← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وفي وقتنا الآن التقاويم التي نحن نشاهد نجد فيها فرقًا إلى خمس وست دقائق، وهذا مشكل، لكني أنا شخصيًّا آخذ بالمتأخر، لا في أوقات الصلوات ولا غيرها، حتى مثلًا لو كان في الفجر، رأيت التقويم يقول: طلع الفجر، وتقويم آخر يقول: باقي ست دقائق، فأنا آخذ بالثاني، وآكل وأشرب أكلًا وشربا هنيئًا مريئًا -إن شاء الله- حتى يتفقا الطرفان، أما إذا كان أحدهما أعلم من الثاني أو كان أحدهما أوثق من حيث الأمانة فلا شك أن الإنسان يرجح من هو أوثق وأعلم، أما مع التساوي أو ربما يرجح الإنسان من حيث ما يسمونه بالتكنولوجيا يرجح الثاني، فسيأخذ بالثاني. طالب: فيه واحد مثلًا ماسك مسجد بسكن معين بيصلي بالناس أو يؤذن وما يتوقف للأوقاف دخول، وبعد كام أيام شاف إذا ما فيه فائدة وترك ( ... )؟ الشيخ: فاهمين سؤاله؟ يقول: هذا واحد ماسك مسجد أذانًا أو إمامًا، وبقي شهر أو شهران، شاف أن الأوقاف ما هي ( ... ) وترك المسجد، ويش تفسيره؟ طالب: ينظر إلى نيته. الشيخ: إي نعم، ينظر إلى نيته؛ إن كان الرجل يقول: أنا انحبست بهذا لله وأستعين بما يعطونني على الأذان وعلى أعمالي الأخرى، فأما إذا لم يحصل لي فأنا أريد أن أشتغل؛ لأن الأذان والإمامة تحبس الإنسان. فإن تَشَاحَّ فيه اثنان قُدِّمَ أفضَلُهما فيه، ثم أَفْضَلُهما في دِينِه وعَقْلِه، ثم مَن يَختارُه الْجِيرانُ، ثم قُرْعَةٌ، وهو خَمْسَ عشرةَ جملةً يُرَتِّلُها على عُلُوٍّ مُتَطَهِّرًا مُستقبِلَ القِبلةِ جاعلًا أُصبعَيْهِ في أُذُنَيْه غيرَ مُستَدْيِرٍ مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَةِ يَمينًا وشِمالًا قائلًا بعدَهما في أَذانِ الصبْحِ (الصلاةُ خيرٌ من النومِ) مَرَّتينِ.

стр. 702

وهي إحدى عشرةَ يَحْدُرُها ويُقيمُ مَن أَذَّنَ في مكانِه إن سَهُلَ، ولا يَصِحُّ إلا مُرَتَّبًا متوالِيًا من عَدْلٍ ولو مُلْحِنًا أو مَلحونًا، ويُجْزِئُ من مُمَيِّزٍ، ويُبْطِلُهما فَصْلٌ كثيرٌ، ويَسيرٌ مُحَرَّمٌ، ولا يُجْزِئُ قبلَ الوَقتِ إلا الْفَجْرُ بعدَ نِصفِ الليلِ، ويُسَنُّ جُلوسُه بعدَ أذانِ الْمَغرِبِ يَسيرًا، ومَن جَمَعَ أو قَضَى فَوائِتَ أَذَّنَ للأُولى ثم أقامَ لكلِّ فَريضةٍ، (تشاحَّا فيه) يعني: تزاحمَا فيه، كل واحد منهما يطلب أن يكون هو المؤذِّن، بأن تقدَّم إلى هذا المسجد رجلان كل منهما يريد أن يكون هو المؤذِّن. ومن المعلوم أن هذا في مسجد لم يتعين له مؤذِّن، فإن تعيَّن له مؤذِّن بقي الأمر على ما كان عليه؛ لقول النبي ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (١)، كذلك لا يؤذِّن الرجل في سلطان مؤذِّن آخر، فإذا كان قد رُتب للمسجد مؤذِّن فلا يجوز لأحد أن يزاحمه؛ لأنه أهل، ونَزل منزلًا شرعيًّا، فلا يجوز الاعتداء عليه. لكن إذا كان المسجد من الآمر نطلب له مؤذِّنًا، فتقدم له مؤذنِّان كل واحد يقول: أنا. يقول المؤلف: (قُدِّمَ أفضلهما فيه)، أفضلهما في الأذان، يعني: فيما يتعلق بالأذان هو المقدَّم، فمثلًا: الصوت يدخل في هذا ولَّا لا؟ أحسنهما صوتًا وأداءً وأقواهما يُقدَّم، الأمانة تدخل في هذا أيضًا، العلم بالوقت كذلك يدخل في هذا، إذن يُنْظَر أفضلهما في الأذان، لماذا؟ لأنهما تزاحمَا في عمل فقُدِّمَ أقومهما به، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. ثم بعد ذلك (أفضلهما في دينه وعقله)، (أفضلهما في دينه) واضح، يعني إذا وجدنا أحدهما أطوع لله من الآخر فإننا نقدمه.

стр. 703

ثم في (عقله) ويش العقل؟ يعني: العقل حسن الترتيب، أن يكون عنده عقل يستطيع أن يُرتب نفسه، يستطيع أن يمشي مع الناس؛ لأن بعض الناس ما عنده سعة عقل، ما يتحمل من الناس أدنى شيء، فإذا كان هذا الرجل عاقلًا ونعرف أنه سيصبر على أذى الناس؛ لأن الناس مهما كان الإنسان لا بد أن يحصل عليه اعتراض وأذى، وإذا كان الإنسان عاقلًا صار أشد تحملًا. ولم يذكر المؤلف أفضلهما في علمه، وهذا أمر لا بد منه، فإننا نقدِّم أعلمهما؛ لأن غير العالم قد يجهله بعض الأمور. فإذا قال قائل: ربما يؤخذ ذلك من قوله: (أفضلهما فيه)، بحيث يكون الأعلم بأحكام الأذان داخلًا في قوله أيش؟ (أفضلهما فيه)، فإن تحملت هذه الكلمة الأعلم فهذا هو المطلوب، وإن لم تتحمل فإنه يجب أن ننظر إلى علمه؛ لأن بعض المؤذِّنين مثلًا لو يأتي متأخرًا فيسأل: هل يؤذن أو يقتصر على أذان المساجد الأخرى، إذا كان معه علم عرف كيف يتصرف؛ وكذلك إذا كان معه عقل يعرف كيف يتصرف، إذا كان أعقل يقول: والله الآن مضى نصف ساعة بعد الأذان، لو أذَّنت الآن لشوَّشْت على الناس، وقد حصل الفرض بأذان مَن حولنا، إذن لا أُؤَذِّن، وأن هذا عقل، ولهذا قال: (ثم أفضلهما في دينه وعقله، ثم مَن يختاره الجيران)، مَن هم الجيران؟ جيران المسجد يعني أهل الحي، يعني لو تقدَّم الرجلان وجدنا أنهما مستويان فيما يتعلق بالأذان، مستويان في الدين والعقل، نرجع إلى مَن يختاره الجيران، ولكن إذا قال قائل: متى نجد مؤذِّنًا يُجمِع الجيران على اختياره كما هو ظاهر عبارة المؤلف (الجيران)؟ نقول: إذا تعذَّر إجماعهم على اختياره أخذنا بقول الأكثر؛ لأنه قلَّ أن تجد رجلًا يجتمع الناس على اختياره، فنأخذ بقول الأكثر.

стр. 704

وظاهر كلام المؤلف أنه لا اعتبار باختيار المسؤول عن شؤون المساجد؛ لأن الأذان إنما هو لأهل الحي، فهم المسؤلون عن اختيار المؤذِّن، ولكنَّ في هذا نظرًا، بل نقول: إن المسؤول عن شؤون المساجد لا بد أن يكون له نوع اختيار؛ لأنه هو المسؤول، ولهذا عندما يحصل إخلال من المؤذن إلى مَن يرجع؟ إلى المسؤول عن شؤون المساجد، إذن فلا بد من مراعاة المسؤول عن شؤون المساجد في هذا الاختيار. ثم قال المؤلف: (ثم قرعة)، إذا تعادلت جميع الصفات ولم يحصل ترجيح من الجيران، أو تعادل الترجيح، فحينئذٍ نلجأ إلى القرعة؛ لأن القرعة يحصل بها تمييز المشتبِه وتبيين الْمُجْمَل، وقد جاءت القرعة في القرآن وفي السنة، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١]. وأما السنة فوردت في عدة أحاديث منها: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. (٢) ولأن القرعة يحصل بها فك الخصومة والنزاع فهي طريق شرعي، ولكن كيف نُقْرِع؟ نقول: أي صفة أو أي كيفية أَقرع بها فهي جائزة؛ لأنها ليس لها وصف شرعي أو كيفية شرعية، فأي صفة اتفقوا عليها في القرعة والكيفية فإنها جائزة. ثم قال المؤلف: (وهو) أي: الأذان (خمس عشرة جملة يُرَتِّلُهَا)، (وهو)، (هو) ضمير منفصل مبتدأ، و (خمس عشرة) فيها إشكال إن نطقنا بها هكذا (خمسَ عشرة)، وإن نطقنا بها: وهو خمسُ عشرة، لم يكن فيه إشكال، صح؟ طلبة: ( ... ).

стр. 705

الشيخ: إذا قلنا: (وهو خمسُ عشرة) رفعنا المبتدأ ما فيه إشكال، وإن قلنا: (وهو خمسَ عشرة) ونصبنا الخبر ففيه إشكال، إذن ماذا نقول؟ نقول: (وهو خمسْ عشرة) نسَكِّن، سَكِّن تَسْلَم، ما هو الصواب؟ الصواب: خمسَ عشرة، واللي توه مُبْتَدِئ بالنحو يقول: كيف أنكم تنصبون الخبر؟ نقول: الكلمة هذه مركبة مَبْنِيَّة على الفتح، ولهذا لو قال أحد: (وهو خمسُ عشرة)، قلنا: هذا خطأ. أما (جملة) فهي تمييز للعدد؛ لأن العدد فيه إبهام فيُميَّز (خمسَ عشرة جملة)، نشوف التكبير في أوله أربعة، الشهادتان أربعة، كم هذه؟ ثمانية، الْحَيْعَلَتَان أربعة؛ اثنا عشر، التكبير في آخره مرتان، والتوحيد واحدة، هذه خمس عشرة جملة؟ طالب: ( ... ). الشيخ: ما هي من الأذان، خمس عشرة جملة هذا الأذان، لا بد من هذه الخمس عشرة جملة، لا بد منها، لو نقص منها واحدة ما صح الأذان. وهذا أول الشروط في الأذان، يُشْتَرَط ألَّا ينقص عن خمس عشرة جملة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم ( ... )، لكنَّا نقتصر على المشهور من المذهب، ونقول: كل ما صَحَّت به السنة من صفات الأذان فهو جائز، بل الذي ينبغي أن يؤذِّن بهذا تارة وبهذا تارة إن لم يحصل تشويش وفتنة. فإذا كنا في نزهة وليس معنا إلا طلبة علم، فينبغي أن يؤذَّن أحيانًا بهذا الأذان، وأحيانًا بأذان أبي محذورة (٣)، فنُرجِّع في الشهادتين، ونقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، سِرًّا في أنفسنا، ثم نقولها جهرًا، فيكون الأذان على هذا تسع عشرة جملة، إن كان التربيع في أوله. أما إذا قلنا بأن التكبير في أوله مرتين مع الترجيع يكون كم؟ سبع عشرة جملة، وعلى هذا فالمشهور عند الحنابلة كم؟

