) أي: قبلَ نصفِ الليلِ؛ يعني: لو دَفَعَ (فيه دمٌ) ( ... ) سواءٌ كان عالِمًا بالحكْمِ أو جاهلًا، عامِدًا أو ناسيًا.
إذا دَفَعَ قبلَ منتصفِ الليل فعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ واجبًا، وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ يذبحه ويتصدَّق به جميعًا على الفقراء في مكة.
(وقَبْلَهُ فيه دمٌ كوصولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْرِ لا قَبْلَهُ).
стр. 3966
(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفَجْر)، فإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفَجْر ولو بلحظةٍ لَزِمَه دمٌ؛ لأنه لم يَبِتْ بها، ولكن ظاهر حديثِ عروة بن مُضَرِّس ﵁ أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في مزدلفة على الوقت الذي صلَّاه الرسولُ ﵊ فإنه لا شيءَ عليه؛ لقوله: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» (٧)، والإشارة «هَذِهِ» تفيد أنه لا بدَّ أنْ تكون الصلاةُ في أول الوقت؛ لأن الرسول ﷺ صلَّى الفَجْر في أول وقتِها.
(كوُصُولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْر لا قَبْلَهُ) أي: لا إنْ وَصَلَ إليها قَبْل الفجر ولو بعد نصفِ الليل فإنه لا شيء عليه.
والخلاصةُ على المذهب على ما مشى عليه المؤلف:
إذا دَفَعَ قَبْل منتصفِ الليلِ فعليه دمٌ.
إذا دَفَعَ بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دمٌ.
إذا وصل إليها بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
فعليه الدمُ في حالين هما: إذا دَفَعَ قبل منتصف الليل، وإذا لم يَصِل إليها إلا بعد الفجر، عليه دمٌ في الحالين.
وليس عليه دمٌ فيما إذا دَفَعَ بعد منتصف الليل، أو وصل إليها بعد منتصف الليل.
طلبة: ( ... )؟
الشيخ: لا شيء عليه.
طالب: قبل الفجر.
الشيخ: طيب، لا شيء عليه إذا دَفَع بعد منتصف الليل قبل الفجر أو بعده، ولا شيء عليه إذا وصل بعد منتصف الليل لكن قبل الفَجْر؛ لأن ما بعد الفجر ذكرناه قبل، ولكنَّا قُلنا: إن ظاهر حديث عروة بن المضرِّس أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في أولها فإنه يُجزئه.
بَقِي أنْ يقال: حدثت مشكلةٌ في أيامنا الأخيرة؛ أنَّ بعض الحجَّاج لا يَصِلون إلى مزدلفة إلَّا بعد طلوع الفجر وبعد صلاةِ الفجر أيضًا فما الحكْم؟
стр. 3967
على المذهبِ يجبُ عليهم دمٌ؛ لأن القاعدة عندهم أنَّ من حُصِرَ عن واجبٍ فعليه دمٌ؛ لأن المحصور عن الواجب لا يتحلَّل؛ إذْ لا حاجةَ له إلى التحلُّل، لكن عليه دمٌ. فنقول: هؤلاء الذين لم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْر الصلاةِ نقول: هؤلاء حُصِروا عن هذا الواجب فيَلْزمهم دمٌ.
ولكن بعض العلماء قال: إن هؤلاء حُصِروا إكراهًا، حُصِروا ولم يُحْصَروا، حُصِروا لأنهم لم يَصِلوا في الوقت، ولم يُحْصَروا لأنهم وصلوا إلى المكان، فيكون وصولهم إلى المكان بعد زوال الوقت كقضاء الصلاةِ بعد خروج وقتِها للعُذر، وأنهم إذا حُصِروا في هذه الحال ولم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجرِ وذهابِ وقت الصلاةِ فإنهم يكونون كالذين عُذِروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتُها.
وهذا القولُ أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: مَنْ حُبِس عاجزًا عن الوصول إليها، ولم يَصِل إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْرِ الصلاةِ أو بعد طلوع الشمس؛ فإنه يَقِفُ ولو قليلًا ثم يستمِرُّ؛ وذلك لأنه يُشبه الصلاةَ إذا فاتتْ لعُذرٍ فإنه يقضيها، ولو قيل أيضًا بأنه يسقطُ الوقوفُ لأنه فاتَ وقتُه لم يكن بعيدًا.
المهم أنَّ القول الراجح أنَّه لا يُلْزَم بدمٍ؛ لأنه تَرَكَ هذا الواجبَ عجزًا عنه، والله أعلم.
***
стр. 3968
طالب: وله الدفْعُ بعد نصفِ الليلِ، وقَبْله فيه دمٌ كوصوله إليها بعدَ الفَجْر لا قَبْله، فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشعر الحرامَ فرقاهُ، أو يقِفُ عنده ويحمدُ اللَّهَ ويُكبِّره ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ... ﴾ الآيتين [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، ويدعو حتى يُسْفِر، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ وأخذَ الحصى، وعددُه سبعون بين الحمَّصِ والبُندق، فإذا وصلَ إلى مِنًى -وهي من وادي مُحَسِّرٍ- إلى جمرةِ العقبةِ رماها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ يرفعُ يَدَهُ اليُمنى حتى يُرَى بياضُ إِبْطِهِ، ويُكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ولا يُجْزئ الرميُ بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يَقِف ويقطع التلْبِيةَ قبلها.
الشيخ: ( ... ) محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّه في اليوم التاسع يذهبُ مِن مِنًى إلى عرفة، وأنَّه ينزل أولًا بنَمِرة حتى تزول الشمسُ، ثم يركبُ ويصلِّي الظهر والعصر بباطن الوادي، ثم يذهبُ إلى موقِفه، وهذا كُلُّه إنْ تيسَّر.
وسَبَقَ لنا أيضًا أنَّ النبي ﷺ وقفَ في شرقِيِّ عرفة عند الصخراتِ والجبلِ وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١). وعرفةُ كبيرةٌ واسعةٌ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب التأكد من حدودها لئلَّا يقِفَ الإنسانُ في غير الموقِف فيرجع بلا حجٍّ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب أنْ يبقى في عرفة إلى غروب الشمس، وأنَّه إنْ دَفَع قبل الغروب ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وإنْ عاد فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وعاد بعد الغروب قبل الفجر فليس عليه شيء، فالأقوال ثلاثة، ورجَّحْنا أنَّ الأقرب ثبوتُ الدم عليه بمجرَّد الدفع؛ لأنه خالفَ ما فَعَله النبي ﵌.
стр. 3969
وسَبَقَ لنا أنهم في الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس، وأنَّ النبي ﷺ خالَفَهم فدفَع بعد الغروب، لكنه دَفَع ولم يصلِّ إلا في المزدلفة، هذا في اليوم التاسع. في ليلة العاشر يدفع من عرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعِشاء جمعًا وقَصْرًا ويبيت.
وهُنا هلْ يُشرع أنْ يُحيي تلك الليلةَ بالقراءةِ والذِّكرِ والصلاةِ، أمِ السُّنةُ النومُ؟
الثاني؛ السُّنة النومُ؛ لأن الرسول ﷺ اضطجعَ حتى طلعَ الصبح (٣).
وأيضًا هلْ يصلِّي الوتر في تلك الليلة أو لا؟
نقول: لم يُذكَر في حديث جابرٍ ولا غيره فيما نعلم أنَّ النبي ﷺ أَوْتَر تلك الليلة، لكنْ على سبيل العموم أنَّه لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا. نقول: إنَّه يُوتر تلك الليلة، وعَدَمُ النَّقْلِ ليس نَقْلًا للعَدَم؛ لأننا نبقى على الأصل وهو أنَّه لا يَدَعُ الوتر سَفَرًا ولا حَضَرًا.
ثم نقول: لو تَرَكه في تلك الليلةِ لَنُقِلَ؛ لأنه لو تَرَكه لَكان شرعًا، والشرع لا بدَّ أنْ يُحفظ ويُنقَل.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجوز على رأي الفقهاء ﵏ أنْ يدفع بعد منتصف الليل، ووجْهُهُ أنَّه إذا دَفَع بعد منتصف الليل فقد بقي في مزدلفة مُعْظم الليلِ أو أكثرَ الليلِ.
