Полный текст (12 382 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
المهم أنا نقول: كل شيء يغيظ الكفار فإنه يرضي الله، وكل شيء فيه إكرام الكفار فإنه حرام، ولا يجوز، ولهذا قال الله : ﴿وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقال في وصف النبي ﷺ وأصحابه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].
قال المؤلف ﵀: (أو حشوًا) يعني المعنى: أن يلبس الإنسان ثوبًا محشوًّا بالحرير، تعرفون الحشو؟ أن يكون داخلًا في الثوب، يكون الثوب بطانة وظهارة، ثم يجعل تحت البطانة أيضًا ثوب آخر، هذا يجوز، لماذا؟ لأنه مختف غير ظاهر.
فإذا قدر أن رجلًا رأى ثوبًا يباع وفيه حشو حرير، واشتراه ليلبسه، فلا بأس بذلك، فإن اشتراه لينام عليه رأى فراشًا حشوه حرير واشتراه لينام عليه فلا بأس بذلك.
قال: (أو علمًا)، هذا معطوف على أيش؟
طالب: حشو.
طالب آخر: الثوب الحرير يا شيخ.
طالب آخر: ( ... ).
الشيخ: يا جماعة، ما هو معناه أنكم تقولون: معطوف على أي كلمة سبقت، شوفوا التقدير، من الذي يقول: لضرورة؟ إذا قلنا: لضرورة لزم أن يكون بالجر، ولا يستقيم المعنى أيضًا إذا قلنا: أو لضرورة أو لعلم، ما يستقيم.
طالب: على حشو.
الشيخ: ما يخالف حشوًا وأيش اللي معطوفة عليه؟
طالب: (كان) مقدرة.
طالب آخر: أو كان.
الشيخ: إي نقول: (أو حشوًا) حشوًا هذه خبر لـ (كان) المحذوفة المعطوفة على ما سبق، على قوله: (إلا إذا)؛ إلا إذا استويا أو إلا إذا كان حشوًا أو إلا إذا كان علمًا.
طالب: (أو كان علمًا).
الشيخ: عندكم: كان متن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، إذن ما فيه إشكال، لكن ( ... ) متن.
стр. 912
يقول: (أو علمًا) العلم معناه: الخط، خط يطرز به الثوب، تطريز الثوب قد يكون من الأسفل، وقد يكون في الجيب، وقد يكون في الأكمام، وقد يكون ثوبًا مفتوحًا فيكون التطريز من جوانبه.
المهم إذا كان في الثوب علم، يعني خطًّا من الحرير، فهو جائز، لكن بشرط، قال: (أو علمًا أربع أصابع فما دون)، يعني العلم يكون أربع أصابع فما دون، أربع أصابع. أصابع طفل، أو أصابع إنسان غليظ الأصابع؟
طلبة: متوسط.
الشيخ: متوسط، هذا يرجع فيه إلى الوسط، ولهذا قال الرسول ﷺ : «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» (٣)، حتى لا نأخذ الأعلى ولا نأخذ الأدنى أيضًا، نأخذ بالوسط.
أربع أصابع، إذا كان العلم أربع أصابع في مكان واحد فما دون فهذا لا بأس به؛ لحديث عمر ﵁: أنه لم يرخص في الحرير إلا إذا كان علمًا أربع أصابع فما دون (٤). ولا فرق بين أن يكون العلم مستطيلًا في الثوب أو في بقعة منه، المهم ألا يزيد على أربعة أصابع، ثلاثة؟
طلبة: جائز.
الشيخ: واثنان؟
طلبة: جائز.
الشيخ: وخمسة؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز. كيف نجمع بين هذا وبين قوله فيما سبق: (وما هو أكثره ظهورًا)؟ لأننا لو أخذنا بظاهر العبارة السابقة لقلنا: إذا كان علمًا عرضه خمسة أصابع وإلى جنبه علم من القطن عرضه خمسة أصابع أو ستة أصابع يجوز ولّا ما يجوز؟
إن نظرنا إلى ظاهر ما سبق قلنا: إنه جائز، ولكن ما سبق مقيد بما يلحق، فنقول: مراده فيما سبق إذا كان الثوب مشجرًا، أو إذا كان فيه أعلام أقل من أربعة أصابع، فهنا نعتبر الأكثر، أما إذا كان علمًا متَّصلًا فإن الجائز ما كان أربع أصابع فما دونها.
لو أخذنا بظاهر ما سبق (وما هو أكثره ظهورًا) لقلنا: إذا اجتمع عندنا ثوب معلم فيه أعلام، فيه علم حرير خمسة أصابع، وفي علم من القطن إلى جانبه ستة أصابع، هنا الأكثر ما هو؟
طلبة: القطن.
стр. 913
الشيخ: القطن، فظاهر كلامه فيما سبق أن هذا جائز، ولكن كلامه الأخير لما ذكر العلم لا بد أن يكون أربع أصابع فما دون يقتضي أن مثل الثوب الذي ذكرنا الآن لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون أربع أصابع فأقل، فهل نأخذ بالكلام الأول أو بالثاني؟
طالب: الثاني.
الشيخ: نقول: نأخذ بالثاني، فالكلام الثاني مقيد للكلام الأول.
إذا قال قائل: وأيش نحمل الكلام الأول عليه؟ نقول: نحمله على أن العلم من الحرير من أربع أصابع فأقل، أو أنه أعلام كثيرة لكن متفرقة فيما بينها، أو تكون مشجرة كالذي يسمى الديباج، مشجرة، أحيانًا يأتي الحرير كالأشجار على القطن المنسوج معه، فيجب أن نتنبه لهذا.
(أو رقاعًا أو لبنة جيب وسجف فراء)، الرقاع: جمع رقعة، يعني: لو رقع الثوب بحرير؟ إنسان مثلًا عنده ثوب من القطن أو من الصوف لكنه متمزق فرقعه بحرير؟
طالب: جائز.
الشيخ: يجوز، لكن يجب أن نلاحظ أنه بقيد أن يكون أربع أصابع فما دون، يعني بحيث لا تزيد الرقعة على أربعة أصابع.
كذلك لبنة الجيب، ما هي لبنة جيب؟ أولًا ما هو الجيب؟ الجيب هو هذا اللي يدخل معه الرأس، ولبنته هو ما يوضع من الحرير على هذا الطوق، وهو معروف في بعض الثياب الآن.
الفراء: جمع فروة، وسجفها: أطرافها، وأنتم تعلمون أن الفروة مفتوحة الأمام، فسجفها يعني أطرافها، هذا أيضًا لا بأس به، لكن بشرط أن يكون أربع أصابع فما دون.
يقول: (ويكره المعصفر والمزعفر للرجال). يكره كراهة تنزيه ولّا كراهة تحريم؟
طالب: كراهة تحريم.
الشيخ: يجب أن نعلم أن الفقهاء ﵏ إذا قالوا: يكره، وأعني بذلك المتأخرين فهي كراهة التنزيه، ولا يقصدون بذلك كراهة التحريم، فيقصدون أن المزعفر وهو المصبوغ بالزعفران، والمعصفر وهو المصبوغ بالعصفر، مكروه للرجال.
стр. 914
الدليل: أن النبي ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو بن العاص ثوبين مُعَصْفَرين، فنهاه النبي ﷺ أن يلبسهما وقال: «لَا تَلْبَسْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ» (٥)، فنهاه وعلل؛ نهاه عن لبسهما وقال: «إِنَّهُ مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ».
وإذا استدللنا بهذا الحديث على هذا الحكم وجدنا أن الحكم بالكراهة التنزيهية فيه نظر؛ لأن هذا الحديث يقتضي أنه حرام، وهذا هو القول الصحيح: أن لبس المعصفر حرام على الرجل، والمزعفر مثله؛ لأن اللون واحد أو متقارب، فلا يجوز للرجل أن يلبس ثيابًا مزعفرة أو ثيابًا معصفرة؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهَا مِنْ لِبَاسِ الْكُفَّارِ»، ولا يمكن أن نقول: إنها مكروهة كراهة تنزيه، والرسول ﵊ جعلها من لباس الكفار.
ولكن يرد على هذا: أن الرسول ﵊ كان يلبس الحلة الحمراء (٦)، والحمراء أغلظ حمرة من المعصفر، فكيف ينهى عن المعصفر ويقول: «إِنَّهَا لِبَاسُ الْكُفَّارِ»، ثم يلبس الأحمر؟
أجيب عن ذلك بأحد جوابين بل بثلاثة:
قال بعضهم: إن الأحمر الخالص ليس هو لباس الكفار، لباس الكفار هو المعصفر الأصفر، يعني يميل إلى الحمرة، لكن ليس خالصًا، والحلة الحمراء التي كان الرسول يلبسها حلة حمراء، هذا جواب، وهذا الجواب فيه نظر؛ لأن الأحمر الخالص أشد من؟
طلبة: الأصفر.
الشيخ: الأصفر. الثاني: أن هذا فعل، والفعل لا يعارض القول؛ لاحتمال الخصوصية، وهذه القاعدة مشى عليها الشوكاني ﵀ في شرح المنتقى، دائمًا يجعل فعل الرسول ﵊ من خصائصه، ولا يحاول أن يجمع، ولكن هذه الطريقة أيضًا طريقة ليست بصواب؛ لأن فعل الرسول سنة وقوله سنة، ومتى أمكن الجمع وجب؛ لئلا يكون التناقض.
стр. 915
القول الثالث في هذه المسألة أو الوجه الثالث يقول: إن الحلة الحمراء هي التي خطوطها حمر، وليست حمراء خالصة، وإلى هذا ذهب ابن القيم ﵀.
وقال وأنا أقول كما يقال: هذا الرجل شماغه أحمر، وذاك الرجل شماغه أسود، ولّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: هل المراد أن كله أحمر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا كله أسود، فيقول ﵀: إن هذه الحلة الحمراء لا تعارض نهيه؛ لأنها حلة حمراء لكن ليست خالصة، وإذا كان مع الأحمر شيء يزيل عنه الحمرة الخالصة فإن هذا لا بأس به.
***
الطالب: ومنها: اجتناب النجاسة، فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها أو لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته، وإن طين أرضًا نجسة أو فرشها طاهرًا كره وصحت، وإن كانت بطرف مصلى متصل صحت إن لم ينجر بمشيه.
ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها فيها لم يعدها، وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يحرم على الرجل لباس منسوج أو مموَّه بذهب، ما هو الدليل؟
طالب: أنه يحرم على الرجل لباس منسوج أو مموه بذهب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: نعم، الدليل على ذلك قول الرسول ﷺ : «حُرِّمَ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِذُكُورِ أُمَّتِي».
الشيخ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» (٧)، أحسنت. الحرير هل فيه دليل آخر في تحريمه على الرجال؟
طالب: في تحريمه على الرجال نعم، قال النبي ﷺ «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» (٨).
الشيخ: نعم، «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» إذا كان الثوب منسوجًا من حرير وغيره؟
الطالب: لا يجوز الصلاة فيه.
الشيخ: ما هو الصلاة فيه، نحن نسأل عن لبسه إذا كان منسوجًا من حرير وغيره؟
стр. 916
طالب: فيه تفصيل إذا كان يعني أكثره حريرًا فهو ما يجوز.
الشيخ: إذا كان أكثره الحرير فإنه لا يجوز وإذا كان أقله؟
الطالب: أقله فهو يجوز.
الشيخ: فهو يجوز، وإن كانا متساويين؟
الطالب: على كلام المؤلف لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، وعلى كلامك؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن ما حاجة تقول: على كلام المؤلف.
الطالب: إي نعم، لا يحوز.
الشيخ: إذن إذا استويا لا يجوز.
ماذا تقول إذا تساويا ظهورًا الحرير وما نسج معه؟
طالب: على كلام المؤلف يجوز.
