Полный текст (12 382 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
واستثنى فقهاؤنا ﵏ في الكتب المطوَّلَة استثنوا قالوا: إن لم يوافها وقت الغروب، يعني: إن لم يَصِل إليها إلى مزدلفة وقت الغروب، شوف يعني: من ذاك الزمن في إمكان أن يصل الإنسان إليها وقت الغروب يعني: وقت المغرب، قالوا: فإن وافاها في ذلك الوقت صلاها في وقتها وبادر بها.
على كل حال يُسْتَثْنَى من هذه المسألة ليلة المزدلفة للحاج فلا يُسَنُّ له أن يُعَجِّل، بل لا يصلي حتى يصل إلى مزدلفة، ودليل ذلك ما أشرنا إليه آنفًا حديثُ أسامةَ بن زيد ﵁.
فإن قال قائل: لو تأخر في الطريق وخاف أن يَخْرُجَ وقت العشاء، فماذا يصنع؛ هل يؤخر الصلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة وإن لم يُصَلِّ إلا الفجر، أو يصلِّي الصلاة في وقتها ولو على راحلته؟
الجواب: الثاني؛ يعني: إذا خاف خروجَ الوقت وجب عليه أن يَنْزِلَ فيُصَلِّي، فإن لم يمكنه النزول صلى ولو على ظهر راحلته.
ثم قال: (ويليه وقتُ العشاء إلى الفجر الثاني وهو: البياض المُعْتَرِض، وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضلُ إن سهل) (يليه) يعني: يلي وقتَ المغرب وقتُ العشاء إلى طلوع الفجر على كلام المؤلف: (إلى طلوع الفجر الثاني، وهو: البياض المعترض)، وعلى هذا تكون صلاة العشاء أطول الصلوات وقتًا؛ لأنها تكاد تكون جميع الليل من خروج وقت المغرب إلى طلوع الفجر الثاني أيضًا.
الفجر الثاني قال: (وهو البياض المعترِض) في الأفق من الشمال إلى الجنوب.
وأفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (إلى طلوع الفجر الثاني) أن هناك فجرًا أول وهو كذلك، والفجر الأول يخرج قبل الثاني بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربع، أو قريبًا من ذلك، وذكر العلماء أن بينه وبين الثاني ثلاثة فروق:
الفرق الأول: أن الفجر الأول مُمْتَدٌّ لا معترض؛ يعني: مُمْتَدٌّ طولًا من الشرق إلى الغرب، والثاني معترض من الشمال إلى الجنوب.
стр. 772
الفرق الثاني: أن الفجر الأول يُظْلِم، يعني: يكون هذا النور لمدة قصيرة ثم يُظْلِم، والفجر الثاني: لا يُظْلِم، بل يزداد نورًا وإضاءة.
الفرق الثالث: أن الفجر الثاني مُتَّصِلٌ بالأفق، ليس بينه وبين الأفق ظُلْمَة، والفجر الأول منقطع عن الأفق، يعني: بينه وبين الأفق ظلمة، هذه ثلاثة فروق بين حقيقة هذا وحقيقة هذا.
هل يترتب على الفجر الأول شيء؟ لا يترتب عليه شيء من الأمور الشرعية أبدًا، لا إمساك في صوم، ولا حِلُّ صلاة الفجر، الأحكام مُرَتَّبَة على الفجر الثاني.
إذن: (إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض)، ما هو الدليل؟
أما الدليل على دخول وقتها: فهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث جبريل، كلها تدل على أن وقت العشاء يدخل بِمَغِيبِ الشَّفَقِ الأحمر، أما انتهاؤه إلى الفجر الثاني فليس فيه دليل.
إلا دليلًا لا دلالة فيه هو: أن النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ أَخَّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» (١١) قالوا: فهذا دليل على أن أوقات الصلاة مُتَّصِلَة.
فهل في هذا الحديث من دليل؟ ليس فيه دليل؛ لأن التَّفْرِيط أن يؤخِّر الصَّلاة حتى يَدْخُل وقت الصلاة الأخرى؛ يعني: فيما وقتاهما متَّصل؛ ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع، فإن صلاة الفجر لا تمتد إلى صلاة الظهر بالإجماع، وإذا كان كذلك فالواجب الرجوع إلى الأدلة، إذا لم يكن في هذا دليل؛ فالواجب الرجوع إلى الأدلة الأخرى.
الأدلة الأخرى ليس فيه دليل يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدًا، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث جبريل كلها تدلُّ على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل.
стр. 773
وهذا الذي دَلَّت عليه السنة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن أيضًا؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فتجد (لدلوك الشمس) يعني: من دلوك الشمس، لكن أتى باللام للدلالة على أن دخول الوقت علة في الوجوب، أي: سبب.
والدليل أن اللام هنا بمعنى (مِنْ) لكن عبَّر باللام من أجل بيان العلة؛ الدليل الغاية (إلى)، والغاية يكون لها ابتداء ولَّا لا؟ لها ابتداء كأنما قال: (من دلوك الشمس إلى غسق الليل)، لكن أتى باللام كما قلت إشارةً إلى أن دخول الوقت علة الوجوب؛ ولهذا قال الفقهاء ﵏: إن الوقت سبب وشرط؛ سبب لوجوب الصلاة، وشرط لصحتها.
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ متى يكون غَسْقُ الليل؟ عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليل ظُلْمَة في النصف، حينما تكون الشمس منتصفةً في الأفق من الجانب الآخر من الأرض، هذا غَسْق الليل.
إذن، من نصف النهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل هذا جعله الله وقتًا واحدًا؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة أو مُتَّصل بعضها ببعض، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: الظهر يليه العصر يليه المغرب يليه العشاء، إذن ما بعد الغاية داخل ولَّا خارج؟
طلبة: خارج.
الشيخ: ما بعد الغاية خارج؛ ولهذا فصَّل فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ففصَّل، وجعل الفجر مستقلًا، فدل هذا على أن الصلوات الخمس أربع منها متتابعة، وواحدة منفصلة، وهذا هو الذي تؤيده السُّنَّة أيضًا، بل السُّنَّة صريحة فيه، فالصواب إذن أن وقت العشاء إلى نصف الليل.
ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، أو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؟
أما اللغة العربية: فكلاهما يُسَمَّى ليلًا؛ ولهذا تجد في القاموس يقول: إلى طلوع الفجر أو طلوع الشمس الليلُ.
стр. 774
أما في الشرع: فالظاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: نصف الليل من صلاة العشاء من مَغِيبِ الشمس؛ يعني: الليل الذي يُنَصَّف من أجل معرفة صلاة العشاء هو: من غروب إلى طلوع الفجر، فتُنَصِّف ما بينهما، وما بينهما هو آخر الوقت، هذا هو القول الراجح الذي لا تدل الأدلة إلا عليه، وأن ما بعد منتصف الليل ليس وقتًا لصلاة مفروضة، إنما هو وقت نافلة وتَهَجُّد.
قال: (وتأخيرها إلى ثُلُثِ الليل أفضلُ إن سَهُل).
الآن ليس عندنا دليل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، حينئذٍ يكون قول المؤلف مرجوحًا.
(تأخيرها إلى ثلث الليل أفضلُ إن سَهُل) فإن شَقَّ فتُعَجَّل في أول الوقت، أما إذا سَهُل فالأفضل تأخيرُها إلى ثلث الليل.
دليل ذلك حديثُ أبي جُحَيْفَة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يُسْتَحِبُّ أن يؤخر من العشاء (٤)، وفي حديث جابر: إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر (١٢)، وثبت عنه ﷺ أنه: تأخَّر ذات ليلة حتى ذهب عامَّةُ الليل، فقام إليه عمر فقال: يا رسول الله، رَقَدَ النساء والصبيان، فخرج ورأسُه يَقْطُر ﵊ وقال: «إِنَّهُ لِوَقْتِهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» (١٣). فهذه أدلة واضحة على أن تأخيرها إلى ثلث الليل أفضل، ولكن إن سهل.
إذا كان إنسان يصلي بالناس في البلد، فهل التقديم أفضل أو التأخير؟ نقول: الأفضل مراعاة الناس، إذا اجتمعوا صلَّى، وإن أخروا تأخر.
إذا كانوا جماعة محصورين ولا يهمهم أن يُعَجِّلُوا أو يؤخروا فما الأفضل؟ التأخير.
إذن: النساء في بيوتهن الآن في مثل عصرنا هذا الأفضل لهن التأخير؛ يعني: لو قالت امرأة: إنها ستبقى مستيقظة إلى نصف الليل، فهل الأفضل أن تُصَلِّيَ العشاء مبكرة أو مؤخرة؟ نقول: الأفضل أن تؤخر، أما الرجال فسيصلون جماعة.
стр. 775
فإن قال قائل: هل الأفضل مراعاة تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، أو الصلاة مع الجماعة؟
الطلبة: مع الجماعة.
الشيخ: نعم، نقول: الجماعة، بل لا مفاضلة في الواقع؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وهذا مستحب، ولا مقارنة بين مستحب وواجب.
قال المؤلف: (ويليه وقتُ الفجر إلى طلوع الشمس) لم يُبَيِّن المؤلف ابتداء وقت الفجر؛ لأنه يرى أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، ولهذا قال: (ويليه وقت الفجر) فيكون من طلوع الفجر.
والعجيب أن المؤلف ﵀ ظاهر كلامه أن تأخير صلاة العشاء إلى ما بعد نصف الليل جائز؛ لأنه لم يقل: إنه وقت ضرورة، والمعروف عند أهل العلم أن ما بين نصف الليل إلى الفجر وقت ضرورة ليس وقت جواز، أما وقت الفجر فهو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، كم مقداره في الساعات يختلف، فقد يكون ساعة ونصف، وقد يكون ساعة وربع كالمغرب.
يقول شيخ الإسلام ﵀: من ظن أن حصة الفجر كحصة المغرب فقد أخطأ وغلط؛ يعني: بعض الناس يجعل الوقت ساعة ونصف بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وساعة ونصف بين مغيب الشمس ومغيب الشفق، ويقول: هذا خطأ، ليس بصحيح؛ لأن مقدار ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس في أيام الشتاء يطول لتصاعد الأبخرة إلى فوق؛ فينعكس عليها ضوء الشمس مبكرًا؛ فتطول حصة الفجر، وعكس ذلك في الصيف، وعكس ذلك أيضًا حصة المغرب؛ يعني: إذا طالت حصة الفجر قَصُرت حصة المغرب، والعكس بالعكس.
على كل حال هذه ظواهر أفقية، يمكن يُطَّلع على علمٍ أكثر مما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
أما بالنسبة للمشاهدة فإذا كنت في بَرٍّ وليس حولك أنوار تمنع الرؤية ولا قتر، فإذا رأيت البياض الممتد من الشمال إلى الجنوب فقد دخل وقت الفجر، فصلِّ الفجر، أما قبل أن يتبين فلا تصلِّ الفجر.
قال: (إلى طلوع الشمس)، ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم وغيره أيضًا.
стр. 776
وبعد طلوع الشمس إلى زوال الشمس ليس وقتًا لصلاة الفريضة، كما أن من نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتًا لصلاة مفروضة؛ هذه الأوقات الخمسة التي أوجب الله فيها الصلاة.
