Полный текст (12 382 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
طيب العلة، نحن نقول مثلًا: النصوص الواردة في تكفير تارك الصلاة ليس فيها هذان الشرطان، فمن أين جئتم بهذين الشرطين؟ قالوا: لأنه إذا لم يدعه الإمام لم نتحقق أنه تركها تهاونًا؛ إذ قد يكون معذورًا بعذر يعتقده عذرًا، وليس بعذر، فإذا دعاه الإمام وأصر علمنا أن الرجل ليس بمعذور، وأما فضاق وقت الثانية فإنه قد يكون يظن جواز الجمع من غير عذر، وهذا ظاهر فيما إذا ضاق وقت الثانية التي تجمع إلى الأولى، لكنه غير ظاهر فيما إذا ضاق وقت الثانية فيما لا تجمع إليها الأولى كصلاة العصر مع المغرب.
يقولون: وربما أنه جاهل يحسب أن كل الصلوات يجمع بعضها إلى بعض، فدرءًا للحد عنه أو درءًا للحكم بتكفيره نقول: نضيق هذا الأمر بهذين الشرطين، ولكن القول الصحيح بلا شك ما ذهب إليه بعض الأصحاب، وهو أنه لا أثر لدعوة الإمام؛ لأن هذا ليس موجودًا في الكتاب ولا في السنة.
وأيضًا المسائل الأخرى التي يكفر بها الإنسان هل أنتم تقولون: لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام، لا يقولون بذلك، واحتمال العذر فيها كاحتمال العذر في تارك الصلاة، فإما أن تقولوا بهذا الشرط في كل موضع ورد الشرع بتكفير الإنسان فيه، وإما أن تلغوا هذا الشرط بالنسبة للصلاة كما هو لاغ بالنسبة لغيرها. فالصحيح إذن الأخذ بعموم الأدلة، أنه يكفر سواء دعاه الإمام أو نائبه، ولكن هل يكفر بترك فريضة واحدة؟ فيه خلاف أيضًا بين العلماء:
منهم من قال: يكفر بترك فريضة واحدة، فإذا تهاون بترك فريضة واحدة حتى خرج وقتها فهو كافر.
ومنهم من قال: بترك فريضتين.
ومنهم من قال: بترك فريضتين إن كانت الثانية تجمع للأولى، وعليه فإن ترك الفجر فإنه يكفر بخروج وقتها، وإن ترك الظهر فلا يكفر إلا بخروج وقت العصر.
стр. 667
ولكن الذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة تركًا، يتركها، ما هي صلاة واحدة، بمعنى أنه قد وطن نفسه على ألا يصلي، يترك الصلاة، معروف أن هذا الرجل لا يصلي، لا ظهرًا ولا عصرًا ولا مغربًا ولا عشاءً ولا فجرًا، فهذا هو الذي يكفر. أما من كان يصلي فرضًا ويدع فرضًا، أو يصلي فرضًا ويدع فرضين، فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يقال: إنه ترك الصلاة، بل هذا ترك صلاة، لا الصلاة.
والحديث: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٨)، لم يقل: ترك صلاة، وكذلك: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ» (٩)، ولأن الأصل بقاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين؛ لأن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، فالأصل أن هذا الرجل المعين، الأصل أنه أيش؟ مسلم، فلا نخرجه من الإسلام المتيقن إلا بوجود دليل يخرجه إلى الكفر بيقين. وما دامت المسألة فيها شك فلا نخرجه من الإسلام.
وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد ﵀، سواء كان مقيدًا أو بشروط، وهو أن تارك الصلاة كسلًا وتهاونًا يكفر، هذا القول هو الراجِح؛ لأن الأدلة تدل عليه؛ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأقوال الصحابة والنظر الصحيح، أما الكتاب فقوله تعالى عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فاشترط الله تعالى للأخوة في الدين ثلاثة شروط: الأول: التوبة، منين؟ من الشرك، فإن لم يتوبوا فهم مشركون. الثاني: إقام الصلاة، فإن لم يقيموا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين. الثالث: إيتاء الزكاة، فإن لم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين.
стр. 668
وعلى هذا فتكون الآية دالة على أنه ليس بمؤمن إذا لم يصلِّ ولم يزكِّ، وإن تاب من الشرك؛ إذ لو كان مؤمنًا لكان أخًا لنا في الدين؛ لأن الأخوة الدينية لا تنتفي بالمعاصي وإن عظمت، المعاصي وإن عظمت لا تنتفي فيها الأخوة في الدين، أرأيتم قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] ﴿أَخِيهِ﴾ من؟ المقتول أخ للقاتل، مع أن القاتل فعل كبيرة من كبائر الذنوب، من أعظم الكبائر قتل المسلم، حتى إن الله قال في عقوبته: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] ومع هذا فأخوته باقية.
وقال في المؤمنين المقتتلين، قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠] ومعلوم أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب، حتى قال الرسول ﵊: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (١٠)، ومع ذلك لا يخرج من الأخوة الإيمانية.
إذن لا خروج من الأخوة الإيمانية إلا بالخروج من الدين بالكلية، وإذا كان يشترط لثبوت الأخوة الدينية هذه الشروط الثلاثة: التوبة من الشرك، والثاني: إقامة الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، فهذا يدل على أن من لم يقم الصلاة ولم يؤت الزكاة فليس بمؤمن، واضح؟
стр. 669
يبقى أن نقول: إن مقتضى استدلالنا بهذه الآية أن نقول بكفر تارك الزكاة، أليس كذلك؟
فنقول: من العلماء من التزم بذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد، أن من ترك الزكاة بخلًا وتهاونًا، فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ولكن يمنع هذا القول ما ثبت في صحيح مسلم (١١) من حديث أبي هريرة ﵁، فيمن آتاه الله مالًا من الذهب والفضة ولم يؤد زكاته، حيث قال ﵊: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ وَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
وهذا يدل على أيش؟ على أنه ليس بكافر؛ إذ لو كان كافرًا لم يجد سبيلًا إلى الجنة، وعلى هذا فيكون مفهوم الآية بالنسبة للزكاة غير معتبر، بدليل هذا الحديث.
أما من السنة فقال النبي ﷺ : «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (٨)، وقال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٩). فقال: «بَيْنَ»، والبينيَّة تقتضي التمييز بين الشيئين، فهذا في حد وهذا في حد، «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ».
стр. 670
إذن هذه البينية كالجدار الفاصل لا يمكن أن يكون الإيمان مع ترك الصلاة أبدًا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «بَيْنَ الرَّجُلِ» لا يمكن أن يكون إيمان مع ترك الصلاة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، وهذا يقتضي أن هناك حدًّا فاصلًا، لا يدخل أحدهما في الآخر أبدًا، ثم قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَالشِّرْكِ أَوِ الْكُفْرِ» بـ (أل) الدالة على الحقيقة، وأن هذا كفرٌ حقيقي، وليس كفرًا دون كفر.
وقد نبه إلى هذا المعنى الأخير شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، لم يقل كما قال: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ» (١٢) وإنما قال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ». وهذا يدل على أن المرادَ بذلك الكفر الحقيقي، وهو الكفر المخرِج عن الملة.
أما أقوال الصحابة فإن أقوال الصحابة كثيرة، رُوي عن ستة عشر رجلًا منهم بأعيانهم أنهم كفروا تارك الصلاة، ومنهم عمر بن الخطاب (١٣) ﵁، ونقل عبد الله بن شقيق، وهو من التابعين الثقات، نقل عن أصحاب الرسول ﷺ عمومًا القول بتكفير تارك الصلاة، فقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (١٤).
وهذا حكاية الإجماع، ولهذا حكى الإجماع -أي إجماع المسلمين على كفر تارك الصلاة- حكاه إسحاق بن راهويه، الإمام المشهور، فقال: لم يزل الناس منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا يقولون بأن من ترك الصلاة فهو كافر (١٥). وعلى هذا فيكون دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع إن صح الإجماع، وإلا فقول جمهور الصحابة.
стр. 671
الرابع: المعنى والقياس الصحيح، ووجه دلالته على كفر تارك الصلاة أن يقال: إن كل إنسان عاقل في قلبه أدنى مثقال من إيمان لا يمكن أن يحافظ على ترك الصلاة وهو يعلم شأنها وما أعد الله للقائمين بها من الثواب، وما أعد للمضيعين لها من العقاب، الرجل يعرف أن الله لم يفرض الصلوات على نبيه إلا وهو في السماوات، فوق السماوات السبع، ومن الله إلى رسوله مباشرة بدون واسطة، ثم يفرضها على عباده خمسين مرة في اليوم والليلة.
وهذه العنايات العظيمة فيها يشترط لها ألا يتقدم الإنسان بين يدي الله إلا وهو متطهِّر، ما فيه عبادة يشترط لها الطهارة بالإجماع إلا الصلاة. أيضًا لا بد من أن يتخذ الإنسان زينة، لا بد من أن يتجه بجسده إلى بيت الله، وبقلبه إلى الله، كل إنسان يعرف مدى ما للصلاة من العناية، لا يمكن أن يحافظ على تركها وفي قلبه أدنى مثقال من إيمان أبدًا.
ولا تصدق أن أحدًا يقول: أنا مؤمن وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويحافظ على ترك الصلاة، لا تفكر لو قاله فهو كافر، يعني ويش معنى أنك تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إذا كنت تشهد أن لا إله إلا الله لماذا لا تعبده في أعظم العبادات، ويش لون لا معبود إلا الله ولا تعبد الله؟ ! شو هذا؟ تناقض هذا، أشهد أن محمدًا رسول الله ولا تصلي، وقد قال لك: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١٦) وين الشهادة؟
الشهادة ليست مجرد كلام في اللسان، لا بد من تصديق القول بالفعل، ولّا لا؟ نحن الآن في مجرياتنا وحياتنا اللي بيننا لو أن الإنسان جاءنا بأبلغ عبارة وأفصح بيان، يقول: أنا أفعل وأنا أقول، وإذا نظرنا له ما يفعل نصدق؟ ما نصدق، ما نصدقه؛ ولهذا كل إنسان يعرف أحوال القلوب، ويعرف ماذا تأمر به الأبدان من طاعة الله، يعلم أن من ترك الصلاة مع عظم أمرها وشأنها فإنه ليس في قلبه أبدًا تعظيم لله .
