← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 142264

الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (12 382 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الشيخ: الأضاحي؛ حتى لا يُحرم الناس الذين حرموا من الحج من جنس أعمال الحج. الحجاج إذا أحرموا تركوا الترفُّه؛ لا يحلقون الشعور، أو بالأخص شعر الرأس، وغير الحجاج من أهل الأضاحي كذلك أيضًا، لا يأخذون من شعورهم، ولا من أظفارهم، ولا من أبشارهم شيئًا، وهذا يدلك على سعة رحمة الله ، وعلى شمول هذه الشريعة، وأنها لم تدع أحدًا بدون شيء حتى لا يقول أحد: أنا حُرمت من الخير. يقول: (وقوله بعد فراغه: اللهم ربَّ هذه الدعوة)، الحقيقة أن المؤلف اقتصر في الدعاء الذي بعد الأذان، وإلا ينبغي بعد الأذان أن تصلي على النبي ﵊ بعد انتهاء الأذان، ثم تقول: (اللهم ربَّ هذه الدعوة) إلى آخره، وفي أثناء الأذان إذا قال المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله) وأجبته، تقول بعد ذلك: رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ كما هو ظاهر رواية مسلم حيث قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». في رواية: ابن رمح -أحد رجال الإسناد-: «مَنْ قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ» (٨)، وفي قوله: «وَأَنَا أَشْهَدُ» دليل على أنه يقولها عقب قول المؤذن: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ لأن (الواو) حرف عطف، فيعطف قوله على قول المؤذن. إذن فيه ذكر مشروع أثناء الأذان وهو أيش؟ طلبة: في الصلاة. الشيخ: لا، في أثناء الأذان: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، هذا بعد التشهدين، بعد الأذان الصلاة على النبي ﷺ ، وقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، ما هي (الدعوة التامة)؟ طالب: الأذان.

стр. 737

الشيخ: الأذان؛ لأنه دعوة؛ حي على الصلاة، حي على الفلاح، ووصفها بـ (التامة)؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير، فهي جامعة بين التعظيم والتوحيد والدعوة إلى الخير؛ ولهذا وصفها بأنها تامة. وقوله: (اللهم رب)، مر علينا –أظن عدة مرات- إعراب (اللهم)، وقلنا: إنه منادى حذفت منه (يا) النداء، وعُوّض عنها (الميم)، وجُعلت (الميم) بعد لفظ الجلالة تيمنًا وتبركًا بالابتداء بالجلالة، واختير لفظ (الميم) دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع كأن الداعي يجمع قلبه على ربه ، وعلى ما يريد أن يدعوه به. وقوله: (رب هذه الدعوة التامة)، قد يقول قائل: لماذا كانت (اللهُ) بالضم، و (ربَّ) بالفتح؟ نقول: لأن (الله) علم منادى؛ فيبنى على الضم، و (رَبَّ) مضاف، فيكون منصوبًا؛ لأن المنادى أو ما وقع بدلًا منه إذا كان مضافًا فإنه يكون منصوبًا. وقوله: (ربَّ هذه الدعوة التامة)، (رب) ويش معنى رب هنا؟ بمعنى خالق، ولَّا بمعنى صاحب، ولا أيش؟ طلبة: الثاني. طالب: مشرع هذه الدعوة. الشيخ: صاحب الدعوة، مشكلة الداعي هو المؤذن. طالب: يعني شرع الدعوة. طالب آخر: شارع الدعوة. الشيخ: الشارع. طالب: المسؤول عن الدعوة. الشيخ: المسؤول، من يسأل الله؟ ما يستقيم المسؤول عن الدعوة. عندنا الآن رب بمعنى: صاحب، ثانيًا: رب بمعنى: خالِق، ربّ بمعنى: شارع مُشرِّع هذه الدعوة؛ إذن بمعنى صاحِب؛ يعني صاحبها الذي شرعها، كذا؟

стр. 738

نشوف الآن، لو كانت (ربّ) بمعنى (خالِق)، أشكل علينا هذا؛ لأن هذه الدعوة فيها أسماء الله ، وفيها كلمات ما هي من أسماء الله، أسماء الله تعالى غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه ، وكلامه غير مخلوق، لكن لو قال: إنه خالق الدعوة باعتبار تلفظ المؤذن بها فإن لفظ الإنسان مخلوق حتى وإن لفظ بغير مخلوق، فإن لفظه مخلوق، والملفوظ غير مخلوق؛ لأن القرآن إذا تكلم به الإنسان يكون لفظه وحركات لسانه وشفتيه وحنجرته هذه مخلوقة، لكن الملفوظ به هذا غير مخلوق. إذن إذا فسّرنا (رب) بمعنى خالِق على تقدير اللفظ الذي هو فعل المؤذن، فهذا لا إشكال فيه. إذا قلنا بأن (رب) ما تضاف إلا لمخلوق فإنه يرد علينا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠]، والعزة من صفات الله ، فهنا يتعين أن تكون ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بمعنى صاحب العزة، ولا يجوز أن تكون (رب) بمعنى خالق. (رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة)، هذه (الصلاة القائمة)، المشار إليه لا بد أن يكون محسوسًا قابلًا للإشارة، وأيضًا (القائمة) هي الآن لم تقم، فيقال: الإشارة إلى ما تصوره الإنسان في ذهنه؛ يعني عندما تسمع الأذان تتصور أن هناك أيش؟ صلاة. و(القائمة): قال العلماء: التي ستُقام؛ فهي قائمة باعتبار ما سيكون. قال: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، (آتِ) بمعنى: أعطِ؛ وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول هنا (محمدًا) و (الوسيلة) هي المفعول الثاني. ما الفرق بين آتِ وبين ائْتِ؟ ائت بمعنى؟ طلبة: تعالَ. الشيخ: لا؛ بمعنى جِئْ ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠]؛ يعني: جِئْهم، وأما (آتِ) فهي بمعنى (أعطِ)، وكذلك (آتَى) أي: أَعْطَى، و (أَتَى) أي: جاء.

стр. 739

قال: (آتِ محمدًا الوسيلة) (محمد) هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه القرشي الهاشمي خاتم النبيين كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فهو ﷺ خاتم النبيين. يقول: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة)، (الوسيلة): بيَّنها الرسول ﵊ أنها «دَرَجَة فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ»، قال: «وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» (٧). ولهذا نحن ندعو الله له ليتحقق له ما رجاه ﷺ . وأما (الفضيلة)؛ فالفضيلة هي المنقبة العالية التي لا يشاركه فيها أحد. طالب: إعراب الفضيلة؟ الشيخ: معطوفة على الوسيلة. يقول: (آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته)، ابعثه متى؟ يوم القيامة، (مقامًا)؛ أي: في مقام محمود (الذي وعدته)، وهذا المقام المحمود يشمل كل مواقف القيامة، وأخص ذلك الشفاعة العظمى، حينما يلحق الناس من الكرب والغم في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة مع ما فيه من الأهوال والشدائد والكُرب يلحقهم أمر لا يطيقونه، فيمضي الناس ويتساءلون: من يشفع لنا إلى الله يريحنا من هذا الموقف؟ فيأتون إلى آدم ويعتذر، وإلى نوح ويعتذر، وإلى إبراهيم ويعتذر، وإلى موسى ويعتذر، يذكر كل منهم ما يراه عذرًا في عدم شفاعته، ويأتون إلى عيسى ولا يذكرون شيئًا، لكن يقول: اذهبوا إلى محمد عبدٍ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم يأتون إلى النبي ﵊، فيسألونه أن يشفع إلى الله؛ فيشفع. هذا مقام محمود؛ كون هؤلاء الرسل والأنبياء كلهم يعتذر عن الشفاعة، إما بما يراه عذرًا كآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وإما لأنه يرى أن في المقام من هو أوْلى منه، مثل مَنْ؟ طلبة: عيسى.

стр. 740

الشيخ: مثل عيسى، وانظر كيف ألهم الله الناس أن يذهبوا إلى هؤلاء؛ لأن الأربعة الرسل هم أولو العزم، وآدم أبو البشر، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، ثم انظر كيف يُلهم الله هؤلاء؟ أن كل واحد منهم يعتذر بما يرى أنه حائل بينه وبين الشفاعة؛ لأن الشفيع ليس له وجه يتقدم للشفاعة من أجله، إلا إذا كان ليس بينه وبين المشفوع إليه شيء يخدش المقام، وهؤلاء الأربعة كلهم ذكروا ما يخدش مقامهم بحسب ما يرونه لكمال تواضعهم وإن كان كلهم تابوا من الذنوب؛ إن كانت ذنوبًا بالنسبة لإبراهيم ﵊. الخامس لم يذكر شيئًا يخدش مقام الشفاعة عنده، ولكن ذكر من هو أولى منه بذلك؛ وهو محمد ﵊ لتتم الكمالات لرسول الله ﷺ ، فيشفع عند الله فيأتي الله تعالى للقضاء بين عباده. وهذا من المقام المحمود الذي قال الله له فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، هذه الدعوات، يقول الرسول ﷺ : «إِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣). شفاعة النبي ﵊ تحل له، ويكون مستحقًّا لها، وهذا لا شك أنه من نعمة الله علينا وعلى الرسول ﵊؛ أما علينا فلما نناله من الأجر في هذا الدعاء، وأما على الرسول ﷺ ؛ فلأن هذا مما يرفع ذِكْره؛ أن تكون أمته إلى يوم القيامة تدعو الله له. ولكن لو قال قائل: إذا كانت الوسيلة حاصلة لرسول الله ﷺ ، فما الفائدة من أن ندعو الله له بها؟ نقول: لعلَّ من أسباب كونها له دعاء الناس له بذلك، وإن كان هو ﵊ أحق الناس بها. في هذا الدعاء عدة مسائل:

стр. 741

المسألة الأولى: أن النبي ﷺ بشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ وجهه: أننا أُمِرنا بالدعاء له. ثانيًا: أن الرسول ﵊ أفضل الخلق؛ لأن الوسيلة لا تحصل إلا له خاصة، ومعلوم أن الجزاء على قدر قيمة المجزي، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وفيه أيضًا: إشكال وهو قوله: (آتِ محمدًا الوسيلة)، لماذا لم يُشرع أن يُقال: (آتِ رسول الله الوسيلة)، بل قيل: (آتِ محمدًا)؟ وكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]؛ على أحد التفسيرين في أن المعنى لا تنادوه باسمه، كما ينادي بعضكم بعضًا؟ طالب: شيخ؛ لأن الرسول ( ... ). الشيخ: لا. طالب: شيخ؛ لأن هذا الدعاء هو النبي ﷺ شرعه فوجب علينا اتباع ( ... ). طالب آخر: في بيان افتقاره إلى الله . الشيخ: لا. طالب: ( ... ) ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ هذا في حياته. الشيخ: إي، لا. طالب: شيخ؛ لأن قوله: (محمدًا) يناسب المقام؛ لأنه محمود في هذا المقام يوم القيامة. الشيخ: ما شاء الله، زين. طالب: شيخ؛ لأن هذا ما دعيناه ندعو الله، ولا دعيناه لا خاطبناه، ولا دعيناه. الشيخ: يعني معناه إذن يفرق بين الخبر وبين الدعاء، ولَّا لا؟ بين الخبر وبين الدعاء؛ فمثلًا عندما ندعوه؛ يعني هو طبعًا في حياته، الآن ما يمكن ندعوه الآن، نقول: يا رسول الله، ما نقول: يا محمد؛ ولهذا لا يقول أحد في خطاب الرسول ﵊: يا محمد، إلا من الأعراب، الذين لم يعرفوا حدود ما أنزل الله على رسوله.