стр. 706

خمس عشرة جملة بدون ترجيع، وعند مالك سبع عشرة جملة بالتكبير مرتين في أوله مع الترجيع، وعند الشافعي تسع عشرة جملة بالتكبير في أوله أربعًا مع الترجيع، وكل هذا مما جاءت به السنة، فإذا أذَّنْتَ بهذا مرة وبهذا مرة كان ذلك أولى وأحسن، وقد ذكرنا أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي للإنسان أن يفعلها على هذه الوجوه، وقلنا: إن تنويعها فيه ثلاث فوائد، من يذكرها لنا؟ طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، حفظ السنة بوجوهها؛ لأنك لو اقتصرت على واحد منها مات الآخر، الثاني؟ طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم ( ... ). طالب: التيسير على المكلَّف ( ... ). الشيخ: التيسير على المكلَّف؛ لأنه أحيانًا تكون بعض الوجوه أخف من بعض، ولنضرب لذلك مثلًا: في التسبيح، التسبيح في أدبار الصلوات بعضها من السنة، بعض السنن فيه أن تسبِّح عشرًا، وتَحمد عشرًا، وتُكَبِّر عشرًا (٤)، هذا أحيانًا يكون أيسر لك، في بعض الأحيان، وهو من جهة أخرى أيسر بأن لا يَمل الإنسان. الرابع: أن ذلك أحضر للقلب؛ لأنك إذا اعتدت صفة معينة صارت بمنزلة الماكينة الأتوماتيكية، ولهذا تجد إذا كنت ماشيًا على صفة معينة يمكن تقولها، ولا تدري إلا أنت في أثناء ( ... ) ليش؛ لأن هذه هي العادة، فإذا ذهبت إلى النوع الآخر صار أشد استحضارًا للعبادة .. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما يدخل، هذا غير هذا، استحضار النية أنك تنوي العبادة، أما لو كانت وتيرة واحدة ما حصلت لك النية. إذن نقول: الأفضل في الأذان أن تأتي به على جميع الصفات التي صحت عن النبي ﷺ ، بشرط ألَّا يحصل بذلك تشويش وفتنة؛ فإن حصل في هذا تشويش وفتنة فقد ترك النبي ﷺ بناء الكعبة خوفًا من الفتنة. (٥) طالب: ( ... ) المطر. الشيخ: في حالة المطر أيضًا هو خمس عشرة جملة؛ لأنه لو عملنا بالحديث أمام العامة حصل فتنة، لكن في طلبة العلم لا بأس أنك تقول: صلوا في رحالكم.

стр. 707

قال: (يُرَتِّلُهَا) يعني يقولها جملةً جملةً، فيقول: الله أكبر، ويسكت، الله أكبر، ويسكت، حتى يكمل، هذا هو الأفضل، وفيه صفة أخرى أنه يقرن بين التكبيرتين، في التكبيرات يقرن بين كل تكبيرتين، فيقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ويقول في الأخير: الله أكبر الله أكبر، لكن المذهب أنه يُرَتِّلُهَا، ولو أن الإنسان عمل بهذا وبالصفة الأخرى لكان أفضل كما عرفتم. (على عُلْوٍ) يعني ينبغي أن يكون الأذان على شيء عالٍ؛ لأن ذلك أبعد للصوت، والناس محتاجون إلى الأذان، لا سيما فيما سبق لما لم تكن الساعات موجودة، أما الآن والحمد لله الساعات موجودة، يمكن تجد في المجلس الواحد عند بعض الناس ساعتين، لكن مع ذلك يُسَنُّ أن يكون على شيء عال. ولا فرق بين أن يكون العُلو بذات المؤذِّن أو بصوت المؤذِّن كما هو الموجود الآن، الآن العُلو بصوت المؤذِّن، أما بَدَنُ المؤذِّن فإنه في الأرض، ما يصعد، لكن ما دام الصوت يُسمَع من المنارة فهذا كالذي يصعد، وهذا من تيسير الله على عباده ألَّا يتكلَّفوا ولا يشق عليهم، لا سيما في أيام الشتاء وأيام الأمطار. يقول: (مُتَطَهِّرًا) من الحدَث، وهذا سنة ولَّا؟ سُنَّة، يكون متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، ولكن قال الفقهاء ﵏: إنه يُكْرَه أذان الْجُنُب دون أذان المُحدِث حدَثًا أصغر، فالمراتب إذن ثلاثة: الأكمل الطهارة من الحدثين، والجائز الحدث الأصغر، والمكروه الحدث الأكبر. هذا إذا لم تكن المنارة في المسجد، فإن كانت في المسجد فإنه لا يجوز الآذان في المسجد إلا بوضوء.

стр. 708

قال: (مُسْتَقْبِلَ القبلة)؛ لأن هذا هو الذي ورد، ولأن هذه عبادة، والأفضل في العبادة أن يكون الإنسان فيها مُسْتَقْبِلَ القبلة ما لم يَرِد خلافه، ولهذا لما ذكر الفقهاء ﵏ أنه يُسَنُّ أن يتوضأ وهو مستقبِل القبلة، قال صاحب الفروع: وهو مُتَوَجِّه في كل طاعة إلا بدليل، يعني كل طاعة ينبغي أن يستقبل القبلة فيها إلا بدليل، ولكن هذا فيه المناقشات؛ لأن كوننا نستحب في كل طاعة إلا بدليل يحتاج إلى دليل. يقول: (جاعلًا أصبعيه في أذنيه) أيّ الأصابع؟ السبابتين في أذنيه هكذا، لماذا؟ قالوا: لأن في ذلك فائدتين: الفائدة الأولى: أنه أقوى للصوت. الفائدة الثانية: لِيَرَاه مَن كان بعيدًا، فيعرف أنه يؤذِّن، أو ليراه مَن لا يسمع فيعرف أنه يؤذِّن. التعليل الأول لا يزال موجودًا حتى الآن، والتعليل الثاني الآن موجود؟ طلبة: نعم ( ... ). الشيخ: هو على كل حال إن كان موجودًا فهو موجود، يعني ربما أن المؤذِّن إذا تقدَّم إلى مكان الأذان يكون فيه واحد ما يسمع، ويحسب أنه تقدم بيصلح شيء ولَّا بيعمل عمل آخر، فإذا وضع أصبعيه في أذنيه عرف أنه يؤذِّن. قال (غير مستدير)، يعني: لا يستدير، ويش معنى (غير مستدير)؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، ما هو .. طالب: ( ... ). الشيخ: الاستدارة يعني يمشي، وقال بعض الفقهاء: إنه إذا كان في منارة فإنه يستدير، المنارة يكون لها طوق مثل الأخيرات، الأخيرات هذه يقول: إذا أذَّن يستدير، ليش؟ علشان يسمع الناس من كل جهة، لكن الحمد لله نحن الآن قد كُفِينَا هذا، وجُعِلَ في كل جهة سمَّاعة وتكفي عن الاستدارة، وأنتم في .. طالب: ( ... ) الشيخ: طيب، نعم .. طالب: ( ... ) الشيخ: (غير مستدير مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَة يمينًا وشمالًا). الحيعلة يعني قول: حَيَّ على الصلاة، وهي مصدر يسمَّى المصدر المصنوع؛ لأنه مركَّب من عدة كلمات، حيعلة من حَيَّ على، ومثلها بَسْمَلَة، وحَوْقَلَة، وحَمْدَلَة، وهَيْلَلَة. طالب: ( ... ).

стр. 709

الشيخ: وجَعْفَلَة، إي نعم، هي من المصادر المصنوعة؛ لأنها مركَّبَة من عدة كلمات، الْحَيْعَلَتَيْنِ يلتفت يمينًا وشمالًا، والمؤلِّف ﵀ أجمل كيفية الالتفات. فقال بعضهم: إنه يلتفت يمينًا لحي على الصلاة في المرتين جميعًا، وشمالًا لحي على الفلاح في المرتين جميعًا. وقال بعضهم: يلتفت يمينًا لحي على الصلاة للمرة الأولى، وشمالًا للمرة الثانية، وحي على الفلاح يمينًا للمرة الأولى، وشمالًا للمرة الثانية، ليعطي كل جهة حظها من حي على الصلاة ومن حي على الفلاح. ولكن المشهور -وهو ظاهر السنة- أنه يلتفت يمينًا لحي على الصلاة في المرتين جميعًا، وشمالًا لحي على الفلاح في المرتين جميعًا، ولكن يلتفت في كل الجملة، أما ما يفعله بعض المؤذِّنين يقول: حي على، ثم يلتفت في الصلاة، حي على، ثم يلتفت في الفلاح، فهذا تصرُّف لا أصل له لا في السنة ولا في كلام العلماء، بل يقول: حي على الصلاة كلها يمين، ومثله أيضًا الالتفات في الصلاة عند التسليم، يلتفت في كل التسليم على اليمين وعلى اليسار. طالب: ( ... ). الشيخ: يغنون؟ ! ويش الأغنية اللي غنوها. طالب: ( ... ). الشيخ: إيش لون يعني، يغنون يجيبون أغاني؟ طالب: ( ... ). الشيخ: آه، يُلَحِّنُون، هذه ستأتينا في كلام المؤلف إن شاء الله. طالب: ( ... ). الشيخ: نشوفها إن شاء الله. طالب: ( ... ). الشيخ: إي، الفقهاء يكرهون هذا، يقول: يُكْرَه أنه يؤذِّن وهو يمشي، أو يُقِيم وهو يمشي، لكن ما فيه دليل. طالب: ( ... ). الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: هل يدخل النساء في قوله: أكثر الجيران؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: الظاهر أنه ما يدخل في هذا. طالب: ( ... ). الشيخ: هم ( ... ) لكن ما لهم ( ... ) ما هم من أهل الأذان. طالب: ( ... ). الشيخ: نعم، صحيح؛ لأن الأذان عبادة معيَّنة مثل التشهد الآن، لو قال لك مثلًا: التشهد ليش مرتبًا هذا الترتيب، أو يبدأ فيه بكذا ( ... )، الأذان عبادة خالصة جاءت في الشرع على هذا الوجه.

