Полный текст (12 382 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فإذا قال قائل: هذا في الكلاب غير الأليفة وغير المباحة ظاهر، لكن الكلاب الأليفة والكلاب المباحة الاقتناء ألا يكون فيها مشقة؟
قلنا: بلى قد يكون فيها شيء من المشقة، لكن هذه المشقة تزول بحماية الكلب عن الأواني المستعملة بأن يجعل له أنية مخصوصة يكون فيها طعامه وشرابه، ولا يمكن أن نخرج الكلب الأليف أو الكلب المعلَّم الذي يباح اقتناؤه عن العموم، مع أن تداوله بين الناس أيش أكثر ولَّا لا؟ أكثر؛ لأننا لو أخرجنا هذا من عموم (الكلب) لكنا أخرجنا أكثر ما دلَّ عليه اللفظ، وهذا غير سديد بالنسبة للاستدلال، وعليه فيكون الكلب عامًّا في كل شيء.
بقي أن يقال: إن النبي ﷺ أنما نص على الولوغ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ»، فبأي شيء تلحقون الروث والبول؟ يعني: لو قال: اقتصروا في هذا على ما ورد به النص على الولوغ فقط، قلنا: قد قال بذلك من قال من الظاهرية، وقالوا: إن هذا الحكم فيما إذا ولغ الكلب ولوغًا؛ يعني: شرب من الإناء، أما بوله وروثه فهو كسائر النجاسات، وطريقتهم في ذلك ظاهرة؛ لأنهم لا يرون القياس.
أما الفقهاء فيقولون: إن بوله وروثه كولوغه، بل هو أخبث، ويكون النص على الولوغ؛ لأن هذا هو الغالب؛ إذ إن الكلب لا يبول ولا يروث في الأواني، وإنما يلغ فيها فقط، فالرسول ﵊ ذكر ذلك من باب الغالب، وما كان من باب الغالب فلا مفهوم له.
ولهذا تجدون أحيانًا من تصرف العلماء يقولون: هذا قيد أغلبي لا مفهوم له، فيقولون: إن الرسول ﵊ ذكر الوضوء دون بقية النجاسات؛ لأنه الغالب، وما كان مبنيًّا على الغالب فإنه لا يكون له مفهوم، ولا يُخصَّص به الحكم.
стр. 492
لكن بعض المتأخرين يرجح مذهب الظاهرية، لا من أجل الأخذ بالظاهر، لكن من أجل امتناع القياس؛ لأن القياس: مساواة الفرع للأصل في العلة حتى يساويه في الحكم، أما أن يقاس هذا على هذا بدون تساوٍ في العلة فهذا لا يصح؛ لأن الحكم مركب على العلة، فإذا اشتركا في العلة اشتركا في الحكم، وإلا فلا.
قال بعض المتأخرين: والفرق هو أن لعاب الكلب فيه أشياء ضارة في الإنسان دودة شريطية مثل الشريط، هذه يقولون: إنها في لعابه كثيرًا، وإذا ولغ انفصلت من لعابه في هذا الإناء، فإذا استعمله أحد بعده فإن هذه الشريطية الدودة تتعلق بمعدة الإنسان وتخربها، وأنه لا يتلفها إلا التراب؛ ولذلك اشترطوا أن تكون الإزالة بالتراب فقط الذي نص عليه الشرع التراب.
ولكن هذه العلة إذا ثبتت من الناحية الطبية فهل هي منتفية في روثه وبوله؟ يجب أن ينظر؛ إذا ثبت أنها منتفية فإن هذا القول يكون له وجاهة، وإلا فإن البقاء على ما ذهب إليه الفقهاء أولى، وهو من الناحية الاحتياطية أولى؛ لأنه أحوط، فإنك لو طهرته سبعًا إحداها بالتراب لم يقل لك أحد: أخطأت، ولكن لو لم تطهره قال لك من يقول: إنه لا بد من سبع بالتراب: إنك أخطأت، وإن صلاتك لا تصح إذا لم تتطهر هذه الطهارة.
إذن نتوصل الآن إلى أن الاحتياط أن يلحق بوله وروثه بولوغه، هذا الاحتياط.
وقول المؤلف: (كلب وخنزير) ..
وخِنزيرٍ ويُجزئُ عن الترابِ أُشنانٌ ونَحْوُه، وفي نجاسةِ غيرِهما سبعٌ بلا تُرابٍ، ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشَمْسٍ، ولا ريحٍ، ولا دَلْكٍ ولا استحالةٍ غيرَ الخَمْرَةِ، فإنْ خُلِّلَتْ أو تَنَجَّسَ دُهْنٌ مائعٌ لم يَطْهُرْ، وإن خَفِي مَوْضِعُ نجاسةِ غُسِلَ حتى يُجْزَمَ بزَوالِه، ويَطْهُرُ بولُ غلامٍ لم يَأْكُل الطعامَ بنَضْحِه، ويُعْفَى في غيرِ مائعٍ ومطعومٍ عن يسيرِ دمٍ نَجِسٍ
стр. 493
وقوله: (وخِنْزير)، الخنزير حيوان معروف بفَقْدِ الغيرة، ما عنده غيرة أبدًا، وحيوان أيضًا معروف بالخبث وأكلِ العَذِرة، وفيه أيضًا في لحمه أشياء من الميكروبات الضارَّة، التي قيل: إِن النَّار لا تؤثِّر في قتلها، ومن ثم جاء الشرع بتحريمه، والحمد لله.
الخنزير لم يرد عن النبي ﵊ أن نجاسته تُغسل سبعَ مرات، ما جاء عن الرسول، ولكنْ قال العلماء: إنه يُلْحَق بالكلب إلحاقًا أولويًّا؛ لأنه أخبث من الكلب، هذا هو الذي جعل الفقهاء ﵏ يُلحقون الخنزير بالكلب؛ قالوا: لأنه أخبث منه، فكان أوْلى بالحكْم منه، ولكنَّ هذا القياس -فيما أرى- قياسٌ ضعيف؛ لأن الخنزير موجود في عهد الرسول ﵊، ذُكِر في القرآن، ليس شيئًا خفيًّا على الناس في ذلك الوقت، فلماذا لم يُلْحِقْهُ النبي ﷺ بالكلب؟ ولهذا، الصَّحيح أن نجاسة الخنزير كنجاسة غيره؛ يعني: تُغسل كما تُغسل بقية النَّجاسات، لا يشترط سبع ولا تراب، على القول الراجح.
***
وقال المؤلف: (ويُجْزِئ عن التُّراب إشنانٌ ونحوه).
والإشنان: معروف عند .. ؟
طالب: ( ... ) من السياق أنه يريد ( ... ) الصابون.
الشيخ: لا، قوله: (ونحوه) هو اللي فيه الصابون، لكن إشنان ما هو بالصابون.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الإشنان شجر يُدق، ويكون حبيبات زي حب السُّكَّر أو أصغر، تُغسل به الثِّياب سابقًا؛ لأن الصابون كان قليلًا.
الإشنان هو خشن كخشونة التُّراب، ومنظِّف، ومزيل، لا شك، فمن ثم قال المؤلِّف: إنه (يجزئ عن التُّراب)، ولكن إذا نظرنا إلى أن الإشنان موجود، والسدر موجود في عهد الرسول ﵊، ولم يشر النبي ﵊ إليهما، بل قال: التُّراب، فإن في إلحاق الإشنان والصابون والسدر وما أشبهها، في إلحاقها بالتراب نظر، ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يجزئ عن التراب شيء؛ أولًا: لأن الشرع نص عليه، والواجب اتباع النص.
стр. 494
ثانيًا: لعل في التراب مادة هي التي تقتل الجراثيم التي تنطلق من ريق الكلب، وهذا ممكن يكون.
ثالثًا: أن التراب أحد الطهورين، كيف أحد الطهورين؟
طلبة: لأنه ( ... ).
الشيخ: نعم؛ لأنه يقوم مقام الماء في باب ..
طلبة: التيمم.
الشيخ: التيمم إذا عدم، فربما أن للشارع ملاحظة؛ حيث اختار التراب على غيره لكونه أحد الطهورين، وأنه طهور، «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١)، لكن جعل لي الإشنان طهورًا؟ لا، ما جاء في الحديث، «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، ولذلك الصحيح أن الإشنان لا يجزئ عن التراب، نعم لو فرض أنه لم يوجد تراب، وهذا فرض بعيد، لكن لو فرض، فإن استعمال الإشنان أو الصابون خير من عدمه؛ لأنه مزيل بلا شك منظف، لكن كوننا نجزم بأنه مجزئ عن التراب مع نص الشارع عليه؟ لا.
ظاهر كلام المؤلف أن الكلب إذا صاد صيدًا، وأمسك الصيدَ بفمه، وجاء به إلينا، فلا بد أن نغسل اللحمة ..
طلبة: سبعًا.
الشيخ: سبعًا، إحداها بالتراب، أو بالإشنان أو الصابون، نعم، أليس هكذا؟
طلبة: بلى.
стр. 495
الشيخ: بلى، وهو أيضًا المعروف من المذهب، أنه يجب غسل ما أصابه فم الكلب من الصيد سبع مرات إحداها بالتراب، أو الإشنان ونحوه، أعرفتم؟ مشكِل لو غسلناه بالتراب وهو لحم، معناه متى ينظف، هه، يمكن ما يروح، إي نعم، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن هذا مما عفى الشارع عنه، وإن شئنا أن نكون ظاهرية، قلنا: إن الرسول يقول: «إِذَا وَلَغَ» (٢)، ما قال: إذا عض. نعم، إذا ولغ، فقد يكون الكلب يخرج من معدته عند الشرب أشياء ما تخرج عند العض، المهم أنه لا شك كأن الإنسان يرى المسألة رأي عين، أن الصحابة ﵃ إذا جاء الكلب بالصيد إليهم فإنهم لا يغسلونه سبع مرات، إحداها بالتراب، كأنما تشاهد ذلك رأي عين، وعلى هذا فإنه يكون معفوًّا عنه، وإذا كان معفوًّا عنه شرعًا، زال ضرره قدرًا، انتبه لهذه الفائدة، ما عفي عنه شرعًا زال ضرره قدرًا، أرأيت الميتة؟ نجسة، وحرام، وإذا اضطر الإنسان إليها أكلها ولم يتضرر منها، أكلها ولم يتضرر، انظر للحمار قبل أن يُحرّم، وهو طيب يؤكل، ولما حُرم صار خبيثًا نجسًا، فالله هو القادر وهو الفاعل وهو المُشَرّع، فإذا كان هذا محلَلًا لنا شرعًا، ولم يَرد عن النبي ﵊ أنه أمر بغسل ما أصابه فَمُ الكلب، ولا عهدناه من فعل الصحابة ﵃، وأصل هذه المسألة مبنية على إيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: على التيسير ..
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، قصدي بالنسبة لصيد الكلب مبنية على التيسير، وإلا لجاز أن الله يكلف العباد أن يصيدوا بأنفسهم لا بكلاب معلَّمة، فإن التيسير يشمل حتى هذه الصورة، ألّا يجبَ غسل ما أصابه فم الكلب، وأن يكون مما عفى الله عنه، وإذا كان مما عفى الله عنه، فما عُفي عنه شرعًا زال ضرره قدرًا.
***
قال: (وفي نجاسة غيرهما سبعٌ بلا تراب).
يعني: ويجزئ في نجاسة غيرهما سبع بلا تراب.