الشيخ: يجوز، وفيه قول آخر؟
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: أنه لا يجوز، أحسنت. ما هو تعليل كلام المؤلف؟
الطالب: تعليل كلام المؤلف قال: إذا استوى الاثنان فيغلب ( ... ) هو يرى أنه.
الشيخ: هو يرى أنه حلال إذا استويا الحرير وما معه فهو حلال.
الطالب: لأنه يرى إذا استوى الحكمان الحلال والحرام على الحل والتحريم وأساس اللباس الحل فيجوز.
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: يقول: لأنه الحرير على الحرام والذي اختلط معه حلال فاستويا الاثنان، فيرجع إلى أساس الثوب، فأساس لبس الثوب أنه حلال، فهذا حلال.
الشيخ: إذن فنحن نشك في التحريم، والأصل الحل، فنقول: إنه حلال، والذين قالوا: إنه حرام، ما تعليلهم؟
طالب: قالوا: إذا اجتمع مبيح وحاظر فنرجح جانب الحظر.
الشيخ: هذه هي القاعدة أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر غلب جانب الحظر.
الطالب: ولعموم الأدلة تحريم الحرير احتياطًا.
الشيخ: احتياطًا، وقلنا: إن الأولى الاحتياط تركه لكنه عند الحاجة لا بأس به. يجوز لبس الحرير في أحوال.
الطالب: إذا كان لحاجة.
الشيخ: إذا كان لحاجة؟
الطالب: حكة ومرض والحرب.
الشيخ: كيف يجوز لحاجة وهو حرام والقاعدة المعروفة الشرعية أنه لا يبيح الحرام إلا الضرورة.
الطالب: لأن هذا تحريم الحرير من باب تحريم الوسائل وتحريم الوسائل يجوز لحاجة محرم فإنه وسيلة يباح لحاجة.
الشيخ: أحسنت، هل لهذا أصل أن ما حرم للوسيلة جاز للحاجة؟
стр. 917
طالب: نعم، له أصل في مثل بيع العرايا، الرسول ﷺ نهى عن بيع التمر بالرطب (٩) ولكن رخص للفقير الذي.
الشيخ: رخص بالعرايا بس.
الطالب: للفقير الذي لا يجد.
الشيخ: هل العرايا ضرورة أو حاجة؟
الطالب: حاجة ليس ضرورة.
الشيخ: حاجة ليس ضرورة؛ لأنه بإمكانه أن يأكل التمر الذي عنده.
الطالب: ويكتفي به.
الشيخ: ويكتفي به، ما هو الدليل على جواز لبس الحرير للحكة؟
طالب: حديث عبد الرحمن بن عوف والحسين أنه كان عندهما حكة، فأذن النبي ﷺ لهم أن يلبسا قمصانًا من حرير (١٠).
طالب آخر: الزبير يا شيخ.
الشيخ: الزبير، ما الفائدة من هذه؟
طالب: لأنه ناعم، والجسم يكون فيه حكة فيساعد يعني ما يثير الحكة هذه.
الشيخ: من أجل اللين يخفف الحكة، في بعض النسخ يقول: أو حرب، لماذا؟
الطالب: إذا كان فيه حرب لأنه فيه إغاظة للمشركين وإظهار عدم خوف المسلمين من الحرب.
الشيخ: وإغاظة الكفار أمر؟
الطالب: مطلوب شرعًا.
الشيخ: مطلوب شرعًا كذا، فما فيه من مصلحة من إغاظة الكفار يربو ما فيه من المفسدة من لبسه، واضح؟
المؤلف ﵀ ذكر أنه يكره المعصفر للرجال.
الطالب: أن رسول الله ﷺ رأى على عبد الله بن عمرو ثوبين معصفرين فقال: «لَا تَلْبَسْهُمَا؛ فَإِنَّهُمَا مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ»، وفيه حديث أنس المتفق عليه: نهى رسول الله عن لبس المعصفر (١١) ( ... ).
الشيخ: مقتضى حديث عبد الله بن عمرو.
طالب: ابن عمرو ولا ابن عمر يا شيخ؟
الشيخ: ابن عمرو.
الطالب: ابن عمر يا شيخ.
الشيخ: لا، الصواب ابن عمرو.
طالب: ابن عمر.
الشيخ: اللي في المنتقى ابن عمرو يمكن هذا خطأ.
طالب: النهي عن لبس المعصفر.
الشيخ: أقول: مقتضى حديث ابن عمرو أنه للكراهة؟
طالب: للتحريم.
الشيخ: للتحريم وجه ذلك؟
الطالب: لأنه تشبه بالكفار.
الشيخ: قال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها، والتشبه بالكفار على القول الراجح؟
طالب: حرام.
стр. 918
الشيخ: حرام.
***
قال المؤلف ﵀: (ومنها)، يعني: من شروط الصلاة، أي من شروط صحتها، وقد مر علينا أن الشرط في الاصطلاح هو ما تتوقف الصحة عليه، هذا هو الشرط؛ لأن الذي لا يصح الشيء إلا به يُسمَّى شرطًا، ولهذا قيل: إن الشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود.
وإن قلت: ما تتوقف الصحة عليه فلا بأس فهذا شرط.
من شروط الصلاة اجتناب النجاسة، هذا من الشروط، ونبدأ أولًا في أي موضع أو ما هو المحل الذي يجب أن تجتنب فيه النجاسة؟ نقول: البدن والثوب والبقعة.
ونحتاج إلى دليل لكل هذه الثلاثة فنقول: أما البدن فالدليل على اشتراط الطهارة فيه ووجوب التنزه من النجاسة: أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان، وأحدهما كان لا يستنزه من البول (١٢)، وهذا دليل على أنه يجب التنزه من البول، وكذلك أحاديث الاستنجاء والاستجمار كلها تفيد أنه يجب التنزه من النجاسة في البدن.
وأما دليلها في الثوب فمن أدلتها: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، على أحد التفاسير، ﴿ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
ومنها -أي من أدلة ذلك أيضًا- أن النبي ﷺ أمر الحائض إذا أصابها دم الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه (١٣).
ومن الأدلة أيضًا: خلع النبي ﷺ نعليه لما أخبره جبريل أن فيهما أذًى (١٤)، فهذا يدل على أنه لا يجوز استصحاب النجاسة في حال الصلاة.
وأما الدليل على طهارة المكان: فمنها قوله تعالى في: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فقال ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
ومنها أيضًا: أن النبي ﷺ قال في المساجد: «إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْأَذَى وَالْقَذَرِ» (١٥)، وأمر أن يصب على بول الأعرابي ذَنُوب من ماء ليطهره.
стр. 919
فهذه الثلاثة لا بد أن تكون خالية أو سالمة من النجاسة، والأدلة كما سمعتم، ولكن هل هذه الأدلة تدل على أن الصلاة بدونها -أي بدون اجتناب النجاسة- لا تصح، أو يدل على وجوب التنزه من النجاسة، وإن صلى بنجاسة فهو آثم وصلاته صحيحة؟
جمهور أهل العلم على الأول على أنها شرط للصحة، وأنه إذا لم يتنزه من ذلك فصلاته باطلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست شرطًا للصحة، لكنها واجبة.
ولكن بلا شك أن القول الراجح قول الجمهور؛ لأن هذا الواجب خاص بالصلاة، وكل ما وجب في العبادة فإن فواته مبطل لها إذا كان عمدًا، وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أن صلاته باطلة. ووجه ما ذكرته لكم أن التنزه من هذا واجب خاص بالعبادة، فكأنه قيل: لا تصل وأنت متلبس بهذه النجاسة، فإذا صلى وهو متلبس بها فقد صلى على وجه ما أراده الله ورسوله، ولا أمر الله به ورسوله، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١٦). إذن فهذا وجه تقرير كون اجتناب النجاسة من شروط الصلاة.
قال: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها)، هذا تفريع، الفاء هنا للتفريع، قال: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها)، من هنا يجب أن نتنبه للنجاسة، وقد مر علينا في باب إزالة النجاسة الأعيان النجسة، فيجب أن تكون منا على ذكر.
قال: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها)، أفادنا ﵀ بقوله: (لا يعفى عنها) أن من النجاسات ما يعفى عنه، وهو كذلك، وقد سبق لنا أنه يعفى عن يسير؟
طالب: الدم.
стр. 920
الشيخ: الدم، إذا كان من حيوان طاهر كدم الآدمي مثلًا، ودم الشاة والبعير، وما أشبهها، يعفى عن يسيره، بل سبق لنا أن شيخ الإسلام ﵀ يرى العفو عن يسير جميع النجاسات، كل النجاسات يعفى عن يسيرها، لا سيما إذا شق التحرز منها، مثل أصحاب الحمير الذين يلابسونها كثيرًا، هذا لا يخلو من رشاش أحيانًا، بل غالبًا من بول حمارهم، فشيخ الإسلام يقول: العلة: المشقة، فكلما شق اجتناب النجاسة فإنه يعفى؟
طالب: عن يسيرها.
الشيخ: عن يسيرها، حتى أصحاب البويات، قال: إنه يعفى عن يسير ما يصيب أبدانهم مما يحول بينها وبين الماء؛ أصحاب البوية لا بد يأتيهم نقط تمنع وصول الماء، فشيخ الإسلام ﵀ يقول: إن هذا معفو عنه؛ لأن الدين يسر، ومثل هذه المسائل تكون غالبًا للإنسان، وهو لا يشعر بها أحيانًا أو يشعر بها، ولكن يشق عليه التحرز منها.
قال: (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها)، وين الجواب؟
طالب: (لم تصح).
الشيخ: متأخر الجواب كذا قال: (لم تصح صلاته).
مثال حمل النجاسة كيف يحمل نجاسة؟ إذا تلطخ ثوبه بنجاسة، فهو حامل لها في الواقع؛ لأنه يحمل ثوبًا نجسًا، إذا جعل نجاسة في قارورة في جيبه، فقد حمل؟
طلبة: نجاسة.
الشيخ: نجاسة لا يعفى عنها، وهذا يقع أحيانًا في عصرنا فيما إذا أراد الإنسان أن يحلل البراز أو البول وقال له الطبيب: ائتني بعد صلاة الفجر مباشرة، فتجد بعض الناس يأخذ هذا في القارورة ويضعه في جيبه ويروح يصلي، ماذا نقول له؟
طلبة: ما تصح صلاته.
الشيخ: نقول: هذا صلاته لا تصح؛ لأنه حمل نجاسة لا يعفى عنها.
فإن قال قائل: يرد عليكم على هذا التقرير ما ثبت عن النبي ﷺ أنه حمل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ وهو يصلي (١٧) والطفلة بطنها كله مملوء من النجاسات، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
стр. 921
الشيخ: بل إن شاء أورد عليك قال: بطنك أنت مملوء بالنجاسة، المثانة تحمل البول، والأمعاء الغليظة وغير الغليظة تحمل أيضا؟
طالب: الغائط.
الشيخ: الغائط، فما جوابك على هذا؟ هذا معه جرة محكمة تمامًا، لو وضعتها عند أنفك ما شممت ريحها، ولا تتلوث بها ثيابه، ولا شيء أبدًا، ليش تقول: ما يصح وهذا يصح؟
أجاب العلماء على ذلك فقالوا: إن النجاسة في معدنها لا حكم لها، ما تنجس إلا بالانفصال، وهذا متصل، لا بالنسبة لأمامة بنت زينب، ولا بالنسبة لما في بطن الإنسان، لم ينفصل بعد، فلا حكم له.
