← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٧)، هذا الحديث العظيم من أعظم الأحاديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، هذا تيمُّمٌ، والتيمُّم عملٌ، نَوَى به عدَّةَ أحداثٍ، نقول: لك ما نويتَ؛ «وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». (أَوْ نَجَاسَةً على بَدَنِهِ تضُرُّهُ إزالتُها) يعني: نَوَى نجاسةً على بَدَنه تضرُّه إزالتُها (أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها). مثال النجاسةِ على البدن اللِّي تضرُّ إزالتُها مثل: لو سقطتْ نقطةُ بولٍ على جُرحٍ طريٍّ ما يقدر يمسحه ولا يغسله، هذه نجاسةٌ على بَدَنٍ تضرُّه إزالتُها؛ لأنه ما يَقْدر يغسله لأن الماء يضرُّه، ولا يَقْدر يمسحه بخرقةٍ لأن المسح أيضًا يضرُّه، على أن المسْح ما يَحصُل به التطهيرُ أيضًا، فإزالة النجاسةِ إذَنْ تضرُّه ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: يتيمَّم لها ولَّا ما يتيمَّم؟ كلامُ المؤلف يدلُّ على أنه يتيمَّم، ولهذا قال: (أو نجاسةً على بَدَنِهِ تضرُّ إزالتُها). (أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها) مثل: أصابه بولٌ على بَدَنه، لكن ما عنده ماءٌ يزيلها به، يتيمَّم ولَّا لا؟ طالب: يتيمَّم. الشيخ: يتيمَّم؛ لأنه قال: (نجاسةً على بَدَنه تضرُّ إزالتُها، أوْ عَدِمَ ما يُزِيلُها). هذا عَدِمَ ما يُزِيلُها، ما عنده ماءٌ فيتيمَّم. طيب البُوية نجسة ولَّا لا؟ طالب: لا. الشيخ: يقول لي بعضُ الناس: إن فيه شيء نجس من البويات، لو فرضْنا أن فيه بُوية نجسة ولطَّختْك، الماءُ يُزِيلُها ولَّا ما يُزِيلُها؟ طلبة: ما يُزِيلُها. الشيخ: ويش يُزيلها؟ الطلبة: الجاز، البنزين. الشيخ: البنزين والجاز، ما عنده بنزين ولا جاز، يتيمَّم على كلام المؤلف. طالب: مع بقائها. الشيخ: إي، هي باقيةٌ، معروف أن البوية ما هي تروح.

стр. 457

أفادنا المؤلف يا جماعة ﵀ أن النجاسةَ على البَدَن يُتيمَّم لها، وأن النجاسةَ على الثوب أو في البقعة لا يُتيمَّم لها؛ لأنه قال: نجاسة على البدن. أمَّا لو كانت نجاسة على ثوبه وهو ما يَقْدر يغسله، ما عنده ما يغسلها به، فهل يتيمَّم ويصلي؟ طالب: ما يتيمَّم. الشيخ: نقول: لا. طيب، ينزِّل الثوب، قال: ما عندي ثوبٌ غيره، إن نزَّلتُه صلَّيتُ عاريًا؟ طالب: يصلِّي به. الشيخ: يصلِّي به، والمذهب: يصلِّي به ويُعيد؛ المذهب يقولون: يجب أن يصلِّي به ويجب أن يُعيد، فلو بَقِي هذا الثوب عليه شهرًا كاملًا ( ... )، ما عنده غير هذا الثوب ولا عنده ما يغسل به النجاسةَ قُلنا؟ طالب: يقضي مئةً وخمسين صلاة. الشيخ: نعم، يقضي مئةً وخمسين صلاة، ويصلِّي وُجوبًا بالنجس، ويقضي. والقول الثاني: أنه يصلِّي به ولا يجب الإعادة؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذا هو الذي استطاعه، هو الآن عاجز عن إزالة النجاسة فيصلِّي به، وهذا هو الصحيح بلا شكٍّ. هلْ يتيمَّم للنجاسةِ على ثوبه؟ لا يتيمَّم. نجاسة في بُقعة، يمكن يصير نجاسة في بُقعة؟ إي نعم؛ يكون -نسأل الله العافية- محبوسًا في مكانٍ نجسٍ؛ يعني فيه بعض الوُلاةِ الظَّلَمةِ يحبس المسلمَ في المرحاض، هذا اللِّي حُبِس في المرحاض كيف يصلي؟ محبوسٌ في نجس. نقول: تصلِّي وعلى حَسَبِ حالك، ولا تتيمَّمْ للنجاسة، لكن الوضوء بيتوضأ. أفادنا المؤلف أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على بَدَن. إن غلطتُ فصوِّبوني. طالب: خطأ. الشيخ: خطأ، البَدَن يتيمَّم له. لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ على ثوب. الطلبة: صحيح. الشيخ: صحيح. لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ في بقعة. الطلبة: صحيح.

стр. 458

الشيخ: صحيح، والصحيح أنه لا تيمُّمَ عن نجاسةٍ مطْلقًا لا في الثوبِ ولا في البَدَنِ ولا في البقعةِ؛ وذلك لأن الله إنما ذكر التيمُّمَ في الأحداثِ فقط، فلا يجوز أن نتعدَّى ما ذكره الله ، ولأن النجاسةَ شيءٌ يطلبُ التخلِّيَ منه لا إيجادَهُ، فمتى خلا الإنسانُ من النجاسةِ ولو بغير نيَّةٍ فإنه يَطْهُر منها؛ أرأيتَ لو أنَّ يدك مثلًا أصابها بولٌ، ذراعك مثلًا، وتوضأْتَ وغسلْتَ على أنك متوضِّئٌ ونسيتَ أنه أصابهُ البول، هل يطهُر ولَّا ما يطهُر؟ طلبة: يطهُر. الشيخ: مع أنك ما نويتَ؛ لأن المقصود بإزالةِ النجاسةِ هو التخلِّي عنها، ولا يحصل هذا المقصودُ بالتيمُّم، بخلافِ الوضوء والغُسْل فإنه تعبُّد، فإذا لم نستطع التطهُّر بالماء تطهَّرْنا تعبُّدًا لله وتذلُّلًا له بالتُّراب، وهذا القول أحدُ القولينِ في المسألة، وهو الصواب بلا شكٍّ، كما أنه لا يتيمَّم عن النجاسة في الثوب وفي البقعة. فعندنا أربعةُ أمور يا إخواننا: حَدَثٌ، نجاسةٌ على بَدَنٍ، نجاسةٌ على ثوبٍ، نجاسةٌ على بُقعةٍ. الحدثُ يُتيمَّم عنه بالنص والإجماع، ما فيه إشكال، والنجاسةُ على الثوبِ والبُقعةِ لا يُتيمَّم عنها قولًا واحدًا في المذهب، إلا إن كان فيه هناك قولٌ ضعيفٌ، والنجاسةُ على البَدَنِ يُتيمَّم عنها على المذهب، والصحيح أنه لا يُتيمَّم عنها، يغسلُها إن وَجَدَ الماءَ وإلَّا سقط عنه الوجوب. *** ( ... ) هذه المسألة فيها خلافٌ؛ بعضُ العلماء يقول: يجب يَحمِلون من الماء ما يكفيهم إذا كان ما يشُقُّ عليهم، وعلى هذا فيجبُ على مَن أرادوا الرِّحْلة أنهم يأخذون معهم ( ... )؛ لأن ( ... ) الآن الحمد لله متيسِّر.

стр. 459

والقول الثاني: لا، إن المسافر لا يلزمه أن يَحمِل من الماء إلا ما يكفيه هو وأهله فقط، وإنَّ هذا هو المقصود بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣]، والظاهر أنه إذا كانت المشقَّة يسيرةً أنه يجب عليهم الحمْلُ، أمَّا إذا كانت المشقَّة كثيرة فهذا ما يجب. *** ( ... ) هذا القياس. وذكَرْنا أنَّ القولَ الراجحَ خلافُ ذلك، فما هو حُجَّة القول الراجح؟ وما هو دفاعُهم عن هذا التعليل؟ طالب: ( ... ). *** الشيخ: ( ... ) (أوْ خَافَ بَرْدًا) خافَ بردًا منين؟ من استعمال الماءِ، فإنه يتيمَّمُ، لكنْ إن وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ وَجَبَ عليه أن يُسخِّن الماءَ، فإنْ لم يَجِدْ وخافَ إن اغتسلَ مَرِضَ فإنه يتيمَّم، ولا يكفي الخوفُ من البرد فقط، لكنْ خافَ ضررًا من البردِ، أما أن يخافَ البردَ كلُّ واحدٍ في الشتاء إذا توضأ يبرد، لكن المقصود أنه يخشى على نفْسه الضررَ من البرد، ففي هذه الحال له أن يتيمَّم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. فإذا خافَ بردًا لا يحتملُه إلا بضررٍ فله أنْ يتيمَّم، وإذا تيمَّمَ ثم وَجَدَ ما يُسخِّن به الماءَ فهلْ يجب عليه أن يستعمل الماءَ؟ الجواب: نعم، يجب عليه، وسيأتي -إنْ شاء اللهُ- دليلُ ذلك. قال: (أو حُبِسَ في مِصْرٍ) المصر معروف: المدينة. (حُبِسَ) يعني فلَمْ يَصِلْ إليه الماءُ، فإنه يتيمَّم، وإنما نصَّ المؤلفُ على ذلك لأن بعض أهل العلم يقول: إنه لا يتيمَّم؛ لأنه ليس مسافرًا وليس عادمًا للماء؛ فالماء موجودٌ لأنه في مصْرٍ. ولكن يقال: هذا الماء الموجود بالنسبة إليه معدومٌ؛ لأنه حُبِسَ ولم يُوصَل إليه الماءُ، وحينئذٍ يكون قد تعذَّرَ عليه استعمالُ الماء فيُباحُ له التيمُّم. فإن حُبِس في مصرٍ ولم يجد ماءً ولا تُرابًا فماذا يصنع؟

стр. 460

يصلِّي على حَسَبِ حالِه ولا إعادةَ عليه، ولا يقُلْ: سأُؤَخِّر الصلاةَ حتى أَقْدر على إحدى الطهارتينِ: الماء أو التراب. (أوْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ) لم يجدْ ماءً ولا ترابًا؛ مثل أن يُحبَس في مكانٍ ليس فيه ماءٌ ولا ترابٌ، ولا يستطيع أن يخرج من هذا المكان ولا أن يجلب ترابًا يتيمَّم به ولا ماءً يتطهَّر به، ففي هذه الحال يصلِّي على حَسَبِ حالِه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقولِ النبي ﷺ : «إِذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣)، ولقوله ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (٨)، فإن هذا عامٌّ، ومن هُنا نأخذ أهمية المحافظة على الوقت، وأنَّ الوقت أَوْلى ما يكون من الشروط في المحافظة، فنقول: صَلِّ بلا وُضوءٍ وبلا تيمُّمٍ على حسب حالك. *** ثم قال ﵀: (ويَجِبُ التيمُّمُ بتُرابٍ طَهورٍ له غُبارٌ). هذا بيانُ ما يُتيمَّم به؛ يقول المؤلف: (بترابٍ)، والتراب معروف، خرجَ بذلك ما عداه من الرَّمْل والحجارة وما أَشْبَه ذلك فلا يتيمَّم به، يجب أن يتيمَّم بترابٍ، فإنْ عَدِمه ولم يكنْ إلا في بَرٍّ ليس فيه إلا الرمْلُ أو ليس فيه إلا الطينُ لكثرة الأمطار فحينئذٍ يصلِّي بلا تيمُّمٍ؛ لأنه عَدِمَ الماءَ والترابَ. ما هو الدليل؟