стр. 496
طيب، الآن لا بد من سبع غسلات، تغسل أولًا ثم تعصر، ثم تغسل ثم تعصر، هكذا حتى يتم السبع، وإن احتاج إلى دلك فلا بد من الدلك، أعرفتم؟
طيب لو قال قائل: إذا زالت النجاسة بأول مرة أيطهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: على كلام المؤلف لا، لو زالت بالثانية ما يطهر، بالثالثة ما يطهر، بالرابعة ما يطهر، بالخامسة ما يطهر، بالسادسة ما يطهر، لا بد من سبع، حتى لو زالت بأول مرة، وبقي المحل نظيفًا لا رائحة فيه، ولا لون فيه، فإنه لا بد من سبع.
نحن قلنا فيما سبق: إن النجاسة عين مستقذرة شرعًا، وأن هذه العين متى زالت بأي مُزيل زال حُكمها، هذا الصحيح، وهو الذي ينبني على القواعد العامة، فإذا زالت في أول غسلة فما هو الدليل على السبع؟
قالوا: الدليل على السبع، حديث ابن عمر: أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا (٣)، والآمر الرسول ﵊؛ يعني إذا قال الصحابي: أُمرنا، توجَّه الأمر إلى الرسول ﵊، وهذا من باب المرفوع حُكمًا، وهذا نص صريح، أمرنا بغسل الأنجاس، هذا دليله.
القول الثاني في المسألة: أنه لا بد من الغسل ثلاثًا، لا بد من الغسل ثلاثًا، واستدلوا بأن النبي ﵊ كان يُكرر الأشياء دائمًا ثلاثًا، حتى الوضوء أعلاه ثلاثًا.
والقول الثالث: يكفي غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة؛ يعني يطهر بها المحل، واستدل هؤلاء بأثر ونظر، أما الأثر فإن النبي ﷺ لما ذُكر له دم الحيض يصيب الثوب، ويش قال؟ قال: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» (٤)، وهل ذكر عددًا؟ لا، الحديث ما فيه ذكر عدد، ليس فيه ذكر العدد، والمقام مقام بيان؛ لأنه جواب سؤال، وجواب السؤال لا بد أن يكون إيش؟
طالب: ( ... ).
стр. 497
الشيخ: بيّنًا واضحًا، لا بد أن يكون بيّنًا واضحًا، فلو كان هناك عدد معتبر لبينه الرسول ﵊، ولهذا لما كان الدم يكون جافًّا، قال: تَحتُّه أولًا، تَحتُّه، ما قال: تغسله، مع أنه من الممكن يغسل ومع تكرار الغسل يزول، ولو كان جافًّا، لكن بدأ بالأسهل، فلو كان العدد معتبرًا لَبَيَّنَه النبي ﷺ ، فهذا دليل أثري على عدم اعتبار العدد، هناك أيضًا دليل نظري، وهي أن النجاسة عينٌ خبيثة، متى زالت زال حكمها، وهذا دليل عقلي واضح جدًا، وعلى هذا فلا يُعتبر للنجاسات عدد، ما عدا الكلب الذي نُص عليه، والكلب يمتاز عن غيره بأنه لا بد من سبع، ولا بد من تراب، اللي غيره ما فيه التراب.
بقينا في الجواب عن ما ذُكر عن ابن عمر؟
فالجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا أصل له، فهو حديث لم يصح.
والوجه الثاني: وعلى تقدير صحته فقد روى الإمام أحمد حديثًا، وإن كان فيه نظر، لكن فيه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا، ثُمَّ سَأَلَ التَّخْفِيفَ، فَأُمِرَ بِغَسْلِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً (٥)، فيُحمل حديث ابن عمر إن صح على أنه كان قبل النسخ، وعليه فيسقط الاستدلال به، فالصحيح إذن أن غير الكلب يكْفي فيه غسلةٌ واحدة تُطهِّر المحل إذا زالت النجاسة، فإن لم تزل بغسلة؟
طلبة: ( ... ) ثانية.
الشيخ: فثانية وثالثة، لو يكون عشر مرات، ولهذا قال الرسول ﵊ في اللاتي يُغَسِّلْنَ ابنتَه: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (٦)، مع أن تطهير الميت ليس عن نجاسة في الغالب، لكن إذا كان التطهير الذي ليس عن نجاسة يُزاد فيه على السبع إذا رأى الغاسل ذلك، فما كان من نجاسة من باب أولى بلا شك، بل يجب أن يُغسَل حتى تطهر النجاسة، لو بلغ سبعين مرة.
بقينا في النجاسة المخففة.
طالب: ( ... ).
стр. 498
الشيخ: الوجه الثاني، أنه على تقدير صحته فهو منسوخ.
طيب، النجاسة المخففة ..
طالب: الرد يا شيخ على ( ... ) الأشياء ( ... ).
الشيخ: هذا أيضًا يقال: إن الأشياء هذه تعبدية، في الوضوء هو شبه تعبدي، أما هذا نجاسة مستقذرة متى زالت طهرت، ولهذا الوضوء تكرره ثلاثًا ولو كنت نظيفًا جدًّا.
بقينا النجاسة المخففة: هي بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، ولهذا ذكره المؤلف في قوله: (ويطهر بول غلامٍ لم يأكل الطعام بنضحه).
بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، هذا يكفي فيه النضح، وإيش معنى النضح؟ النضح أن تصب الماء عليه صبًّا فقط، بدون عصر، ولا دَلك، دليله أن النبي ﷺ قال: «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ» (٧)، وجيء إليه بصبي لم يأكل الطعام فبال في حجره، فدعا بماء فأتبعه إياه (٨)، ولم يعصر ولم يَدْلك.
إذن نعود لنُقسم النجاسة، النجاسة إما أن تكون على الأرض، أو على غيرها، فإن كانت على الأرض كفى فيها غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة أيًّا كانت تلك النجاسة، وإن كان على غير الأرض فالنجاسة ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة، المغلظة نجاسة الكلب، والمخففة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام، والمتوسطة ما عدا ذلك، استثنِ الأعلى والأدنى، وما سواهما فمتوسط، هذا المتوسط، المؤلف ﵀ يرى أنه لا بد فيه من سبع غسلات تَذهب بعين النجاسة، والصحيح أنه لا يشرط فيه السبع، بل متى زالت عين النجاسة طَهُر المحل.
***
المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بشمس).
كلمة (متنجس) نكرة في سياق النفي، فتعم كل متنجس، سواءٌ كان أرضًا أو ثوبًا أو فراشًا أو جدارًا أو مركوبًا أو غير ذلك، أي متنجس فإنه لا يطهر بالشمس.
وعُلم من قوله: (متنجس) أن النجس يطهر بالشمس؟
طلبة: لا يطهر.
الشيخ: النجس ما يطهر بالشمس؟
طلبة: ولا بغيرها ..
الشيخ: ولا بغيرها؛ لأن النجاسة العينية لا تطهر.
стр. 499
إذن (متنجس) يعني: ما أصابته النجاسة، (بشمس) فالشمس لا تُطَهِّر؛ لأن الله يقول فيما ذَكَر عن المطر: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، فجعل الماء هو آلة التطهير، وقال النبي ﵊ في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» (٩)، وقال في الماء يُفطر عليه الصائم: «فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (١٠)؛ أي: تحصل به الطهارة، فلم يَذكر النبي ﵊، ولم يذكر الله شيئًا يُطَهِّر إلا الماء، وعلى هذا فلا يَطْهُر المتنَجس بالشمس، كيف ذلك بالشمس؟
يعني هذا شيء متنجس بادٍ للشمس، مع طول الأيام زالت النجاسة، ولم يبق لها أثر، ولنفرض أنه بول، البول إذا كان على الأرض يكون له أثر ولّا لا؟ تعرف حدوده من الأرض، فهو بمرور الشمس عليه عدةَ أيام زال بالكلية، حتى إنك لترى هذا المكان الذي كان بالأمس متغيرًا، تراه اليوم غير متغير، يقول المؤلف: إنه (لا يَطْهُر)، بل لا بد من الماء، لا بد من الماء وإن كان النجاسة ليس لها أثر الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لا بد، لما سمعتم من الأدلة، وهذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وعليه الجمهور، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن الشمس تُطَهِّر، وأن عين النجاسة إذا زالت بأي مُزيل كان فإن المكان يَطْهُر، وعلى هذا فيَطْهُر المتَنَجّس بالشمس، إذا زال أثر النجاسة نهائيًّا، والذي قاله أبو حنيفة هنا هو الصواب؛ لأن النجاسة كما أسلفنا من قبل عينٌ خبيثة، نجاستها بذاتها، فإذا زالت ذهب ذلك الوصف، وعاد الشيء إلى طهارته، ويدل لهذا أنه لا يُشترط لإزالة النجاسة نية، فلو أن المطر نزل على الأرض طَهُرَتْ، ولو نزل على الثوب حتى زالت النجاسة طهُر الثوب، واضح؟ ولو أنك توضأت، وقد أصابت ذراعَك نجاسةٌ وتوضأت، ثم بعد أن فرغت من الوضوء ذَكرت، تزول النجاسة ولاّ لا؟
طلبة: تزول.
стр. 500
الشيخ: تزول إلا على المذهب؛ لأنهم يشترطون ..
طلبة: النية.
الشيخ: لا، ما يشترطون النية، يشترطون سبع غسلات، والإنسان ما يتوضأ بسبع، المهم أننا نقول: إن قول أبي حنيفة هو الصواب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وإزالة النجاسة ليست من باب المأمور به حتى نقول: لا بد من فعله، بل هو من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل في أي سبب كان ثبت الحكم، فإن قُلت: يرد على ذلك حديث أنس بن مالك: أن أعرابيًّا دخل المسجد، فبال في طائفة منه، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﵊، فلما قضى بوله، أمر بذنوب من ماء فأُريق عليه (١١)، وهذا يدل على أن الأرض تطهر بالماء، فالجواب على ذلك أن أمر النبي ﵊ بأن يُصب عليه الماء لأَجل المبادرة بتطهيره؛ لأن الشمس بالطبع ما هي تأتي على طول تطهره، تحتاج إلى أيام، لكن الماء يُطهِّره في الحال، فالفائدة هنا سرعة تطهير المكان، والمسجد كما نعلم جميعا يحتاج إلى المبادرة بتطهيره؛ لأنه مصلَّى الناس، بل إننا قدّمنا سابقًا أنه ينبغي للإنسان أن يبادِر بإزالة النجاسة على المسجد وعلى غيره، حتى على ثوبه، وعلى مصلاه الخاص؛ لأن هذا هو هدي النبي ﵊، تخلصًا من هذا القذر، ولئلا يَرِدَ على الإنسان نسيان أو جهالة بمكان النجاسة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، نقول: الصحيح أنه يطهر بالشمس، والعلة واضحة، فإن قلت: ما الجواب عما استدلوا به؟
فالجواب: أننا لا ننكر أنه طهور، أن الماء مُطَهِّر، وأن الماء أيسر شيء يُتطهر به الأشياء، ولكنَّ إثبات كونه طَهورًا لا يمنع أن يكون غيره أيضًا مُطَهِّرًا؛ لأن لدينا قاعدة أظن، وهي عدم السبب المعيَّن لا يقتضي انتفاء المسبَّب المعين، سواء كان دليلًا أو غير دليل، المهم أن انتفاء المؤثِّر المعيَّن لا يلزم منه انتفاء المؤثَّر به؛ إذ قد يكون المؤثر شيئًا آخر، وهذا هو الواقع بالنسبة للنجاسة.
стр. 501
قال: (ولا ريح)، أيضًا لا يطهُر المتنجس بالريح، وهذا أيضًا هو المشهور من المذهب والعلة أو الدليل ما سبق.
والقول الثاني: أنه يطهُر بالريح، لكن ليس مجرد يُبْسِهِ تَطْهيرًا، بل لا بد أن يمضي عليه زمن، بحيث تزول عين النجاسة.