стр. 710

طالب: ( ... ). الشيخ: مثل أيش؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يظهر بعيونه. طلبة: ( ... ). الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا أول ورد، لكن كل الأحاديث فيها شيء من الضعف، ولا كان بلال يفعل هذا يضع أصبعيه في أذنيه (٦)، لكنه بس غالبًا فيها شيء من الضعف، ولهذا نعتمد بها على ( ... )؟ طالب: ( ... ). الشيخ: يعني الْجُنُب، إلا متوضئًا، إن الجنب يحرُم إلَّا متوضِّأً. الطالب: ( ... ). الشيخ: ما فيه شيء. طالب: ( ... ). الشيخ: إحنا ذكرنا لكم التطهر من الحدَثَيْن، هذا الأكمل. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما ذكرنا إلا هذا؛ الْجُنُب قلنا يُكرَه، إلا إذا كان في المنارة فيحرُم ما لم يتوضأ؟ طالب: ( ... ) يعتمدون على التقويم ( ... ) في رمضان مثلًا يؤذِّنون بعد الوقت بحوالي خمس عشرة دقيقة، هل يجوز أن الإنسان يأكل على غروب الشمس؟ الشيخ: يأكل على غروب الشمس أو الفجر؟ الطالب: لا، غروب الشمس، إذا غربت الشمس يبدأ بالفطور ( ... ). الشيخ: أنت قلت: الفجر، تقول أنهم الفجر يتأخَّرون ربع ساعة، كذا؟ الطالب: قلت: حسب التقويم يتأخر التقويم ربع ساعة عن الوقت. الشيخ: الفجر ولَّا؟ الطالب: لا، الغروب. الشيخ: الغروب. الطالب: نعم. الشيخ: ما ( ... ) إذا غربت الشمس أفطر. الطالب: يعتمدون على التقويم في كل البلد، ثم يأتي جماعة يعتمدون على الشمس. الشيخ: أبدًا، إذا غربت الشمس فليأكل، سواء أذَّن ولَّا ما أذَّن، ما فيه شيء. الطالب: لكن حصلت بهذا فتنة. الشيخ: ما فيها فتنة إذا كنت في البيت. الطالب: لا، هذا في المسجد أمام الناس ( ... ). الشيخ: لا، ما ينبغي، أمام الناس لا يفعل، يأكل شيئًا سرًّا. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأن الأذان عبادة. طالب: ( ... ). الشيخ: هذا غلط، لا، يمكن أنه ما هو في مسجد. الطالب: ( ... ). الشيخ: لا، ما يجوز، هذا لا يجوز؟ طالب: ( ... )

стр. 711

الشيخ: الجواز، جائز، لكن لما قال الرسول لعبد الله بن زيد بن عبد ربه: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» (٧) عرفنا أنه يُعْتَبَرُ الصيت؟ طالب: ( ... ). الشيخ: أي صفات. طالب: ( ... ). الشيخ: معلوم، هذا معروف؛ لأن الصحابة كلهم عدول وكلهم أمناء. ( ... ). *** حَقَّيْنِ متساوِيَيْنِ، أو مستحِقَّيْنِ متساوِيَيْنِ، فهي عند التساوي وعدم التمييز تستعمل، وهي طريق شرعي ثبتت في القرآن والسنة، وقلنا: إنها ذُكِرَت في القرآن مرتين؛ مرة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، ومرة في قصة يونس: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩ - ١٤١]. أما في السنة فوقعت في نحو ست حوادث، وذكرنا منها حديث أنس؛ أن الرسول ﷺ كان إذا أراد سفرًا أَقْرَعَ بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. (٢) قال المؤلف: (وهو خمس عشرة جملة، يرتلها على علو متطهِّرًا مستقبِل القبلة، جاعلًا أصبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، غيرَ مستدير، مُلْتَفِتًا في الْحَيْعَلَةِ يمينًا وشمالًا قائلًا بعدهما). (قائلًا بعدهما) أي: بعد الْحَيْعَلَتَيْنِ، (الصلاة خير من النوم، في أذان الصبح مرتين). قوله: (الصلاة خير من النوم) مبتدأ وخبر، ولم يذكر العلماء أنه يجوز فيه الوجهان؛ الرفع والنصب، كما قالوا في (الصلاة جامعة، الصلاة جامعة)، في مناداة الكسوف: يجوز النصب ويجوز الرفع، أما هنا فهي بالرفع. يقول: الصلاة خير من النوم (مرتين)، أي: يكررها مرتين، ولم يذكر العلماء هل يلتفت يمينًا وشمالًا، أو يبقى مستقبِل القبلة، والأصل إذا لم يذكر الالتفات أن يبقى على الأصل على التوجُّه إلى القبلة.

стр. 712

وقوله: (في أذان الصبح)، (أذان) مضاف، و (الصبح) مضاف إليه، من باب إضافة الشيء إلى سَبَبِه، أي: الأذان الذي سببه طلوع الفجر، ويجوز أن يكون من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أي الأذان من الصبح، كقولهم خاتم حديد. على كل حال أذان الصبح هو الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر ولا شك، وقد توهَّم بعض الناس في عصرنا هذا، توهموا أن المراد بالأذان الذي يقال فيه هاتان الكلمتان هو الأذان الذي قبل الفجر. وشُبهتهم في ذلك أنه قد ورد في بعض ألفاظ الحديث: «إِذَا أَذَّنْتَ الْأَوَّلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقُلِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (٨)، فزعموا بفهمهم أن هذا -أي الصلاة خير من النوم، ويسمى التثويب- إنما يكون في الأذان الذي يكون في آخر الليل، وقالوا: إن التثويب في الأذان الذي يكون بعد الفجر بدعة، وصاروا يُلَبِّسُون على العوام، وكثرت التساؤلات حول هذا الموضوع، كل ذلك بسبب الفهم الخاطئ. فنقول: إن الرسول ﵊ قال: «إِذَا أَذَّنْتَ الْأَوَّلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ»، فقال: «لِصَلَاةِ الصُّبْحِ»، ومعلوم أن الأذان الذي في آخر الليل ليس لصلاة الصبح، وإنما هو كما قال النبي ﵊: «لِيُوقِظَ النَّائِمَ وَيُرْجِعَ الْقَائِمَ» (٩)، أما صلاة الصبح فلا يؤذَّن لها إلا بعد طلوع الصبح، فإن أُذِّن لها قبل طلوع الصبح فهو أذان لاغٍ غير معتبَر، بدليل قوله ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٠)، فجعل الأذان مقيَّدًا بماذا؟ بما إذا حضرت الصلاة، ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد دخول الوقت، إذن فأذان الصبح متى يكون؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: بعد دخول الوقت ولا شك.

стр. 713

يبقى الإشكال في قوله: «إِذَا أَذَّنْتَ الْأَوَّلَ»، فنقول: لا إشكال؛ لأن الأذان هو الإعلام في اللغة، والإقامة إعلام، ولهذا قال النبي ﵊: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (١١)، والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وفي صحيح البخاري (١٢) قال: زاد عثمان الأذان الثالث لصلاة الجمعة، الأذان الثالث، ومعلوم أن الجمعة فيها أذانان وإقامة، فسماه أذانًا ثالثًا، وبهذا يزول الإشكال. فيكون التثويب في أذان صلاة الصبح، قال هؤلاء الذين اشتبه عليهم الأمر: لأنه قال: الصلاة خير من النوم. فدلَّ هذا على أن المراد بالصلاة خير من النوم صلاةُ التطوع، صلاة التهجد، ليست صلاة الفريضة؛ إذ لا مفاضلة بين صلاة الفريضة وبين النوم، والخيرية إنما تقال في باب الترغيب، فيقال: الصلاة خير من النوم، في النفل، صلوا فهو خير من نومكم، فهذا أيضًا يقولون: يرجَّح أن المراد بالأذان أيش؟ الأذان في آخر الليل. فنقول لهم: هذا أيضًا يُضاف إلى الخطأ الأول؛ لأن الخيرية قد تقال في أوجب الواجبات، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، الإيمان بالله ورسوله والجهاد اللي هو ذورة سنام الإسلام، قال الله تعالى فيه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم مما يأتيكم من تجارة الدنيا، والخيرية هنا بين واجب وغيره، ولَّا بين مستحب وغيره؟ بين واجب؛ لأنه الإيمان بالله ورسوله، وقال تعالى في صلاة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]

стр. 714

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ منين؟ من البيع ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من البيع، ومعلوم أن الحضور إلى صلاة الجمعة واجب، وقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من البيع، فدل هذا على أن الشبهة الثانية التي عرضت لهم هي مجرد شبهة وليست بِحُجة، وعلى هذا فالتثويب سنة في أذان الصبح، ولو ثوَّب في الأذان الذي قبل صلاة الصبح لقلنا: هذا غير مشروع. قال: (وهي إحدى عشرة)، (وهي) أي: الإقامة، (إحدى عشرة يَحْدِرُهَا) إحدى عشرة أيش؟ طلبة: جملة. الشيخ: جملة، وحَذَف المميِّز أو التَمْييز؛ لأنه ذُكر في الأذان، قال في الأذان: (وهو خمس عشرة جملة)، وهنا قال: (وهي إحدى عشرة). (يَحْدِرُهَا) أي: يسرع فيها، ما يُرَتِّلُهَا، فيقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، بدون ترتيل. كيف كانت إحدى عشرة؟ لأن التكبير في أولها مرتين، والتشهد شهادتي التوحيد والرسالة مرتين؛ هذه أربع، والْحَيْعَلَة مرتين، هذه ست، وقد قامت، مرتين؛ هذه ثمانٍ، والتكبير مرتين؛ عشرة، والتوحيد مرة، فهذه إحدى عشرة، وهذا ما اختاره الإمام أحمد ﵀. ومن العلماء من اختار سوى ذلك من قال: إنها خمس عشرة، يعني يكبر أربعًا، ويتشهد أربعًا، ويُحَيْعِل أربعًا، هذه كم؟ اثنا عشر، وقد قامت الصلاة، أربعة عشر، وثلاثة، سبعة عشر. ومنهم مَن قال: إنها على واحد واحد، إلا قد قامت الصلاة، فيقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، لا إله إلا الله، كم تكون؟ طلبة: تسع.

