Полный текст (12 382 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
الشيخ: الظاهر أنها من مكة، ولهذا نحن نقول للحجاج من أهل مكة: الأحوط لكم ألا تقصروا في منى، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة أيضًا؛ مذهب الحنابلة الآن والشافعية، ومن يشترط المسافة يرى أنه لا يجوز لأهل مكة أن يقصروا، ولا أن يجمعوا في عرفة، ولا مزدلفة، ولا منى؛ لأن كل هذه لا تبلغ المسافة.
لكن إذا قلنا: إن الصحيح أن السفر ما تأهب الناسُ له؛ فإنا نقول في الوقت الحاضر: إن منى لأهل مكة حي من أحياء هذا ( ... ).
***
نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الإنسان إذا دفع من عرفة بات في المزدلفة، وله أن ينصرف منها على ما مشى عليه الفقهاء ﵏ بعد منتصف الليل مطلقًا؛ أي: سواء كان قويًّا أم ضعيفًا.
وسبق لنا أن القول الراجح في هذا أنه لا يدفع إلا إذا مضى أكثرُ الليل، وأن أسماء بنت أبي بكر ﵄ كانت ترقُب غروب القمر، فإذا غرب دفعت، وأن هذا هو الصحيح، وهو الذي يحصل به الْمُكث في مزدلفة أكثر الليل.
وسبق لنا أيضًا أنه إذا وصل إلى منى فإنه يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم أيش؟
طلبة: نحر الهدي.
الشيخ: ثم نحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي.
وتُرتب هكذا على وجه الندب، فإن قدَّم بعضها على بعض فالصحيح أن ذلك جائز، سواء كان لعذر -كالجهل والنسيان- أو لغير عذر؛ لأن النبي ﵌ كان يُسأل في ذلك اليوم عن التقديم والتأخير فيقول: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ» (١٢).
وتأمل قوله: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، ولم يقل: «لَا حَرَجَ» فقط، بل قال: «افْعَلْ»، وافعل فعل أمر للمُستقبل، يعني أنك إذا فعلت في المستقبل فلا حرج.
وقد أبدى بعضُ العلماء المحققين -كابن دقيق العيد وغيره- أن هذا إنما يكون لمن كان معذورًا؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: لم أشعر، فظننتُ أن كذا قبل كذا، فقال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ».
стр. 3992
ولكن لما كان النبي ﵊ قال: «افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ»، وهي للمستقبل، ولم يقتصر على قوله: «لَا حَرَجَ»؛ عُلم أنه لا فرق بين الناسي والجاهل، وبين الذاكر والعالم.
وهذا كما أنه ظاهر الأدلة؛ فهو الموافق للدين الإسلامي في مثل هذه الأزمان؛ لأن ذلك أيسر على الناس.
بقي السعي قبل الطواف، فإن من العلماء من أنكر هذا، وقال: لا يمكن السعي قبل الطواف؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فالطواف لا يمكن أن يتقدمه السعي.
فمنهم من طعن في صحة الرواية: سعيتُ قبل أن أطوف (١٣).
ومنهم من قال: المراد بذلك سعي الحج لمن كان قارنًا أو مُفرِدًا، فأما الأول فالحديث صحيح، ولا مطعن فيه، وأما الثاني: فإن هذا الرجل لم يسأل عن سعي سبق منذ أيام، إنما سأل عن سعي حصل في ذلك اليوم، ولا يصح أن نقول: إن هذا السعي الذي كان بعد طواف القدوم؛ لأن ظاهر حال السائل لا تقتضي هذا.
وسبق لنا أنه يحصل التحلل الأول إذا رمى وحلق أو قصَّر، وأن النحر لا علاقة له بالتحلل، ولكن الفقهاء ﵏ توسعوا وقالوا: يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي، والحلق، والطواف، قالوا: إذا رمى وطاف حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وحلق حل التحلل الأول.
المهم إذا فعل اثنين من ثلاثة، والسنة إنما جاءت بالرمي وحده، أو بالرمي والحلق، ولكنهم قالوا: إذا كان الطواف مُؤثرًا في التحلل الثاني فإنه يكون مُؤثرًا في التحلل الأول، وذلك أن الإنسان إذا رمى وحلق وطاف: حل التحلل الثاني، فإن كان مُتمتعًا فيحل التحلل الثاني بعد السعي، وإن كان قارِنًا أو مُفرِدًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم فكذلك، فلهذا ألحقوا الطواف بالرمي والحلْق، وقالوا: إذا فعل اثنين من ثلاثة. وسبق لنا أن القول الراجح أن الحلْق والتقصير إطلاق من محظور.
стр. 3993
الطلبة: لا، نُسك.
الشيخ: نُسك، أنه نسك، وليس إطلاقًا من محظور.
والدليل على ذلك أن النبي ﵌ دعا للمُحلقين والْمُقصرين، والدعاء لا يكون إلا على فعل مأمور به، وإذا كان مأمورًا به فهو نُسك.
وسبق لنا أن المذهب، يرون أنه لا بأس من تأخيره ولو سنوات، لكنه يبقى على التحلل الأول فقط، ما هو على إحرامه، يبقى على التحلل الأول فقط، فلا يحل له النساء، على القول بأنه لا بد للتحلل الأول من الحلق أو التقصير، ولكن الذي يترجح لي أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
ثم قال المؤلف: (فصل: ثم يفيض إلى مكة) (يفيض)؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، (ولا يلزم بتأخيره دم) يعني لا يلزم بتأخير الحلق أو التقصير عن أيام منى دم، بل ولا عن شهر ذي الحجة، بل لو أخَّره إلى عشر سنوات فليس عليه شيء، ولكن هنا مسألة لو كان جاهلًا أنه يجب الحلق أو التقصير، ثم علم، فنقول: احلق وقصِّر الآن، ولا حرج عليك فيما فعلت من المحظورات قبل ذلك؛ لأنك فعلتها جاهلًا.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني ولا يلزم بتقديم الحَلْق أو التقصير على الرمي والنحر دم، بل له أن يُقدمه على الرمي والنحر، وليس عليه شيء، وقد سبق البحث في هذه المسألة، وبينا أدلة ذلك من سُنَّة الرسول ﵌.
ثم قال: (فصل، ثم يفيض إلى مكة) (يفيض) مأخوذ من فاض الماء، يعني يفيض الحاج أو الحجيج، يفيضون إلى مكة، أي: ينزلون من منى إلى مكة، ومتى هذا؟
في ضحى يوم النحر؛ لأن النبي ﵌ أفاض إليها في الضحى.
(ويطوف القارنُ والمفردُ بنية الفريضة طواف الزيارة) يطوف المفرد والقارن بنية الفريضة طواف الزيارة.
أفادنا المؤلف ﵀ أن هذا الطواف فرض؛ لقوله: (بنية الفريضة)، وأنه لا بد من نيته، وأنه فرض.
стр. 3994
وسبق الخلاف في هذه المسألة، وبينا أن الطواف والسعي والرمي وما أشبهه كلها تعتبر أجزاء من عبادة واحدة، وأن النية في أولها كافية عن النية في بقية أجزائها؛ لأن هذه العبادة -الحج- عبادة مُكونة أو مركبة من هذه الأجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، كما لو نوى الصلاة من أولها.
وأفادنا في قوله: (يطوف المفردُ والقارنُ) أن المتمتع لا يطوف، وليس كذلك، وإنما أراد ﵀ بالنص على المفرِد والقارِن دفْع ما قيل: إن المفرِد والقارِن يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل، ثم يطوفان للزيارة، فيلزمهما على هذا طوافان: الطواف الأول للقدوم، بشرط ألا يكونا دخلاها من قبل، والثاني للزيارة.
كيف لم يكونا دخلاها من قبل؟ هل يمكن هذا؟ هل يمكن للقارن والمفرد ألا يكونا دخلا مكة قبل طواف الإفاضة؟
نعم، يمكن؛ لأنه من الجائز لهما شرعًا أن يذهبا من الميقات رأسًا إلى منى أو إلى عرفة، بخلاف المتمتع، المتمتع لا يتأتى في حقه ذلك؛ لأن المتمتع لا بد أن يدخل مكة ويُتم عمرته.
فأراد المؤلف بالنص على المفرِد والقارِن دفع ما قيل من أنهما يطوفان للقدوم أولًا إذا لم يكونا دخلا مكة، ثم للزيارة.
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ هو الصواب، بل هو المتعين، وذلك أنه اجتمع عند المفرِد والقارن اللذين لم يدخلا مكة من قبل، اجتمعا لديهما طوافُ قدوم وطوافُ فرض، فاكتُفي بطواف الفرض عن طواف القدوم، كما لو دخل الإنسانُ المسجد، وقد أُقيمت الصلاة، أو لم تُقم، وأراد أن يصلي الفريضة، فإن ذلك يجزئ عن تحية المسجد، والقياس هنا في غاية الوضوح، قياس جلي واضح.
ثم إنه لم يُنقل عن النبي ﵊ وأصحابه أن أحدًا منهم طاف مرتين في يوم العيد، مع أن بعض أصحابه لم يكن دخل مكة، مثل: عروة بن مُضرس، فإنه لم يدخل مكة من قبل.
стр. 3995
وعلى هذا، فالصواب ما ذهب إليه المؤلف، أما المتمتع فلا بد أن يطوف طواف الإفاضة، ولا يطوف طواف القدوم؛ وذلك لأنه قد طافه من قبل في العمرة.
على أن المذهب أن المتمتع أيضًا يطوف للقدوم، لكن يطوف بالقدوم بلا رمل. نقول: ولا اضطباع.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لا نقول: ولا اضطباع؛ لأنه قد حل ولبس ثيابه -لبس قميصه- لكن بلا رمل، والصواب خلاف ذلك، وأنه لا طواف للقدوم، لا في حق المفرِد والقارِن مطلقًا، ولا في حق المتمتع كذلك.
ثم قال المؤلف: (وأول وقته) الضمير في وقته يعود على؟
طلبة: طواف ( ... ).