стр. 672
وليس مجرد قول الإنسان: لا إله إلا الله، يخرجه من الكفر، إذا كان معه أفعال أخرى توجب كفره، ها هو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وإذا قال: إن صلاة الظهر غير واجبة، صار كافرًا، مع أنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لماذا نقول بتكفيره في المسائل الأخرى التي وردت النصوص بها؟ نقول بتكفيره مع كونه يقول: لا إله إلا الله، ولا نقول بتكفيره إذا ترك الصلاة مع وجود النصوص الدالَّة على تكفيره، أي فرق بين هذا وهذا؟ فلذلك كل من تأمل أدلة هذا القول الصحيح تبين له أنه الحق الذي لا مرية فيه.
فإن قال قائل: أفلا نحمل نصوص التكفير على من تركها جاحدًا، قلنا: إن هذا لقول ضحك، قول مضحك! كيف نحمله على ذلك وأنت بنفسك لا تقول به؟ ! فإنك لو صلى الإنسان كل الصلوات الخمس بنوافلها، والنوافل المطلقة وهو جاحد، كافر ولّا غير كافر؟ كافر، هو تارك؟ ما ترك، فالجحد نفسه موجب للكفر، سواء فعلت أو لم تفعل.
ولهذا لما قيل للإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء: ٩٣] لما قيل له: إن فلانًا يقول هذا فيمن استحل قتل المسلم، قال: سبحان الله! تعجب، فيمن استحل قتل المسلم، من استحل قتل المسلم فهو في النار، سواء قتل أم لم يقتل، شوف الفقه العظيم، هذا أيضًا مثله، نقول: من جحد فرض الصلاة فهو كافر، سواء صلى أم لم يصلِّ، واضح الآن؟ ثم نقول ..
وضاقَ وقتُ الثانيةِ عنها ولا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتَابَ ثلاثًا فيهما.
(باب الأذان والإقامة)
هما فَرْضَا كفايةٍ على الرجالِ المقيمينَ للصلواتِ الخمْسِ المكتوبةِ، يُقاتَلُ أهلُ بلَدٍ تَرَكُوهما، وتَحْرُمُ أُجْرَتُهما، لا رَزْقٌ من بيتِ المالِ لعَدَمِ مُتَطَوِّعٍ، ويكونُ المؤَذِّنُ صَيِّتًا أَمينًا عالِمًا بالوَقْتِ،
стр. 673
أنت إذا حملتَ الحديث على هذا فقد حرَّفته من وجهين؛ أولًا: حملتَ دلالته على غير المراد؛ لأن الحديث معلَّق بالترك ما هو بالجحد، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثانيًا: أبطلت دلالته فيمن جحد وهو يصلي؛ لأن الحديث إنما حكم على من ترك، وعلى رأيك إذا جحد ولم يترك فهو كافر ولَّا مسلم؟ على رأيه؛ إذا جحد وهو يصلي؟
طالب: كافر.
الشيخ: لا إله إلا الله! فهو مسلم يا جماعة، إي نعم، فهو مسلم بناء على أنه حمل الحديث؛ «مَنْ تَرَكَهَا» على أن المراد: من تركها جاحدًا، نقول: على زعمك الآن أن من جحدها ولم يترك فليس بكافر بمقتضى الحديث عندك، فأنت الآن أبطلت دلالة الحديث من هذين الوجهين.
والحقيقة أن المشكلة كل المشكلة التي تقع لبعض العلماء الأفاضل من مثل هذه التحريفات الباردة هي أنه يعتقد قبل أن يستدلَّ، فيكون معتقدًا للقول بعدم الكفر، ثم يحاول أن يحرِّف النصوص على وجوه مستكرهة بناء على ما اعتقده، وهذه بلية، أسأل الله أن يعافيني وإياكم منها، بلية لكل طالب علم، إذا اعتقد تجده يحاول أن يحرِّف النصوص إلى اعتقاده ويلوي أعناقها، كما يقولون، ونحن نقول: يا أخي، من اللي يحكم بالكفر والإسلام؟ الله، كما أنه هو الذي يحكم بالحل والتحريم والإيجاب والاستحباب، إذنْ إذا كفَّر الله ورسوله أحدًا لا تبالِ، كفِّرْه وأنت في حل بلا شك، لكن أن تحرِّف النصوص وتحاول تحريفها، هذا هو البلاء.
***
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ماذا نقول في تأخير الصلاة عن وقتها؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: المسألة هي أن الإنسان إذا ترك الصلاة بغير عذر حتى خرج وقتها، فهل يصح منه القضاء؟ فقلنا: فيها قولان للعلماء، وذكرنا دليل كل قول، بقي علينا أن نجيب عن قول من يقيسها على من تركها معذورًا.
طالب: ( ... ).
стр. 674
الشيخ: نعم، يقول: من تركها معذورًا فقد رفع الله عنه الإثم والحرج، وقد ثبت بالشرع أنه مأمور بقضائها؛ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١)، وأما من تركها عمدًا فليس له عذر، وعليه الإثم، وتقع صلاته على وجه محرم، فلا يمكن أن يقاس الفعل المحرَّم على الفعل المباح المأذون فيه.
متى يجوز تأخيرها عن وقتها عمدًا؟
طالب: إذا نوى الجمع ( ... ).
الشيخ: إذا نوى الجمع. من يجوز له الجمع؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وكذلك على قول بعض العلماء في شدة الخوف بحيث لا يستطيع أن يصلي الصلاة مطلقًا، طيب هذه اثنين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: المشتغل بشرطها الذي يحصله، شرط الذي يحصله وهو قريب، وهذا على المذهب، هذه ثلاثة أشياء.
الدليل على جواز تأخيرها ( ... ) وجهها الثاني؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: في أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: لا نزاع، ما هو بصحيح.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، غلط، ابن رجب في شرح البخاري يقول: هذا لا أصل له في السنة، وهو صحيح، ما له أصل، كل من قلنا بكفره سواء في ترك الصلاة ولَّا غيرها ما يشترط ( ... )، بقينا في مسألة الاستتابة ستأتي إن شاء الله.
الشرط الثاني يقول المؤلف: (حتى يضيق وقت الثانية) هذا أيضًا ذكرنا فيه خلافًا؛ فمن العلماء من يقول: حتى يضيق وقت الثانية، هذا في الصلاة التي تجمع بما بعدها، أما ما لا يجمع لما بعده فحتى يضيق وقته؛ يعني: وقت الأولى اللي تركها، وهذا له وجه، لكن أوجه منه عندي أن يقال: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والحديث: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢)، فيه أحاديث -لكن في صحتها نظر- أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا فقد برأت منه الذمة (٣)، أو نحو هذه الألفاظ، لكنها ما يطمئن لها الإنسان كثيرًا، أما الذي في مسلم وفي مسند الإمام أحمد والسنن يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا» (٤)؛ أي: الصلاة.
طالب: ( ... ).
стр. 675
الشيخ: إذا عرفنا التارك، هذا الرجل على طول نكفِّره.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هذا كافر، إي نعم، يعتبر كافرًا، يقول المؤلف ..
طالب: ( ... ).
الشيخ: بس ما فيه جمع، لو قال: من ترك الصلوات ممكن، «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ»، فإما أن نقول: (أل) هذه لبيان الحقيقة وتصدق بواحدة، وإما أن نقول: لبيان الجنس نقول: من ترك الصلاة؛ جنسَها، والرسول ما قال: من ترك صلاةً، إلا هذه الروايات اللي فيها نظر.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيها؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: قول واحد والمؤلف يقول: إنه شرط، كيف قول واحد؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: إي، نقول: تقدم أننا شرحنا ذلك وقلنا: الصحيح أنه لا يشترط، وأن الرجل لو مات تاركًا للصلاة ولم يدع فهو كافر.
بقي أن يقال: هناك نصوص استدل بها من يرى أن تارك الصلاة لا يكفر، وحملوا الأحاديث أو النصوص الواردة في الترك على ترك الجحود، وذكرنا أن حملها على ترك الجحود خطأ من وجهين:
الأول: تعليق الحكم بوصف لم يعتبره الشارع وهو الجحد.
ثانيًا: إلغاء وصف اعتبره الشارع وهو الترك.
ففيه جنايتان على النص؛ حمله على ما لم يعتبره الشارع، وإلغاء ما اعتبره الشارع، وهاتان جنايتان على النص، ولا يجوز أن نجني على النصوص ونحرِّفها هذا التحريف.
ثانيًا: أن نقول: إن هذا باطل؛ لأنه ينتقض عليه بمن جحد وهو يصلي، إن قالوا: إنه كافر، فقد أعلنوا بمخالفة الحديث؛ لأن الحديث يقول: «فَمَنْ تَرَكَهَا»، وهذا ما تركها وهو جاحد، وإن جحدها وتركها قلنا: لا مانع أن يكون هناك سببان للكفر؛ كما لو ذبح الإنسان لصنم، وسجد لصنم آخر، وكذَّب خبرًا من جهة ثالثة، يجتمع عليه كم سبب؟
الطلبة: ثلاثة أسباب.
الشيخ: ثلاثة أسباب.
ولا مانع من أن يتعدد الكفر، أما أن نلغي وصفًا اعتبره الشرع ونأتي بوصف لم يعتبره، ثم هو وصف متناقض، فهذا لا يجوز التصرف في النصوص على هذا الوجه.
بقي أن يقال: هناك نصوص تدل على عدم الكفر تعارض هذه الأحاديث الدالة على الكفر؟
стр. 676
نقول: أولًا: يجب أن نعرف ويش معنى المعارضة قبل أن نقول بالمعارضة، أما أن نقول بالمعارضة قبل أن ندري ما المعارضة فهذا ليس بصحيح؛ ولهذا نقول: (حقِّقْ قبل أن تنمق) حقق المعارضة، وين المعارضة؟ هل جاء حديث أو آية تقول: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو تقول: من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو تقول: من ترك الصلاة فهو في الجنة؟ لو جاءت نصوص على هذا الوجه قلنا: هذه معارضة، ولَّا لا؟ هذه معارضة؛ لأن هذا يقول: من تركها فقد كفر، المعارض: من تركها لم يكفر، هذا المعارض، إذا جاء نص بهذا الوجه: من ترك الصلاة فليس بكافر، أو من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو من ترك الصلاة دخل الجنة، فهذا صحيح معارضة، ويجب علينا أن نحاول الجمع إذا أمكن، أو نطلب الترجيح إذا لو ممكن، أو نذهب إلى النسخ، لكن ما فيه معارضة، النصوص التي عارضوا بها تنقسم إلى أربعة أقسام:
قسم ما فيه دليل أصلًا على المسألة، ولا فيه شم رائحة المعارضة؛ مثل قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، قالوا: لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن جملته: من ترك الصلاة فيغفر الله إذا شاء.