стр. 742

أما في باب الإخبار فهذا لا بأس به؛ قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ونحن نقول أيضًا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمدٍ، ما نقول: اللهمَّ صلِّ على رسول الله أو نقولها؟ في مكانها لا نقولها؛ يعني في الصلاة على النبي ﵊ في التشهد ما نقول: اللهم صلِّ على رسول الله، نقول: اللهم صلِّ على محمد، لكن نقول: السلام عليك أيها النبي؛ لأننا أُمرنا بذلك. المهم على كل حال، المدار في هذا على ما علمنا إياه رسول الله ﷺ ، لما قال: (آتِ محمدًا الوسيلة) دون آتِ رسولَ الله، قلنا: هذا هو المشروع، ولا يُعارِض الآية، وفي الآية قول آخر: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]؛ أنه من باب إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، تصورتوا هذا؟ على التقييد الأول دعاء الرسول من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني دعاءكم الرسول، فيه قول آخر؛ أنه من باب إضافة المصدر إلى فاعله. طلبة: دعاء الرسول إياكم. الشيخ: يعني: دعاء الرسول إياكم؛ يعني لا تجعلوا دعاء الرسول إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا؛ ولهذا كان من خصائص الرسول ﵊ أنه إذا نادى الإنسان ولو في الصلاة وجَبَت إجابته. طالب: كلمة الزيادة؟ الشيخ: إي نعم، الزيادة: «إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ» (٩)؛ هذه الزيادة اختلف فيها الْمُحدِّثون، هل هي ثابتة أو ليست بثابتة؟ فمنهم من قال: إنها غير ثابتة لشذوذها؛ لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يوردوا هذه الكلمة، قالوا: والمقام يقتضي ألا تحذف؛ لأنه مقام دعاء وثناء، وما كان على هذا السبيل؛ فإنه لا يجوز حذفه؛ لأنه متعبَّد به.

стр. 743

ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح، وأنها تُقال؛ وقالوا: إنها لا تُنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: إن سندها صحيح، أخرجها البيهقي بسند صحيح. وقالوا أيضًا: إن هذا مما يُختم به الدعاء، كما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]، فمن رأى أنها صحيحة فهي مشروعة في حقه، ومن رأى أنها شاذة ولا يُعمل بها فحذفها، والمؤلف ﵀ وأصحابنا يرون أنها شاذة، ولا يُسنّ. ( ... ). الأذان والإقامة ما حكمهما؟ طالب: فرض كفاية. الشيخ: فرض كفاية ولَّا فرض عين؟ الطالب: فرض كفاية. الشيخ: الدليل؟ الطالب: الدليل قوله ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (٥). الشيخ: وجه الدلالة؟ طالب: وجه الدلالة أنه قال: «أَحَدُكُمْ»، ولم يقل: فلتؤذنوا وتقيموا، بل قال: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» .. الشيخ: والدليل على الوجوب؟ الطالب: الدليل على الوجوب قوله: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ». الشيخ: الدلالة في أيش؟ في أي شيء الدلالة؟ الطالب: في قوله: «فَلْيُؤَذِّنْ». الشيخ: «فَلْيُؤَذِّنْ»، ويش وجه الدلالة منها؟ الطالب: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ». الشيخ: ويش وجه الدلالة من كلمة: «فَلْيُؤَذِّنْ». الطالب: وجه الدلالة أنه لو لم يكن واجبًا ما قال .. الشيخ: ما قال: «فَلْيُؤَذِّنْ». الطالب: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ». الشيخ: لقال: فأذِّنوا. طالب: فأذنوا تصير الواجب على الكل. طالب آخر: هذا أمر ولا يصرف الأمر عن الوجوب. الشيخ: وين الأمر؟ طالب: «فَلْيُؤَذِّنْ»، (اللام) لام الأمر. الشيخ: إي صح؛ وجه الدلالة الأمر الْمُستفاد من (لام) الأمر في قوله: «فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ». هل ورد الأذان على صفات متعددة؟

стр. 744

طالب: ورد على صفات متعددة. الشيخ: نعم. الطالب: منها خمسة عشرة جملة، ومنها .. الشيخ: طيب ما موقفنا من هذه الوجوه المتعددة؟ الطالب: نأتي بها جميعًا، بس عند أوقات مناسبة إن خشي فتنة فلنلتزم بما هو مشهور بين الناس، أما إن كان فيه مثلًا مع طلبة علم نأتي بها جميعًا. الشيخ: يعني إذن الأفضل أن نأتي .. الطالب: بها جميعًا. الشيخ: بكل وجه، ولَّا بها جميعًا؟ الطالب: كل وقت بذكر مخصوص له. الشيخ: يعني بمعنى نؤذن أولًا أذان بلال، ثم أذان أبي محذورة في آنٍ واحد؟ الطالب: ( ... ). الشيخ: يعني نأتي بها على الوجوه الواردة، لكن ما هو جميعًا، وما قيده به من خوف الفتنة هذا صحيح. يشترط للأذان شروط، منها؟ طالب: ( ... ). الشيخ: لا، لصحة الأذان. الطالب: أن يكون عالِمًا. الشيخ: كيف؟ الطالب: أن يكون خمس عشرة جملة .. الشيخ: ما نقول: يكون على الوجه الوارد؛ لأنه قد يكون أكثر من هذا في الترجيع يكون سبع عشرة. الطالب: على الوجه الوارد ( ... ) مع الوقت. الشيخ: وبعد الوقت. الطالب: كيف؟ الشيخ: وبعد الوقت هذا شرط. الطالب: نعم، ما يذهب بعد الوقت. الشيخ: طيب، هذان شرطان. الطالب: أن يكون عالِمًا بالوقت. الشيخ: لا، وإحنا يعني نقول: الأذان، ما هو شرط المؤذن، شرط الأذان. الطالب: أن يكون على المقيمين. الشيخ: ما هو شرط الوجوب يا شيخ، شرط الصحة. طالب: ست شروط؛ أن يكون مسلمًا. الشيخ: ما هو المؤذن الأذان يا أخي؟ الطالب: الأذان أن يكون بعد الوقت. الشيخ: نعم. الطالب: وأن يكون كما ورد. طالب آخر: أن يكون متواليًا. الشيخ: متواليًا. الطالب: وأن يكون من آدمي. الشيخ: يعني أذان الديك ما يصح. طالب: أن يكون مرتبًا ومتواليًا، ولو ( ... ). الشيخ: وعلى الصفة الواردة وبعد الوقت، هذه أربعة. طالب: وممن يجزئ منه الأذان.

стр. 745

الشيخ: لا، هذا شرط في المؤذن، وإذا اختلّ شرط في المؤذن أو في الأذان؛ ما صح الأذان، لكن نقول: الشروط اللي تعود إلى الأذان نفسه، ما هو إلى المؤذن. الطالب: أن يكون الأذان يجزئ أذانًا. الشيخ: لا. طالب: ألا يحيل المعنى. الشيخ: نعم، ألا يكون ملحونًا لحنًا يحيل المعنى. طالب: ألا يكون من مسجل ( ... ). الشيخ: لا، هذه ممكن نأخذها من شروط المؤذن. الطالب: ( ... ). الشيخ: لا. طالب: ألا يكون منفصلًا. الشيخ: ويش معناه؟ الطالب: أن يكون منفصلًا ( ... ). الشيخ: لا، قلنا: متواليًا؛ هذا معنى (متواليًا). طالب: ( ... ). الشيخ: قلناه، خمسة شروط الآن معنا. طالب: يكون بالعربية. الشيخ: أن يكون بالعربية. طالب: أن يكون من علِ. الشيخ: هذا شرط المؤذن. إذن ستة شروط: أن يكون بالعربية للقادر. طالب: على الوجه الوارد ( ... ). الشيخ: لا، اللي نحن نفهم على الوجه الوارد غير هذا. طالب: ( ... ). الشيخ: لا، يا أخي، نشوف اللي صح أن يكون من واحد. طالب: هذا في المؤذن. الشيخ: في المؤذن أن يكون واحدًا. طلبة: في الأذان ( ... ). طالب: ( ... ). الشيخ: من واحد يصلح لهذا ولهذا، أما شروط المؤذن؟ طالب: يكون صييتًا أمينًا. الشيخ: لا، صيِّيتًا لا. الطالب: ( ... ) أن يكون في الرجال. الشيخ: ذكرًا مسلمًا عدلًا ولو ظاهرًا. الطالب: أن يؤذن للصلوات الخمس. الشيخ: لا. طالب: مسلم، مُكلَّف، اللي هو عاقل بالغ. الشيخ: اصبر، يشترط أن يكون بالغًا. الطالب: لا، مميز يصح ( ... ). الشيخ: نعم. الطالب: مسلم عاقل ذكر حُرٍّ، واحد، عالِمًا بالوقت. الشيخ: لا. الطالب: أمينًا. الشيخ: أمينًا. طالب: صيِّتًا. الشيخ: ما هو شرط. طالب: عدل يا شيخ. طالب آخر: عالم بالأذان الوارد. الشيخ: عالم بالأذان الوارد، ما يغني عنه أن يكون الأذان على صفة الوارد؟ الطالب: لا، على الوجه الوارد. الشيخ: نشوف الآن؛ مسلم، ذكر، عدل، مميِّز، عاقل، واحد، ستة شروط. طالب: أمينًا.