وسَبَقَ لنا أنَّ القول الراجح في هذه المسألة أنَّه لا يدفع إلا في آخِر الليل، وأنَّ أسماء بنت أبي بكرٍ ﵄ كانتْ ترتَقِبُ غروب القمر (١٧)، وأنَّ ما فَعَلتْهُ أسماء هو الفقه؛ لأنه لا ينبغي أن نحسب أول الليل ونحن لم نَصِل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العِشاء؛ إذْ إنَّ الناس يسيرون من عرفة إلى مزدلفة ولا يَصِلون إلا متأخرين.
стр. 3970
وسَبَقَ لنا أنَّ السُّنة صلاة المغرب والعِشاء في مزدلفة، وأنَّه لو صلَّى في غير مزدلفة فصلاتُه صحيحةٌ خلافًا لِمَنْ؟ لابن حزم، والدليل: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١٤)، وأنَّه لو خاف فَوْتَ الوقتِ -أي: وقت العِشاء وهو منتصف الليل- وجبَ عليه أنْ يصلِّي في أيِّ مكانٍ.
الدفع في آخِر الليل هلْ يختصُّ بأهل الأعذار أو لا؟
قال بعض العلماء: إنَّه يختصُّ بأهل الأعذار من الضعفاء والنساء ونحوهم. وأجازه الفقهاء مُطْلَقًا لأهل الأعذارِ ولغير أهل الأعذار.
حُجَّة الأوَّلِينَ أنَّ الرسول ﷺ أقامَ في مزدلفةَ حتى صلَّى الفجر وأَسْفَرَ جِدًّا (٣)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٨). وعن عائشة ﵂ تمنَّتْ أنها استأذنَت الرسولَ ﵌ أنْ تدفع قبل الفجر كما استأذنَتْ سَوْدَةُ، وقالت كلامًا يفيد أنها تودُّ أنها استأذنَتْ من الرسول ﵊، وأنها لو استأذنتْ لَكان أَشَدَّ من مفروحٍ به (١٨)؛ يعني: تُبالغ في أنها لو فعلتْ لأحبَّتْ ذلك.
على كلِّ حالٍ الذي يترجَّح أنَّه ليس بواجبٍ أنْ يبقى إلى صلاة الفجر، ولا سِيَّما في هذه الأزمان مع كثرة الناس والزِّحام والشِّدة، لكنْ هو الأفضل؛ أنْ يبقى إلى أنْ يصلِّي الفجر ويُسْفِر جِدًّا ثم ينصرف.
***
يقول المؤلف رحمه الله تعالى، وهو مبتدأ درس الليلة: (فإذا صلَّى الصبح)، وهُنا لم يُبَيِّن متى تكون هذه الصلاة، لكنْ قد ثبتَ بالسُّنة أنَّ الرسول ﵌ صلَّاها حين تبيَّن له الصبح ولم يتأخر؛ صلَّاها بغَلَس (١٩).
стр. 3971
(فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشْعَرَ الحرامَ) والمشعر الحرام: جبلٌ صغيرٌ معروفٌ في مزدلفة، وعليه المسجدُ المبنيُّ الآن، أتاه سواءٌ كان راكبًا أمْ راجلًا، والنبيُّ ﵌ ركبَ ناقته ووقفَ عند المشعر الحرام، وقف راكبًا (٣)، لكنه قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١) (جَمْع) يعني مزدلفة، وسُمِّيت جَمْعًا لأن الناس يجتمعون فيها كلُّهم، وكانوا في الجاهلية يجتمعون فيها كلُّهم، وفي عرفة لا يجتمع أهلُ مكة، بلْ لا يجتمع قُريش مع غيرهم؛ لأنهم يَقِفون في مزدلفة، لا يخرجون إلى عرفة؛ لأنَّ عرفة من الحِلِّ، فمِنْ أجْل هذا سُمِّيت جمعًا لأنها تجمع الناس كلَّهم. يقول الرسول ﵊: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
وقوله: (المشعر الحرام) وُصِفَ بالحرام لأن هناك مَشْعرًا حلالًا وهو عرفات، ففي الحجِّ مَشْعرانِ: حلالٌ وحرامٌ؛ فالمشعر الحرام: مزدلفة، والمشعر الحلال: عرفة.
ولماذا وُصِف بالحرام؟ لأنه داخل حدود الحرم.
قال: (فيرقاه) يعني: يرقى هذا المشعر، وهو جبلٌ صغيرٌ كما قُلنا (أو يَقِف عنده)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].
(أو يَقِف عنده، ويحمد اللَّهَ ويُكبِّره) ويدعو الله رافعًا يديه إلى أنْ يُسْفِر جِدًّا، ويكون أيضًا مستقبِلَ القِبلة.
قال المؤلف: (ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ... ﴾ الآيتين)، وقراءة هاتَينِ الآيتَينِ لا أعلمُ فيها سُنَّةً، لكنها مناسِبة؛ لأنَّ الإنسانَ يُذَكِّر نفسه بما أَمَر اللهُ به في كتابه.
стр. 3972
(ويدعو حتى يُسْفِر) يُسْفِر جدًّا؛ يعني: يتبيَّن السفر أو الإسفار ويرى الناسُ بعضهم بعضًا، ثم ينطلق قبل أنْ تطلع الشمس، ولهذا قال: (فإذا أَسْفَرَ سار قبل طلوع الشمسِ بسَكِينَةٍ) خلافًا لأهلِ الجاهلية، أهلُ الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس، وكان من عباراتهم الموروثة: أَشْرِقْ ثَبِير، كَيْمَا نُغِير (٢٠). ثَبير: جبلٌ معروفٌ هناك كان رفيعًا تتبيَّن به الشمسُ قبل غيره مما حوله من الجبال، وكانوا يرقبون هذا الجبل، فإذا أشرقَ دفعوا.
إذَنْ هُم -أعني في الجاهلية- يُبادرون السفر أو الإسفار في أول الليل؛ ليلة العيد، وفي آخرها، كيف ذلك؟ لأنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ويدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، أمَّا الرسول ﵌ فخالَفَهم في الوقتينِ.
يقول: سار بسَكِينةٍ؛ يعني: لا بإسراعٍ وإيضاعٍ للإبل، والإيضاع: الإسراع، بلْ يكون بسَكِينةٍ.
(فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) لأنَّ النبي ﷺ حرَّكَ قليلًا؛ حرَّكَ ناقتَه حين بَلَغَ مُحَسِّرًا (٣)، ومُحَسِّر: بطنُ وادٍ عظيم، وبهذا نعرف أنَّ بين المشاعر أودية؛ فبين المشْعرِ الحرام والمشْعرِ الحلال وادٍ وهو عُرَنة، وبين المشْعَرينِ الحرامَينِ مِنًى ومزدلفةَ وادٍ وهو وادي مُحَسِّر، أسرعَ فيه النبيُّ ﵊ (٣).
واختلفَ العلماءُ لماذا أسرعَ:
فقال بعضُهم: أسرعَ لأن بطن الوادي يكون دعثًا وليِّنًا يحتاج أنْ يحرِّك فيه الإنسانُ بَعيره؛ لأن مَشْي البعيرِ على الأرضِ الصلبة أسرعُ مِن مشيها على الأرض الرخوة، فحرَّك مِن أجْل أنْ يتساوى سيرُها في الأرض الصلبة وسيرُها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحَظ هنا هو مصلحةُ السير فقط.
стр. 3973
وقيل: أسرعَ لأن الله أهلكَ فيه أصحابَ الفيل، فينبغي أنْ يُسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مرَّ بأراضي العذابِ أنْ يُسرع؛ كما فَعَل النبيُّ ﵌ حين مرَّ بديار ثمود في غزوة تبوك؛ لَمَّا مرَّ زَجَر الناقةَ ﵊ وقَنَّعَ رأسه هكذا وأسرعَ، واليومَ الناسُ بعضُهم يتَّخذ هذه الديارَ سياحةً ونُزهةً والعياذ بالله، مع أنَّ الرسول أسرعَ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» (٢١).
كيف يُصِيبنا ما أصابهم ونحن لم نعمل؟
لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء فقلْبُه يكون غيرَ ليِّنٍ وغيرَ خاشعٍ، فيكون قاسيًا مع مشاهدته آثارَ العذابِ، وحينئذٍ يُصيبه ما أصابهم من التكذيبِ والتولِّي، هذا معنى الحديث؛ يعني ليس المراد أنْ يُصيبكم العذابُ الرِّجزُ الحِسِّي، قد يُراد به العذابُ أو الرِّجزُ المعنويُّ؛ أنْ يقسو قلب الإنسان فيُكذِّب بالخبر ويتولَّى عن الأمر -نسأل الله العافية- وبهذا نعرف أنَّ اتخاذها نُزهةً خطأٌ عظيمٌ مخالفٌ لأمر النبيِّ ﵌: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»، والذين يذهبون للنُّزهةِ أو للتفرُّج هلْ هُم يبكون؟
الظاهر أنهم إلى الضحك أقربُ منهم إلى البُكاء، ويُصَوِّرون ويعملون أشياء اللهُ أعلمُ بها، فنسأل اللهَ لنا ولكم العِبرة والهداية.