نقول: سبحان الله! ما معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾؟ هل معنى ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: ما سوى ذلك؟
إن قالوا: نعم، قلنا: طيب، ما تقولون: فيمن كذَّب خبر الله ورسوله أيغفر له؟ إن قالوا: نعم، خالفوا الكتاب والسنة والإجماع، وإن قالوا: لا، قلنا: هو سوى ذلك، فهو يدخل في المغفرة، إذن لا يصح أن يكون ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ بمعنى: ما سوى ذلك، ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ يعني: ما هو أقل من الشرك، فما دون الشرك يغفره الله؛ يعني: دعه في المشيئة، وما ساوى الشرك ولو كان غير الشرك فإنه ليس داخلًا تحت المشيئة، بل هو غير مغفور، كتكذيب الخبر وكترك الصلاة.
стр. 677
قالو: هناك دليل حديث معاذ بن جبل: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (٥)، هل تقولون: إن فاعل الكبيرة لا يعذب جزمًا؟ إن قالوا: نعم، فقد خالفوا الآية؛ لأن الله قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، إن قالوا: لا يعذب، خالفوا الآية، وإن قالوا: يعذب، خالفوا الحديث: «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
ونحن نقول: الحديث ليس على ظاهره، وأنتم لا تقولون بظاهره أيضًا؛ لأن «لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» في عمله المعين، إذا انتفى الشرك في هذا الأمر المعين انتفى التعذيب عليه؛ لأنه خالف، أما ألَّا يعذب من لا يشرك ولو فعل ما فعل من الكبائر، فهذا غير صحيح.
ثم نقول أيضًا: لو كفر بغير الشرك هل يعذب ولَّا ما يعذب؟ يعذب، إذنْ فالحديث ليس على ظاهره، فإذا لم يكن على ظاهره وعلمنا أنه مخصوص بدلالة الكتاب والسنة، بل وبالإجماع، فإنه لا يمكن أن نحتجَّ به على العموم، ونقول: إنه لا يخرج منه شيء.
ثم إننا نعلم علم اليقين أن من كان مخلصًا لله إخلاصًا يقينًا فإنه لن يفعل ما يخرجه من الإسلام؛ لأن المخلص الذي يبتغي وجه الله هل يطلب ما يوصله إلى وجه الله ولَّا لا؟ المخلص في طلب الشيء يسعى بكل وسيلة إلى حصوله، نجد المخلصين في طلب الدنيا ويش يعملون؟ يسعون بكل وسيلة إلى حصولها؛ بالتأجير، بالبيع، بالاستهام، بالارتهان، بكل شيء، وهكذا من صدق في طلب الله فلا بد أن يفعل كل ما يمكن أن يوصله إلى الله.
стр. 678
أما أن يقول: أنا واللهِ أبتغي وجه الله، ولا أريد إلا وجه الله، لكن أشهدكم أني لن أصلي، ( ... ) وين اللي يبتغي وجه الله! ويترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، مع أنه يقول: أنا أشهدكم أني لن أصلي، وأشهدكم أني أعلم أن الله فرضها، سبحان الله، تشهد أن الله فرضها، وتشهدنا على أنك ما تصلي، وتقول: إنك تبتغي وجه الله! هذا يكذبه الواقع؛ ولذلك: حديث معاذ وحديث عتبان بن مالك: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ» (٦)، كلها تدل على أن مثل هؤلاء لا يمكن أن يدعوا الصلاة.
ثم نقول بهدوء: حديث جابر في صحيح مسلم (٧): «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، فجعل النبي ﵊ ترك الصلاة شركًا وكفرًا، وهو شرك بالمعنى الأعم، صحيح أنه ما هو بيسجد لصنم، لكن شرك باعتبار أن هذا التارك اتخذ إلهه هواه على وجه يخرج به من الإسلام.
ثم نأتي أيضًا فيه أحاديث عامة في إخراج من قال: لا إله إلا الله من النار، ولم يعملوا خيرًا قط (٨).
نقول: صحيح ولم يعملوا خيرًا قط، لا شك أنه يدخل فيه من لم يصلِّ؛ لأن من صلى فقد عمل خيرًا قط، ومن لم يصلِّ لم يعمل خيرًا قط، لكن نقول: هذا عام؛ لأن (لم يعملوا خيرًا) (خيرًا) نكرة في سياق النفي، فهي عامة؛ يعني: لم يصلوا، ولم يزكوا، ولم يصوموا، هذا عام، لكن يخرج منه بالتخصيص أيش؟ الصلاة؛ لأنه قد دلَّ الكتاب والسنة على أن من لم يعملها لا يخرج من النار؛ لأنه كافر، وليس هذا أول عموم يخصص، هذا من جملة العمومات الكثيرة التي تخصص.
стр. 679
الجنس الرابع مما استدلوا به: حديث قوم تركوا الصلاة لعذر؛ لعدم علمهم بها، وهو حديث حذيفة الذي أخبر به النبي ﵊ أن الإسلام يندرس كما يندرس وشي الثوب، ويذوب وينسى الصلاة، والزكاة، والصيام وغيره، حتى لا يبقى إلا شيوخ وعجائز يقولون: أدركنا آباءنا وأمهاتنا على قول: لا إله إلا الله فقال له الراوي عنه: صلة تنجيهم من النار؟ فسكت، ثم أعادها فسكت، ثم أعادها فقال: تنجيهم من النار (٩)، وهذا قول حذيفة، ونحن نوافق حذيفة في هذا نقول: تنجيهم من النار؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عن شرائع الإسلام، فهم كرجل أسلم في بلاد كفر قال: لا إله إلا الله، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن ما علم عن شرائع الإسلام شيئًا ثم مات، تنجيه هذه الكلمة ولَّا لا؟ تنجيه. أو رجل قال: لا إله إلا الله، ثم مات من فوره تنجيه ولَّا لا؟ تنجيه، ونحن نقول بذلك.
وإني أقول من هذا المكان: إن التكفير والتأمين؛ يعني: الحكم لإنسان بأنه مؤمن أو على إنسان بأنه كافر، يرجع إلى من؟ إلى الله ورسوله، ما هو إلينا، كما أن هذا حلال وهذا حرام يرجع إلى الله ورسوله، إذا حرم الله علينا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حلال، أو إذا أحلوا شيئًا ونحاول أن نقول: هذا حرام، لأيش إذا كفر شيئًا نحاول نقول إنه: غير كافر؟ من أعلم بعباد الله؟ الله ، فهو الذي يحكم عليهم بالإيمان أو بالكفر، وإحنا علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وكفَّرنا من تكفِّر يا ربنا، وأدخلنا في الإيمان من لم تخرجه منه، هذه وظيفتنا.
стр. 680
أما أن نقول: والله خلِّ الناس يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولكن شنو؟ عطلوا المساجد، لا تصلون لا في المساجد ولا في البيوت، لا أنتم ولا ذراريكم، تراكم أمة مسلمة، ( ... ) الإنسان لو تصور هذا القول تصورًا كاملًا لعلم أنه فساد في الواقع؛ لأنك لو تقول الآن للناس على ما فيهم من ضعف الإيمان: ترك الصلاة ليس بكفر، تركوها، وقال: والله ما دام أنا مسلمون ونحن ما نصلي، الحمد لله، هذا اللي نبغي، نقعد إلى الساعة اثنين بالليل، ونكيف ننام إلى الساعة عشرة، ونقوم نقول: يا الله، عسى ما يخصم علينا من راتبنا إن تأخرنا عن الحضور، لكن عقب اليوم نقوم الساعة الثامنة نروح على طول، نصلي الفجر؟ لا، ما نصلي الفجر، أنا أشهد أنه فرض، وأشهدكم أني لن أصلي، الظهر ما فيه صلاة، العصر ما فيه صلاة، مغرب ما فيه صلاة، عشاء ما فيه صلاة، لأيش أصلي؟ طيب واللي ما يصلي يغتسل من الجنابة ولَّا لا؟ ما يغتسل من الجنابة، ليش يغتسل؟ ويتوضأ إذا أحدث، يستنجي إذا بال، ويش نصير؟ بهائم، ما فيه إلا أكل وجماع وبس.
الحقيقة -يا إخواني- المسألة خصوصًا في وقتنا هذا أنا معتقد -والحمد لله- ومؤمن بأن تارك الصلاة كافر، لكن أرى أيضًا أنه يترتب على القول والتوسيع للناس بأنها ليست بكفر مفاسد عظيمة، خصوصًا في وقتنا هذا، وضعف الإيمان وقلة الداعي، وهي الناس أصلًا يمشون الآن، وإحنا نقول لهم: يا جماعة، تراكم تكفرون، وقلنا له: تكفر، وترى زوجتك تنفسخ منك، صار الأمر عليه كبيرًا، ولو نقول له: تكفر، فإن صليت وإلا قتلناك، صار الأمر أعظم، قال: وين درب المسجد؟ بمشي بصلي.
فالحاصل أن القول الراجح بلا شك أنه يكفر، والحمد لله أن الله نصب أدلة قائمة على الكفر بدون معارض مقاوم، الدليل قائم، وهو سالم عن المعارض المقاوم، ما بقي علينا إلا أن نقول بما قال الله ورسوله.
стр. 681
نقول: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب ثلاثًا فيهما) لا يقتل من؟ التارك والجاحد؛ لأنه قال: (ومن جحد وجوبها كفر، وكذا تاركها) الجاحد والتارك لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا فيهما؛ أي: في الجحود والترك.
(يُسْتَتَاب) فعل مضارع مبني للمجهول، فمن اللي يستتيبه؟ من له الأمر؛ الإمام أو نائبه، يستتيبه ثلاثًا، يقول: تب إلى الله وصلِّ، قال: ما أنا مصلٍّ، جئنا أول يوم قال: ما أنا مصلٍّ، في اليوم الثاني جئناه: صلِّ، قال: خلوني أفكر، في اليوم الثالث جئناه، قال: إلى الآن ما انتهى تفكيري، أجلوني إلى قبل الغروب بخمس دقائق، أجلناه قبل الغروب بخمس دقائق، صلى، ثلاثة أيام وصلى قبل مغيب الشمس، يقتل ولَّا لا؟ يقتل.
لكن لاحظ أنه لو مات في هذه المدة فهو كافر، لو مات؛ الله أماته هو يحكم بكفره، لكن ما يقتل، ما قال: ولا يحكم بكفره، قال: (ولا يقتل حتى يُسْتَتَاب)، لو مات فهو كافر، نقول: لا نقتله حتى نستتيبه ثلاثة أيام.