الشيخ: طواف الزيارة، أول وقته بعد نصف ليلة النحر، ولكن بشرط أن يسبقه الوقوف بعرفة وبمزدلفة، فلو طاف بعد منتصف ليلة النحر، ثم خرج إلى عرفة ومُزدلفة؛ فإنه لا يجزئه، فلو أن المؤلف ﵀ قيد ذلك لكان أوضح، على أنه ربما يقال: إن هذا معلوم من قوله في أول الفصل: (ثم يفيض)، لكن لا بد من ذكره.
أول وقته بعد نصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة ومزدلفة؛ لقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، ولا يمكن قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
ثم قال المؤلف: (ويُسن في يومه) (يُسن) أي: يُسن طواف الزيارة في يومه، أي: في يوم العيد؛ اتباعًا لسنة الرسول ﵌ فإنه طاف في يوم العيد.
ثم قال: (وله تأخيره) أي تأخير طواف الإفاضة عن أيام منى، وله تأخيره عن شهر ذي الحجة، وله تأخيره إلى ربيع، وله تأخيره إلى رمضان، وله تأخيره إلى سنة، وله تأخيره إلى سنتين، وله تأخيره إلى عشر سنوات وأكثر؟
طالب: وأكثر.
الشيخ: وأكثر؛ لأن المؤلف قال: (وله تأخيره)، ولم يُقيده بزمن، لم يقل: له تأخيره إلى كذا، ولكن يبقى عليه أيش؟
طالب: التحلل.
الشيخ: التحلل الثاني، يبقى على الحل الأول حتى يطوف.
стр. 3996
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من أن له تأخيره إلى ما لا نهاية له ضعيف، والصواب أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة، إلا إذا كان هناك عُذر كمرض لا يستطيع معه الطواف، لا ماشيًا، ولا محمولًا، أو امرأة نفست قبل أن تطوف طواف الإفاضة أو طواف الزيارة، فهنا ستبقى لمدة شهر أو أكثر.
أما إذا كان لغير عذر، فإنه لا يحل له أن يُؤخره، بل يجب أن يبادر قبل أن ينتهي شهر ذي الحجة.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يجب أن يطوف طواف الإفاضة يوم العيد؛ لقوله: (يُسن في يومه، وله تأخيره).
وعُلم منه أيضًا أنه يبقى على حله الأول إذا أخَّر طواف الإفاضة عن يوم العيد، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، بل حُكي إجماعًا أنه لا يعود حرامًا لو أخَّر طواف الإفاضة حتى تغرب الشمس من يوم العيد.
ولكن ذُكر في هذا خلاف عن بعض التابعين؛ لحديث ورد عن النبي ﵌ في ذلك، لكنه حديث شاذ، وفي صحته نظر، وهذا الحديث مُقتضاه أنه لو غابت الشمس يوم العيد، ولم يطُف فإنه يعود حرامًا كما كان بالأمس، ولكنه لا يُعوَّل عليه؛ لشذوذه، وعدم عمل الأمة به، وذلك أن الأمة لا يمكن أن تُخالف مثل هذا الحديث الذي تتوافر الهمم والدواعي على نقله والعمل به؛ لأنه من المعلوم أنه ليس كل الحجيج يطوفون طواف الإفاضة في يوم العيد.
ثم إنه إذا انتهى من إحرامه فقد حل، ولا يعود للحرام إلا إذا عقد إحرامًا جديدًا، أما مجرد عدم المبادرة بطواف الإفاضة فإنه لا يمكن أن يكون سببًا لعودة التحريم بلا نية؛ لقول الرسول ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٤).
قال المؤلف: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا) يسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق، يبدأ بالصفا أولًا، ويختم؟
طالب: بالمروة.
الشيخ: بالمروة.
(إن كان مُتمتعًا)، ومن المتمتع؟
стр. 3997
طالب: المحرم الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم فرغ منها، ثم أحرم بالحج في عامه.
الشيخ: يقول: هو الذي أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم حل منها، وأحرم بالحج من عامه، فيلزمه أن يسعى مطلقًا؛ وذلك لأنه يلزمه طوافان وسعيان؛ طواف للعمرة، طواف للحج، سعي للعمرة، سعي للحج.
أما الْمُفرِد والقارِن قال المؤلف: (أو كان غيره) أي غير متمتِّع، وهو المفرِد والقارن، (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)، فإن سعى فلا يُعيد السعي؛ لقول جابر ﵁: لم يطُف النبي ﷺ ولا أصحابه بالصَّفا والمروة إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول (١٥).
لم يطف ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، طوافه الأول؛ وذلك لأن النبي ﵌ وأصحابه سعوا بعد طواف القدوم.
وظاهر هذا الحديث الذي سقته الآن أن المتمتع لا يسعى؛ لأن كثيرًا من الصحابة تمتعوا؛ لأنهم لم يسوقوا الهدي، وقد أمرهم النبي ﷺ بالتمتع، ولكن هذا الظاهر يجب حمله على أن المراد بـ (أصحابه) الذين بقوا على إحرامهم لسوقهم الهدي، فهو عام أُريد به الخاص.
ويدل لهذا ما رواه البخاري من حديثي عائشة وابن عباس ﵄ مما يدل على ذلك، وهذا هو الصحيح؛ أن المتمتع يلزمه سعي للحج، كما يلزمه سعي للعمرة.
يقول: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم)
فهمنا من قول المؤلف: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يعني غير المتمتع؛ أن القارِن والمفرِد يجوز لهما أن يُقدما سعي الحج بعد طواف القدوم، ويجوز أن.
طلبة: يُؤخراه.
الشيخ: يُؤخراه، كل هذا جائز، ولكن أيهما أفضل؟
стр. 3998
الأفضل -والله أعلم- أن يُقدَّم بعد طواف القدوم؛ لأن النبي ﵌ قدمه، على أنه قد يقول قائل: أنا أنازِع في هذا الدليل؛ لأن النبي ﵌ قدَّمه ليعلم أصحابه، وعامة أصحابه يحتاجون إلى السعي؛ لأنهم تمتعوا، فلا يدل تقديمه إياه على وجه قطعي؛ أن الأفضل تقديم السعي للمُفرِد والقارِن بعد طواف القدوم.
لكن نحن نُجيب عن هذا الإيراد بأن الأصل أن ما فعله النبي ﵊ فهو سُنَّة، واحتمال أن يكون ذلك من أجل أن يُعلم أصحابه أو نحو ذلك، هذا أمر محتمل، لكن إبقاء النص على ظاهره أوْلى؛ ولأنه في الغالب إذا سعى بعد طواف القدوم يكون أسهل؛ لأن الزحام أسهل من الزحام في يوم العيد، وفي أيام التشريق.
قال: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم، ثم قد حل له كل شيء) (حل له) أي للحاج.
(كل شيء) حتى شرب الخمر؟ !
طلبة: لا.
الشيخ: أيش كل شيء؟ هذا عام أُريد به.
الطلبة: الخاص.
الشيخ: الخاص، أي: كل شيء حرُم عليه بالإحرام فإنه يحل له إذا طاف وسعى، طواف الإفاضة، وسعى سعي الحاج، إذا كان متمتعًا، أو كان مفردًا، أو قارنًا، ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وفي هذا إشارة، أو في هذا دليل على أن العام ولو كان بلفظ (كل) قد يُراد به الخاص، ما الذي يُعينه أن المراد الخاص؟
طالب: السياق.
الشيخ: السياق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، أي: ريح عاد، فهل هي دمرت السماوات والأرض؟ لا، بل ولا المساكن لم تُدمرها. ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فالمراد بـ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: مما أُمرت أن تدمره، أو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مما يتعلق بهؤلاء القوم الذين كذبوا هودًا.
(ثم قد حل له كل شيء) حتى النساء؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى النساء، إذن يمكن للرجل إذا كان أهله معه أن يستمتع بأهله في آخر يوم العيد أو لا يمكن؟
الطلبة: يمكن.
стр. 3999
الشيخ: يمكن، يرمي، ويحلق أو يقصر، ويطوف، ويسعى.
هل يمكن أن يستمتع بأهله ليلة العيد؟
الطلبة: لا.
الشيخ: انتبهوا يا إخواني، على ما قرأتُم في كلام المؤلف. إذا كان يجوز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، فدفع، ورمى، وذهب إلى مكة، وطاف، وسعى، قبل الفجر، يمكن؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: إي، واقع من ( ... )، ما فيه إشكال، خصوصًا أيامنا الآن، في أيامنا هذه المواصلات قليلة سهلة.
المهم أنه يمكن، لكن على القول الذي اخترناه، وأنه لا يدفع إلا في آخر الليل؛ قد يكون هذا مُتعذرًا، لكن على ما مشى عليه المؤلف يكون ممكنًا.
ثم قال: (حل له كل شيء).
قال: (ثم يشرب من ماء زمزم)؛ لأن النبي ﵌ حينما طاف طواف الإفاضة شرب من ماء زمزم.
وقوله: (لما أحب) أي ينويه لما أحب، إذا كان مريضًا، وشرب من أجل أن يذهب مرضُه فليفعل.
إذا كان عطشانًا شرب لأجل الري فليفعل، إذا كان كثير النسيان فشرب ليقوى حفظُه فليفعل.
وقد فعل ذلك بعضُ المحدثين؛ لقول النبي ﵌: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (١٦)، والحديث حسن، «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
إذن ينبغي أن تنوي ما تُحب أن يكون حاصلًا بهذا الماء، ولهذا قال المؤلف: (لما أحب).
قال: (ويتضلع منه) ما معنى يتضلع؟
أي: يملأ بطنه حتى يمتلئ ما بين أضلاعه؛ لأن هذا الماء خير، وقد ورد حديث، لكن فيه نظر: أن آية ما بين الإيمان والنفاق التَّضلُّع من ماء زمزم (١٧)؛ وذلك لأن ماء زمزم ليس عذبًا حلوًا، بل هو يميل إلى الملوحة، والإنسان المؤمن لا يشرب من هذا الماء الذي يميل إلى الملوحة إلا إيمانًا بما فيه من البركة، فيكون التضلع منه دليلًا على الإيمان.