стр. 715

الشيخ: تسع، إي نعم، التكبير على مرة، كلها على مرة مرة، وهذا هو ظاهر حديث أنس بن مالك ﵁، حيث قال: أُمِر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة (١٣)، ولكن المشهور ما ذهب إليه المؤلف، وأجابوا عن قوله: يوتر، أن تَكرار التكبير في أولها مرتين بمنزلة الوتر بالنسبة لتكراره أربعًا في الأذان. وينبغي أن يُعلم أنَّا ذكرنا قاعدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم بأن العبادات الواردة على وجوه متعددة ينبغي أن تُفْعَل هذا تارة وهذا تارة، بشرط ألَّا يكون في هذا تشويش على العامة. يقول: (ويُقيم مَن أَذَّنَ) لأن بلالًا ﵁ كان هو الذي يتولى الإقامة، وكان هو الذي يؤذِّن، هذا دليل من السنة، أما من النظر فيُقال: إنه ينبغي لمن تولى الأذان الإعلام أولًا، أن يتولى الإعلام ثانيًا، حتى لا يحصل التباس بين الناس في هذا الأمر، وحتى يَعلم المؤذِّن أنه مسؤول عن الإعلامَيْنِ جميعًا. قال: (في مكانه) أي: مكان أذانه، لكنه قيَّده بقوله: (إن سهل) فإن صعب كما لو كان في منارة، ويصعب أن يصعد إلى منارة، ثم يُقيم، فإنه يقيم حيث تَيَسَّر، في وقتنا الحاضر يمكن أن يقيم مَن أَذَّنَ في مكانه بواسطة الْمُكَبِّر، وعلى هذا فلو أقام الصلاة في الْمُكَبِّر الذي يُسمَع من المنارة لكان موافقًا لما قاله الفقهاء ﵏ أنه يقيم في مكانه ليَسمع الناسُ الإقامة فيحضروا إلى الصلاة. ثم قال: (ولا يصح إلا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا مِن عَدْلٍ مُمَيِّز) اللي عندي (ويجزئ مِن مُمَيِّز). لا يصح الأذان إلا مُرَتَّبًا، كيف الترتيب؟

стр. 716

يبدأ بالتكبير، ثم التشهد، ثم الْحَيْعَلَة، ثم التكبير، ثم التوحيد، فلو نَكَّسَ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ما أجزأ، وجب أن يُكَبِّرَ ثم يتشهد، الدليل: لأن الأذان عبادة وردت على هذه الصفة، فيجب أن تُفعل كما وردت؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». (١٤) وقوله: (لا يصح إلا مُرَتَّبًا) يفيد أنه أيضًا لا يصح إلا بهذا اللفظ، يعني التكبير والتشهد، إلى آخره، فلو قال: الله أَجَلُّ، أو الله أعظم، يصح ولَّا لا؟ لا يصح؛ لأن هذا تغيير لماهية الأذان، فإذا كان وصفه وهو الترتيب لا بد منه فكذلك ماهيته لا بد منها، فلا يجزئ أن يقول: الله أَجَلُّ، أو أعظم، أو ما أشبه ذلك. وعُلِمَ من قوله: (لا يصح إلا مُرَتَّبًا) أنه لو لم يأتِ به على الوجه الوارد، مثل أن يقول: الله الأكبر، فإنه أيضًا لا يصح، ( ... ) واحد لا يصح من اثنين فأكثر، فلو تشاحَّ اثنان في الأذان، فقالَا جميعًا: لك التكبيرات الأولى، ولي التشهد، ولك الْحَيْعَلَتَانِ ولي التكبير الأخير والتوحيد، يصلح؟ طلبة: لا. الشيخ: ما يجزئ؛ ولو عرض للمؤذِّن عذرٌ يمنعه من إتمام الأذان، فهل يُكَمَّل أو يُسْتَأْنَف؟ طالب: يُسْتَأْنَف. الشيخ: يُسْتَأْنَف، ظاهر كلام المؤلف أنه يُسْتَأْنَف، لا بد أن يكون من واحد. واستفدنا من قوله: (عدل) أنه لا بد أن يكون مسلمًا، فلو أذَّن الكافر لم يصح؛ لأن هذه عبادة ولا تصح إلا من مسلم. ولو أذَّن الْمُعْلِن بفسقه كحالق اللحية ومن يشرب الدخان جهرًا فإنه لا يصح أذانه على كلام المؤلف، لا بد من العدالة. لو أذن المسجِّل؟ طلبة: ( ... ).

стр. 717

الشيخ: ليس رجلًا ولا عدلًا، ولَّا لا، إذن لا يصح، فالأذان بالمسجِّل غير صحيح؛ لأن الأذان عبادة، بل سبق لنا أنه أفضل من الإمامة، فكيف نجيب مسجِّل يسجِّل الأذان ويلَّا أذِّن، وإذا كان لا يصح أن نسجِّل صلاة إمامٍ ثم نقول للناس: اقتدوا بهذا المسجِّل، يصح ولّا لا؟ لا يصح، لو أن واحدًا سجَّل صلاة إمامٍ حسن الصوت والأداء، وقال: حطه أمامك في المحراب، ولو قال: الله أكبر، قولوا: الله أكبر، ولو قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قولوا: آمين، وهكذا، قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الإمامة عبادة أيضًا. هل يدل قوله: (مِن عدلٍ) على اشتراط العقل؟ نعم؛ لأن العدالة تستلزم العقل؛ إذ إن المجنون لا يوصَف بعدالة ولا فسق، قد رُفِعَ عنه القلم، شوف كلمة عدل يُشْتَرَط أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا غير مُتَعَدٍّ، أيش بعد؟ عدل. الآن استفدنا أنه لا بد أن يكون واحدًا، مسلمًا، عاقلًا، ذكرًا، عدلًا، خمسة شروط من قوله: (مِن عدلٍ). قال: (ولو مُلَحَّنًا أو مَلْحُونًا) (ولو مُلَحَّنًا) الملحَّن المُطَرَّب به، يعني: يؤذِّن على سبيل التطريب به، كأنما يجرُّ ألفاظ أغنية، فإنه يُجْزِي لكنه يُكْرَه. وقوله: (أو مَلْحُونًا) الْمَلْحُون هو الذي يقع فيه اللحن، يعني مخالفة القواعد العربية، ولكن اللحن ينقسم إلى قسمين: قسم لا يصح معه الأذان، وهو الذي يتغير به المعنى، وقسم يصح به الأذان مع الكراهة، وهو الذي لا يتغير به المعنى، فلننظر لو قال المؤذن: الله أَكْبَاااار، هذا لا يصح، لأنه يُحيل المعنى، فإن أَكْبَار جمع كَبَر، كأسباب جمع سبب، والكَبَر: الطبل الذي يُضْرَب به في اللهو، وهذا يتغير به المعنى تغيُّرًا كبيرًا. ولو قال: الله وكبر، أبدل الهمزة واوًا، فإن هذا يصح على لغة، يجوز في اللغة العربية إذا وقعت الهمزة مفتوحةً بعد ضَم أن تُقْلَب واوًا، فتقول: الله وكبر، نقول: هذا لا يتغير به المعنى.

стр. 718

ولو قال: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، فهو لا شك أنه لحن يُحيل المعنى على اللغة المشهورة، اللغة المشهورة لا شك أن هذا يحيل المعنى فيها؛ لأن أشهد أن محمدًا رسولَ الله، معنا الآن الاسم، وصفة الاسم، والخبر لم يأتِ بعد، أشهد أن محمدًا رسولَ الله، ويش هو؟ ما بعدُ جاء الخبر. لكن فيه لغة قليلة لكنها لغة عربية من قول عمر بن أبي ربيعة مشهور من العرب العُرَبَاء، قال فيها: إن حُرَّاسنا أسدًا، قال: وَلْتَكُنْ خُطَاكَ خِفَافًا إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدًا قال: (إن حُرَّاسَنا أُسدًا)، (حراس) اسم (إنَّ)، و (أُسْدًا) خبر إنَّ، وهي منصوبة، فإذا كان قد ورد في اللغة العربية أن خبر (إنَّ) يكون منصوبًا، ولا ريب أن المؤذِّنِين الذين يقولون: أشهد أن محمدًا رسولَ الله، لا ريب أنهم يريدون أن (رسول) خبر لا صفة، ولا يترقَّبُون أن يأتي الخبر. فإننا نقول: الحمد لله أن اللغة العربية احتملت هذا اللحن من هؤلاء المؤذِّنِين. على أن بعض المؤذِّنِين الذين ينصبون (رسول) مهما علَّمْتَهم فإنهم سيستمرون، أَخَذَتْ عليها ألسنَتُهم حتى لا يستطيعون أن يقولوا: (رسولُ الله) أبدًا، تُعَلِّمُه تقول: قل: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، يقول: أشهد أن محمدًا رسولُ الله، نقول: الآن أصبت، قم أَذِّنْ، إذا أَذَّن قال: أشهد أنَّ محمدًا رسولَ الله، لو إنك تَوَّك معلمه؛ لأن لسانه أخذ عليها. ولو قال .. طالب: الجر الشيخ: لا، الجر ما يتغير به المعنى. ولو قال: حياا على الصلاة، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: لا ( ... ).

стр. 719

الشيخ: لا، هو يفيد المعنى، لكن ألحق ألفًا بالياء، فهو لا شك إن كان على لغة مَن يُلحق العلامات اسمَ الفعل فهو جعل الآن المنادَى كم؟ اثنين، جعلهم اثنين، ومعلوم أن المؤذِّن لا ينادي اثنين، إنما يؤدي عامة الناس كل من سمع، فحينئذ يتغير المعنى ولّا لا؟ يتغير، أما على اللغة المشهورة من لغة العرب أن اسم الفعل لا تلحقه العلامات، فنحن نقول: الآن هذا الرجل أشبع الفتحة حتى جعلها ألفًا، وهذا لا يتغير به المعنى فيما يظهر، فإذا قال: حياا على الصلاة، كما نسمع في بعض المؤذِّنِين، فإن ذلك لا يتغير به المعنى، وحينئذ يكون الأذان صحيحًا؛ لأنه لحنَ لحنًا لا يتغير به المعنى ( ... ). طالب: وأشهد أنَّ محمدًا رسولِ الله، هل هذا .. ؟ الشيخ: لا، ما يتغير به المعنى. طالب: ولو كان ( ... ). الشيخ: إي، لكن بس ما يتغير به المعنى؛ لأن اللحن لو ما فيه لغة ما دام ما يتغير به المعنى ما يضر. طالب: تكلمنا في الدرس السابق يا شيخ عن الالتفات في الْحَيْعَلَة؛ لأنه كان الأول يؤذِّنُون في المئذنة، الآن يؤذن ( ... ) فهل لها داعي. الشيخ: هي ما لها داعي، لكن لو قيل: إن الإنسان يفعلها إبقاء على السنة لأن أخشى يوم من الأيام ما تبقى الميكروفونات هذه، فيظن الظانُّ أنه لا يُسَنُّ الالتفات فلو أبقاها لكان أحسن إحياءً للسنة. طالب: هل يجوز ( ... ) يجمع ( ... ). الشيخ: يعني واحد يُكَبِّر وواحد يتشهَّد. طلبة: لا، مع بعضهم في نفس الأذان، مسجد كبير واحد يؤذِّن هنا وواحد يؤذِّن هناك ( ... ). الشيخ: إي، يعني مسجد كبير يعني؟ الطالب: لا، في أي مكان. الشيخ: لا، ما يُشرع، يعني: قصدك إنه مثلًا إذا أذَّن واحد يؤذِّن الثاني تعبدًا لله؟ الطالب: ( ... ) يقولوا: الله أكبر مع بعض ( ... ). الشيخ: تكبير جماعي يعني؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إي، ما سمعت بهذا. طالب: في عمدة الطالب ذكرها، أنه يمكن يؤذِّن جماعة ( ... ).