وهذا الجواب لا شك أنه صحيح. ولهذا قال بعض العلماء: إن العلقة في الرحم إذا استحالت إلى مضغة، ثم إلى حيوان طاهر؛ لم يصح أن نقول: إن هذه طهرت بالاستحالة، وإن كان المعروف عند الفقهاء ﵏ أنهم يستثنون مما يطهر بالاستحالة العلقة تصير حيوانًا طاهرًا، لكن بعض العلماء رد هذا الاستثناء وقال: إن العلقة في معدنها في الرحم ليس لها حكم، فهي ليست بنجسة ولا طاهرة، ولا حكم لها، بناءً على هذه القاعدة، وهي أن الشيء في معدنه لا حكم له.
إذن من حمل نجاسة في صلاته الحكم: فصلاته باطلة، وعليه أن يعيدها.
(أو لاقاها) يعني لاقى النجاسة وإن لم يحملها، كيف لاقاها؟ استند مثلًا إلى جدار نجس، نقول: هذا لاقى النجاسة، أو كان جالسًا في التشهد أو بين السجدتين، وحوله شيء نجس قد وضع يده عليه، هكذا، يكون لاقاها ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن لاقاها، فإذا لاقاها وإن لم يكن حاملًا لها وإن لم يسجد عليها فصلاته باطلة؛ لأنه يجب التنزه من النجس.
قال: (لاقاها بثوبه أو بدنه) بثوبه؛ حتى الثوب إذا اتكأت على الجدار وهو نجس فقد لاقيت النجاسة بماذا؟
طلبة: بالثوب.
الشيخ: بالثوب، فلا تصح صلاتك.
стр. 922
فإن مس ثوبه شيئًا نجسًا؛ لكن بدون اعتماد عليه، قال أهل العلم: فإن ذلك لا يضر؛ لأن هذا ليس بثابت. فإذا قُدر أن إنسانًا يصلي ولما ركع، والعادة أن الإنسان إذا ركع ابتعد ثوبه من ورائه، والآن ما هو على الجدار، ليس مستندًا عليه، لكنه إذا ركع مس ثوبه الجدار، فإن هذا لا يؤثر، ليش لأي شيء؟ لأنه لم يعتمد عليه، فلا يعد ذلك ملاقاة.
عندي بالشرح: وإن مس ثوبه ثوبًا أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، هذا رجل يصلي على بساط فيه بقعة نجسة، فإذا سجد صارت البقعة بين ركبتيه ويديه، ما تقولون؟ واحد يصلي على سجادة معه فيها بقعة نجسة، هذه البقعة إذا سجد تكون بين ركبتيه ويديه تصح صلاته ولّا لا؟
طلبة: إي نعم، تصح.
الشيخ: يقولون: تصح صلاته نعم؛ لأنه لم يحملها ولم يلاقها فصلاته إذن صحيحة.
وبالأولى أيضًا: لو كانت النجاسة على جانب من زواياها زوايا السجادة فإنها تصح صلاته؛ لأنه لم يلاقها ولم يمسها.
قال المؤلف: (وإن طين أرضًا نجسةً أو فرشها طاهرًا كره وصحت)، هذان حكمان: إذا طين أرضًا نجسة، أي: كساها بالطين، ما هو صب عليها ماء، إذا صب عليها ماء طهرت، لكن هذه أرض نجسة فأتى بطين وكساها به. وإن سمت.
طالب: ( ... ).
الشيخ: مثلها، إذا سمت أرضًا نجسة، وإن زفلت مثلها أيضًا، هذا طين أرضًا نجسة، أي: كساها بالطين وصلى على هذا الطين الذي كسيت به هذه الأرض، ذكر المؤلف حكمين:
الحكم الأول قال: كره.
والحكم الثاني قال: صحت.
فالصلاة إذن صحيحة، والفعل مكروه، والمكروه معناه: أنه لا يعاقب فاعله، ويثاب تاركه امتثالًا، هذا حكم المكروه، لا يعاقب فاعله ويثاب؟
طلبة: تاركه امتثالًا.
стр. 923
الشيخ: ويثاب تاركه امتثالًا. الحكم الثاني: صحت الصلاة، لماذا صحت؟ نقول: لأن هذا الرجل لم يحمل النجاسة، ولم يلاق النجاسة، فأتى بالشرط، وإذا أتى بالشرط فصلاته صحيحة؛ لأنه لم يلاقها ولم يحملها فتصح صلاته، بقينا بمكروه ما هو السبب؟ لماذا يكره؟ الكراهة، كما هو معروف لنا حكم شرعي، والحكم الشرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فما هو الدليل؟
قال: الدليل في الشرح تعليل؛ لأنه اعتمد على ما لا تصح الصلاة عليه، هكذا عللوا، ولكن هذا التعليل عليل في الواقع؛ لأننا نقول: هذا الذي لا تصح صلاته عليه حال بينه وبينه حائل صفيق، لا يمكن أن يمس من ورائه النجس أو يلاقي النجس، ولو أننا أخذنا بهذا لقلنا: لا تسلم صلاة أحد من الكراهة، لاسيما في البيوت التي يكثر فيها الصبيان والبول، وما أشبه ذلك، الآن البيوت التي يكثر فيها الصبيان والبول كلهم يفرشون مصلياتهم ويصلون عليها، فهل نقول: إن هؤلاء صلاتهم مكروهة، هذا فيه نظر ظاهر. والصواب: أنها تصح ولا تكره.
كذلك قال: (أو فرشها طاهرًا)، (فرشها) أي: فرش عليها، (طاهرًا) أي: شيئًا طاهرًا، مثل: ثوب سجادة، خصاف أيش؟
طالب: تراب.
الشيخ: التراب يمكن يصل إليها؛ لأن التراب إذا سجد عليه ربما أنه يتمايز.
المهم أنه فرش شيئًا طاهرًا، إذا فرشها شيئًا طاهرًا فإن الصلاة تصح؛ لعدم مباشرته النجاسة؛ فليس بحامل لها، ولا ملاق لها، ولكن لماذا تكره؟ يقول المؤلف: لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه. ولكن الصحيح أنها لا تكره؛ لأنه صلى على شيء طاهر يحول بينه وبين النجاسة.
طالب: ( ... ).
الشيخ: شاهدته أنت؟
طالب: القمر نعم.
الشيخ: شاهدت القمر؟ شاهدته كاسفًا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يشوفه واحد منكم.
طالب: ما نعرف.
الشيخ: الطرف هذا متصل بالذي يصلي عليه، ولكنه هو لا يباشر النجاسة ولا يلاقيها، فنقول: إن صلاته صحيحة، وإن كان بعض العامة يرون أن السجادة إذا تنجست ولو كانت النجاسة بطرف منها بعيد فإنها لا تصح.
стр. 924
( ... ) (أو فرشها طاهرًا كره وصحت) قال: (وإن كانت بطرف مصلى متصل به صحت) ثم قال: (إن لم ينجر بمشيه)، هذه العبارة فيها ركاكة عظيمة.
***
( ... ) بسم الله الرحمن الرحيم من شروط الصلاة اجتناب النجاسة.
المؤلف يقول ﵀: (إن كانت بطرف مصلى متصل صحت) وأتينا بمثال لها مثل لو كان على سجادة.
لكن قال: (إن لم ينجر بمشيه) انتبه لهذه العبارة، هذه العبارة ما تتفق مع الأول إلا على تقدير؛ لأن قوله: (إن كان بطرف مصلى) المصلى ما ينجر بالمشي، لو مشيت وين يروح المصلى؟ يبقى في مكانه، لكن يشير المؤلف إلى مسألة أخرى، إذا كانت النجاسة متصلة بشيء متعلقة بهذا الرجل، فإن كانت تنجر بمشيه لم تصح صلاته، وإن كانت لا تنجر صحت صلاته.
مثال ذلك: رجل معه حبل، وليكن زمام، أعني مقودًا على رأس حمار، وهو قد أمسك بالمقود أو ربط المقود على بطنه، فهنا صلاته لا تصح أو تصح؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح؛ لماذا؟ لأن الحمار لو استعصى عليه لم ينجر إذا مشى، معلوم ولّا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: حسب ( ... ).
الشيخ: ما يخالف.
يقول: إن لم ينجر بمشيه يعني إن لم يكن الشيء النجس أو المتنجس متعلقًا بالمصلي بحيث ينجر بمشيه.
كيف تتصور المسألة هذه؟
نقول: هذا إنسان ربط على بطنه حبلًا، وهذا الحبل ربطه برقبة حمار، الحمار الآن متعلق بالحبل كذا ولَّا لا؟ يعني: مربوط به، لو أن هذا الرجل مشى واستعصى الحمار عليه ما ينجر بمشيه، هذا الغالب، ممكن يجيب واحدًا قويًّا ربما يكون، لكن الغالب أنه لا ينجر، ولنقل: إنه بالنسبة لهذا المصلي لا ينجر بمشيه عرفتم؟ الصلاة هنا صحيحة؛ لأن الرجل غير حامل للنجاسة، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولا النجاسة تتبعه واضح؟
طالب: فين النجاسة يا شيخ؟
الشيخ: الحمار نجس.
الطالب: نجس الحمار؟
الشيخ: إي نعم، الحمار نجس وسبق الكلام عليه، لكن إحنا بنقدر على أن الحمار نجس بوله وغوطه لا شك في نجاسته.
стр. 925
المهم نقول: هذا الرجل صلاته أيش؟ صحيحة؛ لأنه ليس مباشرًا لنجاسة ولا حاملًا لها ولا مستتبعًا لها، يعني ما تتبعه النجاسة، إذن فصلاته صحيحة. رجل آخر ربط حبلًا بيده أو ببطنه وربطه في رقبة جرو كلب صغير.
طلبة: ( ... ).
الشيخ: الكلب الصغير جرو صغير ( ... ) الحبل هذا ( ... ) الكلب فنقول: هذا الرجل صلاته لا تصح، ليش؟ لأنه لو مشى انجر الكلب بمشيه، واضح؟ لماذا لا تصح صلاته؟ قال: لأنه مستتبع للنجاسة، الآن النجاسة صحيح لا حملها ولا باشرها لكن لو مشى تبعته، إذن الصلاة لا تصح.
مثال ثالث: رجل ربط حبلًا بحجر كبير متلوث بالنجاسة، وربط به حبلًا، وربط الحبل بيده، أو على بطنه؛ ما تقولون في صلاته؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة؛ لأن الحصاة الكبيرة لا تنجر بمشيه، هو اللي يمكن ينجر به. رجل آخر ربط حبلًا بحجر صغير متنجس.
طلبة: لا تصح.
الشيخ: ما تصح، لماذا؟ لأنه ينجر بمشيه، فهو مستتبع له، فيكون كالحامل للنجاسة، لما كانت النجاسة تتبعه صار كالحامل لها.
وهذا قد يلغز به، فيقال: رجل اتصل بنجاسة كبيرة عظيمة، وقلنا: صلاته صحيحة، ورجل اتصل بنجاسة صغيرة قليلة قلنا: صلاته؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: باطلة، كذا ولّا لا؟ حقيقة يأخذ بها، لكن عند التأمل الفرق ظاهر؛ لأنها إذا كانت صغيرة تتبعه، فهو كالحامل لها لتبعيتها له، وإذا كانت كبيرة لا تتبعه فهي منفصلة عنه، فلا تؤثر، هذا ما ذهب إليه المؤلف ﵀.
стр. 926
والصحيح أنها لا تبطل الصلاة في كلتا الصورتين؛ الصحيح أن الصلاة صحيحة في كلتا الصورتين؛ لأن النجاسة هنا لم يباشرها، ولم يباشرها ثوبه الذي هو سترة صلاته، وليست بقعة صلاته، والحاجة تدعو إلى ذلك، لا سيما في الزمن السابق، الإنسان في البر معه حماره؛ يخشى إن أطلقه أن يهرب ولا يجيء، وليس حوله شجرة يربطه بها، فأمسكه بيده وصار يصلي، ما المانع؟ ما الذي يجعل الصلاة باطلة؟ وهذا لم يباشر النجاسة ولم يباشرها ثوبه ولا مصلاه، فالصحيح في هذه المسألة أن صلاته تصح للعلة التي ذكرناها.