وهذه المسألة مرت علينا أظن في باب المرتد، وذكرنا أن فيها خلافًا بين أهل العلم، وأن فيها عن الإمام أحمد روايتين، ليست خاصة في تارك الصلاة أو جاحد وجوبها، بل في كل مرتد، هل يستتاب المرتد أو لا يستتاب؟
ذكرنا أن المذهب يقولون: إن المرتدين قسمان:
قسم لا تقبل توبتهم، فهؤلاء لا يستتابون، لماذا؟ لأنه لا فائدة، حتى لو تابوا ما قبلنا، مثل من؟ مثل من سبَّ الله أو رسوله، أو تكررت ردته، هذا ما يقبل، يُقتَل حتى لو تاب، لو قال: أشهد أن الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الحي القيوم، ووصف الله بصفاته وقال: أنا تائب من وصف الله تعالى بالنقص والعيب، نقول: نقتله، ما نقبل توبته، ترى هذا المذهب، والصحيح أنه يُقبَل كما تقدم.
стр. 682
قسم آخر تقبل توبته، فعلى المذهب لا بد من أيش؟ لا بد من استتابتهم، والرواية الثانية: لا يستتاب، يقتل؛ لأن النصوص الواردة مطلقة، عامة؛ كَفَر، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١٠)، ولم يقل: فاستتيبوه، فإن تاب وإلا فاقتلوه، قال: «فَاقْتُلُوهُ»، إذن كل من فعل ما يقتضي الردة يقتل على طول بمقتضى الحديث.
القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يستتاب ثلاثة أيام، وهو المذهب، واستدلوا بأثر عن عمر ﵁ أنه ذُكِر له رجلٌ ارتد فقُتِل، فقال لهم: لماذا لم تتركوه؟ لعله يرجع، لعله يفيق، لعله كذا، لعله كذا، اللهم إنِّي أبرأ إليك مما صنعوا (١١).
ولكن فيه قول ثالث وسط قالوا: إن هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم، وهذا لا ينافي ما قاله عمر، ولا يخالف ظاهر الأدلة، إذا رأى الحاكم أن من المصلحة أن يستتيب هذا الرجل؛ إما لكونه شاكًّا في حال الرجل هل هو معتوه ولَّا عاقل؟ ولَّا ما أشبه ذلك، أو أن المسألة ما ظهرت ولا بانت، فهنا يترجح أيش؟ الاستتابة، لا شك أنها تترجح الاستتابة، أما إذا كان هذا الرجل معلنًا وأمره ظاهر وواضح فهذا لا يستتاب؛ لأن في المبادرة إلى قتله ردعًا لغيره، مع كونه تمسكًا بظاهر الأدلة، وهذا القول هو القول الصحيح، وهو لا ينافي القولين، بل هو بعض قول من يرى الاستتابة، وبعض قول من لا يرى الاستتابة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -وغيره الظاهر، لكن ما اطلعت على قول غيره- يسلك هذا المسلك أحيانًا؛ بمعنى أنه يتوسط بين القولين، ثم يقول: هذا بعض قول من يقول بكذا وكذا، كقوله في الوتر: إنه واجب على من له وِرْدٌ، وقوله في غسل الجمعة: إنه واجب على من له رائحة، وما أشبه ذلك.
***
[باب الأذان والإقامة]
باب الأذان والإقامة
هذا الباب مُعَنْوَن لمسألتين، لكنهما مسألتان متلازمتان؛ إحداهما: الأذان، والثانية: الإقامة. فما هو الأذان؟ وما هو الإقامة؟
стр. 683
الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، هذا في اللغة: الإعلام.
وفي الشرع: إعلام خاص، وهذا هو الغالب في التعريفات الشرعية أن تكون أخص من المعاني اللغوية، هذا الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس.
فالإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع أعم من التصديق، أليس كذلك؟ الإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: تصديق وأعمال؛ أعمال اللسان، وأعمال الجوارح، لكن الغالب أن المعاني الشرعية أخص من المعاني اللغوية؛ ولهذا تجد التعريفات الشرعية يكون فيها قيود وشروط زائدة على التعريفات اللغوية.
فالأذان في اللغة: الإعلام، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإعلام للصلاة بذكر مخصوص.
وهذا أولى من قولنا: الإعلام بدخول الوقت؛ لأن الأذان يتبع الصلاة؛ ولهذا إذا شرع الإبراد في صلاة الظهر شرع تأخير الأذان، كما ثبت هذا في صحيح البخاري (١٢)، وعلى هذا فنقول: التعبد لله تعالى بالإعلام للصلاة بذكر مخصوص، هذا هو تعريف الأذان.
فقولنا: (التعبد لله) أفادنا أنه عبادة، وهو كذلك، فالأذان عبادة واجبة؛ لأن النبي ﷺ أمر به، ولأن الله تعالى أشار إليه في القرآن في قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] وهذا عام، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فهو إذن عبادة.
أما الإقامة فهي مصدر (أَقَامَ)، أقام الشيء؛ إذا جعله مستقيمًا. وأما في الشرع فهو: التعبد لله تعالى بالقيام للصلاة، ما هو بالصلاة، بالقيام للصلاة بذكر مخصوص.
стр. 684
فالفرق بينها وبين الأذان: أن الأذان يكون إعلامًا للصلاة بالتهيؤ لها والاستعداد لها، والإقامة: إعلام بالصلاة للدخول فيها والإحرام بها، هذا هو الفرق بينهما.
ويأتي أيضًا الفرق بينهما -إن شاء الله- فيما بعد في صفة الأذان يختلف عن صفة الإقامة.
قولنا: إن الأذان والإقامة عبادة، إذن فيهما ثواب؛ لأن كل عبادة تشتمل على شرطيها وهما: الإخلاص والمتابعة، يكون فيها الثواب، وعندنا في الصلاة أذان وإقامة، وإمامة.
واختلف العلماء أيهما أفضل؟ والصحيح أن الأفضل الأذان؛ الأذان أفضل من الإمامة
؛ لورود الأحاديث الدالة على فضله (١٣).ولكن إذا قال قائل: الإمامة ربطت بأوصاف شرعية؛ مثل: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» (١٤)، ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بالأفضل دليل على أفضليتها؟
فنجيب على ذلك بأن نقول: نحن لا نقول: إنه لا أفضلية في الإمامة، بل الإمامة ولاية شرعية ذات فضل، ولكننا نقول: إن الأذان أفضل من الإمامة؛ لما فيه من إعلان ذكر الله ، وتنبيه الناس على سبيل العموم، والإمام إنما يكون إمامًا لمن؟ لمن خلفه فقط، لكن المؤذن إمام لكل من سمعه، كل من سمعه يقتدي به، ويقوم يصلي مثلًا، ولأن الأذان أشق من الإمامة؛ لأن المؤذن دائمًا يكون مشغولًا بتحري الوقت والاستعداد له، لا سيما في الزمن السابق؛ حيث لا ساعات هناك.
فإن قال قائل: إذا كان الأذان أفضل -كما زعمتم- فلماذا لم يؤذن الرسول ﷺ وخلفاؤه الراشدون، فقد كانوا أئمة ولم يكونوا مؤذنين؟
فالجواب: أنهم اشتغلوا بالأهم عن المهم؛ لأن الإمام يتعلق به جميع الناس، ويحتاج إلى التفرغ لهم، فلو فرَّغ نفسه لملاحظة الوقت لانشغل بذلك عن مهمات المسلمين، فكان ترك النبي ﷺ وخلفائه الراشدين الأذان لا لزهد فيه أو قلة فيه، لكن من أجل انشغالهم بما هو أهم.
стр. 685
أما حكم الأذان والإقامة فقال المؤلف: (هما فرض كفاية)، وفي نسخة: (فرضا) بالألف، فعلى النسخة التي بيدي أفرد الخبر مع تثنية المبتدأ؛ لأن الخبر مصدر، والمصدر لا يجمع ولا يثنى، قال ابن مالك في الألفية:
وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرَا
فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا
تقول: هما رجلان عدل، ولا تقل: عدلان، والخبر كالصفة، فيفرد الخبر وإن كان المبتدأ مثنى أو مجموعًا، إذا كان الخبر أيش؟ مصدرًا، وأما على التثنية ففيه لغة، لكنها مرجوحة.
(هما فرضا كفاية) قوله: (فرض)، الفرض في اللغة: القطع، وفي الشرع: ما أُمِرَ به على سبيل الإلزام، هذا الفرض.
وهل هو أوكد من الواجب أو هما بمعنى واحد؟ الصحيح أنهما بمعنى واحد، لكن ينبغي مراعاة ألفاظ الشرع؛ فما جاء بلفظ الفرض فليعبَّر عنه بالفرض، وما لم يأت بلفظ الفرض فليعبر عنه بما عبَّر به الشارع؛ لأن هذا أولى وأحرى بالمتابعة، حتى في اللفظ، فنقول: هما فرض كفاية.
الفرض في اللغة: الحزُّ والقطع، وفي الشرع: ما أمر به على وجه الإلزام.
والدليل على فرضيتهما أمر النبي ﷺ بهما في عدة أحاديث، وملازمته لهما في الحضر والسفر، ولأنه لا يتم العلم بالوقت إلا بهما غالبًا، خصوصًا في الزمن السابق، فكان القياس أن يكونا واجبين.
يقول: (فرض كفاية) وفرض الكفاية هو الذي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين.
ودليل كونهما فرضا كفاية قول النبي ﷺ لمالك بن الحويرث: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٥)، وهذا يدل على أنه يكتفى بأذان واحد، ولا يجب الأذان على كل واحد، فهو فرض كفاية.
стр. 686
قال أهل العلم في ضابط ذلك: ما طلب إيجاده من كل شخص بعينه فهو فرض عين، وهذا يُنظَر فيه إلى العامل، وما طلب إيجاده بقطع النظر عن فاعله، فهو فرض كفاية، وهذا يُنظَر فيه إلى العمل، فما لوحظ فيه وجود العمل فهو كفائي، وما لوحظ فيه وجوده من كل شخص بعينه فهو أمر عين، سواء كان فرضًا أو سنة.
أيهما أفضل؟ الصحيح بلا شك أن الأفضل فرض العين؛ لأن إيجاب الله له على كل واحد بعينه دليل على أهميته، وأنه لا يتم التعبد إلا به، بخلاف فرض الكفاية.
إذا قال قائل ما هو الدليل على فرضيتهما؟
قلنا: الدليل على ذلك النصوص الكثيرة الدالة على الأمر بهما.