(ولا دلك) ولا يطهر المتنجس بالدلك، ولو كان الشيء صقيلًا، بحيث تذهب عين النجاسة تمامًا، فإنه لا يطهُر بالدلك، ونحن نقول: الموضع الذي تنجس منه ما لا يطهِّره الدلك.
نقول: المؤلف يرى ﵀ أن المتنجِّس لا يطهُر بالدلك مطلقًا، أي سواءٌ كان صقيلًا تذهب عين النجاسة بدلكه، أو غيرَ صقيل؛ يعني: حَرَشًا لا تذهب عنه النجاسة بدلكه، فلو تنجست مرآةٌ، تعرفون المرآة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ثم إن هذا الرجل دلك هذه النجاسة، دلكها حتى زالت، وظهرت المرآة واضحة جدًّا، ما فيها أي دنس، فعلى رأي المؤلف؟
طلبة: لا تطهُر.
الشيخ: لا تطهر، حتى لو ظهرت، بادية ظاهرة من أنظف ما يكون فإنها لا تطهر.
والقول الثاني في المسألة: أن الدلك ينقسم إلى قسمين؛ إما أن يكون دلكَ ما يمكن إزالة النجاسة بدلكه، أو دلكَ ما لا يمكن إزالة النجاسة بدلكه، فالأول الصحيح أنه يطهر بالدَلك، مثل الصقيل؛ كالمرآة والسيف، وما أشبه ذلك.
طلبة: البياض؟
الشيخ: نعم، البياض قد يكون يتشرب النجاسة، لكن مثل هذا ما يشرب النجاسة، المهم أنا أعطيتكم قاعدة، والأمثلة عندكم أنتم، ما شاء الله أنتم أدرى منا بكثير من المسائل هذه.
أما الثاني، النوع الثاني: فهو شيء يُدلَك، لكن لا تزول النجاسة بدلكه لكونه حَرشًا، فهذا نقول: لا يطهُر بالدلك؛ لأنك مهما دلكته فإن أجزاءً من النجاسة سوف تبقى في خلال ذلك الحَرش، فلا يطهُر، والعلة؟ العلة ما سبق من أن هذه النجاسة عين مستخبثة، متى زالت زال حكمها.
قال: (ولا استحالة).
طالب: مثال هذا؟
الشيخ: الحرش، معك كتاب الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: المسه، لا يمكن ما هو خشن، المهم بعض المجلدات تكون خشنة.
стр. 502
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذه ما أدري، لا فيها ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال فيها ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: خشب، لكن ما ودّنا نأتي بشيء يتشرب، عندك المِبرد، تعرف المِبرد الحديد؟ ما هو أحرش؟ هذا هو، هذا لا بد من غسله، إي نعم.
يقول: (ولا استحالة)، استحال بمعنى: تحول من حال إلى حال؛ يعني النجاسة لا تَطهُر بالاستحالة؛ يعني بتحولها من حال إلى آخر؛ لأن عين النجاسة باقية، مثال ذلك: روث حمار أوقدنا به، صار رمادًا، هل يطهر أم لا؟
طلبة: لا يطهر.
الشيخ: كلام المؤلف، لا يطهر؛ لأن هذه هي عين النجاسة، وقد مر علينا أن النجاسة العينية ما تطهُر أبدًا، طيب الدُخان المتصاعد من هذا الوقود نجس ولّا طاهر؟
طلبة: نَجِس.
الشيخ: نجس، إي نعم، على كلام المؤلف نجس، لأيش؟ لأنه مستحيل؛ يعني هو متولد من هذه النجاسة، فاستحال دخانًا فخرج، فلا يكون طاهرًا، فلو أن ثوبك تلوّن به أو مس ثوبك وهو رطب، فإنه لا بد من غَسله.
طيب، كلب سقط في مملحة، تعرفون المملحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المملحة أرض الملح، سقط في المملحة، وصار مِلحًا.
طالب: مات؟
الشيخ: طبعًا يموت، لكن صار مِلحًا فعلًا، الآن لو تحط خشبة في الملح، صارت ملحًا، الحديد يصير ملحًا، كل شيء يصير ملحًا، هذا الكلب جئنا وإذا هو كلب من ملح.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نجس، ونجاسته مغلظة أيضًا، مع أنه ملح الآن، ملح تذوقه يكون مالحًا، يقول: لأيش؟ (لأن النجاسة لا تطهر بالاستحالة)، مع أنها تغيرت وانتقلت، يستثنون من ذلك الخَمر والعَلَقَة، تكون حيوانًا طاهرًا، العَلَقَة تكون حيوانًا طاهرًا، وإيش العلقة؟ العلقة في الرحم دم، هذا يتحول إلى مضغة، ثم يتحول إلى عظام وعصب وغيره، ويكون حيوانًا طاهرًا، كالشاة مثلًا، هذه ( ... )، هذه تطهر بماذا؟
طلبة: بالاستحالة.
الشيخ: بالاستحالة، هذه واحد، طيب، استثنى، هذا واحد.
стр. 503
الثاني: الخمرة، قال: (غير الخمرة)، والخمرة: اسم لكل مُسْكِر، هكذا فسره أفصح العرب وأعلمهم، وهو النبي ﵊، قال: «كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» (١٢)، وإنك لتعجب من قول بعض الناس: إن الخمر لا بد أن يكون من نبيذ العنب، وهو لو وجد هذا في القاموس المحيط للفيروزآبادي وهو فارسي، قال: الخمر المسكر، وإيش يقول؟
طالب: خلاص.
الشيخ: يقول: خلاص، كل مسكر خمر، والنبي ﵊ الذي هو أفصح العرب يقول لنا ها الكلام، ونذهب نقول: لا، لا خمر إلا من كذا، كُلُّ مسكر خمر، من أي شيء، فالخمرة حرام بإجماع الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، ولهذا قال العلماء: من أنكر تحريمها، وهو ممن لا يجهل بذلك كفر، يستتاب فإن تاب وأقر بالتحريم وإلا قُتل، عرفتم؟ سواء كانت من العنب أو من التمر أو من الشعير أو من البُر، أو من أي شيء كان مما تُصنع، فهي حرام بالإجماع، نجسة ولّا لا؟ على كلام المؤلف نجسة؛ لأنه قال: لا يطهر المتنجس باستحالة (غير الخمرة).
إذن أفادنا المؤلف ﵀ بكلامه أن الخمر نجس، وهذا قول جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والخلاف فيه نادر، والقول بطهارته قول نادر جدًّا؛ لأن أكثر أهل العلم على أن الخمر نجس، طيب ما هو الدليل؟
стр. 504
الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، رجْس، والرجس هو النجس، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالرجس النجس، والآية واضحة، لفظ واضح، وكله كلام الله، فهذا دليل على أنها نَجِسة، ولا مانع من أن تكون من قبلُ طيبةً، وتنقلب إلى نجسة بعلةِ الإسكار، كما أنك تأكل الطعام والشراب وهو طيب طاهر، ويخرج خبيثًا نجسًا، لا مانع، فهذه وإذا كان أصلها طيبًا، فإنها لما بلغت حد الإسكار صارت نجسة، مع أن العين واحدة، ولَّا مختلفة؟
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، لكن العلة هي الإسكار وقد وُجِدت، فتكون نجسة، عرفتم الدليل؟ هذا هو الدليل، والصحيح أنه لا وجه لهذا الاستثناء، لا في المسألة الأولى ولا في الثانية، المسألة الأولى وهي العلقة يُخلَق منها حيوان طاهر، فقد استحالت إلى عين أخرى وطهُرَت، نقول: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن هذه العلقة كانت في معْدِنها في الرحم، وهي في معدِنها لا يُحكم بنجاستها، وإن كانت نجسة، الشيء في معْدنه ليس بنجس، وإن كان لو خرج لكان نجسًا، الدليل بول الإنسان وغائطه، في بطنه ( ... )، صح ولاّ لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أي نعم، لكنه لا يستأذن إلا إذا امتص البدن كلَّ ما فيه من المنافع، طلب الخروج وجاء إلى الباب يستأذن ثم يسر الله أمره، المهم أنه هو طاهر ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: هو نجس إذا خرج، لكن في معدنه في مكانه طاهر، وأيش الدليل على طهارته؟
الدليل أنك لو حملت رجلًا في صلاتك، حملت واحدًا في صلاتك، تصح صلاتك ولّا ما تصح؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح، ويش ها الدليل؟
طلبة: ( ... ).
стр. 505
الشيخ: أن الرسول ﵊ حمل أمامة بنت زينب وهو يصلي (١٣)، ولو أتيت بعَذِرَة في قارورة حملْتها من أجل الفحص في المستشفى، وصلّيت الفجر والقارورة في مخباتك، وأيش حكم صلاتك؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: لا باطلة، صلاتك باطلة؛ لأنك حامل للنجاسة، مع أنك لم تمس النجاسة ولم تباشرها، في قارورة محكمة لا رائحة، ولا أي شيء، نقول: هذا مما يدل على أن الشيء في معدنه لا يوصف بالنجاسة، إذن هل هناك وجه للاستثناء بأن نقول: إلا العلقة تكون حيوانًا طاهرًا؟
طالب: لا وجه.
الشيخ: لا وجه له، ولهذا قال شيخ الإسلام لا وجه لهذا الاستثناء، ما له وجه.
ثانيًا: بالنسبة لقوله: (ولا باستحالة غير الخمرة)، أيضًا لا وجه لهذا الاستثناء على القول الراجح؛ لأن القول الراجح أن الخمر ليس بنجس نجاسة حسية، ما الدليل؟
طالب: عدم الدليل على الاستثناء.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، ما عندنا دليل على النجاسة، وسنُجيب عن الآية إن شاء الله تعالى قريبًا، الدليل عدم الدليل، فإن قلت: أليس حرامًا؟ فالجواب: بلى، ولكن ليس كل حرام ..
طلبة: نجسًا.
الشيخ: نجسًا، بل كل نجس ..
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام، واضح؟
ثم نقول: إن أبيتَ إلا أن نأتي لك بدليل يُثبت ذلك، غير الدليل العدمي فأبشرْ به، حُرمت الخمر في عهد النبي ﵊ وخرج الناس فأراقوها في الأسواق (١٤)، وأسواق المسلمين لا يجوز أن تكون مكانًا لإراقة النجاسات، ولهذا يحرم على الإنسان أن يبول في الأرض، أو أن نصب فيها شيئًا نجسًا، فإن قيل: أراقوها في الأرض، لكن هل علم الرسول بذلك ﵊؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نقول: إن كان علم فهو إقرار، ويكون مرفوعًا حُكمًا ولّا لا؟ مرفوع حكمًا، وإن لم يعلم فالله تعالى يعلم، والله لا يقر عباده على منكر، وهذا له حكم الرفع ولَّا حقيقة الرفع؟
طالب: حقيقة الرفع.
стр. 506
الشيخ: لا يا أخي، ما فُعل في عهده فله حكم الرفع، طيب، هل أُمِروا بغسلها؟ غسل الأواني بعد ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما أمروا، لكن قد تقول: إن الخمر كان في الأواني قبل التحريم، ولم تثبت نجاسته قبل تحريمه، نعم، فما الجواب؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم الإراقة بعد التحريم، الإراقة كانت بعد التحريم، ثم نقول: لما حُرِّمت الحمر في خيبر أمر النبي ﵊ بغسل الأواني منها (١٥)، مع أنها حين طبخت أولًا لم تحرم، ومع هذا أَمر بَغسل الأواني منها، في لحظة تحريمها صارت نجسة قبل أن تُرَاق، ثم إن لم ترضَ بذلك جئنا بدليل لا محيد لك عنه، جاء رجل كما في صحيح مسلم بِراويةِ خمر إلى رسول الله ﷺ ، الرَّاوِيَة ما هي؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: قربة كبيرة، عبارة عن جلدين مخروز بعضه إلى بعض، فأهداها إلى الرسول ﵊، فقال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ؟ » فسارَّه رجل -صحابي آخر كلم هذا سرًّا- ويقول له: بعها، حرام بعها، فقال النبي ﵊: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟ »، قال: قلت: بعها، قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» (١٦)؛ يعني ولا يجوز تباع، ففك الرجل الراوية، ثم أراقها بحضرة النبي ﵊، ولم يقل له: اغسلها، مع أن هذا قطعا بعد التحريم، والظاهر أنه بعده بزمن، وعلى هذا فإن هذا الحديث والحديث اللي قبله، حديث أنس أنها أريقت في الأسواق كلاهما يدل على أن الخمر ليست بنجسة نجاسة حسية.