وقولهم: لأنه مستتبع للنجاسة، نقول: لكنها منفصلة عنه في الواقع، وبينه وبينها فاصل، وهو هذا الحبل ما اتصل بها، فهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
يقول المؤلف: (ومن رأى عليه نجاسةً بعد صلاته، وجهل كونها فيها لم يعد، وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها أعاد)، هذه المسألة مهمة وكثيرة الوقوع، رجل رأى عليه نجاسة، ونقيد النجاسة هنا بأنها لا يعفى عنها، لماذا قيدناها بذلك؟ لأن التي يعفى عنها لا تضر، لكنها نجاسة لا يعفى عنها، رآها بعد صلاته وجهل كونها فيها، أي لا يدري أصابته وهو في الصلاة أو بعد أن صلى، نقول: لا إعادة عليه؛ لوجهين، نعلل ذلك بوجهين:
الوجه الأول: أن صلاته قد انقضت من غير تيقن مفسد، والأصل؟
طالب: عدمه.
الشيخ: عدمه، وصحة الصلاة، ولهذا لو شك الإنسان بعد صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، يضره ولّا لا؟ لا يضره؛ لأنه فرغ من الصلاة وانتهى منها فلا يضر.
الوجه الثاني: أن نقول: هو الآن لا يدري أحصلت تلك النجاسة قبل سلامه أو بعد سلامه، والأصل الحصول أو عدم الحصول؟
طلبة: عدم الحصول.
الشيخ: الأصل عدم الحصول، ولهذا نقول: لا إعادة عليك.
стр. 927
إن غلب على ظنه أنها كانت قبل الصلاة فلا إعادة عليه؛ لأن غلبة الظن هنا كالشك، والشك كالعدم، ولهذا لما سئل الرسول ﷺ عن الرجل يشكل عليه -وهو في صلاته- أخرج منه شيء؟ قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا؛ أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (١٨)، ولأن القاعدة: أن اليقين لا يزول إلا بيقين، فلا يمكن أن يزول الشيء المتيقَّن بشيء مظنون أو المشكوك فيه.
إذن الصورة هذه فهمتوها الآن مفهومة؟ بعد أن صلى وبقي برهة من الزمن رأى في ثوبه نجاسة، ولكن يقول: أنا لا أدري هل أصابتني تلك النجاسة قبل أن أتمم صلاتي أو بعد؟ نقول له: صلاتك صحيحة ولا إعادة عليك.
الصورة الثانية: قال: وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد، علم أنها كانت فيها وتيقن أنها أصابته قبل الصلاة لكن ما علم، جهلها، قال المؤلف: إنه يعيد.
مثال ذلك: رجل كان قد حمل صبيًّا قبل أن يصلي، ثم حان وقت الصلاة، فذهب وصلى، ولما رجع من صلاته وجد على ثوبه أثر العذرة، وهو لم يحمل صبيًّا بعد صلاته، هنا علم أنها قبل الصلاة، وأنها كانت فيها، كانت النجاسة في الصلاة، لكنه أيش؟
طالب: نسيها.
الشيخ: جهلها، يعني لم يعلم أنها أصابته، يقول المؤلف: يجب عليه أن يعيد.
الصورة الثالثة: قال: (أو نسيها)، كيف نسيها؟ يعني هو علم أن النجاسة أصابته قبل أن يصلي لكن نسي النجاسة، ما كأنها على باله حتى فرغ من صلاته، يقول المؤلف: يعيد؛ لأنه تيقن أنه صلى في نجاسة، واجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، فتجب عليه الإعادة؛ كما لو نسي أن يتوضأ من حدث، وكما لو ترك الوضوء جهلًا بالحدث، فإن عليه أيش؟
طالب: الإعادة.
الشيخ: الإعادة؛ لأن كل واحد منهما شرط للصلاة.
فيه صورة رابعة: إذا جهل الحكم، يعني لم يعلم أن هذه من النجاسات وصلى، ثم تبين أنها من النجاسات، تجب عليه الإعادة ولّا لا؟
طلبة: نعم.
стр. 928
الشيخ: نعم، تجب عليه الإعادة، يعني فلا فرق بين جهل النجاسة والجهل بحكم النجاسة أو بأنها نجاسة.
فيه أيضا صورة خامسة: لو علم النجاسة وهو على ذكر منها، لكن نسي أن يغسلها، فهو كما لو نسيها، يعني أن عليه الإعادة، فعلى هذا نقول: كل هذه الصور عليه الإعادة، إلا إذا جهل هل كانت قبل الصلاة أو بعد الصلاة، فلا إعادة عليه، والراجح في هذه المسائل كلها أنه لا إعادة عليه، سواء نسيها أو نسي أن يغسلها، أو جهلها، جهل أنها أصابته، أو جهل أنها من النجاسات، أو جهل حكمها، أو جهل أنها قبل الصلاة، أو بعد الصلاة، في كل الصور لا إعادة عليه.
الدليل: القاعدة العظيمة العامة التي وضعها الله لعباده وهي: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا الرجل الفاعل لهذا المحرم كان جاهلًا أو ناسيًا، وقد رفع الله المؤاخذة به، ولم يبق شيء يطالب به، ما دام المؤاخذة رفعت فإنه لم يبق شيء يطالب به، وعلى هذا فنقول: لو أن رجلًا أصابته نجاسة ونسي أن يغسلها كان في ذاك الساعة ليس عنده ماء وصلى ونسي، فصلاته صحيحة، ليس عليه إعادة.
لو أنه بعد أن صلى قال له واحد: يا فلان، شوف النجاسة في ثوبك، يدوب سلم قال: السلام عليكم ورحمة الله قاله واحد: شوف النجاسة في ثوبك، فليس عليه إعادة؛ لأنه جاهل، وكذلك لو جهل حكمها، يعني ما علم أنها نجاسة أو غير نجاسة فلا إعادة عليه؛ لعموم الآية التي ذكرناها.
وهناك دليل خاص في المسألة، وهو أن رسول الله ﷺ حين صلى في نعليه وفيهما أذى، وأعلمه بذلك جبريل، لم يستأنف الصلاة، وإذا لم يبطل هذا أول الصلاة فإنه لا يبطل بقية الصلاة، فالصواب أنه لا إعادة عليه؛ لعموم الآية ولهذا الدليل الخاص.
هذه المسألة إذا قال قائل: ما الذي منع قياسها على ما إذا صلى محدثًا وهو جاهل أو ناس؟
стр. 929
نقول: اللي منع القياس أن ترك الوضوء من باب ترك المأمور، الوضوء شيء مأمور به؛ يطلب من الإنسان أن يتلبس به، والنجاسة شيء منهي عنه، يطلب من الإنسان أن يتخلى عنه، ففرق بين هذا وهذا، فلا يمكن أن يقاس فعل المحظور على ترك المأمور؛ ولهذا لو أن أحدًا أكل لحم إبل، وهو لم يعلم أنه لحم إبل، وقام وصلى بلا وضوء، ثم قيل له: إنه لحم إبل، فعليه الإعادة؛ لأن هذا من باب ترك المأمور، بخلاف النجاسة، فهي من باب فعل المحظور، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو رواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
ثم قال: (ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر)، (من جبر عظمه بنجس) كيف يجبر بنجس؟ إي نعم، هذا رجل انكسر عظمه وسقط منه يعني أجزاء من العظم، فلم يجدوا هذه الأجزاء، ولا تمكنوا من جبر ما انكسر بها، فإذا عندهم كلب، فكسروا عظم الكلب وجبروا به عظم الرجل، جبر الآن بعظم نجس، إذا صلى سيكون حاملًا نجاسة، نقول له الآن: اقلع هذا العظم النجس؛ لأنه لا يجوز لك أن تصلي وأنت حامل النجاسة، قال الأطباء: إذا قلعه تضرر عاد الكسر وربما لا يجبر، نقول إذن: لا يجب قلعه؛ لأن الله أباح ترك الوضوء عند خوف الضرر، فترك اجتناب النجاسة من باب أولى عند خوف الضرر، فلا يجب عليك قلعه، إذن يبقى مجبورًا عظمه بعظم كلب.
هل يتيمم لحمله هذه النجاسة؟ الصحيح لا يجب التيمم، ولا يشرع التيمم لهذه النجاسة، والمذهب يقولون: إن كان قد غطاه اللحم لم يجب التيمم؛ لأنه غير ظاهر، وإن كان لم يغطه وجب التيمم؛ لأن النجاسة ظاهرة، ولكن الصحيح كما مر علينا في باب التيمم أن النجاسات لا يتيمم عنها، وأن من كان على بدنه نجاسة وتعذر عليه غسلها فليصل بدون تيمم؛ لأن التيمم إنما ورد في طهارة الحدث، لا الطهارة من النجاسة.
يقول: (وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر)، ما سقط ممن؟
طلبة: من الإنسان.
стр. 930
الشيخ: من الإنسان، من عضو أو سن فهو طاهر.
العضو: مثل أصبع، قطع أصبع، ذراع، قطع ذراع، ساق، قطع ساق، فهو طاهر؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» (١٩)، لا حيًّا ولا ميتًا. ولقوله ﵊: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّة فَهُوَ مَيِّتٌ» (٢٠).
وأخذ العلماء من ذلك قاعدة: ما أُبين من حي فهو كميتته حلًّا وحرمة، وطهارة ونجاسة، وميتة الآدمي طاهرة، إذن فالعضو المنفصل منه طاهر، ولكن الغريب أن أهل العلم ﵏ عامتهم يقولون: ما انفصل من الإنسان فهو طاهر إلا شيئًا واحدًا، وهو الدم، فهو نجس؛ لأن الدم ليس بولًا ولا غائطًا؛ إذ إن البول والغائط هو فضلات الطعام والشراب التي ليس فيها فائدة للجسم، الله حكيم ، الجسم هذا الأكل اللي يدخل عليك من طعام وشراب هذا يأخذ الجسم ما ينفع ويدع ما لا ينفع، الذي لا ينفع له مخارج معينة إذا خرج منها فهو نجس، واللي ينفع يذهب يغذي الجسم يدخل في أنسجة اللحم في العظام وغير ذلك قالوا: إن الدم لا هو من الفضلة التي ليس فيها فائدة، وليس من الجسم نفسه الذي يغذيه الدم، فهو بين بين، لا هذا ولا هذا، ولهذا أعطيناه الحكم بين بين، فقلنا: ليس كالعضو الذي ينفصل، وليس كالبول والغائط، فهو نجس يعفى عن يسيره.
ولكن ذهب كثير من أهل العلم، ولكنهم قلة بالنسبة للجمهور، إلى أن دم الآدمي طاهر، وقالوا: إذا كان العضو لا ينجس بالبينونة، فالدم من باب أولى، وليس هناك دليل على نجاسة الدم؛ إلا ما خرج من السبيلين كالحيض؛ فقد قام الدليل على نجاسته.
على كل حال المؤلف يقول ﵀: (ما سقط منه من عضو أو سن فطاهر) قد يقول قائل: ما مناسبة هذه المسألة لباب اجتناب النجاسة في الصلاة؟
الفائدة: أنه لو سقط منه عضو، ثم أعاده في الحال وخاطه يكون طاهرًا ولّا نجسًا؟
طلبة: طاهر.
стр. 931
الشيخ: يكون طاهرًا، هذه الفائدة، فنقول: لا يلزمك أن تزيله إذا أردت الصلاة لأنه طاهر.