ثانيًا: مواظبة النبي ﷺ عليهما حضرًا وسفرًا.
ثالثًا: تعين المصلحة بهما؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، أرأيت لو أتيت إلى بلد ليس فيها أذان ولا إقامة لم تجد فرقًا بينه وبين بلاد الكفر، فصارا فرضا كفاية.
قال المؤلف: (على الرجال) (الرجال) جمع (رجل)، وتطلق على البالغين، فخرج بذلك الصغار، وخرج بذلك الإناث، وخرج بذلك الخناث؛ لأنهم ليسوا رجالًا، فلا تجب على الصغار.
فلو فرضنا أن صغارًا خرجوا في نزهة، وجاء وقت الصلاة، فإنه لا يلزمهم الأذان والإقامة؛ لأنهم ليسوا رجالًا، بل هم صغار، ثم هم أيضًا ليسوا من أهل التكليف لعدم الوجوب عليهم.
النساء هل يجب عليهن الأذان والإقامة؟ كلام المؤلف يدل على أنه لا يجب عليهن أذان ولا إقامة؛ لأنه قال: (على الرجال)، سواء كان هؤلاء النساء منفردات عن الرجال أو كان حولهن الرجال.
ولكن ما حكم الأذان والإقامة في حقهن إذ لم نقل بالوجوب؟ في هذا روايات عن الإمام أحمد ﵀؛ رواية: أنهما يكرهان، ورواية: أنهما يباحان، ورواية: أنهما يستحبان، ورواية: أن الإقامة مستحبة دون الأذان، فالروايات عن الإمام أحمد أربع؛ الكراهة، والإباحة، والاستحباب، والتفصيل؛ يستحب في الإقامة، ولا يستحب في الأذان.
стр. 687
وكل هذا مشروط بما إذا لم يرفعن الصوت على وجه يسمعن، فإن رفعن الصوت على وجه يسمعن فهذا؛ إما أن نقول بعدم الجواز، أو نقول بالكراهة.
المذهب أن الأذان والإقامة لهن مكروهة، فيكره للنساء الأذان والإقامة، ولو منفردات عن الرجال، ولو لم يسمعهن رجال؛ لأنهن لسن من أهل الإعلان، فإذا لم يكنَّ من أهل الإعلان لم يشرع لهن ذلك؛ لأنه ليس من حقهن، ولو قال قائل بالقول الأخير -وهو سنية الإقامة دون الأذان؛ لأجل اجتماعهن على الصلاة- لكان له وجه.
(المقيمين) ضد المسافرين، فالمسافرون لا أذان عليهم ولا إقامة، لكن يُسَن لهم الأذان والإقامة، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو المذهب، ولكن لا دليل له، بل الدليل على خلافه، وهو أن الأذان والإقامة واجبان على المقيمين والمسافرين، ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث وصحبه: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٥)، وهم وافدون على الرسول ﵊، مسافرون إلى من؟ إلى أهليهم، وقد أمرهم النبي ﷺ أن يؤذن لهم أحدهم، ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان والإقامة حضرًا ولا سفرًا، فكان يؤذن في أسفاره، ويأمر بلالًا أن يؤذن في حجه وعمرته وجهاده، فالصواب إذن وجوبه؛ أي: وجوب الأذان والإقامة على المسافرين كالمقيمين.
قال: (للصلوات الخمس) ومنها الجمعة؛ لأن الجمعة بدلًا عن الظهر، الصلوات الخمس هي: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
دليل وجوبه للصلوات الخمس قول الرسول ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ» وهذا عام في كل الصلوات الخمس، ولأن النبي ﷺ كان مؤذنه يواظب على الأذان للصلوات الخمس فكان واجبًا ( ... ).
صلاة العيد لا أذان، في الاستسقاء لا أذان، في ركعتي الضحى لا أذان، المهم للصلوات الخمس فقط.
стр. 688
المنذورة؛ لو نذر الإنسان أن يصلي لله ركعتين هل يؤذن؟ لا يؤذن؛ لأنها ليست من الصلوات الخمس المكتوبة.
(المؤداة) خرج بذلك المقضية، وهي التي تصلى بعد الوقت، فلا يجب الأذان لها، لكن يُسَن الأذان لها، ولا يجب، انتبه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وتعليله أن الأذان لا يعرف في عهد الرسول ﵊ إلا في الصلوات الخمس المؤداة، ولكن الصواب أن الأذان والإقامة يجبان في الصلوات الخمس؛ المؤداة والمقضية، ودليل ذلك أن الرسول ﷺ لمَّا نام عن صلاة الفجر في سفره لم يستيقظ إلا بعد طُلوع الشَّمس، وأمر بلالًا أن يُؤذِّنَ وأن يُقيمَ (١٦)، وهذا يدل على الوجوب في الصلوات المقضيات كالمؤداة.
ولعموم قوله ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»، فإنه يشمل حضورها بعد الوقت وحضورها في الوقت وحضورها بعد الوقت، يتصور فيما إذا نام عنها أو نسيها، كما قال النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١).
ولكن إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة؛ كما لو نام جماعة في غرفة في البلد ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، هل يجب عليهم الأذان؟
الجواب: لا، اكتفاءً بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصلت به الكفاية، وسقطت به الفريضة، لكن لو ناموا في البر، ثم استيقظوا، وجب عليهم -على القول الصحيح- أن يؤذنوا.
وقول المؤلف: (للصلوات الخمس) هذا ما لم تجمع الصلاة إلى ما تجمع إليه، فإنه يكفي في ذلك أذان واحد، فلو جمع بين الظهر والعصر كفاهما أذان واحد، ولو جمع بين المغرب والعشاء كفاهما أذان واحد، لكن لا بد من الإقامتين؛ من الإقامة لكل صلاة، كما صح ذلك عن النبي ﷺ في حجة الوداع من حديث جابر حين جمع ﷺ بين الظهر والعصر في عرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة (١٧).
стр. 689
الحاصل أننا فهمنا من هذه العبارات التي يراها المؤلف:
أولًا: حكم الأذان والإقامة، وأنهما فرض كفاية.
ثانيًا: أنه لا بد من شروط:
الأول: أن يكونوا رجالًا.
ثانيًا: أن يكونوا مقيمين.
ثالثًا: في الصلوات الخمس.
رابعًا: المؤداة دون المقضية.
أيضًا كلمة (الرجال) يقتضي ألَّا يجب الأذان والإقامة على الواحد، وهو كذلك، فإن الأذان والإقامة لا يجب على الواحد، لكنه سنة في حقه؛ لأنه ورد فيمن يرعى غنمه ويُؤذِّن للصَّلاة، ورد فيه أنَّ الله تعالى يَغفر له ويُثيبه على ذلك (١٨)، وهذا يدل على استحباب الأذان للمنفرد وليس بواجب، فتكون الشروط الآن خمسة: الرجال، المقيمين، للصلوات الخمس، المؤداة، ألَّا يكون واحدًا.
الواحد لا تجب عليه، وقد نقول: هذا مفهوم من كلمة (الرجال)، إذا أردنا بها حقيقة الجمع ولم نرد الجنس، وحينئذٍ تكون الشروط أربعة.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أن الذي يقيم هو المؤذن.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: صلوا السنة.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم، حتى الإقامة نقول: تجب عليهم؛ لأنهم ما سمعوا الإقامة، الإقامة في الصلاة فقط فتلزمهم الإقامة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: هو الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء إلا ما كان المراد به الإعلام، مثل الأذان الإقامة إعلام خاص في الصلاة.
طالب: بالنسبة للأذان يا شيخ ( ... )؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إي، لكن الصلاة غير الجماعة، الإمامة فرض كفاية، ما هي فرض عين.
طالب: ( ... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: ما بينهم فرق.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إن كان المسافر يقصر الأذان، إحنا ننظر فيه إن كان ما يقصر الأذان، ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، أفضل؛ لأن هذا من سننها أو من واجباتها؛ يعني: مما يسن لها أو مما يجب لها.
طالب: ( ... ).
стр. 690
الشيخ: ما هي أذان لا ما ( ... ).
طالب: ( ... ).
الشيخ: الأذان لأجل حضور الناس.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: يأثم.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، لكن الصلاة صحيحة؛ ولهذا الحقيقة أنه يحتاج أن نبين لكم معنى قول المؤلف: (للصلوات) فرض كفاية للصلوات، ولم يقل: في الصلوات، فهما فرض للصلاة، وليسا فرضًا فيها، وفرق بين الواجب للشيء والواجب في الشيء؛ الواجب في الشيء من حقيقة الشيء وماهيته، كالتشهد الأول مثلًا، وكالجماعة بما تجب فيه الجماعة، على قول من يرى أنها شرط، وأما على قول من يرى أنها ليست بشرط فيقول: إنها واجب للصلاة، لا فيها.
على كل حال، المؤلف يقول: واجب للصلاة، فهي خارجة من الصلاة، فهي واجبة لها، ليست واجبة فيها.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: هو ما هو فرض كفاية.
طالب: ( ... ).
الشيخ: بس، إذا أذن في وسط البلد وسمعه جميع أهل البلد يكفي.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: نمت.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: خلاصة السؤال: لو قام المؤذن متأخرًا في بلد يسمع فيها الأذان من كل ناحية، هل يؤذن أو لا يؤذن؟
نقول: إن كان الزمن قريبًا بحيث لا يشوش فليؤذن، من أجل ربما أن اللي في الحي أنهم ينتظرون أذان مؤذنهم، أما إذا كان متأخرًا كثيرًا فإن أذانه يشوش فلا يؤذن.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: لا، حتى في اللغة العربية أن الرجل من بلغ، أما ذاك يقال: يا غلام، يافع، طفل، صبي.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: إن كان هذا المسجد له مؤذن راتب وأذن فيه كفى، وإن كان ليس له مؤذن راتب فليس له جماعة راتبة، فكل من حضر يؤذن.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: أقول: لو قلت بسنيتها لكان له وجه؛ يعني: يستحب لهن ولا يجب.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: كيف لغيره؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: هو ( ... ) ويش يقولون؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: الله أكبر؟
الطالب: حي على خير العمل.
стр. 691
الشيخ: إي، حيَّ على خير العمل، الصحيح أنها ما هي مشروعة، وإن كان بعض العلماء قال: إنها مشروعة، لكن الصحيح أنها ليست بمشروعة، أما أشهد أن عليًّا ولي الله، فهذا بدعة، ما ذكر، حتى في كتب الشيعة ما هو مكتوب، ما نقبل بمثله.
طالب: ( ... ).