стр. 461

قالوا: الدليل على ذلك قولُ النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» (٩)، وفي رواية: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» (١٠)؛ قالوا: هذا يخصِّص عمومَ قوله ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٨)؛ فإن الأرضَ كلمةٌ عامَّةٌ، لكن (تُراب) خاصٌّ، فيُقيَّد العامُّ بهذا؛ بالتراب. هذا هو دليلهم، ولكن هذا الدليل رفَضَه جمهورُ العلماء وقالوا: إنه إذا قُيِّد اللفظُ العامُّ بما يوافق حكْمَ العامِّ فإنه ليس بقيدٍ. يعني تقرير هذه القاعدة: ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق حكْمَ العامِّ لا يقتضي تقييدَه، وكذلك ذِكْر بعضِ أفراد العامِّ بحكْمٍ لا يخالف العامَّ لا يقتضي تخصيصه. وقد نصَّ على هذه القاعدةِ كثيرٌ من العلماء منهم: الشوكاني في نيل الأوطار، ومنهم كذلك الشنقيطي في تفسيره على هذه الآية؛ آيةِ التيمُّم، على أنه إذا ذُكِر بعضُ أفراد العامِّ بحكْمٍ يوافق العامَّ فإنه لا يقتضي التقييد. توضيح هذه القاعدة: مثلًا إذا قلت: أكْرِم الطلبةَ. هذا عامٌّ ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ثم قلت: أكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة؛ هل يقتضي هذا تخصيصَ العامِّ ونقول: إنك لا تكرم إلا فلانًا. الطلبة: لا. الشيخ: لا، ليش؟ لأنك الآن ذكرتَ فلانًا بحكْمٍ يوافق العامَّ، فلا يخصِّصه، لكن لو قلتَ: لا تُكْرِم فلانًا، وهو من الطلبة، صار هذا تخصيصًا للعامِّ؛ لأني لما قلتُ في الأول: أكْرِم الطلبة، دَخَلَ فيهم هذا الرجل، فإذا قلت: لا تُكْرِمه، خَرَجَ، فصار هذا هو التخصيص؛ لأني ذكرتُه بحكمٍ يخالف حكمَ العامِّ، انتبه لهذا.

стр. 462

ومن ذلك أن بعض العلماء قال في قوله ﷺ : «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ العُشْرِ» (١١): يخصِّص عمومَ الأدلَّةِ الدالَّةِ على وجوب زكاةِ الفضة مطْلقًا؛ لأنه قال: «وَفِي الرِّقَةِ» والرِّقَة هي السكة المضروبة على قولهم، فنقول: إن سلَّمْنا لكم أن الرِّقَة هي الفضَّة المضروبة فإنَّ هذا ذِكْر بعض أفراد العامِّ بحكْمٍ موافقٍ للعامِّ، وهذا لا يقتضي التخصيص. إذَن نرجع إلى ما نحن فيه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» عامٌّ ولَّا لا؟ الطلبة: عامٌّ. الشيخ: «الْأَرْضُ» يشمل الرمليةَ والترابيةَ والحجريةَ، يشمل كلَّ هذا، «جُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» أو «تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» هذا قيدٌ، لكنه قيدٌ بما يوافق العامَّ المطْلَقَ فلا يكون مخصِّصًا، وهذا هو الصواب. إذَن نقول: لا يجب التيمُّم بترابٍ، بلْ تتيمَّم بكُلِّ ما تصاعَدَ على وجْه الأرض؛ لأن الله يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، ﴿صَعِيدًا﴾، والصعيد: كلُّ ما تصاعدَ على الأرض فهو صعيدٌ، والله يعلم أن الناس في أسفارهم يطرقون أراضيَ رمليَّةً، وأراضيَ حجريَّةً، وأراضيَ ترابيَّةً، ولم يخصِّص شيئًا دون شيءٍ، والنبيُّ ﵊ في غزوة تبوك لا شكَّ أنه مرَّ برمالٍ كثيرةٍ، ومع ذلك فلمْ يُنقَل أنهم كانوا يحملون الترابَ، ولا أنهم كانوا يصلُّون بدون تيمُّمٍ، وعليه فيكون القولُ الصحيحُ أنه لا يُشترط الترابُ. اشترط المؤلف أيضًا: (طَهُور)، وهو إشارةٌ إلى أن الترابَ ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس؛ كما أن الماء عندهم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس. فخرج بقوله: (طَهُور) الترابُ النجسُ؛ مثل أن تجد بقعةً قد أصابها بولٌ ولم يُطهَّر ذلك البول، فهل تتيمَّم منها؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، لأنها ليستْ بطَهورٍ. ما الدليل؟

стр. 463

الدليل قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والطيِّب ضدُّ الخبيث، ولا نعلم خُبْثًا يُوصَفُ به الصعيد إلا أن يكون نجسًا، وعلى هذا فإذا كانت الأرض نجسةًَ فإنه لا يُتيمَّم عليها. ولكنْ يبقى النَّظَر ما هو الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ؟ الترابُ الطاهرُ الذي ليس بطَهورٍ هو الترابُ الذي يتساقطُ من الكفَّينِ أو من الوجْهِ بعد التيمُّمِ به. طالب: ( ... ). الشيخ: هذا يُمْكن لكنْ بصعوبة؛ لأنك إذا ضربْتَ الأرضَ وغبَّرت ومسحتَ وجهَك، قد يجيء واحد ويضرب يديك ويمسح بالتراب هذا، يُمْكن ولَّا لا؟ يُمكن، يقول: تعالَ أتيمَّم من وجهك ويديك -لكنْ لا يخبطك على وجهك المشكلة، خلِّه إذا بغى يخبط باليدين- هلْ يجزئ التيمُّم هنا؟ لا، ليش؟ لأن التراب اللِّي على اليدينِ ترابٌ مستعمَلٌ في طهارةٍ واجبةٍ، فيكون طاهرًا غيرَ مطهِّر، فأمَّا لو تيمَّمْتَ من المكان الذي ضربْتَ عليه يديك فإنَّ ذلك ليس بطاهر، بل هو طَهورٌ؛ مثال ذلك: احنا الآن في أرضٍ، فجاء رجلٌ وضربَ الأرضَ ورأينا آثارَ يديه على الأرض وتيمَّم، فجاء آخَر وضربَ على مضرب يديه، يصحُّ ولَّا ما يصحُّ؟ طالب: يصحُّ. الشيخ: يصحُّ، وقد يتوهَّم بعضُ الطلبة أن هذا المكانَ أو هذا الترابَ صار طاهرًا غيرَ مطهِّر، والأمرُ ليس كذلك، بلْ نصَّ الفقهاء ﵏ على أنَّ هذا جائزٌ وأنَّ هذا يُشبه أن يتوضأ الجماعةُ من بِرْكة، إذا توضؤوا من بِرْكةٍ ما يكون طاهرًا غير مطهِّر، فانتبهوا لهذا. والصحيح أنه ليس هناك قسمٌ يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّرٍ في التراب، كما أنه ليس هناك قسمٌ في الماء يُسمَّى طاهرًا غير مطهِّر. الشرط الثالث؛ قال: (له غُبار)، فإن لم يكنْ له غبارٌ فإنه لا يصحُّ التيمُّم به؛ مثل أن يكون هذا التراب ثَرِيًّا، (ثريًّا) يعني أيش؟ طلبة: رطبًا.

стр. 464

الشيخ: إي، فيه رطوبة، وليس المراد بالثريِّ الغني مأخوذ من الثراء، لا، ثريًّا يعني لَدِنًا؛ أي: فيه رطوبة، فإنك لا تتيمَّم به، وعلى هذا فلو كُنَّا في أرضٍ قد أصابها رشُّ مطرٍ حتى ذهب الغبار فإننا لا نتيمَّم عليها، بل نصلِّي بدون تيمُّمٍ. والصحيح في هذه المسألة خلافُ ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. الشيخ: يقول المؤلف .. طلبة: (غير محترقٍ). الشيخ: ما هي عندي، لكنْ طيب، إذا كان غيرَ محترقٍ معناه أنه لو كان محترقًا مثل الإسمنت. طالب: الرماد. الشيخ: الرماد من الخشب. طالب: والجِص. الشيخ: نعم، الجِص، مع أن الجِص ما يصحُّ مطْلقًا لأنه ليس بترابٍ، فإنه لا يصحُّ التيمُّم به ( ... ) وهذا أيضًا من الأشياء الضعيفة. والصواب أنَّ كلَّ ما على الأرض من ترابٍ، وحَجَرٍ ورمْلٍ رطْبٍ أو يابسٍ يُتيمَّم منه. بَقِي أن يُقال: كيف نُجيب عن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿مِنْهُ﴾ فإن (مِن) للتبعيض، ولا تتحقَّقُ البعضيةُ إلا بغُبارٍ يَعْلَق باليد ويُمسح به الوجْه. طالب: شيخ، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية لا للتبعيض. الشيخ: نعم، الجواب أن (مِن) لابتداء الغاية، فهي كقولك: سِرتُ مِن مكةَ إلى المدينة، فإذا قلتَ: هذا خلافُ الظاهر؛ لأن ظاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ .. ، قلنا: هذا مُسَلَّم؛ لكننا عَدَلْنا إلى غير الظاهر من أجْل سُنَّة الرسول ﵊؛ فإن ظاهرها أن ذلك ليس بشرطٍ؛ لأنه يسافر في الأرض الرمليةِ والأرض التي أُصيبتْ بمطرٍ، ومع ذلك ما نُقِل عنه أنه كان يَدَعُ التيمُّم في مثل هذه الحال.

стр. 465

و (فُروضُه) مَسْحُ وَجْهِه ويَديهِ إلى كُوعَيْهِ، وكذا الترتيبُ والْمُوالاةُ في حَدَثٍ أَصْغَرَ: و (تُشْتَرَطُ) النيَّةُ لِمَا يَتَيَمَّمُ له من حَدَثٍ أو غيرِه، فإن نَوَى أحدَها لم يُجْزِئْهُ عن الآخَرِ، وإن نَوَى نَفْلًا أو أَطْلَقَ لم يُصَلِّ به فَرْضًا، وإن نواه صَلَّى كلَّ وَقْتِه فُروضًا ونوافِلَ. و(يَبْطُلُ التيَمُّمُ) بخروجِ الوَقْتِ، وبِمُبطلاتِ الوُضوءِ، وبوجودِ الماءِ ولو في الصلاةِ لا بعدَها، والتيَمُّمُ آخِرَ الوقتِ لراجِي الماءِ أَوْلَى. و (صِفَتُه) أن يَنْوِيَ، ثم يُسَمِّيَ، ويَضْرِبُ الترابَ بيَدَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ يَمْسَحُ وَجْهَه بباطنِهما وكَفَّيْه برَاحَتَيْهِ ويُخَلِّلُ أَصابِعَه. (باب إزالة النجاسة): يُجْزِئُ في غَسْلِ النجاساتِ كلِّها إذا كانت على الأرضِ غَسلةٌ واحدةٌ تَذْهَبُ بعينِ النجاسةِ، وعلى غيرِها سَبْعٌ إحداها بتُرابٍ في نجاسةِ كلبٍ وخِنزيرٍ شروط ما يتيمم به: أن يكون ترابًا طهورًا له غبار غير محترق -على النسخة الثانية- وأن يكون مباحًا؛ لأنه يشترط إباحة ما يتطهر به، فإن كان غير مباح ما صح التيمم به، مثاله؟ طالب: الأرض المغصوبة. الشيخ: لا، أن يسرق الإنسان ترابًا من شخص، إنسان معه تراب له، ملكه، فسرقه وتيمم به، يصح التيمم ولَّا لا؟ طالب: لا يصح. الشيخ: لا يصح؛ لأنه يشترط طهارة ما يتيمم به كما يشترط طهارة ما يتوضأ به، وهذه المسألة سبق لنا أنها خلافية، وإذا كانت خلافية في الوضوء والغسل فهي هنا من باب أولى. وأما الأرض المغصوبة فإنه يصح التيمم منها، كما لو غصب بئرًا فإنه يصح الوضوء من مائها، ولكن مع ذلك قال الفقهاء ﵏: إنه يكره الوضوء من ماء بئرٍ في أرضٍ مغصوبة.