المهمُّ أنَّ مِن العلماء مَن علَّلَ إسراعَ النبيِّ ﵌ بأنَّ هذا هو الموضع الذي أهلكَ اللهُ فيه أصحابَ الفيلِ، لكن هذا التعليل عليلٌ؛ لأن أصحابَ الفيلِ لم يُهلَكوا هُنا، بلْ في مكانٍ يُقال له: الْمُغَمَّس، حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى
стр. 3974
ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَكْبُولُ
فعلى هذا يكون هذا التعليلُ غيرَ صحيحٍ أو كأنه مكسور.
وقال بعض العلماء: إنَّ النبيَّ ﵌ أسرعَ لأنهم كانوا في الجاهلية يَقِفون في هذا الوادي ويذكرون أمجادَ آبائهم؛ وأباؤنا فعلوا كذا وفعلوا كذا وفعلوا كذا، فأراد النبيُّ ﵌ أنْ يُخالِفهم كما خالَفَهم في الخروج من عرفة وخالَفَهم في الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقربُ التعاليل أنَّه فَعَل ذلك مُخالَفةً للمشركين الذين يَقِفون في هذا الوادي ليذكروا أمجادَ آبائهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) (رميةَ حَجَرٍ) كيف يمكن قياسها؟
وأَخَذَ الْحَصَا -وعدَدُه سَبعونَ بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ - فإذا وَصَلَ إلى مِنًى - وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ - رَماها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها، ولا بها ثانيًا، ولا يَقِفُ، ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها، ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ - ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً، ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ، ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ، ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
(فصلٌ)
стр. 3975
ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ، وأَوَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْرِ، ويُسَنُّ في يومِه وله تَأخيرُه، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ولم يكنْ سَعَى مع طَوافِ القُدومِ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ثم يَشربُ من ماءِ زَمزمَ لِمَا أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه ويَدعو بما وَرَدَ.
ثم يَرْجِعُ فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ فيَرْمِي الجمرةَ الأُولَى، وتَلِيَ مَسجدَ الْخَيْفِ - بسبْعِ حَصَياتٍ ويَجعلُها عن يَسارِه ويَتأَخَّرُ قليلًا ويَدعو طَويلاً، ثم الوُسْطَى مِثْلَها، ثم جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجعلُها عن يَمينِه ويَسْتَبْطِنُ الوادِيَ ولا يَقِفُ عندَها، يَفعلُ هذا في كلِّ يومٍ من أَيَّامِ التشريقِ - بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا -
قال العلماء: إن النبي ﵌ أسرع؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم: وآباؤنا فعلوا كذا، وفعلوا كذا، وفعلوا كذا، فأراد النبي ﵌ أن يُخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وخالفهم في الخروج من مزدلفة.
ولعل هذا أقرب التعاليل؛ أنه فعل ذلك مخالفةً للمشركين الذين يقفون في هذا الوادي ليذكروا أمجاد آبائهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رمية حجر) (رمية حجر)، كيف يمكن قياسها؟
لأن الحجر قد يكون كبيرًا، فإذا رميت به لم يذهب بعيدًا، وقد يكون الرامي ضعيفًا، فإذا رمى بالحجر الصغير لم يذهب بعيدًا، لكنهم يقولون: مقدار خمس مئة ذراع، الذراع أظن ثلثي المتر، نعم، على هذا التقريب، لكن هل هذا يمكن العمل به الآن؟
طالب: لا يمكن.
стр. 3976
الشيخ: الظاهر أنه لا يمكن؛ لأن الإنسان محبوس بأرتال السيارات التي لا يمكن أن يتقدم ولا أن يتأخر، وربما يُحبس في نفس المكان، يعجز أن يمشي.
ولكن نقول: هذا شيء بغير اختيار الإنسان، ينوي الإنسان بقلبه أنه لو تيسر له أن يُسرع لأسرع، وإذا علم الله من نيته هذا فإنه قد يُثيبه على ما فاته من الثواب.
يقول: (وأخذ الحصاة) من أين؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يأخذه من وادي مُحسر أو من بعده؛ لأنه قال: (فإذا بلغ محسرًا أسرع وأخذ)، فعلى هذا يأخذه بعد أن يتجاوز مُحسرًا في طريقه.
والذي يظهر لي من السنة أن الرسول ﵊ أخذ الحصى من عند الجمرة؛ لأنه أمر ابن عباس أن يلقُط له الحصى وهو واقف يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا، ورمى.
وأما أخذه من مزدلفة فليس بمُستحب، وإنما استحبه بعضُ المتقدمين؛ لأجل أن يبدأ بالرمي أي: رمي جمرة العقبة من حين أن يصل إلى منى؛ لأن رمي جمرة العقبة هو تحية منى، ويُفعل قبل كل شيء، حتى إن الرسول ﵊ رمى وهو على بعيره قبل أن يذهب إلى رحله ويُنزل رحله، لكنه رمى على بعيره.
والناس لا يتيسر لهم أن يقولوا لأحد منهم: القُط لنا الحصى، ويلقط لهم الحصى وهم على إبلهم، ثم يرمون، لا يتيسر؛ فلذلك استحب بعضُ المتقدمين أن يأخذ الحصى من مزدلفة، وليس هذا بسُنَّة.
ولكن عامة الخلق يظنون أنه يجب أن يكون الحصى من مُزدلفة وجوبًا، حتى إن الواحد منهم يأخذ عددًا كبيرًا، يأخذ سبعين حصاةً؛ لأن سبعين حصاةً تكون لمن تأخر؛ واحد وعشرون، وواحد وعشرون، وواحد وعشرون، كم هذه؟ ثلاث وستون، وسبع يوم العيد، هذه سبعون حصاةً. بعض الناس يأخذ زيادةً، لماذا؟
يخشى أن تسقط منه واحدة أو تضيع، أو يحتاج أحدُ إخوانه، ولذلك سمعتُ فيما سبق أن كل واحد منهم يستقرض من الآخر، إذا ضاع منه شيء قال لأخيه: أقرضني -جزاك الله خيرًا- حصاةً، ومتى يوفيها؟ يمكن في العام القادم، أو فيما بعده.
стр. 3977
كل هذا؛ لأن العامة إذا رأوا العلماء يأخذون أو يقولون: يُستحب أن يأخذ من مزدلفة؛ ظنوا أن هذا واجب، والعامة يُحبون الخير لا شك، وقد تبيَّن بما قررنا أنه ليس من السنة، فضلًا عن أن يكون واجبًا.
قال المؤلف: (أخذ الحصى)، وهل يغسل الحصى ليُطهِّره؟
قال بعض العلماء: إنه يغسله تطهيرًا له إن كان قد أصابته نجاسة، أو تنظيفًا له إن لم تكن أصابته نجاسة.
والصحيح أن غسله بدعة؛ لأن النبي ﷺ لم يغْسِله.
(وعدده سبعون) هذا كلام المؤلف ما شاء الله (وعدده سبعون) يعني: سبعون حصاةً (بين الحمص والبندق)، ذكر المؤلف ﵀ العدد والحجم؛ العدد سبعون؛ بناءً على أنه يتأخر، فإن لم يتأخر فأنزِل من السبعين واحدًا وعشرين تكن.
طالب: سبع وأربعون.
طالب آخر: لا، تسع وخمسون.
الشيخ: واحد وعشرون، وواحد وعشرون: اثنان وأربعون، وسبعة: تسع وأربعون. تكن تسعة وأربعين.
والصحيح أنه لا يأخذ سبعين، ولا تسعًا وأربعين، أنه يأخذ الحصى كل يوم في يومه من طريقه وهو ذاهب إلى الجمرة؛ لأن الشيء الذي ليس عليه دليل يكون عدم فعله -لا سيما في العبادات- هو الدليل.
يقول: (وعدده سبعون).
أما الحجم، فقال: (بين الحمص والبندق) أظن العقيل يعرف الحمص، تعرفه؟ ما تعرف الحمص؟ أحد منكم ما يعرفه؟
طالب: هو دون الفول يا شيخ.