أما الآية الكريمة، فنقول: إن الآية الكريمة لو تأملها الإنسان لعلم أنه لا يراد بالنجاسة النجاسة الحسية، لوجهين: الوجه الأول: أنها قُرنت بالأنصاب والأزلام والميسر، ونجاسة هذه حسية ولّا معنوية؟
طلبة: معنوية.
стр. 507
الشيخ: معنوية قطعًا، ما أحد يقول لك: حسية، ثانيًا: أن الرجس هنا قُيِّد بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فهو إذن رجس عملي وليس رجسًا عينيًّا، تكون به هذه الأشياء نجسة، وعليه فإن الأصل -بالإضافة إلى ما ذكرنا- الأصل الطهارة حتى يقوم دليل على النجاسة، ولا دليل، فإن قلت: كيف نخالف الجمهور؟ قلنا: الحمد لله لا دَلالة بقول الجمهور، وإنما الدّلالة الكتاب والسنة والإجماع إذا ( ... ).
***
لقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، أهل الجنة ..
طالب: ( ... ) يا شيخ.
الشيخ: فأما الجواب عن الأول: أن أسواق المدينة واسعة، فإنه لا فرق بين الطريق الواسع والضيق، كما جاء في الحديث: «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ؛ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهُمْ» (١٧)، في طريق الناس، عامّ، سواء كان واسعًا أم ضيقًا، فبطلَ هذا الاحتمال، على أنه قد يعارَض بأن أسواق المدينة ليست كلها واسعة، بل قال العلماء ﵏: إن أوسع ما تكون من الطرقات أن تكون سبعة أذرع؛ يعني قالوا: إذا تنازع الناس عند تخطيط الأرض كيف نجعل الطريق؟ قالوا: تُجعل سبعة أذرع، طبعا ذاك الأيام ما عندهم إلا الإبل والحمير والخيل وما أشبه ذلك، أما الآن، لا، نجعلها كم؟
طالب: سبعين.
الشيخ: لا ما هو سبعين، يمكن نجعلها عشرين ذراعًا وما أشبه ذلك، إي نعم.
وأما قوله تعالى في أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، فإننا لا نقول بمفهوم شيء من نعيم الآخرة، إحنا نتكلم عن أمر الدنيا؛ لأن هناك ما فيه مثلًا وضوء أو شيء نجس، كل ما في الجنة فهو طهور، ثم نفسر الطَهور بالطهور المعنوي، الذي قال الله فيه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، وهذا متعين؛ لأن لدينا سنة عن الرسول ﵊ إيجابية، وسنة عدمية بعدم النجاسة.
طالب: ( ... ).
стр. 508
الشيخ: ( ... ) الكلب مستثناة من جهة العدد والتراب، وأن الماء ينجُس، سواء تغير أم لم يتغير، ولهذا جاء في رواية مسلم (١٨): «فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ».
يقول المؤلف ﵀: (ولا استحالة غير الخمرة، فإن خللت، أو تنجس دهن مائع لم يطهر).
قوله: (إنْ) شرطية، و (خُلِّلَتْ) فعل الشرط، و (تنجَّس) معطوف على فعل الشرط، و (لم يطهر) جواب الشرط.
(إن خللت) الضمير يعود على الخمر، (إن خللت) فإنها لا تطهر، دليل ذلك حديث أنس أن النبي ﷺ سُئِلَ عن الخمر تُتَّخَذُ خَلًّا، قال: «لَا» (١٩)؛ يعني تُحَوَّل إلى خَلّ؟ قال: لا، وهذا يدل على أنه لا يجوز تخليلها، فإذا لم يجُز تخليلها ثم خللت فإنها لا تَطْهُر؛ لأن هذا أمر ليس عليه أمر الله ورسولِه، فيكون أيش؟ باطلًا مردودًا، قال النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢٠)، وكيفية ذلك؟ الخمر إذا صار خمرًا يكون له زَبَد يغلي، كأنَّ تحته نارًا، لكن ما هو بقوة وسرعة، ولكنه ينشّ، ويرتفع، فالتخليل أن يُصَبَّ عليه شيء، مادة إما خل أو غيره، فيتخلل فيهبط، وتزول نشوته، هذا هو التخليل، فهل يجوز أوَّلًا؟ وإذا قلنا بالتحريم وتجرأ إنسان عليه وخلله فهل تطهر أم لا؟
صريح كلام المؤلف أنها لا تطهُر، ولا يجوز أيضًا أن تخلل، ولا فرق بين أن تكون الخمرة خمرةَ خَلَّال أو غيره؛ لأن بعض العلماء استثنى خمرةَ الخَلّال، وقال: إنه يجوز؛ لأن الخلال كل ماله بالخل أو بالنبيذ، فإذا منعناه من التخليل أفسدنا عليه مالَه، ولكن الصحيح أنه لا فرق، وأن الخمر متى تخمرتْ أُرِيقت، فلا يجوز أن تُتَّخذ للتخليل، لكن إن خُللت فصريح كلام المؤلف أنها لا تطهر، ولو زالت حدتها المسكرة؛ لأنها إذا خُللت زال إسكارها.
стр. 509
وقال بعض أهل العلم: إنها إذا خللت، فالفعل حرام، ولكن تَطْهُرُ بذلك؛ لأن العلة في النجاسة أيش؟ الإسكار، والإسكار الآن قد زال، فتكون حلالًا.
وقال بعض العلماء: إن خللها من يحل له تخليلها كأهل الكتاب اليهود والنصارى حَلّت، وصارت طاهرة، وإن خللها من لا يحل له تخليلها فهي حرام ونجسة، وكأن هذا القول أقرب من القول الثاني، فهنا ثلاثة أقوال:
القول الأول: هو التخليل حرام من المسلم، التخليل من المسلم حرام للحديث الصحيح، لكن إذا خللها فهل تَطْهُر أو لا؟ المشهور من المذهب أنها لا تطهر؛ لأن زوال الإسكار كان بفعل شيء مُحرم فلم يترتب عليه أثره، بخلاف ما إذا تخلّلت بنفسها، ( ... ) تخللت بنفسها أيش حكمها؟
طلبة: تطهر.
الشيخ: تطهر، وتحل ولا ما تحل؟
طلبة: تحل.
الشيخ: تحل، بخلاف ما إذا خللت؛ لأن هذا التخليل حرام، وما ترتب على الحرام فإنه ليس بمباح، القول الثاني: أنها إذا خُللت، وزال الإسكار حلَّتْ مع تحريم أيش؟ مع تحريم الفعل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
والقول الثالث: إن خلّلها من تحل له حلَّتْ، وإن خلّلها من لا تحل له لم تحل ولا تَطهر، وهذا القول هو أقرب الأقوال، وعليه فيكون الخلّ الآتي من اليهود والنصارى يكون طاهرًا حلالًا، لأنهم هم فعلوا ذلك على وجهٍ يعتقدون أنه حلال، ولهذا هُم لا يُمنعون من شرب الخمر.
يقول: (إن خُللت، أو تَنَجَّسَ دُهن مائع)، دُهن ولا دِهن؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، إذن دُهن.
(أو تنجس دُهن مائع لم يطهر)، الدُّهن كما نعرف تارة يكون مائعًا وتارة يكون جامدًا، إذا كان جامدًا وتنجس، فإنها تُزال النجاسة وما حولها، واضح؟ لأن ما عداها لم يتنجس، فلو فُرض أن لدينا وَدَكًا، تعرفون الوَدَك؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: جامدًا، ودكًا جامدًا، سقطت عليه نُقطة بول، فالطريق إلى ذلك:
стр. 510
أولًا: نأخذ هذه النقطة بمِنديل أو شبهها، حتى لا تتسرب يمينًا ويسارًا، ثم نقور مكانها، نقور مكانها الذي سقطت عليه، ويكون الباقي ..
طالب: طاهرًا.
الشيخ: طاهرًا حلالًا، أما إذا كان مائعًا فيقول المؤلف: إنه لا يطهر، سواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة، وسواء كان الدُّهن قليلًا أو كثيرًا، عرفتم؟ فما هو المائع؟ المائع قيل: هو الذي إذا فتحتَ فمَه جَرى، ويش فم أيش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: فم القربة، اللي فيها الدُهن، أو إذا كان في غير قربة الآن إذا فكيته، إن تسرب فهذا ..
طالب: مائع.
الشيخ: مائع، وإن لم يتسرب فهذا جامد، وقيل: إن المائع هو الذي لا يَمنع سريانَ النجاسة، فإنه لا يطهُر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وسواء كانت النجاسة يسيرة، أو كثيرة، وسواء غيَّرَتْهُ أم لم تغيره، هذه ثلاثة عمومات، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، سواء كانت النجاسة قليلة أو كثيرة، سواء غيرت أم لم تُغَيِّر، إذا تنجس دُهن مائع، ما عاد يطهر أبدًا، فيه مثلًا إنسان عنده تَنكَة من الدهن، تنكة أو دَبَّة، تعرفون الدَبّة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: دَبَّة الدهن، ويش كبرها؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، الظاهر أنكم ما تعرفونها، الدَبّة كبيرة؛ يعني فتحة فمها كفتحة المنارة، نعم؛ يعني هي طولها يمكن مترين، مدورة، وعرضها يمكن متر؛ متر لمتر بالتدوير، يعني يطب فيها رجل ورجلان وثلاثة وتحملهم، هذه الدبة مملوءة من الدهن سقط فيها شعرة فأرة، وهي مائعة، ماذا يكون حالها؟
طلبة: تَنْجُس.
الشيخ: نعم، على كلام المؤلف تنجس، وكل ها الدهن هذا يروح، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب: أن الدهن المائع كالجامد، تُلقى النجاسة وما حولها، والباقي طاهر؛ لأن النبي ﷺ سُئِل عن فأرة وقعت في سمن، فقال ﵊: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ» (٢١). وأيضًا الدُهن هل تسري فيه النجاسة؟
طلبة: لا تسري.
стр. 511
الشيخ: ما تسري، لا، سواء مائع ولّا جامد، نعم كما تشاهدون؛ يعني الماء تَنْفذ فيه الأشياء، لكن الدُهن حتى وإن كان مائعًا ما تَنفذ فيه الأشياء، ولهذا الحديث جاء مطلقًا، أما التفصيل فيقول شيخ الإسلام: إنه ليس بصحيح، «إِنْ كَانَ جَامِدًا فَكُلُوا سَمْنَكُمْ وَمَا حَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» (٢٢)، يقول: هذا ضعيف، والصواب: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ»، وبِناء على ذلك نقول: إذا تنجس دُهن مائع؛ يعني وقعت فيه نجاسة، فإنها تُلقى وما حولها، والباقي طاهر، فإن قُدِّرَ أن النجاسة كثيرة وقوية والسمن قليل، وأثَّرت فيه، فهل يمكن تطهيره؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: نعم، يقول بعض العلماء: ما يمكن تطهيره؛ لأنه ما تنفذ فيه الأشياء، لو تجيب ماء تصبه عليه، يدخل فيه ولّا ما يدخل؟
طالب: ما يدخل.