стр. 466

فروضه يقول المؤلف: (مسح وجهه ويديه إلى كوعيه) (مسح وجهه ويديه)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وهي كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق﴾ [المائدة: ٦]. فإذا قلنا: إن فروض الوضوء غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، قلنا: كذلك فروض التيمم مسح الوجه ويديه يقول: (إلى كوعيه) تعرف الكوع يا أخ؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم، سبق أن أنشدنا بيتين في هذا الموضوع، وترى هذه المسائل ينبغي على الإنسان يضبطها؛ لأنك إذا حفظت البيتين استغنيت إنك تروح تراجع القاموس أو الصحاح أو ما أشبه ذلك، من ينشدنا إياهم؟ طالب: وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ ........... وَعَظْمٌ ..................... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشيخ: كمِّل. طالب آخر: باقٍ شيء. الشيخ: باقٍ. الطالب: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .......... وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ الشيخ: كمِّل البيت الثاني. الطالب: وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ الشيخ: أسمعتم؟ طلبة: لا. الشيخ: أقوله وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا الشطر الأول. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ هذا اللي يلي الإبهام، وهذا الذي يلي الخنصر، شفتوا هذا، والرسغ اللي بينهما ما وسط. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، أبدًا. وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ وينه؟ طالب: ( ... ). الشيخ: فخذ بالعلم واحذر من الغلط؛ احذر أن تقول: الكوع كرسوع، والكرسوع كوع.

стр. 467

إذن (ويديه إلى كوعيه) ما هو الدليل أن اليدين إلى الكوعين؛ لأن بعض العلماء يقول: يمسح إلى المرفقين؟ نقول: الدليل أن الله يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، و (اليد) إذا أطلقت فالمراد بها الكف؛ بدليل أن الله لما قال في السارق والسارقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، منين تقطع يد السارق؟ من مِفْصَل الكف، هذا من القرآن. من السنة: حديث عمار بن ياسر أنه أصابته جنابة وهو في سفر، فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» وضرب بيديه الأرض ومسح الكفين فقط (١) لم يمسح الذراع. فعندنا دليل من القرآن ومن السنة على أن الفرض يختص باليدين إلى الكوعين. وذهب بعض أهل العلم إلى أن التيمم إلى المرفقين، واستدلوا بحديث ضعيف: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ» (٢) واستدلوا أيضًا بقياس؛ قياس التيمم على الوضوء. فنقول في الرد على هذا القول: أما الحديث فضعيف وشاذ مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن التيمم ضربة واحدة وأنه إلى الكوع فقط. وأما القياس فهو ضعيف من وجهين: الوجه الأول: أنه مقابل للنص، والقياس المقابل للنص مردود، ويسمى عند الأصوليين: فاسد الاعتبار. الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق، وجه الفرق: أن طهارة التيمم مختصة بعضوين، وطهارة الماء بأربعة أعضاء في الوضوء، وبالبدن كله في الجنابة مثلًا. ثانيًا: أن طهارة الماء تختلف فيها الطهارتان، وطهارة التيمم لا تختلف. ثالثًا: أنه لا يُحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتفقا في الحكم، وأما مع اختلافهما في الحكم فإنه لا يُحمل المطلق على المقيد. هذه وجوه ثلاثة يُرَد بها على من قال: إن التيمم إلى المرفقين.

стр. 468

وهناك أيضًا وجه رابع؛ وهو أن يقال: إن طهارة الماء فيها تنظيف حسي كما أنها تطهير معنوي، أما طهارة التيمم فليس فيها تنظيف حسي؛ ولهذا لا يكلف الإنسان أن يحسر عن ثوبه حتى يمسح الذراعين. الفرض الثالث والرابع قال: (وكذا الترتيب والموالاة في حدث أصغر) الترتيب بأن يبدأ بالوجه قبل اليدين؛ لأن الله قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ فبدأ بالوجه، فالترتيب أن نبدأ بالوجه ثم اليدين. أما الموالاة: فألَّا نؤخر مسح اليدين عن مسح الوجه زمنًا لو كانت الطهارة الوضوء بالماء لجفَّ الوجه قبل أن يُطهِّر اليدين، طبعًا ما نقول هنا: يجف التراب؛ لأن التراب جاف، لكن لو قدَّرنا أنه ماء لجفَّ قبل أن يتيمم على اليدين، فإن التيمم هنا أيش يصح ولَّا لا؟ لا يصح، لماذا؟ ما هو الدليل؟ قالوا: الدليل: لأن طهارة التيمم بدل عن طهارة الماء، والبدل له حكم المبدَل، فلما كان الترتيب في الوضوء والموالاة في الوضوء واجبين كانا واجبين كذلك في التيمم عن الحدث الأصغر، أما في الأكبر لو تيمم الإنسان عن جنابة وبدأ بمسح الكفين قبل مسح الوجه يجوز؟ طالب: نعم. الشيخ: يجوز، يقولون: لأن الجنابة ما فيها ترتيب. ولكن الذي يظهر أن نقول: إن الترتيب إما واجب في الطهارتين، وإما غير واجب في الطهارتين؛ لأن الله جعل التيمم بدلًا عن الطهارتين جميعًا والعضوان للطهارتين جميعًا، إي نعم، والله أعلم. *** ( ... ) هذا اليوم وهو آية النساء ما فيها (منه) ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، وآية النساء سبقت آية المائدة بسنوات سبقتها بسنوات. وأيضًا الرسول ﵊ ثبت في رواية عند البخاري (٣): أنه لما ضرب بيده الأرض -في حديث عمار- نفخ فيهما، والنفخ يزيل الغبار وأثر التراب، وهذا أيضًا دليل على أنه لا يجب.

стр. 469

فهذه ثلاثة أوجه تدل على أن (مِن) ليست للتبعيض، ولا يراد بها أن يكون التراب لازقًا باليد حتى يمسح به الوجه. فإن قال قائل مثلًا: ما هي الحكمة في أنه تذكر (مِن) مع أن فيها هذا الإشكال؟ قال بعض العلماء: لأن هذا بناءً على الغالب ولا سيما في الحضر، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن كثيرًا من البلدان ولا سيما بلاد العرب كلها رمل، لكن الأوجه الثلاثة اللي ذكرناها هي التي تبين المراد. وقد تكون أجزاؤها واجبات كما في التشهد الأول في الصلاة، وكما في الرمي في الحج، وما أشبه ذلك، فتبين بهذا أن أجزاء العبادة؛ منها ما يكون ركنًا، ومنها ما يكون واجبًا، ومنها ما يُسمى بدل الركن: فرضًا. حين قالوا بأنه فرض فيهما قالوا: لأن الرسول ﷺ قال: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ» (١) ويكلم من؟ طلبة: عمار. الشيخ: عمار وهو جنب: «أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، وفعل التيمم مرتبًا ومتواليًا. قالوا: والقياس على الحدث الأكبر في الماء قياس مع الفارق؛ لأن الحدث الأكبر البدن كله عضو واحد ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وهذا عضوان، ولا شك أن الأحوط هو الموالاة؛ إذ يبعد كل البعد أن نقول: إن الرجل الذي تيمم في أول الصبح ومسح وجهه وعند الظهر مسح كفيه، يبعد كل البعد أن نقول: إن هذه هي صورة التيمم المشروعة، فالأولى أن يقال: إن الموالاة واجبة في الحَدَثَيْنِ جميعًا ( ... ). (وتشترط النية لما يتيمم له) والشرط في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها. أما في اصطلاح الأصوليين فالشرط هو: الذي يَلْزَم من عدمه العدم، ولا يَلْزَم من وجوده الوجود. والسبب هو: الذي يَلْزَم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. والمانع هو: الذي يَلْزَم من وجوده العدم ولا يَلْزَم من عدمه الوجود، فهو إذن عكس الشرط. الشرط ما هو؟ في اللغة: العلامة.

стр. 470

وفي اصطلاح الأصوليين: ما يَلْزَم من عدمه العدم ولا يَلْزَم من وجوده الوجود، فالوضوء مثلًا شرط لصحة الصلاة؛ يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، وهل يلزم من وجوده وجود صحة الصلاة؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، لو توضأ الإنسان قد لا يصلي. أما قوله: (النية) فالنية: لغة القصد. وأما شرعًا فهي: الإرادة الجازمة على فعل الشيء تُسمى: نية، ومحلها القلب، ولا تعلق لها باللسان إطلاقًا؛ ولهذا لا ينبغي النطق بالنية لا سرًّا ولا جهرًا، خلافًا لمن قال: إنه يُشرَع النطق بالنية سرًّا ليوافق اللسان القلب، أو قال: يُسن النطق بالنية جهرًا لإظهار الشعيرة وقياسًا على الحج؛ حيث قال الرسول عليه الصلاة السلام: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (٤). والصواب: أن النية لا يشترط التلفظ بها لا سرًّا ولا جهرًا، لا في الحج ولا في غير الحج، حتى في الحج لا يُشرَع أن تقول: اللهم إني أريد الحج، أو: اللهم إني أريد العمرة؛ لأن هذا لم يرد عن النبي ﵊، لكن تلبي بما قصدت؛ لبَّيك عمرة وحجًّا، أو لبَّيك حجًّا، أو لبَّيك عمرة. النية، ثم اعلم أن النية نيتان: نية للتمييز والتعيين، ونية للاحتساب والثواب، والأهم؟ طلبة: الثاني. الشيخ: الثاني أهم، وما أكثر ما ننسى هذا الثاني، أكثر ما ننوي النية التي للتمييز والتعيين؛ نويت أتوضأ، نويت أصلي الظهر، نويت أصلي العصر، وما أشبه ذلك، لكن نويت أن أفعل ذلك امتثالًا لأمر الله ومتابعة لرسول الله، هذا قليل جدًّا؛ يعني: يندر أن الإنسان يفتح الله عليه عند فعل العبادة ويقصد بها ذلك، مثلًا عندما أريد أن أتوضأ هل أنا أستحضر قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وأنني كأني أقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، ثم أشرع في الوضوء؟ طالب: هذا نادر.