الشيخ: والفول مين يعرفه؟ ! على كل حال، الحمص معروف، ما أظن أحد يجهله.
طلبة: معروف؟
الشيخ: إي نعم، لا سيما في مكة.
طالب: البليلة يا شيخ.
الشيخ: بليلة، يمكن البليلة قريب منها، وأظن عقيل يعرفها، إي، هو هذا.
على كل حال، (بين الحمص والبندق) البندق هو الحصى الذي يُرمى به بين الإبهام والوسطى، تضعه هكذا، ثم ترمي به بالسبابة، والذي يُدرك هذه الكيفية من الرمي يكون جيدًا في حذف هذه الحصاة.
على كل حال، هي أكبر من الحمص ودون البندق، ولهذا قال: (بين الحمص والبندق).
(فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة) من الواصل؟
الطلبة: الحاج.
стр. 3978
الشيخ: الحاج، ومِنى اسم مكان معروف، وسُميت بهذا الاسم لكثرة ما يُمنى فيها من الدماء، أي: يُراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فتقول: إلى منًى؛ لأنها تنصرف.
يقول: (فإذا وصل إلى منى) وهي من وادي مُحسِّر إلى جمرة العقبة، هذا حدها شرقًا وغربًا من وادي مُحسر -الذي ذكرنا قبل قليل أنه يُسرع فيه- إلى جمرة العقبة آخر الجمرات. الوادي منها أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف حسب دلالة (مِنْ) أنه منها، وليس كذلك، أما جمرة العقبة فليست منها؛ لأنه قال: (إلى جمرة العقبة)، والمعروف في معاني الحروف أن ابتداء الغاية داخل، لا انتهاؤها، لكن إذا كانت المسألة من باب الحد، فإن ابتداء الغاية وانتهاءها لا يدخلان.
فإذا قلت: لك من هذه الأرض مِن كذا إلى كذا، فالحد لا يدخل في المحدود، لا ابتداءً ولا انتهاءً، وبهذا يتقرر أن وادي مُحسر ليس من منى، وأن جمرة العقبة ليست من منى. هذا من الشرق والغرب، لكن من الشمال والجنوب كيف نحدها؟
قال العلماء: كل الجبال الكبيرة كل وجوهها التي إلى منى مِن منى، كل سُفوح الجبال ووجوهها التي تتجه إلى منى كلها من منى.
وبناء على هذا تكون منى واسعة جدًّا، وتحمل الحاج، لو أنها نُظمت تنظيمًا تامًّا مبنيًّا على العدل لوسعت الناس، لكن يحصل فيها الظلم؛ تجد بعض الناس يتخذ مكانًا واسعًا يسع أكثر من حاجته عشر مرات، أو عشرين مرة.
وهنا مشكلة في الوقت الحاضر، يقول بعض الناس: أنا لا أجد أرضًا في منى إلا بأجرة، يبذلون إلى عشرين ألفًا، ثلاثين ألفًا، سبعين ألفًا، فهل يجوز أن يستأجر أرضًا في منى؟
الجواب: نعم، يجوز، والإثم على الْمُؤَجِّر الذي أخذ المال بغير حق، أما المستأجر ماذا يصنع؟
ولهذا قال فقهاءُ الحنابلة ﵏: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتًا إلا بأجرة بذل الأجرة، والإثم على صاحب البيت.
وهذه المسألة تُذكر في البيوع، وليس هذا موضع ذكرها، لكن ذكرتها استطرادًا.
стр. 3979
أما بيوت منى، فلا شك أنه لا يجوز تأجيرها أبدًا، ولا أرض منى؛ لأن منى مشعر محدود، محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا بأجرة؟ !
أما مكة يمكن للإنسان أن ينزل بعيدًا، ولا يهم، لكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقًا أن يبني فيها بناء ويُؤجره، ولا أن يختط أرضًا ويُؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون، يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها.
يقول: (فرماها بسبع حصيات متعاقبات) سبع حصيات، ولماذا اختِيرت السبع؟ اقتداءً بمن؟ برسول الله ﵌؛ لأنه رماها بسبع حصيات.
أما لماذا لم تكن خمسًا، أو ثلاثًا، أو تسعًا، أو إحدى عشرة حصاة؟
فهذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق بأن نقول: لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟ لماذا لم تكن الظهر ستًّا، والعصر ستًّا، والعشاء ستًّا مثلًا؟
نقول: هذا لا تُدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.
(بسبع حصيات مُتعاقبات) معنى (مُتعاقبات)؟
طالب: وراء بعض.
الشيخ: وراء بعض، يعني واحدة بعد الأخرى، صحيح.
وقول المؤلف: (رماها) يُفهم منه أنه لو وضع الحصى وضعًا فإنه لا يُجزئه، بل لا بد من الرمي، حذف، أما لو أخذ الحصاة ووضعها هكذا؛ هذا لا ينفع.
وقوله ﵀: (متعاقبات) لو أنه من شدة الزحام رمى السبع جميعًا، ما لا يُجزئه؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة فقط، تجزئه واحدة.
وقول المؤلف: (بسبع حصيات متعاقبات) ظاهره أنها مُتوالية، أو أنه لا فرق بين المتوالية والمتفرقة، فيه احتمال: أنه يجوز أن تكون متوالية، ويجوز أن تكون متفرقةً، لكنها عبادة واحدة، والأصل في العبادة الواحدة المكونة من عدد أن تكون متوالية.
يقول ﵀: (يرفع يده اليُمنى حتى يُرى بياضُ إبطه، ويُكبر مع كل حصاة)
علل الشارح هذا بأنه أعونُ له على الرمي، هكذا، حتى يبدو بعض إبطه؛ لأنه أعون له على الرمي.
стр. 3980
وهذا فيما إذا كان الإنسان بعيدًا واضحًا، لكن إذا كان قريبًا ويمكن يقول: هكذا، هكذا، فلا حاجة، المقصود هو الرمي، فالإنسان البعيد يحتاج إلى رفع يده حتى يصل إلى المراد.
وقول المؤلف: (فرماها بسبع حصيات) (رماها): قد يُفهم من هذا الكلام أنه لا بد أن يرمي الشاخص -العمود القائم- ولكنه غير مراد، المقصود أن تقع في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه.
(ويُكبِّر مع كل حصاة)، كلما رمى قال: الله أكبر، مع كل حصاة، وبهذا نعرف الحكمة من الرمي؛ من رمي الجمرات، الحكمة هو تعظيم الله ، قال النبي ﵊: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْي الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (١)، فالحكمة إقامة ذكر الله، وتعظيم الله ، وتمام التعبد؛ لأن كون الإنسان يأخذ حصى ويضرب به هذا المكان يدل على تمام انقياده، إذ إن النفوس قد لا تنقاد للشيء إلا بعد أن تعرف المعنى الذي من أجله شُرع، لكن كونك تأتي وترمي هذه الحصيات في هذا المكان يدل على تمام الذل والتعبد لله .
وأما ما يُذكر أن الرمي هنا إغاظة للشيطان، فإن هذا لا أصل له صحيح عن النبي ﷺ ، بل النبي ﵊ بيَّن أن الحكمة هو إقامة ذكر الله .
وعلى المفهوم الذي ذكرنا أنه من أجل الشيطان صار بعضُ العامة إذا أقبل على الجمرة يُقبل بانفعال شديد، وغضب شديد، مُحمر العينين، مُنتفش الشعر، يخبط كأنه جمل هادر، وكيف يضرب؟ يدور أكبر حصاة حصل ويضرب بها هذا المكان، وربما يضرب هذا المكان بالنعال، والخشب، وما أشبه ذلك.
ولقد رأيتُ بعيني قبل أن تُبنى هذه الجسور رأيتُ رجلًا وامرأته جالسين على الحصى -الحصى المتجمع من رمي الناس- يضربان العمود، والحصى تُصيبهما، ولا يتأثران، لا يتحركان، فأقول في نفسي:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
стр. 3981
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
يعني أنهم صبروا من أجل تحصيل الأجر، يظنون أن هذا أجر لهم، كله من أجل العقائد أو التوهمات التي يرثها بعضُهم من بعض.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها)، بغير أيش؟
طلبة: بغير الحصى.
الشيخ: بغير الحصى، حتى ولو كان ثمينًا.
عندي بالشرح يقول: (كجوهر، وذهب، ومعادن).