الشيخ: على كل حال المذاهب في هذا مختلفة، وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- في بيان صفة الأذان حتى العلماء من أهل السنة مختلفون فيه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: ( ... )؟
الشيخ: أنه واجب على الرجال، هو سيأتينا إن شاء الله.
و(من عدل) في الشروط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: الجهاد يجب الأذان فيه، إذا أذن يكون هذا أهيب للمسلمين، لا يقول: الجهاد.
(للصلوات) ماذا يفيده هذا التعبير؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، يجب عليهم الأذان والإقامة، وإن صلوا بلا أذان ولا إقامة فصلاتهم صحيحة؛ لأن هذا واجب أيش؟ للصلاة، وليس واجبًا فيها، بخلاف ما لو ترك التشهد الأول عمدًا بطلت الصلاة؛ لأنه واجب، لكن واجب لها ولَّا فيها؟
طالب: واجب فيها.
الشيخ: واجب فيها، صح، طيب، إذن نقول: لو صلى من يجب عليه الأذان والإقامة بلا أذان ولا إقامة فالصلاة صحيحة؛ لأن هذا واجب لها، وليس واجبًا فيها، ولو ترك التشهد الأول عمدًا فالصلاة باطلة؛ لأن التشهد الأول واجب فيها، ومن ذلك صلاة الجماعة -على المشهور- أنها واجب للصلاة، لا في الصلاة؛ ولهذا لو صلى بدون جماعة فصلاته صحيحة مع الإثم.
طالب: ( ... )؟
الشيخ: في البلد معلوم، يشوش على الناس، ( ... ) إي نعم، لو أن الناس اتفقوا على الإبراد في صلاة الظهر متى يؤذنون؟
طالب: ( ... ).
стр. 692
الشيخ: لا، إذا أرادوا الإبراد يؤذنون عند إرادة الصلاة، ( ... ) إلا الصلاة؛ ولهذا لما كان الرسول في سفر، وجاء وقت الظهر؛ زالت الشمس، أراد بلال أن يؤذن قال: «أَبْرِدْ»، حديث ثابت في البخاري، ثم بقي، ثم أراد أن يؤذن فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذن قال: «أَبْرِدْ»، يقول: فلما ساوى الظل؛ يعني: ساوى الشيء ظله، قال: «أَذِّنْ» فأذن (١٩)، وأيضًا ما زال الناس لما كانوا في الأول يبردون هنا كانوا يؤخرون الأذان.
المهم أن تعريف الأذان الصحيح هو: تعبد لله بذكر مخصوص عند إرادة الصلاة بعد دخول الوقت.
***
قال المؤلف ﵀: (يقاتل أهل بلد تركوهما) ومن الذي يقاتلهم؟ الذي يقاتلهم الإمام، إلى متى؟ إلى أن يؤذنوا، وفي هذا القتال ليس قتال استباحة لدمائهم، بل قتال من باب التعزير لإقامة هذا الفرض؛ ولهذا لا يتبع مُدْبِرُهم؛ يعني: اللي يهرب منهم ما نلحقه ونقتله، ولا يُجْهَز على جريحهم؛ لو وجدنا واحدًا منجرحًا مع القتال ما نكمل عليه ونقتله، ولا يُغْنَم لهم مال، ولا تُسبَى لهم ذرية؛ لأنهم مسلمون، وإنما قوتلوا من باب التعزير لتركهم هذه الشعيرة الظاهرة من شعائر الإسلام.
ودليل ذلك أن الأذان والإقامة هما علامة بلاد الإسلام، فقد كان النبيُّ ﵊ إذا غزا قومًا أمسك حتى يأتيَ الوقتُ؛ فإن سمعَ أذانًا كَفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا قاتلهم (٢٠). وهذا يدل على أن الأذان والإقامة من العلامات الظاهرة لدين الإسلام.
стр. 693
وقول المؤلف: (تركوهما) يحتمل أن المراد: تركوهما جميعًا، أو أن المراد: تركوا واحدًا منهما؛ أما إذا تركوهما جميعًا فالأمر واضح أنهم يقاتلون، ولكن إذا تركوا واحدًا منهما؛ فإن كان الأذان فقتالهم ظاهر أيضًا؛ لأن الأذان من العلامات الظاهرة، وإن كان الإقامة فيحتمل أن يقاتلوا أيضًا؛ لأنها علامة ظاهرة، لكنها ليست كالأذان؛ لقول النبي ﵊: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (٢١)، فدل هذا على أن الإقامة علامة ظاهرة تسمع، ويحتمل ألَّا يقاتلوا.
فإن قال قائل: كيف يقاتلون وقد قال النبي ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» (٢٢)؟
قلنا: هناك فرق بين القتل والقتال، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله؛ ولهذا نقاتل إحدى الطائفتين المقتتلتين حتى تفيء إلى أمر الله مع أنها مؤمنة ما تُقْتَل.
أما القتل فلا يلزم منه أيضًا المقاتلة للعموم، قد يكون واحدًا من هؤلاء استحق القتل فنقتله ولا نقاتل الناس، فتبين بهذا أنه لا تلازم بين القِتال والقَتل، وأن جواز القتال أوسع من جواز القتل؛ لأن القتل لا يجوز إلا في أشياء معينة مخصوصة بخلاف القتال.
стр. 694
قال: (وتَحْرُم أُجرتهما) يعني: يحرم أن يعقد على الأذان والإقامة عقد إجارة؛ أي: أن أستأجر شخصًا يؤذن أو يقيم، لماذا؟ لأن الأذان والإقامة قُربة من القُرُب ومن العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، ولأنه إذا أراد بأذانه الدنيا بطل عمله، فلم يكن أذانه صحيحًا؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢٣)، فتحرم الأجرة عليه.
فإذا قلنا لشخص: ألا تؤذن في هذا المسجد، قال: بلى، فيقول: كم، نعقد أجرة، ونكتب بيننا مكتب، فتلزمني وألزمك، فتعاقدا على ذلك؛ على أنه يؤذن كل وقت بدرهم، في اليوم والليلة خمسة دراهم، وبالشهر مئة وخمسين درهمًا، واتفقنا على هذا، فجاءه رجل آخر عند المسجد وقال له: يا فلان، أنت تؤذن في هذا المسجد بمئة وخمسين أنا بعطيك مئتين، وترك مسجده وراح للمسجد الآخر، يكون هذا الآن أراد بعمله الدنيا، ما همُّه أن يتعبد لله بهذا الأذان، فالأجرة فيهما حرام.
أما الجُعَالة فلا بأس بها، الجُعَالة ما فيها عقد، بل جُعْلًا لهذا المسجد، قال: من أذن في هذا المسجد فله كذا وكذا، بدون عقد وإلزام فهذه جائزة؛ لأنها جُعالة وليس فيها إلزام، فهي كالمكافأة لمن أذَّن، ولا بأس بالمكافأة لمن أذن.
стр. 695
كذلك يقول المؤلف: (لا رَزق من بيت المال) (رَزق) ليست كـ (رِزق)، الرِّزق: ما يرزق؛ يعني: العطاء، والرَّزق: فعل الرازق؛ يعني: دفع الرزق، فمعنى: لا رَزق؛ أي: لا دفع رِزق، ففرق بين الرَّزق الذي هو مصدر (رَزَقَ، يَرْزُقُ، رَزْقًا)، وبين الرِّزق بالكسر الذي هو المرزوق، والكلام هنا على المرزوق ولَّا على الرَّزق الذي هو الفعل؟ على الرَّزق؛ ولهذا نقول: لا رَزق من بيت المال؛ يعني: لا يحكم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال، وهو ما يعرف في الوقت الحاضر بأيش؟ بالراتب، يسمى الراتب وهو: الرصد من بيت المال؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين؛ فلهذا جاز أن يعطى رزقًا من بيت المال، لكن بشرط.
(لعدم متطوع) فإن وجد متطوع أَهلٌ فإنه لا يجوز أن نعطيه من بيت المال، لماذا؟ حمايةً لبيت المال من أن يصرف بدون حاجة إلى صرفه، شوف كيف العلماء يحمون بيت المال إلى هذا الحد، لو أننا وجدنا مؤذنًا يؤذن بالراتب، ولكن جاءنا رجل متطوع وقال: أنا بأذن بدون شيء مجانًا وهو أهل للأذان؛ يعني: ممن يصح أذانه، فإنه لا يجوز أن نعطي الأول شيئًا من بيت المال، ونقول للأول: تبغي تؤذن مجانًا، وإلا ففي أمان الله، وجدنا من يؤذن مجانًا، لماذا؟ حمايةً لبيت المال من أن يصرف في غير حاجة.
стр. 696
فما بالكم الآن في أولئك القوم الذين يصرفون للناس من بيت المال رصدًا على أعمال لم يعملوها، وهو ما يسمى أحيانًا بخارج الدوام، وأحيانًا بالانتداب، وهم لم ينتدبوا، ولم يشتغلوا خارج الدوام، يكون هذا حرامًا ولَّا حلالًا؟ حرامًا على من رتب هذا الرصد، وحرامًا على من أخذ هذا الرصد؛ ولهذا لو تعاون الناس على البر والتقوى لكان الذي يعطون هذه الرواتب وهم لم يعملوا لكانوا يرفضونها، فإذا رفضوها وقع المسؤول الذي فوقهم في الحرج، ووقع في الفخ، وحينئذٍ تعلم به الدولة، وتجري عليه ما يلزم إجراؤه على أمثاله، لكن مع الأسف أن كثيرًا من الناس اليوم غلب عليهم الشح، فيسكتون أو يتغافلون، ويقول: هذا رزق جابه الله، وما علم أن الله يمتحن العبد بتسهيل أسباب الحرام عليه ليبلوه، كما أنه يعسر عليه أحيانًا سبل الطاعة امتحانًا له؛ ليعلم هل هو حريص على الطاعة وصادق في طلبها، فيفعل ولو مع التعسف، وهل هو صادق في كراهة الحرام والبعد عنه، فلا يفعله ولو مع التيسر، أليس كذلك؟
أنا أخبرتكم بهذا ليس شكاية لهؤلاء القوم؛ لأن شكاية هؤلاء القوم على الله ، وسيجدون حسابهم يوم يخرجون من قبورهم حفاة عراة غرلًا، لكن أخبرتكم بذلك من أجل أن تناصح عباد الله الذين يفعلون مثل هذه الأمور؛ لأنه ما منكم من أحد إلا ويسمع مثل هذه القضايا أو له قريب يمارس هذا الأمر، أو ما أشبه ذلك.