الشيخ: الماء ما يدخل في الدهن؟
طلبة: لا، يدخل، يبقى معزولا.
الشيخ: يبقى معزولا ما يدخل فيه، فعلى هذا لا يمكن تطهيره، لكن قال بعض العلماء: يمكن تطهيره بأن يُغلى بماء حتى تَزول رائحته وطعمه، رائحة النجاسة وطعمها بعد إزالة عَين النجاسة، وهذا القول يَنبني بناء ظاهرًا على ما سبق أن صححناه، وهو أن النجاسةَ عين خبيثة متى زالت زال حكمها، نعم لكن المؤلف ماشي على المشهور من المذهب.
طالب: ما يفرق بين ( ... )؟
الشيخ: لا، لا يفرق، لا فرق بينهما.
قال: (وإن خَفِي موضع نجاسة غُسِلَ حتى يُجْزَمَ بزواله)، إذا خفي موضع النجاسة فلا يخلو إما أن يكون في أماكن واسعة، وإما أن يكون في أماكن ضيقة؛ يعني أن يكون موضع النجاسة ضيقًا أو واسعًا.
إن كان واسعًا، فإن الإنسان يتحرى ويغسل ما غلب على ظنه أن النجاسة أصابته، عرفتم، ليش؟ لأن غسل هذا المكان الواسع كله فيه صعوبة، فيتحرَّى أي مكان فيه النجاسة ويغسلها.
стр. 512
أما إذا كان في مكان ضيق فيجب أن يغسلها حتى يجزم بزوالها، مثال ذلك: إذا أصابت النجاسة أحد كُمَّيِ الثوب، أحد كميه، ولم تعلم أيَّ الكمين أصابته، فيجب أن تَغْسِل الكمين جميعًا؛ لأنك ما تجزم بزوالها إلا إذا غسلت الكُمين جميعًا، كذلك لو علمت أحد الكمين ثم نَسيت، يجب عليك أن تغسلهما جميعًا إن أمكن التحري، هل يجوز أن تتحرى؟ كلام المؤلف يدل على أنك لا تتحرى؛ لأنه لا بد من الجزم واليقين، لكن الصحيح أنه يجوز التحري؛ لأن النبي ﷺ قال في الشك في الصلاة: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، ثُمَّ لْيُتِمَّ عَلَيْهِ» (٢٣).
وعلى هذا فإذا كان هناك مجال للتحري، فأنت تتحرى أيَّ الكُمين أصابته النجاسة ثم تغسلها، مثلا قد يَغلب على ظنك أنه الأيمن؛ لأنك مررت مثلًا بمكان نجس عن يمينك، وأصابَك رَشَاش منه، لا تدري بأي الكمين، أيهما يغلب على ظنك؟
طلبة: الأيمن.
الشيخ: الأيمن، والعكس بالعكس، فالصواب: أنه إذا كان هناك إمكان للتحري فإنك تتحرى، أما إذا لم يكن هناك إمكان للتحري فإنك تغسل حتى تجزم بزوال النجاسة؛ لأن الأمور يمكن تكون أربعة:
أن تجزم بإصابة النجاسة للموضعين.
أن تجزم أنها أصابت أحدَهما بعينه.
هذا واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: والأول؟
طلبة: واضح.
الشيخ: واضح أيضًا، أن يغلب على ظنك أنها أصابت أحدهما.
أن يكون الاحتمال عندك سواءً.
في الموضع الثالث على المذهب يكون كالموضع الرابع؛ يعني يجب غسلهما جميعًا، والقول الثاني: أنك تتحرى، فما غلب على ظنك أنه أصابته تغسله، واضح الحكم؟
يجب غسلهما على المذهب إذا أصابتهما النجاسة جميعًا، هذا واحد، ثانيًا: إذا ترددتَ أيهما أصابته، ولّا لا، إذا ترددت وترجَّح عندك، كذلك يجب عليك أن تغسلهما جميعًا على المذهب، فتغسلهما جميعًا على المذهب في ثلاث حالات، أما إذا جزمت بأنها في أحدهما فالأمر ظاهر ..
***
يقول: (إن خفي موضع نجاسة غُسِل حتى يُجزم بزواله).
стр. 513
ثم قال المؤلف: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه)، شو باقي الشروط؟
(يطهر بول غلام)، (بول) يعني: لا غائط، (غلام) لا جارية، (لم يأكل الطعام) لا آكل طعام، يطهر بماذا؟ (بنضحه)، والنضح: أن تُتْبِعَهُ الماء بدون فرك ولا عصر، تصب الماء عليه حتى يشمله كله، ثبت ذلك عن الرسول ﵊ من حديث عائشة، وأمِّ قيس بنت محصن الأسدية أنه ﵊ أُتي بغلام صغير فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (٢٤)، ﵊، نضحه ولم يغسله، وعرفتم النضح الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أن تصب الماء، ما هو ترشه بحيث لا يشمل المكان، لا، لا بد أن يشمل المكان، لكن يمتاز عن غيره بماذا؟ بأنه لا يحتاج إلى مَرْس، ولا دَلك، ولا إعادة تكرار غسل ولا شيء، بمجرد ما يمر الماء عليه يكون طاهرًا، فإذا قال قائل: ما هو الحكمة؟
قلنا: الحكمة لأن السنة جاءت بذلك، وكفى بها حِكمةً، ولهذا لما سُئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (٢٥)، فالحكمة إذن أن السنة جاءت بذلك، هذه الحكمة، واضح ولّا لا؟
غائط هذا الصبي كغيره، لا بد فيه من الغسل، بول الجارية كغيره لا بد فيه من الغسل، بول الغلام الذي يأكل الطعام كغيره لا بد فيه من الغسل.
ذكرنا الآن أن الحكمة أن السنة جاءت بذلك، لكن مع هذا التَمس بعض العلماء حكمةً في ذلك، فقال: الحكمة في ذلك هو التيسير على المكلّف؛ لأن العادة أن الابن الذكر يُحمل كثيرًا، ويُفرح به، وبوله يخرج من ثَقب ضيق، فإذا بال ترشَّش، انتشر، فمع كثرة حمله ومع رشاشه يكون مشقة، فخُفف فيه، أيضًا قالوا: الغذاء لطيف، ولهذا إذا كان يأكل الطعام لا بد من غسل بوله، الغذاء لطيف، ما هو الغذاء؟
طلبة: اللبن.
стр. 514
الشيخ: اللبن، فغذاؤه لطيف، وقوته على تلطيف الغذاء أكبر من قوة المرأة.
طالب: الجارية؟
الشيخ: إي الجارية، فاجتمعت هذه الأسباب الثلاثة، فكان من حكمة الشارع أن جعل نجاسته أخف من نجاسة الأنثى، وبهذا تمت الأقسام الثلاثة في النجاسات؛ لأنا ذكرنا أنها مغلظة، ومخففة، ومتوسطة.
ما تقولون في قيء الغلام الصغير، يلحق بالبول؟
طلبة: يلحق ..
طلبة آخرون: لا يلحق ..
الشيخ: نعم، نقول: يلحق ببوله، بل من باب أولى؛ لأنه إذا سُومح في البول فالقيء من باب أولى، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيان القول في القيء، وأن بعض العلماء قال: إن القيء ليس بنجس أصلًا.
طالب: يا شيخ طيب الدلك، وأنه لا يطهر بالدلك، أمر الرسول ﷺ أن من رأى في نعليه شيئا فإنه يدلكهما (٢٦).
الشيخ: يدلكهما، هم ما يرون هذا، حتى في النعلين والخفين ما يرونه، ﵏.
طالب: الحديث؟
الشيخ: الحديث يضعفونه، ولكن الصحيح خلاف هذا.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، هو العلة لحم الخنزير فقط.
طالب: يا شيخ ..
الشيخ: ( ... ) وبالنجاسة هل تطهر؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: لا، سُقيت، ما هو بإصابة النجاسة، سقيت، لكن كيف تُسقى؟
طالب: تسقى عندما يُصنع، الحداد يضعه في النار، ثم يضعه في الماء.
الشيخ: يقولون: إن هذا سقيه، إذا حميت حتى صارت كجمرة، ودُست في الماء شربت الماء، لكن هذا يحتاج إلى تأمل، هل هو صحيح ولّا لا؟ فإن كان صحيحًا نَسقيها ماء طاهرًا وتطهر.
***
(كثير زال تغيره بنفسه فإنه يكون طهورًا)، مر علينا هذا، مع أنا ما عرفنا هذا الشيء ولا غسلناه ولا شيء، ( ... ).
هذه فائدة طبية، الحكمة كل الحكمة هو السنة، هذا هو الحكمة، ولهذا ذهب بعض العلماء إجماعًا –وأنا قلت لكم هذا الكلام أظن- إلى أن المسألة تعبدية.
(في غير مائع ومطعوم، عن يسير دم نجس) (يُعفى في غير مائع)، العفو معناه: التسامح والتيسير، يقول المؤلف: (يُعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير) إلى آخره.
стр. 515
قوله: (في غير مائع)، المائع هو: السائل كالماء واللبن والمرق والدُهن المائع وما أشبه ذلك، والمطعوم: ما يُطعم كالخبز والقرصان وما أشبهها، يُعفى في غير هذين النوعين عما يأتي، ويش بقي مما سواهما، الثياب والبدن والفُرُش والأرض، والكُتُب مثلًا، وغير ذلك كثير، المهم أخْرِجِ المائع والمطعوم، وما سوى ذلك فإنه يُعفى عما ذُكر بالنسبة إليه، أما المائع والمطعوم، فلا يعفى عن اليسير من هذه الأشياء إذا وقع فيه، وسيأتي إشارة في التمثيل.
يقول: (عن يسير دم نجس)، كلمة يسير ضدها الكثير، فما هو الميزان لليسير والكثير؟ هل الميزان نفسُ كل إنسان بحسبه، فإذا رأى الإنسان أن هذا الشيء يسير فهو يسير، وإذا رأى أنه كثير فهو كثير، ويَستفتي كل إنسان قلبَه، أو أن العبرة بما جرى به العرف، وأن ما رآه الناس كثيرًا فهو كثير، وما رأوه يسيرًا فهو يسير؟
في هذه المسألة قولان للعلماء، ولكن الراجح أن المعتبر عُرْف الناس، ما عدَّه الناس كثيرًا فهو كثير، وما عدوه يسيرًا فهو يسير؛ لأننا لو رجعنا إلى كل إنسان بحسَبه لم ينضبط الحكم، إذ إن الموسْوس يكون اليسير في عينه كثيرًا، والمتهاون يكون الكثير في عينه يسيرًا، ولا يمكن الضبط.
لو قلنا بهذا القول لكان رجلان يصلّيان، في ثوب كل واحد منهما دم متساوٍ مع الآخر، فنقول لأَحدهما: بطلت صلاتك، ونقول للثاني: لم تبطل، ليش؟ لأن الثاني يرى أنه يسير، والأول يرى أنه كثير، وهذا غير مُناسب بالنسبة للشريعة العادلة، فاليسير إذن والكثير يُرْجَع فيهما إلى؟
طالب: عرف الناس.
الشيخ: إلى العرف، فما عدَّه الناس كثيرًا فهو كثير، طيب مثل أيش؟ مثل نقطة، نقطتين، ثلاث نقط، وما أشبه هذه كلها يسيرة.