стр. 471

الشيخ: إي، هذا قليل؛ يعني: قد يوجد أحيانًا يفتح الله علينا ونذكر هذا، لكن أكثر الأحيان ما نذكر هذا. هل نشعر أننا حينما نفعل هذا الشيء اللي هو الوضوء كأننا نشاهد الرسول ﵊ يتوضأ على هذا النحو ونحن متبعون له في ذلك؟ هذا أيضًا قليل، وكذلك الصلاة عندما نصلي هل نشعر أو نستحضر في قلوبنا أننا نصلي امتثالًا لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]؟ هذا قليل. المهم أن هذه النية التي هي الأصل نجد أن كثيرًا من الناس يغفل عنها. أما نية التمييز فيراد بها تمييز العادة من العبادة وتمييز العبادات بعضها عن بعض، هذه نية التمييز؛ العادة من العبادة، مثال ذلك: رجل تروَّش للتبرد، هذه عادة، تروَّش للإحرام، عبادة لكنها سنة، تروَّش للجنابة، عبادة لكنها واجبة، فالإنسان يعين العبادة من العادة، ثم العبادات المستحبات من الواجبات. فالنية شرط قال: (لما يتيمم له من حدث أو غيره) (من حدث) متعلق بـ (يتيمم) وليست بيانًا للضمير في (له)، وذلك أن عندنا شيئين؛ متيممًا له ومتيممًا منه، والمؤلف جمع بينهما في العبارة قال: (لما يتيمم له من حدث) فذكر الأمرين؛ المتيمم له والمتيمم منه. فمثلًا: إذا تيمم للصلاة ينوي أنه تيمم للصلاة الفريضة مثلًا من الحدث الأصغر، تيمم للصلاة الفريضة من الحدث الأكبر، لا بد من الأمرين، لماذا؟ لأن طهارة التيمم استباحة على المذهب، ولا يستبيح الأعلى بنية الأدنى؛ فلهذا اشْتُرط أن يعين ما تيمم له؛ لأنك لو تيممت بعد أذان الفجر لسُّنة الفجر لم تصلِّ به صلاة الفجر، لأيش؟ لأن الفرض أعلى من النفل، ولا يستباح أعلى باستباحة أدنى، والمذهب -كما مر- أن التيمم مبيح لا رافع. لو تيمم لصلاة الفجر وصلى به سنة الفجر؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأيش؟ طلبة: لأنه أعلى.

стр. 472

الشيخ: لأنه أعلى، فإذن لا بد أن ينوي نيتين؛ نية ما يتيمم له؛ لنعلم ما يستبيحه بهذا التيمم، والثاني: نية ما يتيمم عنه من الحدث الأصغر أو الأكبر. وقول المؤلف: (أو غيره) يعني به: نجاسة البدن خاصة؛ لأنه لا يتيمم الإنسان لنجاسة إلا نجاسة البدن، فإذا أحدث الرجل حدثًا أصغر وأراد أن يصلي الظهر، نقول: انوِ التيمم لصلاة الظهر منين؟ من الحدث الأصغر، بينما طهارة الماء لو نوى الوضوء للصلاة ولم يطرأ بباله الحدث ارتفع الحدث ولَّا لا؟ طلبة: ارتفع. الشيخ: ارتفع، ولو نوى رفع الحدث ولم يطرأ بباله الصلاة؟ طالب: ارتفع. الشيخ: ارتفع، والفرق بينهما ظاهر على المذهب، فإذا قلنا بالقول الراجح: أن التيمم مطهِّر ورافع، حينئذٍ نجعل نيته كنية الوضوء؛ إذا نوى رفع الحدث صح، إذا نوى التيمم للصلاة ولو نافلة صحَّ واستباح به الفريضة. (فتشترط النية لما يتيمم له من حدثٍ أو غيره، فإن نوى أحدهما لم يجزئه عن الآخر، وإن نوى نفلًا أو أطلق لم يصلِّ به فرضًا) هذا لفٌّ ونشرٌ، كمِّل. طالب: غير مرتب. الشيخ: غير مرتب، صح، هذا لفٌّ ونشرٌ غير مرتب، لأيش؟ لأنه قال: (من حدث أو غيره) هو الأخير، ثم قال: (فإن نوى أحدهما لم يجزئ عن الآخر) فبدأ بالتفريع على الحدث قبل التفريع على ما يتيمم له، (إن نوى أحدها) عندي أنا (أحدها) ترى. طلبة: (أحدهما). الشيخ: اللي عندي (أحدها) للثلاثة؛ لأنه تيمم عن حدث أكبر، تيمم عن حدث أصغر، تيمم عن نجاسة، يكون الصواب: (إن نوى أحدها) صحِّح. (إن نوى أحدها) أي: أحد ما يتيمم عنه؛ فنوى الحدث الأصغر لا يجزئ عن الأكبر، نوى الأكبر لا يجزئ عن الأصغر، نوى عن النجاسة لا يجزئ عن حدث، إنما هما جميعًا الكل؛ يعني: نوى التيمم عن الحدث الأصغر والأكبر والنجاسة فإنه يجزئ؛ لعموم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٥).

стр. 473

(وإن نوى نفلًا لم يصلِّ به فرضًا) مثل: تيمم للراتبة التي قبل الصلاة كراتبة الظهر، أذَّن الظهر وقام وتيمم للراتبة اللي قبل الظهر ثم أقيمت الصلاة، يصلي ولَّا لا؟ طلبة: لا يصلي. الشيخ: لا يصلي حتى؟ طلبة: يتيمم. الشيخ: لأنه نوى نفلًا. قال المؤلف: (أو أطلق) يعني: نوى التيمم للصلاة بس وأطلق لم يصلِّ فرضًا، وطبعًا هذا من باب الاحتياط، ولَّا قد يقول قائل: إذا أطلق صلى الفريضة والنافلة؛ لأنها عامة، لكن لو قلنا بالاحتياط لا بد أن يذكر الأعلى. (وإن نواه) أي: نوى الفرض، (صلى كل وقته فروضًا ونوافل) إن نوى التيمم للفريضة صلى فرائض ونوافل، (كل وقته) كل وقت الصلاة يصلي فرائض ونوافل. فإن قلت: نوافل معقولٌ مفهومٌ يمكن يصلي عدة نوافل في وقت الظهر، لكن فرائض (فروضًا) كيف الجمع أو يقضي فوائت ممكن ولَّا لا؟ ممكن. وقول المؤلف: (كل وقته) أي: وقت الفريضة أو وقت الفرض، لما قال: يصلي به فرضًا، قال: نوى (كل وقته فروضًا) (كل وقته) إي: وقت الفرض. (فروضًا ونوافل) وليس المعنى كل وقت الإنسان؛ لأنه سيأتينا أن التيمم يبطل بخروج الوقت، لكن (كل وقته) أي: وقت الفرض، (فروضًا ونوافل) وإنما نص على ذلك؛ لأن بعض السلف يقول إنه يتيمم لكل صلاته، كلما سلَّم من صلاة تيمم للأخرى، لكن هذا ضعيف، والصواب ما قاله المؤلف. طالب: ( ... )؟ الشيخ: الفرق أن التراب تراب والرمل رمل. الطالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، التراب هذا الذي يكون منه الطين، حتى الرمل لو كان فيه غبار ما يصلح، إلا على المذهب إذا قُصِد الغبار فقط. طالب: لو تيمم لفريضة طبعًا يصلي كل وقته فروضًا ونوافل، لكن هل يقرأ القرآن؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: ما نوى إلا رفع الحدث ليصلي؟ الشيخ: القاعدة عندهم: أن من نوى الأعلى استباح ما دونه ولا عكس. الطالب: لكن هذا الآن نوى ما يتيمم له وهو الصلاة، ولم ينوِ قراءة القرآن؟ الشيخ: قراءة القرآن مما يتيمم له.

стр. 474

الطالب: إي نعم، أو يسامح فيه مما يتيمم، لكن هو تيمم للصلاة. الشيخ: ما يخالف، كما أنه لو تيمم لصلاة طاف بذلك وصلى صلاة الجنازة وسجد للتلاوة. الطالب: لا بد ما يتيمم، وقالوا: يشترط النية لما يتيمم له من حدث، وما يتيمم له، طيب هنا ما نوى قراءة القرآن؟ الشيخ: إي، لكن هم قالوا: إذا نوى الأعلى استباح الأدنى دخل فيه. الطالب: ولو كان من غير جنسه؟ الشيخ: ولو من غير جنسه، ولا عكس. طالب: يستدل لهم بآية .. طالب آخر: بس هم اشترطوا شرطين؛ الغبار والتراب. الشيخ: إي، لكن يقول الأخ: الاستدلال بالآية يقتضي أنه لو تيمم بطين أجزأ. الطالب: والحديث يرد الغبار، هم عندهم الحديث يرده. الشيخ: إي، عندهم هم، لكن باستدلالهم بالآية، قصد الأخ استدلالهم بالآية. الطالب: أقول: لا بد أن يجتمع الدليلان التراب .. الشيخ: فالحقيقة كلامه ( ... ) يلزمهم، وأنتم إذا قلتم: إن (مِن) للتبعيض، وإن المقصود أن يكون بعض مما تيمم عليه يكون في وجهه نقول: يلزمكم أن تقولوا بهذا؛ لأن الطين الرابص مرة يضرب يديه ويلطخ وجهه، فنقول: هذا صحيح لازم لهم، لكنه في الواقع السنة ترده، ويدل على رده أن الرسول نفخ بيديه في حديث عمار في البخاري (٣)، نفخ بهما، وهو دليل أيضًا على أنه ليس المقصود من ذلك أن يعفر الإنسان وجهه بالتراب، ما هو باللازم ( ... ). *** (ويبطل التيمم بخروج الوقت) حتى وإن لم يحدث، فإذا تيمم لصلاة الظهر مثلًا بطل تيممه فلا يصلي به العصر، لماذا؟ قالوا: لأن هذه استباحة ضرورية فتتقدر بقدر الضرورة، فإذا تيمم للصلاة فإن التيمم يتقدر بقدر وقت الصلاة؛ لأنها ضرورة فتتقيد بقدر الضرورة، هذا تعليلهم.

стр. 475

إلا أنه يستثنى من ذلك: إذا تيمم لصلاة الظهر التي يريد أن يجمعها مع صلاة العصر فإن التيمم لا يبطل بخروج وقت الظهر؛ لأن وقت المجموعتين واحد، ويستثنى أيضًا: إذا تيمم لصلاة الجمعة وصلى ركعة قبل خروج الوقت ثم خرج الوقت فإنه يتمها، وعللوا ذلك بأن الجمعة لا تقضى فبقي على طهارته. أما الأول؛ وهو كون الصلاتين إذا جمعتا صارا وقتهما وقت لهما جميعًا واضح التعليل، أما الثاني فليس بواضح؛ لأنا إذا قلنا: إن خروج الوقت مبطل لزم أن تبطل الصلاة، وإذا بطلت وجب أن يخرج منها، ثم يصلي ظهرًا، عرفتم الآن الدليل أو التعليل؟ لكون التيمم يبطل بخروج الوقت، ما هو التعليل؟ طلبة: لأنه ضرورة. الشيخ: لأنه ضرورة، فيتقدر بقدرها، وهذا التعليل -كما تشاهدون- تعليل عليل ليس بصواب؛ ولهذاالصحيح: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وأنك لو تيممت لصلاة الفجر مثلًا وبقيت على طهارتك إلى صلاة العشاء فتيممك صحيح. والدليل على ذلك: أنهم يقرون بأن التيمم بدل عن طهارة الماء وأن البدل له حكم المبدل، هذا تعليل ينقض كلامهم. أما الدليل من الكتاب والسنة فقد مر علينا: أن الله قال بعد أن ذكر الطهارة بالماء والطهارة بالتراب، ماذا قال بعد ذلك؟ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. إذن فطهارة التيمم طهارة تامة، وقال النبي ﵊: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٦)، والطَّهور بالفتح: ما يتطهر به، وهذا يدل على أن التيمم مطهر وليس مبيحًا، وقال ﵊: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ» أو قال: «طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (٧)، وهذه النصوص -كما ترى- واضحة، فعليه نقول: إذا تيمم للصلاة وخرج وقتها فإن التيمم لا يبطل.