يقولون: إن الشيء إذا انفصل من الجسم وأعيد في حرارته فورًا فإنه بإذن الله يلحم؛ لأن المنافذ والأنسجة لم تتلاءم بعد، فيلحم مثل المغناطيس، ولهذا قالوا: لو قطع أذنه من هنا مثلًا ثم أعادها فورًا ومسك عليها لصقت وجبرت، وعلى هذا فنقول: إن مناسبة وضع هذه الجملة في هذا الباب هو أنه لو أعاد هذا العضو الذي انفصل أو السن أعاده في الحال وركب فهو أيش؟
طالب: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر لا يجب عليه إزالته.
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تصح الصلاة في مقبرة)، (لا تصح) نفي الصحة يقتضي الفساد؛ لأن كل عبادة إما أن تكون صحيحة، وإما أن تكون فاسدة، ولا واسطة بينهما، فهما نقيضان شرعًا، فإذا انتفت الصحة ثبت الفساد.
وقوله: (الصلاة) يعم كل ما يسمى صلاة، سواء كان فريضةً أم نافلة، وسواء كانت الصلاة ذات ركوع وسجود أم لم تكن؛ لأنه قال: (الصلاة) وعليه فيشمل صلاة الجنازة، لا تصح في المقبرة، ولكن قد دلت الأدلة على استثناء صلاة الجنازة، كما سنذكره إن شاء الله، وعلى هذا فالمراد بالصلاة ما سوى صلاة الجنازة.
وهل يجوز السجود المجرد كسجود التلاوة مثلًا؛ مثل لو كان الإنسان يقرأ في المقبرة ومر بآية سجدة، فهل يسجد أو لا يسجد؟ ينبني هذا على اختلاف العلماء، أي في سجود التلاوة، فسجود التلاوة اختلف فيه أهل العلم، فمنهم من قال: إنه صلاة، ومنهم من قال: إنه ليس بصلاة.
فالذين يقولون: إنه ليس بصلاة يقولون: إنه يجوز أن يسجد الإنسان سجود التلاوة في المقبرة، والذين يقولون: إنه صلاة يقولون: لا يجوز.
إذا قال قائل: لا تصح الصلاة في مقبرة هل المراد بالمقبرة هنا ما أعد للقبر، وإن لم يدفن فيه أحد، أو ما دفن فيه أحد بالفعل؟
стр. 932
الجواب: ما دفن فيه أحد، أما لو كانت هناك أرض اشتريت لأن تكون مقبرة، ولكن لم يدفن فيها أحد، فإن الصلاة فيها تصح، فإن دفن فيها أحد، فإن الصلاة لا تصح فيها؛ لأنها كلها اسم مقبرة.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الصلاة لا تصح في المقبرة؟ فهل يقابل ويقال: ما الدليل على أنها تصح؟ ما تقولون؟
طلبة: الأصل الصحة.
الشيخ: نقول: الأصل الصحة؛ لقول النبي ﵊: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٢١)، فالأصل أن كل الأراضي تصح فيها الصلاة، ولهذا لا بد أن يؤتى بدليل للأماكن التي لا تصح فيها الصلاة.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟
قلنا: الدليل:
أولًا: قول النبي ﷺ : «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (٢٢)، هذا واحد، وهو واضح، استثناء من عموم: «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
ثانيًا: قول النبي ﷺ : «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (٢٣)، والمساجد هنا قد يكون أعم من البناء؛ يعني قد يراد به المسجد الذي يبنى، وقد يراد به المكان الذي يسجد فيه؛ لأن المساجد جمع مسجد، والمسجد مكان السجود، فيكون هذا أعم من البناء.
стр. 933
وهناك تعليل؛ وهو أن الصلاة في المقبرة قد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، ولهذا لما كان الكفار يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها، نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوعها وغروبها؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى أن تعبد الشمس من دون الله، أو إلى أن يتشبه بالكفار. كذلك أيضًا الصلاة في المقبرة قد تكون ذريعة إلى عبادة القبور أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، فلذلك نهي عنها -عن الصلاة في المقبرة- فهنا إذن دليلان وتعليل، وأما من علل ذلك بأن يخشى أن تكون المقبرة نجسة، فهذا تعليل عليل، بل ميت لم تحل فيه الروح، كيف تكون نجسة؟ قالوا: نعم لأنها ربما تنبش، وفيها صديد من الأموات ينجس التراب، فيقال: سبحان الله:
أولًا: أن نبش المقبرة الأصل عدمه.
ثانيًا: من يقول: إنك ستصلي على تراب فيه صديد؟
ثالثًا: من يقول: إن الصديد نجس؟ كل هذه المقدمات تبطل هذا التعليل، والحديث عام اللي ذكرناه «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
فإن قال قائل: هل يضر القبر الواحد أو لا بد من مقبرة ثلاثة فأكثر؟
فالجواب: أن في ذلك خلافًا، فمنهم من قال: إن القبر الواحد والاثنين لا يضر، ومنهم من قال: بل يضر، والصحيح أنه يضر حتى القبر الواحد يضر؛ لأنها لما كان هذا مكانًا مهيئًا لأن يكون مقبرة وقبر فيه صار الآن مقبرة بالفعل، والناس ليسوا يموتون جملة واحدة حتى يملؤوا هذا المكان، الناس يموتون تباعًا واحدًا فواحدًا أو أكثر، لكن المهم أنه لا يمكن أن تطبق هذه الأرض بالأموات، والأحاديث عامة فنقول: حتى الواحد.
فإن قال قائل: إذا جعلتم الحكم منوطًا بالاسم، فقولوا: إذن إذا أعدت أرض لأن تكون مقبرة فلا يصلى فيها؟
فالجواب: أن هذه لم يتحقق فيها الاسم، فهي مقبرة باعتبار ما سيكون، لكن اللي دفن فيها بالفعل وجد فيها القبر بالفعل، هذا واحد.
стр. 934
ذكرنا آنفًا أنه يستثنى من ذلك صلاة الجنازة، فنقول: أما إذا كانت الصلاة على القبر فلا شك في استثنائها؛ لأنه ثبت عن النبي ﵊ أنه فَقَدَ المرأة التي كانت تَقُمُّ المسجد، فسأل عنها، فقالوا: إنها ماتت، وكانت قد ماتت في الليل، فالصحابة ﵃ كرهوا أن يخبروا النبي ﷺ في الليل فيخرج، فقال لهم: «هَلَّا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» يعني: أخبرتموني حتى أصلي عليها وأخرج معها، ثم قال ﵊: «دُلُّوني عَلَى قَبْرِهَا». فخرجوا له إلى البَقِيع ودلُّوه على القبر، فقام وصلَّى عليها، ﵊ (٢٤). فهذه صلاة جنازة في المقبرة لكنها على القبر، فهل نقول: مثل ذلك لو جيء بالميت وصلي عليه قبل أن يدفن في المقبرة، أو ليس مثله؟
نقول: لدينا الآن عموم: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ»، والصلاة على الميت صلاة بلا شك، ولهذا تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، ويشترط لها الطهارة والقراءة؛ فهي صلاة، فما الذي يخرجها من عموم قوله: «إِلَّا الْمَقْبَرَةَ؟ »، قالوا: ربما يسوغ لنا أن نقيسها على الصلاة على القبر، ونقول: ما دام أنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ صلى على القبر؛ فلا فرق بين أن نصلي على جنازة مدفونة، أو جنازة غير مدفونة لا فرق بينهما؛ لأن العلة واحدة، وهي أن هذا الميت الذي يصلى عليه كان في أيش؟ كان في المقبرة، وعمل الناس على هذا، على أنه يصلى على الميت، ولو قبل الدفن في المقبرة.
وأظن أن في المسألة خلافًا، لكنني لم أحرره بعد. فعندنا الآن الصلاة على الميت على القبر لا شك في استثنائها من هذا العموم، وهو: أن الصلاة لا تصح في المقبرة، والصلاة على الميت في المقبرة قبل الدفن هذا أيضًا نقول: إنه كالصلاة على القبر بالقياس كما ذكرنا، ويمكن لمعارض أن يعارض، وأظن في ذلك خلافًا لكني لم أتيقن، وسنحرره إن شاء الله تعالى.
стр. 935
(ولا في حُشّ)، ما هو الحش؟ الحش: مكان الخلاء، يعني المكان الذي يتخلى فيه الإنسان من البول أو الغائط؛ وهو الكنيف، لا تصح الصلاة فيه، لماذا؟ لأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين، فالشياطين خبيثة، مأواها الخبائث، أحب مكان إلى الشياطين أنجس الأماكن ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦] وهذا من حكمة الله .
المساجد بيوت الله ومأوى الملائكة، أما الحشوش فهي مأوى الشياطين، ولهذا يشرع للإنسان أن يقول عند دخول الخلاء: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (٢٥)، الحش لا تصح الصلاة فيه لنجاسته ولكونه مأوى الشياطين، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكانًا لعبادة الله ، وكيف يستقيم هذا وأنت تقول في الصلاة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنت في مكان الشياطين؟ لهذا نقول: إنها لا تصح في الحش.
كذلك (ولا في حمام) الحمام: كل ما يطلق عليه اسم الحمام فإنه داخل في ذلك، حتى المكان الذي ليس مبالًا فإنه لا تصح فيه الصلاة، للحديث الذي أخرجه الترمذي وذكرناه آنفًا وهو: «الْأَرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ». الحمام لماذا لا تصح؟ قالوا: لأن الحمام مكان كشف العورات؛ لأن الحمام المغتسل، ما هو بالمرحاض، نحن نقول عندنا في لغتنا: إن الحمام هو المرحاض.
طالب: الكنيف.
الشيخ: إي نعم، وليس كذلك، الحمام هو المغتسل، وكانوا يجعلون حمامات مغتسلات للناس يأتي الناس إليها ويغتسلون.
طالب: إلى الآن يا شيخ.
الشيخ: أنا فاهم، فيختلط فيه الرجال والنساء، وتنكشف العورات، ولهذا نهى الشرع عن الصلاة فيه، وظاهر الحديث: لا فرق بين أن يكون الحمام يستعمل يعني فيه ناس الآن يغتسلون، أو لم يكن فيه أحد، فما دام يسمى حمامًا فالصلاة لا تصح فيه.
كذلك (أعطان إبل) الأعطان: جمع عطن، ويقال: معاطن جمع معطن، أعطان الإبل فسرت بثلاثة تفاسير:
стр. 936
قيل: مباركها مطلقًا، وقيل: ما تقيم فيه وتأوي إليه، وقيل: ما تبرك فيه بعد صدورها من الماء؛ فهذه ثلاثة أشياء، المبارك ما تقيم فيه وتأوي إليه، والثالث ما تبرك فيه عند صدورها من الماء أو انتظارها الماء.
والصحيح: أنه شامل للثلاثة، أي أن المعاطن ما تقيم فيه الإبل وتأوي إليه، كالمراح، مرح الإبل، سواء كانت مبنية بجدران أم محوطة بقوس أو بأشجار أو ما أشبه ذلك، تقيم فيه وتأوي إليه، منين تأوي؟
طلبة: من المرعى.
الشيخ: من المرعى، كذلك ما تعطن فيه بعد صدورها من الماء، هذه المعاطن وإلى الآن أظن يسمونها معاطن، هذا أيضًا لا تصح فيه الصلاة.
أو مباركها إذا اعتادت الإبل أنها تبرك في هذا المكان، وإن لم يكن مكانًا مستقرًّا لها، فإنه يعتبر معطنًا، أما مبرك البعير الذي بركت فيه لعارض وروثت فيه ومشت، فهذا لا يدخل في المعاطن؛ لأنه ما هو مبرك، هذا مبرك عارض، كما لو بعرت وهي تمشي، هذه معاطن الإبل.