قال المؤلف: (دم نجس)، أفادنا المؤلف في قوله: (دم نجس) أن هناك دمًا ليس بنجس، وهو كذلك، فإن الدماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
نجس لا يُعفى عن شيء منه، ونجس يعفى عن يسيره، ودم طاهر، فما هو الدم الطاهر؟
стр. 516
نبدأ به، الدم الطاهر دمُ السمك، دم السمك دم طاهر، لماذا؟ لأن ميتته طاهرة، وأصل تحريم الميتة من أجل احتقان الدم فيها، ولهذا إذا أُنْهِرَتْ بالذبح صارت حلالًا، لما كانت ميتة السمك طاهرة، علمنا أن دمه الذي هو سبب نجاسة الميتة طاهر، فدم السمك طاهر، فلو أن إنسانًا أمسك سمكة كبيرة، وتلطخ بدم كثير منها فالدم ..
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، هذا واحد، كذلك الدم الذي لا يسيل؛ يعني الدم اليسير الذي لا يسيل، كدم البعوض والبق والذباب وما أشبهها، هذا أيضًا دم لكنه طاهر، وربما يُستدل لذلك بأن ميتته طاهرة، فإن ميتة هذا النوع من الحيوان والحشرات طاهرة، بدليل أن الرسول ﵊ قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» (٢٧)، يلزم من غمسه الموت إذا كان الشراب حارًّا، أو كان دُهنًا، يموت على طول، لو كانت ميتته نجسة لتنجس الماء، لذلك لا سيما إذا كان الإناء صغيرًا، ولم يحل شربه، وعلى هذا فنقول: دم البق والبعوض والذُباب وما أشبهها مما لا يسيل دمه طاهر، فلو تلوث الثوب به فهو؟
طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر، لا يجب غسله؛ لأنه دم طاهر.
ثالثًا: الدم الذي يبقى في المُذكَّاةِ بعد تذكيتها، كالدم الذي يكون في العروق بعد الذبح، وفي القلب، ودم الكَبد والطِّحال، وما أشبهها، هذا أيضًا دم طاهر، لا يؤثِّر، سواء كان كثيرًا أم قليلًا.
стр. 517
الرابع: قالوا: دم الشهيد عليه، دم الشهيد على الشهيد طاهر، ولهذا لم يَأمر النبي ﵊ بغسل الشهداء من دمائهم، بل قال: «ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» (٢٨)، فهو إذن طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا لأمر النبي ﷺ بغسله، لكن هذا الأخير فيه نقاش، وهو أن يقال: هل دمُ الشهيد طاهر لأنه دم شهيد، ويأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك؟ أو أنه طاهر لأنه دمُ آدمي؟
أكثر العلماء على الأول؛ أنه طاهر لأنه دَم شهيد، ويقولون: إن دم الآدمي نجس، ولكنه من الدِماء التي يُعفى عن يسيرها، وهذه المسألة فيها نقاش، ولو قال قائل: إن دم الآدمي طاهر ما لم يخْرج من السبيلين لكان قولًا قويًّا، الدليل ما هو؟ الدليل عدم الدليل؛ لأننا نقول: إن الأصل في الأشياء؟
طالب: الطهارة.
الشيخ: الطهارة، حتى يقوم دليل على النجاسة، ولم نعلم أن النبي ﷺ أمر بغسل الدم إلا دمَ الحيض (٢٩)، وسيأتي إن شاء الله ذكره، وإذا كنا لا نعلم أن الرسول ﵊ أمر بِغَسل الدم مع كثرة الدماء التي تصيب الإنسان من رُعاف وجرح وحجامة وغير ذلك، فالحَاجة داعية إلى بيان حُكمه لو كان إيش؟
طلبة: نجسًا.
الشيخ: لو كان نجسًا، فلما لم يرد قلنا: الأصل الطهارة، ولنا أن نقول: لدينا نص وقياس، على طهارته، أي طهارة الدم، أما النص فإن المسلمين ما زالوا يُصَلّون في؟
طالب: جراحاتهم.
стр. 518
الشيخ: جراحاتهم في القتال، وتعلمون أن الجرح في القتال قد يسيل منه الدم الكثير الذي ليس محلًّا للعفو، ولم يرد عن النبي ﵊ أنه أمرهم بغسله، أو أنهم كانوا يتحرّزون منه تحرُّزًا شديدًا بحيث يحاولون التخلي عنه إذا وجدوا غيره، لا يقول قائل: الصحابة ﵃ كان أكثرهم فقيرًا، وقد لا يكون لواحد منهم من الثياب إلا ما كان عليه، لا سيما أنهم في حروبهم يَخرجون عن بلادهم، فيكون بقاءُ الثياب عليهم لأيش؟
طلبة: للضرورة.
الشيخ: للضرورة؛ لأننا نقول: لو كان كذلك لعلمنا منهم المبادرة إلى غسله متى وجدوا إلى ذلك سبيلًا للوصول إلى الماء، أو إلى البلد أو ما أشبه ذلك، أما القياس فإننا نقول: أجزاء الآدمي طاهرة أو نجسة؟
طلبة: طاهرة.
الشيخ: يعني لو قطعت يد، فاليد طاهرة، مع أنها تحمل دمًا أو لا تحمل؟
طلبة: تحمل.
الشيخ: تحمل دمًا، وربما تحمل دمًا كثيرًا، فإذا كان الجزء والعضو من الآدمي الذي يُعتبر رُكنا أساسيًّا في بنية البدن، إذا كان طاهرًا فما بالك بالدم الذي يخلفه غيره لو فقده الإنسان، هذا الدليل، فإذا كان هذا العضو طاهرًا مع أنه منفصل من آدمي، وركن أساسيٌ من بنيته، فالذي ينفصل منه وليس بركن أساسي من باب أولى، هذا قياس.
قياس آخر أن نقول: إن الآدمي ميتته طاهرة، والسمك ميتته طاهرة، وقُلتم: إن دم السمك طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، فلنَقل: إن دم الآدمي طاهر؛ لأن ميتته طاهرة، عرفتم؟ فإن قال قائل: هذا القياس يُقَابَل بقياس آخر، يَدل على النجاسة، وهي أن الخارج من الإنسان من بول وغائط نجس، فليكن الدمُ نجسًا، فالجواب أن يقال: هناك فرق بين البول والغائط؛ لأن البول والغائط نجس خبيث، ذو رائحة مُنتنة، تنفر منه الطباع، وأنتم لا تقولون بقياس الدم عليه؛ لأنكم تعفون عن اليسير من الدم، ولا تعفون عن اليسير من البول والغائط، فلا يمكن إلحاق هذا بهذا، فإن قلت: أفلا يقاس على دم الحيض، والحيض دمه؟
стр. 519
طلبة: نجس.
الشيخ: دم الحيض نجس، بدليل أن الرسول ﵊ أمر المرأة أن تَحُتَّهُ، ثم تقرصه، ثم تنضحه في الماء أو تغسله، ثم تصلي فيه (٣٠)، فالجواب أن بين الدم هذا ودم الحيض فرق، فرَّق بينهما الرسول ﵊، فقال: إن دم الحيض طبيعة للنساء وجِبِلَّة، وذلك حين دخل على عائشة ﵂ حين حاضت فوجدها تبكي وهي مُحرِمة في حجة الوداع، فقال: «مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ »، قالت: نعم. قال: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (٣١).
فبيَّن أن هذا طبيعة جبلة مكتوبة كتابة قدرية كونية، وقال في الاستحاضة: «إِنَّ هَذَا دَمُ عِرْقٍ» (٣٢)، ففرَّق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، بأن الاستحاضة دمها دم عرق، ولا يكون حكمها حُكم الحيض، ثم إن الحيض دمه غَليظ منتن، له رائحة مستكْرهة، فيشبه البول والغائط، وحينئذ لا يَصح قياس الدم الخارج من غير السبيلين على الدم الخارج من السبيلين، وهو دم الحيض، وكذلك النفاس والاستحاضة.
فالذي يقول بطهارة دم الآدمي قوله قوي جدًّا، لدلالة النص والقياس على هذا القول، لكن المذهب -وهو قول الكثير من أهل العلم- أن الدم نجس -دم الآدمي- ولكن يُعفى عن يسيره.
طيب الذين يقولون بالنجاسة مع العفو عن اليسير حكَموا بحُكمين، هما النجاسة، والعفو عن اليسير، وكلٌّ من هذين الحكمين يحتاج إلى دليل، فنقول: أثبتوا أولًا أن الدم نجس، فإذا أَثبتوا أن الدم نجس نقول: أثْتبِوا أنه يعفى عن يسيره؛ لأن الأصل أن النجس ..
طلبة: لا يعفى عنه.
الشيخ: لا يعفى عنه، كله نجس يجب التخلص منه، لكن القائل بأنه طاهر لا يحتاج إلاَّ إلى دليل واحد فقط، وهو إقامة الدَليل على طهارته، وقد علمتم الدليل.
طيب يقول ..
طالب: القياس الأول ما واضح.
стр. 520
الشيخ: كيف! القياس الأول أن نقول: هذا الدم انفصل من الجسم، والعضو إذا قُطعت اليد مثلًا أو الرِجل فهي طاهرة، وهي أيضًا جزء منفصل عن البدن، فإذا جعلتم اليد طاهرة فاجعلوا الدم طاهرًا؛ لأن الكل انفصل من هذا الجسم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أبدًا، ما وجدت أدلة، ومن وجد أدلة فليُسْعِفنا بها.
طالب: غسل فاطمة.
الشيخ: هذا ما هو دليل، استدلال وليس بدليل، مع أنهم ما استدلوا به، لكن قد استدلوا به في جواب لبعضِ الإخوان عن النجاسة وأجبتُ عنه، فإن فاطمة ﵂ كانت تغسل الدم عن وجه الرسول ﵊ في غزوة أحد (٣٣)، ولكن هذا لا يدل على النجاسة.
أولًا: لأنه مجرد فعل، والفعل المُجرد لا يدل على الوجوب، وعلى هذا فلا يدل على وجوب التنزه منه.
ثانيًا: أن هذا قد يكون خاصًّا من أجل النظافة، وإزالة الدم عن الوجه؛ لأن الإنسان لا يرضى أن يكون في وجهه دم حتى لو كان يعفى عنه ولو كان يسيرًا، وهذا الاحتمال يُبطل الاستدلال.
طالب: الصحابي اللي كان يصلي في غزوة وأصابه سهم ما يستدل بهذا، إنه في زمن الرسول، ولم يقل له الرسول صلى الله علي وسلم شيئًا من هذا الاستدلال، فيعتبر إقرارًا من الرسول ﷺ .
الشيخ: ما هو إحنا استدللنا به، صلاة الصحابة في جراحاتهم هي هذه، هذا منها، هذا فرد منها.
قال: (من حيوان طاهر).
طالب: ( ... ).
الشيخ: أحسنت، النوع الثالث من الدماء: نجس لا يعفى عن يسيره.
طلبة: النوع الثاني.
الشيخ: الثالث، الطاهر ذكرناه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الطاهر ..
стр. 521
نَجِسٍ من حيوانٍ طاهرٍ، وعن أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه، ولا يَنْجُسُ الآدميُّ بالموتِ، وما لا نَفْسَ له سائلةٌ مُتَوَلِّدٌ من طاهرٍ، وبولُ ما يُؤْكَلُ لحمُه ورَوْثُه ومَنِيُّهُ، ومَنِيُّ الآدميِّ، ورُطوبةُ فَرْجِ المرأةِ، وسُؤْرُ الْهِرَّةِ وما دونَها في الْخِلْقَةِ طاهرٌ، وسباعُ البهائمِ والطيرُ والحمارُ الأهليُّ، والبَغْلُ منه نَجِسَةٌ.
(باب الحيض)
لا حَيْضَ قبلَ تِسعِ سِنينَ، ولا بعدَ خَمسينَ، ولا مع حَمْلٍ،
الدم النجس من الحيوان الطاهر، الحيوان الطاهر نذكره الآن إن شاء الله.
نكمل الثالث الدم النجس: كل دم خرج من حيوان نجس أو خرج من السبيلين من الآدمي، هذا القسم الثالث من الدماء نجس لا يعفى عن يسيره؛ لو أصاب الإنسان منه كجب الإبرة لزمه أن يغسله.