стр. 746

الشيخ: أمينًا، على القول الراجح، المؤلف ما يشترط أن يكون أمينًا. المؤلف يقول: (يُسنُّ لسامعِه متابعته سرًّا). (لسامعه) يشمل الأنثى؟ طالب: نعم. الشيخ: يشمل الأنثى، هل يشمل من كان في صلاة؟ الطالب: لا يشمل. الشيخ: لا يشمل، هل يشمل من كان يقرأ القرآن؟ الطالب: يشمل. الشيخ: يشمله؟ الطالب: نعم. الشيخ: طيب هل يشمل من سمع النداء مرة ثانية؟ الطالب: لا. الشيخ: ما يشمل؟ الطالب: نعم، يشمل ( ... ). الشيخ: يشمله؟ الطالب: نعم. الشيخ: هل يشمل مَنْ هو على قضاء حاجته؟ الطالب: يشمله عام كلام المؤلف عام. الشيخ: إي يشمله؛ إذن إذا أخذنا بعمومه، حل كلام العلماء نأخذه بعمومه، يشمل الأنثى والصغير، ومن لا يجب عليه حضور الجماعة، ومن كان قد صلَّى، ومن سمعه ثانية، ومن كان يُصلِّي، ومن كان على قضاء حاجته، ومن كان يأكل، ومن كان يشرب، ومن كان يتلو قرآنًا أو يراجِع، المهم أنه عام في كل الأحوال، كذا ولَّا لا؟ بقينا إذا كان على قضاء حاجته، قال أهل العلم: إنه يستثنى من ذلك؛ لأن هذا المقام ليس مقام ذكر، والمصلي قالوا: يستثنى من ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (١٠)، وهو مشغول بأذكار الصلاة. وقال شيخ الإسلام: بل يجيب الْمُصلِّي المؤذن؛ يجيب المؤذن للعموم؛ ولأنه ذِكْر وُجِد سببه في الصلاة، فكان مشروعًا، كما لو عطس المصلي فإنه يحمد الله. لكن قد يُقال: إن بين حمد الله عند العطاس وبين إجابة المؤذن فرقًا، ما هو الفرق؟ طلبة: الطول. الشيخ: إي نعم، الطول وإشغال المصلي أكثر؛ لأن المصلي إذا كان سيتابع سوف يجعل باله إلى المؤذن، فينشغل انشغالًا كثيرًا في الصلاة، وربما يكون في أثناء قراءة الفاتحة فيخل فيها بالموالاة لغير سبب مشروع؛ فالراحج أن يُقال: إن المصلي لا يُجيب المؤذن أيضًا، والذي على حاجته لا يجيب المؤذن، ولكن هل يقضيانه أم لا؟

стр. 747

المشهور من المذهب أنهما يقضيانه؛ لأن السبب وُجد، لكن وجد المانع فمنع، فإذا زال المانع ارتفع. ننتقل إلى شروط الصلاة. طالب: الراجح ( ... ). الشيخ: الراجح أنه إذا قضى فلا حرج. طالب: ( ... ) وبيقرأ قرآنًا مثلًا، لازم يتابع ( ... )؟ الشيخ: إي؛ يعني يقطع القرآن من أجل المتابعة. طالب: ( ... ) يسمع المؤذن هذا، ويسمع المؤذن هذا ( ... )؟ الشيخ: لا، يبدأ بالأول، يتابع الأول، أول من يسمع. الطالب: هو يتابع من نفسه وبعدين؟ الشيخ: كيف يتابع من نفسه؟ الطالب: يتابع نفسه؛ لأنه ما يسمع خلاص تعداه بالسيارة ماشي ( ... ). الشيخ: إذا تعداه ينتقل للثاني. الطالب: كيف؟ الشيخ: كل ما بيروح بيتعداهم كلهم. على كل حال ما دام يسمع يتبع، وإذا لم يسمع سقط عنه. لو قال قائل: أيهما أفضل الأذان أو القرآن؟ قلنا: لا شك أن القرآن أفضل، ولكن كل ذكر في موضعه يكون فعله أفضل من فعل الذكر الآخر، ما هو من الذكر الآخر، لاحظوا التعبير، ما نقول الأذان أفضل من القرآن، نقول: إجابة المؤذن أفضل من قراءة القرآن، إحنا بنقابل فعلًا بفعل، ولا مفعولًا بمفعول؟ الطلبة: فعل بفعل. الشيخ: فعل بفعل، فنقول: إجابة المؤذن وقت الأذان أفضل من قراءة القرآن؛ لأن هذا وُجِد سببه، وقراءة القرآن ليست مؤقتة، إذا انتهى الإنسان من إجابة المؤذن؛ فإنه يعود فيقرأ القرآن. [باب شروط الصلاة] ثم قال المؤلف: (باب شروط الصلاة)، الشروط جمع (شرط)؛ وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]. وأما في الاصطلاح عند الأصوليين فيقولون: إن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. نقول: (ما يلزم) (ما) نافية، ولَّا بمعنى (الذي)؟ طلبة: ( ... ).

стр. 748

الشيخ: بمعنى (الذي)؛ يعني الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، هذا الشرط كالوضوء للصلاة مثلًا؛ يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة؛ لأنه شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة، لو توضّأ الإنسان ما هو لازم يصلي، لكن لو لم يتوضأ وصلَّى لم تصح؛ عُدِمَت الصحة، فهو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. وقوله: (شروط الصلاة)، الإضافة هنا على تقدير (في)؛ يعني الشروط في الصلاة، ويجوز أن تكون على تقدير (اللام)، يعني الشروط للصلاة؛ وذلك لأن الإضافة تارة تكون على تقدير (في)، وتارة تكون على تقدير (مِن)، وتارة تكون على تقدير (اللام)، والأكثر على تقدير (اللام)، وقد تكون على تقدير (من) متى؟ إذا كان الثاني جنسًا للأول، مثل: خاتم حديد؛ أي؟ طلبة: من حديد. الشيخ: باب ساجٍ، على تقدير (مِن)، وتكون على تقدير (في) إذا كان الثاني ظرفًا للأول؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]، أي؟ طلبة: في الليل. الشيخ: في الليل، وما عدا ذلك تكون على تقدير (اللام). هنا (شروط الصلاة)، هل معنى شروط في الصلاة يعني شروط المعتبرة فيها أو شروط للصلاة؛ أي لصحتها؟ نقول: يجوز الوجهان. وقبل أن ندخل الشروط اعترض بعض الناس على الفقهاء في كونهم يقولون: شروط، وأركان، وواجبات، وفروض، ومفسدات، وموانع، وما أشبه ذلك، وقالوا في اعتراضهم: أين الدليل من الكتاب والسنة على هذه الشروط؟ هل الرسول ﷺ قال: إن شروط الصلاة كذا، إن أركانها كذا، إن واجباتها كذا، إن مفسداتها كذا؟ فإن قلتم: نعم، قال: فأرونا إياها، وإن قلتم: لا، فلماذا تُحْدِثون ما لم يفعله الرسول ﵊؟

стр. 749

والجواب على هذا أن يقال: إن مثل هذا الإيراد دليل على قلة فهم مُورِده، وأنه لا يُفرِّق بين الغاية والوسيلة؛ فالعلماء لما جاؤوا بالشروط والأركان والواجبات والموانع والمفسدات، وما أشبهها ما أتوا بشيء زائد على الشرع؛ غاية ما هنالك أنهم صنفوا ما دل عليه الشرع؛ ليكون ذلك أقرب إلى حصر العلوم وجمعها، وبالتالي إلى فهمها. فهم يصنعون هذا لا تعبدًا بذلك ولا زيادةً على شريعة الله، وإنما تقريبًا للشريعة، والوسائل لها أحكام المقاصد، كما أن المسلمين ما زالوا -وإلى الآن- يبنون المدارس، ويؤلِّفون الكتب وينسخونها، وحدث في الأزمنة الأخيرة مطابع تَطبع. لو قال قائل: ليش تدخل كتابك المطبعة؟ الناس يكتبون بأيديهم في عهد الرسول ﷺ ، ليش تكتب أنت بالمطبعة؟ ليش إذا أعطاك واحد كتاب تبغي تنقله تروح تعطيه للمصور يصوره؟ لماذا لا تكتبه أنت؟ هذا النقل اللي كان معروف عند السلف؟ ماذا نقول؟ نقول -كما قلنا قبل-: هذه وسائل يسَّرها الله للعباد لتقرب إليهم العلوم، والعلماء -والحمد لله- ما زادوا على شريعة الله، ولا نقصوا منها، وغاية ما يكون أنهم بَوَّبوها؛ فمثلًا إذا قال الرسول ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» (١١)، كل يفهم الآن أنه إذا صلَّى بغير طهور فصلاته؟ الطلبة: باطلة. الشيخ: باطلة؛ إذن الطهور شرط لصحة الصلاة، لا فرق بين أن أقول: يشترط لصحة الصلاة أن يتطهر الإنسان، فإن لم يتطهَّر فلا صلاة له، أليس كذلك؟ الطلبة: بلا. الشيخ: ما زدنا الآن. صلَّى إنسان في المقبرة، قلنا: صلاتك فاسدة؛ من مبطلات الصلاة أن يصليها الإنسان في المقبرة، الرسول قال كذا، قال: من مبطلات الصلاة أن يصليها الإنسان في المقبرة؟ ما قاله، لكن قال: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (١٢)؛ إذن نعرف لو صلَّى الإنسان في المقبرة؟ طالب: صلاته باطلة.

стр. 750

الشيخ: صلاته باطلة، وحينئذٍ نقول: لا اعتراض على صنيع الفقهاء ﵏ في هذا، بل هذا من الصنع الذي يُشكرون عليه؛ لما فيه من تقريب شريعة الله لعباد الله. شروط الصلاة يقول المؤلف: (شروطها قبلها)؛ يعني شروطها ما يجب قبلها، ولا تصح إلا به. الأركان توافق الشروط في أن الصلاة لا تصح إلا بها، لكن تخالفها في أن الشروط قبلها، هذا واحد، وثانيًا: أن الشروط مستمرة من قبل الدخول إلى آخر الصلاة، والأركان، ينتقل من ركن إلى ركن؛ القيام الركوع الرفع منه، السجود الجلوس، وهكذا؛ فهذا هو الفرق. ثالثًا -الفرق الثالث-: الأركان تتركب منها ماهية الصلاة بخلاف الشروط، فستر العورة مثلًا بالثوب، الثوب ما تتركب منه ماهية الصلاة، لكن لا بد في الصلاة منه؛ فهذه فروق كم؟ طلبة: ثلاثة. الشيخ: ثلاثة بين الشروط والأركان، تتفق في أيش؟ في أن الصلاة لا تصح إلا بها، وتختلف في هذه الأمور الثلاثة. قال: (شروطها قبلها منها الوقت) (مِنْ) هذه للتبعيض؛ وهو يدل -يعني هذا التعبير- على أن هناك شروطًا أُخر، وهو كذلك؛ فمنها الوقت والإسلام شرط ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: العقل، التمييز شرط، هذه ثلاثة شروط، لم يذكرها المؤلف ﵀، لماذا؟ لأن هذه الشروط معروفة للناس، كل عبادة ما تصح إلا بإسلام وعقل وتمييز إلا الزكاة؛ فقد سبق أنها تلزم المجنون والصغير على القول الراجح. منها: الوقت؛ الدليل على اشتراط الوقت؛ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، الشاهد؟ طلبة: ﴿مَوْقُوتًا﴾. الشيخ: ﴿مَوْقُوتًا﴾ مؤقتة بوقت. وأما الأدلة من السنة فكثيرة؛ قال النبي ﵊: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ» (١٣)، والأدلة كثيرة شهيرة.