стр. 476

ولنضرب لذلك مثلًا يتضح به المقام: امرأة طهرت من الحيض وليس عندها ماء، فتيممت للحيض وصلت لصلاة الظهر، جاء وقت العصر يلزمها أن تتيمم للحيض ولَّا لا؟ يلزمها أن تتيمم للحيض مرة ثانية؛ لأن تيممها الأول بطل بخروج الوقت. مثال آخر: رجل تيمم لصلاة الفجر عن جنابة ثم جاء وقت صلاة الظهر يلزمه أن يتيمم عن الجنابة ولَّا لا؟ الطلبة: إي نعم. الشيخ: يلزمه؛ لأن التيمم الأول بطل بخروج الوقت، مع أنه لم يحصل له جنابة بعد ذلك، لكن يقولون: إنه يبطل بخروج الوقت، وعليه: فإذا تيمم لصلاة الظهر لزمه أن ينوي بالتيمم رفع الحدثين الأصغر، أو بعبارة أصح لنوافق المذهب: لزمه أن ينوي بتيممه استباحة الصلاة من الحدثين. والصحيح: أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، وبناء على ذلك ففي المسألة الأولى -مسألة الحيض- هل يلزم المرأة أن تعيد التيمم للحيض؟ لا يلزمها حتى تحيض مرة ثانية، ولا يلزم من أجنب أن يعيد التيمم عن الجنابة حتى يجنب مرة ( ... )، هذا هو القول الراجح. قال المؤلف: (ويبطل أيضًا بمبطلات الوضوء) يعني: بنواقض الوضوء؛ لأن نواقض الوضوء هي مبطلاته. فإذا تيمم عن حدث أصغر، ثم بال أو تغوط بطل تيممه، لماذا؟ عللوا ذلك ﵏ قالوا: لأن البدل له حكم المبدل، هكذا عللوا، والغريب أنهم يعللون بهذه العلة ثم ينقضونها؛ ولهذا القول الراجح: أن هذا البدل له حكم المبدل مطلقًا في كل شيء. إذن يبطل التيمم عن الحدث الأصغر بمبطلات الوضوء، وعن الحدث الأكبر بموجبات الغسل، وهذا واضح، والتعليل فيه ظاهر جدًّا. قال: (وبوجود الماء) إذا كان تيممه لعدم الماء فإنه يبطل بوجود الماء، وإن كان تيممه عن مرض فإنه لا يبطل بوجود الماء، ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: لأنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، لكن بماذا يبطل بالبرء إذا كان عن مرض؟ فإذا كان هذا الإنسان حصل على الجنابة وهو مريض ثم تيمم، فإذا برئ من مرضه وجب عليه أن يغتسل بزوال المبيح وهو المرض.

стр. 477

قال المؤلف: (بوجود الماء ولو في الصلاة) هذه إشارة الخلاف؛ لأن العلماء إذا نصوا على الشيء وهو داخل في العموم السابق دل ذلك على أن فيه خلافًا احتاجوا أن يشيروا إليه. انتبهو لقاعدة التصنيف: إذا كان هذا الحكم داخلًا في العموم لكن نصوا عليه بخصوصه فهو دليل على أن فيه خلافًا؛ لأن قوله: (ولو في الصلاة) داخل في عموم قوله: (يبطل بوجود الماء) يعني: لو سكت المؤلف ولم يقل: ولو في الصلاة، ثم وجد الماء في الصلاة، ماذا تقولون؟ قلنا: يبطل؛ لأن كلام المؤلف عام، لكن لما نص عليه قال: (ولو في الصلاة)، فلا بد أن يكون هناك سبب ليش نص عليه؟ لأن في المسألة خلافًا. فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يبطل التيمم بوجود الماء إذا كان في الصلاة، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀، لكن قد قيل: إنه رجع عنها، وقال: كنت أقول: لا يبطل، فإذا الأحاديث تدل على أنه يبطل، فهذان قولان. نحتاج الآن إلى أن نعرف أيهما أرجح، فنقول: الذين قالوا بأنه يبطل التيمم بوجود الماء ولو في الصلاة استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وهذا الإنسان وجد ماءً فبطل حكم التيمم، وإذا بطل حكم التيمم بطلت الصلاة؛ لأنه يعود إليه حدثه فتبطل الصلاة. واستدلوا أيضًا بعموم قوله ﵊: «فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (٧)، قالوا: وهذا الآن وجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه أن يمسه بشرته، وهذا يقتضي أن يبطل التيمم. واستدلوا أيضًا بتعليل؛ وهو أن التيمم بدل عن طهارة الماء متى؟ عند فقده، فإذا وجد الماء زالت البدلية، فيزول حكمها، وحينئذٍ يجب عليه أن يخرج من الصلاة ويتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد.

стр. 478

أما الذين قالوا بأنه إذا كان في الصلاة لا يبطل التيمم قالوا: لأن هذا الرجل شرع في المقصود والغاية وهي الصلاة؛ لأنه تيمم للصلاة يتوضأ ليش؟ للصلاة، فقد شرع الآن في المقصود والغاية، لما شرع في المقصود والغاية فقد شرع فيها على وجه مأذون فيه شرعًا ولَّا لا؟ وهي فريضة، والفريضة لا يجوز الخروج منها إلا بدليل واضح أو ضرورة، وهنا ليس هناك دليل واضح؛ لأن الأحاديث السابقة قد يراد بها إذا وجد الماء قبل أن يشرع في الصلاة، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال. ثانيًا: أن الله يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] والصلاة التي هو الآن فيها عمل صالح ابتدأه بإذن شرعي، فكان شرعيًّا لا يجوز إبطاله إلا بدليل، وهنا ليس هناك دليل واضح يبيح له أن يبطله، وهذه المسألة مشكلة جدًّا؛ لأن العمل بالاحتياط فيها متعذر أو لا؟ إن قلت: الأحوط القول بالبطلان جاءك بأن الأحوط القول بالبقاء على الفريضة، أو أن الأحوط ألَّا تخرج من الفريضة، فحينئذٍ لا بد أن يتأمل الإنسان النصوص والأدلة حتى يكون على بينة من أمره. ونظير ذلك أيضًا فيما يتعذر فيه سلوك الاحتياط: أن المشهور من مذهب أبي حنيفة أن وقت العصر لا يدخل إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه، وجمهور العلماء على أن وقت العصر يخرج إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ يعني: الوقت الاختياري، فحينئذٍ ما هو الأحوط؟ مشكل، لا بد من ترجيح، إن قلت: الأحوط أن تؤخر حتى يصل ظل كل شيء مثليه كنت عند الجمهور آثمًا، وإن قلت: الأحوط أن تقدم كنت عند أبي حنيفة ومن يرى رأيه آثمًا؛ يعني: ما أديت الفريضة، وحينئذٍ يبقى الأمر مشكلًا، لا بد أن ننظر بإمعانٍ وتدقيق أي القولين أسعد بالدليل؟ والذي يظهر لي -والله أعلم- أن المشهور من المذهب أقرب للصواب؛ لأن هذا وجد الماء وقد قال النبي ﵊: «إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ» (٧).

стр. 479

أما إذا وجد الماء بعد الصلاة فيقول المؤلف: (لا بعدها)، فإذا وجد الماء بعد الصلاة فإنه لا يلزمه الإعادة، والدليل: ما رواه أبو داود وغيره في قصة الرجلين الذين اللذين تيمما ثم صليا، وبعد صلاتهما وجدا الماء في الوقت؛ أما أحدهما فلم يعد الصلاة، وأما الثاني فتوضأ وأعاد الصلاة (٨)، فلما قد ( ... ) عدم الإعادة، لماذا؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: إي نعم. لكن إذا قال قائل: أنا أبغي الأجر مرتين، نقول: إنك إذا علمت بالسنة فليس لك أجر مرتين، بل تكون بعد ذلك مبتدعًا، لكن الذي أعاد ولم يعلم بالسنة فهو مجتهد، فصار له أجر العملين؛ العمل الأول والعمل الثاني، أما بعد أن يتبين لك السنة تبغي تعمل عملًا آخر غير مشروع فليس لك الأجر مرتين. ومن هذا الحديث يتبين لنا فائدة مهمة جدًّا؛ وهي أن موافقة السنة أفضل من كثرة العمل، فلو قال قائل: أنا أريد أن أتطوع بعد أذان الفجر؛ أي: بين الأذان والإقامة، أنا أريد أن أتطوع وأكثر من النوافل، قلنا له: الأفضل ألَّا تفعل؛ لأن الرسول ﵊ لم يكن يفعل ذلك. لو قال قائل: أنا لا أريد أن أتطوع أكثر مما ورد من الركعتين، لكن أريد أن أطيل الركعتين فأقرأ كثيرًا وأطيل الركوع وأطيل السجود، هذا وقت فاضل بين الأذان والإقامة لا يرد الدعاء، أبغي استغل الفرصة، قلنا له: لم تصب، هذا غير صواب؛ لأن الرسول ﵊ كان يخفف هاتين الركعتين. وهكذا نقول في الصلاة خلف مقام إبراهيم؛ لو أراد أحد أن يتطوع بأربع ركعات بعد الطواف خلف المقام، قلنا: هذا خطأ، ولو أراد أحد أن يطيل الركعتين خلف المقام، قلنا: هذا خطأ؛ لأن الرسول ﵊ كان يخففهما ولا يزيد على ركعتين. الحاصل: أن اتباع السنة أولى من كثرة العمل. يقول: (وبوجود الماء ولو في الصلاة، لا بعدها، والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) (التيمم) مبتدأ وأين خبره؟ طلبة: (أولى). الشيخ: ما هو (لراجي الماء)؟ طلبة: لا.

стр. 480

الشيخ: إي، نعم (أولى) هو الخبر؛ يعني: إذا كان الإنسان عند دخول الوقت ليس عنده ماء ولكنه يرجو أن يجد الماء في آخر الوقت، فهل الأفضل أن يقدم الصلاة في أول وقتها أو الأفضل أن يؤخرها حتى يجد الماء؟ تعارض عندنا أمران؛ الأمر الأول: تقديم الصلاة في أول وقتها، والأمر الثاني: الصلاة بطهارة الماء بدلًا عن طهارة التيمم، أيهما أرجح في نظركم؟ طالب: الأول. طالب آخر: الثاني. الشيخ: الثاني أرجح؛ لأن الثاني فيه محافظة على شرط من شروط الصلاة هو الطهارة بالماء، أما الأول ففيه المحافظة على فضيلة فقط وهي الصلاة في أول الوقت، وعلى هذا فيكون التيمم وتأخير الصلاة والطهارة بالماء أفضل. إذا كان يشك في وجود الماء ولا يرجو وجود الماء، فأيهما أفضل؟ طلبة: الأول. الشيخ: أن يصلي أول الوقت إذا كان يرجح ألَّا يجد الماء؟ طلبة: فهو أولى أيضًا. الشيخ: فهو أولى أيضًا، إذا كان يعلم أنه لن يجد الماء في أول الوقت أولى، إذا كان يعلم أنه يجد الماء في آخر الوقت؟ طلبة: الثاني. طالب: يتعين. الشيخ: الثاني أو يتعين؟ طلبة: الثاني. الشيخ: أو يتعين. طلبة: يتعين. الشيخ: إذن نشوف كم عندنا من قسم؛ إما أن يعلم أنه يجد الماء، أو يعلم أنه لا يجد، يغلب على ظنه أنه يجد الماء، يغلب على ظنه أنه لا يجد، كم هذه؟ طلبة: أربعة. الشيخ: يتردد؛ يعني: ما عنده الترجيح لا لهذا ولا لهذا، فتكون الأقسام إذن خمسة، نقول: يترجح تأخير الصلاة في حالين ما هي؟ إذا علم الوجود، أو ترجح عنده وجود الماء، فالأفضل أن يؤخر الصلاة. ويترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالات: إذا علم أنه لن يجد، أو ترجح أنه لن يجد، أو تردد لم يكن هناك ترجيح، فالصلاة في أول الوقت أولى؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل من التأخير.