الدليل قول الرسول ﷺ : «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» (٢٦)، والحديث صحيح، هذا الحديث إذا قال لنا قائل: ما وجه الدلالة من كون الصلاة لا تصح في معاطن الإبل؟
طلبة: النهي.
الشيخ: النهي، فإذا صليت فقد ضاددت أمر الرسول ﵊، الرسول يقول: لا تصل وأنت تصلي، مضادة للأمر، ومضادة الأمر معصية، ولا يمكن أن تنقلب المعصية طاعة، إذن لا تصح الصلاة.
إذا قال قائل: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» أمر، والأمر للوجوب، فهل هذا يقتضي أن أبحث عن مرابض غنم لأصلي فيه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أنتم أول من درس أن الأمر للوجوب، يعني في هذا المكان ما هو بأول الناس كلهم.
طالب: مصروف عن الوجوب.
الشيخ: مصروف ليش؟
الطالب: عن الوجوب.
الشيخ: ما الذي صرفه؟
طلبة: النهي.
стр. 937
الشيخ: النهي، أحسنتم، النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، أو في أعطان الإبل، هو الذي صرفه عن الوجوب، ولهذا مر علينا أن الأمر بعد الحظر للإباحة، فهنا لما كان يوهم الإنسان أنه لما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل أنه ينهى كذلك عن الصلاة في مرابض الغنم، قال: «وَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ»، كأنه قال: لا تصلوا في أعطان الإبل، ولكم أن تصلوا في مرابض الغنم.
إذا قال قائل: عرفنا الدليل فما هو التعليل؟
قال بعض العلماء: التعليل نهي الرسول ﵊، وأمر الشرع ونهيه هو العلة الموجبة بالنسبة للمؤمن؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، إذن إذا قال: ما التعليل؟ نقول: لأن الله أمر به، ما التعليل لأن الرسول أمر به، ما التعليل لأن الله نهى عنه، ما التعليل لأن الرسول نهى عنه، المؤمن يكتفي بهذا ويقول: سمعنا وأطعنا، كذا؟
ومَغصوبٍ وأَسْطُحَتِها وتَصِحُّ إليها، ولا تَصِحُّ الفَريضةُ في الكعبةِ ولا فَوْقَها، وتَصِحُّ النافلةُ باستقبالِ شاخِصٍ منها.
ومنها استقبالُ القبلةِ، فلا تَصِحُّ بدونِه إلا لِعَاجِزٍ ومُتَنَفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ، ويَلْزَمُه افتتاحُ الصلاةِ إليها، وماشٍ ويَلْزَمُه الافتتاحُ والركوعُ والسجودُ إليها، وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ من القِبلةِ إصابةُ عَيْنِها،
عَرَفْنا الدليل، فما هو التعليل؟
قال بعض العلماء: التعليلُ نَهْيُ الرسول ﵊، وأَمْر الشرعِ ونَهْيه هو العِلَّةُ الموجِبةُ بالنسبة للمؤمن بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
стр. 938
إذَنْ إذا قال: ما التعليل؟ نقول: لأن الله أَمَر به. ما التعليل؟ لأن الرسول أَمَر به. ما التعليل؟ لأن الله نَهَى عنه. ما التعليل؟ لأن الرسول نَهَى عنه. المؤمنُ يكتفي بهذا ويقول: سَمِعنا وأطعنا.
ويدلُّ لذلك أيضًا بالإضافة إلى دلالة القرآن أنَّ عائشة سُئِلتْ: ما بالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ قالت: كان يُصيبنا ذلك فنُؤمرُ بقضاء الصومِ ولا نُؤمرُ بقضاء الصَّلاةِ (١)، يعني الحائض، فبيَّنتْ أن العِلَّة هي الأَمْر.
لكنْ مع ذلك الإنسان يتطلَّب ويتشوَّق إلى الحكمة المناسبة؛ لأنه يعلم أن أوامرَ الشرع ونواهيَ الشرع كلَّها لحِكْمةٍ، فما هذه الحِكْمة؟ وسؤال الإنسان عن الحِكْمة في المشروعات أو في الأحكام الشرعيَّةِ أو الجزائيَّةِ أمرٌ جائزٌ، بلْ قد يكون مطلوبًا إذا قصد به العلم، ولهذا لَمَّا قال الرسول ﷺ في النساء: «إِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ». قُلْنَ: بِمَ يا رسولَ الله؟ -سألْنَ: ويش الحكمة؟ - قال: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ» (٢). فالسؤال عن الحكمة أمرٌ جائزٌ، بلْ قد يكون مطلوبًا، لكنْ لا على وجْهِ أنه إنْ بانَتْ لك الحكمةُ امتثلْتَ وإلَّا فلا.
أقول: قال بعضُ العلماء: إننا لا نَعْلم الحكمة -هذا بعد أن نقرِّر أن الحكْمة هي أَمْرُ الله ورسوله، أو نَهْي الرسول ﷺ في هذه المسألة- قال بعض العلماء: إننا لا نَعْلم الحكمةَ. والحكْمُ الشرعيُّ الذي لا تُعلَم حِكْمتُه يُسمَّى عند أهل العلم تَعَبُّدِيًّا.
стр. 939
إذَن الحكمةُ تحقيقُ العبادة بالتسليم لله سواءٌ علِمْنا أمْ لم نَعْلمْ، وهذه واللهِ حِكْمةٌ عظيمةٌ، هذه حِكْمةٌ من أعظمِ الحِكَم، وإِنْ شئتم ولو أطَلْنا قليلًا؛ رَمْيُ الحصى في محلِّ الجمراتِ في الحجِّ، لو قال قائلٌ: ما حِكْمتُه؟ حِكْمتُه التعبُّد لله؛ «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (٣). فالتعبُّد لا شكَّ أنه من أعظم الحِكَم، ولهذا قال بعضُ العلماء: إن النهي عن الصلاة في أعطانِ الإبل تعبُّديٌّ؛ يعني أننا لا نَعْلم عِلَّته، لكن نتعبَّد لله تعالى به.
سؤال: أيُّما أعظم انقيادًا واستسلامًا؛ أنْ يستسلم الإنسانُ للأمر إذا لم يعلمْ حِكْمتَه، أو يستسلم له إذا علم حِكْمته؟
الطلبة: الأوَّل.
الشيخ: الأوَّل أعظم.
وقال بعضُ العلماء: بل لأنها نجسةٌ؛ لأن أرواثها نجسةٌ وأبوالها نجسةٌ. وهذا مبنِيٌّ على أن الأبوالَ والأرواثَ نجسةٌ ولو من الحيوان الطاهر، والصحيح خِلافُه كما تقدم في باب النجاسة، ولكن هذه العِلَّة باطلةٌ؛ إذْ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصلاةُ في مرابض الغَنَم؛ لأن مرابض الغَنَم نفْس الشيء، فالقائلون بنجاسة أبعار الإبل وأبوالها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأنَّ الإبلَ شديدةُ النُّفور، وربما تنفر وهو يصلِّي، فإذا نَفَرَتْ ربما تَدْعسه؛ تطؤُهُ بأقدامها، وينشغل قلْبُه، حتى وإنْ لم تطأْهُ ينشغل قلْبُه، لو كانت الإبل هذه تهيج، تراوغ، ينشغل قلبه، فيكون النهيُ عنها لئلَّا ينشغل قلْبُه. لكن هذه العلَّة أيضًا فيها نَظَرٌ؛ لأن مقتضاها ألَّا يكون النهيُ إلا والإبلُ موجودةٌ، ثم قد تُنقَضُ بمرابض الغَنَم؛ الغَنَم إذا قامتْ تهيج وأيش؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: وتَيْعَر، ومعها تَيْس يريد ضرابها، تشغل، فهلْ نقول: إنها مثلها؟ لا، إذَنْ هذه العلَّة أيضًا عليلةٌ.
стр. 940
وقال بعض أهل العلم: إنما نُهِيَ عن الصلاة في مَبارِكِ الإبل أو أعطانها لأنها خُلِقتْ من الشياطينِ، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد بإسنادٍ صحيحٍ (٤)، وإذا كانتْ مخلوقةً من الشياطينِ فلا يَبْعد أن تصحبها الشياطين وتكون هذه الأماكنُ مأوًى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحِكْمةُ في النَّهْي عن الصلاة فيها كالحِكْمة في النَّهْي عن الصلاة في الحمَّام، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو أقربُ ما يُقال في الحِكْمة، ومع ذلك فالحِكْمةُ الحكيمةُ هي التعبُّد لله بذلك.
يقول: ولا في (مغصوبٍ) يعني: لا تصحُّ الصلاةُ في مغصوبٍ. المغصوب: كلُّ ما أُخِذ من مالكه قهرًا بغير حقٍّ، سواءٌ أُخِذ بصورة عَقدٍ أو بدون صورة عَقدٍ، كلُّ ما أُخِذ من صاحبه بغير حقٍّ فهو مغصوبٌ؛ فمثلًا: لو جاء إنسانٌ لآخَر وغَصَبَ منه أرضه وصلَّى بها فصلاتُه لا تصحُّ لأنها مغصوبةٌ، ولو جاء إنسانٌ إلى آخَر وقال: بِعْني أرضَك. قال: لا، ما أنا ببائعها. قال: بِعْها وإلا قتلتُك. فباعها اختيارًا ولَّا إكراهًا؟
الطلبة: إكراهًا.
الشيخ: إكراهًا، وصلَّى فيها، فهل تصحُّ أو لا؟
الطلبة: لا تصحُّ.
الشيخ: لا تصحُّ، وإن كانت مأخوذةً بصورة عَقدٍ.
إذَنْ لا تصحُّ الصلاة في مغصوبٍ، وهو ما أُخِذ قهرًا من مالكه بغير حقٍّ سواءٌ كان بعقدٍ أو بغير عقدٍ، المهم أنه أُخِذ بغير حقٍّ.
ما الدليل؟
نقول: ليس هناك دليلٌ، لكن هناك تعليلٌ، والعلل أوصافٌ مناسبةٌ مأخوذةٌ من قواعد الشريعة، كلُّ العلل التي يقولها العلماءُ هي هذه؛ أوصافٌ مناسبةٌ للحُكْم مأخوذةٌ من قواعد الشريعة.
стр. 941
يقول هؤلاء الذين قالوا بأنها لا تصحُّ بالمغصوب: لأن الإنسانَ مَنْهِيٌّ عن الْمُقام في هذا المكان؛ لأنه مِلْك غيرِه، فإذا صلَّى فصلاتُه مَنْهيٌّ عنها، والصلاةُ المنهيُّ عنها لا تصحُّ لأنها مضادَّةٌ للتعبُّد، كيف تتعبَّد لله تعالى بمعصيته؟ ! إذَنْ فلا تصحُّ الصلاةُ في المكان المغصوب، كما قالوا في الثوب المغصوب: لا يصحُّ الستر به، وهذا هو التعليل الذي علَّلَ به مَن يقولون بأنها لا تصحُّ في المغصوب.
والقول الثاني في المسألة: أنها تصحُّ في المكان المغصوب مع الإثم؛ لأنهم يقولون: إن الصلاةَ لم يُنْهَ عنها في المكان المغصوب، بلْ نُهِيَ عن الغصْبِ، والغصبُ أَمْرٌ خارجٌ؛ فأنت إذا صلَّيتَ فقد صلَّيتَ كما أُمِرتَ، وإقامتُك في المغصوب هي المحرَّمة، لو جاء الشرع بقوله: لا تُصَلِّ في مكانٍ مغصوبٍ، لو جاء هكذا لقلنا: إن صلَّيتَ في مكانٍ مغصوبٍ فصلاتُك باطلةٌ، لكنه قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] هذا الذي قال، فالنهيُ هنا لا يعود إلى الصلاةِ، يعود إلى الغَصْب، فهو عائدٌ إلى أَمْرٍ خارجٍ، وهذا القول هو الصحيحُ: أنها تصحُّ في الأرض المغصوبة لكنْ مع الإثم، يأثم الإنسان.