стр. 4000
فإن قال قائل: هل يفعل شيئًا آخر كالرش على البدن، وعلى الثوب، أو أن يغسل به أثوابًا يجعلها لكفنه، كما كان الناسُ يفعلون ذلك, نحن شاهدناهم قبل أن يكثُر الحجيج يشترون ثياب كثيرة بيضاء، ويغسلونها بماء زمزم، وينشرونها على الساحة، ويكون هذه مجالها أكفان لنا.
نقول: لا، نحن لا نتجاوز في التبرك ما ورد عن النبي ﷺ ، وهذا لم يرد عن النبي ﵌، فلا نتجاوز إليه، بل نقول: ما ثبت عن الرسول ﵊ من هذه الأمور أخذنا به، وما لا فلا.
ثم قال: (ويدعو بما ورد) متى؟
يدعو إذا شرب من ماء زمزم بما ورد.
وعندنا يقول الشارح: فيقول: بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًّا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك.
هكذا قال المؤلف إنه ورد، فمن يُخرج لنا هذا الحديث؟
طالب: باقي الحديث: آية ما بين الإيمان والنفاق التضلع من ماء زمزم.
الشيخ: ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيوه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا أشرنا إلى أنه ضعيف، وأن وجهه لو صح أن الماء ليس بعذب، ولا يتروى به إلا من آمن بفائدته، لكن فيه أيضًا: يرش على بدنه وثوبه، ويستقبل القبلة ويتنفس ثلاثًا، هذا أيضًا يحتاج إلى إثبات.
ثم قال المؤلف: (ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) يرجع متى؟
ثم يرجع من مكة بعد أن يطوف ويسعى، يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، هذا إن تأخَّر، وإن تعجَّل فليلتان، ما هما الليالي الثلاث؟ الحادية عشرة، والثانية عشرة، والثالثة عشرة، هذا إن تأخر، وإن تعجل فالحادية عشرة، والثانية عشرة.
(فيرمي الجمرة الأولى) متى؟
بعد الزوال، وسيذكر المؤلف.
(الجمرة الأولى -وتلي مسجد الخيف- بسبع حصيات متعاقبات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة):
стр. 4001
صفة الرمي على المذهب: يقول ﵀: (يرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف)، وتُسمى الجمرة الصغرى.
يقول: (ويجعلها عن يساره) حال الرمي، يستقبل القبلة، وتكون الجمرة عن يساره، فمثلًا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يستقبل القبلة، ويرمي هكذا، ما يرمي تلقاء وجهه، يرمي هكذا، نحن نتكلم على ما يدل عليه كلام المؤلف، ثم نعود -إن شاء الله- ننظر.
قال: (ويتأخر قليلًا) (يتأخر) بمعنى يبعد، إلى أي مدى؟
إلى موضع لا يناله فيه الحصا، ولا يتأذى بالزحام.
(ويدعو طويلًا) يستقبل القبلة، ويدعو دعاء طويلًا، وقد ورد عن النبي ﵊ أنه بقدر سورة البقرة، (١٨) وعلى هذا فيُطيل الدعاء، مستقبل القبلة، رافعًا يديه.
(ثم الوسطى مثلها)، لكن يجعلها عن يمينه، على كلام الأصحاب ﵏، الوسطى يرمي بسبع حصيات مُتعاقبات، ويجعلها عن يمينه.
هكذا الجمرة هنا، والقبلة هنا، يجعلها عن يمينه، ( ... ) إذا رمي كذا، وهذا فيه صعوبة، والذي يمكن بسهولة إذا كان الرجل يعمل بيديه جميعًا، يعني بعض الناس تكون قوة يده اليسرى كقوة يده اليمنى، فهذا إن جعل الجمرة عن يساره رمى باليُمنى، وإن جعل عن يمينه رمى باليُسرى.
(ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها) جمرة العقبة يرميها بسبع حصيات مُتعاقبات، ويستقبل القبلة، ويرمي من بطن الوادي، ويجعلها عن يمينه، كيف يفعل؟
كالوسطى، يجعلها عن يمينه، والقبلة أمامه، ويرمي هكذا، ولكن الصحيح خلاف ما قال المؤلف.
الصحيح أنه يرمي مستقبل القبلة في الأولى والوسطى، والجمرة بين يديه، وما ذكره من الصفة فهي أولًا: لا دليل عليها، والثاني: أن فيها صعوبة، والثالث: أنها في وقتنا غير ممكنة، عسى أن يحصل للإنسان أن يرمي الجمرة تلقاء وجهه.
فالصواب أنه يرمي الجمرة -ولو كان في سعة- تلقاء وجهه، مستقبل القبلة، الأولى، والوسطى.
стр. 4002
أما الثانية: فيرميها مستقبل الجمرة، وتكون الكعبةُ عن يساره، ومنى عن يمينه؛ لأن عبد الله بن مسعود ﵁ رماها كذلك، وقال: هذا مقام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة (١٩)، يعني رسول الله ﵌، وحينئذٍ يُستثنى من استقبال القبلة في رمي الجمرات جمرة العقبة، يجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة.
وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه في عهد الرسول ﵊ لا يمكن أن تستقبل القبلة، وترمي جمرة العقبة بحيث تكون بين يديك، لماذا؟ لأجل الجبل؛ لأنها هي ملصقة بالجبل، فلا يمكن، وفي هذا دليل واضح على أن المقصود هو استقبال أيش؟
طلبة: الجمرة.
الشيخ: الجمرة، سواء استقبلت القبلة أم لم تستقبل، لكن في الجمرة الأولى والوسطى يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، أما في العقبة فلا يمكن أن تجمع بين استقبال القبلة واستقبال الجمرة، ولذلك فُضل -أو اعتُبر- استقبال الجمرة.
قال: (ولا يقف عندها) لا يقف عند جمرة العقبة، وإنما يقف بعد الأولى، وبعد الوسطى، ولا يقف بعد العقبة، لماذا؟
قال العلماء: لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
انتبه، يكون في جوف العبادة، ولا يكون بعدها.
وهذا على قاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية واضح، ولهذا يرى أن الإنسان إذا أراد أن يدعو في الصلاة، فليدعُ قبل أن يُسلم، لا بعد أن يسلم، لا في الفريضة، ولا في النافلة، وقد سبق لنا بيان هذا.
وبه نعرف أيضًا أن الدعاء على الصفا والمروة يكون في أول الأشواط لا في آخرها، فيكون آخر شوط على المروة ليس فيه دعاء؛ لأنه انتهى السعي، ولا دعاء بعده، وإنما يكون الدعاء في مقدمة الشوط، كما كان التكبير أيضًا في الطواف في مقدمة الشوط.
وعليه، فإذا انتهى من السعي عند المروة ينصرف، إذا انتهى من الطواف عند الحجر ينصرف، ولا حاجة إلى التقبيل، أو الاستلام، أو الإشارة.
стр. 4003
قال المؤلف: (يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، مُستقبل القبلة مُرتِّبًا)
(في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال).
وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يُجزئ الرميُ قبل الزوال، ولا يجزئُ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم.
بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا- فإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ، فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ، ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ، وإلا لَزِمَه الْمَبيتُ والرَّمْيُ من الْغَدِ، فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ، فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه، وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ، وإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ، ويَقِفُ غيرُ الحائضِ بينَ الركْنِ والبابِ داعيًا بما وَرَدَ، وتَقِفُ الحائضُ ببابِه وتَدْعُو بالدعاءِ، وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ ﷺ وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ.
و(صِفَةُ العُمرةِ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ، فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ، وتُباحُ كلَّ وقتٍ وتُجزئُ عن الفَرْضِ.
стр. 4004
قال المؤلف: (مستقبل القبلة في كل يومٍ من أيام التشريق يفعل هذا)، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق (بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبًا في كل يوم من أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال)، وعليه يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛ لأن ذلك خارج عن اليوم، ولهذا قال: في كل يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال.
طيب لا يجزئ قبل الزوال؛ لأن النبي ﷺ رمى بعد الزوال وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١)، ولأنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي ﵌؛ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجهٍ آخر، ولما فيه من تطويل الوقت من وجهٍ ثالث، فلما كان الرسول ﷺ يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس، مع أنه أشق على الناس، دل هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول ﵌ من حين أن تزول الشمس يبادر فيرمي قبل أن يصلي الظهر، وكأنه يترقب بفارغ الصبر زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، وهذا هو القول الراجح، ولو كان الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي ﵊ بيانًا للجواز أو ليَسر الله مَن يفعله مِن الصحابة ويقره النبي ﷺ على ذلك.
إذن الرمي قبل الزوال في الأيام الثلاثة أيام التشريق لا يصح، بعد غروب الشمس أيضًا لا يجزئ على المشهور من المذهب؛ لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل.
وذهب بعض العلماء إلى إجزاء الرمي ليلاً وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي ﵌ حدد أوله بفعله ولم يحد آخره.
стр. 4005
وقد سئل الرسول ﵊ كما في صحيح البخاري (٢) أن رجلاً قال: يا رسول الله، رميت بعدما أمسيت؟ قال: «لَا حَرَجَ».
والمساء يكون في آخر النهار وفي أول الليل، ولما لم يستفصل الرسول ﵊ لم يقل: بعدما أمسيت في آخر النهار أو في أول الليل، عُلم أن الأمر واسع في هذا، ثم إنه لا غرابة أن يكون الليل تابعًا للنهار، فها هو الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج والليل فيه تابع للنهار، فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر.
ولهذا نرى أنه إذا كان لا يتيسر على الإنسان أو لا يتيسر للإنسان أن يرمي في النهار فله أن يرمي في الليل، وإذا كان يتيسر لكن مع الأذى والمشقة وأنه في الليل يكون أريح له وأكثر طمأنينة فإنه يرمي في الليل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة، وما دام أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي فالأصل عدم ذلك، ولا ينبغي أن نلزم الناس بأن يرموا كلهم وهم مليون رجل يرمون كلهم في خلال ست ساعات.