стр. 720

الشيخ: لا، يمكن في المساجد الكبار، اللي لها نواحي بعيدة، واحد يكون شمال، واحد يكون جنوب، يمكن. طالب: ( ... ). الشيخ: إي نعم. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، الصحيح أنه يصح. طالب: يا شيخ، الآن يعني .. الشيخ: الصحيح أنه يصح؛ لأن الفاسق يصح منه الذِّكْر، والأذَان ذِكْر. طالب: الآن الإمام يا شيخ نظرًا لأن الناس ( ... ) بعدالة الإمام، ( ... )، بين المؤذِّنين كثيرًا حلق اللحية ( ... ). الشيخ: الله المستعان. طالب: هل يجوز يا شيخ متابعة المؤذِّن في الرائي أو في الراديو، يعني متابعته في .. الشيخ: سيأتينا إن شاء الله طالب: السير أثناء الأذان ( ... ) يؤذِّن وهو يمشي؟ الشيخ: الفقهاء قالوا: يُكْرَه، يُكْرَه فقط. طالب: لو واحد أكل بصلًا أو ثومًا، هل يؤذِّن في المسجد؟ الشيخ: في المسجد لا، لكن خارج المسجد ما فيه مانع. طالب: شُرْب الدخان أشد من البصل. الشيخ: شرب الدخان أشد من البصل. طالب: ( ... ). الشيخ: هو شارب الدخان إذا كان له رائحة كريهة نقول: لا يدخل المسجد؛ لأن العلة واحدة، العلة أن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنسان، موجودة في شرب الدخان، لكن أنا سمعت أن الدخان يختلف بعضه ما له رائحة كريهة، وبعضه صحيح مؤذٍّ. طالب: إذا وقفت في صفٍّ مع ناس يُدَخِّنُون، من قال: الله أكبر ( ... ) يمكن تُكْرَه ( ... ). الشيخ: عجيب. طالب: إعلان الإقامة في الميكروفونات ( ... ) بعض الناس ( ... )، فهل الأولى يُعْلِن الإقامة في الْمُكَبِّر أو يتركها؟ الشيخ: والله ما أرى فيها شيئًا، إعلان الإقامة بالميكروفون ما أرى فيه شيء؛ لأنه .. طالب: ( ... ) يترتب عليه ..

стр. 721

الشيخ: قالوا لي بعض الناس: إنه يترتب عليه أنه يقول لعياله: قوم صلِّ، يقول: ما بعد قام، يقول: أبغي اصبر إلى أن يقيم، لكن ما دام ورد «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» (١٥)، هذا يدل على أن الإقامة تُسْمَع، وكان بلال يقول لرسول الله: لا تسبقني بآمين (١٦)، مما يدل على أنه ما يقيم قريبًا. طالب: ( ... ). الشيخ: والله ذَكَرَه الفقهاء، لكن فيه نظر ما ( ... ). الطالب: هناك يعني مَن قال: إن الأذان في المسجد بدعة، فهل هذا صحيح؟ يقول: الأفضل إنك تؤذِّن إما فوق المسجد، أو خارج المسجد، أما الأذان في الميكروفون داخل المسجد يقول: إنه بدعة. الشيخ: لا، ما هو بدعة؛ لأن الأذان في داخل المسجد فيه المكبِّرات، هذه تُغْنِي عن الصعود للمنارة. الطالب: يقول: إن السنة كما ورد .. الشيخ: ما دام الله جاب لنا شيء يريحنا، الحمد لله، يحصل به المقصود. الطالب: ( ... ) العبادة. الشيخ: بلى، لكن هل الصعود للمنارة مقصود لذاته؟ يعني ينبغي للمؤذِّن أن يصعد إلى منارة، أو مقصود لغيره، بحيث يكون أبعد للصوت، هذا هو الظاهر ( ... ). *** وسبق لنا أنه يُشْتَرَط أن يكون متواليًا، بحيث لا يفصل بين أجزائه فاصل كثير إلا من ضرورة، كالسُّعَال والعُطاس وما أشبهها، ووجه ذلك أنه عبادة واحدة، فلا يصح أن تتفرق أجزاؤُها؛ لأنه لو تفرَّقت لم تكن واحدة، هذا تعليل ما هو دليل. وسبق أنه يشترط أن يكون من ذَكر واحد، أيش بعد؟ مسلم، عاقل، عدل، واستفدنا هذه من كلمة (عدل). وسبق أيضًا أنه يصح (مُلَحَّنًا) يعني مُطَرَّبًا به، بحيث يؤديه كما تؤدَّى الأغنية على وجه التطريب، وكذلك يصح (مَلْحُونًا) بشرط أن لا يُحِيل المعنى.

стр. 722

وسبق لنا أن قول المؤلف: (لو) إشارة خلاف، وأن فيه خلافًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد؛ أن الملحَّن والملحون لا يصح؛ لأن الْمُلَحَّن يُخْرِجُه عن كونه أذانًا؛ لأنه عبادة، والتلحين يميل به إلى الطرب والأغاني، وأما الملحون فلأن اللغة العربية هي التي تُؤَدَّى بها هذه الأذكار. قال: (ويُجْزِئ مِن مُمَيِّز) (يجزئ) الفاعل يعود على الأذان، (يجزئ مِن مُمَيِّز)، والْمُمَيِّز مَن بلغ سبعًا إلى البلوغ، هذا المميِّز مَن بلغ سَبْعَ سنين إلى البلوغ يُسَمَّى مميِّزًا، وسُمِّيَ مُمَيِّزًا لأنه يُمَيِّز فيَفْهَم الخطاب ويَرُد الجواب. وقال بعض العلماء: إن الْمُمَيِّز لا يتقيد بسنٍّ، وإنما يتقيد بوصف، فالذين قالوا: إنه يتقيد بِسِنٍّ استدَلُّوا بقول النبي ﷺ : «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهِ لِعَشْرٍ». (١٧) فجعل أول سِنٍّ يؤمَر به الصبيُّ سبع سنين، وهذا يدل على أنه قبل ذلك لا يصح توجيه الأمر إليه، لماذا؟ قد يُقَالُ: لأنه لا يفهم الأمر، وقد يقال: لأنه لا يحتمل الأمر، فإن قلنا بالعلة الأولى صار سبع السنين هي الحد للتمييز، وإن قلنا بالثانية لم يكن ذلك حدًّا للتمييز، لم تكن السنوات السبع حدًّا للتمييز، إذا قلنا: إن مَن دون السبع لا يتحمل الأمر، وإن كان يفهم. والذين قالوا: إنه يُقَيَّد بالوصف قالوا: لأن كلمة (ممييِّز) اسم فاعل مشتق منين؟ طلبة: من الْمَيْز. الشيخ: من الْمَيْز، أو مِن التمييز، وإذا كان مشتقًّا من ذلك، فإذا وُجِدَ هذا المعنى في طفل ثبت له وصف، فالذي يفهم الخطاب ويرد الجواب يُسَمَّى مميِّزًا، بحيث يفهم المعنى، ما هو بيفهم إنك تقول له: يا ولد؛ لأن الطفل إذا قلت: يا ولد، لو هو صغير في المهد، إذا قلت: يا ولد، انْتَبَه، وإذا نادته أمه انكبَّ عليها، ليس هذا هو المراد.

стр. 723

المراد أن يفهم الكلام، تقول مثلًا: هات ماء، يروح يجيب لك الماء، ما هو لو قلت له: هات ماء، راح يجيب الشاهي، ما يصلح، هذا ما هو مُمَيِّز، الْمُمَيِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، لكن سبع السنوات غالبًا هي الحد، الغالب أن هي الحد. على كل حال، الآن نحن نتكلم هل يصح أذان المميِّز أو لا يصح؟ يرى المؤلف أنه يصح حتى وإن لم يُوجَد في البلد إلا هذا الصبي المميِّز وأذَّن فإنه يُكْتَفَى به؛ لأن المؤلف يقول: (يجزئ من مميِّز) وجه الإجزاء؟ يقولون: لأن هذا ذِكْر، والذِّكْر لا يشترط فيه البلوغ، فإن الصبي يُكتَب له ولا يُكْتَب عليه، فإذا ذَكَر الله كتب الله له الأجر، وصح منه الذِّكْر، والأذان ذِكْر، فإذا أَذَّن المميِّز فإنه يُكْتَفَى بأذانه. وقال بعض العلماء: لا يجزئ أذان المميِّز؛ لأنه لا يوثَق بقوله، ولا يُعْتَمَد عليه، الذي له سبع سنوات قد لا يعرف متى تزول الشمس، ومتى يكون ظل كل شيء مثلَه، ومتى يطلع الفجر، فلا يُعْتَمَد عليه ولا يُوثَق به. وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان معه غيره فلا بأس، وإن لم يكن معه غيره فإنه لا يُعْتَمَد عليه، والحقيقة أن المميِّز لا يُعْتَمَد عليه، وإن كان وجود الساعات اليوم تسهل المسألة، ثم أيضًا يفرق بين مَن له سبع سنوات ومَن له أربع عشرة سنة؛ لأن مَن له أربع عشرة سنة قريب من البلوغ، إنما من حيث المعنى لا نرى وجهًا لاشتراط البلوغ؛ لأن هذا ذِكْر، والذِّكْر يصح ممن دون البلوغ وممن فوق البلوغ. إذن على كلام المؤلف لا يُشْتَرَط البلوغ، البلوغ ليس بشرط، والعقل؟ شرط؛ لأنه لا يمكن أن يعرف كيف يؤدي وهو غير عاقل. قال: (ويبطلهما فصل كثير)، (يبطلهما) الضمير يعود على الأذان والإقامة، (فصل كثير) العلة؟

стр. 724

لاشتراط الموالاة، وإذا اشترطت الموالاة فالفصل الكثير يبطلهما، فلو قال: (الله أكبر) كَمَّل أربع تكبيرات، ثم انصرف وتوضأ وجاء، فإن هذا الأذان لا يصح، يجب أن يبدأ هذا الأذان من جديد، ولو كَبَّر الكبيرات الأربع ثم انصرف إلى بيته وتَعَشَّى ورجع يُكمِّل؟ لا يكمل؛ لأنه فصل بينهما بفاصل كثير. (ويسيرٌ محرَّم) يبطلهما اليسير المحرَّم، وذلك لأن المحرَّم ينافي العبادة، مثل: رجل يؤذن وعنده جماعة يتحدثون في أثناء الأذان، التفت إليهم وقال: فلان فيه كذا وكذا، يغتابه، الغيبة؟ حرام، بل من كبائر الذنوب، نقول: الآن لا بد أن تعيد الأذان؛ لأن الأذان بطل. وهذا ربما يقع كثيرًا في الرحلات، عند بعض الناس، تجدهم جماعة، جميع، ثم يؤذّن وهم يتحدثون بشخص، ثم يقول: لا، الخافي عليكم أشد، فيه كذا وكذا، معناه هذا أيش؟ أنها غيبة، والغيبة من كبائر الذنوب، فيبطل الأذان، ويجب عليه الإعادة، مع أنه يمكن كلمة أو كلمتين لكن لكونه محرَّمًا أثَّرَ. قوله: (يسيرٌ مُحَرَّم)، أما إذا كان يسيرًا مباحًا كما لو سأله سائل وهو يؤذِّن: أين فلان؟ فقال: ذهب، أو أين الكتاب؟ فقال: هو في المكان الفلاني، أو ما أشبه ذلك، فهذا يسير مباح، فلا يبطله. قال: (ولا يجزئ قبل الوقت)، (ولا يجزئ) الضمير يعود على الأذان قبل الوقت، لدليل وتعليل؛ الدليل: قول النبي ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٠)، فقال: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ»، والصلاةُ لا تحضر إلا بدخول الوقت.