стр. 481

وذهب بعض العلماء: إلى أنه إذا كان يعلم وجود الماء فإنه يجب أن يؤخر الصلاة، قال: لأن في ذلك الطهارة بالماء وهو الأصل، فتعين أن يؤخر، ولكن الراجح عندي: أنه لا يتعين بل هو أفضل؛ لعموم قول النبي ﵊: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (٩)؛ ولأن علمه بذلك ليس أمرًا مؤكدًا، قد يكون عالم أنه سيجده لكن تخلف الأمور؛ لأنه الشيء المستقبل لا تستطيع أن تحكم عليه، لكن كلما كان الظن أقوى كان التأخير أولى، أما الوجوب فلا يجب. (التيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) ومراده بقوله: (آخر الوقت) الوقت المختار، ولَّا لا؟ ما هي الصلاة التي لها وقت مختار ووقت ضرورة؟ طالب: العصر. الشيخ: هي صلاة العصر. طلبة: العشاء. الشيخ: لا، العصر فقط لها وقت اختيار ووقت ضرورة، وقت الاختيار: إلى أن تصفر الشمس، والضرورة: إلى غروب الشمس، أما العشاء فليس لها إلا وقت فضيلة ووقت جواز، وقت الجواز: من حين أن يغيب الشفق، ووقت الفضيلة: إلى نصف الليل، وما بعد نصف الليل فليس وقتًا لها؛ لأن جميع الأحاديث الواردة عن النبي ﵊ كلها قد حددت وقت العشاء إلى نصف الليل. استطرادًا، ينبني على ذلك لو أن امرأة طهرت من الحيض بعد منتصف الليل فماذا يلزمها؟ طلبة: لا يلزمها شيء. الشيخ: لا يلزمها شيء، أما الذين يقولون بأنه يمتد وقت الضرورة من نصف الليل إلى الفجر، فعندهم يلزمها أن تصلي العشاء، وعند آخرين: يلزمها أن تصلي العشاء والمغرب أيضًا، ولكن الصحيح أنه لا يلزمها شيء. إذا دار الأمر بين أن يدرك الجماعة في أول الوقت بالتيمم أو يتطهر بالماء في آخر الوقت؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، الأول يجب؛ يعني: يجب وجوب أن يقدم الصلاة في أول الوقت بالتيمم، أو ما فهمتم؟ طلبة: نعم.

стр. 482

الشيخ: نعم، مثال ذلك: هؤلاء جماعة رفقة في سفر وليس معهم ماء أدركوا الوقت، إن صلوا الآن بالتيمم صلوا جماعة، وإن انتظروا حتى يصل الماء، ولنقل: حتى يصلوا لبلدهم تفرقوا فلم يصلوا جماعة، نقول: صلوا جماعة الآن بالتيمم وجوبًا؛ لأن الصلاة واجبة؛ صلاة الجماعة، فيجب ألَّا يفرط الإنسان فيها. طالب: الحائض إذا كانت قد تطهر بالليل هل يجب عليها أن تقوم كل ساعة لتنظر نفسها؟ الشيخ: لا يجب عليها. الطالب: ترتاح وتنام؟ الشيخ: إي نعم، ترتاح وتنام؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. طالب: ( ... )؟ الشيخ: ما يطوله، لكن يقدر مثلًا ينزل غترته في الغدير، وإذا رويت من الماء رفعها وعصرها. طلبة: ( ... ). الشيخ: يلزمه ( ... ) الآن فيها مشقة. طالب: ( ... )؟ الشيخ: لا، الماء طبيعي. الطالب: لا، أقول: نزل عليه مطر والماء بارد وفيه ماء؛ يعني: أصل الماء، هل يتوضأ أو يخشى من البرد؟ الشيخ: إن كان يخشى من الضرر لا بأس، لكن ما يخشى من الضرر ( ... ) تيمم. طالب: ( ... ). الشيخ: يلزمه ينزل الغترة ويرفعها ويأخذ من اللي بها ( ... ) أن يقال: إن تيممه الآن صح من مقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن ننقضه إلا بدليل شرعي، هاتوا دليلًا شرعيًّا وعلى العين والرأس، وعلى هذا فنقول: ما دام الإنسان باقيًا على طهارته فإنه على طهارته لا يتيمم إلا إذا وجد ناقض. *** بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف ﵀: (وصفته) أي: صفة التيمم، (أن ينوي ثم يسمي) العلماء ﵏ يحتاجون إلى بيان صفة العبادات، لماذا؟ لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ ، والمتابعة تتحقق بماذا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، قصدي أن المتابعة لا تتحقق إلا أن تكون العبادة موافقة للشرع في ستة أمور: وهي السبب والجنس والقدر والكيفية والزمان والمكان.

стр. 483

إذن: الكيفية لا بد منها، لا يمكن أن تكون العبادة موافقًا فيها الشرع إلا إذا كانت صفتها موافقةً لما جاء عن النبي ﷺ ؛ لهذا احتاج العلماء أن يذكروا صفة العبادات؛ صفة الوضوء، صفة الصلاة، صفة الحج، صفة الصيام، حتى يكون الإنسان بنى عبادته على اتباع الرسول ﵊. (صفته: أن ينوي) الواقع أن النية ليست صفة إلا على سبيل التجوز، لماذا؟ لأن النية محلها القلب، وسبق أن نية التيمم تحتاج إلى نيتين في الواقع: نية المتيمَّم له، والمتيمَّم عنه، فينوي التيمم للصلاة من الحدث الأصغر، للصلاة من الحدث الأكبر، للصلاة -على القول بأنه يتيمم للنجاسة- من النجاسة. (أن ينوي) والنية شرط؛ لقول النبي ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٥). (ثم يسمي) فيقول: باسم الله، والتسمية هنا كالتسمية في الوضوء خلافًا ومذهبًا، فمن قال: إن التسمية واجبة هناك قال: إنها واجبة هنا؛ لأن هذا بدل، ومن قال: إنها غير واجبة هناك قال: إنها غير واجبة هنا، وسبق لنا أن القول الراجح في التسمية: أنها سنة وليست بواجبة؛ لأن أكثر الواصفين لوضوء الرسول ﵊ لم يذكروها، وغاية ما فيها قوله ﵊: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (١٠)، وهذا النفي يحتمل أن يكون نفيًا للكمال؛ لأن كون الأحاديث الواردة في صفة الوضوء لا تذكر فيها التسمية تدل على أنها ليست من فروض أو واجبات الوضوء، على أن الإمام أحمد ﵀ قال: إنه لا يثبت في هذا الباب شيء. والثاني: قال: (ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع) يضرب التراب ولم يقل: الأرض، لماذا؟ لأنهم يشترطون التراب، والصواب: ويضرب الأرض كما سبق، سواء تراب أو رمل أو حجر.

стр. 484

أيضًا يقول: (بيديه مفرجتي الأصابع) هكذا علشان يدخل التراب فيما بينها، وقد يقول قائل: ما هو الدليل على أنهما مفرجة الأصابع؟ ما فيه إلا تعليل، ولو نظرنا إلى ظاهر الأحاديث الواردة عن الرسول ﵊ لقلنا: إنه لا ينبغي ذلك؛ لأن الأحاديث الواردة عن الرسول ضرب بيديه الأرض، ولم تذكر أنها كانت مفرجة، وطهارة التيمم -كما نعلم جميعًا- مبنية على التسهيل والتسامح، وليست كالماء، لكن الفقهاء يرون أنه يجب استيعاب الكفين والوجه بالتراب؛ فلذلك قالوا: مفرجتي الأصابع. يقول: (ويمسح وجهه بباطنها) أي: باطن الأصابع. طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، (بباطنها) أي: بباطن الأصابع، فمثلًا هو الآن ضرب هكذا، يمسح هكذا؛ خل الراحتين ما يمسح بهما، يمسح بباطن الأصابع. وبعدين: (وكفيه براحتيه) إذا بغى يمسح الكفين ما يقول كذا يقول كذا، الآن نقول: يمسح وجهه بباطنها، وين السائل؟ هذه باطن الأصابع، شفتها؟ يمسح وجهه هكذا؛ بباطن الأصابع الكفين بالراحتين، الراحة معروفة: اللي تحت الأصابع، يقول هكذا يخلي الأصابع هذه مشطبة وهذه أيضًا، كفيه براحتيه، لماذا؟ لأنه لو مسح وجهه بكل الكف ثم جاء بيمسح كفيه صار التراب مستعملًا في طهارة، فيكون طاهرًا غير مطهر، شوف دقة تعبير العلماء يقولون: يكون التراب طاهرًا غير مطهِّر. الآن ما وصلنا إلى الدليل، الآن نفهم ما هو السبب؛ يعني: الفقهاء لماذا قالوا: لا بد من هذا العمل؟ لأن عندهم قاعدة وأساسًا؛ وهو أن التراب ينقسم إلى ثلاثة أقسام كما أن الماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طَهور، وطاهر، ونجس، ويقولون: إن المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهرًا غير مطهر، فأنت لو تمسح الوجه بكل الكفين، ثم تبغي تمسح الكفين بعضها ببعض مسحت بشيء طاهر غير مطهِّر.