стр. 751

إذن الوقت لا تصِحّ الصلاة قبل الوقت بإجماع المسلمين؛ فإن صلَّى قبل الوقت، فإن كان متعمدًا فصلاته باطلة، ولا يسلم من الإثم، وإن كان غير متعمد لِظنه أن الوقت قد دخل، فليس بآثِم، وصلاته نفل، ولكن عليه الإعادة؛ لأن من شروط الصلاة الوقت. المؤلف يقول: (منها الوقت)، وهذا التعبير فيه تساهل؛ لأن الوقت ليس بشرط؛ الشرط دخول الوقت؛ لأننا لو قلنا: إن الشرط هو الوقت، لزم ألا تصح قبله ولا بعده، ومعلوم أنها تصح بعد الوقت؛ قال النبي ﵊: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١٤)، وثبت عنه أنَّه صَلَّى الفجر بعد طلوع الشَّمس (١٥). فإذن يكون تحرير العبارة أن يُقال: (منها دخول الوقت). قلت أنا: إنها لا تصح قبل الوقت بالإجماع، وهل تصح بعده؟ إن كان الإنسان معذورًا؛ فإنها تصح بالنص والإجماع؛ أما بالنص: فبالقرآن والسنة، وأما الإجماع فمعلوم. هل في القرآن ما يدل على أن الصلاة تصح بعد الوقت للمعذور؟ طالب: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. طالب آخر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. الشيخ: لا، لما قال الرسول ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» تلا: «﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾» (١٦). وتلاوته للآية استشهاد بها، والسنة كما علمتم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا». هل تصح بعده مع عدم العذر؟ جمهور أهل العلم على أنها تصح بعده مع الإثم. والصحيح: أنها لا تصح بعده إذا لم يكن عُذر، وأن من تعمد الصلاة بعد خروج الوقت فإن صلاته لا تصح، لو صلَّى ألف مرة؛ لأن الله حدَّد من كذا إلى كذا، إذا تعمدت أن يكون خارج الوقت هل أتيت بأمر الله؟

стр. 752

لا، وقد قال النبي ﵊: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٧)، إذن فتكون الصلاة مردودة. قد يُشكل على بعض الطلبة يقول: كيف إذا كان معذورًا تلزمونه بأن يصلي بعد الوقت، وإذا تعمد تقولون: لا تصلِّ! ! أيش لونه هذا؟ المتعمد يُلزم بالصلاة من باب أولى، فيقال: إننا لا نقول: إنك لا تقضي بعد الوقت تخفيفًا عليه، ولكن ردًّا لفعله؛ لأنه على غير حدود الله، ونقول: هذا آثِم، والذي صلَّى وهو معذور بعد الوقت غير آثِم، وأما هذا فآثِم. إذن عليه أن يتوب إلى الله ، ويصلح العمل. قال: (و) منها (الطهارة من الحدث)، الطهارة من الحدث أيضًا من شروط الصلاة؛ دليل ذلك من القرآن والسنة؛ من القرآن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وجه الدلالة: أن الله أمر بالوضوء من الحدث الأصغر، والغُسل من الجنابة، والتيمم عند العَدَم، وبيَّن أن الحكمة من ذلك التطهير. إذن الإنسان قبل ذلك غير طاهر، ومن كان غير طاهر فإنه غير لائق أن يكون قائمًا بين يدي الله ، أما السنة فقال النبي ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١٨)، وهذا نص صريح وقال: «لَا صَلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» (١١). هذا الطهارة من الحدث، وأما الطهارة من النجس فسيأتي -إن شاء الله- في كلام المؤلف شرطًا مستقلًّا ( ... ). *** طالب: باب شروط الصلاة شروطها قبلها؛ منها: الوقت، والطهارة من الحدث، والنجس.

стр. 753

فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال، وتعجيلها أفضل إلا في شدة الحر، ولو صلى وحده أو مع غيم لمن يصلي جماعة، ويليه وقت العصر إلى مصير الفيء مثليه بعد فئ الزوال والضرورة إلى غروبها، ويُسنُّ تعجيلها، ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة، ويُسنُّ تعجيلها إلا ليلة جمع لمن قصدها محرمًا، ويليه وقت العشاء إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض، وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل، ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس وتعجيلها أفضل. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. سبق لنا أن شروط الصلاة قبلها؛ منها: الوقت، وقلنا: إن تعبير المؤلف هذا فيه تسامح؟ طالب: إي نعم، فيه تسامح؛ لأن الشرط هو دخول الوقت. الشيخ: هو دخول الوقت لا الوقت، ما الفرق بين العبارتين؟ طالب: بين الوقت ودخول الوقت؟ الشيخ: نعم. الطالب: يعني الوقت .. الشيخ: إذا قلنا: من شروطها الوقت، أو من شروطها دخول الوقت. الطالب: يعني من شروطها الوقت؛ يعني لازم يجي الوقت كله، ثم يصلي. طالب آخر: نعم، إذا قلنا الوقت فإنه يلزم من قول المؤلف هذا اللفظ .. الشيخ: من قولنا: إذا قلنا الوقت. الطالب: نعم، اللفظ، لا قبل الوقت ولا بعده، وهي تصح بعد الوقت. الشيخ: وهي تصح بعد الوقت، وإذا قلنا: دخول الوقت؟ الطالب: صارت تصح. الشيخ: صارت لا تصح قبله، وتصح فيه وبعده، واضح الفرق؟ طالب: المعنى ما هو واضح. الشيخ: إذا قلنا: من شرطها الوقت، معناه أنها لا تصح إلا في الوقت، فلا تصح بعده، مع أنها تصح بعده: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١٤)، وإذا قلنا: دخول الوقت صارت لا تصح قبله، وتصح فيه وبعده، واضح؟ الدليل على اشتراط الوقت لصحة الصلاة أو دخول الوقت؟

стр. 754

طالب: قول الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. الشيخ: نعم، والسنة؟ الطالب: ومن السنة حديث جابر أن جبريل ﵇ جاء إلى النبي ﷺ في مكة وعلمه المواقيت ( ... )؛ الظهر والعصر حتى قال: ذلك لليوم القادم وقال: صلاتنا بين هذين الوقتين (١٩). الشيخ: أحسنت، وكذلك حديث آخر؟ طالب: قوله ﷺ : «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ» (١٣). الشيخ: وذكر بقية الحديث؛ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. الحكمة من توقيت الصلاة بهذه المواقيت الخمسة؟ طالب: نظرًا لأهميتها وحث المسلم على المحافظة عليها، وبيان أهمية هذه الصلاة وعظمتها، وكونها إذا فعلت بعد الوقت يعني لا تُقبل منه. الشيخ: هذا أظن ما ذكرناه؟ طلبة: ما ذكرناه. الشيخ: ما ذكرناه، نذكره الآن إن شاء الله. طالب: مذكور يا شيخ. طالب آخر: ما ذُكر. الشيخ: ما يخالف، دقيقة. اشترط المؤلف أيضًا الطهارة من الحدث الدليل، ما هو الدليل؟ طالب: على ماذا؟ الشيخ: على اشتراط الطهارة من الحدث؟ الطالب: الدليل قول النبي عليه الصلاة .. الشيخ: من القرآن والسنة؟ الطالب: من القرآن قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. الشيخ: لا. طالب: شيخ، نعم قول الله تعالى .. الشيخ: خلاص. طالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. الشيخ: زين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية طيب من السنة؟

стр. 755

طالب: من السنة قوله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١٨). الشيخ: أحسنت، منها أيضًا: الطهارة من النجاسة، وهذا لم نقرأه. (الطهارة من النجس) شرط. طالب: الحكمة ( ... ). الشيخ: نذكرها بالمواقيت. من النجس (الطهارة من النجس) تقدم لنا -في باب إزالة النجاسة- ما هي الأعيان النجسة؟ أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: إذن لا بد أن نستذكر ما مضى في باب إزالة النجاسة لنعرف ما هي الأشياء النجسة. والطهارة من النجس؛ في الثوب، والبقعة، والبدن، ثلاثة أشياء، الدليل على اشتراط الطهارة من النجاسة في الثوب: ما جاء في أحاديث الحيض؛ أن الرسول ﷺ سئل عن دم الحيض يصيب الثوب، فأمر أن «تَحُتَّهُ، ثُمَّ تَقْرُصَهُ، ثُمَّ تَنْضَحَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» (٢٠)، وهذا دليل على أنه لا بد من إزالة النجاسة. ثانيًا: أن الرسول ﷺ أتي بصبي لم يأكل الطعام؛ فبال في حجره، فدعا بماءٍ فأتبعه إيَّاه (٢١). وهذا فعل، والفعل لا يقوى على القول بالوجوب، لكن يؤيده ما جاء في حديث الحيض السابق. ودليل ثالث: أنَّ الرَّسول ﷺ صلَّى ذات يوم بنعليه، ثم خلع نعاله، فخلع الصحابةُ نِعالهم، فسألهم حين انصرف من الصَّلاة: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالَنا، فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى أَوْ قَذَرًا» (٢٢)، وهذا يدل على وجوب التخلي من النجاسة حال الصلاة في الثوب. في البدن: كل أحاديث الاستنجاء والاستجمار تدل على وجوب الطهارة من النجاسة؛ لأن الاستنجاء أو الاستجمار تطهير للمحل الذي أصابته النجاسة، وكذلك أمر النبي ﷺ بغسل المذي يدل على أنه يشترط التخلي من النجاسة.

стр. 756

والدليل الثالث: إخباره عن الرَّجُلين اللذين يُعذَّبان في قبريهما؛ بأن أحدهما كان لا يَسْتَنْزِهُ من البول (٢٣)؛ فهذه أدلة على وجوب اجتناب النجاسة في البدن. في المكان: قال الله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، هذا دليل. ولما بال الأعرابيُّ في طائفة المسجد؛ أمرَ النبيُّ ﷺ بماذا؟ بذَنُوبٍ من ماء فأُريق عليه (٢٤). إذن فلا بد من اجتناب النجاسة في هذه المواطن الثلاثة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- الكلام على اجتناب النجاسة مفصلًا في كلام المؤلف. الطهارة من الحدث، والطهارة من النجس. [باب مواقيت الصلاة] ثم شرع المؤلف ﵀ في بيان أوقات الصلاة تفصيلًا، فقال: (فوقت الظهر من الزوال)، بدأ بها المؤلف؛ لأن جبريل بدأ بها حين أم النبي ﷺ ، وبعض العلماء يبدأ بالفجر؛ لأنها أول صلاة النهار؛ ولأنها هي التي يتحقق بالبداءة بها أن تكون صلاة العصر الوسطى، والخطب في هذا سهل؛ يعني سواء بدأنا بالظهر أو بدأنا بالفجر، المهم أن نعرف الأوقات، قال: (فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه) أي: ظله (بعد فيء الزوال). يقول بعض أهل اللغة: الفيء هو الظل بعد الزوال، وأما قبله فيُسمَّى ظِلًّا، ولا يسمى فيئًا، وما قالوه له وجه؛ لأن الفيء مأخوذ من فاء يفيء، كأن الظل رجع بعد أن كان ضياء، أما الذي لم يزل موجودًا فلا يسمى فيئًا؛ لأنه لم يزل مظلمًا؛ فمثلًا في هذا الوقت نجد أن الجهة الجنوبية مما له جسم وهي الشمالية في الواقع؛ جهة الشمال عنه، نجدها دائمًا ظلالًا، أليس كذلك؟ هذا لا يسمى فيئًا، لكن إذا وجدنا أن الشمس أضاءت على هذا المكان، ثم بعد زوالها صار الظل نسمي هذا فيئًا.