وقد سألنا في أول الكلام على الأوقات؛ ما الحكمة في أن الصلوات الخمس موزعة هذا التوزيع، والسؤال هنا لماذا لم تُجْمَع جميعًا؟ هذه واحدة، وما الحكمة في أنها قُيِّدَت بهذه الأوقات يعني: لم تجعل مثلًا مُوَقَّتة بمسافة أو بمدة متساوية؟
طالب: نقول: لا شك أن الحكم كثيرة؛ منها تسهيلها على العباد يعني: لا شك تسهيل العمل، توزيع أي ( ... ) إذا كانت كبيرة، يجعل العامل له أَنْشَطَ عندما يأتي إليه.
الشيخ: هذا واحد.
طالب: أيضًا يا شيخ، أن الإنسان في هذه الأوقات يصبح كأنه عابد الله في جميع اليوم في جميع الأوقات؛ فمثلًا يعبد الله في الصبح وفي المساء، يكون عابدًا لله ذاكرًا ..
الشيخ: يعني: إذن لئلا ينقطع عن العبادة كذا.
الطالب: عن الذكر.
الشيخ: عن العبادة والذكر؛ لأنه لو صلَّاها في وقت واحد، بقي بقية الأوقات غافلًا معرضًا.
الطالب: حصول الأجر والثواب بتكرار الوضوء في كل وقت على حدة، إذا تفرَّقت بخلاف إذا جَمَعَها فإنه ربما يُصلِّيها بوضوء واحد.
الشيخ: يعني: كثرة الأجر بكثرة العمل لهذه الصلاة من وضوءٍ ومشيٍ إليها وتحصيل سُتْرَة وغير ذلك، هذه ثلاثة.
طالب: ما يكون في ذلك من اجتماع المسلمين.
الشيخ: وإذا صار واحدًا اللي بيصلي.
الطالب: لا هذا غالب ( ... ) ما فيه من اجتماع المسلمين، يجتمعون في اليوم خمس مرات ..
الشيخ: يعني: تجديد اللقاء بين المسلمين كذا؟ وهذا يُرَسِّخ المحبة والتآلف بين المسلمين.
طالب: جَعْلها يا شيخ في أوقات مناسبة من بعد الظهر يكون بعد العمل والعصر يكون بعد القيام من النوم هذا في الغالب يعني.
الشيخ: هذا يختلف باختلاف الناس.
طالب: لا، في الغالب، بعض الناس ..
стр. 777
الشيخ: لا، هذه مسألة عن الحكمة؛ ليش وضعت على هذا الترتيب، ما جعلت مثلًا المدة متساوية؟ إنما الآن نريد أصل التفريق؛ لأن السؤال الآن سؤالان؛ السؤال الأول: عن التفريق، والسؤال الثاني: عن اختلاف المُدَد بينها.
طالب: منها أن الصلاة تنهى عن الفحشاء، أنها ( ... ) الوقت، يكون رادعًا له عن الفحشاء، وأيضًا تكفير السيئات الصغائر.
الشيخ: يعني تجديدها؛ تجديد النهي عن الفحشاء والمنكر، التكفير: قد يَعْتَرِض معترض، ويقول: ما دام سيصلي يكفر.
طالب: كفارة لما بين الصلوات.
الشيخ: إي، يقول: ما بين الصلوات، حتى لو جُمِعَت مثلًا بعد طلوع الشمس ثم جاء اليوم الثاني حصل التكفير.
طالب: جعلها يا شيخ في هذا الوقت تكون في أوقات معينة ابتلاء الله يبتلي به المؤمنين؛ ولذلك قول الرسول ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلاةُ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ».
الشيخ: هذه تعيينها في أوقات معينة، الآن عندنا، أربع فوائد في تفريقها.
طالب: أقول -يا شيخ-: استمرار صلة العبد بربه ؛ إذ لو جعل الله الصلوات في وقت واحد ربما ينشغل الإنسان مثلًا أو يشغل نفسه بشيء لم ينفع به نفسه، فلما فرَّق الله الصلوات على هذا الترتيب، الغالب أن الإنسان يشغل وقته؛ يعني: في صلته بربه ، وتكون تقوية للمحبة أيضًا بين العبد وبين ربه.
الشيخ: مرَّ شيء قريب منها، مر ما يُغْني عنها.
طالب: هذه رحمة بالعباد؛ إذ لو كانت في وقت واحد وفاتته فات الفضل كله، أما كونها متفرقة يعني: قد تفوته صلاته، ويلحق صلاة أخرى.
الشيخ: إي، صحيح هذه.
طلبة: إي نعم.
طالب آخر: ما سمعنا الخامسة.
الشيخ: الخامسة؛ يقول من الفوائد: الرحمة بالعباد؛ لأنها لو جُعِلَت في وقت واحد، ثم فات هذا الوقت فات الإنسان خير الصلوات الخمس كلها، فإذا وُزِّعت فلو قُدِّر أنه فاته واحدة بقيت الأخريات لم تفته.
стр. 778
طالب: الصلوات هذه تعجيلها على حد سواء ولَّا فيها شيء أفضل من شيء؟
الشيخ: كلها على حد سواء إلا ما سَنَّ تأخيرُه.
الطالب: التعجيل؟
الشيخ: التعجيل، إي نعم.
طالب: لكن بعض العلماء يقول: المغرب أفضل أو العصر.
الشيخ: أبدًا كله واحد، تفريق بعض العلماء في هذا ما له وجه، لكن مثلًا اللي لها سنة راتبة قبلَها ينبغي أن تتأخر أكثر ( ... ).
***
طالب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتُدْرَك الصلاةُ بتكبيرة الإحرام في وقتها، ولا يُصَلِّي قَبْلَ غلبةِ ظنِّه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر ثقة متيقن، فإن أحرم باجتهاد فبان قبلَه فنفلٌ وإلا ففرضٌ، وإن أدرك مكلَّفٌ من وقتها قدرَ التحريمة ثم زال تكليفُه أو حاضت ثم كُلِّفَ وطَهُرَت قَضَوْها، ومن صار أهلًا لوجوبها قبلَ خروج وقتها لزمته، وما يجمع إليها قبلها .. ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا بيانُ أوقات الصلوات وأن الأفضل: هو تقديم الصلاة إلا صلاة واحدة وهي العشاء، فالأفضل فيها التأخير إن سَهُل وإلا صلاة الظهر لعارض: وهو شدة الحر؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» وأظننا انتهينا منها؟
طالب: الإسفار بالفجر.
طالب آخر: الحكمة في أوقات الصلاة.
الشيخ: ذكرناها أيضًا.
طالب: ذكرنا الحكمة ..
طالب آخر: الإسفار بالفجر.
الشيخ: لا، الفجر مثلها أيضًا الأفضل فيها التقديم.
стр. 779
إحنا ذكرنا الحكمة في ذلك؛ أولًا: في تفريقها، وأما الحكمة في كونها وُضِعَت في هذه الأوقات فأما الفجر؛ فذكرنا أن ظهور الفجر بعد الظلام الدامس هذا من آيات الله التي يستحق عليها التعظيم والشكر، فإن هذا النور الساطع بعد الظلام الدامس لا أحد يستطيع أن يأتي به؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١].
وأما الظهر؛ فلأن انتقالَ الشمس من الناحية الشرقية إلى الغربية هو أيضًا من آيات الله ، فإنه لا أحد يستطيع أن ينقلها من هذه الجهة إلى هذه الجهة إلا الله .
أما العصر؛ فلا يظهر لنا فيها حكمة، ولكنه لا شك أن لها حكمة.
وأما المغرب؛ فالحكمة فيها كالحكمة في صلاة الفجر؛ وهو أن الليل من آيات الله العظيمة التي يستحق عليها الشكر والتعظيم.
وكذلك نقول في العشاء: لأن مغيب الشفق وزوال آثار الشمس، هو أيضًا من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله وحكمته.
ثم إن المؤلف ﵀ يقول: (وتعجيلُها) أي: الفجر (أفضلُ) دليل ذلك؛ أولًا: في جميع الصلوات قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، وهذا يحصل بالمبادرة بفعل الطاعة، هذا من القرآن.
من السنة: أن الرسول ﷺ كان يُعَجِّل في هذه الصلوات ما عدا العشاء الآخرة، وصلاة الظهر في شدة الحر، ومن ذلك الفجر.
стр. 780
وأما من حيث المعنى: فالمبادرة أفضل؛ وذلك لأن الإنسان لا يدري ما يَعْرِضُ له، قد يدخل الوقت وهو صحيح معافى، واجدٌ لجميع شروط الصلاة، ثم يطرأ عليه ما يمنعه من فعل الصلاة، أو من كمالها بمرض أو موت أو حبس أو غير ذلك، فكان مقتضى النظر أن يتقدم بفعل هذه الصلوات.
الفجر؛ يقول المؤلف: (تعجيلُها أفضل) كغيرها من سائر الصلوات؛ لأن النبي ﷺ كان يصلِّيها بِغَلَسٍ يَنْصَرِف منها حين يعرف الرجل جليسه الذي إلى جنبه، وكان يقرأ بالستِّين إلى المئة (١٤)، وقراءة النبي ﷺ مُرَتَّلَة يقف عِند كل آية (١٥).
فإذا كان يقرأ من الستين إلى المئة مع الركوع والسجود والقيام بعد الركوع والجلوس والتشهد دلَّ ذلك على أنه كان يبادر بها جدًّا.
وأما من رأى أن تأخيرَ الفجر أفضل واستدل بما يذكر عن النبي ﷺ : «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِأُجُورِكُمْ» (١٦) فهذا الحديث -إن صح- فالمراد: ألا تتعجَّلوا بها حتى يَتَبَيَّن لكم السفر؛ يعني: الإسفار وتتحققوا منها.
وبهذا نجمع بين هَدْيِ النبي ﷺ الراتب الذي كان لا يَدَعُه وهو التَّغْلِيس بها، وبين هذا الحديث إن صح.
ثم قال: (وتُدْرَكُ الصلاةُ بتكبيرة الإحرام في وقتها) كلمة: (الصلاة) عامَّة لصلاة الفريضة وصلاة النافلة المؤقتة؛ مثل: صلاة الضحى ومثل الوتر فإنه مؤقت، وكذلك الرواتب فإنها مؤقتة.
فالرواتب قبل الصلاة وقتُها من دخول وقت الصلاة إلى إقامة الصلاة، والرواتب التي بعدها من انتهاء الصلاة إلى خروج الوقت.
كل صلاة مُوَقَّتة تُدْرَكُ بإدراك تكبيرة الإحرام؛ دليل ذلك: ليس هناك دليل، لكن هنا تعليلًا: وهو أن هذا الإنسان الذي أدرك تكبيرة الإحرام أدرك جزءًا من الوقت، وإدراك الجزء كإدراك الكل؛ لأن الصلاة لا تتبعض، فإذا أدرك مِقدار ما يُكَبِّر للإحرام كان مُدْرِكًا لجميع الصلاة، هذا هو التعليل.
стр. 781
وهذا هو الذي ذهب إليه المؤلف ﵀، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
على أن الصلاة تُدْرَك بتكبيرة الإحرام سواء من أول الوقت أو من آخر الوقت؛ من أول الوقت: لو أن امرأة أَدْرَكت مقدارَ تكبيرة الإحرام من صلاة المغرب مثلًا ثم أتاها الحيض، فهنا نقول: هي قد أدركت الصلاة، فيجب عليها إذا طَهُرَت أن تصلي المغرب، لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام من الوقت.
من آخره: كما لو كانت امرأة حائضًا، ثم طهرت قبل خروج الوقت بقدر تكبيرة الإحرام، فإن الصلاة تلزمها؛ لأنها أدركت من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، هذا من جهة الحكم.
من جهة الثواب: يُثَاب من أدرك قدر تكبيرة الإحرام ثوابَ من أدرك جميع الصلاة، وتكون الصلاة في حقِّه أداءً.