نشوف المؤلف يقول: (نجس من حيوان طاهر) أفاد المؤلف أيضًا: أن الحيوانات قسمان؛ طاهر، ونجس، وهو كذلك، فنقول: كلُّ حيوان حلال فهو طاهر، مثل؟
طلبة: بهيمة الأنعام.
الشيخ: بهيمة الأنعام والخيل والدجاج والظِّباء والأرانب، وغيرها، كلُّ حيوان حلال فهو طاهر، لكن طاهر متى؟ في الحياة.
كلُّ حيوان ليس له دم سائل فهو طاهر أيضًا في الحياة وبعد الموت، لكن سبق لنا أن الدَّمَ من هذا الجنس طاهر، فلا يَرِدُ علينا.
الحيوان النَّجس؛ كل حيوان محرَّم الأكل -انتبه له- فهو نجس، إلا على المذهب الهِرَّة فما دونها، تعرف الهرة، ما هي؟
طالب: البسة.
الشيخ: إلا الهرة فما دونها، الهرة فما دونها هذه حيوان حرام، ولكنها جاءت السنة بطهارتها، كما في حديث أبي قتادة أنَّه قُدِّمَ إليه ماء يتوضَّأ به، فإذا بِهرَّة فأصغى لها الإناء حتى شربت، ثم قال: إن النبي ﷺ قال في الهِرَّة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» (١).
стр. 522
لاحظ التعليل اللي قاله الرسول ﷺ والحكم الذي قلته؛ الذي قلت: الهرة ويش بعد؟ فما دونها في الخلقة، هذا كلام الفقهاء ﵏، سواء كان ما دونها من الطوَّافين أم من غير الطَّوَّافين، حتى لو كان لا يوجد في البيوت أبدًا وهو من الهرة فأقل فإنه يكون طاهرًا.
لكن ظاهر الحديث خلاف ذلك؛ ظاهره أنها صارت طاهرة لمشقة التحرز منها؛ شوف لمشقة التحرز منها، ليش؟ لأنها من الطوَّافين علينا؛ اللي يكثر تردُّدها علينا، فلو كانت نجسة لشقَّ ذلك علينا وصار من باب تكليف ما لا يُطاق.
وبناء على ذلك نقول: إن مناط الحكم ما هو؟
طلبة: من الطوافين علينا.
الشيخ: التَّطْوَافُ، هذا مناط الحكم الذي يحصُل به المشقَّة بالتَّحرُّز منها.
انتبه، البغل والحمار على المذهب نجس ولَّا طاهر؟
طلبة: نجس.
الشيخ: نجس؛ لأنه مُحرَّم الأكل، وعلى القول الذي يدل عليه الحديث -وهو أن العلة التطواف- يكون طاهرًا؛ لمشقة التحرز منه.
إذن قول المؤلف: (من حيوان طاهر) خرج به ما هو؟ الحيوان النجس، فما الحيوان النجس؟ كل حيوان محرم الأكل إلا؟
طلبة: إلا الهرة فما دونها.
الشيخ: إلا الهرة فما دونها.
طالب: على المذهب؟
الشيخ: على المذهب، نعم، أو إلا ما شق التحرز منه، على القول الثاني الراجح.
بقي علينا أنه قد يَرِد على هذه القاعدة: كل حيوان محرم الأكل يرد عليها الآدمي؛ الآدمي حيوان محرم الأكل وأكبر من الهرة، هل هو نجس؟
طلبة: ليس بنجس.
الشيخ: ليس بنجس.
الدليل حديث أبي هريرة قال: كنت مع النبي ﷺ في بعض أسواق المدينة وكان عليه جنابة، قال: فانخنثت فذهبت فاغتسلت، ثم رجعت، فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ » قال: كنت جُنبًا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال النبي ﷺ : «سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (٢).
стр. 523
وإذن فنقول: يستثنى من قولنا: (كل حيوان محرم الأكل) يستثنى منه الإنسان.
طالب: ما الدليل على أن الإنسان لا يؤكل؟
الشيخ: هذا إذا قلنا بأن الإنسان حيوان، أما إذا لم نقل بذلك.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، فإنه لا حاجة للاستثناء؛ لأن نقول: كل حيوان محرم الأكل فهو نجس ما عدا الهرة فما دونها، على المذهب، أو ما عدا ما يشق التحرز منه، كالهرة والفأرة والخيل والحمير.
طلبة: الخيل حلال.
الشيخ: الخيل حلال، إذن ما دخلت من الأصل نقول: البغال والحمير، صح.
طالب: نعطيه دليلًا على طهارة الكافر حسيًّا لا معنويًّا.
الشيخ: الكافر حسيًّا الصحيح أنه طاهر.
طالب: شيخ، ذكرت الفأرة أنها طاهرة، أليست إذا سقطت في السمن ( ... )؟
الشيخ: هذه ماتت، سقطت في سمن فماتت (٣)، هذا لفظ الحديث، الميتة سيأتينا -إن شاء الله- ذكر الميتات: أن جميع الميتات نجسة إلا السمك والجراد وما لا نفس له سائلة والآدمي، مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام: أن جميع النجاسات كل النجاسات يعفى عن يسيرها، وحينئذٍ يسهل الأمر.
هل يمكن أحد أن يجيب عنه، ( ... )؟
وأيضًا إلا أن يكون ميتة يقينًا أن الآدمي ما دخل في هذا؛ لأن الآدمي وهو حي لو ذُكِّي يؤكل؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يؤكل، إي نعم.
المهم أنه ليس هناك دليل يوجب أن يتنزه الإنسان من الدم، وأن الدم نجس، لكن من تنزه منه على سبيل الاحتياط مراعاة لقول أكثر العلماء فهو أولى؛ لأن كون الإنسان يؤدي صلاته وهو مطمئن من صحتها خير من كونه يؤديها وهو في شك من ذلك.
الحيوان الطاهر كم قلنا من نوع؟
طلبة: أربعة أنواع.
الشيخ: الآدمي.
طلبة: السمك.
الشيخ: السمك، وقلنا: الأحسن ما نستثنيه؛ لأن دم السمك طاهر.
طالب: الهرة وما دونها.
الشيخ: الهرة وما دونها.
طالب: الحيوان الذي يباح ..
الشيخ: الحيوان الذي يباح بالذكاة، إذن ثلاثة هذه هي الحيوانات الطاهرة في الحياة، وسيأتي الخلاف أيضًا في بعض الأشياء في كلام المؤلف.
стр. 524
قال: (وعَنْ أَثَرِ استجمارٍ بِمَحَلِّه) يعني: ويُعفى عن أثر استجمار بمحلِّه، والمراد بالاستجمار هنا الاستجمار الشَّرعي الذي تَمَّت فيه الشروط، وقد سبق ذلك في باب الاستنجاء.
فإذا استجمر الإنسان استجمارًا شرعيًّا بثلاثة أحجار منقية فأكثر في غير محترم أو نجس وتَمَّت الشروط، فإن الأثر الباقي بعد هذا الاستجمار يُعْفَى عنه، وهل يبقى أثر؟ نعم؛ لأن المحل لا يتطهر بالكلية إلا بالماء، فالأحجار والمناديل وشبهها ما تطهر المحل تمام التطهير كما يطهره الماء، وهذا ظاهر.
هذا الأثر الذي يبقى بعد الاستجمار الشرعي يقول المؤلف: إنه يعفى عنه، ولكن يعفى عنه في محله، فنقول للمستجمِر: صلِّ ولا عليك، صلاتك صحيحة، فإذا قال: أنا لم أُزِل النجاسة، قلنا: إنه يعفى عن هذا في محله، ما هو الدليل أنه يعفى عنه؟
الدَّليل لذلك: أنه ثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على الاستجمار في التَّنَزُّه من البول والغائط (٤)، كما مر علينا في الاستنجاء.
وعلى هذا، فإذا صلَّى الإنسان وهو مستجمِر لكنه قد توضَّأ فصلاته صحيحة، ولا يُقال: إن فيه أثر نجاسة؛ لأن هذا الأثر أيش؟
طلبة: معفوٌّ عنه.
الشيخ: معفوٌّ عنه.
ولو صلَّى حاملًا مستجمِرًا استجمارًا شرعيًّا لعُفِيَ عنه أيضًا؛ لأن هذه النجاسة معفو عنها في محلها.
وعُلِم من قول المؤلف: (في محلِّه) أنه لو تجاوز محلَّه لم يُعْفَ عنه، كيف يتجاوز؟ لو أن إنسانًا عَرِقَ، ثم سال العَرَق وتجاوز المحلَّ؛ صار على سراويله أو على ثوبه، أو سال على صفحتي الدُّبر، فإِنه لا يُعْفَى عنه حينئذ، لماذا؟ لأنه تعدَّى محلَّه.
وعُلِمَ من كلامه ﵀: أنَّ الاستجمار لا يُطَهِّر وأنه نجس، لكن يُعْفَى عن أثره في محلِّه.
ولكن الصَّحيح في هذه المسالة: أن الاستجمار إذا تَمَّتْ شروطه فهو مطَهِّر؛ لقول النبي ﵊ في العظم والرَّوثة: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» (٥)، وإسناده جيد.
стр. 525
فقوله: «إِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ» يدلُّ على أن الاستجمار مطهِّر، على أن ما عداهما مما يباح به الاستجمار يُطهِّر، وهذا هو الصحيح.
وبناءً على هذا القول الرَّاجح، لو تعدَّى إلى غير محله؛ فعَرِقَ الإنسان على سراويله أو خرج منه مَنِيٌّ فإنه لا يكون نجسًا؛ لأنَّ الاستجمار مطهِّر، لكنَّه عُفي عن استعمال الماء للمشقة والتيسير على الأمة.
هذان اثنان مما يُعْفَى عنه؛ يسير الدَّم النَّجس من حيوان طاهر، والثاني: أثر الاستجمار بمحلِّه.
وظاهر كلامه: أنه لا يُعفَى عن يسير شيء مما سواهما، فالقَيء مثلًا لا يُعْفَى عن يسيره، والبول لا يعفى عن يسيره، والرَّوث لا يعفى عن يسيره، وهكذا كل النجاسات لا يعفى عن يسيرها.
ولكن العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال، بل على أكثر من ثلاثة؛ لأن بعضهم لا يرى العفو عن اليسير مطلقًا ويقول: النجس نجس يسيره وكثيره ولا يعفى عنه.
وبعضهم على العكس يقول: يعفى عن يسير سائر النجاسات، وهذا مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيميَّة ﵀، ولا سيما ما يُبتلَى النَّاس به كثيرًا، كبعر الفأر وروثه، وما أشبه ذلك مما يبتلى به الناس، فإن المشقَّة في مراعاته والتطهُّر منه حاصلة، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وكذلك أصحاب الحيوانات التي يمارسونها كثيرًا، كأهل الحمير مثلًا هؤلاء يشقُّ عليهم أن يتحرزوا من كُلِّ شيء.
فالصَّحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأبو حنيفة في أن الشيء اليسير يعفى عنه؛ لأنَّنا إذا حكمنا بأن هذه نجسة؛ فإمَّا أن نقول بأنَّه لا يُعفَى عن يسيرها، كما قاله بعض العلماء، كالبول والغائط، وإما أن نقول بالعَفْو عن يسير جميع النَّجاسات، ومن فرَّق فعليه الدَّليل.
قد يقول قائل: إن الدَّليل على ذلك أن الصَّحابة ﵃ كانوا يُصلُّون في ثيابهم وهي ملوَّثة بالدَّم من جراحاتهم.
стр. 526
فنقول: إن هذا دليل على ما هو أعظم من ذلك؛ وهو طهارة الدَّم إلا بدليل.