стр. 757

إذن (مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال)، وذلك أن الشمس إذا طلعت صار للشاخِص ظِلّ نحو المغرب أو لا؟ الشاخص الشيء المرتفع ظل نحو المغرب، ثم لا يزال هذا الظل ينقص بقدر ارتفاع الشمس في الأفق حتى يتوقف عن النقص، فإذا توقف عن النقص، ثم زاد بعد توقف النقص ولو شعرة واحدة فهذا هو الزوال؛ يعني فإذا أردت أن تعرف الزوال فضع شيئًا شاخصًا، ثم راقِبه تجده كلما ارتفعت الشمس نقص، فما دام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا زاد أدنى زيادة فقد زالت الشمس، وحينئذٍ يكون وقت الظهر قد دخل. يقول المؤلف: (بعد فيء الزوال)؛ يعني: أن الظل الذي زالت عليه الشمس لا يُحسب، ففي وقتنا الآن حين كانت الشمس تميل إلى الجنوب لا بد أن يكون هناك ظل دائم لكل شاخِص من الناحية الشمالية له، هذا الظل لا تعتبره، شوف نقص الظل، فإذا بدأ يزيد فضع علامةً على ابتدأ زيادته، ثم إذا امتد الظل من هذه العلامة بقدر طول الشاخص، فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، ولا فرق بين كون الشاخص طويلًا أو قصيرًا، لكن تبيُّن الزيادة في الظل والنقص فيما إذا كان طويلًا أظهر؛ يعني يبين أكثر إذا كان طويلًا عرفنا الآن، ولَّا لا؟ كيف عرفنا؟ قلنا: ضع شاخصًا؛ يعني عصا، إذا وضعته فإنه يكون له ظل، هذا الظل كلما ارتفعت الشمس نقص، ما دام ينقص فالشمس لم تزُل، فإذا زاد أدنى زيادة فقد زالت الشمس حينئذٍ يدخل وقت الظهر، إلى متى؟ قلنا: ضع علامة على ابتداء الزيادة، ثم راقِب الظل، إذا بلغ إلى حد يساوي هذا الشاخص من العلامة فقد خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر. أما علامة الزوال بالساعة فاقسم ما بين طلوع الشمس إلى غروبها نصفين، اقسمه نصفين، وهذا هو الزوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغِيب في الساعة السادسة، فالزوال؟ طلبة: الثانية عشرة. الشيخ: الثانية عشرة، وإذا كانت تخرج في الساعة السابعة، وتغيب في الساعة السابعة؟ طلبة: الساعة واحدة. طلبة آخرون: عشرة ونصف.

стр. 758

الشيخ: الساعة واحدة. طالب: عشرة ونصف يا شيخ؛ لأن هذا نصف الوقت. طلبة: واحدة. الشيخ: اصبر ( ... )، الساعة السابعة، كم باقي معنا؟ طلبة: خمس. الشيخ: خمس ساعات، وسبع؟ طالب: اثنتا عشرة. الشيخ: اثنتا عشرة أو لا؟ أضف ست إلى سبع، ثلاث عشرة كم هذه الثلاث عشرة. الطلبة: واحدة. الشيخ: واحدة إي نعم، هذه العلامة بالساعة، لكن العلامة بالشمس هو ما ذكر. نذكر -إن شاء الله- الدليل في الآخر. قال: (وتعجيلها أفضل)، تعجيل صلاة الظهر أفضل؛ لأنه أولًا: لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ يعني: اسبقوا إليها، ولا شك أن الصلاة من الخيرات، فالاستباق إليها معناه المبادرة؛ ولأن النبي ﷺ حث على البداءة بالصلاة من حين الوقت؛ فسأله ابن مسعود: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال النبيُّ ﷺ : «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (٢٥). هي أحب الأعمال إلى الله، وإن كان بعض العلماء يقول: على وقتها؛ يعني: المقدَّر شرعًا، ونحن نقول: حتى على هذا القول، فإن التعجيل بالصلاة أفضل. ثانيًا: نقول هذا أسرع في إبراء الذمة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، قد يكون في أول الوقت نشيطًا قادرًا تسهل عليه العبادة، ثم يمرض، وتصعب عليه الصلاة، وربما يموت، فهذا أسرع في إبراء الذمة، وما كان أسرع في إبراء الذمة؛ فهو أولى، فيكون تعجيلها أفضل دل عليه الدليل الأثري والنظري.

стр. 759

قال: (إلا في شدة حر)، ففي شدة الحر الأفضل تأخيرها لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ في قوله: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٢٦)، فالأفضل تأخيرها؛ ولأن النبيَّ ﷺ كان في غزوة فأراد المؤذِّنُ أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ». ثم أراد أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذِّنَ، فقال: «أَبْرِدْ»، ثم أراد أن يؤذِّنَ فَأَذِن له لَمَّا ساوى التل ظِلَّه أذِن له؛ (٢٧) يعني: قرب صلاة العصر؛ لأنه إذا ساوى ظله؛ ما بقي يسقط من هذا الظل إلا فيء الزوال، وفيء الزوال في أيام الصيف وشدة الحر طويل ولا قصير؟ طلبة: قصير. الشيخ: قصير جدًّا، ويش ما أدري والله عند بعضكم ما تعرفون هذا الشيء؟ طالب: ما نعرف. الشيخ: فيء الزوال، أنا قلت لكم: إنه لا بد يكون ظِلّ من الجهة الشمالية للشاخص؛ لأن الشمس جنوب، إذا كانت جنوبًا لازم يكون هناك ظل حتى لو ما زالت الشمس؛ لأنها تمشي من وراء مثلًا أنا الآن الجنوب خلف ظهري تمشي من ورائي، لا بد أن يكون ظل بين يدي، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: هذا يُسمى فيء الزوال، هذا ما يعتبر شيئًا؛ فقوله في الحديث الذي رواه البخاري: «حَتَّى سَاوَى التَّلُّ ظِلَّهُ» (٢٨)؛ يعني معناه أن فيء الزوال ما حُسِب؛ لأنه لو حُسب فيء الزوال كان يخرج وقت الظهر. على كل حال أمره أن يُبْرِد حتى صار الظل بقدر الشاخص، لكن مضافًا إليه فيء الزوال، ثم صلَّى فينبغي في شدة الحر الإبراد إلى هذا الوقت؛ يعني: إلى قُرْب صلاة العصر. وقال بعض العلماء: بل حتى يكون للشواخِص ظل يُستظل به، ولكن هذا ليس بمنضبط؛ لأنه إذا كان البناء عاليًا وجد الظل الذي يستظل به قريبًا، وإذا كان نازلًا فإنه بالعكس متى يكون للناس ظل يمشون فيه؟ !

стр. 760

على كل حال، أصح شيء أن نقول: أن يكون ظل الشيء مثله، لكن مضافًا إليه فيء الزوال؛ يعني: أنه قرب صلاة العصر، وهذا هو الذي يحصل به الإبراد، أما ما كان الناس يعتادونه من قبل، بعد زوال الشمس بنحو نصف ساعة وبعضهم بنحو ساعة، ثم يقول: هذا إبراد. نقول: هذا ليس إبرادًا، هذا؟ طلبة: شدة الحر. الشيخ: إي نعم، هذا إحرار، ليش؟ لأنه معروف أن الحر أشد ما يكون بعد الزوال بنحو؟ طلبة: ساعة. الشيخ: بنحو ساعة، هذا أشد ما يكون، حر الجو ما هو حرّ الشمس، فإذن نقول: هذا ليس بإبراد، فإذا قدَّرنا مثلًا أن الشمس في أيام الصيف تزول على اثنتي عشرة، وأن العصر على أربعة ونصف تقريبًا أظن، ولنفرض هذا ما يخالف فرضًا، يكون الإبراد إلى متى؟ طلبة: إلى أربعة. الشيخ: إلى أربعة تقريبًا، أربع ساعات ما هو ساعتين، ما هو ساعة ونصف ساعة. يقول: (إلا في شدة الحر) قال: (ولو صلَّى وحده)، (لو): إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الإبراد إنما هو لمن يصلي جماعة، وزاد بعضهم: إذا كان منزله بعيدًا بحيث يتضرر بالذهاب إلى الصلاة. أفهمتم الآن؟ فيه قيدان؛ بعضهم يقول: الإبراد لمن يصلي جماعة مطلقًا، بعضهم يقول: لمن يصلي جماعة إذا كان منزله بعيدًا؛ يعني إذا كانت المنازل بعيدة عن المسجد، وكل هذا قيد لما أطلقه الشارع، النبي ﵊ قال: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ»، والخطاب للجميع، وليس من حقنا أن نُقيِّد ما أطلقه الشارع، ولم يُعلِّل الرسول ﵊ ذلك بأنه لمشقة الذهاب إلى الصلاة قال: «شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٢٦)، وهذا يحصل لمن يصلي جماعة، ولمن يصلي وحده، وهل يدخل في ذلك النساء؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم، يدخل في ذلك النساء؛ فإنه يُسنُّ لهن الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر. يقول: (أو مع غيم لمن يصلي جماعةً)، هل قوله: (أو مع غيم) داخل تحت قوله: (لو)؟ أو هي مسألة مستقلة؟

стр. 761

طلبة: مسألة مستقلة. الشيخ: هذه مسألة مستقلة؛ لأن الغالب أن الغيوم تأتي في أيام الشتاء ما هي بشديدة الحر، وحينئذٍ فلا تكون داخلة تحت قوله: (لو)؛ يعني إلا في شدة الحر، وإلا مع غيم لمن يصلي جماعة، فالأفضل التأخير، فإذا كان غيم فإنه يُسنُّ تأخيرها لمن يُصلِّي جماعة في المسجد، لماذا؟ قالوا: من أجل أن يخرج الناس إلى صلاة الظهر والعصر خروجًا واحدًا؛ لأن الغالب إذا كان غيم أن يحصل مطر، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نشق على الناس، بل ننتظر، فإذا قارَب العصر بحيث يخرج الناس من بيوتهم إلى المساجد خروجًا واحدًا لصلاة الظهر والعصر فإننا نُؤخِّرها، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والعِلَّة فيه كما سمعتم. ولكن هذه العِلَّة عليلة من وجهين: الوجه الأول: أنها مُخالفة لعموم الأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت. الشيء الثاني: أنه قد يحصل الغيم، ولا يحصل المطر، وهذا كثير، تحصل غيوم عظيمة ويتلبد الجو بالغمام، ومع ذلك لا تمطر، أليس هكذا؟ طلبة: بلى. الشيخ: وإذا كان الأمر كذلك فنقول: مع الغيم لو قدرنا في شدة الحر يمكن نقول: لا تبردوا؛ لأن الغيم يمنع حرارة الشمس؛ فإذن هي عليلة من جهة مخالفتها لعموم الأدلة الدالة على فضيلة أول الوقت. وثانيًا: أنها تتخلَّف كثيرًا، وليس هذا أمرًا مُسلَّمًا كُلَّما جاء الغيم جاء المطر، إذن فالصواب: عدم استثناء هذه الصورة، وأن صلاة الظهر يسن تقديمها إلا في شدة الحر فقط، وما عدا ذلك فالأفضل أن تكون في أول الوقت. قال: (ويليه وقت العصر)، (يليه) يلي وقت الظهر وقت العصر، واستفدنا من قول المؤلف: (يليه) أنه لا فاصل بين الوقتين، كذا؟ طلبة: نعم.