стр. 725

وأيضًا قد يستفاد من قوله: «إِذَا حَضَرَتْ» أن المراد حضورها وحضور فعلها، ولهذا لما أراد بلال أن يؤذِّن، وكان مع النبي ﷺ في سفر في شدة الحر فزالت الشمس، فقام ليؤذن قال: «أَبْرِدْ»، ثم انتظر، ثم قام ليؤذن قال: «أَبْرِدْ»، حتى رأوا فَيْءَ التلول، بل حتى ساوى التلُّ فَيْئَهُ -يعني قريب العصر- ثم أمره بالأذان (١٨)، فهذا يدل أيضًا على أن الأذان ينبغي أن يكون عند إرادة فعل الصلاة، ينبني على ذلك لو كانوا جماعة في سفر أو في نزهة، وأرادوا صلاة العشاء، وأحبوا أن يؤخِّرُوها إلى الوقت الأفضل وهو آخر الوقت، متى يؤذِّنُون؟ عندما يريدون فعل الصلاة، لا عند دخول وقت العشاء. إذن هذا الدليل: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ». التعليل: لأن الأذان إعلام بماذا؟ بدخول وقت الصلاة، والإعلام بدخول الشيء لا يكون إلا بعد دخوله، وعلى هذا فلو أذَّن قبل الوقت جاهلًا، قلنا له: إذا دخل الوقت فأَعِدِ الأذان، وهذا يقع أحيانًا فيما إذا اغترَّ الإنسان أو غَرَّتْهُ ساعتُه، نظر إلى الساعة، فظنَّ أنها مثلًا الثانية عشرة، الظهر، وهي الحادية عشرة، فأذَّن، نقول: هذا الأذان غير صحيح، ولو كان جاهلًا إذا جاء الوقت فلا بد أن تؤذّن. قال المؤلف: (إلا الفجر بعد نصف الليل)، (إلا الفجر) استثنى المؤلف الفجر، وذكر متى يصح، قال: (بعد نصف الليل)، فيصح الأذان له، وإن لم يؤذن في الوقت، وعلى هذا فلو أن المؤذِّنِين أَذَّنُوا في الساعة الثانية عشرة اليوم، بل قبل الساعة الثانية عشرة .. طلبة: الثانية عشرة إلَّا ثمان .. الشيخ: إلا ثمانٍ، إي نعم، أذَّنُوا في هذا الوقت، ولما طلع الفجر ما أذَّنُوا، يجزئ ولَّا لا؟ طالب: على قول المؤلف .. الشيخ: على كلام المؤلف يجزئ، وظاهر كلام المؤلف: لا فرق بين أن يكون معه مؤذِّن آخر يؤذن في الوقت أو لا؛ لأنه أطلق الدليل.

стр. 726

الدليل قول الرسول ﵊: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (١٩)، فقالوا: إن بلالًا يؤذِّن بليل، ولكن هذا الدليل لا يصح به الاستدلال، الدليل صحيح، ولكن الاستدلال غير صحيح، أولًا: لأن الرسول ﵊ صرَّح في الحديث بأن هناك مَن يؤذِّن إذا طلع الفجر، فتحصل به الكفاية، من هو؟ طلبة: ابن أم مكتوم. الشيخ: ابن أم مكتوم، ومعلوم أنه إذا كان فيه مَن يؤذِّن لصلاة الفجر حصلت به الكفاية، ثانيًا: أنه قد بَيَّنَ في الحديث كما أخرجه الجماعة «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ ليُوقِظَ النَّائِمَ ويُرْجِعَ الْقَائِمَ» (٩)، إذن فليس أذانه لصلاة الصبح، ولكن أذانه مِنْ أجل أن يوقِظ النائم ليتَسَحَّرَ، ويُرجع القائمَ من أجل أن يَتَسَحَّرَ أيضًا، يدع القيام ويَتَسَحَّر، هذا هو الحكمة من أذان بلال، وليست الحكمة أنه يؤذِّن لصلاة الفجر، ولهذا لا يُقَالُ فيه: الصلاة خير من النوم؛ لأنه ما بعدُ حان وقت الصلاة. وقول المؤلف: (يصح بعد نصف الليل) أيضًا هذا فيه مناقشة: حديث بلال الذي استدلوا به، هل يدل على أن الأذان بعد نصف الليل؟ لا، بل يدل على أن الأذان قريبٌ من الفجر، وجهه أنه قال: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وقال: «لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ»، وهذا دليل على أنه لم يكن بين أذان بلال والفجر إلا مدة وجيزة بمقدار ما يَتَسَحَّر الصائم، فأين نصف الليل من هذا الحديث؟ فكلام المؤلف إذن فيه نظر من وجهين: الوجه الأول: أن ظاهر كلامه يجزئ الأذان لصلاة الفجر قبل طلوع الفجر، وإن لم يوجَد مؤذِّن بعد الوقت، والحديث لا يدل على هذا، ليش؟ طلبة: ابن أم مكتوم .. الشيخ: لأن فيه ابن أم مكتوم يؤذِّن بعد الفجر.

стр. 727

ثانيًا: أن المؤلِّف ذَكَر أن هذا جائز من نصف الليل، والحديث ليس فيه ما يدل على ذلك، بل الحديث يدل على أن الأذان الذي يؤذِّنه بلال ﵁ قريب من الفجر، ولهذا ربما يتوهم الناس فيمسك حتى قال لهم الرسول: «لَا تُمْسِكُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» (١٩)، وهذا يدل على أن أذان بلال كان قريبًا من طلوع الفجر. والقول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يصح الأذان قبل الفجر إلا إذا وُجِدَ مَن يؤذِّن بعد الفجر، وهؤلاء لهم حظٌّ من الحديث الذي سمعناه حديث بلال، وجهه أن ابن أم مكتوم يؤذِّن .. ؟ طالب: بعد طلوع الفجر. الشيخ: بعد طلوع الفجر. والقول الثالث: أنه لا يصح لصلاة الفجر، ولو كان فيه مَن يؤذِّن بعد الفجر، وأن الأذان الذي يكون في آخر الليل ليس للفجر، ولكنه لإيقاظ النُّوَّم من أجل أن يقوموا ويتأهبوا لصلاة الفجر، ويختموا صلاة الليل بالوتر. وهذا القول الثالث هو الأصح، ودليله ما سبق: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١٠)، وهذا عامٌّ لا يُستثنَى منه شيء، ولا يعارض الحديث: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ»؛ لأنا قلنا: أذان بلال ليس لصلاة الفجر. إذن ممكن أن ننظر شروط الأذان، الأذان له شروط تتعلق بالأذان نفسه، وتتعلق بوقته، وتتعلق بالمؤذِّن؛ تتعلق به، وبوقته، وبالمؤذن. التي تتعلق به، يشترط فيه أن يكون مُرَتَّبًا، وأن يكون .. طلبة: متواليًا .. الشيخ: متواليًا، وأن يكون بعد الوقت، وألَّا يكون فيه لحن يُحِيلُ المعنى، سواء عاد هذا اللحن إلى علم النحو، أو علم التصريف، وأن يكون على العدد الذي جاءت به السنة، فلو نقص شيئًا لم يصح، يعني لو قال: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر، لا إله إلا الله، يجزئ؟ طلبة: لا. الشيخ: لا، أما في المؤذِّن .. طلبة: أن يكون واقفًا. الشيخ: المتوالي ذكرناه.

стр. 728

طالب: واقفًا. الشيخ: لا، لا بد أن يكون مسلمًا عاقلًا ذكرًا واحدًا .. طلبة: عدلًا. الشيخ: عدلًا، خمسة شروط. طلبة: ( ... ). الشيخ: نعم. طالب: أن يكون مميِّزًا. الشيخ: ما حاجة مميِّزًا، لا، نقول: مميِّزًا ستة شروط، إي نعم. أما الوقت فقد ذكرناه في شروط الأذان؛ أن يكون بعد الوقت، فلا يجزئ قبله مطلقًا على القول الراجح، ويُستثنَى الفجر على كلام المؤلِّف. قال: (وَيُسَنُّ جلوسه بعد أذان المغرب يسيرًا)، قوله: (يُسَنُّ جلوسه بعد أذان المغرب يسيرًا)، هنا أمران: (يُسَنُّ جلوسه) و (يسيرًا) ففيه سُنَّتَانِ: السُّنَّة الأولى: أن يجلس بحيث يفصل بين الأذان والصلاة. والثانية: أن يكون الجلوس يسيرًا. وإنما قال المؤلف ذلك لأن من العلماء مَن يرى أن السُّنة في صلاة المغرب أن تُقرن بالأذان، يعني من يوم يؤذِّن يقيم، فبَيَّنَ المؤلف أن الأفضل أن يجلس يسيرًا، والدليل لذلك أن الرسول ﵊ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ»، وَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ» (٢٠). وهذا يدل على أنه لا بد من فصل بين الأذان والإقامة، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن الصحابة ﵃ كانوا إذا أَذَّنَ المغرب قاموا يصلُّون، والنبي ﷺ يراهم فلم يَنْهَهُم (٢١)، وهذا إقرار من النبي ﷺ على هذه الصلاة، فثبتت بالسُّنَّة القولية والسُّنَّة .. ؟ طلبة: ( ... ). الشيخ: الإقرارية، والفعلية أيضًا إن صح الحديث بها، وعليه فيلزم من الأمر بهذه السُّنة وإقرارها أن يكون هناك فصل بين الأذان والإقامة.

стр. 729

وقول المؤلِّف: (يسيرًا) يعني لا يُطِيلُ؛ لأن صلاة المغرب يُسَنُّ تعجيلها، وكل صلاة يُسَنُّ تعجيلها فالأفضل ألَّا يطيل فيها، لكن مع ذلك ينبغي أن يُراعِي «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (١١)، أن يراعي هذا، ولهذا قال العلماء: هذا اليسير ينبغي أن يُفَسَّر بمقدار وضوء وصلاة نافلة خفيفة، والذي يُسَنُّ تعجيلُه من الصلوات؟ طلبة: العصر. الشيخ: كل الصلوات، إلا العشاء، وإلَّا الظهر عند اشتداد الحر، ولكن الحقيقة أن الصلوات التي لها نوافل قبلها كالفجر والظهر ينبغي للإنسان أن يراعي حال الناس في هذا، بحيث يتمكنوا من الوضوء بعد الأذان ومن صلاة هذه الراتبة. ثم قال: (ومَن جمع أو قضى فوائت أذَّن للأولى، ثم أقام لكل فريضة) هاتان مسألتان؛ المسألة الأولى: جمع، والمسألة الثانية: قضى فوائت، أما الأولى: الجمع، فيُتَصَوَّرُ الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وسيأتي بيان سبب الجمع، وأنه المشقة، فكلما كان يشق على الإنسان أن يُصلي كل صلاة في وقتها فإن له أن يجمع، سواء كان في الحضر أم في السفر، فإذا جمع الإنسان أذَّن للأولى وأقام لكل فريضة، هذا إن لم يكن في البلد، أما إذا كان في البلد فإنَّ أذان البلد يكفي، وحينئذ يُقِيمُ لكل فريضة. دليل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم (٢٢) من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ في عرفة أَذَّنَ، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وكذلك في مزدلفة أقام فصلى المغرب، ثم أَذَّنَ وأقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. وأما التعليل فظاهر، اكْتُفِيَ بأذان واحد؛ لأن وقت المجموعتين صار .. ؟ طلبة: واحدًا. الشيخ: وقتًا واحدًا، ولم يُكْتَفَى بإقامة واحدة؛ لأن لكل صلاة إقامة، فصار الجامع يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل صلاة، كذلك من قضى فوائت فإنه يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل فريضة، ولكن الأذان هنا واجب أو سنة؟