يعني لو رميت بدل الحصاة -الحصى- دنانير فإنه لا يُجزئ؛ لأن المسألة تعبدية، لو رميت بجوهر، لو رميت بالماس، لو رميت بالحديد، لو رميت بالخشب، بأي شيء فإنه لا يُجزئ إلا بالحجر.
لو رميت بمدر -الطين المُجبن اليابس- فإنه لا يُجزئ.
وهنا نسأل: هل يجوز أن يرمي بكسر الأسمنت؟
يوجد مثلًا عند محل صبات الأسمنت يوجد كسر من الأسمنت، هل يجوز أن يرمي بها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذه ليست أحجارًا، لكن يوجد في هذه الأمكنة يوجد حصى -أحجار مختلطة بالأسمنت- يمكن يرمي بها.
قال: (ولا يُجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا) يعني ولا يجزئ الرمي بها ثانيةً، يعني لا ترمي بحصاة رُمي بها، لماذا؟
قاسُوه على أصل، قالوا: لأن الماء المستعمل في الطهارة الواجبة لا يرفع الحدث.
هذه حصاة مستعملة في عبادة واجبة مرمية -وهو الرمي- فلا يجوز أن ترمي بها ثانيًا، كما لا يجوز أن تتوضأ بالماء المستعمل، هذه واحدة, وعلَّلوا بتعليل آخر: قالوا: لأن العبد إذا أُعتق في كفارةلم يجُز إعتاقُه مرةً أخرى.
ونحن نقول: كلا التعليلين عليل؛ أما الأول: فإنه قاس مختلفًا فيه على مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الحصاة المرمي بها مُجزئة، وهذا مذهب الشافعي ﵀.
فنقول: أنت قِست شيئًا مختلفًا فيه على شيء مُختلف فيه، والقياس لا بد فيه من أن يتفق الطرفان على حكم الأصل؛ لأجل أن يُلزم أحدُهما الآخر بما يقتضيه القياس.
أما إذا قال: أنا لا أُسلِّم أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث. أقول: الماء المستعمل يرفع الحدث، وحينئذٍ إذا بطل الأصل المقيس عليه.
стр. 3982
الطلبة: بطل المقيس.
الشيخ: بطل المقيس، هذه واحدة. وأما الرقبة: فنقول: إن العبد إذا أُعتق صار حرًّا، يعني زال عنه وصف العبودية، ولهذا لو قُدر أن هذا العبد ذهب إلى الكفار، ثم حاربنا، ثم سبيناهُ مرةً ثانيةً؛ عاد رقيقًا، وجاز أن يُعتق في الكفارة.
إذن القول الراجح أن الحصاة المرمي بها مجزئة، وهذا مع كونه هو الصحيح أرفق بالناس؛ لأنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت عند الحوض، وتتحرج أن تأخذ مما تحت قدمك، فإذا قلنا بالقول الراجح: إنها تُجزئ ولو كانت مرميًّا بها أمكن الإنسان أن يأخذ من تحت قدمه ويرمي.
لكن أُورد على هذا القول إيراد لننظر معكم كيف نتخلص من هذا الإيراد؟
قالوا: هذا القول يستلزم أن يُجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة!
يعني يجيء واحد يرمي بحصاة، ثم يأخذها ويرمي بها، ويأخذها ويرمي، ويأخذ ويرمي، كم هذه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: إلى السبع، والآخر ينتظر، فبعدما ينتهي يأخذ ويرمي، والثالث ينتظر، وإذا قدَّرنا أن مليون مسلم اللي بيرمي.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على كل حال -شوف العلماء ﵏ أورد هذا الإيراد: قيل: يلزم على قولكم أن يجزئ الحجيج كلهم حصاة واحدة.
قلنا: نحن نلتزم بهذا، لكن من يبغي يفعل؟ !
أحد الناس بيقعد ينتظر الثاني حتى يكمل سبع مرات يُعيد الحصاة، ثم الثالث والرابع إلى مليون نفر! هذا لا يمكن، فالإيراد الذي تنفر الطباع منه، ولا تقبله ليس بإيراد في الواقع، لكن الذي يحتاج الناس إليه في عصرنا هذا هو أنه أحيانًا تسقط منك الحصاة وأنت قريب من الحوض، وتحتاج إلى أن تأخذ من تحت قدمك وترمي به، نقول: لا بأس، افعل ولا حرج.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها، ولا بها ثانيًا، ولا يقف) أيش معنى (لا يقف)؟
لا يقف بعد رمي الجمرة، لا يقف للدعاء، ينصرف إلى المنحر، كما فعل النبي ﷺ ( ... ).
стр. 3983
رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اغفر لي ولوالدي.
الإخوان يقولون: البندق نبات أو ثمر يُؤكل، قاله عبد الرحمن رستم، وحجاج بن عبد الرازق الأنصاري. فلا ندري.
طالب: ( ... ).
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: على كل حال، يرجع إليه.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: تأتينا -إن شاء الله- غدًا بشيء منه، للاطلاع عليه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نخليها بعدين.
طالب: ( ... ) والبُندق بضم الباء والدال، الذي يُرمى بها، الواحدة: بندقة، بهاء، والجمع بنادق، وثمرة شجر.
الشيخ: يعني خلاص، إذن يطلق على معنيين؛ على الحصى الذي يُرمى به، وعلى ثمر الشجر.
ثم قال المؤلف ﵀: (ولا يقف): يعني لا يقف بعدها للدعاء، بل ينصرف إلى المنحر، وهنا نسأل: من أين يرمي هذه الجمرة؟ أمن الشرق أم من الغرب؟ يرمي من بطن الوادي.
وكانت الجمرة -وأنا أدركتها- في ظهر جبل، لاصقة بجبل، لكن جبل ليس بالرفيع، فيه عقبة، ولهذا تُسمى جمرة العقبة، يصعد الناس منه، وكان تحتها وادي شهيب يمشي، فالنبي ﵊ رمى من بطن الوادي (٢)، ولم يصعد على الجبل فيرمي من فوق.
إذا رمى من بطن الوادي تكون مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وقد فعل ذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (٣)، فيرمي من بطن الوادي، يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، وهذا إن تيسر، وفي عهدنا بالوقت الحاضر قد يكون صعبًا.
وقد ذكرنا القاعدة التي تُعتبر قاعدةً نافعةً: أن مراعاة ذات العبادة أولى من مراعاة مكانها، فإذا كان إذا أتاها مثلًا من الشمال -الآن ما فيه عقبة ولا في جبل- إذا أتاها من الشمال يكون أيسر له، فليكن من الشمال.
المهم أن نقول: ارمها الآن من أي مكان يكون أيسر لك، المهم أن تؤديها بخشوع، واستحضار أنك في عبادة، وتُكبر الله .
стр. 3984
ثم قال المؤلف: (ويقطع التلبية قبلها)؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يُلبي حتى رمى جمرةَ العقبة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ذكرناها.
(ويقطع التلبية قبلها)، عندي بالشرح لقول الفضل بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة (٤).
ومن حين أن يبدأ يقطع التلبية؛ لأنه إذا بدأ سُنَّ له ذكر آخر، وهو أيش؟
طلبة: التكبير.
الشيخ: التكبير.
قال: (ويرمي بعد طلوع الشمس) يرمي الفاعل؛ الحاج، يرمي بعد طلوع الشمس هذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﵌ رمى بعد طلوع الشمس (٥).
(ويُجزئ بعد نصف الليل) بعد نصف الليل منين؟
طالب: من ليلة المزدلفة.
الشيخ: من ليلة النحر، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ مطلقًا للقوي، والضعيف، والذكر، والأنثى، وسبق بيان ذلك، وأنه لا يدفع أحد من مُزدلفة إلا بعد أن يُصلي الفجر، ما لم يكن ضعيفًا أو صاحبًا لضعيف، ومع ذلك لو دفع فإنه لا يأثم والمسألة من باب الأفضلية.
قال المؤلف: (ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه) ينحر الهدي بعد الرمي.
وقوله: (إن كان معه) يعني أو ليس معه، وذهب يشتريه من السوق ونحره.
وقوله: (ينحر هديًا): عبَّر بالنحر من باب التغليب، أو من باب مراعاة لفظ الحديث، حيث قال جابر: ثم انصرف إلى المنحَر فنحر (٦).
لكن من المعلوم أن الرسول ﷺ أهدى إبلًا، فمن كان أهدى إبلًا فإننا نقول له: انحر، لكن من أهدى بقرًا أو أهدى غنمًا فإنا نقول له: اذبح، فعليه يكون قول المؤلف: (ثم ينحر) إما بناءً على التغليب، وإما موافقةً للفظ الحديث.