стр. 762

الشيخ: إذ لو كان هناك فاصل لم يكن موالاة، وأنه لا اشتراك بين الوقتين؛ إذ لو كان اشتراك لدخل وقت العصر قبل خروج وقت الظهر، وبكل من القولين قال بعض العلماء: إن هناك فاصلًا بين وقت الظهر ووقت العصر لكنه يسير، وقال آخرون: هناك وقت مشترك بقدر أربع ركعات بين الظهر والعصر. والصحيح: أنه لا اشتراك، ولا انفصال، لكن إذا خرج وقت الظهر دخل وقت العصر. قال: (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال والضرورة إلى غروبها، ويُسنُّ تعجيلها)، (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) إحنا قلنا: فيء الزوال يحتسب ولَّا لا؟ طلبة: لا. طلبة آخرون: ما يحسب. الشيخ: ما يحسب، ابدأ منه، إذا صار الظل طول الشاخِص، ويش يحصل؟ طلبة: نهاية وقت الظهر. الشيخ: نهاية وقت الظهر، ودخول وقت العصر؛ إذا كان طول الشاخِص مرتين؟ طلبة: نهاية وقت العصر. الشيخ: نهاية وقت العصر، أي الوقتين أطول؟ طلبة: كلاهما. طلبة آخرون: العصر .. الأول .. الشيخ: لا الظهر .. إحنا الآن حدَّدنا الظهر من فيء الزوال إلى مثله، العصر إلى مثليه، الظهر أطول بكثير؛ لأن الظل في آخر النهار أسرع، كلما دنت الشمس من الغروب كان الظل أسرع؛ يعني تكاد تقول: الفرق الثلث، وهو كذلك وقت الظهر طويل بالنسبة لوقت العصر، لكن وقت الضرورة إلى غروب الشمس، هذا ربما يكون طويلًا. لننظر بالتوقيت الغروبي؛ التوقيت الغروبي في أطول يوم من السنة، يُؤذِّن الظهر الساعة خمس وسبع دقائق تقريبًا، وخليها خمسة وخمسة، ويؤذن العصر ثمان ونصف وخمسة، كم الوقت؟ طلبة: ثلاث ساعات ونصف. الشيخ: ثلاث ساعات ونصف. من ثمان ونصف وخمسة إلى الغروب؟ طلبة: أربع ساعات وخمس وعشرين دقيقة. الشيخ: أربع ساعات وخمس وعشرين دقيقة، إذن وقت الظهر أطول؟ طلبة: بثلاث ساعات. الشيخ: ثلاث ساعات؟ طالب: وخمس وعشرين دقيقة. الشيخ: وخمس وعشرين دقيقة، وهناك كم قلنا؟ طالب: ثلاثة ونصف.

стр. 763

الشيخ: ثلاث ساعات ونصف؛ إذن وقت الظهر أطول حتى إلى الغروب؛ يعني أطول من وقت العصر حتى ولو كان وقت ضرورة، شوف الفرق الآن. المؤلف الآن حدد وقت العصر بماذا؟ (بمصير ظل كل شيء مثليه بعد فيء الزوال). ثم قال: (والضرورة إلى غروبها)؛ يعني وقت الضرورة إلى غروبها، هل نقول: الضرورةُ ولَّا الضرورةِ؟ طالب: الثاني أفضل. الشيخ: وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ فِي الْإِعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا (ربما) لكن بشرط؛ الشرط لا يتحقق هنا، فإذن نقول: الضرورة إلى غروبها .. ويُسَنُّ تَعجيلُها، ويَلِيهِ وقتُ المغرِبِ إلى مَغيبِ الْحُمرةِ، ويُسَنُّ تَعجيلُها إلا ليلةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَها مُحْرِمًا، ويَليهِ وَقْتُ العِشاءِ إلى الفَجْرِ الثاني وهو البَياضُ الْمُعْتَرِضُ، وتأخيرُها إلى ثُلُثِ الليلِ أَفْضَلُ إن سَهُلَ، ويَليهِ وقتُ الفجْرِ إلى طُلوعِ الشمسِ، وتَعجيلُها أَفْضَلُ، وتُدْرَكُ الصلاةُ بتكبيرةِ الإحرامِ، في وَقْتِها ولا يُصَلِّي قبلَ غَلَبَةِ ظَنِّه بدُخولِ وَقْتِها إمَّا باجتهادٍ أو خَبَرِ ثِقَةٍ مُتَيَقِّنٍ، فإن أَحْرَمَ باجتهادٍ فبَانَ قَبْلَه فنَفْلٌ، وإلا ففَرْضٌ، يعني: وقت الضرورة إلى غروبها، هل نقول: الضرورةُ ولَّا الضرورةِ؟ طالب: الثانية. الشيخ: وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ فِي الْاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقُوا كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا طالب: ( ... ). الشيخ: ربما لكن بشرط الشرط لا يتحقق هنا، فعندئذٍ نقول: الضرورة إلى غروبها؛ يعني: أنه يمتد وقت الضرورة إلى غروب الشمس، نحتاج الآن إلى دليلين:

стр. 764

الدليل الأول: جَعْلُ غاية الوقت الاختياري إلى مصير ظل كل شيء مثليه، والدليل على هذا حديث جابرٍ في قصة جبريل. ولكن القول الراجح في هذه المسألة: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرسول ﵊ قال: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» (١)، «مَا لَمْ تَصْفَر» أي: ما لم تكن صفراء، وهذا في الغالب يزيد على مصير ظل الشيء مثليه، والزيادة تكون مقبولة؛ لأن الحديث صحيح وفي مسلم، ومن قول الرسول ﷺ ، وعلى هذا فالزيادة مقبولة. ويمكن أن يُجاب عن حديث جبريل: بأن «ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ» (٢) هذا ابتداء الصلاة، ويمكن إذا صُلِّيَت وانتُهِيَ منها تكون الشمس قد اصفرَّت؛ ولا سيما في أيام الشتاء وقِصَر العصر. وعلى كل حال سواء صحَّ هذا الجمع أم لم يصح، فإن الأخذ بالزائد مُتَعَيِّن؛ لأنه يَنْتَظِم الناقص فالأخذ بالزائد أخذ بالزائد والناقص، لكن الأخذ بالناقص إلغاء للزائد؛ فعليه نقول: وقت العصر إلى اصفرار الشمس. الدليل على أن الضرورة إلى غروبها قول النبي ﷺ : «مِنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣)، وهذا نصٌّ صريح في أن الوقت يمتد إلى الغروب. إذا قال قائل: لماذا لم تأخذ بهذا الحديث لأنه زائد على حديث عبد الله بن عمرو، ما دمنا أخذنا بهذا الأصل أن الزيادة يُؤْخَذ بها لأنها تنتظم النقص ولَا عكس، لماذا لم نأخذ؟ لأن الرسول ﷺ حدَّد قال: «مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ»، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن يقال: «مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» هذا وقت الاختيار، و «إِلَى الْغُرُوبِ» وقت الضرورة.

стр. 765

ويش معنى وقت الضرورة؟ يعني: مثلًا لو أن أحدًا انشغل بشغلٍ لا بد منه، ولنفرض أنه أصيب بجرح فاشتغل بأن يُلَبِّدَ هذا الجرح ويضمِّد هذا الجرح، ويستطيع يصلي الآن، لكن فيه مشقة، إلى قُبَيل الغروب. نقول: هذا الرجل إذا صلى في هذه الحال قُبَيل الغروب فقد صلَّى في الوقت ويأثم ولَّا لا؟ طلبة: لا. الشيخ: لا يأثم؛ لأن هذا وقت ضرورة؛ إذا اضطر الإنسان فلا حرج، وكذلك لو كان عنده ضيوف ما يستطيع الإنسان مفارقتهم خوفًا منهم؛ ضيوف جاؤوا مسافرين قد صَلَّوا العصر جمعًا ونزلوا عنده، ولا يتمكن من مفارقتهم خوفًا منهم لكونهم لصوصًا مثلًا. طلبة: ( ... ). الشيخ: غصبًا عليه، ابْتُلِي بهم، يخشى يذهب يشيلون كل شيء أو خوفًا منهم؛ لأنهم في أنفسهم عظماء ما يستطيع أن يخرج وهم موجودون، يخشى أيضًا منهم لكونهم ذا ولاية عليه أو ما أشبه ذلك؛ فهنا نقول: الضرورة تُبيح له أن يتأخر إلى ما قبل غروب الشمس، لكن بعد الغروب لا يجوز ( ... )، مشكلة اللصوص نقول: يُغْلِق عليهم ولَّا يصلي عندهم إذا أمكن. طالب: لو أراد الناس يُبْرِدون في هذا الوقت يترتب عليه أمور؛ لو أخَّر الصلاة فإن الناس ينامون ولا يقومون إلا بعد صلاة العصر ماذا نقول؟ الشيخ: هذا سؤال وجيه يقول: في هذا الوقت لو أَبْرَد الناس إلى ما جاءت به السنة حصل بذلك ترك واجب؛ لأنهم يخرجون من أعمالهم ثم ينامون، وإذا نام بعد التعب ويش يقوِّمه، فهل نقول في هذه الحال: إننا ندع هذا الأفضل من أجل درء هذه المفسدة، ونقول: قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل؟ وهذا النبي ﵊ أخبر بأن الوقت المختار للعشاء ما بعد ثلث الليل (٤)، ولكن كان يُقَدِّمها مراعاة لأصحابه، فهل نقول: الظهر مثلها إذا كنَّا نُقَدِّمها مراعاة للناس وأحوالهم اليوم؟ الجواب: نعم، ولا شك، والدين يسر ( ... ). ***

стр. 766

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. بدأ المؤلف ﵀ بوقت الظهر، فلماذا لم يبدأ بصلاة الفجر؟ طالب: لأنه جَريًا على حديث جبريل، مراعاة لحديث جبريل أول ما بدأ، بدأ بالظهر. الشيخ: تبعًا لحديث جبريل حيث بدأ بصلاة الظهر. متى يدخل وقت الظهر؟ طالب: يدخل وقت الظهر بعد الزوال. الشيخ: إذا زالت. طالب: الشمس. الشيخ: ما علامة الزوال؟ طالب: هو أن يضع شاخصًا .. الشيخ: لا ما هو أن يضع، ما علامة الزوال؟ لأنك تقول الآن: هذا الطريق إلى معرفة الزوال، لكن نقول: ما علامة الزوال؟ الطالب: أن الشمس تميل إلى الغروب أو .. الشيخ: ابتداء زيادة الظل بعد تمام قِصَرِه، هذا علامة الزوال، ما هو الطريق إلى معرفة ذلك؟ طالب: أن يُوضَع شاخصٌ ثم ينظر إلى أن يبدأ ظل الشاخص في التناقص فيوضع علامة، فإذا بدأ بالزيادة فهذا وقت الظهر. الشيخ: يوضع شاخص؛ شيء قائم ويراقب ظِلَّه، فهو لا يزال ينقص فإذا بدأ بالزيادة أدنى زيادة، فهذا علامة زوال الشمس، وبذلك يدخل وقت الظهر. الطريق الثاني بالساعات، ما هي؟ طالب: أن نحسب ساعات طلوع الشمس إلى ساعات غروبها وننصِّفها، فإذا كانت تطلع الشمس الساعة السادسة وتغرب الساعة السادسة يكون الساعة الثانية عشرة. الشيخ: نعم، العلامة الثانية بالساعات أننا نَقْسِم ما بين طلوع الشمس وغروبها نصفين، والنصف هو الزوال. ما الذي يُسَنُّ في صلاة الظهر التعجيل أو التأخير؟ طالب: الأصل التعجيل، يُسَنُّ التعجيل. الشيخ: نعم، وهل يُسْتَثْنَى من ذلك شيء؟ طالب: نعم، في الحَرِّ، أمر النبي ﷺ .. الشيخ: إذا اشتد الحر، فتأخيرها إلى متى؟ الطالب: إلى قُرْبِ وقت العصر. الشيخ: ما هو الدليل على تأخيرها في شدة الحَرِّ؟ طالب: قول النبي ﷺ : أبردوا بالظهر، فإن شدة .. الشيخ: لم يقل: أبردوا بالظهر.