كمْ هذه؟ كمْ ذَكَر المؤلف؟
طالب: أربعة.
الشيخ: (لا تصحُّ الصلاةُ في مَقْبرةٍ وحشٍّ وحَمَّامٍ وأعطانِ إبلٍ ومغصوبٍ) خمسة.
قال المؤلف (وأسطِحَتِها) يعني: لا تصحُّ في أسطِحَةِ هذه الأماكن، فيكون هذا الموضعَ السادسَ؛ أسطِحَة هذه المواضع نشوف:
أولًا: سطحُ المقبرة، لا تصحُّ الصلاةُ فيه؛ لو وَجَدْنا حُجرةً مبنيَّةً في المقبرة فهلْ يجوز أن نصلِّي على سطحها؟
يقول المؤلف: لا. لماذا؟ لأن الهواء تابعٌ للقَرار.
ويش الهواء هذا؟
الأرض اللِّي هي الأرض؛ القَرار، هذا معروف أنه مقبرةٌ، الهواءُ ما فوقَ هذا القرار، إلى وين؟
طالب: إلى السماء السابعة.
стр. 942
الشيخ: إلى السماء السابعة! لا؛ من السماء الدنيا ما له حد، ترجع إلى السماء السابعة! لا، إلى السماء الدنيا.
طالب: وينها السماء الدنيا!
الشيخ: ( ... )، على كلِّ حالٍ يقول العلماءُ: إن الهواء تابعٌ للقَرار.
وهذا القولُ الذي قاله الفقهاءُ معمولٌ به دوليًّا؛ الآن إذا كان بين دولةٍ وأُخرى علاقةٌ سيئةٌ ما تسمح لطائراتها تعبر أراضيها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: يقول: لأن الهواء تابعٌ للقرار. إي نعم.
على كلِّ حالٍ نقول: أسطِحَةُ هذه الأماكن لا تصحُّ؛ لأن الهواءَ تابعٌ للقرار، ويأتي -إن شاء الله- البحثُ فيها.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لَمَّا ذَكَر المؤلف اجتنابَ النجاسةِ وأنه شرطٌ لصِحَّة الصلاةِ ذَكَر استطرادًا المواضع التي لا تصحُّ الصلاةُ فيها، وذَكَر منها المقبرةَ، فما الدليل؟
طالب: الدليل قول النبيِّ ﷺ «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (٥).
الشيخ: نعم، طيب، وذَكَر أنها لا تصحُّ في حُشٍّ، الدليل؟
طالب: لأنه مكانٌ نجسٌ.
الشيخ: وإذا نُهِيَ عن الصلاةِ في الحمَّامِ فالحشُّ؟
الطالب: من باب أَوْلى.
الشيخ: من باب أَوْلى؛ لأنه تُقضَى فيه الحاجةُ: البولُ والغائطُ، فهو أقربُ إلى النجاسةِ من الحمَّام.
الحمَّام، الدليل؟
طالب: «إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
الشيخ: قوله ﷺ : «إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ».
أعطان الإبل، الدليل؟
طالب: قول النبي ﵊: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» (٦).
الشيخ: أحسنتَ، طيب، المغصوب؟
طالب: لأن هذا المغصوبَ ليس مِلْكًا للمصلِّي، لا تجوز الصلاةُ فيه لأنه ليس ملْكه.
الشيخ: طيب لو استأجرتُ بيتَك فالبيتُ ليس مِلْكي وتصحُّ الصلاة فيه.
стр. 943
الطالب: لا، إذا غصبْته من صاحبه قهرًا.
الشيخ: إي، طيب، العلة؟
الطالب: لأنه ليس ملكك.
الشيخ: لا.
الطالب: العلَّة لأنه لا يجوز التعبُّد لله في مكانٍ مَنْهيٍّ عنه.
الشيخ: في مكانٍ منهيٍّ عنه؛ يعني: لأن الْمُكْث في المكان المغصوب حرامٌ، فالْمُكث للصلاة فيه حرامٌ، ولا يُتعبَّد لله تعالى بشيءٍ حرامٍ؛ لأن المعصية تُنافي الطاعة.
التعليل؟
طالب: تعليل ثانٍ: هو قول بعض العلماء على أنَّ الذي يصلِّي في ذلك المكان المغصوب فصلاتُه صحيحة؛ لأنه صلَّى ..
الشيخ: لا، هذا قولٌ ثانٍ.
الطالب: قول ثانٍ أقول.
الشيخ: لا، فيه تعليل لعَدَم الصحَّة.
الطالب: لعَدَم صحَّةِ الصلاة في المغصوب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأن هذا يعتبر محرَّمًا ( ... ) فهو قد يُعتبر مضادَّةً لله ورسوله؛ لأنه فعلٌ محرَّمٌ.
الشيخ: هذا الذي قال، ويمكن يُستدَلُّ عليه بقول الرسول ﵊ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٧).
القول الثاني في المسألة أن الصلاة في المغصوب تصحُّ؛ لأن النهي فيه ليس عن الصلاة؛ فالشارع لم يقُلْ: لا تصلُّوا في المغصوب، لكنْ قال: لا تغصبوا أموالَ الناسِ؛ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (٨)، ولو كان النهيُ عن الصلاة بعينها لصحَّ التعليل؛ لأنه لا يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته، وهذا القول أقرب إلى الصحَّة؛ لأن تعليله قويٌّ.
قال المؤلف ﵀: ولا في (أسطِحَتِها) يعني: ولا تصح الصلاةُ في أسطِحَتِها؛ أي: أسطِحَة تلك الأماكن.
الأماكن اللِّي ذَكَر المؤلف كمْ؟ مقبرةٌ، حُشٌّ، حَمَّامٌ، أعطانُ إبلٍ، مغصوبٌ؛ خمسة، وظاهر كلام المؤلف أن الصلاة في غير هذا تصحُّ، ولكن سبق لنا أنها لا تصحُّ في الأرض النجسة؛ لأنه يُشترَطُ طهارةُ مكانِ المصلِّى، وعلى هذا فتكون ستَّة مواضع.
стр. 944
قال: ولا في (أسطِحَتِها) يعني: أسطِحَة تلك المواضع، فلو بُنِيَ على المقبرة بناءٌ وصلَّى الإنسان فوقَ ذلك السطحِ فصلاتُه غير صحيحةٍ، لماذا؟ لأن الهواء تابعٌ للقرار، فكما لا تصحُّ الصلاةُ في قرارِ المقبرةِ لا تصحُّ في سطحها.
ولكن هُنا علَّةٌ أقوى من هذا بالنسبة للمقبرة، وهي أن علَّة النهي عن الصلاة في المقبرةِ خوف أن يكون ذريعةً لعبادةِ القبور، والصلاةُ على السطح قد تكون ذريعةً، ولا سيَّما أن البناء على المقابر أصلُه حرامٌ، فيكون يجتمع فيه أنه صلَّى على بناءٍ محرَّمٍ للعِلَّة التي نُهِيَ عن الصلاة في المقبرة من أجْلها، فالصلاة على سطحٍ بُنِي على المقبرة لا شكَّ أنها لا تصحُّ؛ لأن العِلَّة في النهي عن الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة على سطحها، كما أن البناء على المقبرة أصله منهيٌّ عنه، فيكون هذا المكان مشبها للمكان المغصوب.
الْحُشُّ لا تصحُّ الصلاةُ في سطحه؛ لأن الهواء تابعٌ للقرار، ولكن هذا التعليل عليلٌ؛ الهواء تابعٌ للقرار في الملك، أمَّا في الْحُكْم فلا؛ فقد نُهِيَ عن الصلاة في الحشِّ من أجْل النجاسة، إذا لم يكنْ نجاسةٌ في سطحه فلا مانع، وهذا هو القول الصحيح الذي اختاره صاحب المغني؛ على أن الصلاة في السطح -سطحِ الحشِّ وغيرِه مما ذُكِر- صحيحةٌ على ما سنفصِّله إن شاء الله تعالى.
الصلاة إذَنْ على سطح الحشِّ الصحيحُ أنها صحيحةٌ، ولكنْ هلْ تُكرَه؟ سيتبيَّن فيما بعد.
стр. 945
والدليل على أنها صحيحةٌ عمومُ قولِه ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٩)، وبناءً على ذلك فإن الصلاة على البيَّارة (البلَّاعة) لا بأس بها؛ لأنها أقلُّ من سطح الحشِّ؛ فإن سطح الحشِّ قد يقول قائل: إنه داخلٌ في اسم الحشِّ فلا تصحُّ الصلاةُ فيه، أمَّا سطح البيَّارة فليس تابعًا لها، بلْ هو مستقلٌّ، وهذا هو الذي عليه عملُ الناسِ؛ فإن البيَّارات أو أنابيب المجاري الوَسِخة تمرُّ من الأحواش ويصلِّي الناسُ فيها.
الحمَّامُ لا تصحُّ الصلاةُ على سطحه؛ العِلَّةُ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار، والقول الثاني في المسألة أنَّ الصلاةَ على سطحه تصحُّ؛ لأن الحمَّام إنْ كانت العِلَّة فيه أنه مأوى الشياطينِ فإن الشياطينَ لا تأوي إلَّا إلى المكان الذي تُكشَف فيه العورات، وإنْ كانت العِلَّة فيه خوف التنجُّس فكذلك السطح بعيدٌ من هذه العِلَّة، وعلى هذا فتصحُّ الصلاةُ في سطح الحمَّام.
أعطانُ الإبلِ كذلك على المذهب لا تصحُّ، والعِلَّة أن الهواء تابعٌ للقرار، والصحيح: الصِّحَّة؛ فلو كان هناك حوشٌ للإبل تُقِيم فيه وتأوي إليه وجانبٌ منه مسقَّفٌ -كما يُفعَل كثيرًا في أحواش الإبل- فالسقفُ الذي فوق هذا الحوش على المذهب لا تصحُّ الصلاةُ فيه؛ لأن الهواء تابعٌ للقرار.
والصحيحُ صِحَّةُ الصلاةِ فيه؛ لأن هذا لا يدخل في قوله ﵊: «لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» (١٠)؛ فإنَّ الإبل لا تَبْركُ فوق السطح، إنما تَبْركُ في أسفل.
إذَن الصحيحُ الآنَ أنَّ أسطِحَة هذه المواضعِ تصحُّ الصلاةُ فيها ما عدا موضعًا واحدًا وهو المقبرة؛ لأن العِلَّة الموجودة في النهيِ عن الصلاة في المقبرةِ موجودةٌ في النهي عن الصلاة في سطحٍ على بناءٍ في المقبرة.
стр. 946
طيب، المغصوب، الصلاةُ في سطحِ المغصوبِ كالصلاة في المغصوبِ إنْ كان السطحُ مغصوبًا، فإنْ لم يكنْ مغصوبًا فإنه لا شكَّ في صحَّةِ الصلاة فيه، وأظنُّ أن المذهب لا يقصدون ذلك؛ أي: لا يقصدون ما إذا كان السطحُ غيرَ مغصوبٍ.
فإذا قلت: كيف صورةُ كونِ الأسفلِ مغصوبًا والسطح غير مغصوبٍ؟
قلنا: هذا بسيطٌ؛ يأتي رجُلٌ غاصبٌ فيغصِبُ أسفلَ البيتِ ويَدَعُ أعلاه لصاحبه، فالسطح إذَنْ مغصوبٌ ولَّا غيرُ مغصوبٍ؟
الطلبة: غيرُ مغصوبٍ.