стр. 485

نحن نقول في هذه المسألة: أولًا: لا نسلم تقسيم الماء ولا تقسيم ما هو بدل عن الماء إلى ثلاثة أقسام، وقد سبق لنا أن الصحيح من أقوال أهل العلم الذي اختاره شيخ الإسلام وغيره من أهل التحقيق: أن الماء ينقسم إلى قسمين فقط: طهور، ونجس. وعلى هذا، فالماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طهورًا، التراب المستعمل في طهارة واجبة يكون طهورًا، وحينئذٍ فلا حاجة إلى هذه الصفة؛ لأنها مبنية على تعليل عليل غير صحيح، هذا وجه. الوجه الثاني: أن نقول: ما هو الدليل على ذلك؟ ما فيه دليل بل بالعكس الدليل على خلافه؛ فإن حديث عمار يقول: مسح وجهه بيديه (١)، بدون تفصيل، وظاهر كفيه ووجهه أيضًا ما فيه تفصيل. وعلى هذا فنقول: تمسح وجهك بيديك كلتيهما هكذا، وتمسح بعضها ببعض هكذا. ثم قال المؤلف: (ويخلل أصابعه) وجوبًا ولَّا استحبابًا؟ طلبة: استحبابًا. الشيخ: هنا وجوبًا، يخلل أصابعه وجوبًا بخلاف الماء، وفرقوا بين الماء والتراب بأن الماء أشد نفوذًا، فيدخل فيما بين الأصابع بدون تخليل، لكن التراب يحتاج إلى تخليل؛ لأنه ما هو بيجري، ليس سائلًا فيحتاج إلى أن تخلل الأصابع، فالتخليل هنا واجب، ولكن نحن نناقش في هذا الشيء ونقول: إن إثبات التخليل ولو سنة فيه نظر، فالرسول ﵊ في حديث عمار لم يخلل أصابعه. فإن قلت: ألا يدخل في عموم حديث لقيط بن صبرة: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» (١١)؟ الجواب: لا؛ لأن حديث لقيط بن صبرة في الماء يقول: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ»، فإن قلتم: نخلل بين الأصابع في التيمم فقل أيضًا: بالغ في الاستنشاق في التيمم، وإلا فلا يصح التفريق؛ ولهذا في نفسي من استحباب تخليل الأصابع شيء؛ لأنه لم يرد، ونحن نعلم جميعًا أن طهارة التيمم مبنية على التيسير والسهولة.

стр. 486

شوف طهارة الماء في الجنابة لازم تغسل كل البدن، وفي التيمم عضوان فقط، أيضًا في التيمم لا يجب استيعاب الوجه والكفين على القول الراجح، بل يسامح عن الشيء الذي لا يصل إليه المسح إلا بمشقة، مثل باطن الشعر لا يجب إيصال التراب إليه، ولو كان الشعر خفيفًا يكتفى بمسح الظاهر منه، مع أنه في الوضوء إذا كان خفيفًا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعور. أيضًا ما فيه مضمضة ولا استنشاق، أيضًا ما كان من مسافط الجبهة، بعض الناس في جباههم مسافط لا يجب إيصال التراب إليه بخلاف الماء. فالصواب: أن نقتصر على ظاهر ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك، واتباع الظاهر في الأحكام كاتباع الظاهر في العقائد، إلا ما دل الدليل على خلافه، وإلا فإن النصوص واحدة؛ يعني: كما أننا نتبع الظاهر في الأخبار نتبع الظاهر أيضًا في الأحكام؛ لأن هذه عبادات وهذه اعتقادات، إلا أن اتباع الظاهر في الاعتقادات أوكد؛ لأنها أمور غيبية لا مجال للعقل فيها، بخلاف الأحكام فإنها قد يدخلها المجال العقلي؛ فلذلك تختلف بعض الاختلاف عن العقائد، إنما الأصل أننا مكلفون بماذا؟ طالب: بالظاهر. الشيخ: بالظاهر، هذا الأصل، فالكيفية عندي اللي توافق ظاهر السنة: أن تضرب الأرض بيديك ضربة واحدة بدون تفريج الأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض، وبذلك يتم التيمم. طالب: النفخ؟ الشيخ: النفخ سنة؛ لأنه ورد عن النبي ﵊ أنه نفخ، ولكن بعض العلماء قيدها بما إذا كان علق بهما تراب كثير. طالب: لو قلنا ذلك إذن التشهد والبسملة لا داعي؟ الشيخ: لا؛ لأنها خارجة عن الكيفية. الطالب: إذن تلحق به؟ الشيخ: إي، الظاهر أنها يثبت لها. طالب: شيخ، الصور. الشيخ: ليس فيه ( ... ) ولا تراب.

стр. 487

أولًا: هذه المسألة مرت علينا في هذا الكتاب، الشيء الثاني: ينبغي للإنسان أن يأخذ قواعد عامة في الشرع يحوِّل عليها المسائل الفردية، فقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] هذه قاعدة عامة، كل ما يشكل عليك من هذه المسائل حولها عليها، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] هذا اللي لم يجد ماءً ولا ترابًا هو بين أمرين؛ إما ألَّا يصلي، وإما أن يصلي بلا ماء ولا تراب، إن لم يصلِّ لم يتق الله، وإن صلى بدون ماء ولا تراب اتقى الله ما استطاع ( ... ). [باب إزالة النجاسة] الكلام على طهارة الحدث، بدأ بطهارة النجاسة الخبث؛ وذلك لأن الطهارة -كما سبق- الطهارة الحسية؛ إما عن حدث، وإما عن نجس. وقد سبق أن الحدث هو وصف قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، أما الخبث فإنها عين مستقذرة شرعًا؛ يعني: الشرع هو الذي استقذرها وحكم بنجاستها وخبثها، فهي عين وليست وصفًا ولا معنًى، عينٌ مستقذرة شرعًا. وهي -أي النجاسة- إما حكمية، وإما عينية، والمراد بهذا الباب النجاسة الحكمية؛ وهي التي تقع على شيء طاهر فيتنجس بها، أما النجاسة العينية فإنه لا يمكن تطهيرها أبدًا، لو تأتي بمياه البحار كلها على روثة من حمار ما طهرت؛ لأن نجاستها عينية؛ أي: أن عينها نجس، ولا يمكن أن يطهر بالمياه أبدًا، فالمراد بالنجاسة هنا النجاسة الحكمية. وحينئذٍ نقول: طهارة من حدث، وطهارة من نجاسة حكمية؛ وهي التي وردت على محل طاهر، كثوب أصابه بول وأرض أصابها روث، وما أشبه ذلك، هذه هي التي فيها الكلام. إذن النجاسة الحكمية هي أيش؟ طلبة: الواردة على محل طاهر. الشيخ: الواردة على محل طاهر، وهي التي الكلام فيها، أما النجاسة العينية فإنه لا يمكن تطهيرها؛ لأنها نجسة بعينها، فكيف نطهرها؟ إلا إذا استحالت على رأي بعض العلماء، وعلى المذهب في بعض المسائل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 488

إزالة النجاسة، هل يشترط لها الماء أو لا يشترط؟ فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يشترط لإزالتها الماء، ومنهم من قال: إنه لا يشترط، وإنه متى زالت عين النجاسة بأي مزيل كان فإنها تطهر؛ لأن إزالة النجاسة التخلي؛ تخلٍّ عن شيء خبيث، فمتى زال هذا الخبيث زال حكمه؛ ولذلك لا تشترط لها النية؛ لو كان ثوبك معلقًا وجاء المطر وأمطر عليه حتى طهر، يطهر أو لا؟ طلبة: يطهر. الشيخ: يطهر، وكذلك أيضًا ثبت تطهير البول والغائط بالاستجمار، وهو بغير الماء، وصح عن النبي ﵊ أن الإنسان إذا وطئ الأذى بنعليه فطهورهما التراب (١٢)، وكذلك ذيل المرأة الذي يسحب على الأرض من ورائها من ثوبها يطهره ما بعده، إن تلوث بنجاسة طهر بمرورها على الأرض الطاهرة. المهم، أن العلماء اختلفوا هل يشترط للتطهير من النجاسات أن يكون ذلك بالماء أو لا يشترط؟ والصحيح: أنه لا يشترط؛ لأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها. أما المذهب: فإنها لا تزول إلا بالماء، ولهذا مر علينا في أول كتاب الطهارة قال: (طهور لا يرفع الحدثَ ولا يزيل النجسَ الطارئَ غيرُه) وأجاب عن التيمم والاستجمار بأن ذلك مبيح وليس برافع. ثم إن النجاسة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة. يقول المؤلف ﵀: (يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) وهذا تخفيف باعتبار الموضع الذي طرأت عليه النجاسة، هذا إذا كان أرضًا فإنه يشترط لطهارته أن تزول عين النجاسة أيًّا كانت النجاسة.

стр. 489

بـ (غسلة واحدة) فإن لم تزل إلا بغسلتين فغسلتان، أو بثلاث فثلاث، لكن إذا زالت بغسلة واحدة ولو من كلب فإن ذلك يجزئ، دليل ذلك: قول النبي ﷺ حين بال الأعرابي في المسجد قال: «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ»، أو قال: «ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» (١٣) ولم يأمر بعدد، بل قال: «أَرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ»، فدل هذا على أن النجاسة على الأرض يُكتفى فيها بغسلة واحدة، حتى وإن كانت نجاسة كلب، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان الفرق بين الأرض وبين غيرها في نجاسة الكلب. هذه أظنها مسألة واضحة لكن إن كانت النجاسة ذات جرم فلا بد أولًا من إزالة الجرم، كما لو كانت عذرة أو دمًا جف فلا بد من إزالة هذا أولًا، ثم تتبع الماء، فإن أزيلت النجاسة بكل ما حولها من رطوبة اجتثت اجتثاثًا يحتاج إلى غسل ولَّا لا؟ طلبة: لا يحتاج. الشيخ: لا يحتاج؛ لأن المكان الذي تلوث بالنجاسة أزيل كله. قال: (وعلى غيرها) يعني: يجزئ في غسل النجاسات على غيرها، (سبع) لا بد من سبع غسلات كل غسلة منفصلة عن الأخرى؛ يغسل أولًا، ثم يعصر، ثم ثانيًا، ثم يعصر، وهكذا حتى يتم سبع.

стр. 490

لكن قال: (إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير) (إحداها) أي: إحدى الغسلات بتراب في نجاسة الكلب والخنزير؛ أما الكلب فقد دل عليه النص الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن مغفَّل: أن النبي ﵊ أمر إذا ولغ الكلب في الإناء أن يغسل سبع مرات إحداها بالتراب (١٤)، وفي رواية: «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (١٥)، وهذا اللفظ أخص من (إحداهن)، لماذا؟ لأن: (إحداهن) يشمل الأول والثاني والثالث إلى السابع، و (أولاهن) أخص؛ ولهذا قال العلماء: الأَوْلى أن يكون التراب في الأُولى، وهو من حيث النص أولى كما سمعتم، ومن حيث المعنى أولى؛ لأنك إذا جعلت التراب في أول غسلة صار ما بعدها من غسلات من النجاسات المتوسطة؛ يعني: أنها تخف النجاسة فيه؛ ولهذا لو أصاب الماء في الغسلة الثانية بعد التراب محلًّا آخر كم يغسل؟ يغسل ستًّا بدون تراب، ولو جعلت التراب في الأخيرة وأصابت الغسلة الثانية محلًّا آخر غسل ستًّا إحداها بتراب، إذن فهذا وجه ثالث يرجح أيش؟ أن تكون الأُولى أَولى بوضع التراب فيها (إحداها بتراب). قال المؤلف: (في نجاسة كلب) وهو شامل للكلب الأسود وغيره، والمعلَّم وغيره، والمباح اقتناؤه وغيره، كل الكلاب؛ والصغير والكبير، وشامل أيضًا لما تنجس بالولوغ أو بالبول أو بالروث أو بالريق أو بالعرق؛ لعموم كلام المؤلف: (في نجاسة كلب) يشمل ما لو مشى الكلب على أرض رطبة فإنه يشمله هذا الحكم، صح؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لأن الأرض لها حكم خاص؛ يكفي فيها واحدة كما سبق. إذا قال قائل: ما هو الدليل على عموم الكلاب؟ قلنا: الدليل قول الرسول ﵊: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ» (الكلب) وهذا إما أن تكون (أل) للجنس؛ أي: لحقيقة الجنس، أو (أل) للعموم لعموم الجنس، فسواء كانت لعموم الجنس أو لحقيقة الجنس فإنها دالة على العموم؛ أن كل كلب يجب أن يغسل الإناء إذا ولغ فيه سبع مرات إحداها بالتراب.