стр. 767

الطالب: قوله: في الظهر: أبردوا؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم. الشيخ: ولم يقل: أبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم. طالب: قول النبي ﷺ لبلال: عندما أراد أن يُؤَذِّن، قال له ثلاثًا: «أَبْرِدْ»، فعندما أطال قام وأذن (٥). الشيخ: قول الرسول للمؤذن، لكن ما فيه شيء عام. طالب: قول النبي ﷺ : أبردوا في شدة الحر فإن .. الشيخ: لا. طالب: قول النبي ﷺ : «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ». الشيخ: قول النبي ﷺ : «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرَّ مِنْ فَيْحِ جَهْنَمَ» (٦) صح. فأما حديث السفر؛ لما أراد المؤذن أن يُؤَذِّن فأمره الرسول أن يُبْرِد ثلاثَ مَرَّات (٦)، فهو يدل على مُنْتَهَى الإبراد؛ يعني: إلى متى نبرد؟ يقول: لَمَّا ساوَى التلُّ ظِلَّهُ أَذَّنَ (٦)، يعني: إلى قُرْبِ صلاة العصر. هل هناك حالٌ أخرى يُسَنُّ فيها تأخير صلاة الظهر؟ طالب: على قول المؤلف إذا كان فيها غيم .. طالب آخر: لو صلى ( ... ). الشيخ: إذا كان في غيم، إذا كان يصلي جماعة، السبب؟ طالب: فيه مشقة. الشيخ: سهولة الخروج على الناس؛ لأن الغَيْم مَظِنَّة المطر، فإذا أُمْطِرَت شَقَّ على الناس أن يخرجوا مرتين مرة للظهر ومرة للعصر، فكان الأفضل أن يُؤَخِّره. هل لديك مُعارِضَة على هذا الكلام الذي ذكره المؤلف في الغَيْمِ؟ طالب: إي فيه، يحتمل أنه يأتي الغيوم، وهذا كثير أنه تأتي الغيوم، ولا تَعْقُبها أمطار فهذا لا ( ... ) تأخير الصلاة، يعني: احتمال ورود المطر واحتمال عدم وروده. الشيخ: إي. طالب: شيخ، فيه مخالفة للسنة ( ... )، فقال : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، والنبي ﵊ لم يَرِدْ عنه إلا في شدة الحر تأخير الصلاة، وفي ذلك إبراء للذمة.

стр. 768

الشيخ: إذن نقول: هذا القول ليس بصحيح، قول مرجوح؛ أولًا: لأنه مخالف للسنة في تعجيل الصلاة بلا دليل، والثاني: أنه قد يوجد الغيم ولا يحصل المطر ولا الأذى. طالب: نقول: كثرة الخطى إلى المساجد داخل فيه. الشيخ: إي، ربما هذه نقولها أيضًا: إنه إذا خرج مرتين يكون فيه زيادة أجر في الخُطَى، بعد أن ينتهي وقت الظهر ماذا يكون؟ طالب: يدخل وقت العصر. الشيخ: ليس بينهما مدة؟ الطالب: لا، ليس بينهما وقت .. الشيخ: فاصل يعني؟ الطالب: نعم. الشيخ: ليس بينهما فاصل، ولا وقت مشترك، إذن هذا يلي هذا. يقول المؤلف: (الضرورة إلى غروبها)، أولًا: ما هو الدليل على أن وقتها محدد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه بعد فيء الزوال؟ طالب: تحديد جبريل. الشيخ: حديث جبريل أنه أمر الرسول ﵊. الطالب: صلَّى أولًا العصر ثم صلى .. الشيخ: حين صار ظلُّ كلِّ شيء مِثْلَه، ثم صلَّى الثاني حين صار ظلُّ كل شيء مِثْلِيَه (٢)، الدليل على أنه يمتد عند الضرورة إلى الغروب؟ الطالب: قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». الشيخ: لا. طالب: من أدرك من العصر ركعةً قبل غروب الشمس. الشيخ: «قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» (٣). قال المؤلف: (ويُسَنُّ تعجيلُها)، يعني: يُسَنُّ في صلاة العصر تعجيلُها؛ أي: أن يُعَجِّلَها في أول الوقت؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن أول الوقت أفضل كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ ولأنه ثبت عن النبي ﵊ من حديث أبي برزة الأسلمي أنه: كان ﷺ يُصلي العصر والشمس نقيةً مرتفعة؛ حتى إنهم يذهبون إلى رحالهم في أقصى المدينة والشمس حية (٧). وهذا دليل على مبادرته بها. فإذن: الدليل أن تعجيلها أفضل: عموم الأدلة الدالة على المبادرة بفعل الخير، وعلى أن الصلاة على وقتها من أفضل الأعمال.

стр. 769

ودليل آخر خاص بأن الرسول ﵊ كان يصلي العصر فيذهب الذاهب من الصحابة إلى أقصى المدينة في رحله والشمس حية، يعني: أنها لم تتغير. مر علينا أن الصحيح أن وقتها المختار إلى اصفرار الشمس، فعليه يكون للعصر وقتان وقت اختيار ووقت ضرورة. فوقت الاختيار: إلى مصير كل شيء مِثْلَيْهِ على المشهور من المذهب أو اصفرار الشمس على القول الراجح. والضرورة: إلى الغروب، لكن ضربنا مثلًا فيما سبق لضرورة مثل أيش؟ طالب: الخوف. الشيخ: كالخوف، وضيوفٍ لا يستطيع مفارقتهم، وجرحٍ يحتاج إلى أن يعالجه وما أشبه ذلك. قال: (ويليه وقتُ المغرب إلى مَغيبِ الحمرة) يعني: يلي وقت العصر، بدون فاصل وبدون اشتراك بينهما في الوقت، وقت المغرب من مغيب الشمس إلى مغيب الحمرة، فبمجرد ما يغيب قرص الشمس في الأفق يدخل وقت صلاة المغرب. (إلى مغيب الحمرة) يعني: الحمرة في السماء، إذا غابت الحُمْرَةُ لا البياض، فإنه يخرج وقت المغرب، ويدخل وقت العشاء. كم مقداره في الساعة؟ مقداره في الساعة يختلف باختلاف الفصول، فتارة يطول وتارة يقصر؛ لكنه يُعْرَف بالمشاهَدة، متى رأيت الحمرة قد زالت من الأفق فهذا دليل على أن وقت المغرب قد انقضى، وهو يتراوح ما بين ساعة وربع بعد الغروب، إلى ساعة ونصف وثلاث دقائق تقريبًا بعد الغروب. يعني: باختلاف الفصول. يقول المؤلف: (ويُسنُّ تعجيلُها) يسن تعجيل صلاة المغرب؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها إذا وجبت (٨)، يعني: إذا وجبت الشمس وغربت؛ فيبادر بها. ولكن المبادرة ليس معناها أنه حينما يُؤَذِّن يقيم؛ لأنه ﷺ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ» قالها ثلاثًا، ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ» (٩).

стр. 770

وكان الصحابة ﵃ إذا أذن المغرب يقومون فيصلون، وكان النبي ﷺ يراهم ولا ينهاهم، وهذا يدل على أنه ليس معنى التعجيل أن يُبادِر الإنسان من حين الأذان، ولكن لا يتأخر بمقدار الوضوء والراتبة وما أشبه ذلك. ثم قال: (إلا ليلةَ جمعٍ لمن قَصَدَها مُحْرِمًا)، (جمع) اسم لمزدلفة، وسميت جمعًا؛ لاجتماع الناس فيها؛ لأن الناس يجتمعون فيها في ليلة العيد، يجتمع فيها الناس من قريش وغيرهم، عرفة: لا يجتمع فيها الناس؛ لأن قريشًا في الجاهلية كانوا لا يقفون بعرفة، ويقفون بالمزدلفة، لكن ليلة العيد يجتمع الحجاج فيها؛ ولهذا سميت ليلة (جَمْع) يعني: إلا ليلة مزدلفة. (لمن قَصَدَها) أي: قصد جمعًا، فالضمير هنا يعود على (جمع)، وليس على الصلاة، أي: لمن قصد جمعًا مُحْرِمًا، ولو قال المؤلف ﵀: إلا ليلة مزدلفة للحاج لكان أوضح وأخصر، لكن كثيرًا من الفقهاء، ولا سيما أصحاب المذاهب المقلدة كثير منهم يتناقلون العبارة مِنْ أَوَّلِ مَنْ عَبَّر بها إلى آخر مَنْ تَكَلَّم بها يتناقلونها، ولا سيما وأن هذا الكتاب مختصر من المقنع للمُوَفَّق، فتجده تَبِعَ في العبارة من سبقه. وإلا فلا شك أن مُؤَدَّى هذه العبارة أن يقال: إلا ليلة مُزْدَلِفَة لمَنْ؟ للحاج يكون أوضح وأبين. على كل حال، المؤلف ﵀ استثنى في صلاة المغرب مسألة واحدة؛ وهي: الحاج إذا دفع من عرفة، فإنه لا يمكنه أن يصلي في عرفة ولا في الطريق، على وجه الاستحباب، إذن يصلي في مزدلفة. ودليل ذلك: أن النبي ﷺ لما نزل فبال في الشِّعْبِ قال له أسامة بن زيد - وكان رديفًا له -: الصلاة يا رسول الله، قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فلم يُصَلِّ (١٠). إذن يؤخرها إلى مزدلفة.