لكنه لا يجوز كما سبق لنا في كتاب الصلاة أن يُؤَخِّر الصلاة أو بعضها عن وقتها؛ يعني: مثلًا، لو قال: أنا سأؤخر الصلاة حتى لا يبقى إلا مقدار تكبيرة الإحرام، نقول: هذا حرام، وأنت آثم، ولكن مع ذلك نقول: إنك قد أدركتها أداءً، هذا ما ذَهَبَ إليه المؤلفُ، وهو المذهب.
والقول الثاني: أنها لا تُدْرَك الصلاة إلا بإدراك ركعة؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٣)، وهذا القول هو الصحيح، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الحديث فيه ظاهر، فهو جملة شرطية «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» «فَقَدْ أَدْرَك»، مفهومُه: من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك؛ وعلى هذا فلو حاضت المرأة بعد دخول الوقت بأقل من مقدار ركعة لم يلزمها القضاء؛ لأنها لم تُدْرِك ركعة، وكذلك لو طَهُرَت قبل خروج الوقت بأقل من ركعة فإنه لا يلزمها قضاءُ الصلاة؛ لأنها لم تدرك ركعة، النبي ﵊ يقول: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٣).
стр. 782
وينبني على هذا أيضًا: إدراكات أخرى ربما تأتينا إن شاء الله فيما بعد؛ مثل إدراك الجماعة: هل تُدْرَك الجماعة بركعة، أو تدرك بتكبيرة الإحرام؟
الصحيح: أنها لا تُدْرَك إلا بركعة، كما أن الجمعة لا تُدْرَك إلا بركعة بالاتفاق، فكذلك الجماعة لا تُدْرَك إلا بركعة.
وقول المؤلف: (بتكبيرةِ الإحرامِ في وقتها) يشمل وقت الضرورة ووقت الاختيار، وليس عندنا صلاة لها وقتان إلا صلاة واحدة، وهي؟
طلبة: العصر.
الشيخ: العصر، فلو أدرك تكبيرة الإحرام قبل غروب الشمس فقد أدرك صلاة العصر.
والصواب: أنه لا يدركها إلا بإدراك ركعة؛ والحديث نص في ذلك؛ حيث قال النبي ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣) وهذا نص صريح في الموضوع يدلُّ على القول الراجح.
قال: (ولا يُصَلِّي قَبْلَ غلبة ظنِّه بدخول وقتها) (ولا يصلي) مَن الفاعل؟ الإنسان، مُكَلَّفًا كان أو غير مكلف؛ يعني: ولا يصلي الإنسان، وإن شئت فقل: ولا يصلي مُصلٍّ؛ لأنه إذا لم يكن عود الضمير على شيء معلوم؛ فليكن عود الضمير على وصفٍ مشتقٍ من المصدر الذي اشتق منه الفعل. فهمتم هذه القاعدة؟ إذا لم يكن هناك مرجعٌ معلوم الضمير، فليكن المرجع؟
طالب: مصدرًا.
الشيخ: لا، وصفًا مشقًا من المصدر الذي اشْتُقَّ منه الفعل، فمثلًا (صلى) المصدر أو اسم المصدر (صلاة) نقول: ولا يصلي مصلٍّ (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها)، وإذا تيقن؟
طلبة: فإنه يصلي.
الشيخ: يُصَلِّي من بابٍ أولى، إذا تَيَقَّنَ فإنه يصلِّي من باب أولى.
стр. 783
أفادنا المؤلف بقوله: (قبل غلبة الظن) أنه يجوز أن يُصَلِّيَ الصلاة بغلبة الظن؛ أي أننا إذا غلب على ظننا أن الوقت دخل جاز أن نصلي، وحينئذٍ نجوز أن نصلي إذا تَيَقَّنَّا دخول الوقت، ويجوز أن نصلي إذا غُلِبَ على ظننا دخول الوقت، فإذا كان الجوُّ صاحيًا وشاهدنا الشمس قد غربت نصلي المغرب، وهنا تيقنَّا دخول الوقت أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تَيَقَّنَّاه، إذا كانت السماء مُغِيمَة ولم نشاهد الشمس، لكن غلب على ظننا أنها غابت نصلِّي، وهذه صلاة بغلبة الظن، أما الأول فدليله ظاهر.
وأما الثاني وهو الصلاة بناءً على غلبة الظن؛ فلأن النبي ﷺ أفطر هو وأصحابه بغَلَبة الظن كما في حديث أسماءَ بنت أبي بكر ﵄ قالت: أَفْطَرْنا على عهد النبي ﷺ في يَوْمِ غيمٍ، ثم طلعت الشمس. أخرجه البخاري (١٧).
وهنا أفطروا بماذا؟ بغلبة الظن قطعًا لا باليقين، فإذا جاز العمل بغلبة الظن في خروج الوقت، وهو هنا وقت الصوم جاز العمل بغلبة الظن في دخول الوقت، بل إنَّ لازمَ ذلك أنهم لو صلوا المغرب حين أفطروا صحت الصلاة؟ نعم، صحت الصلاة إذا لم يتبين الأمر خلاف ذلك.
هل يُصلي مع الشك في دخول الوقت؟
طالب: لا يُصلي.
الشيخ: لا يُصلي مع الشك؛ وذلك لأن الأصل عدم الدخول، فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بمسَوِّغٍ شرعي.
هل يُصلي مع غلبة الظن بعدم دخول الوقت؟
طالب: لا يصلي.
الشيخ: لا يُصلي من باب أولى.
هل يُصلي مع اليقين بعدم دخول الوقت؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن: لا نُصلِّي في ثلاث صور، ونصلي في صورتين.
الصور خمس: تَيَقُّن دخول الوقت، وغلبةُ الظن بدخوله، والشك في دخوله، وغلبة الظن بعدم دخوله، واليقين بعدم دخوله؛ الصور خمس، نصلي في صورتين، ولا نصلي في ثلاث، والتعليل ظاهر.
قول المؤلف: (ولا يُصَلِّي قبلَ غلبة ظنِّه).
стр. 784
واستفدنا من كلام المؤلف: أن غلبة الظن لها مدخل في باب العبادات، وهو كذلك فإن غلبة الظن لها مدخل في العبادات في مواضع كثيرة، وإن كان بعض العبادات لا يمكن أن يُفْعَل إلا باليقين، غالب الرأي يجوز تحكيمه فيما لا يمكن معرفة حقيقتهلكن كثير من العبادات مبنية على غلبة الظن، بل إن هذا هو القاعدة، القاعدة في العبادات: البناء على غلبة الظن، هذه القاعدة؛ ولهذا لو شك الإنسان كم صلى، وعنده ترجيح، فالصحيح أنه يعمل بما تَرَجَّح، وإن كان المذهب يقول: لا يَعمل إلا باليقين.
إذا شك في عدد أشواط الطواف، أو أشواط السعي، فإنه يَبْنِي على غالب ظنِّه إذا كان عنده ترجيح، أما إذا لم يكن عنده ترجيح فيبني على اليقين.
قال: (إما باجتهادٍ أو خبرِ ثقة مُتَيَقِّن) هنا ذكر المؤلف الطرق التي يَحْصل بها غلبةُ الظن:
الطريق الأول: الاجتهاد، لكن بشرط أن يكون المجتهد عنده أداة الاجتهاد؛ يعني: أن يكون عالمًا، فإن لم يكن عالمًا فإنه لا يعمل باجتهاده؛ لأنه ليس من أهل الاجتهاد.
فلو أن شخصًا صلى الظهر، وقال: أصلي العصر إذا انتصف ما بين الظهر والمغرب، لما انتصف ما بين الظهر والمغرب صلى، هل هذا الذي صلى بَنَى صلاته على اجتهاد صحيح؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن لا بد أن يكون عنده علم بالاجتهاد، كذلك في صلاة العشاء لو أنه اجتهد ولما رأى أن النور الساطع القوي قد اختفى صلى العشاء مع وجود الحمرة، نقول: هذا لا تصح صلاته؛ ليش؟ لأنه صلَّى قبل الوقت ولأنه ليس أهلًا للاجتهاد؛ حيث إنه لا يعلم متى يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العشاء، هذا الاجتهاد.
стр. 785
الثاني: أو خبر ثقة مُتَيَقِّن، وهذا الطريق من عند غيره؛ يعني: رجل أخبرك بأن الوقت دخل، ولكنه أخبرك عن يقين بأن قال: رأيت الشمس غربت، أو قال: رأيت الفجر قد طلع، فإن أخبرك عن اجتهاد أو عن غلبة ظن فإنك لا تعمل بقوله؛ لأن المؤلف يقول: (خبر ثقة مُتَيَقِّن) لا مجتهد، ولا بانٍ على غلبة ظنه، بل لا بد أن يكون متيقنًا.
فإن قال قائل: أليس يجوز للإنسان أن يبني على اجتهاد نفسه وغلبة ظن نفسه؟
قلنا: بلى، لكن هنا بنى على غيره، والفرع أضعف من الأصل؛ لأنه إذا اجتهد لنفسه فهو أصيل، إذا بنى على خبر غيره فهو فرع، والفرع أضعف من الأصل؛ ولهذا لا يبني على شيء مبني على اجتهاد أو مبني على غلبة ظن.
فلو قال لك قائل: صلِّ المغرب، قلت له: أغربت الشمس؟ قال: والله، أظنها غربت، هل تعمل بقوله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تعمل على كلام المؤلف، ولو أنك أنت نفسك غلب على ظنك أن الشمس غربت؟
طالب: تعمل بذلك.
الشيخ: تعمل بذلك.
وقول المؤلف: (ثقة) مَن الثقة؟ هو الذي يوثق بقوله؛ لكونه مُكَلَّفًا ولكونه صادقًا؛ يعني: يمكن أن يكون صادقًا يعني: بالغًا عاقلًا صدوقًا لم يُعْرَف بالكذب، أو بالعَجَلَةِ والتسرع.
ولكن هذا القول الذي ذهب إليه المؤلف بأنه لا بد أن يكون متيقنًا فيه نظر.
والصواب: أنه إذا أخبرك مَنْ تَثِقُ به جاز لك أن تُصَلِّي على خبره، سواء كان إخباره عن يقين أو عن غلبة ظن؛ لأنه الآن ما دمت أنت لا تعرف ولا تتمكن من الاجتهاد، ثم قلنا: لا تعمل بخبر هذا وهو مجتهد، هذا فيه مشقة، وما زال المسلمون يعملون بأذان المؤذنين، وكثير من المؤذنين في هذا الوقت يكون أذانهم أحيانًا على غلبة الظن؛ لأن الغيوم كثيرة، وليس عندهم ساعات يحررون بها الوقت، فيكون أذانهم على غلبة الظن وما زال المسلمون يعملون بأذان المؤذنين.
стр. 786
إذن فنقول: إن الإنسان يعرف دخول الوقت إما باجتهاد منه؛ لكونه أهلًا الاجتهاد لمعرفته بالأوقات ابتداء وانتهاءً، وإما بخبر من يَثِق بقوله سواء أخبر عن ظنٍّ أو عن يقين.
وقول المؤلف: (أو خبر ثقة) يشمل ما إذا كان المخبِرُ امرأةً، فلو أخبرتك امرأةٌ بدخول الوقت عَمِلت بقولها؛ لأن هذا خبرٌ ديني وليس بشهادة فيعمل بقولها.