يعني لو فرضنا أن من الزوال إلى غروب الشمس ست ساعات، وذلك في وقت الاعتدال الربيعي والخريفي، اقسم ست ساعات على مليون نفر كم معدل الذين يرمون في كل ساعة؟
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: اثنان وستون ألفًا.
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: مئة وستون ألفًا، سبحان الله، ! مئة وستون ألفًا في الساعة هذا صعب، هذا إذا قلنا: إنهم مليون، فكيف وهم أكثر من ذلك، ولهذا كان من أحسن ما فعلت، أو أظن هيئة كبار العلماء، من أحسن ما فعلوا أنهم أصدروا فتوى بأنه لا بأس بالرمي في الليل في هذه الأزمنة وإن النفس مطمئنة والصدر منشرح للفتوى بذلك.
يقول ﵀: (مستقبل القبلة مرتبًا).
ما معنى الترتيب؟ أن يبدأ بالحصاة الأولى قبل الثانية؟
طالب: ليس الترتيب كذلك.
стр. 4006
الشيخ: ليس هذا المراد؛ لأنه لا بد أن يرمي الحصاة الأولى قبل الثانية، المراد الترتيب بين هذه الجمرات بأن يرمي الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نكَّث ورمى العقبة ثم الوسطى ثم الأولى.
الطلبة: صحت الأولى.
الشيخ: صحت الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية والثالثة.
وقال بعض أهل العلم إن الترتيب ليس بشرط ولكنه ندب، وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد، وأنساك يوم العيد كما مر علينا لا يشترط فيها الترتيب، أليس كذلك؟ قال: هذا من باب أولى ألا يشترط.
وعارضه آخرون فقالوا: ليس الأمر كذلك، فإن اشتراط الترتيب هنا أولى من اشتراطه في أنساك العيد؛ لأن هذا عبادة واحدة، بخلاف أنساك يوم العيد فإنها عبادات متنوعة، أما هذه فهي عبادة واحدة، فلا بد أن تُفعل كما ورد عن النبي ﵌.
ولكن ما دام الإنسان في السعه فلا شك أن نقول: إنه يجب عليك الترتيب، وإنه لو سألنا في أيام التشريق فقال: إنه رمى منكسًا لسهل علينا أن نقول: اذهب وارم مرتبًا، لكن إذا كان الأمر قد فات في أيام التشريق وجاء يسأل فقال: إني رميت من غير أن أعلم بدأت بجمرة العقبة، وأنا رأيت أن جمرة العقبة تُرمى يوم العيد دون الجمرتين الأخريين، وهذا يدل على أنها أفضل منهما، والقاعدة الشرعية، وسيقيس هذا اليوم في مقابلة النص، القاعدة الشرعية أن الأفضل نعم يُبدأ به، فأنا رأيت أن هذا هو الصواب وفعلت كل أيام التشريق، في هذه الحال نرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول ﵊ يقول: رتبوا بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل وعموم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١).
стр. 4007
ولا سيما أن كثيرًا من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب بين الفوائت التي تفوت الإنسان بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب بين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذرٍ من الأعذار فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه فعل العبادة، أتى بالعبادة لكن على وجهٍ غير مرتب، فإذا جاء الإنسان وقد مضت أيام التشريق وقال: إنه كان يرمي في أيام التشريق منكسًا فأرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح وأنه لا يجب عليه ما يجب على من ترك الرمي.
(فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته): إن رماه: الضمير يعود على الحصى، حصى الجمار، كله في اليوم الثالث، الثالث أو الرابع؟
الطلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث؛ لأن المؤلف يتكلم عن إن رمى أيام التشريق، إن رماه كله أجزأه، ولكن يقول: يرتبه بنيته، يرتب الأيام بنيته، فمثلاً يبدأ برمي أول يوم بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي للثالث يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
ولا يجزئ أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام، ثم الوسطى عن ثلاثة أيام، ثم العقبة عن ثلاثة أيام؛ لأن ذلك يفضي إلى التداخل، تداخل العبادات وإدخال جزء من عبادة يوم في عبادة يوم آخر.
стр. 4008
وما ذهب إليه المؤلف ﵀ من جواز جمع الرمي في آخر يوم فيه نظر، بل هو ضعيف؛ وذلك لأن النبي ﵌ رمى كل يوم في يومه وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١)، ولأنه رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (٣)، كلمة (رخص) تدل على أن مَن سواهم فإن وقت الرمي في حقه عزيمة. وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم إلا في حالٍ واحدة، لو فرضنا أن منزله بعيد؛ إذ ما يكون منزله في أقصى منى من الشمال أو من الشرق ويصعب عليه أن يتردد كل يوم، لا سيما في أيام الحر وأيام الزحام، فهنا نقول: لا بأس أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم ويرميه مرة واحدة؛ لأن هذا أولى بالعذر ممن؟
الطلبة: الرعاة.
الشيخ: من الرعاة الذين رخص لهم النبي ﷺ أن يجمعوا الرمي في يوم. وأما من كان قادرًا والرمي عليه سهل لقربه من الجمرات، أو لكونه يستطيع أن يركب السيارات حتى يقرب من الجمرات، فإنه يجب أن يرمي كل يومٍ في يومه.
قال: (ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه) أي: عن أيام التشريق (فعليه دم) ولو لعذر؟ نعم ولو لعذر، لكن إذا كان لعذر يسقط عنه الإثم، وأما جبره بالدم فلا بد منه. فلو فرض أن رجلاً من الناس لم يظن أن رمي الجمرات واجب، أو لم يظن أن الترتيب فيها واجب، وجاءنا يسألنا بعد أن مضت أيام التشريق، ماذا نقول له؟
نقول: على ما مشى عليه المؤلف يجب عليك دم، يجب عليك دم، فإذا قال: أنا جاهل، قلنا: نعم أنت جاهل ويسقط عنك الإثم، لكن هذا العمل الذي فاتك بجهلك له بدل وهو الدم، فيجب عليك أن تذبح فدية توزعها على الفقراء في مكة.
قال: (أو لم يبت بها) يعني لم يبت بها، الضمير يعود على منى، لم يبت بها ليلتين إن تعجل أو ثلاث ليال إن تأخر فعليه دم، والدم إذا أُطلق فهو ما يجزئ في الأضحية بأن يكون من بهيمة الأنعام وقد تم له السن المعتبر شرعًا وسلم من العيوب المانعة من الإجزاء.
стр. 4009
وقول المؤلف: (أو لم يبت بها) عُلم منه أنه لو ترك ليلة من الليالي فإنه ليس عليه دم، وهو كذلك، فإذا ترك ليلة من الليالي فعليه إطعام مسكين، وليلتين إطعام مسكينين، وثلاث ليال دم، وقيل: إن ترك المبيت فإنه ليس عليه دم مطلقًا، وهذا مبني على أن المبيت سنة وليس بواجب، واستدل هؤلاء لكون المبيت سنة وليس بواجب أن الرسول ﵊ رخص لعمه العباس في السقاية أن يبيت بمكة من أجل سقي الناس ماء زمزم (٤)، وهذا ليس بضرورة أن يبيت؛ إذ من الجائز أن تترك زمزم كل من جاء شرب منها، ولكن كون الرسول ﵊ يرخص للعباس يدل على أن الأمر في ذلك واسع، ولكن الصحيح أنه واجب - أي المبيت - لأن كلمة رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقايته يدل على أن ما يقابل رخصة فهو عزيمة لا بد منه.
ولكن لا نفعل كما يفعل بعض المفتين اليوم، يأتيه الرجل يقول: أنا لم أدرك الليل كله في منى، فات عليّ بعض الليل وأنا في مكة، نزلت إلى مكة أقضي الحج أطوف ثم تأخر بي السير، ولم أصل إلى منى إلا بعد الفجر مثلاً، فيقول: عليك دم، كل كلمة يمكن، كل كلمة يقول: عليك دم، وهذا غلط؛ لأن إلزام المسلمين بما لم يلزمهم الله به يعتبر عدوانًا.
لكن ما ظنكم لو أن مفتيًا أفتى بغير علم وقال للحاج: عليك دم، فذهب الحاج واشترى دمًا بخمس مئة ريال وتصدق به على الفقراء، هل يمكن أن نقول بتضمين المفتي؟
طالب: بلى وإي نعم.
الشيخ: هو بغير علم.
طالب: يضمن.
الشيخ: نعم، نقول بضمانه، بتضمينه؛ لأنه هوالذي أفتاه بغير علم وألزمه بما لم يلزمه الله.
ونحن نستفيد من هذا التضمين بأن هذا الذي أفتى بغير علم اليوم لا يفتي بمثله أبدًا، ولا يفتي بمسألة إلا وقد علمها أو غلب على ظنه أن هذا حكمها. قال المؤلف: نعم.
طالب: انتهى.
الشيخ: انتهى، هذا يقول.
طالب: نعم ( ... ).
стр. 4010
الشيخ: أكثر الناس ينسب السعي بين الصفا والمروة للاقتداء بأم إسماعيل، وأن هذه الأَمة كذا أو الأُمّة.
طالب: هذه الأُمّة.
الشيخ: وأن هذه الأُمّة.
طالب: اقتداؤها بالرسول ﷺ .
الشيخ: تتابع.
الطالب: اقتداؤها بالرسول ﷺ .
الشيخ: تتابع ( ... ) رسول الله ﷺ ( ... ) رأي ( ... )؟ أيش، ويش الإشكال في هذا؟
الطالب: الإشكال أن الناس ينسبون كل السعي والسعي بين ( ... ) إلى أم إسماعيل.
الشيخ: أيوه
الطالب: ( ... ) الرسول ﷺ ( ... ).
الشيخ: لا، على كل حال فعل الرسول هو الأصل، يعني نحن بالنسبة لنا نتبع الرسول ﵊، لكن أصل المشروعية هو؟
الطلبة: ما جرى لأم إسماعيل.
الشيخ: ما جرى لأم إسماعيل، ولهذا قال النبي ﵊ نفسه قال: «فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَعَى النَّاسُ» (٥).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام ( ... ) على آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غيرُ الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه.