المهم أن المؤلف لم يذكر مما يعفى عن يسيره إلا شيئين؛ وهما الدم النجس من حيوان طاهر، والثاني: أثر الاستجمار بمحله، أقول: ذكر بعض العلماء العفو عن يسير كل نجس يشق التَّحرُّز منه، وهذا مذهب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية.
ومن ذلك: يسير سَلَس البول لمن ابتُلي به، نسأل الله لنا ولكم السلامة؛ لأنه يشق التحرز منه، فيعفى عن يسيره إذا كان الانسان متحفظًّا تحفظًا كثيرًا بقدر استطاعته، فاليسير منه لا يضر.
قال: (ولا يَنجُسُ الآدمِيُّ بالمَوْتِ) الآدمي لا ينجس بالموت، وقوله: (الآدمِيُّ) أي: مَنْ كان من بني آدم؛ من مؤمن وكافر، وذكر وأنثى، وصغير وكبير، لا يَنْجُسُ بالموت.
الدليل: عموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، هذا واحد.
دليل آخر: أن النبي ﷺ قال في الذي وَقَصَتْه ناقته يوم عرفة قال: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (٦).
وقال في اللاتي يغسلن ابنته: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ» (٧).
وهذا يدلُّ على أن بَدَنَ الميت ليس بِنَجِس؛ لأنَّه لو كان نجسًا لم يُفِد الغسل به شيئًا، لو أنك غسلت الكلب آلاف المرات ما صار طاهرًا، ولولا أن الغسل يؤثِّر فيه الطَّهارة لكان أمر النبي ﷺ به عبثًا لا فائدة منه، وعلى هذا فيكون الآدمي لا ينجس بالموت.
فإن قلت: هذا ظاهر في المؤمن أنَّه لا يَنْجُس، لكن بالنسبة للمشرك الكافر كيف تقول: لا يَنْجُس، والحديث: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ»، وقال الله في القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]؟
стр. 527
فالجواب: أن نقول: إن المراد بالنجاسة هنا النَّجاسة المعنويَّة، ودليل ذلك: أن الله أباح لنا طعام الذين أوتوا الكتاب مع أن أيديهم تلامسه، وأباح لنا أن نتزوَّج نساء أهل الكتاب، والإنسان يلامس زوجته ولم يأمرنا بالتطهر منها، فدل ذلك على أن النجاسة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ النجاسة المعنوية لا النجاسة الحسية، وعليه فالآدمي لا ينجس بالموت.
وذهب بعض العلماء إلى أن الآدمي الكافر يَنجُس بموته، واستدل بمنطوق الآية الكريمة ومفهوم حديث أبي هريرة، وأن هذا الكافر لا يغسَّل، فالعلة فيه أنه نَجِس العين، وما كان نَجِس العين لا يفيد فيه التَّغسيل.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، والقول الأول أصح.
قال: (وما لا نَفْسَ له سائلة متَولِّد مِنْ طاهر) (وما) أي: والذي، (لا نَفْسَ له سائلة) (نفس) قالوا: بمعنى دم، (سائلة) يعني: يسيل إذا جرح أو قتل.
وقوله: (متولِّد) الصواب من حيث الإعراب أن يقول: متولدًا؛ يعني حال؛ ولهذا في الشرح قدَّر المبتدأ فقال: وهو متولِّد، ولَّا كان الواجب أن تُنْصَب.
المهم اشترط المؤلف شرطين: ألَّا يكون له نَفْس سائلة، وأن يكون متولِّدًا من طاهر، فهذا لا يَنْجُس بالموت، وفي الحياة أيضًا لا يَنْجُس من باب أَوْلَى.
مثال ذلك: الصَّراصر، تعرفون الصراصر؟
طلبة: الصواريد.
الشيخ: الصواريد، ما يخفى، معروفة.
طالب: ما هو؟
الشيخ: هذا اللي يكون في الحمامات هذا.
طالب: البحرينيون يقولون له: زهيوي.
الشيخ: زهيوي، الجعل، الخنفساء، العقرب، إلى أشياء كثيرة من هذا.
الوزغ له نفس سائلة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، قال الإمام أحمد: إن له نفسًا سائلة، وعلى هذا، فإذا مات يكون نجسًا.
الفأرة؟
طلبة: لها نفس.
الشيخ: لها نفس سائلة، إذا ماتت؟
طلبة: فهي نجسة.
الشيخ: فهي نجسة.
стр. 528
قال المؤلف: (متولِّد من طَاهرٍ) فإن تولَّد من نَجِسٍ فهو نَجِسٌ، وهذا مبنيٌّ على أنَّ النَّجس لا يطهُر بالاستحالة.
أمَّا على قول من قال: إن النَّجس يطهر بالاستحالة فلا يشترط أن يكون متولِّدًا من طاهر.
صراصر الكُنُفِ نجسة ولَّا طاهرة؟
طلبة: نجسة.
الشيخ: نجسة؛ لأنها متولِّدة من نجس.
طالب: ويش الصراصر؟
الشيخ: الصراصر: الصوارير.
طالب: الكنف؟
الشيخ: الكنف هذه محل التخلي، بس يمكن الظاهر أنكم صغيرين عنه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: موجود بالحج.
طالب: ( ... ).
الشيخ: صح، على كل حال الشيء المتولد من نجس يكون نجسًا، بناء على أن النجاسة لا تَطهُر بالاستحالة، وإذا قلنا بأنها تطهر فإن هذا المتولد من نجس طاهر، إي نعم.
لو أننا وجدنا خنفساء سقطت في ماء وماتت فيه، ثم أخرجناها منه، هل ينجس؟
طلبة: لا ينجس.
الشيخ: ليش؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما فيه تفصيل.
الطالب: لأنه قليل ( ... ).
الشيخ: أبدًا، هو قليل؛ ماء للشرب؛ يعني: واحد حاط للوضوء نحو مُدٍّ يتوضأ به، فوجد في الصباح أن فيه خنفساء ميتة.
طالب: لا نفس لها سائلة.
الشيخ: نعم، نقول: هذه طاهرة؛ لأنها ليس لها نفس سائلة.
هل هناك شيء آخر لا ينجس بالموت سوى هذه؟ نعم، لا ينجس بالموت أيضًا السمك؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]، الجراد يدخل في قوله: (وما لا نَفْسَ له سائِلَةٌ) وحينئذٍ لا يحتاج إلى استثناء.
فالذي لا ينجس بالموت إذن: الآدمي، الحوت، ما لا نفس له سائلة بشرط -على المذهب- أن يتولد من طاهر، هذه ثلاث ميتات لا تنجس بالموت. البعير ينجس بالموت؟
طلبة: لا ينجس.
الشيخ: البعير، سبحان الله! ينجس -يا إخواني- بالموت، ينجس -بارك الله فيكم- بالموت، ما هو مذَكًّى، المهم على كل حال، البعير ينجس بالموت.
الهرة فما دونها؟
طلبة: تنجس.
الشيخ: تنجس بالموت؛ لأن لها نفسًا سائلة، لها دم يسيل. البق؟
طلبة: لا ينجس.
стр. 529
الشيخ: لا ينجس، البعوض لا ينجس؛ لأنه ليس له نفس سائلة.
طالب: يا شيخ، ويش البق؟
الشيخ: هي صغار البعوض.
***
ثم قال المؤلف: (وبولُ ما يُؤكَل لَحْمُه وَرَوثُه ومنيه ومني الآدمي ورطوبة فرج المرأة وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر).
هذه عدة مسائل أخبر المؤلف عنها بخبر واحد:
أولًا: (بول ما يؤكل لحمه) كالإبل والبقر والغنم والظباء والأرانب والدجاج، وغيرها، بولها؟
طلبة: طاهر.
الشيخ: طاهر، لكن التمثيل بالدجاج يمكن قد يكون فيه نظر.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لأنه ليس لها بول فيما يظهر. (رَوثُه) أيضًا؟
طالب: طاهر.
الشيخ: طاهر.
فإن قلت: ما هو الدليل على طهارته؟
فالجواب: الدَّليل البراءة الأصلية؛ يعني: عدم الدليل؛ لأن من ادعى أنه نجس فليأت بالدليل، وإلا فالأصل الطهارة.
ثم نقول: هناك دليل، وهو أن النبي ﷺ أمر العُرنيين أن يلحقوا بالإبل؛ إبل الصَّدقة، فيشربوا من أبوالها وألبانها (٨)، ولم يأمرهم بغسل الأواني منها، ولو كانت نجسة ما أذن لهم بالشرب، ولأمرهم بغسل الإناء منها.
دليل ثالث: وهو أن النبي ﷺ أَذِنَ بالصَّلاة في مرابِضِ الغنم (٩)، ومرابض الغنم لا تخلو من البول والرَّوث. وعليه، فيكون في ذلك دليل على طهارتها.
فإن قلت: ما الجواب عما ورد في حديث ابن عباس ﵄ في قصَّة صاحبي القبرين، قال: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» (١٠)، والبول عام، سواء جعلنا (أل) للجنس أو للاستغراق، هذا واحد، فإنه يدُّل .. ويش يدل عليه؟
طلبة: على نجاسة البول.
الشيخ: على نجاسة البول.
ثانيًا: ما جوابك عن نهي النبيِّ ﷺ عن الصَّلاة في مَعاطِنِ الإِبل، فإن هذا يدلُّ على نجاستها أيضًا، وإلا لما نهى عنه؟
стр. 530
فالجواب عن الأول: أن قوله ﷺ : «لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ» أي: بول نفسه، (فأل) للعهد الذِّهني، والدَّليل على ذلك أنَّ في بعض ألفاظ الحديث عند البخاري: «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ» (١١)، «مِنْ بَوْلِهِ» وهذا نَصٌّ صريح، فيحمل الأوَّل عليه، وتكون (أل) للعهد الذهني؛ لأن العادة أن الإنسان يتنزه من بوله كلما بال.
وأما الجواب عن الحديث الثاني النَّهي عن الصَّلاة في مبارك الإبل أو أعطان الإبل، فيقابل بالإذن بالصلاة في مبارك الغنم، فيقال: إن العلَّة ليست هي النَّجاسة، ولو كانت العلَّة النَّجاسة لم يكن فرق بين الإبل والغنم، لكن العلَّة شيء آخر، ما هي العلة؟
قيل: إن الحكم هذا تعبُّدي؛ أي: غير معقول العلَّة، وقيل: إن العلة أنه يُخشَى إن صلَّى في مباركها أن تَأْوي إلى هذه المبارك وهو يصلِّي، فَتُشوِّش عليه صلاته؛ لأنها كبيرة الجسم، بخلاف الغنم؛ الغنم إذا جاءت ووجدت واحدًا يصلي يمكن تروح عنه تتركه، لكن الإبل ما تتركه، فيُخشَى أن تأتي وهو يصلي فتشوش عليه الصلاة.
وقيل: إن «الإبل خُلِقت من الشَّياطين» (١٢)، كما جاء به الحديث عن الرسول ﵊، خُلِقت من الشَّياطين ليس معناه أن أصلها الشياطين؛ يعني: أصل مادَّتها، لكن المعنى أنها خُلِقت من الشَّيطنة، فهي كقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ليس معناه أن مادة الخَلْق من عَجَل، لكن طبيعته هي هذه، وأنه ورد في بعض الأحاديث -وإن كان فيها ضعف- أن على كُلِّ شعفة بعير شيطانًا (١٣)، فيكون مأوى الإبل ومعاطنها مأوى للشياطين، فهو يشبه النهي عن الصلاة في الحمَّام؛ لأن الحمَّامات بيوت الشياطين.
طالب: الشعفة؟
الشيخ: الشعفة؛ شعفة السنام، البعير لها سنام، إي نعم.
следующие страницы →