(ويحلق، أو يُقصِّر من جميع شعره) يحلق، أو يُقصر، (أو) هنا للتخيير، ولكنه تخيير بين فاضل ومفضول، ما هو الفاضل؟
طالب: الحلق.
стр. 3985
الشيخ: الحلق؛ لأن النبي ﵌ دعا للمُحلِّقين ثلاثًا وللمُقصِّرين مرة (٧)، ولأن الله قدمه في الذكر، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].
(ويحلق أو يقصر من جميع شعره) من الذي يحلق؟
طلبة: الحاج.
الشيخ: الحاج، لكن هل يحلق هو بيده، أو يُكلف من يحلقه؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وإن شاء الأول، إن قدر على أن يحلق نفسه بنفسه فلا حرج، خلافًا لقول بعض العلماء: إنه إذا حلق نفسه بنفسه يكون فعل محظورًا، فنقول: لا، هذا لم يفعل محظورًا، حلق للنسك.
يقول: (ثم يحلق، أو يُقصر من جميع شعره) أشار المؤلف بقوله: (من جميع شعره) إلى أن التقصير لا بد أن يكون شاملًا للرأس.
من كل شعرة بعينها؟ لا، لكن لا بد أن يعم الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مُقصر.
وذكر ذلك خلافًا لما قاله بعضُ أهل العلم؛ أنه يكفي أن يُقصر من ثلاث شعرات، أو من ربع الرأس، أو ما أشبه ذلك، بل الصواب ما ذكره المؤلف، أنه لا بد أن يُقصِّر من جميع الشعر.
(وتُقصر منه المرأة أنمُلة) المرأة تُقصر أنملة، كيف أنملة؟
طلبة: عندنا: (قدر).
الشيخ: عندكم (قدر)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: (تقصر المرأة منه قدر أنملة): الأنملة: أنملة الأصبع؛ يعني أن المرأة تمسك بضفائر رأسها -إن كان لها ضفائر- أو بأطرافه -إن لم يكن لها ضفائر- وتقص بقدْر أنملة، وقدر أنملة بالتقدير الأخير هذا كم؟ من؟
طالب: ٢ سم يا شيخ.
الشيخ: ٢ سم؟ تقريبًا.
(ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) (ثم) يعني بعد الحلق قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
الآن فعل الحاج ثلاثة أشياء، ما هي؟
الرمي، والنحر، والحلْق، أو التقصير، إذا فعل هذه حلَّ من كل شيء إلا النساء.
(كل شيء) يعني المحظورات التسعة يحل منها إلا النساء. (إلا النساء وطئًا، ومباشرةً، وعقدًا)، هذا هو المشهور من المذهب.
стр. 3986
وقيل: وطئًا، ومباشرةً، لا عقدًا وخطبةً، وأنه يجوز العقد وتجوز الخطبة بعد التحلل الأول.
فعلى المذهب، لو أن أحدًا من الناس رمى، ونحر، وحلق، ثم تزوج قبل أن يطوف بالبيت، فالنكاح مُحرم وغير صحيح.
وهذا ربما يقع في غير هذه الصورة التي ذكرت، ربما يطوف الإنسان طواف الإفاضة على وجه لا يُجزئه، ثم يرجع إلى بلده ويتزوج في هذه المدة قبل أن يُصحِّح خطأه في الطواف، فعلى المذهب يكون النكاح غير صحيح، وتلزمه إعادة العقد.
وعلى القول الثاني -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصحيح- يجوز عقد النكاح بعد التحلل الأول ويصح.
وقوله ﵀: (ثم قد حل له كل شيء) ظاهره أنه لا يحل بمجرد الرمي، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إنه يحل بالرمي؛ أي: رمي جمرة العقبة، سواء حلق أم لم يحلق.
واستدلوا لذلك بأن الإنسان يقطع التلبية إذا شرع في الرمي، وهذا يعني أن نُسكه انتهى، وبأنه ورد عن النبي ﵊ تعليق الحل بالرمي فقط.
ولكن الذي يظهر لي أنه لا يمكن أن يحل إلا بعد الرمي والحلق؛ لقول عائشة ﵂: كنتُ أُطيِّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت (٨).
ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي ﵂ جعلت الحل ما بين الطواف والذي قبله، والذي سبقه هو الرمي والنحر والحلق، لا سيما وأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (٩). فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بالرمي والحلق.
يقول ﵀: (والحلاق والتقصير نسك) يعني أن الحلق والتقصير نُسك، وإنما نص على هذا دفعًا لقول من يقول: إنه إطلاق من محظور، وليس بنسك.
стр. 3987
وبناءً على هذا، ينوب مناب الحلق فِعل أي محظور فعله؛ لأن المقصود أن يُعلم أنه تحلَّل من إحرامه، كما قال بعضُهم في التسليم في الصلاة: إن المراد فعل ما يُنافي الصلاة، وأنه إذا فعل ما يُنافي الصلاة فإنه يُغني عن التسليم.
ويُذكر أن بعض الناس قال لبعض الملوك الذين يعتنقون مذهبًا من المذاهب، قال: أتريد أن أصلي لك صلاةً على هذا المذهب؟ قال: نعم. قال: على أقل مجزئ؟ قال: نعم. فكبر تكبيرة الإحرام، وقال: الله أعظم، ثم قال: مُدهامتان، ثم ركع بلا تكبير، ولا تسبيح، ولا طُمأنينة، ثم رفع كذلك، وفي النهاية عند التسليم أحدث، أحدث بريح، ليش؟ لأنه فعل ما يُنافي الصلاة، فقال: أيش هذا؟ ! قال: هذا هو مُقتضى هذا المذهب الذي أنت عليه.
فعلى كل حال، يرى بعض العلماء أن الحلق والتقصير إطلاق من محظور، وليس بنُسك، ولكنه قول ضعيف، والصواب أنه نسك، وأنه عبادة وقُربة لله، والدليل على هذا أن النبي ﵌ دعا للمُحلقين وللمُقصرين، ولا يدعو إلا لشيء مطلوب شرعًا.
(ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني لو أخر الحلق أو التقصير عن أيام التشريق، أو عن شهر ذي الحجة، أو أخره إلى ربيع، أو إلى رمضان، أو إلى السنة الثانية، فليس عليه شيء، لكن يبقى عليه أيش؟ التحلل الثاني؛ لأنه لا يمكن أن يتحلل التحلل الثاني حتى يحلق أو يُقصر، ولكن الذي يظهر أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
طلبة: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا, ما يفعل.
طالب: شيخ، بالنسبة لهذا العصر يكون الحجاج؛ يعني يكونون منتشرين في عرفات، ولا يسعهم مكان واحد بالنسبة لصلاة الظهر والعصر، والآن يعني الخطبة وصلاة المشعر يعني بتكون في الإعلام؛ يعني من مذياع ومرئي، فهل يعني يجوز لهم أن يصلوا خلف المذياع، وهم منتشرون في عرفات خلف الإمام؟
стр. 3988
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول خلاصة سؤاله: هل يجوز لنا ونحن في عرفة أن نصلي بصلاة الإمام إمام مسجد عرنة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: نقول: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون مكان الجماعة واحدًا، ثم إننا لا نأمن أن ينقطع الصوت.
وعلى رأي بعض العلماء، يقول: لا بد من اتصال الصفوف إذا كان خارج المكان، ولو فتحنا هذا الباب لفتحنا على أنفسنا شيئًا لا يمكن لنا دفعه، لقال الناس: نبقى في بيوتنا في يوم الجمعة، ونصلي الجمعة خلف إمام مكانه أفضل من مكان إمامنا، ما هو؟
الطلبة: الحرم.
الشيخ: الحرم، وهذه مشكل، ولهذا الذي نرى أنه يجب سد هذا الباب، ونقول: من كان متصلًا مع الناس -مثل الذي يكون حول المسجد، مسجد عُرنة- فليُصلِّ مع الناس، أما البعيد فلا.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم بأن رمي جمرة العقبة هي تحية منى، وذكرتم أيضًا بأن جمرة العقبة ليست من منى، فكيف يكون الرميُ تحيةً لها وهي ليست من منى؟
الشيخ: إي، تحيةً لها زمنًا لا مكانًا، بمعنى أنه يُبدأ به قبل كل شيء.
طالب: لكن تحية الشيء يا شيخ، أليست مكانًا أحسن الله إليك؟
الشيخ: هذه منى، إذا وصلت منى، وإن كان هذا ليس منى.