الشيخ: ( ... ) محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبق لنا في الدرس الماضي ما يفعله الإنسان في يوم العيد وأنه خمسة أنساك، وأنها مرتبة كالتالي: الرمي، النحر، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي. وأنه لو قدم بعضها على بعض فلا حرج؛ لأن النبي ﵌ سئل عن التقديم والتأخير فقال: «لَا حَرَجَ» (٦).
стр. 4011
وسبق لنا أنه إذا طاف وسعى أنه يرجع إلى منى ويبيت فيها ليلتين إن تعجل، وثلاثًا إن تأخر، وفي هذه الأيام يرمي الجمرات الثلاث بعد الزوال، يرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ويقف بين الأولى والوسطى وبين الوسطى والعقبة ولا يقف بعد العقبة، إذن العقبة ليس بعدها وقوف لا في يوم النحر ولا في أيام التشريق.
وسبق لنا أنه يكبر مع كل حصاة؛ عند الرمي يقول: الله أكبر بدون بسملة، وسبق أنه يجب ترتيب هذه الجمرات الأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
قال المؤلف ﵀: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه) أظن أخذنا هذا.
نعم، وسبق لنا أن المذهب أنه يجوز تأخير الرمي إلى آخر يوم، ولكن يجب أن يرتبه بنيته؛ الثلاث عن اليوم الأول، والثلاث عن اليوم الثاني، والثلاث عن اليوم الثالث إن تأخر، وأن القول الراجح خلاف ذلك، وأنه لا يجوز أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم إلا إذا كان هناك عذر، مثل أن يكون مريضًا، أو يكون مكانه بعيدًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن النبي ﵌ لم يرخص في التأخير إلا للرعاة فقط (٣).
***
قال المؤلف ﵀: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) هذا مبتدأ درس الليلة: من تعجل خرج قبل الغروب، وقول المؤلف: (في يومين) المراد باليومين الحادي عشر والثاني عشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] أي من هذه الأيام المعدودات، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.
وبعض العوام يظنون أن قوله: ﴿مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ يعني يومي العيد والحادي عشر، فيتعجلون في الحادي عشر، ولكن هذا غلط محض لم يقل به أحد من أهل العلم، وإنما المراد من تعجل في يومين من هذه الأيام الثلاثة أيام التشريق.
стр. 4012
يقول المؤلف ﵀: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) خرج من أي مكان؟ من منى قبل أن تغرب الشمس، وذلك ليصدق عليه أنه خرج في اليومين؛ إذ لو أخر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين؛ لأن اليومين قد فاتا، إذن لا بد أن يخرج قبل غروب الشمس، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، وإلا يعني: وإلا يخرج قبل غروب الشمس لزمه المبيت إلا في الثالث عشر، والرمي من الغد بعد الزوال كاليومين قبله.
الدليل أن الله قال: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾، و (في) للظرفية، والظرف لا بد أن يكون أوسع من المظروف، فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليومين، وقد روي عن عمر ﵁ ما يدل على ذلك، أنه إذا أدركه المساء فإنه يلزمه أن يبقى (٧).
ولكن هنا مسألة، لو أن الجماعة قوضوا الخيام وحمَّلوا العفش وركبوا، ولكن حبسهم المسير لكثرة السيارات، فغابت عليهم الشمس قبل الخروج من منى، فهل نقول: يجب عليكم أن ترجعوا وتبيتوا أو لهم أن يستمروا في الخروج؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن هؤلاء حُبسوا بغير اختيار منهم، وإلا فقد تعجلوا.
قال: (فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع) إذا أراد الخروج من مكة إلى أي مكان؟
الطلبة: مزدلفة.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا أراد الخروج من مكة لأي بلد كان، المهم أن يفارق مكة، فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع، وصرح بعض الأصحاب ومنهم صاحب الغاية - فيما أظن - قال: إذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع.
стр. 4013
ووجه ذلك - التقييد بالبلد - أنه إذا أراد الخروج إلى بلدٍ آخر فإنه لم يزل في سفر ولم يرجع، فمثلًا لو كان في مكة وانتهى الحج ثم خرج إلى جدة وليس من أهل جدة أو خرج إلى الطائف وليس من أهل الطائف فإنه على هذا التقييد، تقييد إذا رجع، نعم تقييد أراد الخروج من مكة إلى بلده، فإنه في هذا الحال لا يطوف للوداع؛ لأنه لم يرد الخروج إلى بلده وهو في حكم المسافر، لا زال مسافرًا، وهذا التقييد تقييد حسن.
والدليل على هذا أن الرسول ﵊ لم يأمر أصحابه أن يطوفوا للوداع حين خرجوا من مكة إلى المشاعر، وإن كان قد يقال: إن الرسول لم يأمرهم بذلك؛ لأنهم لم يتموا نسكهم حتى يُلزموا بالوداع.
على كل حال اللي يظهر أن هذا التقييد أصح من الإطلاق، ولكن لو أن الإنسان عمل بالأمرين طاف إذا أراد الخروج من مكة إلى بلدٍ آخر، وإذا رجع إلى مكة طاف إذا أراد الخروج إلى بلده لكان خيرًا.
لكن إذا كان الأمر فيه مشقة أن يطوف مرتين، فلا يظهر الإلزام بالطواف إذا أراد الخروج إلى غير بلده؛ لأنه في الواقع لم يغادر مكة، سوف يرجع إليها، أما لو أراد الخروج إلى بلدٍ آخر عبر سفره إلى بلده فهنا يطوف، كما لو أراد الخروج إلى بلده عن طريق المدينة فاتجه إلى المدينة وهو يريد السفر إلى بلده فإن هذا يلزمه الطواف لأنه حقيقة غادر مكة.
ثم قال: (فإن أقام أو اتجر بعده أعاده) أفادنا المؤلف بقوله: (فإن أقام) إلى آخره أنه لا بد أن يكون هذا الطواف آخر أموره، وهو كذلك، فلا بد أن يكون آخر أموره؛ لقول ابن عباس ﵄: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (٨).
стр. 4014
آخر عهدهم بالبيت، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطواف آخر شيء، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الحجاج من كونهم يطوفون للوداع، ثم يخرجون إلى منى ويرمون الجمرات، ثم يغادرون، فإن فعلهم خطأ، لماذا؟ لأن آخر عهدهم بالجمار وليس البيت، والنبي ﵊ إنما طاف للوداع بعد الانتهاء من النسك كله.
وقوله: (فإن أقام) ظاهره مطلقًا أنه إذا أقام بعد طواف الوداع، سواء كانت الإقامة طويلة أم قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت.
فمثلًا إذا طاف وخرج ينتظر رفقته في البيت، أو ينتظر رفقته في السيارة، وتأخروا، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، وكذلك لو فرض أنه طاف ولما ركب وسار، صار في السيارة الخراب، فجلس في مكة من أجل إصلاح هذا الخراب، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، لماذا؟
لأنه إنما أقام لشيء ينتظر متى انتهى واصل السفر.
وقول المؤلف: (أو اتجر بعده أعاده)، أو اتجر يعني اشترى شيئًا للتجارة، أو باع شيئًا للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة في طريقه لا تجارة فإنه لا بأس به، فلو أنه خرج بعد أن ودَّع ثم مر بالبقالة واشترى أشياء يحتاجها في سفره، أو اشترى هدايا لأهله، فإن ذلك ليس بتجارة ولا يضر، على أننا نُرغِّب أن يكون شراؤه هذا قبل طوافه.
وعُلم من كلام المؤلف أنه إذا طاف للوداع فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد - القهقرى يعني على وراء - ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثًا، ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، إذا ودعت فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة، ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي ﵌، ولم يكن يرجع القهقرى، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف ونظر إلى الكعبة وودعها، بل كان ﵊ ودع ومشى على المعتاد.
стр. 4015
(وإن تركه) غير حائضٍ (رجع إليه)، إن تركه أي الحاج، غير حائض يعني ولا نفساء، فإنه يرجع إليه، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع لو طهرت إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يلزمها الرجوع، أما لو طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير ولو داخل الحرم فإنه لا يلزمها أن ترجع، الدليل على هذا قول ابن عباس ﵄: إلا أنه خُفف عن الحائض (٨).
قال: (وإن تركه) غير حائض (رجع إليه، فإن شق، أو لم يرجع، فعليه دم) إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، أو لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
وقول المؤلف: (إن تركه رجع إليه فإن شق)، تركه إلى أين؟
يقول: إذا تركه قبل مسافة القصر ولم يرجع قبل مسافة القصر فإن جاوز المسافة استقر عليه الدم، سواء رجع أم لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع.
وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع ثم رجعوا بعد أن خَفَّ الحرم وطافوا فإن الدم لا يسقط عنه لأنه استقر في مسافة القصر أو بوصوله إلى بلده، حتى لو فرض أن أناسًا من بلد دون جدة كأهل بحرة مثلاً فإنهم إذا وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم؛ لأنهم تركوه وانتهوا منه.
وقول المؤلف: (فعليه دم) إذا قيل: ما هو الدليل على وجوب الدم؟ قلنا: الأثر المشهور عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (٩).
وهذا نسك واجب أمر به النبي ﵌ فيكون في تركه دم، وهذا الحديث أو وهذا الأثر مشهور عند العلماء، واستدلوا به وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال، فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له الحكم؟
الطلبة: الرفع.
الشيخ: الرفع، يكون له حكم الرفع.
стр. 4016
وقال بعض العلماء: إن هذا قول صحابي لا شك، لكن يمكن أن يكون صادرًا عن اجتهاد ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، فعل المحرم محظورات الإحرام فيها دم، وجه القياس أن الكل في هذا وفي هذا انتهاك لحرمة النسك؛ ترك الواجب انتهاك لحرمة النسك وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس ﵄ بنى هذا الحكم على أيش؟ على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعًا، ويبقى النظر هل قول الصحابي حجة؟
فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد ﵀ حجة ما لم يخالف نصًّا أو قول صحابي، فإن خالف نصًّا فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طُلب الترجيح بين القولين.