الشيخ: غيرُ مغصوبٍ، وهذا لا أظنُّ أن المذهبَ يقولون بعَدَم الصحَّةِ فيه؛ لأن السطح الآن ملكٌ لصاحبه، لكن نقول: إذا غَصَبَ الإنسانُ البيتَ كُلَّه فإنه يكون كُلُّه مغصوبًا، وإذا كان مغصوبًا فإنه لا تصحُّ الصلاةُ فيه على قاعدة المذهب.
والحاصلُ أنَّ سطحَ المغصوبِ في تصويره نَظَر؛ لماذا؟ لأننا نقول: إنْ كان سطحُ المغصوب داخلًا في الغَصْب فهو مغصوبٌ، وإنْ كان خارجًا عن الغَصْب فهو ملْكٌ لصاحبه، ولا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن الصلاة لا تصحُّ فيه، لا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إنه لو تسلَّطَ رجُلٌ على شخصٍ وغَصَبَ أسفلَ بيته فإنَّ صاحبَ البيتِ لا تصحُّ صلاتُه في أعلاه، لا أظنُّ أحدًا يقول بهذا، وعليه فيُستثنى الطرفانِ من هذه الخمسةِ: المقبرةُ والمغصوبُ؛ المقبرةُ لأن البناءَ على المقبرةِ كالمقبرةِ في كونه ذريعةً إلى عبادةِ القبور، ولهذا نُهِيَ عن البناء عليها، وأمَّا المغصوبُ فكما قلتُ: إنْ غَصَبَ الإنسانُ الكلَّ؛ الأسفلَ والأعلى، فالأعلى مغصوبٌ، وإنْ غَصَبَ الأسفلَ فقطْ فالأعلى مِلْكٌ لصاحبه وليس بمغصوبٍ وقد تمكَّن صاحبُه منه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: فيه بيَّارة في الحوش تصبُّ فيها القاذورات، مُسطَّحة هذه، تصحُّ الصلاةُ عليها.
الطالب: ملامسة.
الشيخ: ما هي ملامسة.
الطالب: للنجاسة.
стр. 947
الشيخ: إنْ صلَّى في وسط البيَّارة فنَعَمْ فهو ملامِس، وإنْ صلَّى فوق الصَّبَّةِ فليس بملامَسة، الأنابيبُ التي تمشي من جنسها؛ لأنها أنابيب تشتمل على ما يشتمل عليه الحشُّ من الأوساخ والقاذورات، فهي بمعناه، هي مواسير تترسَّب فيها هذه القاذورات.
قال: (وتصحُّ إليها) يعني: تصحُّ الصلاة إلى هذه الأماكن، ومعنى (تصحُّ إليها) يعني تصحُّ الصلاةُ إذا كانت في قِبْلتك، فلو كان في قِبْلة الإنسان حَمَّامٌ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته حُشٌّ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته أعطانُ إبلٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته مغصوبٌ وهو في أرضٍ مُباحةٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته قبرٌ فصلاتُه صحيحةٌ؛ لأن المؤلف يقول: (تصحُّ إليها)، يصحُّ أن يتَّجه إلى المقبرة، كلُّ هذه المواطن الخمس تصحُّ الصلاةُ إليها، إلَّا أنهم قالوا: إنها تُكْره الصلاةُ إليها إذا لم يكنْ حائلٌ ولو كمؤْخِرةِ الرَّحْل، مؤْخِرةُ الرَّحْل يمكن نصف مترٍ في نصف مترٍ، يقولون: إنها تصحُّ الصلاةُ إلى هذه الأماكن وتُكْره إلَّا مع حائلٍ.
نحتاجُ الآن إلى دليلينِ: دليل الصحَّة، ودليل الكراهة.
أمَّا دليلُ الصحَّة فعمومُ قولِ الرسول ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وهذه من الأرض، وهي طَهورٌ، وليس فيها ما يمنع الصلاة، إذَنْ فتصحُّ بمقتضى هذا العموم.
وأمَّا الكراهةُ فقالوا: لأنها أماكنُ نهيٍ عن الصلاة فيها فكُرِهَ استقبالها. ولكنْ كما تَرَوْن هذا التعليل فيه نَظَر.
وربما يعلِّل معلِّلٌ بأن هذا موضعٌ اختلفَ العلماءُ في صحَّة الصلاة فيه؛ فكُرِهت الصلاة إليها خروجًا من الخلاف. أفهمتم الآن؟ إذَن الصحَّة لها دليلٌ ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لها دليلٌ وهو عمومُ قولِه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
стр. 948
الكراهةُ لها تعليلٌ لكنه عليلٌ؛ التعليل أنه استقبلَ ما لا تصحُّ الصلاةُ فيه فكُرِهت الصلاة إليه، أو لأنه موضعٌ اختلفَ العلماء في صحَّة الصلاة فيه فكُرِهت الصلاة فيه خروجًا من الخلاف، وكِلَا التعليلينِ عليلٌ.
أمَّا الأول فنقول: هاتوا الدليل على أنه يُكْرَه الصلاةُ إلى هذه الأشياء، وأين الكراهة؟ ! وكيف تكون الكراهةُ من شخصٍ يصلِّي في أرضه وأمامَه مكانٌ مغصوبٌ؟ ! ويش عليه منه؟ !
ربما نقول: إنَّ الحشَّ والحمَّامَ تُكْره الصلاةُ إليهما لأن فيهما رائحةً كريهةً قد تؤثِّر على المصلِّي، والشيء الذي يؤثِّر على المصلِّي ويشوِّش عليه مكروه.
أمَّا أعطانُ الإبل فربما نقول: إذا كانت الإبلُ موجودةً باركةً فربما تُكره الصلاةُ إليه؛ لأنها ربما تتحرَّك ولَّا ترغي ولَّا ما أَشْبَهَ ذلك فيؤثر عليه في صلاته، فيكون في ذلك تشويشٌ عليه.
المغصوب قلنا: لا وجْهَ للكراهةِ، واضح.
الحشُّ والحمَّام قلنا: يمكن أن يكون هناك كراهةٌ، والعِلَّة ما هي؟
الطلبة: الرائحة.
الشيخ: الرائحةُ التي قد يتأذَّى بها المصلِّي فينشغل قلْبه.
أعطانُ الإبل قلنا: إن كانت الإبلُ غيرَ موجودةٍ فلا وجْهَ للكراهة، اللهم إلَّا أن يكون فيه رائحة، إذا كانت موجودةً فللكراهةِ وجْهٌ وهو أنه قد ينشغل بالرؤية إليها وهي قد ترغي وقد تضطرب، فيشوَّش عليه.
ويش بقينا؟
طالب: المقبرة.
стр. 949
الشيخ: المقبرة، الصحيحُ تحريمُ الصلاة إليها، ما هو بالكراهة، ولو قيل بعَدَم الصِّحَّة لكان له وجهٌ -بالصلاة إلى المقبرة- وذلك لأن النبي ﷺ صحَّ عنه من حديث أبي مَرثدٍ الغَنَويِّ أنه قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١١)، أو قال «لَا تَجْلِسُوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهَا»، فهذا يدلُّ على تحريم الصلاة إلى المقبرة، أو إلى القبور، أو إلى القبر الواحد؛ لأن العِلَّة مِن منْعِ الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة إلى القبر، فما دام الإنسانُ يتَّجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتجاهًا يُقال: إنه يصلي إليها؛ فإنه يدخل في النهي، وإذا كان داخلًا في النهي لم يصحَّ؛ لقوله: «لا تُصلُّوا»، فالنهي هُنا عن الصلاة، فإذا صلَّى إلى القبر فقد اجتمع في فِعْله هذا طاعةٌ ومعصيةٌ، وهذا لا يمكن أن يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته.
فإذا قال قائلٌ: ما هو الحدُّ الفاصل؟
قلنا: الجدارُ فاصلٌ، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفْس منه شيء، لكنْ إذا كان جدارًا يَحُول بينك وبين المقابر للمكان الذي أنت تصلِّي فيه فهذا لا شكَّ أنه لا نَهْيَ، كذلك لو كان بينك وبينها شارعٌ فهُنا لا نَهْيَ، أو كان بينك وبين المقبرة مسافةٌ لا تُعَدُّ مصلِّيًا إليها حدَّها بعضهم بمسافة السُّترة للمصلي، وعلى هذا فهي تكون مسافةً قريبةً، لكن لا شكَّ أن هذا يُوهِم، فإن أحدًا من الناس لو رآكَ تصلِّي وبينك وبين المقبرة ثلاثةُ أذرعٍ بدون جدارٍ لأوهم ذلك أنك تصلِّي إلى القبور، إذَنْ لا بدَّ من مسافةٍ يُعلم بها أنك لا تصلِّي إلى القبر.
المواضع التي ذكر المؤلف أنها لا تصح الصلاة إليها كمْ؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، كذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الموضعُ النجسُ في غير هذا، في أول العبارة.
طيب، (المقبرةُ، الْحُشُّ، الحمَّامُ، أعطانُ الإبلِ، المغصوبُ، أسطِحَتُها) ستة، (الموضعُ النجسُ) سبعة.
стр. 950
الموضعُ النجسُ وإنْ لم يكن حُشًّا أو حَمَّامًا، حتى لو مسجد يكون فيه نجاسةٌ، ما تصلِّي في النجاسة.
طيب، هذه سبعة، وظاهر كلام المؤلف أنَّ ما عدا هذه سبعة تصحُّ الصلاةُ فيه؛ مثل: قارعة الطريق، المجزرة؛ إلا إذا صلَّيتَ على المكان النجس فيدخل في كلامه، المزبلة تصح الصلاة فيها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إلَّا، كلام المؤلف، ما ذَكَر المزبلة، إذَنْ فالمزبلة تصحُّ الصلاةُ فيها إذا كان الزِّبْل طاهرًا، أما إذا كان نجسًا فقد دَخَلَ في كلام المؤلف في المنع.
قارعة الطريق؛ لو صلَّى الإنسانُ في الطريق فصلاتُه صحيحةٌ، لكنْ إذا كان الطريقُ مسلوكًا فالصلاةُ فيه حالَ سلوكِ الناس فيه تكون مكروهةً من أجْل الانشغال والتشويش، فإنْ كان مسلوكًا بالسيارات؟
طلبة: حَرُم.
الشيخ: حَرُم، ليش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، فقد نقول بالتحريم؛ لأنه لا يتأتَّى أن يُقيم الصلاةَ والسياراتُ تمشي، أو يعطِّل الناس فيعتدي عليهم؛ لأن وقوفَ الناسِ في أماكن الطُّرُق يمنع الناس من التطرُّق عدوان عليهم، الحقُّ لهم.
***
الكعبة؛ قال المؤلف: (ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبةِ ولا فوقَها).
نقفُ على هذا إذا كان فيه أسئلة.
طالب: مسجد في جدَّة بعيد عن جدَّة، يدخل إليه بعضُ الكفَّار فيتبوَّلون ويتغوَّطون في داخل المسجد، فهل هذا المسجد يصح الصلاة فيه؟ ( ... ) في المحراب وفي ..
الشيخ: ليش يا أخي؟ ! كيف يمكّنون الكفَّار أو غير الكفَّار من البول فيه؟
طلبة: مهجور، بعيد، خارج ..
الشيخ: إذا كان مهجورًا يُهدَم يا أخي.
الطالب: موجود.
الشيخ: لا، هذه -جزاك الله خيرًا- إذا بلغت تمشي لجدة بلِّغنا، يُكتَب لرئيس البلدية ولَّا لغيره من الجهات المسؤولة.
الطالب: كَتَبْنا له، وأرسلنا لهم صُوَرًا ..
الشيخ: ما عليك أنت.
***
طالب: ( ... ) وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
следующие страницы →