طالب: أقول: أليست العبرة بالمكان؟
الشيخ: لا، لكن تحية المسجد من المسجد، أما هذه فتحية منى، يعني تحية النزول في منى، والإنسان إذا رمى سوف ينزل بمنى، والعلماء نصوا على هذا، على أن جمرة العقبة ليست من منى.
طالب: شيخ، قلنا: إنه يجوز حتى لغير الضعفاء ( ... ) بمزدلفة بعد مضي ثلثي الليل، لكن شيخ، النبي ﷺ ، إنما رخص ( ... ).
الشيخ: إي نعم، لكن في وقتنا الحاضر الآن فيه مشقة على كل أحد، حتى الإنسان القوي يلحقه مشقة عظيمة، فبناء على هذا نقول: لا بأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: ما يأخذ الحصاة ( ... )، بل إذا ( ... ).
الشيخ: ما به بأس، هذا أقرب إلى السنة.
طالب: من الأرض؟
الشيخ: إي، من الأرض.
طالب: عند الجمرة.
стр. 3989
الشيخ: عند الجمرة.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، التلبية ( ... ) مشاعر، هل يلبي أو لا؟
الشيخ: إي، هذه المسألة اختلف فيها العلماء، هل يلبي الإنسان وهو نازل في عرفة، أو نازل في المزدلفة، أو التلبية إنما تكون للماشي الذي يُقبل على من دعاه؟
يرى شيخ الإسلام ﵀ أن التلبية إنما تكون للماشي -للساعي- لأنه هو الذي يتجه إلى من دعاه، ولكن ظاهر السنة خلاف ذلك؛ لأن قوله: لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (١٠) ظاهره أنه في كل هذا الوقت.
طالب: الأبطح من الحرم ولا خارج الحرم؟
الشيخ: الأبطح من الحرم.
طالب: من خارج مكة ( ... ).
الشيخ: تقصد من الحرم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المزدلفة من الحرم، منى من الحرم.
طالب: شيخ، قلنا: إن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل، واستدللنا لذلك بحديث عائشة وقلنا: عائشة ( ... ) من غير المكي، فكيف يتم الاستدلال؟
الشيخ: أليس الآفاقي إذا أحرم بالحج يُحرم من مكة؟
طالب: بلى، ولكن المكي والآفاقي يُحرم بالحج من مكة داخلين تحت العموم.
الشيخ: زين.
الطالب: ومَن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ.
الشيخ: لكن ألا يمكن أن يكون العموم يُخصص؟
الطالب: يخصص للآفاقي، هذا جاء الدليل ( ... ).
الشيخ: لا، ما هو في الآفاقي، ما دام أنه قال: «حَتَّى أَهْل مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (١١)، وقد ذكر الحج والعمرة، ثم بين في حديث عائشة أنه يُحرم من الحل ( ... ) واضح؟
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا في الدعاء في عرفة: يجوز أن يُؤمن الناس خلف ..
الشيخ: يعني يمشي مع الناس مثلًا على واحد يدعو لهم.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، لكن بعض الإخوة قال: نخشى أن يفتح علينا هذا الباب، التكبير الجماعي، والتلبية الجماعية.
طالب: الدعاء خلف الصلاة.
الشيخ: لا، هو أحيانًا يكون أي يكون الجماعة، ما معهم إنسان يعرف يدعو والوقت طويل، يقول: جزاك الله الخير، ادعُ لنا.
стр. 3990
وحديث العباس أن عمر قال: ادعُ لنا، لكنه حديث العباس لا يتم الاستدلال به؛ لأنه في مكان دعاء استسقاء.
على كل حال، المسألة تحتاج إلى تأمل، وأنا أحب أن نسد الأبواب أمام أهل البدع.
وأنا أقول للإنسان: إذا كان معك عوائل لا يعرفون الدعاء، فأنت قل لهم: ادعوا باللي تعرفون، لو تقول: اللهم اغفر لي، اللهم اغفر لي، تكررها إلى الغروب، كفى.
طالب: بارك الله فيكم، لو حدث لإنسان تقدم إلى الجمرات ولقط من تحت الجمرات، فهل هذا جائز؟ أفتونا يا شيخ، أفادكم الله.
الشيخ: أيش؟
طالب: تذكرون هذا الأمر، أن لو لقط من الجمرات نفسها، أخذ من الحوض.
الشيخ: من الحوض يجزئ، ما فيها شيء.
الطالب: بدون حاجة.
الشيخ: بدون حاجة، لكن الغالب إن لم يصل إلى هذا المكان يكون في حاجة؛ لأنه لو نزل رأسه بيأخذ ممكن يُدعس.
طالب: في عرفة والمشاعر، الذين يخرجون من أهل مكة للتجارة، هل يصلون قصرًا وجمعًا في عرفات ومزدلفة؟
الشيخ: سمعتم السؤال؟
يقول: إذا خرج أهل مكة مع الحجاج للتجارة، هل يقصرون ويجمعون أو لا؟ فهذا ينبني على الخلاف، هل الجمع والقصر في منى ومزدلفة وعرفة نُسك، أو من أجل السفر؟
يرى بعض العلماء أنه نُسك، وهذا رأي من يرى أنه لا يجوز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، ويرى آخرون أنه للسفر، وأن السفر ما تعارف الناس عليه، وفي عهد الرسول ﵊ كان الناس يتزودون للخروج إلى منى وعرفة ومزدلفة، ويتأهبون أُهبة السفر، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والدليل على هذا أنه لو كان من أجل النسك لقلنا لمن أحرم في مكة وتأخر عن الخروج، وهو من أهل مكة، فإنه يجوز له القصر.
الصحيح أنه من أجل السفر، وبناءً على ذلك نقول: هؤلاء الذين يخرجون مع الحجاج للتجارة لهم القصر.
بقي أن نقول: منى في الوقت الحاضر هل تُعتبر خارج مكة، أو تُعتبر من مكة؟
طالب: من مكة.
стр. 3991
الشيخ: الظاهر أنها من مكة، ولهذا نحن نقول للحجاج من أهل مكة: الأحوط لكم ألا تقصروا في منى، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة أيضًا؛ مذهب الحنابلة الآن والشافعية، ومن يشترط المسافة يرى أنه لا يجوز لأهل مكة أن يقصروا، ولا أن يجمعوا في عرفة، ولا مزدلفة، ولا منى؛ لأن كل هذه لا تبلغ المسافة.
لكن إذا قلنا: إن الصحيح أن السفر ما تأهب الناسُ له؛ فإنا نقول في الوقت الحاضر: إن منى لأهل مكة حي من أحياء هذا ( ... ).
***
نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الإنسان إذا دفع من عرفة بات في المزدلفة، وله أن ينصرف منها على ما مشى عليه الفقهاء ﵏ بعد منتصف الليل مطلقًا؛ أي: سواء كان قويًّا أم ضعيفًا.
وسبق لنا أن القول الراجح في هذا أنه لا يدفع إلا إذا مضى أكثرُ الليل، وأن أسماء بنت أبي بكر ﵄ كانت ترقُب غروب القمر، فإذا غرب دفعت، وأن هذا هو الصحيح، وهو الذي يحصل به الْمُكث في مزدلفة أكثر الليل.
وسبق لنا أيضًا أنه إذا وصل إلى منى فإنه يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم أيش؟
طلبة: نحر الهدي.
الشيخ: ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي.
وتُرتب هكذا على وجه الندب، فإن قدَّم بعضها على بعض فالصحيح أن ذلك جائز، سواء كان لعذر -كالجهل والنسيان- أو لغير عذر؛ لأن النبي ﵌ كان يُسأل في ذلك اليوم عن التقديم والتأخير فيقول: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» (١٢).
وتأمل قوله: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، ولم يقل: «لَا حَرَجَ» فقط، بل قال: «افْعَلْ»، وافعل فعل أمر للمُستقبل، يعني أنك إذا فعلت في المستقبل فلا حرج.
وقد أبدى بعضُ العلماء المحققين -كابن دقيق العيد وغيره- أن هذا إنما يكون لمن كان معذورًا؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: لم أشعر، فظننتُ أن كذا قبل كذا، فقال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».
стр. 3992
ولكن لما كان النبي ﵊ قال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: «لَا حَرَجَ»؛ عُلم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل، وبين الذاكر والعالم.
وهذا كما أنه ظاهر الأدلة؛ فهو الموافق للدين الإسلامي في مثل هذه الأزمان؛ لأن ذلك أيسر على الناس.