يقول: (فإن أَحْرَم باجتهادٍ فبانَ قَبْلَه فنفلٌ وإلا ففرضٌ) إن أحرم باجتهاد؛ لماذا قال: (باجتهاد) ولم يقل: بيقين؟ لأنه إذا أحرم بيقين لا يمكن أن يتبين أنه قبل الوقت؛ لأن اليقين معناه شاهدَ الوقت بعينِه، تَيَقَّنَ، لكن (أحرم باجتهاد) يعني: دخل في الصلاة باجتهاد.
(فبان) الفاعل يعود على مَنْ؟
طالب: على الإحرام.
الشيخ: نعم، يعود على الإحرام.
(فبان الإحرام قبلَه) أي: قبل الوقت (فنفلٌ) حتى لو فُرض أنك لما قلت: الله أكبر غاب حاجب الشمس الأعلى؛ يعني: ما بقي إلا مثل السلك في الشمس، فقلت: الله أكبر، لما قلت: الله أكبر اختفى، نقول: صلاتك الآن نفل؛ لأنك أحرمت يعني: كَبَّرْتَ للإحرام قبل الوقت، فتكون صلاتك نفلًا.
إذا قال مقدار الله أكبر فقط، نقول: لكن الله أكبر هي تكبيرة الإحرام وهي ركن من أركان الصلاة، فمعنى ذلك أنك أتيت بركن من أركان الصلاة خارج وقتها فلا تصح.
قال: (فَبان قبلَه فنفلٌ)، وقوله: (فبان قبله) أفادنا ﵀ أنه لو بقي الأمر على اجتهاد ما تبين شيء، فإن الصلاة تصح فرضًا؛ لأنه أحرم فيها أو أحرم بها على وجهٍ أُمِرَ به، ومن أتى بالعبادة على وجه أُمِرَ به ولم يتبين فسادها فهي صحيحة، حتى وإن كانت في نفس الأمر غير صحيحة، يعني: ما دام الأمر لم يتبين له، حتى لو فرض أنه أحرم من قبل الوقت فهي فريضة.
وقوله: (وإلا ففرض)، (إلا) أيش يعني؟ وإلا يتبين قبله ففرض، وشمل هذا ثلاثَ صورٍ:
الصورة الأولى: أن يتبين أنه في الوقت، والأمر واضح، تكون فرضًا.
стр. 787
الثانية: أن يتبين أنه بعد الوقت؟
طالب: ففرض.
الشيخ: ففرض.
الثالث: ألا يتبين الأمر فتكون أيضًا فرضًا.
فالصور أربع؛ إذا أحرم باجتهاد فلا يخلو من أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يتبين أنها قبل الوقت، فهي نفل.
الثانية: في الوقت، ففرض.
الثالثة: بعده، ففرض.
والرابعة: يبقى الأمر مُبْهَمًا، لم يتبين شيء، ففرض كذا ولا لَّا؟
فإن قال قائل: إذا وقعت في الصور التي تكون فيها فرضًا فالأمر واضح، لكن في الصورة الأولى لماذا صارت نفلًا وهو لم ينوها؛ وقد قال النبي ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١٨)؟
فالجواب: أن يقال: صلاة الفريضة تتضمن في الواقع نيتين: نية صلاة، وكونها فريضة؛ يعني: ونية كونها فريضة، نية كونها فريضة بطلت لتبين أنها قبل الوقت، وأيش يبقى نية كونها صلاة؟ ولهذا ينبغي أن يُذْكَر هنا قاعدة أو ينبه على قاعدة ذكرها الفقهاء؛ وهي قولهم: وينقلب نفلًا ما بان عدمُه كفائتة لم تكن وفرض لم يدخل وقته.
مثال: واحد إنسان ظن أنه صلَّى بغير وضوء فأعاد الصلاة، ثم تذكَّر أنه قد صلى بوضوء هذه فائتةً لم تكن، تكون هذه الصلاة نافلة.
فرض صلَّاه ظنًّا منه أن الوقت دخل فلم يدخل يكون أيضًا نافلة، فالقاعدة ما هي: وينقلب نفلًا ما بان عدمُه كفائتة لم تكن وفرض لم يدخل وقته.
طالب: المرأة إذا طَهُرت في آخر الوقت نقول: إنها يعني ( ... ).
الشيخ: إي نعم، هذا ما يضر، يكون العبرة بإدراك الوقت بقطع النظر عن الأعمال التي تكون قبل الصلاة، يعني: مثلًا لو طهرت على كلام الفقهاء قبل الوقت بدقيقتين ( ... ) تلزمها الصلاة.
الطالب: مثلًا يؤخرها -يا شيخ- عن وقتها حتى تبقى خمس دقائق، وراح يوضي، وفات الوقت.
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: قلنا: إنه يأثم ولكن تجزئه.
الشيخ: إي، هو ما يجوز، لكن تكون الصلاة أداء.
стр. 788
طالب: شيخ، المجتهد الذي ليس معه أداة الاجتهاد إذا وافق اجتهاده ( ... ) يعني: إذا قسم ما بين الظهر والمغرب، وصلى العصر وهذا وافق الصلاة الصحيحة.
الشيخ: ما تصح، وفيها قول أنها تصح؛ ولهذا قال الفقهاء: الأعمى لو أنه تحرَّى وصلى وجبت عليه الإعادة مطلقًا ولو أصاب؛ لأنه ليس أهلًا للتحري، وهذا قبل أن تخرج الساعات هذه، لكن فيه قول ثانٍ أنه إذا أصاب الوقت صحت، وهذا هو الصحيح.
طالب: شيخ ( ... )، إذا كان قبل الوقت وقتُ نهيٍ، كيف تكون نفلًا؟
الشيخ: المهم ينقلب نفلًا، فإن صَحَّحْتَه صحَّ النفل، في هذا صحَّ، وإلا فلا.
طالب: المذهب يستدلون بحديث: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً» (١٩) حديث مسلم.
الشيخ: إي، لكن فُسِّرَت، قال: والسجدة هي الركعة.
الطالب: معروف تفسيرها على الراجح، لكن هم يستدلون به.
الشيخ: ما يصح هذا، ولا يستدلون بهذا؛ لأن السجدة أطول من تكبيرة الإحرام حتى ما ينطبق على كلام الفقهاء.
طالب: شيخ ( ... ) أدرك ركعة؛ لأن إدراك الركعة بيخص الإنسان، والإنسان يصلي بسرعة وقد ( ... ).
الشيخ: إي، صحيح، لكن يمكن إن شاء الله بيجينا بحثها موجودة في كلام المؤلف ( ... ).
ما المراد بقول المؤلف: (باب شروط الصلاة)؟
طالب: شروط الصلاة: ما يجب لها قبلَها.
الشيخ: (ما يجب لها قبلها) يدخل فيه الأذان؟
الطالب: وما لا تتم إلا به.
الشيخ: يعني: ما تتوقف صِحَّتُها عليه، هذه شروط الصلاة.
يقول المؤلف: (شروطها قبلها) لماذا قال: (شروطها قبلها)؟
طالب: الشرط ما يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم.
الشيخ: لا، خطأ.
الطالب: ويلزم من عدمه العدم.
الشيخ: ويلزم من وجوده الوجود؟
الطالب: لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم.
الشيخ: لكن معنى (شروطها قبلها) احترازًا من أيش؟
الطالب: ما هو داخل الأركان.
الشيخ: صح، احترازًا من الأركان؛ لأنها شروط للصحة، لكنها هي نفس الصلاة؛ ماهيتُها.
بدأ المؤلف ﵀ بالوقت لماذا؟
стр. 789
طالب: لأنه تتوقف صحَّة الصلاة على تأديتها في الوقت.
الشيخ: حتى اللي غيره تتوقف صحتها على فعله حتى الوضوء مثلًا.
الطالب: لأن الوقت شرط لصحتها وشرط لوجوبها ( ... ).
الشيخ: يعني: لأنه شرط وسبب.
الطالب: شرط وسبب نعم.
الشيخ: فيه شيء غير هذا.
طالب: لأنه هو أول ما ابْتَدَأَ به حديثُ جابرٍ.
الشيخ: لا هذا غير ..
طالب: حديث جبريل، يا شيخ.
الشيخ: لا.
طالب: ما تجب ابتداء إلا بدخول الوقت.
الشيخ: لأنها سبب لوجوب وشرط للصحة.
طالب: لأن الوقت هو أول شيء يرد اسمه، وأول شيء في مرتبة الصلاة يعني: أول شيء، أول أحكام الصلاة هو الوقت؛ لأنه قبل الوقت ما ( ... ) حكم من أحكام الصلاة.
الشيخ: لا، يمكن يتوضأ قبل الوقت.
الطالب: الوضوء ما هو من الصلاة.
الشيخ: من شروط الصلاة.
الطالب: ( ... ) الشروط.
الشيخ: أهم الشروط ما هو من أهمها؛ ولهذا يراعى الوقت، ولو فاتت كل الشروط، تصلي مثلًا إلى غير القبلة إذا كنت لا تقدر تصلي بغير وضوء ولا تيمم إذا كنت لا تقدر، المهم لأنه هو أهم الشروط؛ ولهذا تجد مراعاته مُقَدَّمًا على جميع الشروط، لا نقول لإنسان مريض الذي لا يستطيع أن يستقبل القبلة لا نقول: انتظر حتى تستطيع، ولا نقول لمن عدم الماء والتراب: انتظر حتى تجد ماء أو ترابًا، بل نقول: أيش صلِّ على حسب حالك.
بدأ المؤلف بوقت الظهر، لماذا لم يبدأ بوقت الفجر؟
طالب: امتثالًا لحديث جبريل؛ لأنه أول ما بدأ بالصلاة صلاة الظهر.
الشيخ: نعم أول ما أمَّ الرسول ﷺ لإعلامه بالوقت بصلاة الظهر، تمام.
طالب: بعضهم -يا شيخ- بدأ بالفجر حتى تكون ..
الشيخ: هذا قول ثان. وقت الظهر من؟ إلى؟
طالب: من الزوال إلى ( ... ) الزوال يعني: يصير الظل مثله.
الشيخ: إلى مساواة الظل مثله؟ ما فيها قَيْدٌ آخر؟
الطالب: بعد فيء الزوال.
الشيخ: بعد فيء الزوال، ما هي علامة الزوال؟
طالب: علامة الزوال هو ميل الشمس من الناحية الشرقية إلى الناحية الغربية.
стр. 790
الشيخ: هذا هو الزوال.
الطالب: تناقص الظل حتى يزيد من الناحية الشرقية.
الشيخ: يعني: ابتداءُ زيادة الظل بعد تناهي قِصَرِه.
يقول المؤلف: (بعد فيء الزوال)، ما هذا القيد؟ ما محتَرَزه يعني؟
طالب: بعد فيء الزوال؛ أي: بعد تزداد الشمس بعد الظل التي زادت عليه الشمس.
الشيخ: الظل الذي زادت عليه الشمس لا يحسب؟
الطالب: لا يحسب، نعم.
الشيخ: كذا؟ يُحْسَب من ابتداء زيادة الظل إلى أن ينتهي بطول الشيء. له علامة في الزمن بالساعات؟
طالب: النصف ما بين طلوع الشمس إلى غروبها.
الشيخ: النصف ما بين طلوع الشمس وغروبها.
العصر؟
طالب: يحصل من ( ... ) إلى مصير الشيء ( ... ).
الشيخ: فيه قول آخر؟
الطالب: العصر يكون له وقتان.
الشيخ: لا، الوقت الأول.
طالب: إلى الاصفرار.
الشيخ: إلى اصفرار الشمس.
وهذا يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وذاك يدل عليه حديث جبريل.