стр. 491

فإذا قال قائل: هذا في الكلاب غير الأليفة وغير المباحة ظاهر، لكن الكلاب الأليفة والكلاب المباحة الاقتناء ألا يكون فيها مشقة؟ قلنا: بلى قد يكون فيها شيء من المشقة، لكن هذه المشقة تزول بحماية الكلب عن الأواني المستعملة بأن يجعل له أنية مخصوصة يكون فيها طعامه وشرابه، ولا يمكن أن نخرج الكلب الأليف أو الكلب المعلَّم الذي يباح اقتناؤه عن العموم، مع أن تداوله بين الناس أيش أكثر ولَّا لا؟ أكثر؛ لأننا لو أخرجنا هذا من عموم (الكلب) لكنا أخرجنا أكثر ما دلَّ عليه اللفظ، وهذا غير سديد بالنسبة للاستدلال، وعليه فيكون الكلب عامًّا في كل شيء. بقي أن يقال: إن النبي ﷺ أنما نص على الولوغ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ»، فبأي شيء تلحقون الروث والبول؟ يعني: لو قال: اقتصروا في هذا على ما ورد به النص على الولوغ فقط، قلنا: قد قال بذلك من قال من الظاهرية، وقالوا: إن هذا الحكم فيما إذا ولغ الكلب ولوغًا؛ يعني: شرب من الإناء، أما بوله وروثه فهو كسائر النجاسات، وطريقتهم في ذلك ظاهرة؛ لأنهم لا يرون القياس. أما الفقهاء فيقولون: إن بوله وروثه كولوغه، بل هو أخبث، ويكون النص على الولوغ؛ لأن هذا هو الغالب؛ إذ إن الكلب لا يبول ولا يروث في الأواني، وإنما يلغ فيها فقط، فالرسول ﵊ ذكر ذلك من باب الغالب، وما كان من باب الغالب فلا مفهوم له. ولهذا تجدون أحيانًا من تصرف العلماء يقولون: هذا قيد أغلبي لا مفهوم له، فيقولون: إن الرسول ﵊ ذكر الوضوء دون بقية النجاسات؛ لأنه الغالب، وما كان مبنيًّا على الغالب فإنه لا يكون له مفهوم، ولا يُخصَّص به الحكم.

стр. 492

لكن بعض المتأخرين يرجح مذهب الظاهرية، لا من أجل الأخذ بالظاهر، لكن من أجل امتناع القياس؛ لأن القياس: مساواة الفرع للأصل في العلة حتى يساويه في الحكم، أما أن يقاس هذا على هذا بدون تساوٍ في العلة فهذا لا يصح؛ لأن الحكم مركب على العلة، فإذا اشتركا في العلة اشتركا في الحكم، وإلا فلا. قال بعض المتأخرين: والفرق هو أن لعاب الكلب فيه أشياء ضارة في الإنسان دودة شريطية مثل الشريط، هذه يقولون: إنها في لعابه كثيرًا، وإذا ولغ انفصلت من لعابه في هذا الإناء، فإذا استعمله أحد بعده فإن هذه الشريطية الدودة تتعلق بمعدة الإنسان وتخربها، وأنه لا يتلفها إلا التراب؛ ولذلك اشترطوا أن تكون الإزالة بالتراب فقط الذي نص عليه الشرع التراب. ولكن هذه العلة إذا ثبتت من الناحية الطبية فهل هي منتفية في روثه وبوله؟ يجب أن ينظر؛ إذا ثبت أنها منتفية فإن هذا القول يكون له وجاهة، وإلا فإن البقاء على ما ذهب إليه الفقهاء أولى، وهو من الناحية الاحتياطية أولى؛ لأنه أحوط، فإنك لو طهرته سبعًا إحداها بالتراب لم يقل لك أحد: أخطأت، ولكن لو لم تطهره قال لك من يقول: إنه لا بد من سبع بالتراب: إنك أخطأت، وإن صلاتك لا تصح إذا لم تتطهر هذه الطهارة. إذن نتوصل الآن إلى أن الاحتياط أن يلحق بوله وروثه بولوغه، هذا الاحتياط. وقول المؤلف: (كلب وخنزير) .. وخِنزيرٍ ويُجزئُ عن الترابِ أُشنانٌ ونَحْوُه، وفي نجاسةِ غيرِهما سبعٌ بلا تُرابٍ، ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشَمْسٍ، ولا ريحٍ، ولا دَلْكٍ ولا استحالةٍ غيرَ الخَمْرَةِ، فإنْ خُلِّلَتْ أو تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ لم يَطْهُرْ، وإن خَفِي مَوْضِعُ نجاسةِ غُسِلَ حتى يُجْزَمَ بزَوالِه، ويَطْهُرُ بولُ غلامٍ لم يَأْكُل الطعامَ بنَضْحِه، ويُعْفَى في غيرِ مائعٍ ومطعومٍ عن يسيرِ دمٍ نَجِسٍ

стр. 493

وقوله: (وخِنْزير)، الخنزير حيوان معروف بفَقْدِ الغيرة، ما عنده غيرة أبدًا، وحيوان أيضًا معروف بالخبث وأكلِ العَذِرة، وفيه أيضًا في لحمه أشياء من الميكروبات الضارَّة، التي قيل: إِن النَّار لا تؤثِّر في قتلها، ومن ثم جاء الشرع بتحريمه، والحمد لله. الخنزير لم يرد عن النبي ﵊ أن نجاسته تُغسل سبعَ مرات، ما جاء عن الرسول، ولكنْ قال العلماء: إنه يُلْحَق بالكلب إلحاقًا أولويًّا؛ لأنه أخبث من الكلب، هذا هو الذي جعل الفقهاء ﵏ يُلحقون الخنزير بالكلب؛ قالوا: لأنه أخبث منه، فكان أوْلى بالحكْم منه، ولكنَّ هذا القياس -فيما أرى- قياسٌ ضعيف؛ لأن الخنزير موجود في عهد الرسول ﵊، ذُكِر في القرآن، ليس شيئًا خفيًّا على الناس في ذلك الوقت، فلماذا لم يُلْحِقْهُ النبي ﷺ بالكلب؟ ولهذا، الصَّحيح أن نجاسة الخنزير كنجاسة غيره؛ يعني: تُغسل كما تُغسل بقية النَّجاسات، لا يشترط سبع ولا تراب، على القول الراجح. *** وقال المؤلف: (ويُجْزِئ عن التُّراب إشنانٌ ونحوه). والإشنان: معروف عند .. ؟ طالب: ( ... ) من السياق أنه يريد ( ... ) الصابون. الشيخ: لا، قوله: (ونحوه) هو اللي فيه الصابون، لكن إشنان ما هو بالصابون. طالب: ( ... ). الشيخ: الإشنان شجر يُدق، ويكون حبيبات زي حب السُّكَّر أو أصغر، تُغسل به الثِّياب سابقًا؛ لأن الصابون كان قليلًا. الإشنان هو خشن كخشونة التُّراب، ومنظِّف، ومزيل، لا شك، فمن ثم قال المؤلِّف: إنه (يجزئ عن التُّراب)، ولكن إذا نظرنا إلى أن الإشنان موجود، والسدر موجود في عهد الرسول ﵊، ولم يشر النبي ﵊ إليهما، بل قال: التُّراب، فإن في إلحاق الإشنان والصابون والسدر وما أشبهها، في إلحاقها بالتراب نظر، ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يجزئ عن التراب شيء؛ أولًا: لأن الشرع نص عليه، والواجب اتباع النص.

стр. 494

ثانيًا: لعل في التراب مادة هي التي تقتل الجراثيم التي تنطلق من ريق الكلب، وهذا ممكن يكون. ثالثًا: أن التراب أحد الطهورين، كيف أحد الطهورين؟ طلبة: لأنه ( ... ). الشيخ: نعم؛ لأنه يقوم مقام الماء في باب .. طلبة: التيمم. الشيخ: التيمم إذا عدم، فربما أن للشارع ملاحظة؛ حيث اختار التراب على غيره لكونه أحد الطهورين، وأنه طهور، «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١)، لكن جعل لي الإشنان طهورًا؟ لا، ما جاء في الحديث، «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ولذلك الصحيح أن الإشنان لا يجزئ عن التراب، نعم لو فرض أنه لم يوجد تراب، وهذا فرض بعيد، لكن لو فرض، فإن استعمال الإشنان أو الصابون خير من عدمه؛ لأنه مزيل بلا شك منظف، لكن كوننا نجزم بأنه مجزئ عن التراب مع نص الشارع عليه؟ لا. ظاهر كلام المؤلف أن الكلب إذا صاد صيدًا، وأمسك الصيدَ بفمه، وجاء به إلينا، فلا بد أن نغسل اللحمة .. طلبة: سبعًا. الشيخ: سبعًا، إحداها بالتراب، أو بالإشنان أو الصابون، نعم، أليس هكذا؟ طلبة: بلى.

стр. 495

الشيخ: بلى، وهو أيضًا المعروف من المذهب، أنه يجب غسل ما أصابه فم الكلب من الصيد سبع مرات إحداها بالتراب، أو الإشنان ونحوه، أعرفتم؟ مشكِل لو غسلناه بالتراب وهو لحم، معناه متى ينظف، هه، يمكن ما يروح، إي نعم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن هذا مما عفى الشارع عنه، وإن شئنا أن نكون ظاهرية، قلنا: إن الرسول يقول: «إِذَا وَلَغَ» (٢)، ما قال: إذا عض. نعم، إذا ولغ، فقد يكون الكلب يخرج من معدته عند الشرب أشياء ما تخرج عند العض، المهم أنه لا شك كأن الإنسان يرى المسألة رأي عين، أن الصحابة ﵃ إذا جاء الكلب بالصيد إليهم فإنهم لا يغسلونه سبع مرات، إحداها بالتراب، كأنما تشاهد ذلك رأي عين، وعلى هذا فإنه يكون معفوًّا عنه، وإذا كان معفوًّا عنه شرعًا، زال ضرره قدرًا، انتبه لهذه الفائدة، ما عفي عنه شرعًا زال ضرره قدرًا، أرأيت الميتة؟ نجسة، وحرام، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها ولم يتضرر منها، أكلها ولم يتضرر، انظر للحمار قبل أن يُحرّم، وهو طيب يؤكل، ولما حُرم صار خبيثًا نجسًا، فالله هو القادر وهو الفاعل وهو المُشَرّع، فإذا كان هذا محلَلًا لنا شرعًا، ولم يَرد عن النبي ﵊ أنه أمر بغسل ما أصابه فَمُ الكلب، ولا عهدناه من فعل الصحابة ﵃، وأصل هذه المسألة مبنية على إيش؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: على التيسير .. طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، قصدي بالنسبة لصيد الكلب مبنية على التيسير، وإلا لجاز أن الله يكلف العباد أن يصيدوا بأنفسهم لا بكلاب معلَّمة، فإن التيسير يشمل حتى هذه الصورة، ألّا يجبَ غسل ما أصابه فم الكلب، وأن يكون مما عفى الله عنه، وإذا كان مما عفى الله عنه، فما عُفي عنه شرعًا زال ضرره قدرًا. *** قال: (وفي نجاسة غيرهما سبعٌ بلا تراب). يعني: ويجزئ في نجاسة غيرهما سبع بلا تراب.
следующие страницы →