إذن المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل الانضباط، انضباط الناس وحملهم على فعل المناسك الواجبة يكون بإلزامهم بهذا الشيء - أي بالدم - لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك دم وإنما عليك أن تستغفر الله وتتوب إليه، مو سهل، ما فيه إلا التوبة، يظن أن التوبة سهلة، والتوبة ما أصعبها، من الذي يتوب إلى الله توبة نصوحًا مسألة ما هي هينة، لكن عامي لا تأخذ منه قرشًا والباقي عنده سهل.
على كل حال إلزام الناس بهذا الشيء وإن كان في النفس منه شيء من حيث الدليل فإنه من الحكمة، من أجل ألا يتهاون الناس بالواجبات.
ثم قال: (وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع).
نعم إن أخر طواف الزيارة، ما هو طواف الزيارة؟
الطلبة: طواف الإفاضة.
الشيخ: هو طواف الإفاضة، يعني طواف الحج، فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، كيف يجزئه وطواف الوداع واجب وطواف الإفاضة ركن؟
قلنا: لأن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر عهده.
الطلبة: بالبيت.
стр. 4017
الشيخ: بالبيت، وقد حصل، فيكون مجزئًا عن طواف الوداع، وهذا واضح فيما إذا كان من قارن أو مفرد وسعى بعد طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه إلا طواف يطوف وينصرف، لكنه مشكل فيما إذا كان من متمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يطوف ويسعى، فكيف الحل؟
قال بعض العلماء أو بعض طلبة العلم: الحل أن يقدم السعي على الطواف؛ لأن تقديم السعي على الطواف في الحج جائز؛ لقول الرسول ﵌: «لَا حَرَجَ» (١٠)، فإذا قدم السعي على الطواف صار الطواف آخر شيء.
وقال بعض العلماء: بل لا حاجة إلى ذلك، بل يقدم الطواف ويأتي بالسعي بعده، والسعي تابع للطواف فلا يضر أن يفصل بين الطواف وبين الخروج، واستدل البخاري (١١) ﵀ على ذلك بأن الرسول ﵊ أذن لعائشة أن تأتي بعمرة بعد تمام النسك، فأتت بعمرة فطافت وسعت وسافرت (١٢)، فحال السعي بين الطواف والخروج، وبأن النبي ﵌ طاف للوداع وصلى صلاة الفجر وقرأ بالطور (١٣)، فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر، وهذا عندي أقرب من القول الأول الذي يقول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل في الترتيب، ترتيب مشروع، وهو أن يُقدم الطواف على السعي.
في هذه الصورة - أعني إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع - ربما نقول: لا تخلو من ثلاث حالات: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، أن ينوي طواف الوداع فقط، أن ينويهما جميعًا، الصورة التي ذكرها المؤلف هو أن يؤخر طواف الإفاضة فيجزئ عن طواف الوداع بلا نية.
فعلى هذا نقول: الصورة الأولى: إذا نوى طواف الإفاضة ولم يكن عنده نية طواف الوداع فما الحكم؟
طالب: يجزئ عن طواف.
الشيخ: يجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية؟
الطلبة: المسجد.
الشيخ: المسجد.
الصورة الثانية إذا نواهما جميعًا.
طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ أيضًا؛ لقول النبي ﵌: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (١٤).
стр. 4018
الصورة الثالثة: إذا نوى طواف الوداع فقط ولم ينوِ طواف الإفاضة.
الطلبة: لا يجزئه.
الشيخ: فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة، لا يجزئ عن طواف الإفاضة، وهذه مسألة يجب أن ينبه الناس لها؛ لأن أكثرهم يقول: إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع أجزأ فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، يقول: أنا نويت الوداع فقط، ولا ترى على باله طواف الإفاضة، فنقول في هذه الحال: إنه لا يجزئه؛ لأن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب، فهو أعلى منه، ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى، لكن لو قال قائل: ألستم تقولون: إن الرجل إذا حج عن نفسه ونوى أنها نافلة، وهو لم يؤد الفريضة، ألستم تقولون: إن هذه النافلة تقع عن الفريضة؟
الجواب: بلى نقول ذلك. وكذلك لو حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه مع وجوب الحج عليه، فإن الحج يقع عن نفسه؟
أقول: لا يستقيم هذا؛ لأن مسألتنا جزء من حج، بخلاف الحج كاملًا، فالحج كاملًا، نقول فيه: إن ذمته مشغولة بالفريضة، فإذا أدى ما دون الفريضة صار للفريضة، وأما هذا فهو جزء من عبادة، فإن طواف الوداع إن قلنا: إنه من الحج فهو جزء منه، وإن قلنا: إنه مستقل فإنه لا يمكن أن يجزئ واجب عن ركن.
قال: (ويقف غير الحائض بين الركن والباب).
(يقف) يعني الحاج إذا ودَّع، يقف (بين الركن) أي الحجر الأسود (والباب) باب الكعبة، ومسافته كما تعلمون قليلة، فيقف يقول بالشرح: ويلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين.
وهذا يسمى الالتزام عند أهل العلم، والمكان هذا يسمى الملتزم.
وهي مسألة اختلف فيها العلماء، مع أنها لم ترد عن النبي ﵊، إنما صحت عن بعض الصحابة، هل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ هل هو عند القدوم أو عند المغادرة أو في كل وقت؟
стр. 4019
ووجه الخلاف بين العلماء في هذا أنه لم ترد فيه سنة عن النبي ﵊، لكن الصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك عند القدوم، والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة، فيلتزم في الملتزم - وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب - على الصفة التي سمعتم التي ذكرها الشارح ويقول ما ورد.
ثم ذكر الشارح ﵀ دعاءً طويلاً، نعم، ومنه: (اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أَمَتِكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغْتَني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضِيتَ عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان صلاتي، إن أنت أذِنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسِن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيت لي، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي ﷺ . وهذا يحتاج إلى تخريج.
طالب: الالتزام؟
الشيخ: إي نعم، الالتزام لا بأس به، لا بأس أن يلتزم الإنسان ما لم يكن فيه ضيق وأذية فلا يفعل.
طالب: ( ... ) هذا الموضع.
الشيخ: في القدوم والذهاب الرجوع.
الطالب: في جميع البيت؟
الشيخ: لا، في هذا الموضع فقط، هذا الملتزم.
قال: (وتقف الحائض ببابه) أي بباب المسجد (وتدعو بالدعاء) وهذا لا دليل عليه، كون الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ليس له دليل إطلاقًا، والنبي ﵊ لما قيل له: إن صفية قد أفاضت قال: «انْفِرُوا»، أو قال: «فَلْتَنْفِرْ» (١٥)، ولم يقل: فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه. وعلى هذا فيكون هذا القول -أي أن الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بالدعاء- يكون هذا قولاً ضعيفًا لا يُعمل به.
стр. 4020
ثم قال: (وتستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه ﵄
طالب: (وقبري صاحبيه).
الشيخ: عندنا (قبر) بدون ياء، إن كانت (قبري) فظاهر، وإن كانت (قبر) فهو مفرد.
طالب: مضاف.
الشيخ: مضاف فيعم، لكن لا شك أن (قبري صاحبيه) أصح، بل يتعين في هذا السياق، لماذا؟ لأنه إذا قيل: قبر صاحبيه يوهم أنه قبر واحد لاثنين، وليس كذلك، ولهذا الصواب النسخة اللي عندكم.
(وقبري صاحبيه ﵄ الدليل قال: لحديث: من حج فزارني بعد وفاتي.
طالب: «فَزَارَ قَبْرِي».
الشيخ: من حج نعم «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رواه الدارقطني (١٦).
لكن هذا لا يحتاج إلى تخريج الظاهر، نعم.
الطلبة: ضعيف هذا.
الشيخ: نعم موضوع.
طالب: موجود يا شيخنا ( ... ) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
الشيخ: اللي عندي الدارقطني فقط.
الطلبة: ( ... )
الشيخ: طيب على كل حال حديث ضعيف هذا، موضوع لا يصح عن النبي ﵊؛ لأن كلام النبي ﵊ كله حق، وهل الذي يزور قبره بعد وفاته كالذي يزوره في حياته؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ولا يشبهه بأي حال من الأحوال.
طالب: مبسوط.
طالب آخر: ( ... ) تخريج شيخ الإسلام.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ) تخريج شيخ الإسلام ذلك.
الشيخ: نعم، على كل حال هذا الحديث لا يصح.
إذن ما هو الدليل على استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه؟
الدليل عموم الأدلة الدالة على استحباب زيارة القبور، ولكن ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه يشد الرحل إلى زيارة قبر النبي ﵌ وقبري صاحبيه.
стр. 4021
يعني أن الحاج إذا انتهى يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول أمر بزيارة القبور ولم ينه عن شد الرحل لها، بل قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (١٧)، وخير قبورٍ يُشد لها الرحل.
طالب: قبر النبي ﷺ .
الشيخ: قبر النبي ﷺ وقبرا صاحبيه.
ومنهم من قال: إنه مكروه شد الرحل لزيارة القبور، ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين أن ما ذهب إليه هو الحق.
قال المؤلف ﵀: (وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحل من مكي ونحوه، لا من الحرم).
صفة العمرة أن يحرم بها فهي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، أربعة أشياء، الإحرام يقول: أن يحرم بها من الميقات، إن مر به أو من محاذاته إن لم يمر به أو مما دونه إن كان دون الميقات، المهم أن يحرم بها على حسب ما سبق في المواقيت.
وقول المؤلف: (أو من أدنى الحل من مكي ونحوه) وأدنى الحل بالنسبة إلى مكة إلى الكعبة التنعيم هو أدنى الحل، أما بالنسبة لمن أراد العمرة فقد يكون التنعيم، وقد يكون غير التنعيم، فالذي في مزدلفة مثلًا أدنى الحل إليه عرفة، والذي في الجهة الغربية من مكة أدنى الحل إليه الحديبية وهكذا، المهم أنه يحرم من أدنى الحل.