طالب: ( ... ) يا شيخ، فلا يقال: إن العصر لها وقت واحد بدليل رواية البيهقي (٢٠): «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبِ الشَّمْسُ» وكذلك رواية مسلم (٢١): «وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَحْمَرَّ الشَّمْسُ» ( ... ).
الشيخ: لا.
الطالب: مجموع الروايات دلَّ على أن العصر لها وقت واحد.
الشيخ: لا، مجموع الروايات دلَّ على أن لها وقتين؛ لأن اصفرار الشمس واحمرار الشمس متقارب.
الطالب: إلى الغروب تَحِلُّ؟
الشيخ: أما إلى الغروب، فمرادهم منتهى الضرورة، فهو كقوله: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣).
الطالب: ما هو الدليل يا شيخ؟
الشيخ: الدليل الحدود الأولى.
الطالب: وقوله هنا: ووقت العصر ما لم تغرب الشمس؟
الشيخ: طيب، «وَمَا لَمْ تَصْفَرَّ» ويش نسوي فيها؟
الطالب: نجمع بينهم أن هذا زائد ..
الشيخ: لكن ما يكون زائدًا.
الطالب: كما جمعنا في حديث جبريل؛ قلنا: إن الاصفرار زائد على المثلين.
الشيخ: لا، إحنا نقول ..
стр. 791
الطالب: الغروب ( ... ).
الشيخ: إي نعم، إحنا نقول: المثلين في الغالب، قد تختلف في بعض الأوقات؛ نقول: إذا كانت مثليه، اصفرت الشمس في أيام الشتاء مثلًا.
على كل حال هي لها وقتان بلا شك؛ وقت إلى اصفرار الشمس، والاحمرار هذا إما أن يُحْمَل على الاصفرار، وإلا فيقال: الوقت مُتَقَارب والثاني إلى الغروب.
وقت المغرب؟
طالب: من خروج وقت العصر إلى مغيب الشفق الأحمر.
الشيخ: ومتى يخرج وقت العصر؟
الطالب: غروب الشمس.
الشيخ: إذن من غروب الشمس إلى مَغيب الشفق الأحمر ولَّا الأبيض؟
الطالب: الأحمر.
الشيخ: وقت العشاء؟
طالب: من مغيب الحمرة إلى نصف الليل.
الشيخ: إلى نصف الليل، أحسنت.
وقت الفجر؟
طالب: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
الشيخ: إلى طلوع الشمس، قَيَّدْتَ بالفجر الثاني، هل هناك فجرٌ أول؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: هو فجر متد ..
الشيخ: نور.
الطالب: ممتد من الشرق إلى الغرب، وبعيد عن الأفق، ويزول بعد طلوعه.
الشيخ: صحيح، بخلاف الثاني فهو معترض.
الطالب: من الشمال إلى الجنوب.
الشيخ: من الشمال إلى الجنوب ومستمر ومتصل، بارك الله فيك.
ما هو الأصل في فعل الصلاة أن تكون في أول الوقت أو في آخره؟
طالب: إذا صلى أن يُعَجِّل بالصلاة.
الشيخ: نعم، في أول الوقت، الدليل؟
الطالب: الدليل عموم الأدلة في قوله تعالى: ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
الشيخ: ﴿اسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وكذلك الأحاديث الواردة في؟
الطالب: فضيلة أول الوقت.
الشيخ: وفي فعل الرسول ﷺ ( ... ).
الطالب: وفي فعل الرسول.
الشيخ: يستثنى من هذا؟
طالب: صلاة الظهر وقت الحر، وقت ما يشتد الحر، ووقت ..
الشيخ: صلاة الظهر إذا اشتَدَّ الحرُّ تؤخر؟
طالب: تؤخر إلى ..
الشيخ: إلى الإبراد حتى يبرد الوقت، والثاني؟
طالب: الثاني إذا كان فيه غيوم.
стр. 792
الشيخ: إي نعم، هذا على رأي المؤلف، يعني: وقت الظهر في حالين، والصحيح أن مسألة الغيم لا تُؤَخَّر فيها.
فيه صلاة ثانية تؤخر؟
طالب: العصر يؤخر وقت الضرورة إلى قرب مغيب.
الشيخ: يعني: تؤخر عن وقت الاختيار إلى قرب غروب الشمس.
طالب: لا الأصل التأجيل.
الشيخ: هذا، ويش اللي أصله التأخير؟
الطالب: صلاة العشاء.
الشيخ: صلاة العشاء، إلى؟
الطالب: إلى ثلث الليل.
الشيخ: إلى ثلث الليل، أحسنت.
طالب: صلاة المغرب ليلة جَمْعٍ.
الشيخ: ويش ليلة جَمْعٍ هذه؟
الطالب: هي ليلة مزدلفة.
الشيخ: ليلة مزدلفة لمن قصدها مُحْرِمًا، إي نعم.
بماذا تدرك الصلاة على كلام المؤلف؟
طالب: تُدْرَك بركعة.
الشيخ: على كلام المؤلف؟
الطالب: بتكبيرة الإحرام.
الشيخ: بتكبيرة الإحرام، هل هناك دليل أو تعليل لهذا القول.
طالب: نعم، قول الرسول ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ» بس هذا فيه ركعة يا شيخ؟
الشيخ: طيب، صار فيه ركعة لا تجيبه.
أقول: هل هناك تعليل؟
الطالب: نعم تعليل؛ لأنه كَبَّر قبل دخول وقت الصلاة التي بعدها؛ يعني: هذا يكون وقت الأولى، وقت العصر.
الشيخ: ما هو بظاهر، يا شيخ.
طالب: يقال: إن تكبيرة الإحرام جزء من الصلاة.
الشيخ: نعم؛ فإدراك جزء منها يكون إدراكًا للكل، إذن هو تعليل، فيه رأي آخر؟
طالب: بإدراك ركعة في وقتها.
الشيخ: ما دليله؟
الطالب: قوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (٣)، وقوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣)، «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (٢٢).
الشيخ: إذن: فمنطوق الحديث أن إدراكها بركعة، ومفهومه أن أقلَّ من ركعة لا تُدْرَك به.
إذا أَحْرَم باجتهاد في دخول الوقت، فلا يخلو من أربع حالات؟
стр. 793
طالب: غلب عليه ظَنُّه.
الشيخ: غلب على ظَنِّه، وصلَّى فلا يخلو من أربع حالات؟
الطالب: أول حال: ظَنُّه دخول الوقت.
الشيخ: ظنَّ هذا، صلَّى، فله أربع حالات؟
طالب: الحالة الأولى: أن يصلي في وقت الصلاة.
الشيخ: أن يصلي، هو الآن مجتهد.
الطالب: كيف؟
الشيخ: كيف نقول: أن يصلي وهو مجتهد؟
الطالب: يعني: أن يوافق وقت الصلاة.
الشيخ: أن يتبين أنه صلى في الوقت، فما الحكم؟
الطالب: صحَّت صلاته.
الشيخ: تَصِحُّ الصلاة، هذه واحدة، الثاني.
الطالب: الثاني: أنه صلَّى قبل وقت الصلاة، الثالث: أن ..
الشيخ: ما حكمه؟
وإن أَدْرَكَ مُكُلَّفٌ مِن وَقْتِها قَدْرَ التحريمةِ ثم زالَ تَكليفُه أو حاضَتْ ثم كُلِّفَ وطَهُرَتْ قَضَوْهَا، ومَن صارَ أهلاً لوُجوبِها قبلَ خُروجِ وَقْتِها لزِمَتْهُ وما يُجْمَعُ إليها قبلَها ويَجِبُ فورًا قضاءُ الفوائتِ مُرَتَّبًا ويَسْقُطُ الترتيبُ بنِسيانِه وبخشيةِ خُروجِ وقتِ اختيارِ الحاضرةِ، ومنها سَتْرُ العورةِ، فيَجِبُ بما لا يَصِفُ بَشَرَتَها،
(وَإِنْ أَدْرَكَ مُكَلَّفٌ مِنْ وَقْتِها قَدْرَ التَّحرِيْمَةِ، ثُمَّ زَالَ تَكْلِيْفُه، أَوْ حَاضَتْ، ثُمَّ كُلِّفَ وَطَهُرَتْ؛ قَضَوْها)
قوله: (أدرك مكلَّفٌ)، المكلَّف: هو البالغ العاقل، ووُصِفَ بذلك للزوم العبادات له، والعبادات نوع إلزام وتكليف، وإن كان ما فيها مشقَّة، لكن الإنسان ملزَمٌ بها، فهو البالغ العاقل.
وقوله: (من وقتها قدْرَ التَّحريمة)، يعني: قَدْرَ تكبيرة الإحرام، وهذا مبنيٌّ على أن المعتبَر هو؟
طلبة: إدراك ركعة.
الشيخ: إدراك تكبيرة الإحرام.
(ثم زالَ تكليفُه)، زالَ تكليفُه بأن صغُر بعد الكِبَر؟
طلبة: لا، مستحيل.
الشيخ: لا يمكن، إذن كيف؟ بأن جُنَّ بعد العقل، أو أُغميَ عليه.
(أَوْ حَاضَتْ) بعد دخول وقت الصلاة بِقَدْرِ التحريمة حاضت المرأة، زال تكليفُها أو لا؟
طالب: نعم.
стр. 794
الشيخ: زال تكليفها، لكن لا لفوات شرط، ولكن لوجود مانع وهو الحيض، وإلا فهي بالغة عاقلة، لكن وجود مانع يمنع الوجوب وهو الحيض، ولهذا فرَّق المؤلِّف بينهما فقال: (ثم كُلِّفَ، وطَهُرَت)، طَهُرَت الحائض. وفي هذا لَفٌّ ونشرٌ، كمِّل.
طالب: مرتَّبٌ.
الشيخ: مُرَتَّب، هذا مرتب، (إن أدرك مُكَلَّف) (ثم زال تكليفه أو حاضت) هذا الثانية، (ثم كُلِّف) هذا الأول، (وطهرت) هذا الثاني، فاللفُّ والنَّشر هنا مرتَّبٌ، يعني معناه: أنك إذا أتيت بالحكم عائدًا على ما سبق، فإن كان على ترتيب ما سبق فهو مرتَّب، وإن كان على خلافه فهو مشوَّش.
في القرآن مثال لهذا ولهذا؟
طالب: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧].
الشيخ: طيب، اسمع ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، لو كان مرتَّبًا لقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾، لكنه غير مترتب فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.
وأما المرتَّب: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ [هود: ١٠٥، ١٠٦]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨].
(ثم كُلِّفَ وطَهُرَت؛ قَضَوها)، كيف قال: (قَضَوها)، يقول: (إن أدرك مكلَّف من وقتها)، مكلَّف واحد، وقال: (ثم حاضت) مفردة، ولم يقل: قَضَيَاهَا؟ لأن المراد بالمكلَّف هنا الجنس، أو العموم؛ لوقوعه بعد الشَّرط، فلهذا صَحَّ أن يعود الضمير على اثنين مجموعًا.
(قَضَوها)، أي: قَضَوا تلك الصَّلاة.
стр. 795
مثال ذلك: امرأة بعد أن غربت الشمس حاضت بعد أن مضى مقدار تكبيرة الإحرام، فنقول لها: إذا طَهُرْتِ وجب عليك قضاء صلاة المغرب، وصلاة العشاء لا يلزمها قضاؤها؛ لأنه أتى عليها الوقتُ وهي غير ملزمة بالصلاة.
طالب: ( ... ) يصح العموم ( ... ).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: العموم ( ... ).
الشيخ: النكرة في سياق النفي تعمالنكرة في سياق الشرط تكون للعموم.