стр. 730

المشهور كما سبق أنه سنة، وقيل: إنه واجب؛ لفعل النبي ﷺ . دليل هذه المسألة: أن الرسول ﷺ لما نام عن صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمر بلالًا فأذَّن ثم صلى ركعتين -ركعتي الفجر- ثم أقام فصلى الفجر (٢٣)، هذه مقضية، لكنها صلاة واحدة، إنما أذَّن لها وأقام، وأما إذا كانت فوائت متعدِّدة فإنه يؤذِّن كالمجموعات؛ يؤذِّن مرة واحدة ويقيم لكل فريضة، فإن ثبت أن النبي ﷺ أذَّن وأقام في غزوة الأحزاب (٢٤)، فالدليل بالنص، وإن لم يثبت فإن الدليل بالقياس على المجموعة التي ثبت أن النبي ﵊ يؤذِّن مرة واحدة ويقيم بعدد الصلاة. وقوله: (أو قضى فوائت) ما هو المقضي؟ يقول العلماء: لدينا أداء، وقضاء، وإعادة، ثلاثة أشياء كلها توصف بها الصلاة. فالأداء: ما فُعِلَ في وقته لأول مرة نسميه أداءً. والإعادة: ما فُعِلَ في وقته مرة ثانية. والقضاء: ما فُعِلَ؟ طلبة: بعد وقته. الشيخ: بعد وقته، كيف تكون الإعادة؟ الإعادة قال النبي ﵊: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (٢٥)، هذه نسميها أيش؟ طلبة: إعادة. الشيخ: إعادة؛ لأنها فُعِلَتْ ثانية في الوقت، أما القضاء فالقضاء إذا فُعل بعد الوقت، وهذا بناءً على المشهور عند أكثر أهل العلم؛ أن ما فُعِلَ بعد الوقت فهو قضاء. ولكنَّ هناك قولًا ثانيًا هو الأصح: أن ما فُعِلَ بعد الوقت فإن كان لغير عذر لم يصح إطلاقًا، وإن كان لعذر فهو أداء وليس بقضاء، دليل ذلك قول النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». (٢٦) فجعل وقتها عند ذكرها، وكذلك في النوم عند الاستيقاظ.

стр. 731

فيقول هؤلاء: إن كلمة القضاء والأداء لا يحتاج إلى فرق بينهما، فنقول: إن فعلتها بعد الوقت لعذر فهي أداء، ولغير عذر لا تصح. الخلاف في هذا في الواقع قريب من اللفظ؛ لأن الكل يتفقون على أنه يُشْرَع الأذان والإقامة حتى فيما فُعِل بعد الوقت، ولكن لا أدري هل الذين يقولون: إنها أداء، يجعلون الأذان في هذه الحال فرضًا كما هو القول الثاني في المسألة، أو يجعلونها سُنَّة، إنما المسألة فيها قول بأن المقضية يجب لها الأذان والإقامة، كالمؤداة في الوقت. طالب: المميِّز ( ... ). الشيخ: نعم نعم، يعني قصدك التمييز؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: القول الصحيح كما سبق قلنا: إن المميِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولو دون السبع. طالب: شيخ، نحن قلنا الذي ( ... ) لو قال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة .. ويُسَنُّ لسامِعِه مُتابعتُه سِرًّا، وحَوْقَلَتُه في الْحَيْعَلَةِ، وقولُه بعدَ فراغِه " اللَّهُمَّ رَبَّ هِذِه الدَّعْوَةِ التامَّةِ والصلاةِ القائمةِ آتِ مُحَمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَه". (باب شروط الصلاة) شروطُها قَبْلَها منها الوقتُ والطهارةُ من الْحَدَثِ والنَّجَسِ. فوَقتُ الظهرِ من الزوالِ إلى مُساواةِ الشيءِ فَيْئَه بعدَ فَيْءِ الزوالِ، وتَعْجِيلُها أَفْضَلُ إلا في شِدَّةِ حَرٍّ، ولَوْ صَلَّى وَحْدَه أو مع غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جماعةً. ويَليهِ وقتُ العَصْرِ إلى مَصيرِ الْفَيْءِ مِثْلَيْهِ بعدَ فيء الزوالِ، والضرورةُ إلى غروبِها،

стр. 732

(ويُسنُّ لسامعه متابعته سرًّا)، كلمة (يُسنُّ) اعلم أن السنة لها إطلاقان: إطلاق اصطلاحي عند الفقهاء، وإطلاق شرعي في لسان الشارع؛ أما عند الفقهاء، فيطلقون السنة على ما يُثاب فاعله، ولا يُعاقَب تاركه؛ الشيء الذي إذا فعله الإنسان أُثيب، وإذا تركه لم يُعاقب يُسمى عندهم سُنَّة، وأما في لسان الشارع، فالسُّنّة هي الطريقة التي شرعها الرسول ﵊، سواء كانت واجبة يعاقب تاركها أو لا. فقول أنس مثلًا: من السُّنَّةِ إذا تزوَّج الرجل البكرَ على الثَّيِّبِ أقام عندها سبعًا. (١) هذه من السنة الواجبة، وحديث ابن مسعود: من السُّنَّةِ وضْعُ اليد اليُمنى على اليسرى في الصَّلاة. (٢) هذا من السنة المستحبة. وعلى هذا، فإذا وجدنا كلمة (يُسَنّ) أو (مِن السُّنة) في كلام الفقهاء؛ فالمراد به السنة الاصطلاحية؛ وهي التي إذا فعلها الإنسان أُثيب، وإذا تركها لم يُعاقب. يقول المؤلف: (يُسنُّ لسامعه)، أي: سامع الأذان (متابعته سرًّا)؛ يعني لا جهرًا و (متابعته) معناه أن يقول كما يقول؛ ودليل ذلك: قول النبي ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (٣). وقول المؤلف: (يُسنُّ لسامعه) يشمل الذكر والأنثى؛ لعمومه، ويشمل النداء الأول، والنداء الثاني؛ يعني لو كان المؤذنون يختلفون؛ فبعضهم يؤذن والبعض الثاني ما يبدأ بالأذان إلا بعد فراغ الأول، نقول: يجيب الأول، ويجيب الثاني؛ لعموم الحديث: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ»، ثم هو ذِكْر يُثاب الإنسان عليه، ولكن لو صلَّى، ثم سمع مؤذنًا بعد الصلاة، فهل يجيب؟ ظاهر الحديث أيضًا أنه يجيب؛ لعموم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ» (٣).

стр. 733

وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجيب؛ لأنه غير مدعوّ بهذا الأذان؛ يعني لا يتابعه؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان. قالوا: ونجيب عن الحديث: بأن المعروف في عهد النبي ﵊ أن المؤذن واحد، وأنه لا يمكن أن يؤذن آخر بعد أن تؤدى الصلاة، فيُحمل الحديث على المعهود في عهد النبي ﵊، وأنه لا تكرار في المؤذنين، ولكن لو أخذ أحد بعموم الحديث، وقال: إنه ذكر، وما دام الحديث عندي عامًّا فلا مانع من أن أذكر الله ، والحمد لله الذي جعل هناك دليلًا أستند عليه حتى لا يُقال: إنك مبتدِع؟ وقول المؤلف: (يُسنُّ لِسَامِعِه متابعتُه سرًّا)، صريح في أنه لو ترك الإجابة عمدًا فلا إثم عليه، وهذا هو الصحيح، وقال بعض أهل الظاهر -يعني بعض الظاهرية- قالوا: إن المتابعة واجبة، وأنه يجب على من سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول، واستدلوا بالأمر: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ»، والأصل في الأمر الوجوب، ولكن الجمهور على خلاف ذلك. استدل الجمهور بأن النبي ﷺ سمع مؤذنًا يؤذن، فقال: «عَلَى الْفِطْرَةِ» (٤)، ولم يُنقَل أنه أجابه، أو أنه تابعه، ولو كانت المتابعة واجبة لفعلها الرسول ﵊، ولنُقلت إلينا. وعندي أن في هذا دليلًا أصرح من ذلك؛ وهو قول النبي ﵊ لمالك بن الحويرث، ومن معه من الوفد: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٥)، أو «أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا» (٦) في حديث آخر قصة ثانية، فهذا يدل على أن المتابعة لا تجب.

стр. 734

ووجه الدلالة: أن المقام مقام تعليم، ومقام التعليم تدعو الحاجة إلى بيان كل ما يحتاج إليه، وهؤلاء وفد قد لا يكون عندهم علم بما قاله النبي ﷺ في متابعة الأذان، فلما ترك النبي ﵊ التنبيه على ذلك مع دعاء الحاجة إليه؛ وكون هؤلاء وفدًا بقوا عنده عشرين يومًا؛ ثم غادروا؛ يدل على أن الإجابة ليست بواجبة، وهذا هو الأقرب والأصح؛ أن الإجابة سُنَّة، وليست بواجبة، ونريد بالإجابة المتابعة. وقول المؤلف: (سُنَّ لسامعه متابعته سرًّا)، فإن رآه ولم يسمعه، رآه على المنارة ولم يسمعه، فهل تسن المتابعة؟ طلبة: لا. الشيخ: الجواب: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ» (٧). طيب لو سمعه ولم يره؟ طالب: يتابعه. طالب آخر: يجيب. الشيخ: يتابعه؛ للحديث: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ». يقول: (يُسن لسامعه متابعته سرًّا). (وحوقلته في الحيعلة)، (الحوقلة) و (الحيعلة)، هذان مصدران مصنوعان ومنحوتان؛ لأن الحوقلة مصنوعة من (لا حول ولا قوة إلا بالله)، والحيعلة من (حي على الصلاة) (حي على الفلاح)، إذن تقول: إذا قال المؤذن: (حي على الصلاة): تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: (حي على الفلاح): تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. قد يقول عامي: سبحان الله، أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هل أنا ابتُليت بمصيبة حتى تقولوا: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ! ويش الجواب؟ لا؛ لأن العامة عندهم أن الإنسان إذا أُصيب بمصيبة قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، حتى إذا جعلتَ تشكو عليه مثلًا حال شخص أو أمرًا من الأمور، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، المشروع عند المصائب غير هذا أن تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما هذه الكلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فهي مشروعة عند التحمل؛ تحمل الأشياء، وهي كلمة استعانة، وليست كلمة استرجاع.