بقي السعي قبل الطواف، فإن من العلماء من أنكر هذا، وقال: لا يمكن السعي قبل الطواف؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فالطواف لا يمكن أن يتقدمه السعي.
فمنهم من طعن في صحة الرواية: سعيتُ قبل أن أطوف (١٣).
ومنهم من قال: المراد بذلك سعي الحج لمن كان قارنًا أو مُفرِدًا، فأما الأول فالحديث صحيح، ولا مطعن فيه، وأما الثاني: فإن هذا الرجل لم يسأل عن سعي سبق منذ أيام، إنما سأل عن سعي حصل في ذلك اليوم، ولا يصح أن نقول: إن هذا السعي الذي كان بعد طواف القدوم؛ لأن ظاهر حال السائل لا تقتضي هذا.
وسبق لنا أنه يحصل التحلل الأول إذا رمى وحلق أو قصَّر، وأن النحر لا علاقة له بالتحلل، ولكن الفقهاء ﵏ توسعوا وقالوا: يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، قالوا: إذا رمى وطاف حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وحلق حل التحلل الأول.
المهم إذا فعل اثنين من ثلاثة، والسنة إنما جاءت بالرمي وحده، أو بالرمي والحلق، ولكنهم قالوا: إذا كان الطواف مُؤثرًا في التحلل الثاني فإنه يكون مُؤثرًا في التحلل الأول، وذلك أن الإنسان إذا رمى وحلق وطاف: حل التحلل الثاني، فإن كان مُتمتعًا فيحل التحلل الثاني بعد السعي، وإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم فكذلك، فلهذا ألحقوا الطواف بالرمي والحلْق، وقالوا: إذا فعل اثنين من ثلاثة. وسبق لنا أن القول الراجح أن الحلْق والتقصير إطلاق من محظور.
стр. 3993
الطلبة: لا، نُسك.
الشيخ: نُسك، أنه نسك، وليس إطلاقًا من محظور.
والدليل على ذلك أن النبي ﵌ دعا للمُحلقين والْمُقصرين، والدعاء لا يكون إلا على فعل مأمور به، وإذا كان مأمورًا به فهو نُسك.
وسبق لنا أن المذهب، يرون أنه لا بأس من تأخيره ولو سنوات، لكنه يبقى على التحلل الأول فقط، ما هو على إحرامه، يبقى على التحلل الأول فقط، فلا يحل له النساء، على القول بأنه لا بد للتحلل الأول من الحلق أو التقصير، ولكن الذي يترجح لي أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
ثم قال المؤلف: (فصل: ثم يفيض إلى مكة) (يفيض)؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، (ولا يلزم بتأخيره دم) يعني لا يلزم بتأخير الحلق أو التقصير عن أيام منى دم، بل ولا عن شهر ذي الحجة، بل لو أخَّره إلى عشر سنوات فليس عليه شيء، ولكن هنا مسألة لو كان جاهلًا أنه يجب الحلق أو التقصير، ثم علم، فنقول: احلق وقصِّر الآن، ولا حرج عليك فيما فعلت من المحظورات قبل ذلك؛ لأنك فعلتها جاهلًا.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني ولا يلزم بتقديم الحَلْق أو التقصير على الرمي والنحر دم، بل له أن يُقدمه على الرمي والنحر، وليس عليه شيء، وقد سبق البحث في هذه المسألة، وبينا أدلة ذلك من سُنَّة الرسول ﵌.
ثم قال: (فصل، ثم يفيض إلى مكة) (يفيض) مأخوذ من فاض الماء، يعني يفيض الحاج أو الحجيج، يفيضون إلى مكة، أي: ينزلون من منى إلى مكة، ومتى هذا؟
في ضحى يوم النحر؛ لأن النبي ﵌ أفاض إليها في الضحى.
(ويطوف القارنُ والمفردُ بنية الفريضة طواف الزيارة) يطوف المفرد والقارن بنية الفريضة طواف الزيارة.
أفادنا المؤلف ﵀ أن هذا الطواف فرض؛ لقوله: (بنية الفريضة)، وأنه لا بد من نيته، وأنه فرض.
стр. 3994
وسبق الخلاف في هذه المسألة، وبينا أن الطواف والسعي والرمي وما أشبهه كلها تعتبر أجزاء من عبادة واحدة، وأن النية في أولها كافية عن النية في بقية أجزائها؛ لأن هذه العبادة -الحج- عبادة مُكونة أو مركبة من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها.
وأفادنا في قوله: (يطوف المفردُ والقارنُ) أن المتمتع لا يطوف، وليس كذلك، وإنما أراد ﵀ بالنص على المفرِد والقارِن دفْع ما قيل: إن المفرِد والقارِن يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل، ثم يطوفان للزيارة، فيلزمهما على هذا طوافان: الطواف الأول للقدوم، بشرط ألا يكونا دخلاها من قبل، والثاني للزيارة.
كيف لم يكونا دخلاها من قبل؟ هل يمكن هذا؟ هل يمكن للقارن والمفرد ألا يكونا دخلا مكة قبل طواف الإفاضة؟
نعم، يمكن؛ لأنه من الجائز لهما شرعًا أن يذهبا من الميقات رأسًا إلى منى أو إلى عرفة، بخلاف المتمتع، المتمتع لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن المتمتع لا بد أن يدخل مكة ويُتم عمرته.
فأراد المؤلف بالنص على المفرِد والقارِن دفع ما قيل من أنهما يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة، ثم للزيارة.
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ هو الصواب، بل هو المتعين، وذلك أنه اجتمع عند المفرِد والقارن اللذين لم يدخلا مكة من قبل، اجتمعا لديهما طوافُ قدوم وطوافُ فرض، فاكتُفي بطواف الفرض عن طواف القدوم، كما لو دخل الإنسانُ المسجد، وقد أُقيمت الصلاة، أو لم تُقم، وأراد أن يصلي الفريضة، فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد، والقياس هنا في غاية الوضوح، قياس جلي واضح.
ثم إنه لم يُنقل عن النبي ﵊ وأصحابه أن أحدًا منهم طاف مرتين في يوم العيد، مع أن بعض أصحابه لم يكن دخل مكة، مثل: عروة بن مُضرس، فإنه لم يدخل مكة من قبل.
стр. 3995
وعلى هذا، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف، أما المتمتع فلا بد أن يطوف طواف الإفاضة، ولا يطوف طواف القدوم؛ وذلك لأنه قد طافه من قبل في العمرة.
على أن المذهب أن المتمتع أيضًا يطوف للقدوم، لكن يطوف بالقدوم بلا رمل. نقول: ولا اضطباع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لا نقول: ولا اضطباع؛ لأنه قد حل ولبس ثيابه -لبس قميصه- لكن بلا رمل، والصواب خلاف ذلك، وأنه لا طواف للقدوم، لا في حق المفرِد والقارِن مطلقًا، ولا في حق المتمتع كذلك.
ثم قال المؤلف: (وأول وقته) الضمير في وقته يعود على؟
طلبة: طواف ( ... ).
الشيخ: طواف الزيارة، أول وقته بعد نصف ليلة النحر، ولكن بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة وبمزدلفة، فلو طاف بعد منتصف ليلة النحر، ثم خرج إلى عرفة ومُزدلفة؛ فإنه لا يجزئه، فلو أن المؤلف ﵀ قيد ذلك لكان أوضح، على أنه ربما يقال: إن هذا معلوم من قوله في أول الفصل: (ثم يفيض)، لكن لا بد من ذكره.
أول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة ومزدلفة؛ لقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولا يمكن قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
ثم قال المؤلف: (ويُسن في يومه) (يُسن) أي: يُسن طواف الزيارة في يومه، أي: في يوم العيد؛ اتباعًا لسنة الرسول ﵌ فإنه طاف في يوم العيد.
ثم قال: (وله تأخيره) أي تأخير طواف الإفاضة عن أيام منى، وله تأخيره عن شهر ذي الحجة، وله تأخيره إلى ربيع، وله تأخيره إلى رمضان، وله تأخيره إلى سنة، وله تأخيره إلى سنتين، وله تأخيره إلى عشر سنوات وأكثر؟
طالب: وأكثر.
الشيخ: وأكثر؛ لأن المؤلف قال: (وله تأخيره)، ولم يُقيده بزمن، لم يقل: له تأخيره إلى كذا، ولكن يبقى عليه أيش؟
طالب: التحلل.
الشيخ: التحلل الثاني، يبقى على الحل الأول حتى يطوف.
следующие страницы →