الطالب: النكرة في سياق الشرط تعمالنكرة في سياق الشرط.
الشيخ: تكون للعموم.
نقول: تقضيها، المكلَّف الذي زال تكليفه: إنسان بعد أن غربت الشمس أُغميَ عليه، ثم أفاق بعد منتصف الليل، يلزمه قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من وقتها قَدْر التحريمة، أما العشاء ففي لزومها عليه خلاف؛ فمن قال: إن المُغمَى عليه يقضي الصلوات التي فات وقتها وهو بالإغماء قال: تلزمه صلاة العشاء؛ لا لأنَّه أدرك من وقت المغرب قَدْر التَّحريمة، ولكن لأن الإغماء لا يُسْقِط فرض الصلاة، ومن قال - وهو الصحيح -: إن الإغماء يُسقط فرض الصلاة، قال: لا يلزمه في هذه الصورة إلا قضاء صلاة المغرب بناءً على أنَّها تُدرَك بإدراك تكبيرة الإحرام.
مثال ثالث: رجل غربت عليه الشمس ثم أصيب -والعياذ بالله- بالجنون، ثم أفاق بعد منتصف الليل، يلزمه قضاء صلاة المغرب؛ لأنه أدرك من وقتها قدر التحريمة.
وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء الصلاة إذا أدرك من وقتها قدر التحريمة؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، ركعة، وهذا لم يدرك ركعة، فكما أننا نعتبر الإدراك في آخر الوقت بركعة، فكذلك نعتبر الإدراك في أول الوقت بركعة، هذان قولان.
وقال بعض أهل العلم -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية-: لا يلزمه القضاء هذا المكلَّف ولا الحائض، إلا إذا بقي من وقت الصلاة بمقدار فعل الصلاة فحينئذ يلزم القضاء.
نشوف الأدلة:
стр. 796
أما الأول الذي يجعل ذلك منوطًا بإدراك تكبيرة الإحرام فبناءً على التعليل السابق؛ أن من أدرك مقدار جزء من الصلاة، فإن الصلاة لا تتجزأ، فيكون كما لو أدركها كاملة.
وأما القائلون بإدراك ركعة فحجتهم أيش الحديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ»، قالوا: فهذا أدركها فيكون قد أدرك الصلاة.
وأما الذين قالوا: إنه لا يلزمه حتى يتضايق الوقت عنها، فقالوا: إن الإنسان له أن يؤخِّر هذه الصلاة، فإذا طرأ المانع فقد طرأ عليه في وقت يجوز له تأخيرها إليه، وهو غير مفرِّط ولا مُعْتَدٍ، بل فاعل ما يجب عليه، ولأن هذا الأمر يقع كثيرًا في حيض النساء، ولم يُنْقَل أن المرأة إذا حاضت في أثناء الوقت ألزمت بقضاء الصلاة التي حاضت في أثناء وقتها، والأصل براءة الذمة، وهذا التعليل كما ترون تعليل قوي جدًّا.
وبناءً عليه فنقول: إذا زال التكليف، أو وُجِد المانع في وقت واسع، فإن هذه الصلاة لا يلزم قضاؤها، إن قضاها احتياطًا فهو على خير، وإن لم يقضها فليس بآثم، والعلة كما ذكرت.
وأجابوا عن الحديث بأن قوله: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ»، الإدراك في الغالب يكون في الأخير؛ لقوله ﵊: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» (٢)، ما أدركتم في أول صلاة الإمام ولَّا من آخرها؟
طلبة: من آخرها.
الشيخ: من آخرها، قالوا: فالإدراك غالبًا يكون في الأخير. ونحن نقول: إذا أدرك من وقتها قدرَ ركعة فإنه يكون قد أدركها، أما إذا زال التكليف، أو وُجِد المانع في وقت يجوز له التأخير فيه فإنه ليس بآثم ولا مُعْتَدٍ، فلا يُلْزَم بالقضاء، ففي المسألة إذن ثلاثة أقوال.
قال: (ومن صار أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها).
стр. 797
(من صار أهلًا لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته)، كيف ذلك؟ أهلية الوجوب تكون بالتكليف وزوال المانع، فيصير أهلًا لوجوبها إذا بلغ قبل خروج الوقت، إذا عقل قبل خروج الوقت، إذا زال الإغماء -على القول بأنه لا تقضى صلاة الإغماء- قبل خروج الوقت، زوال المانع إذا طهرت قبل خروج الوقت.
فقوله: (من صار أهلًا لوجوبها) يشمل من صار أهلًا لوجوبها؛ لكونه لم يكلَّف، أو لكونه مُتَّصِفًا بمانع ثم زال، فمن صار أهلًا لوجوبها قبل خروج الوقت، بمقدار كم على رأي المؤلف؟ بمقدار تكبيرة الإحرام، وعلى رأي من يقول بركعة يقول بركعة، المهم أنه صار أهلًا للوجوب قبل خروج الوقت إما بركعة أو بتكبيرة الإحرام.
(لزمته) أي: لزمته تلك الصلاة التي أدرك من وقتها قدر التحريمة على كلام المؤلف، أو قدر ركعة على القول الراجح، وهذا واضح أنها تلزمه؛ لأنه خوطِب بها في الوقت، ولقول الرسول ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١).
لكن قال: (وما يجمع إليها قبلها)، فمثلًا: إذا أدرك من صلاة العصر قدر ركعة أو قدر التحريمة لزمته صلاة العصر، ولزمته أيضًا صلاة الظهر، وإن أدرك ذلك في صلاة العشاء لزمته صلاة العشاء وصلاة المغرب أيضًا، وإن أدرك ذلك في صلاة الفجر لا يلزمه إلا الفجر؛ لأنها لا تُجمع لما قبلها، الفجر أمرها ظاهر أنه لا يلزمها سواها.
بقينا فيما إذا أدرك من وقت العصر أو من وقت العشاء، وجوب صلاة العصر عليه ظاهر؛ لأنه أدرك وقتها، ووجوب صلاة العشاء ظاهر أيضًا؛ لأنه أدرك جزءًا من وقتها.
لكن ما وجه وجوب صلاة الظهر في المسألة الأولى، وصلاة المغرب في المسألة الثانية؟
يقولون: إن وجه الوجوب: الأثر، والنظر؛ أما الأثر: فإنه رُوِيَ عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃.
стр. 798
وأما النظر: فلأن وقت الصلاة الثانية وقت للأولى عند العذر الذي يبيح الجمع، فلما كان وقتًا لها عند العذر صار إدراكُ جزء منه كإدراك جزء من الوقتين جميعًا، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فأما ما قبلها فلا يلزمه. واحتجوا بالأثر والنظر.
أما الأثر: فقول الرسول ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، و (أل) في قوله: (الصلاة) للعهد، أي: أدرك الصلاة التي أدرك من وقتها ركعة، وأما الصلاة التي قبلها فلم يدرك شيئًا من وقتها، وقد مر به وقتها كاملًا وهو ليس أهلًا للوجوب، فكيف نُلْزِمُه؟ !
وأما النظر فقالوا: إن هذا مقتضى القياس الصحيح؛ لأننا متفقون وإياكم على أنه لو أدرك ركعةً من صلاة الظهر ثم وُجِد مانع التكليف لم يلزمه إلا قضاء الظهر فقط، مع أن وقت الظهر وقت للظهر والعصر عند العذر والجمع، فما الفرق بين المسألتين؟ ! كلتاهما أتى عليه وقت إحدى الصلاتين وهو ليس أهلًا للتكليف.
لكن في المسألة الأولى مر عليه وقت الصلاة الأولى، وفي المسألة الثانية مر عليه وقت الصلاة الثانية، فأنتم إما أن تُلْزِمُوه بالقضاء في المسألتين -كما قال به بعض العلماء- وإما ألَّا تُلْزِمُوه فيهما كما قاله أيضًا آخرون، أما أن تُفَرِّقُوا فلا وجه لذلك.
فإن قالوا: فرَّقنا بناءً على الأثر الوارد عن الصحابة، فالجواب: الأثر الوارد عن الصحابة ربما يُحْمَل -إن صح- على سبيل الاحتياط فقط، خوفًا من أن يكون المانع قد زال قبل أن يخرج وقت الأولى، ولا سيما في الحيض، فإن الحيض قد لا تعلم المرأة به إلا بعد مدة من طهارتها، يعني قد لا تشعر بأنها طهرت من حين ما تطهر في ربع ساعة وعشر دقائق وما أشبه ذلك، فلعل ما جاء عن الصحابة يكون محمولًا على الاحتياط لا على سبيل الوجوب.
стр. 799
والقول الثاني في المسألة هو الراجح؛ أنه لا يلزمه إلا الصلاة التي أدرك جزءًا من وقتها، أما التي قبلها فلا تلزم، كما أن التي بعدها لا تلزم فيما لو طرأ مانع التكليف.
طالب: ( ... ) بعد نصف الليل، وعلى المذهب يكون إلى الفجر.
الشيخ: إي نعم، لكن لا وجه له المذهب.
الطالب: لكن هم ( ... ).
الشيخ: إي، هم يقولون: إذا طهرت قبل الفجر لزمها العشاء والمغرب. ( ... )
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
ويجب فورًا قضاء الفوائت مرتَّبَة، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إذا أدرك المكلَّف من رجل أو امرأة من الوقت جزءًا ثم زال التكليف أو طرأ مانع فما الحكم؟
طالب: إذا كان هذا الوقت ..
الشيخ: بنمشي على كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف ( ... ) إذا أفاق يقضيها.
الشيخ: يقضيها، حجتهم في هذا؟
الطالب: أنهم يقولون: إن جزء الصلاة الفائتة تابع ..
الشيخ: لا.
طالب: يقولون: إنها وجبت بدخول الوقت واستقرت.
الشيخ: لا.
طالب: قولنا: إدراك الجزء إدراك الكل.
الشيخ: نعم، إدراك الجزء كإدراك الكل، وهذا أدرك جزءًا منها، فكان كإدراك الكل، مثال ذلك؟
طالب: مثلًا يا شيخ حاضت امرأة بعد غروب الشمس بمقدار تكبيرة.
الشيخ: بمقدار تكبيرة الإحرام، فإذا طهرت؟
الطالب: تقضي هذه الصلاة.
الشيخ: وجب عليها القضاء.
مثال آخر في زوال التكليف، هذا وُجِد المانع؟
طالب: زوال التكليف يا شيخ الجنون بعد ..
الشيخ: بعد أن غربت الشمس.
الطالب: بمقدار تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام جُنَّ، ثم أفاق.
الطالب: فإنه يقضي ( ... ).
الشيخ: فإنه يجب عليه القضاء.
стр. 800
هل هناك قول آخر؟ ما هو القول الثاني في هذه المسألة؛ فيما إذا طرأ المانع أو زال التكليف؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: أيش؟ لأنها لا تُقْضَى مطلقًا.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: أقول: فيها قول ثانٍ، ما هو القول الثاني؟
الطالب: القول الثاني، قالوا: مقدار ركعة.
الشيخ: نعم، قالوا: إن المدار على مقدار ركعة، فإذا زال التكليف بعد مقدار تكبيرة الإحرام ودون الركعة فإنه لا يلزمه القضاء، وكذلك لو وُجِدَ المانع –كالحيض- بعد زوال مقدار التحريمة ودون الركعة فإنه لا يلزمه القضاء، ما حجة هؤلاء؟
طالب: حجة هؤلاء من قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، وهذا لم يدرك ركعة.
الشيخ: نعم «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، وهذا لم يدرك ركعة من الصلاة، فيه قول ثالث؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: لا يقضي من طرأ عليه زوال التكليف إلا إن بقي مقدار الصلاة من آخر الوقت.