ولا يلزمه أن يقصد التنعيم الذي عينه الرسول ﵊ لعائشة أو الجعرانة التي أحرم منها النبي ﵌ حين رجع من غزوة حنين (١٨)، لا يلزمه ذلك؛ لأن أمر النبي ﷺ عائشة أن تحرم من التنعيم (١٨) لكونه أقرب الحل إليها، وإحرامه من الجعرانة لكونه نازلًا بها.
وقوله: (من مكي ونحوه).
стр. 4022
المكي هو ساكن مكة، ونحوه هو الآفاقي المقيم بمكة، فكلاهما يحرم من أدنى الحل، وقد سبق لنا تقرير ذلك وبيان شبهة من قال من أهل العلم: إن المكي يحرم من مكة لعموم الحديث.
قال: (لا من الحرم).
يعني: لا يحرم للعمرة من الحرم، فإن فعل انعقد إحرامه، ولكن يلزمه دم لتركه الواجب، وهو الإحرام من الحل.
قال: (وتباح كل وقت، فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر حل)؛ لأن العمرة مكونة من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، من أربعة أشياء. نعم.
طالب: عندي: حلق أو قصر.
الشيخ: نعم: وحلق أو قصر.
الطالب: تصحيحه.
الشيخ: عندي متن.
قال: (وتباح كل وقت).
تباح العمرة في كل وقت، أما الحج فهو أشهُر معلومات، العمرة تباح في كل وقت حتى في يوم عيد النحر، وحتى في يوم عرفة، وحتى في أيام التشريق، فمثلاً لو أن أحدًا قدم إلى مكة في يوم عرفة هل نقول: إن العمرة لا تصح لأن الوقت للحج؟ لا، نقول: تصح، لكن الحاج هو الذي ينبغي أن يقال له: اذهب إلى عرفة ولا تتمتع؛ لأن وقت التمتع قد فات، ولكن انو القران أو الإفراد.
وقول المؤلف: (تباح كل وقت) لم يذكر ﵀ هل يُسن أن يعتمر كل وقت أو في السنة مرة أو في الشهر مرة أو ماذا؟
ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى ﵀ اتفاق السلف على أنه يكره تكرارها، أي تكرار العمرة، وقال الإمام أحمد: لا يعتمر إلا إذا حمم رأسه - حمم يعني اسود - من الشعر.
وبناءً على هذا يكون ما يفعله العامة الآن من تكرار العمرة، ولاسيما في رمضان كل يوم، إن لم يكن بعضهم في اليوم والليلة، في النهار عمرة وفي الليل عمرة.
( ... ) عندي يقول: ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في المبدع لابن مفلح، وقاله أيضًا شيخ الإسلام ﵀ قبله: إنه يكره.
وأما قوله ﵊: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» (١٩) فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم.
طالب: ( ... ) ويستحب تكرارها.
стр. 4023
الشيخ: نعم، إي نعم، قال: (ويستحب تكرارها في رمضان لأنها تعدل حجة)، هذا غلط، هذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
قال: (وتجزئ عن الفرض) ما الذي تجزئ عن الفرض؟ العمرة، تجزئ عن الفرض في أي وقتٍ أداها، عمرة المتمتع تجزئ عن الفرض، وعمرة القارن.
الطلبة: تجزئه.
الشيخ: تجزئ عن الفرض؛ لأن القارن أتى بعمرة وحج؛ لقول النبي ﵌ لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٢٠)، فأثبت النبي ﷺ لها حجًّا وعمرة.
لو جعل القارن عمرته لشخص وحجه لآخر يجزئ؟
طالب: قارن؟
الشيخ: قارن.
الطالب: لا يجزئ.
الشيخ: جعل عمرته لشخص وحجه لآخر.
الطلبة: لا يجزئ.
الشيخ: المتمتع جعل عمرته لشخص وحجه لآخر؟
الطلبة: يجوز، يجزئ.
الشيخ: المتمتع واضح أنه يجزئ لأن العمرة؟
الطلبة: منفصلة.
الشيخ: منفصلة.
طالب: وتكون مفردة.
الشيخ: والقارن قال الفقهاء ﵏: إنه يجوز؛ لأن القران وإن كان فعلاً واحدًا لكنه نسكان، وإذا كان نسكين أجزأ أن يجعل واحدًا منهما عن شخص والآخر عن شخصٍ آخر.
طالب: الصحيح؟
الشيخ: والله أنا أميل إلى أنه لا ينبغي أن يجعل العمرة لشخص والحج لآخر، لكن لو فعل لا أقول: إنه حرام؛ لأن الرسول أثبت أنهما نسكان.
طالب: النبي ﵊ قال: «الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» (٢١).
الشيخ: نعم.
الطالب: وقال: «مَن أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (٢٢) ( ... ) يا شيخ ( ... ) هذه الأحاديث تدل على ( ... )، ما أدري ما رأيك؟
стр. 4024
الشيخ: وبهذا قال بعض أهل العلم، لكن الجمهور على خلاف ذلك، الجمهور قالوا: إنها لا تكفر إلا الصغائر، وأيدوا رأيهم هذا بقولهم: إن الصلوات الخمس أعظم من الحج، أعظم ثوابًا عند الله ومنزلة في الدين، ومع ذلك اشترط النبي ﵌ لتكفيرها للذنوب أن تجتنب الكبائر، ولكن الإنسان يرجو من الله إذا كان حجه مبرورًا أن يكفر عنه جميع السيئات.
ويجاب عما ذكره الجمهور ﵏ بأن الحج أعظم مشقة وأكثر تعبًا من الصلاة، والإنسان الذي يقدم إليه من بلاد بعيدة، ولا سيما في الزمن الأول، يدل على رغبته الشديدة فيما يقرب إلى الله، فكان بهذا موجبًا لهدم كل ما سبق من الأعمال.
فلو أن الإنسان رجا ربه أن تكفر عنه جميع الذنوب تمسكًا بهذا الحديث فإن الله أكرم من عباده.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لازم.
طالب: أحسن الله إليكم، وفي حديث أبي موسى لما قال: إني أهل بما أهل به.
الشيخ: رسولك.
الطالب: إني أهللت بما أهللت به يا رسول الله. فقال: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ ». قال: لا. قال: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا واَلْمَرْوَةِ» (٢٣). فطفت.
الشيخ: «اجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الطالب: «وَاجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما فيه دليل على وجوب سوق الهدي، فيه دليل على أن من لم يسق الهدي وهو قارن فإنه يجعلها عمرة.
طالب: ( ... ) هذا أحرم بالعمرة ثم وطأ امرأته أثناء إحرامه قبل التحلل، أقول: ما الذي يجب عليه؟
الشيخ: ما تقولون فيه؟ رجل أحرم بعمرة وجامع زوجته قبل أن يتحلل، فماذا عليه؟
الطلبة: ( ... ).
الشيخ: عليه فدية أذى ( ... ) حصرنا لكم فيما سبق الفداء، وذكرنا أن محظورات الإحرام تنقسم:
ما ليس فيه فدية، وما فديته بدنه، وما فديته جزاء، وما فديته فدية الأذى. وهذا الحصر الذي ذكرنا سابقًا اعتمده لأجل ألا يُشكل عليك شيء.
стр. 4025
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الدليل عند القول بزيارة قبر الرسول ﷺ لعموم الدليل ( ... ) العناء زيارة غيره من القبور.
الشيخ: نعم وهو كذلك.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، هو على كل حال الزيارة للقبور سواء قبر النبي ﵊ أو قبر صاحبيه كلها من أجل أن تذكر الآخرة، لكن لا شك أنه يكون في قلب الإنسان إذا زار قبر النبي ﷺ ما لا يكون في قلبه إذا زار قبر شخصٍ آخر، وأما الأحاديث الواردة «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» (٢٤)، أو «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» (٢٥) فكلها ضعيفة، بل موضوعة.
طالب: أيهما أفضل العمرة في رمضان أو في الحج؟
الشيخ: أو في أشهر الحج يعني في أشهر الحج عمومًا، هذا يقول: أيهما أفضل: العمرة في رمضان أو في أشهر الحج؟
تردد ابن القيم ﵀ في ذلك أيهما أفضل: العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة، أو في أشهر الحج؛ لأن جميع عمر النبي ﷺ كانت في أشهر الحج؟ والظاهر أنها في رمضان أفضل، ولكن رسول الله ﵌ اعتمر في أشهر الحج من أجل دفع العقيدة التي كانت عند العرب بأن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدَّبَر، ودخل شهر صفر؛ حلت العمرة لمن اعتمر (٢٦). ولَّا قبل حرام في مذهبهم.
طالب: هل يجوز لرجل شيخ أن ينيب عن نفسه أكثر من رجل يحج عنه في عام واحد؟
الشيخ: إي نعم، يجوز ذلك، لكن إذا أناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟
الطلبة: الأول.
طالب: من أحرم أولًا.
الشيخ: من أحرم أولًا فهو الذي يقع حجه عن الفريضة، والثانية تكون نفلًا.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ذكرت بأن بعض العلماء قال بأن الترتيب ما بين الجمرات ليس بشرط، وأنه إذا نكس فنقول: إن رميك جائز.
الشيخ: نقول ( ... ) والرمي صحيح.
стр. 4026
الطالب: فيكون بذلك العادة الشرعية بأنه مجرد فعل النبي ﷺ وقوله العام: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (١)، وفي نفس الوقت استدلوا بنفس الدليلين على عدم الرمي قبل الزوال، وأنه لو رمى قبل الزوال، فإنه ملزم بغير علة. يعني لو نفس الدليلين فعل النبي ﷺ وقوله العام، وفي الموضعين وموضع يثبت وموضع ..
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن كون الرسول ﵊ يختار ما بعد الزوال للرمي مع كونه أشق وأعظم يدل على أنه ليس بجائز قبل ذلك، وقول ابن عمر: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (٢٧).
الطالب: في نفس الإيراد يَرد أن نتعلم الترتيب.
الشيخ: لا، ما يَرد على هذا الترتيب، ما هناك فرق بين أن تبدأ بالأخيرة أو بالأولى من جهة المشقة، بل أحيانًا إذا كنت من جهة الغرب يمكن بدؤك بالأولى أسهل.