стр. 771

واستثنى فقهاؤنا ﵏ في الكتب المطوَّلَة استثنوا قالوا: إن لم يوافها وقت الغروب، يعني: إن لم يَصِل إليها إلى مزدلفة وقت الغروب، شوف يعني: من ذاك الزمن في إمكان أن يصل الإنسان إليها وقت الغروب يعني: وقت المغرب، قالوا: فإن وافاها في ذلك الوقت صلاها في وقتها وبادر بها. على كل حال يُسْتَثْنَى من هذه المسألة ليلة المزدلفة للحاج فلا يُسَنُّ له أن يُعَجِّل، بل لا يصلي حتى يصل إلى مزدلفة، ودليل ذلك ما أشرنا إليه آنفًا حديثُ أسامةَ بن زيد ﵁. فإن قال قائل: لو تأخر في الطريق وخاف أن يَخْرُجَ وقت العشاء، فماذا يصنع؛ هل يؤخر الصلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة وإن لم يُصَلِّ إلا الفجر، أو يصلِّي الصلاة في وقتها ولو على راحلته؟ الجواب: الثاني؛ يعني: إذا خاف خروجَ الوقت وجب عليه أن يَنْزِلَ فيُصَلِّي، فإن لم يمكنه النزول صلى ولو على ظهر راحلته. ثم قال: (ويليه وقتُ العشاء إلى الفجر الثاني وهو: البياض المُعْتَرِض، وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضلُ إن سهل) (يليه) يعني: يلي وقتَ المغرب وقتُ العشاء إلى طلوع الفجر على كلام المؤلف: (إلى طلوع الفجر الثاني، وهو: البياض المعترض)، وعلى هذا تكون صلاة العشاء أطول الصلوات وقتًا؛ لأنها تكاد تكون جميع الليل من خروج وقت المغرب إلى طلوع الفجر الثاني أيضًا. الفجر الثاني قال: (وهو البياض المعترِض) في الأفق من الشمال إلى الجنوب. وأفادنا المؤلف ﵀ بقوله: (إلى طلوع الفجر الثاني) أن هناك فجرًا أول وهو كذلك، والفجر الأول يخرج قبل الثاني بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربع، أو قريبًا من ذلك، وذكر العلماء أن بينه وبين الثاني ثلاثة فروق: الفرق الأول: أن الفجر الأول مُمْتَدٌّ لا معترض؛ يعني: مُمْتَدٌّ طولًا من الشرق إلى الغرب، والثاني معترض من الشمال إلى الجنوب.

стр. 772

الفرق الثاني: أن الفجر الأول يُظْلِم، يعني: يكون هذا النور لمدة قصيرة ثم يُظْلِم، والفجر الثاني: لا يُظْلِم، بل يزداد نورًا وإضاءة. الفرق الثالث: أن الفجر الثاني مُتَّصِلٌ بالأفق، ليس بينه وبين الأفق ظُلْمَة، والفجر الأول منقطع عن الأفق، يعني: بينه وبين الأفق ظلمة، هذه ثلاثة فروق بين حقيقة هذا وحقيقة هذا. هل يترتب على الفجر الأول شيء؟ لا يترتب عليه شيء من الأمور الشرعية أبدًا، لا إمساك في صوم، ولا حِلُّ صلاة الفجر، الأحكام مُرَتَّبَة على الفجر الثاني. إذن: (إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض)، ما هو الدليل؟ أما الدليل على دخول وقتها: فهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديث جبريل، كلها تدل على أن وقت العشاء يدخل بِمَغِيبِ الشَّفَقِ الأحمر، أما انتهاؤه إلى الفجر الثاني فليس فيه دليل. إلا دليلًا لا دلالة فيه هو: أن النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ أَخَّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى» (١١) قالوا: فهذا دليل على أن أوقات الصلاة مُتَّصِلَة. فهل في هذا الحديث من دليل؟ ليس فيه دليل؛ لأن التَّفْرِيط أن يؤخِّر الصَّلاة حتى يَدْخُل وقت الصلاة الأخرى؛ يعني: فيما وقتاهما متَّصل؛ ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظهر بالإجماع، فإن صلاة الفجر لا تمتد إلى صلاة الظهر بالإجماع، وإذا كان كذلك فالواجب الرجوع إلى الأدلة، إذا لم يكن في هذا دليل؛ فالواجب الرجوع إلى الأدلة الأخرى. الأدلة الأخرى ليس فيه دليل يدل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر أبدًا، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث جبريل كلها تدلُّ على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل.

стр. 773

وهذا الذي دَلَّت عليه السنة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن أيضًا؛ لأن الله قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فتجد (لدلوك الشمس) يعني: من دلوك الشمس، لكن أتى باللام للدلالة على أن دخول الوقت علة في الوجوب، أي: سبب. والدليل أن اللام هنا بمعنى (مِنْ) لكن عبَّر باللام من أجل بيان العلة؛ الدليل الغاية (إلى)، والغاية يكون لها ابتداء ولَّا لا؟ لها ابتداء كأنما قال: (من دلوك الشمس إلى غسق الليل)، لكن أتى باللام كما قلت إشارةً إلى أن دخول الوقت علة الوجوب؛ ولهذا قال الفقهاء ﵏: إن الوقت سبب وشرط؛ سبب لوجوب الصلاة، وشرط لصحتها. ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ متى يكون غَسْقُ الليل؟ عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليل ظُلْمَة في النصف، حينما تكون الشمس منتصفةً في الأفق من الجانب الآخر من الأرض، هذا غَسْق الليل. إذن، من نصف النهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل هذا جعله الله وقتًا واحدًا؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة أو مُتَّصل بعضها ببعض، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: الظهر يليه العصر يليه المغرب يليه العشاء، إذن ما بعد الغاية داخل ولَّا خارج؟ طلبة: خارج. الشيخ: ما بعد الغاية خارج؛ ولهذا فصَّل فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ ففصَّل، وجعل الفجر مستقلًا، فدل هذا على أن الصلوات الخمس أربع منها متتابعة، وواحدة منفصلة، وهذا هو الذي تؤيده السُّنَّة أيضًا، بل السُّنَّة صريحة فيه، فالصواب إذن أن وقت العشاء إلى نصف الليل. ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، أو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؟ أما اللغة العربية: فكلاهما يُسَمَّى ليلًا؛ ولهذا تجد في القاموس يقول: إلى طلوع الفجر أو طلوع الشمس الليلُ.

стр. 774

أما في الشرع: فالظاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: نصف الليل من صلاة العشاء من مَغِيبِ الشمس؛ يعني: الليل الذي يُنَصَّف من أجل معرفة صلاة العشاء هو: من غروب إلى طلوع الفجر، فتُنَصِّف ما بينهما، وما بينهما هو آخر الوقت، هذا هو القول الراجح الذي لا تدل الأدلة إلا عليه، وأن ما بعد منتصف الليل ليس وقتًا لصلاة مفروضة، إنما هو وقت نافلة وتَهَجُّد. قال: (وتأخيرها إلى ثُلُثِ الليل أفضلُ إن سَهُل). الآن ليس عندنا دليل على أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، حينئذٍ يكون قول المؤلف مرجوحًا. (تأخيرها إلى ثلث الليل أفضلُ إن سَهُل) فإن شَقَّ فتُعَجَّل في أول الوقت، أما إذا سَهُل فالأفضل تأخيرُها إلى ثلث الليل. دليل ذلك حديثُ أبي جُحَيْفَة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يُسْتَحِبُّ أن يؤخر من العشاء (٤)، وفي حديث جابر: إذا رآهم اجتمعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أَخَّر (١٢)، وثبت عنه ﷺ أنه: تأخَّر ذات ليلة حتى ذهب عامَّةُ الليل، فقام إليه عمر فقال: يا رسول الله، رَقَدَ النساء والصبيان، فخرج ورأسُه يَقْطُر ﵊ وقال: «إِنَّهُ لِوَقْتِهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» (١٣). فهذه أدلة واضحة على أن تأخيرها إلى ثلث الليل أفضل، ولكن إن سهل. إذا كان إنسان يصلي بالناس في البلد، فهل التقديم أفضل أو التأخير؟ نقول: الأفضل مراعاة الناس، إذا اجتمعوا صلَّى، وإن أخروا تأخر. إذا كانوا جماعة محصورين ولا يهمهم أن يُعَجِّلُوا أو يؤخروا فما الأفضل؟ التأخير. إذن: النساء في بيوتهن الآن في مثل عصرنا هذا الأفضل لهن التأخير؛ يعني: لو قالت امرأة: إنها ستبقى مستيقظة إلى نصف الليل، فهل الأفضل أن تُصَلِّيَ العشاء مبكرة أو مؤخرة؟ نقول: الأفضل أن تؤخر، أما الرجال فسيصلون جماعة.

стр. 775

فإن قال قائل: هل الأفضل مراعاة تأخير الصلاة إلى آخر الوقت، أو الصلاة مع الجماعة؟ الطلبة: مع الجماعة. الشيخ: نعم، نقول: الجماعة، بل لا مفاضلة في الواقع؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وهذا مستحب، ولا مقارنة بين مستحب وواجب. قال المؤلف: (ويليه وقتُ الفجر إلى طلوع الشمس) لم يُبَيِّن المؤلف ابتداء وقت الفجر؛ لأنه يرى أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، ولهذا قال: (ويليه وقت الفجر) فيكون من طلوع الفجر. والعجيب أن المؤلف ﵀ ظاهر كلامه أن تأخير صلاة العشاء إلى ما بعد نصف الليل جائز؛ لأنه لم يقل: إنه وقت ضرورة، والمعروف عند أهل العلم أن ما بين نصف الليل إلى الفجر وقت ضرورة ليس وقت جواز، أما وقت الفجر فهو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، كم مقداره في الساعات يختلف، فقد يكون ساعة ونصف، وقد يكون ساعة وربع كالمغرب. يقول شيخ الإسلام ﵀: من ظن أن حصة الفجر كحصة المغرب فقد أخطأ وغلط؛ يعني: بعض الناس يجعل الوقت ساعة ونصف بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وساعة ونصف بين مغيب الشمس ومغيب الشفق، ويقول: هذا خطأ، ليس بصحيح؛ لأن مقدار ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس في أيام الشتاء يطول لتصاعد الأبخرة إلى فوق؛ فينعكس عليها ضوء الشمس مبكرًا؛ فتطول حصة الفجر، وعكس ذلك في الصيف، وعكس ذلك أيضًا حصة المغرب؛ يعني: إذا طالت حصة الفجر قَصُرت حصة المغرب، والعكس بالعكس. على كل حال هذه ظواهر أفقية، يمكن يُطَّلع على علمٍ أكثر مما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. أما بالنسبة للمشاهدة فإذا كنت في بَرٍّ وليس حولك أنوار تمنع الرؤية ولا قتر، فإذا رأيت البياض الممتد من الشمال إلى الجنوب فقد دخل وقت الفجر، فصلِّ الفجر، أما قبل أن يتبين فلا تصلِّ الفجر. قال: (إلى طلوع الشمس)، ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم وغيره أيضًا.
следующие страницы →