الشيخ: يعني أنه في هذه الحال إذا زال التكليف وطرأ المانع لا يقضي إلا ..
الطالب: إذا تضايق الوقت.
الشيخ: إلا إذا تضايق الوقت عن فعل العبادة، ما حجتهم؟
الطالب: حجتهم أن الشارع أباح له أن يؤخِّر الصلاة إلى هذا الوقت، فإذا طرأ عليه طارئ قبل أن يكون واجب عليه أن يؤديها فإنها لا تجب عليه.
الشيخ: فإنها لا تلزمه؛ لأنه قد وسع عليه، فيه أيضًا دليل آخر؟
طالب: الرد على استدلال الفريق الثاني ..
الشيخ: لا، ما نريد الرد، إلى الآن نحن في الدليل لهذا، يقوي هذا القول.
طالب: إن النساء يحضن، ما زلن يحضن النساء، ولم يأت دليل على أنه يجب عليهن القضاء.
الشيخ: ولم يُنْقَل عنهن أنها إذا حاضت في أثناء الوقت تقضي تلك الصلاة.
الطالب: والأصل براءة الذمة.
стр. 801
الشيخ: الأصل براءة الذمةوالأصل براءة الذمة، هذا القول تعليله قوي جدًّا، إلا أننا ذكرنا أنه مع قوة تعليله يشكل عليه، ما الذي يشكل؟ الحديث «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فلهذا القولُ بهذا أن المعتبر هو الركعة ذكرنا أنه أقرب الأقوال، وهو قول وسط بين مَنْ يقيِّده بتكبيرة الإحرام، ومَن يقيِّده بتضايق الوقت.
طالب: لكن أجبنا عن هذا الحديث.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: بأن الإدراك في الأخير؛ في آخر الوقت لا في أوله.
الشيخ: إي، بأن الإدراك في آخره لا في أوله.
الطالب: قوله: «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا» (٢).
الشيخ: لا، ما هو في هذا الحديث، «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا».
الطالب: في قولهم.
الشيخ: لا، لكن التفسير بأن الإدراك يكون في الآخر، على كل حال القول الوسط هذا أحوط، وأن تعليل القول الثالث قوي جدًّا ..
طالب: ( ... ) شيخ الإسلام حتى لو ترك صلاة الجماعة وكان آثمًا بالتَّرْك.
الشيخ: فيها عكس هذه المسألة، لو طرأ التكليف على الإنسان في أثناء الوقت، فما المعتَبَر؟
طالب: يقضيها وما تُجْمَع إليها.
الشيخ: يقضيها وما أجمع إليها بعدها ولَّا قبلها؟
الطالب: بعدها.
الشيخ: وما أجمع إليها بعدها؟
الطالب: قبلها.
الشيخ: قبلها، ويش مثاله؟
الطالب: مثلًا إذا بلغ بعد صلاة العصر يقضي العصر ..
الشيخ: لو بلغ في وقت العصر.
الطالب: يقضي العصر والظهر؛ لأن الظهر تجمع إليها.
الشيخ: كذلك أيضًا لو زال المانع أثناء الوقت؟
طالب: لو زال المانع حاضت قبل ..
الشيخ: لو زال المانع في أثناء الوقت.
الطالب: الْجُنُون.
الشيخ: لا، الجنون تكليف.
الطالب: لو زال الحيض عنها وطهُرت ..
الشيخ: في أثناء الوقت.
الطالب: في أثناء وقت العصر يلزمها قضاء العصر والظهر قبلها.
الشيخ: والظهر، ما هو المعتَبَر فيما إذا طرأ التكليف وزال المانع؟
طالب: إذا طرأ التكليف وزال المانع، ( ... ).
стр. 802
الشيخ: لكن أيش المعتبر تكبيرة الإحرام أو ركعة؟
الطالب: ( ... ) يا شيخ، إدراك ركعة؟
الشيخ: المعتبر على كلام المؤلف؟
طالب: على كلام المؤلف تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام، فإذا طهُرت مثلًا قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام لزمها صلاة الظهر والعصر، فيه قول آخر؟
طالب: إدراك ركعة.
الشيخ: المعتبر إدراك ركعة. طيب، دليله؟
الطالب: حديث النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (٣).
الشيخ: ما فيها شيء عام، إحنا ( ... ) صلاة ما هي بالعصر أو الفجر.
الطالب: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١).
الشيخ: صح، إي، هل هناك قول آخر في أنه لا يلزمها إلا قضاء الصلاة التي زال المانع في وقتها؟
طالب: إذا وُجِدَ التكليف وزال المانع فإنه لا يلزمها إلا العصر.
الشيخ: كيف إلا العصر؟ ما جبنا مثالًا الآن حتى تقول العصر.
الطالب: إذا مثلًا وُجِد التكليف في وقت العصر ..
الشيخ: لا، تجيب مثال.
الطالب: ما يلزمه إلا الصلاة التي وُجِد التكليف فيها.
الشيخ: وُجِدَ التكليف في وقتها، وأما ما قبلها؟
الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: فلا يلزمه، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: لأن الذمة ..
الشيخ: هذا تعليل.
طالب: قوله ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١)، ولم يقل: هو أدرك الصلاة التي قبلها.
الشيخ: صح، هذا دليل، تعليل؛ لأن وقت الصلاة الأولى قد انقضى قبل أن تنشغل ذمته بهذا الواجب.
دليل ثالث: القياس على المسألة الأولى؛ أنه لو زال التكليف بعد أن دخل وقت الصلاة التي تُجْمَع لما بعدها لم يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فهما سواء، هذا وهذا كلاهما سواء، وأما الأثر المروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس ﵃ فهذا رأيهما وليس محل إجماع.
طالب: ضعيفان.
стр. 803
الشيخ: إذا كانا ضعيفين فالحمد لله.
الطالب: ( ... ) بأنهما ضعيفان.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، على كل حال، هذا مما يزيدنا قوة في الأخذ بالقول الصحيح، وإن كان الإمام أحمد استدل بذلك، والاستدلال بهما يدل على أنهما صحيحان عنده، لكن الحمد لله بعد تضعيفهما يوهن من القول بهما، على كل حال إذن نقول: خلاصة القول في هذه المسألة لأجل ما تشتبه عليكم: عندنا إذا طرأ التكليف وزال المانع، والثاني: إذا زال التكليف وطرأ المانع، هما متقابلان، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا طرأ التكليف وزال المانع فالمذهب المعتبَر مقدار تحريمة، والقول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، والقول الثالث: المعتبَر تضايق وقت الصلاة التي حصل ذلك فيها، فلو طرأ المانع وقد بقي من وقت الصلاة أكثر من فعلها، فعلى هذا القول الأخير لا تُقْضَى، وكذلك لو زال التكليف بأن جُنَّ الإنسان في أثناء الوقت، فإنه إذا زال التكليف قبل زمن أكثر مِن فعل الصلاة فإنه لا يلزمه هذه المسألة، أعني طروء المانع وزوال التكليف.
المسألة الثانية: عكسها، وهي زوال المانع، ويش بعد؟ وطروء التكليف.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: زوال المانع بأن تطهر المرأة في أثناء الوقت، والثاني طروء التكليف، مثال ذلك -زوال المانع- امرأة طهرت من الحيض قبل أن يخرج الوقت بمقدار تكبيرة الإحرام، تقول: على المذهب يلزمها قضاء الصلاة، وإن كان لها مجموعة قبلها لزمها قضاء الصلاة التي تُجْمَع إليها.
على القول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، وكذلك لو طرأ التكليف، بمعنى لو أن هذا الرجل المجنون عَقَل قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، لزمه أن يصلي العصر، بمقدار تكبيرة الإحرام؛ لم يلزمه على القول بأن المعتبر ركعة، ولزمه على القول بأن المعتبَر تكبيرة الإحرام.
وكلام المؤلف في هذا واضح، انظر ماذا يقول: (وإن أدرك مكلَّف من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه)، هذا أيش نقول فيه؟ زوال التكليف.
стр. 804
(أو حاضت، ثم كُلِّف وطَهُرت، قَضَوْها).
طلبة: ( ... ).
الشيخ: ثم قال: (ومن صار أهلًا لوجوبها)، هذه المسألة الثانية عكسها، (قبل خروج وقتها) إما بزوال المانع وإما بطروء التكليف، (لزمته وما يُجْمَع إليها قبلها).
والصحيح أن المعتبَر ركعة، وأنه لا يلزمه ما يُجْمَع إليها قبلها، كما لا يلزمه ما يُجْمَع إليها بعدها، هذا هو الصحيح.
إلا أن مسألة طروء المانع وزوال التكليف القول بأن المعتبر تضايق الوقت قلنا: إنه قول قوي جدًّا، لكن ربط ذلك بالركعة أحوط.
ثم قال المؤلف ﵀: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يجب قضاء الفوائت؛ الفوائت جمع فائتة، والفائتة كل عبادة مُوَقَّتَة خرجت وقتها فهي فائتة، سواء كانت نفلًا؛ كالوتر، أو فرضًا؛ كالصلوات الخمس.
فكل عبادة مُوَقَّتَة تُفْعَل بعد وقتها أو خرج وقتها قبل فعلها فهي فائتة، وتسمى حينئذ مَقْضِيَّة، ولهذا قال: يجب قضاء، ولم يقل: يجب أداء؛ لأن الأداء ما فُعِلَ بوقته، والقضاء ما فُعِلَ بعد وقته، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في وقته، فهذا ثلاثة أشياء: قضاء، وأداء، وإعادة؛ القضاء ما فُعِلَ بعد الوقت، والأداء ما فُعِلَ في الوقت، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في الوقت، مثلًا لو صَلَّيْتَ الظهر في مسجدك، وأتيت إلى مسجد جماعة وصلَّيْت معهم، تُسَمَّى هذه؟
طلبة: إعادة.
الشيخ: تسمى إعادة.
يجب قضاء الفوائت، عندنا قضاء لماذا سَمَّيناه قضاءً؟ لأنه بعد الوقت، فائتة؛ لأنها خرج وقتها قبل فعلها، فتكون فائتة.
قوله: (يجب) الوجوب مَرَّ علينا في أصول الفقه أنه ما أُمِرَ به على وجه الإلزام. هذا الواجب، والوجوب بمعنى الإلزام.
ودليل وجوب القضاء: قول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤)، واللام في قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» للأمر، والأمر للوجوب.
стр. 805
ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شُغِلَت ذِمَّتُه بها، فوجب عليه أداؤها؛ لأنها كانت دَيْنًا، كما قال الرسول ﵊ في المرأة التي سألته هل تحج عن أمها، قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (٥)، فصار لدينا دليل، أيش بعد؟ وتعليل.
الدليل: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، التعليل؛ لأن ذمته قد شُغِلَت بها فهي دَيْن عليه، والدين يجب قضاؤه.
وقوله: (يجب قضاء الفوائت)، ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يدعها عمدًا بلا عذر، أو يدعها لعذر، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ أن قضاء الفوائت واجب، سواء تركها لعذر أم لغير عذر، يعني: حتى المتعمِّد الذي تعمَّد إخراج الصلاة عن وقتها يقال: إنك آثِم وعليك القضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وقول جمهور أهل العلم.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا فاتت العبادة الْمُوَقَّتَة عن وقتها لعذر قُضِيَت، وإن فاتت لغير عذر فلا قضاء، لا تخفيفًا عن المؤخِّر، ولكن تنكيلًا به وسخطًا لفعله، وهناك فرق بين التخفيف، وبين التنكيل والسخط، فنحن نقول لمن تركها عمدًا: لا تَقْضِ؛ لأنك لو تقضي ألف مرة ما قَبِلَ الله منك حتى ولو تُبْتَ، إذا تبت فأحْسِن العمل.