طالب: شيخ، من حج تطوعًا قال: بيسقط الفريضة نقول: تكون فريضة، ومن صلى قبل صلاة الظهر ولم يصل الظهر أربعًا نقول نحن: ما تقع فريضة، ما الفرق بين الصورتين؟
الشيخ: يسأل يقول: لو صلى قبل الظهر، يعني قبل الزوال.
الطالب: لا في وقت الظهر قبل الفريضة.
الشيخ: في وقت الظهر قبل الفريضة. صلى أيش؟
الطالب: أربع ركعات.
الشيخ: بنية؟
الطالب: بنية تطوع.
الشيخ: إي نعم، الفرق بينهما أن الصلاة وقتها موسع، بخلاف الحج فإن وقته مضيق.
طالب: إذا قلنا بتحريم زيارة الأضرحة والقبور، كيف نرجح حديث «فَزُورُوهَا».
الشيخ: أيش؟
الطالب: الحديث الثاني: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ».
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: الذين أجازوا شد الرحل لزيارة القبور استدلوا بهذا الحديث الذي ذكرت: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» (١٧).
стр. 4027
والذين منعوا ذلك قالوا: لأن زيارة القبور عبادة متعلقة بمكان، وقد قال النبي ﵊: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» (٢٨).
وقالوا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» يعني فحوى الخطاب والحالة التي تكلم فيها الرسول ﵊ تدل على أنها القبور التي في بلدك، لا تحتاج إلى شد رحل، وقالوا أيضًا: إن شد الرحل إلى جهات القبور تؤدي إلى شد الرحل للمغالاة فيها والتعلق بها، والشيطان من هذه الناحية يدخل على الإنسان حتى يوقعه في الشرك.
كلام شيخ الإسلام ﵀ استدل بأدلة أكثرها غالبها أدلة عقلية وتعليلات، لكن إذا راجعتها اطمأننت إلى هذا القول.
طالب: فضيلة الشيخ، النص «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» عام لا ( ... ) ولكن هذا عام مخصص إذا جاء عامان ( ... ) نقدم ( ... ).
الشيخ: لا، كل واحد يخصص الآخر، هذا إذا قلنا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» للعموم، فهذا عام وهذا عام، فيُنظر أيهما أولى بتخصيص الآخر، نقول: هذا نهي، لا تشد الرحال إلا إلى كذا، فهو نهي عام في كل شيء.
طالب: إذا قلنا: ستر العورة في السعي سنة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ستر العورة في السعي سنة، فلماذا نقول: ستر العورة؟
الشيخ: ستر العورة سنة؟
الطالب: في السعي.
الشيخ: في السعي، إي نعم.
الطالب: فلماذا لا يكون واجب ( ... ) في غير السعي سترها واجب ( ... ).
الشيخ: لا، فائدة قولنا: إن ستر العورة في السعي سنة أنه لو فرض أن الرجل سعى وقد انكشف شيء من عورته كانشقاق الثوب، وهو لم يعلم بذلك، فإننا لو قلنا: إنه شرط لزم من ذلك إعادة السعي، وإذا قلنا: ليس بواجب لم يجب إعادة السعي، ولكن ليس معنى قولنا هذا أنه لا يجب ستر العورة، ستر العورة واجب لكنه ليس شرطًا بالنسبة للسعي فقط.
طالب: شيخ ( ... ).
стр. 4028
الشيخ: إي نعم، الذي يجب إعادة الطواف فيما لو تأخر عن طواف الوداع نية الإقامة، ولو ساعة لغير ما استثني، مثل انتظار رفقة، الاتجار مطلقًا، حتى ولو كنت في طريقك تمشي مع صاحبك واشتريت منه شيئًا للتجارة فإنك تعيد.
طالب: قارن يجب عليه أن يسوق الهدي أنه حتى لا ( ... ) السيارة حتى لا يجب أن يمشي بها من الميقات والآن سئلت ..
الشيخ: هل قلنا: إن القارن يجب أن يسوق الهدي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قلنا: ما ساق الهدي لزم أن يقرن.
الطالب: يعني يجوز له أن يشتري شيئًا من مكة؟
الشيخ: إي، معلوم، كالمتمتع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ) سكتت.
الشيخ: إي نعم، يقول: إذا قلنا: إن عمل القارن كعمل المفرِد، فما الفائدة من تقسيم الأنساك إلى ثلاثة؟
الجواب: الفائدة ظاهرة؛ لأن القارن يحصل له؟
الطلبة: نسكان.
الشيخ: نسكان: عمرة وحج، والقارن عليه هدي، والمفرِد؟
الطلبة: ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه هدي.
طالب: ( ... )
الشيخ: لا، يختلف أيضًا؛ لأن القارن يحصل على نسكين، والمفرِد على نسك واحد.
طالب: في نفس ( ... )؟
الشيخ: نعم.
الطالب: في نفس ( ... ).
الشيخ: في نفس الرحال، صحيح الأفعال واحدة.
طالب: إذا فقد النية فقط.
الشيخ: النية والعمل، إذا كان مفردًا وجب عليه أن يعتمر؛ لأن العمرة ما سقطت حتى الآن، وإذا كان قارنًا لم يجب أن يعتمر.
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الملبي بعمرة يستمر نعم، الملبي بعمرة يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود
الشيخ: كيف؟
الطالب: الملبي بعمرة سواء كان متمتعًا أو قارنًا قلنا: إنه يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الملبي بعمرة إذا أحرم بعمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن ثبت في البخاري (٢٩) عن ابن عمر عن النبي ﷺ : كان إذا دخل أدنى الحرم قطع التلبية.
الشيخ: في البخاري؟
الطالب: نعم.
стр. 4029
الشيخ: عن النبي ﷺ .
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثبته الآن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بأن المتمتع يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، لكن ثبت في صحيح البخاري (٢٩) من حديث نافع عن ابن عمر: أن الرسول ﷺ كان يلبي حتى إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية.
وثبت هذا من فعل ابن عمر ﵄ كما في حديث عُبيد بن جُبير عنه أنه إذا وصل أدنى بيوت مكة قطع التلبية (٣٠). وأما ما ورد أن الرسول ﷺ كان يلبي حتى استلام الحجر الأسود (٣١) فقد ذكر بعض المحدثين أن في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ جدًّا.
على كل حال يكون المعتمد إذا وصل إلى أدنى الحرم فإنه يمسك عن التلبية؛ لأنه إذا ثبت عن الرسول ما أبدًا.
طالب: ما ثبت يا شيخ أنه كان لا يقطع التلبية إلا عند جمرة العقبة.
الشيخ: هذا إذا كان في حج.
طالب: ( ... ) قارنًا يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: قارنًا.
الشيخ: القارن ما يقطع التلبية إلا إذا كان شرع في الرمي، وكذلك المفرد، وكذلك المتمتع، لكن الرسول اعتمر عدة مرات، اعتمر في الجعرانة، اعتمر عمرة القضاء فلعل ابن عمر أراد إحدى العمرتين.
طالب: شيخ، بارك الله في عمرك، قلت: الدعاء في آخر شوط على المروة لا يُشترط.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأنه ليس في جوف العبادة، فيا شيخ الآن إذا سقطنا هذا الشوط، إذا سقطنا شوط السعي آخر شوط
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا أسقطنا هذا الشوط، آخر شوط الذي على المروة.
الشيخ: نعم، يعني الدعاء، الدعاء والرقي يعني.
الطالب: قلت: الدعاء على آخر شوط على المروة.
الشيخ: نعم.
الطالب: على المروة لا يشرع فيه الدعاء.
الشيخ: قلنا: إذا وصل إلى المروة في آخر شوط لا يشترط الدعاء، وأما آخر شوط على المروة فإنه يدعو.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فهمت؟
الطالب: إي نعم معاك يا شيخ، يعني إذا وصل المروة نفسها ..
الشيخ: يعني مثلًا آخر شوط وصل إلى المروة.
стр. 4030
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خلاص انتهى السعي.
الطالب: انتهى الدعاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: شكرًا يا فضيلة الشيخ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم يا شيخ، ما هو الدليل على أنه من غابت عليه الشمس يلزمه الانضباط عليه؟ إذن الرجوع إلى منى.
الشيخ: المبيت.
الطالب: يلزمه المبيت.
الشيخ: ما هو الرجوع إلى منى إذا ( ... ) الرجوع.
يقول: ما هو الدليل على أنه إذا غربت الشمس وهو في منى لزمه البقاء إلى اليوم الثالث عشر.
ذكرنا الدليل، وذكرنا أيضًا فيه أثرًا عن عمر ﵁: أن من أدركه المساء فإنه يجب عليه المبيت (٣٢).
طالب: ذكرتم أنه في جمرة العقبة ورمي الجمار في أيام منى أن الليل تابع النهار.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرتم بأن جمرة العقبة إن صح الوقوف فيها ليلاً أنها تابع النهار.
الشيخ: نعم، هذا إذا تبع النهار نقول: دل الحديث على أن منتهى جواز الدفع من منى هو ما كان في نفس اليومين، وأما ما بعد الغروب فهو خارج عن اليومين.
طالب: طواف الوداع واجب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والدليل على هذا عن ابن عباس في ( ... ) حتى ( ... ) عنه الشيء.
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا، في حديث: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف (٣٣) هذا الطواف صح في رواية أبي داود للحديث نفسه.
طالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولم يدفع إلى عرفة إلا قبيل الغروب بساعة، هل يجمع؟
الشيخ: فهل.
الطالب: هل يجمع بين العصر والظهر ( ... ) إتمامه؟
الشيخ: لا يجمع بينهما؛ لأن الفائدة من الجمع هو أن على ما قال العلماء أن يتسع الوقت للدعاء وهو في مكان ليس فيه دعاء في نمرة، الدعاء إنما يكون في عرفة، وهذا لم يصل إليها.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم أنه إذا طاف للوداع ولم يكن طاف طواف الزيارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه لا يجزئه عن طواف الزيارة.
الشيخ: نعم، إذا نوى طواف الوداع.
следующие страницы →