стр. 697
فواجبكم لأنكم -والحمد لله- تحملون راية العلم الشرعي أن تبلغوا الناس هذه الأمور، ولا يكفي البلاغ، بل تدعونهم إلى أن يدعوا هذه الأمور؛ لأن هناك فرق بين البلاغ والدعوة، وواجب طالب العلم بلاغٌ ودعوةٌ، تدعونهم أن يدعوا هذا العلم، وأن تقولوا: رزق جاء عن طريق محرم لا خير فيه، ولا بركة فيه، وإن أمهل للإنسان في الدنيا في تناول هذا الشيء المحرم فإنما ذلك استدراج من الله ، فالله تعالى يستدرج العبد بالنعم، ثم إذا أخذه لم يفلته، هذا ما أحب أن يكون منكم لإخوانكم؛ لأن من أعطاه الله علمًا فعليه زكاته، كما أن المال عليه زكاة فالعلم عليه زكاة، لكن زكاة العلم تزيد العلم، وزكاة المال تنقصه كمية، ولكن تزيده بركة، وفتح أرزاق أخرى، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
شوف المؤلف يقول: لا يجوز أن نعطي راتبًا للمؤذن والمقيم إذا وجد من يتطوع بهما، لكن بشرط أن يكون هذا المتطوع ممن تحصل به الكفاية، أما لو جاءنا إنسان يريد أن يتطوع لكن ما يحسن الأذان والإقامة، فنحن أيش؟ معلوم، لا نعطيه؛ لأنه لا يقوم بالواجب.
قال المؤلف ﵀: (ويكون المؤذن صيتًا أمينًا عالمًا بالوقت) كلمة (يكون) تحتمل الوجوب، وتحتمل الاستحباب؛ يعني: يحتمل أن المعنى يستحب أن يكون، يحتمل أن المعنى يجب أن يكون، ويمكن أن ننظر ما تقتضيه الأدلة من هذه الصفات، فنقول: هو واجب إن دلت الأدلة على وجوبه أو مستحب.
(يكون المؤذن صيتًا) هذا سنة وليس بواجب، الواجب أن يسمع من يؤذن لهم فقط، وما زاد على ذلك فهو سنة.
وكلمة (صيتًا) يحتمل أن يكون المعنى: قوي الصوت، ويحتمل أن يكون المعنى: حسن الصوت، ويحتمل أن يكون المعنى: حسن الأداء، وانظروا إلى هذا هل يحتمل أو لا يحتمل؟
стр. 698
صيت: قوي الصوت، واضح، حسن الصوت أيضًا واضح، وإن كان دون الأول، لكن (حسن الأداء) غير واضح، من هذه العبارة، ما هو واضح، إذنْ لو أردنا أن نختار مؤذنًا نختار الصيت الذي يكون حسن الصوت، قوي الصوت، وإن كان مع ذلك حسن الأداء فهو خير بلا شك.
فهنا ثلاثة أوصاف تعود على التلفظ بالأذان؛ أحدها: قوة الصوت، والثاني: حسنه، والثالث: حسن الأداء. كل هذا أمر مطلوب.
ونستنبط من قول المؤلف: (يُسَن أن يكون صيتًا) نستنبط أن هذه المكبرات للصوت تعتبر من نعمة الله؛ لأنها تزيد صوت المؤذن قوة وحُسنًا بلا شك، ولا محذور فيها شرعًا، فإذا لم يكن فيها محذور شرعي وكانت وسيلة لأمر مطلوب شرعي، فللوسائل أحكام المقاصد؛ ولهذا أمر النبي ﵊ العباس بن عبد المطلب أن ينادي يوم حنين؛ لقوة صوته ﵁: يا أصحابُ السَّمُرَة، يا أصحاب سورة البقرة (٢٤)؛ لأنه كان قوي الصوت، فدل هذا على أن الذي يطلب فيه قوة الصوت ينبغي أن يختار فيه ما يكون أبلغ في تأدية الصوت.
(أمينًا) ما تقولوا في (أمينًا)؟ هل نجعلها كالوصف السابق؛ على سبيل الاستحباب أو على سبيل الوجوب، الغريب أن الظاهر من المذهب أنه سنة؛ أن يكون أمينًا، والصحيح أنه واجب، الأمانة هي أحد الركنين المقصودين في كل شيء.
والركن الثاني: القوة؛ ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وقال الجني العفريت الذي أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان ويش قال؟ ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩].
وعدم السداد في العمل يأتي من اختلال أحد الوصفين؛ إما ألَّا يكون الإنسان قويًّا في هذا العمل فيعجز عنه، أو يكون قويًّا لكنه غير أمين، فلا يؤمن عليه.
стр. 699
لكن ما تقولون إذا وُجِد ضعيف أمين وقوي غير أمين، ما هو في الأذان، في غير الأذان، في أي عمل، هل نقدم القوي غير الأمين ولَّا نقدم الأمين غير القوي؟
على حسب ما يقتضيه العمل؛ بعض الأعمال تكون فيه مراعاة الأمانة أولى، وبعض الأعمال مراعاة القوة أولى؛ لأن القوي قد يفيد ما لا يفيده الضعيف في مسائل كثيرة، ولا سيما في موضوع الإمارات وما أشبهها؛ يعني: القوة في الإمارة قد تكون أولى من مراعاة الأمانة، الأمانة في القضاء قد تكون أولى من مراعاة القوة؛ لأن القاضي غير منفذ.
على كل حال، يشترط؛ يعني: ينبغي أو يجب أن يكون المؤذن أمينًا على أيش؟ أمينًا على الوقت، أمينًا على عورات الناس؛ لأن الناس فيما سبق يؤذنون في المنارات، واللي يطلع في المنارة يكشف بيوت الناس، ولَّا لا؟ فيحتاج أن يكون أمينًا؛ لا يطلع على عورات الناس، يقوم يؤذن في المنارة ويرى النساء، ويرى ما يحدث في البيوت، هذا ما هو أمين، لا بد أن يكون أمينًا؛ أمينا على الأذان ومراعاة الأوقات، وأمينًا على عورات الناس، لا يطلع عليها إذا صعد المنارة.
(عالمًا بالوقت) هذا شرط ولَّا غير شرط؟ هذا غير شرط؛ لأنه يعلم، كان ابن أمِّ مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يُقال: أصبحتَ أصبحتَ (٢٥)، فينبغي أن يكون عالمًا بالوقت؛ يعني: بنفسه، هذا هو الأكمل والأفضل؛ لأنه قد يتعذر عليه من يخبره عند أوان الأذان، فينبغي أن يكون هو عالمًا بالوقت.
العلم بالوقت يكون بالعلامات التي جعلها الشارع علامة، وهي الظهر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الشمس ولَّا زوال الشمس؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: في العصر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أن يصير ظل كل شيء مثليه، كذا؟ صلاة العصر، توافقونه؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: مثله بعد فيء الزوال. في المغرب؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: إذا غابت الشمس، في العشاء؟
طالب: إذا غاب ( ... ).
الشيخ: الشفق الأحمر، في الفجر؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أي الفجرين؟
الطالب: ( ... ).
стр. 700
الشيخ: الفجر الأول، ( ... ) يقولون: الفجر الثاني، أيهما أصح؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الفجر الثاني اللي هو الصادق، وسيأتي -إن شاء الله- بيانه.
هذا علامة الوقت بالعلامات الشرعية التي رتبها الشارع، لكن هذه العلامات في وقتنا الحاضر أصبحت علامات خفية، ما كل أحد يعرفها، وصار الناس يعتمدون على الساعات في معرفة الوقت؛ يعني: في معرفة حلول الوقت، وعلى التقويمات في معرفة الأوقات، ولكن التقاويم تختلف في الوقت؛ يكون بين كل واحد والآخر أحيانًا إلى ست دقائق، والست دقائق ما هي هينة لا سيما في أذان الفجر وأذان المغرب؛ لأنهما يتعلق بهما الصيام، مع أن كل الأوقات يجب فيها التحري.
فإذا اختلف تقويمان عندنا وكل من التقويمين صادر عن أهل وعالم بالوقت، فهل نقدم الثاني اللي متأخر أو المتقدم؟ نقدم المتأخر في كل الأوقات؛ لأن الأصل عدم دخول الوقت، وكل من المخبرين ثقة، هذا التقويم صادر من أهله، وهذا تقويم آخر صادر من أهله، وكل منهم نعرف أنه ثقة وعالم، فإذن نقول: نأخذ بالمتأخر؛ لأن الأصل عدم الدخول.
وقد نص الفقهاء على مثل هذا، فقالوا ﵏: لو قال لرجلين ارقبا لي الفجر؛ يعني: تحروا الفجر وترقبوه، فقال أحدهما: طلع الفجر، وقال الثاني: لم يطلع الفجر، من نأخذ بقوله؟ بقول الثاني، يأكل ويشرب ودُكْهَا يصيح عليه: لا تأكل بالنهار، لا تأكل بالنهار، وهذا قال: ترى ما طلع الفجر، نقول: كل، حتى يتفقا الاثنان؛ إذا قال الثاني: طلع الفجر، أمسك، هذا من أهل العلم، دليل واضح، على أنه إذا اختلف عالمان بالوقت؛ فقال أحدهما: دخل، وقال الثاني: لم يدخل أن نأخذ بمن؟ بقول من يقول: إنه لم يدخل، وهذا له أصل، وهو أن الأصل عدم دخول الوقت، فنأخذ بالثاني.
стр. 701
وفي وقتنا الآن التقاويم التي نحن نشاهد نجد فيها فرقًا إلى خمس وست دقائق، وهذا مشكل، لكني أنا شخصيًّا آخذ بالمتأخر، لا في أوقات الصلوات ولا غيرها، حتى مثلًا لو كان في الفجر، رأيت التقويم يقول: طلع الفجر، وتقويم آخر يقول: باقي ست دقائق، فأنا آخذ بالثاني، وآكل وأشرب أكلًا وشربا هنيئًا مريئًا -إن شاء الله- حتى يتفقا الطرفان، أما إذا كان أحدهما أعلم من الثاني أو كان أحدهما أوثق من حيث الأمانة فلا شك أن الإنسان يرجح من هو أوثق وأعلم، أما مع التساوي أو ربما يرجح الإنسان من حيث ما يسمونه بالتكنولوجيا يرجح الثاني، فسيأخذ بالثاني.