حجة القائلين بأنه يقضي ولو كان لغير عذر، قالوا: لأن النبي ﷺ يقول: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فإذا كان المعذور بنوم أو نسيان يلزمه القضاء، فغير المعذور من باب أولى.
وقالوا أيضًا: إنه لما ترك الصلاة حتى خرج وقتها كانت دَيْنًا عليه، والدَّيْن لا وقت له، يجب على الإنسان أن يقضيه فورًا، ولو خرج وقته، أرأيت لو كان بينك وبين شخص معاملة يحل الدَّيْن فيها في أول ليلة من شهر ربيع الأول، ثم جاءت الليلة ولم تُوفِ، هل يسقط؟
стр. 806
طالب: لا.
الشيخ: لا، يبقى في ذمتك حتى تُوفِيَه ولو بعد حين، وقد سمَّى النبي ﷺ العبادات دَيْنًا، فإذا كان سمَّاها دَيْنًا فإنه يجب قضاؤها ولو تركها لغير عذر.
أما الذين قالوا بعدم الوجوب إذا كان لغير عذر فقالوا: لأن هذه الصلاة الْمُوَقَّتَة محدودة أولًا وآخرًا، والمحدود موصوف بهذا الوقت، يعني صلاة في هذا الوقت، فإذا أخرجها عنه بلا عذر فقد صلَّاها على غير الوصف الذي فُرِضَت عليه، أليس كذلك؟ فَتَرَك واجبًا من واجباتها عمدًا فلا تصح، كما لو صلَّى بغير وضوء عمدًا بلا عذر فإنه لا يصح.
هذا أيضًا إذا أخرجها عن وقتها عمدًا بلا عذر فإنها لا تصح؛ لأنها صلاة موصوفة بماذا؟ بالوقت؛ لأنها من كذا إلى كذا، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
ثانيا: إذا أخرجها عن وقتها لغير عذر، فقد فعلها على وجه لم يُؤْمَر به، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٦)، وهذا نص صريح عام، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا»، أيُّ عمل يكون؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فكان للعموم، «فَهُوَ رَدٌّ»، أي: مردود.
ثالثًا: أنه لو صلى قبل الوقت متعمِّدًا فصلاته باطلة بالاتفاق، حتى أنتم تقولون: صلاته باطلة، فأي فرق بين ما إذا فعلها قبل الوقت أو فعلها بعده، فإن كل واحد منهما قد تعدَّى حدود الله ، وأخرج العبادة عن وقتها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
رابعًا: أن هذا الرجل إذا أخَّرها عن وقتها فإنه ظالم مُعْتَدٍ، وإذا كان ظالمًا معتديًا فالله لا يحب المعتدين، ولا يحب الظالمين، فكيف يُوصَف هذا الرجل الذي لا يحبه الله لعدوانه وظلمه، بأنه قريب من الله متقرِّب إليه؟ ! هذا خلاف ما تقتضيه العقول والفِطَر السليمة، وهذا القول كما ترى قول قوي جدًّا.
стр. 807
أما قولهم: إنه إذا كان وقتًا للمعذور فغير المعذور من باب أولى فممنوع؛ لأن المعذور معذور، ولا يتمكن من الفعل في الوقت، فلما لم يتمكن لم يكلّف إلا ما يستطيع، أما هذا الرجل الغير معذور فهو أيش؟ قادر على الفعل مكلَّف به، فخالَف واستكبَر ولم يفعل.
فقياس هذا على هذا من أبعد القياس، والمسألة ليست مسألة أنه عُذر أو ما عُذر، نقول: نعم، المعذور وقت الصلاة في حقه عند زوال عذره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
إذن نقول: هذا قياس فاسد غير صحيح، مع مخالفته لعموم النصوص، كـ «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٦)، ومع أنه مخالف للقياس فيما إذا صلى قبل دخول الوقت.
فالصواب أن مَنْ تَرَك الصلاة عمدًا حتى على القول بأنه لا يكفر كما لو كان يصلي ويُخَلِّي، فإنه لا يقضيها، ولكن يجب عليه أن يكون هذا الفعل دائمًا نُصْبَ عينيه، وأن يُكْثِر من الطاعات والأعمال الصالحة لعلها تُكَفِّر ما حصل منه من إضاعة الوقت.
قال المؤلف ﵀: (ويجب قضاء الفوائت).
يُستفاد منه: أنه يقضي الصلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النهار جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ فيها بالقراءة؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
ولقول الرسول ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤)، وكما أن الأمر عائد إلى ذات الصلاة، فهو عائد إلى صفة الصلاة أيضًا، ومن صفاتها الجهر بالقراءة في الليل، والسر في القراءة في النهار.
وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة كما في حديث أبي قتادة في نومهم عن صلاة الصُّبح مع النبي ﷺ ، قال: فصلَّاها كما كان يصليها كُلَّ يوم (٧).
стр. 808
ويُستفاد منه أيضًا: أنه تُشْرَع فيها الجماعة إذا كانوا جمعًا، كيف ذلك؟ لأن القضاء يحكي الأداء، فكما أنهم لو صَلَّوْها في الوقت صَلَّوْها جماعة، فكذلك إذا قَضَوْها فإنهم يصلونها جماعة، وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة في حديث أبي قتادة، فإن الرسول ﷺ أَمَرَ بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى ركعتي الفجر، ثم صَلَّى الفجرَ جماعة (٨).
(ويجب فورًا قضاء الفوائت)، الفور معناه المبادرة بالشيء، كما قال تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: ١٢٥]، فالفَوْر معناه الشيء المبادِر، فمعنى (فورًا) أي: يجب أن يبادِر بقضاء الفوائت، وهنا دليل وتعليل.
أما الدليل فقول النبي ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (٤)، «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، متى؟ «إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يدل على أنها تُقْضَى فور الذِّكْر، من يوم يذكر يصلي، من يوم يستيقظ يصلي، هذا دليل، «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
تعليل: ولأن هذا دَيْن واجب عليه، والواجب المبادَرة به؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له إذا أَخَّرَ.
ولأن الإنسان إذا عَوَّدَ نفسه التهاون والتكاسل في الطاعات اعتادت هذا، وصار ذلك خُلُقًا له، فإذن لا بد من المبادرة.
ممكن أيضًا نستدل بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب والفورية، كما مر علينا في الأصول.
فإن قلت: أليس النبي ﷺ لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكانٍ آخر؟ (٩)
فالجواب: بلى، لكنه عَلَّلَ ذلك بأنه «مَكَانٌ حَضَرَهُمْ فِيهِ الشَّيْطَانُ» (٩)، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن حضور الشياطين، ولهذا نُهِيَ عن الصلاة في الحمَّام؛ لأنه مأوى الشياطين، وفي الْحُشِّ، وما أشبه ذلك، بل وفي أعطان الإبل، نُهِيَ أن يصلَّى فيها؛ لأنها خُلِقَت من الشياطين.
стр. 809
وليس معناه: مادتها من الشياطين، لا، خُلِقَت من الشياطين؛ لأن فيها خُلُقًا كبيرًا من أخلاق الشياطين، وإذا كان في المخلوق خُلُق كبير من شيء معيَّن نُسِبَ إليه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، مع أنه خُلِقَ من تراب، لكن لما كانت طبيعته العجلة صار كأنه ناشئ منها، كأنها عنصر وجوده.
إذن، إذا قال قائل: كيف نجيب عن هذا الحديث؟ فالجواب أن الرسول ﵊ علَّل ذلك بأنه موطِن حضر فيه الشياطين، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن يكون فيه حضور الشياطين، وهذا لا يدل على عدم وجوب الفورية، وإن كان بعض العلماء قال بعدم وجوب الفورية لهذا الحديث.
طالب: شيخ، يوجد يا شيخ جيران هنا ناس يصلون في محل ( ... ) تارة يتركون الصلاة وتارة يصلوها، ونحن ننصحهم دائمًا، يا شيخ، ما أدري يعني هل يستمرون على هذا الشيء؛ لأني أراهم دائمًا يتكرر منهم هذا الشيء؟
الشيخ: بَلِّغُوا عنهم.
طالب: شيخ، إذا قضى مثلًا صلاة الفجر، إذا ناموا عنها مثلًا جماعة، فِعْل الرسول، هل يُثَوِّبُون في الأذان ولَّا لا؟
الشيخ: هو الظاهر أنه يثوب؛ لأن هذا للفجر.
طالب: شيخ، قول من قال من العلماء: إن صلاة العشاء إذا قُضِيَت فإن الجهر بها غير مشروع؛ لأن الجهر مقصود به إسماع الآخرين، أما إذا كان سيقضيها منفرِدًا يشغل الناس؟
الشيخ: منفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو أصلًا الجهر ما هو مشروع إلا في الجماعة حتى لو أداها في الوقت منفردًا ما هو مشروع له أن يقرأ.
طالب: ما هو دليل شيخ الإسلام عندما جعل مناط الوجوب تضايق الوقت؟
الشيخ: هو هذا الدليل اللي قلته لك، ذكرنا ثلاثة أدلة أظن.
طالب: شيخ، اللي ما يستطيع ( ... ) الدين يعني ونقول: من أدرك ركعة من صلاة؟
стр. 810
الشيخ: يقول ﵀: إن الإنسان إذا كانت لم يتضايق فهو غير ملزَم بها الآن، فما دام غير ملزَم كيف نُلْزِمُه بالقضاء ونحن لا نُلْزِمُه بالفعل بالأداء، يعني هو الآن ما دام الوقت لم يَضِق فإننا لا نُلْزِمُه أن يؤديها، فإذا لم تلزم أداءً لم تلزَم قضاءً، والله تعالى قد وَسَّع عليه.
طالب: يا شيخ إذا تضايق الوقت هو ( ... ) هناك ما نلزمه بالقضاء لأنه حتى الآن ما خرج وقت صلاة .. ؟
الشيخ: كيف؟ لا، إذا تضايق نلزمه بالأداء، إذا تضايق ما يجوز أن يؤخِّر ولو جزءًا واحدًا من وقتها.
***
الطالب: ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورةُ رجلٍ وأمةِ وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الرُّكْبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما حكم قضاء الفوائت؟
طالب: واجب يا شيخ.
الشيخ: واجب؟ قضاء الفوائت واجب؟
طالب: يجب عليه القضاء.
الشيخ: واجب؟
طالب: فرض يعني.
الشيخ: أو فرض يعني، لازم؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: تقييد.
الطالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إذا كانت هذه الفرائض يعني لرجل قبل أن يتوب إلى الله ..
الشيخ: لا.
طالب: يجب قضاء الفوائت مطلقًا.
الشيخ: يجب.
الطالب: يجب وجوبًا مطلَقًا.
الشيخ: قضاء الفوائت يجب؟
طالب: لا يا شيخ، إن كان فرضًا يجب، وإن كان نفلًا يُسْتَحَبُّ.
الشيخ: إي، صح.
طالب: كلام المؤلف على أنه واجب.
طالب آخر: المؤلف يا شيخ؟
الشيخ: المهم ما علينا، أنا أسألكم عن قضاء الفوائت، إذن نقول: إذا كانت الفوائت مستحبة فالقضاء مستحب، وإلَّا فلا.
ما حكم قضاء الفرائض؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب، الدليل؟
следующие страницы →