стр. 735

إذن فكأن المؤذن لما قال: (حي على الصلاة) أقْبِلْ تبرأت من حوْلك وقُوَّتك إلى ذي الحول والقوة؛ وهو الله ، فاستعنت به، وقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا من باب التوسُّل بذكر حال الداعي، وأظن مر علينا أن من أقسام التوسل في الدعاء أن يذكر الإنسان حاله، وأنه في حاجة إلى الله، فإذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله كأنك تقول: أنا ما عندي حوْل ولا قوة إلا بالله إن أعانني فأنا أقوم بما ينبغي أن أقوم به، وإن لم يُعِنّي ووكلني إلى نفسي فإنه يكلني إلى ضعف وعجز وعورة. لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هو الحَوْل؟ قال العلماء: الحول بمعنى (التحوُّل)؛ أي: لا تحوُّل من حال إلى حال إلا بالله . والقوة معناها القدرة على الشيء، بل هي أخص من القدرة؛ يعني: أنا لا أستطيع التحول، ولا أقوى على التحول إلا بمعونة الله، ولهذا نقول: إن (الباء) في قوله: (إلا بالله) للاستعانة، كل إنسان لا يستطيع أن يتحول من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها لا يستطيع إلا بالله ، ولا يقوى على ذلك إلا بالله. إذن فهذه الجملة في جواب (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) كلمة استعانة، يستعين الإنسان بالله على إجابة هذا المؤذن. وسبق لنا أن قوله: (حي على الفلاح) بعد قوله: (حي على الصلاة) تعميم بعد تخصيص، أو هو دعاء إلى النتيجة والثواب بعد الدعاء إلى الصلاة كأنه قال: أقبِل إلى الصلاة، فإذا صلَّيْت نِلْت الفلاح، وأيًّا كان سواء الأول أو الثاني، فإن إجابته أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. في إجابة المؤذن أو متابعته فيه دليل على رحمة الله ، وسعة فضله؛ لأن المؤذنين لما نالوا ما نالوه من أجْر الأذان شُرع لغير المؤذن أن يتابعه؛ لينال أجرًا كما نال المؤذن أجرًا، ولهذا نظائر؛ في الحج، الحجاج يوم النحر يذبحون هدايا، وغير الحاج ويش شرع لهم؟ طلبة: الأضاحي.

стр. 736

الشيخ: الأضاحي؛ حتى لا يُحرم الناس الذين حرموا من الحج من جنس أعمال الحج. الحجاج إذا أحرموا تركوا الترفُّه؛ لا يحلقون الشعور، أو بالأخص شعر الرأس، وغير الحجاج من أهل الأضاحي كذلك أيضًا، لا يأخذون من شعورهم، ولا من أظفارهم، ولا من أبشارهم شيئًا، وهذا يدلك على سعة رحمة الله ، وعلى شمول هذه الشريعة، وأنها لم تدع أحدًا بدون شيء حتى لا يقول أحد: أنا حُرمت من الخير. يقول: (وقوله بعد فراغه: اللهم ربَّ هذه الدعوة)، الحقيقة أن المؤلف اقتصر في الدعاء الذي بعد الأذان، وإلا ينبغي بعد الأذان أن تصلي على النبي ﵊ بعد انتهاء الأذان، ثم تقول: (اللهم ربَّ هذه الدعوة) إلى آخره، وفي أثناء الأذان إذا قال المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) وأجبته، تقول بعد ذلك: رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ كما هو ظاهر رواية مسلم حيث قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». في رواية: ابن رمح -أحد رجال الإسناد-: «مَنْ قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ» (٨)، وفي قوله: «وَأَنَا أَشْهَدُ» دليل على أنه يقولها عقب قول المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ لأن (الواو) حرف عطف، فيعطف قوله على قول المؤذن. إذن فيه ذكر مشروع أثناء الأذان وهو أيش؟ طلبة: في الصلاة. الشيخ: لا، في أثناء الأذان: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، هذا بعد التشهدين، بعد الأذان الصلاة على النبي ﷺ ، وقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، ما هي (الدعوة التامة)؟ طالب: الأذان.

стр. 737

الشيخ: الأذان؛ لأنه دعوة؛ حي على الصلاة، حي على الفلاح، ووصفها بـ (التامة)؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير، فهي جامعة بين التعظيم والتوحيد والدعوة إلى الخير؛ ولهذا وصفها بأنها تامة. وقوله: (اللهم رب)، مر علينا –أظن عدة مرات- إعراب (اللهم)، وقلنا: إنه منادى حذفت منه (يا) النداء، وعُوّض عنها (الميم)، وجُعلت (الميم) بعد لفظ الجلالة تيمنًا وتبركًا بالابتداء بالجلالة، واختير لفظ (الميم) دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع كأن الداعي يجمع قلبه على ربه ، وعلى ما يريد أن يدعوه به. وقوله: (رب هذه الدعوة التامة)، قد يقول قائل: لماذا كانت (اللهُ) بالضم، و (ربَّ) بالفتح؟ نقول: لأن (الله) علم منادى؛ فيبنى على الضم، و (رَبَّ) مضاف، فيكون منصوبًا؛ لأن المنادى أو ما وقع بدلًا منه إذا كان مضافًا فإنه يكون منصوبًا. وقوله: (ربَّ هذه الدعوة التامة)، (رب) ويش معنى رب هنا؟ بمعنى خالق، ولَّا بمعنى صاحب، ولا أيش؟ طلبة: الثاني. طالب: مشرع هذه الدعوة. الشيخ: صاحب الدعوة، مشكلة الداعي هو المؤذن. طالب: يعني شرع الدعوة. طالب آخر: شارع الدعوة. الشيخ: الشارع. طالب: المسؤول عن الدعوة. الشيخ: المسؤول، من يسأل الله؟ ما يستقيم المسؤول عن الدعوة. عندنا الآن رب بمعنى: صاحب، ثانيًا: رب بمعنى: خالِق، ربّ بمعنى: شارع مُشرِّع هذه الدعوة؛ إذن بمعنى صاحِب؛ يعني صاحبها الذي شرعها، كذا؟

стр. 738

نشوف الآن، لو كانت (ربّ) بمعنى (خالِق)، أشكل علينا هذا؛ لأن هذه الدعوة فيها أسماء الله ، وفيها كلمات ما هي من أسماء الله، أسماء الله تعالى غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه ، وكلامه غير مخلوق، لكن لو قال: إنه خالق الدعوة باعتبار تلفظ المؤذن بها فإن لفظ الإنسان مخلوق حتى وإن لفظ بغير مخلوق، فإن لفظه مخلوق، والملفوظ غير مخلوق؛ لأن القرآن إذا تكلم به الإنسان يكون لفظه وحركات لسانه وشفتيه وحنجرته هذه مخلوقة، لكن الملفوظ به هذا غير مخلوق. إذن إذا فسّرنا (رب) بمعنى خالِق على تقدير اللفظ الذي هو فعل المؤذن، فهذا لا إشكال فيه. إذا قلنا بأن (رب) ما تضاف إلا لمخلوق فإنه يرد علينا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، والعزة من صفات الله ، فهنا يتعين أن تكون ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بمعنى صاحب العزة، ولا يجوز أن تكون (رب) بمعنى خالق. (رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، هذه (الصلاة القائمة)، المشار إليه لا بد أن يكون محسوسًا قابلًا للإشارة، وأيضًا (القائمة) هي الآن لم تقم، فيقال: الإشارة إلى ما تصوره الإنسان في ذهنه؛ يعني عندما تسمع الأذان تتصور أن هناك أيش؟ صلاة. و(القائمة): قال العلماء: التي ستُقام؛ فهي قائمة باعتبار ما سيكون. قال: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، (آتِ) بمعنى: أعطِ؛ وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا (محمدًا) و (الوسيلة) هي المفعول الثاني. ما الفرق بين آتِ وبين ائْتِ؟ ائت بمعنى؟ طلبة: تعالَ. الشيخ: لا؛ بمعنى جِئْ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]؛ يعني: جِئْهم، وأما (آتِ) فهي بمعنى (أعطِ)، وكذلك (آتَى) أي: أَعْطَى، و (أَتَى) أي: جاء.

стр. 739

قال: (آتِ محمدًا الوسيلة) (محمد) هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه القرشي الهاشمي خاتم النبيين كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فهو ﷺ خاتم النبيين. يقول: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، (الوسيلة): بيَّنها الرسول ﵊ أنها «دَرَجَة فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ»، قال: «وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» (٧). ولهذا نحن ندعو الله له ليتحقق له ما رجاه ﷺ . وأما (الفضيلة)؛ فالفضيلة هي المنقبة العالية التي لا يشاركه فيها أحد. طالب: إعراب الفضيلة؟ الشيخ: معطوفة على الوسيلة. يقول: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته)، ابعثه متى؟ يوم القيامة، (مقامًا)؛ أي: في مقام محمود (الذي وعدته)، وهذا المقام المحمود يشمل كل مواقف القيامة، وأخص ذلك الشفاعة العظمى، حينما يلحق الناس من الكرب والغم في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة مع ما فيه من الأهوال والشدائد والكُرب يلحقهم أمر لا يطيقونه، فيمضي الناس ويتساءلون: من يشفع لنا إلى الله يريحنا من هذا الموقف؟ فيأتون إلى آدم ويعتذر، وإلى نوح ويعتذر، وإلى إبراهيم ويعتذر، وإلى موسى ويعتذر، يذكر كل منهم ما يراه عذرًا في عدم شفاعته، ويأتون إلى عيسى ولا يذكرون شيئًا، لكن يقول: اذهبوا إلى محمد عبدٍ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم يأتون إلى النبي ﵊، فيسألونه أن يشفع إلى الله؛ فيشفع. هذا مقام محمود؛ كون هؤلاء الرسل والأنبياء كلهم يعتذر عن الشفاعة، إما بما يراه عذرًا كآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وإما لأنه يرى أن في المقام من هو أوْلى منه، مثل مَنْ؟ طلبة: عيسى.

стр. 740

الشيخ: مثل عيسى، وانظر كيف ألهم الله الناس أن يذهبوا إلى هؤلاء؛ لأن الأربعة الرسل هم أولو العزم، وآدم أبو البشر، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، ثم انظر كيف يُلهم الله هؤلاء؟ أن كل واحد منهم يعتذر بما يرى أنه حائل بينه وبين الشفاعة؛ لأن الشفيع ليس له وجه يتقدم للشفاعة من أجله، إلا إذا كان ليس بينه وبين المشفوع إليه شيء يخدش المقام، وهؤلاء الأربعة كلهم ذكروا ما يخدش مقامهم بحسب ما يرونه لكمال تواضعهم وإن كان كلهم تابوا من الذنوب؛ إن كانت ذنوبًا بالنسبة لإبراهيم ﵊. الخامس لم يذكر شيئًا يخدش مقام الشفاعة عنده، ولكن ذكر من هو أولى منه بذلك؛ وهو محمد ﵊ لتتم الكمالات لرسول الله ﷺ ، فيشفع عند الله فيأتي الله تعالى للقضاء بين عباده. وهذا من المقام المحمود الذي قال الله له فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، هذه الدعوات، يقول الرسول ﷺ : «إِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). شفاعة النبي ﵊ تحل له، ويكون مستحقًّا لها، وهذا لا شك أنه من نعمة الله علينا وعلى الرسول ﵊؛ أما علينا فلما نناله من الأجر في هذا الدعاء، وأما على الرسول ﷺ ؛ فلأن هذا مما يرفع ذِكْره؛ أن تكون أمته إلى يوم القيامة تدعو الله له. ولكن لو قال قائل: إذا كانت الوسيلة حاصلة لرسول الله ﷺ ، فما الفائدة من أن ندعو الله له بها؟ نقول: لعلَّ من أسباب كونها له دعاء الناس له بذلك، وإن كان هو ﵊ أحق الناس بها. في هذا الدعاء عدة مسائل:
следующие страницы →