طالب: فيه واحد مثلًا ماسك مسجد بسكن معين بيصلي بالناس أو يؤذن وما يتوقف للأوقاف دخول، وبعد كام أيام شاف إذا ما فيه فائدة وترك ( ... )؟
الشيخ: فاهمين سؤاله؟ يقول: هذا واحد ماسك مسجد أذانًا أو إمامًا، وبقي شهر أو شهران، شاف أن الأوقاف ما هي ( ... ) وترك المسجد، ويش تفسيره؟
طالب: ينظر إلى نيته.
الشيخ: إي نعم، ينظر إلى نيته؛ إن كان الرجل يقول: أنا انحبست بهذا لله وأستعين بما يعطونني على الأذان وعلى أعمالي الأخرى، فأما إذا لم يحصل لي فأنا أريد أن أشتغل؛ لأن الأذان والإمامة تحبس الإنسان.
فإن تَشَاحَّ فيه اثنان قُدِّمَ أفضَلُهما فيه، ثم أَفْضَلُهما في دِينِه وعَقْلِه، ثم مَن يَختارُه الْجِيرانُ، ثم قُرْعَةٌ، وهو خَمْسَ عشرةَ جملةً يُرَتِّلُها على عُلُوٍّ مُتَطَهِّرًا مُستقبِلَ القِبلةِ جاعلًا أُصبعَيْهِ في أُذُنَيْه غيرَ مُستَدْيِرٍ مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَةِ يَمينًا وشِمالًا قائلًا بعدَهما في أَذانِ الصبْحِ (الصلاةُ خيرٌ من النومِ) مَرَّتينِ.
стр. 702
وهي إحدى عشرةَ يَحْدُرُها ويُقيمُ مَن أَذَّنَ في مكانِه إن سَهُلَ، ولا يَصِحُّ إلا مُرَتَّبًا متوالِيًا من عَدْلٍ ولو مُلْحِنًا أو مَلحونًا، ويُجْزِئُ من مُمَيِّزٍ، ويُبْطِلُهما فَصْلٌ كثيرٌ، ويَسيرٌ مُحَرَّمٌ، ولا يُجْزِئُ قبلَ الوَقتِ إلا الْفَجْرُ بعدَ نِصفِ الليلِ، ويُسَنُّ جُلوسُه بعدَ أذانِ الْمَغرِبِ يَسيرًا، ومَن جَمَعَ أو قَضَى فَوائِتَ أَذَّنَ للأُولى ثم أقامَ لكلِّ فَريضةٍ،
(تشاحَّا فيه) يعني: تزاحمَا فيه، كل واحد منهما يطلب أن يكون هو المؤذِّن، بأن تقدَّم إلى هذا المسجد رجلان كل منهما يريد أن يكون هو المؤذِّن.
ومن المعلوم أن هذا في مسجد لم يتعين له مؤذِّن، فإن تعيَّن له مؤذِّن بقي الأمر على ما كان عليه؛ لقول النبي ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (١)، كذلك لا يؤذِّن الرجل في سلطان مؤذِّن آخر، فإذا كان قد رُتب للمسجد مؤذِّن فلا يجوز لأحد أن يزاحمه؛ لأنه أهل، ونَزل منزلًا شرعيًّا، فلا يجوز الاعتداء عليه.
لكن إذا كان المسجد من الآمر نطلب له مؤذِّنًا، فتقدم له مؤذنِّان كل واحد يقول: أنا. يقول المؤلف: (قُدِّمَ أفضلهما فيه)، أفضلهما في الأذان، يعني: فيما يتعلق بالأذان هو المقدَّم، فمثلًا: الصوت يدخل في هذا ولَّا لا؟
أحسنهما صوتًا وأداءً وأقواهما يُقدَّم، الأمانة تدخل في هذا أيضًا، العلم بالوقت كذلك يدخل في هذا، إذن يُنْظَر أفضلهما في الأذان، لماذا؟ لأنهما تزاحمَا في عمل فقُدِّمَ أقومهما به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
ثم بعد ذلك (أفضلهما في دينه وعقله)، (أفضلهما في دينه) واضح، يعني إذا وجدنا أحدهما أطوع لله من الآخر فإننا نقدمه.
стр. 703
ثم في (عقله) ويش العقل؟ يعني: العقل حسن الترتيب، أن يكون عنده عقل يستطيع أن يُرتب نفسه، يستطيع أن يمشي مع الناس؛ لأن بعض الناس ما عنده سعة عقل، ما يتحمل من الناس أدنى شيء، فإذا كان هذا الرجل عاقلًا ونعرف أنه سيصبر على أذى الناس؛ لأن الناس مهما كان الإنسان لا بد أن يحصل عليه اعتراض وأذى، وإذا كان الإنسان عاقلًا صار أشد تحملًا.
ولم يذكر المؤلف أفضلهما في علمه، وهذا أمر لا بد منه، فإننا نقدِّم أعلمهما؛ لأن غير العالم قد يجهله بعض الأمور.
فإذا قال قائل: ربما يؤخذ ذلك من قوله: (أفضلهما فيه)، بحيث يكون الأعلم بأحكام الأذان داخلًا في قوله أيش؟ (أفضلهما فيه)، فإن تحملت هذه الكلمة الأعلم فهذا هو المطلوب، وإن لم تتحمل فإنه يجب أن ننظر إلى علمه؛ لأن بعض المؤذِّنين مثلًا لو يأتي متأخرًا فيسأل: هل يؤذن أو يقتصر على أذان المساجد الأخرى، إذا كان معه علم عرف كيف يتصرف؛ وكذلك إذا كان معه عقل يعرف كيف يتصرف، إذا كان أعقل يقول: والله الآن مضى نصف ساعة بعد الأذان، لو أذَّنت الآن لشوَّشْت على الناس، وقد حصل الفرض بأذان مَن حولنا، إذن لا أُؤَذِّن، وأن هذا عقل، ولهذا قال:
(ثم أفضلهما في دينه وعقله، ثم مَن يختاره الجيران)، مَن هم الجيران؟
جيران المسجد يعني أهل الحي، يعني لو تقدَّم الرجلان وجدنا أنهما مستويان فيما يتعلق بالأذان، مستويان في الدين والعقل، نرجع إلى مَن يختاره الجيران، ولكن إذا قال قائل: متى نجد مؤذِّنًا يُجمِع الجيران على اختياره كما هو ظاهر عبارة المؤلف (الجيران)؟
نقول: إذا تعذَّر إجماعهم على اختياره أخذنا بقول الأكثر؛ لأنه قلَّ أن تجد رجلًا يجتمع الناس على اختياره، فنأخذ بقول الأكثر.
стр. 704
وظاهر كلام المؤلف أنه لا اعتبار باختيار المسؤول عن شؤون المساجد؛ لأن الأذان إنما هو لأهل الحي، فهم المسؤلون عن اختيار المؤذِّن، ولكنَّ في هذا نظرًا، بل نقول: إن المسؤول عن شؤون المساجد لا بد أن يكون له نوع اختيار؛ لأنه هو المسؤول، ولهذا عندما يحصل إخلال من المؤذن إلى مَن يرجع؟
إلى المسؤول عن شؤون المساجد، إذن فلا بد من مراعاة المسؤول عن شؤون المساجد في هذا الاختيار.
ثم قال المؤلف: (ثم قرعة)، إذا تعادلت جميع الصفات ولم يحصل ترجيح من الجيران، أو تعادل الترجيح، فحينئذٍ نلجأ إلى القرعة؛ لأن القرعة يحصل بها تمييز المشتبِه وتبيين الْمُجْمَل، وقد جاءت القرعة في القرآن وفي السنة، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١].
وأما السنة فوردت في عدة أحاديث منها: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. (٢)
ولأن القرعة يحصل بها فك الخصومة والنزاع فهي طريق شرعي، ولكن كيف نُقْرِع؟ نقول: أي صفة أو أي كيفية أَقرع بها فهي جائزة؛ لأنها ليس لها وصف شرعي أو كيفية شرعية، فأي صفة اتفقوا عليها في القرعة والكيفية فإنها جائزة.
ثم قال المؤلف: (وهو) أي: الأذان (خمس عشرة جملة يُرَتِّلُهَا)، (وهو)، (هو) ضمير منفصل مبتدأ، و (خمس عشرة) فيها إشكال إن نطقنا بها هكذا (خمسَ عشرة)، وإن نطقنا بها: وهو خمسُ عشرة، لم يكن فيه إشكال، صح؟
طلبة: ( ... ).
стр. 705
الشيخ: إذا قلنا: (وهو خمسُ عشرة) رفعنا المبتدأ ما فيه إشكال، وإن قلنا: (وهو خمسَ عشرة) ونصبنا الخبر ففيه إشكال، إذن ماذا نقول؟
نقول: (وهو خمسْ عشرة) نسَكِّن، سَكِّن تَسْلَم، ما هو الصواب؟ الصواب: خمسَ عشرة، واللي توه مُبْتَدِئ بالنحو يقول: كيف أنكم تنصبون الخبر؟
نقول: الكلمة هذه مركبة مَبْنِيَّة على الفتح، ولهذا لو قال أحد: (وهو خمسُ عشرة)، قلنا: هذا خطأ.
أما (جملة) فهي تمييز للعدد؛ لأن العدد فيه إبهام فيُميَّز (خمسَ عشرة جملة)، نشوف التكبير في أوله أربعة، الشهادتان أربعة، كم هذه؟ ثمانية، الْحَيْعَلَتَان أربعة؛ اثنا عشر، التكبير في آخره مرتان، والتوحيد واحدة، هذه خمس عشرة جملة؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: ما هي من الأذان، خمس عشرة جملة هذا الأذان، لا بد من هذه الخمس عشرة جملة، لا بد منها، لو نقص منها واحدة ما صح الأذان.
وهذا أول الشروط في الأذان، يُشْتَرَط ألَّا ينقص عن خمس عشرة جملة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم ( ... )، لكنَّا نقتصر على المشهور من المذهب، ونقول: كل ما صَحَّت به السنة من صفات الأذان فهو جائز، بل الذي ينبغي أن يؤذِّن بهذا تارة وبهذا تارة إن لم يحصل تشويش وفتنة.
فإذا كنا في نزهة وليس معنا إلا طلبة علم، فينبغي أن يؤذَّن أحيانًا بهذا الأذان، وأحيانًا بأذان أبي محذورة (٣)، فنُرجِّع في الشهادتين، ونقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، سِرًّا في أنفسنا، ثم نقولها جهرًا، فيكون الأذان على هذا تسع عشرة جملة، إن كان التربيع في أوله.
أما إذا قلنا بأن التكبير في أوله مرتين مع الترجيع يكون كم؟ سبع عشرة جملة، وعلى هذا فالمشهور عند الحنابلة كم؟
следующие страницы →