Полный текст (12 382 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
طيب، المغصوب، الصلاةُ في سطحِ المغصوبِ كالصلاة في المغصوبِ إنْ كان السطحُ مغصوبًا، فإنْ لم يكنْ مغصوبًا فإنه لا شكَّ في صحَّةِ الصلاة فيه، وأظنُّ أن المذهب لا يقصدون ذلك؛ أي: لا يقصدون ما إذا كان السطحُ غيرَ مغصوبٍ.
فإذا قلت: كيف صورةُ كونِ الأسفلِ مغصوبًا والسطح غير مغصوبٍ؟
قلنا: هذا بسيطٌ؛ يأتي رجُلٌ غاصبٌ فيغصِبُ أسفلَ البيتِ ويَدَعُ أعلاه لصاحبه، فالسطح إذَنْ مغصوبٌ ولَّا غيرُ مغصوبٍ؟
الطلبة: غيرُ مغصوبٍ.
الشيخ: غيرُ مغصوبٍ، وهذا لا أظنُّ أن المذهبَ يقولون بعَدَم الصحَّةِ فيه؛ لأن السطح الآن ملكٌ لصاحبه، لكن نقول: إذا غَصَبَ الإنسانُ البيتَ كُلَّه فإنه يكون كُلُّه مغصوبًا، وإذا كان مغصوبًا فإنه لا تصحُّ الصلاةُ فيه على قاعدة المذهب.
والحاصلُ أنَّ سطحَ المغصوبِ في تصويره نَظَر؛ لماذا؟ لأننا نقول: إنْ كان سطحُ المغصوب داخلًا في الغَصْب فهو مغصوبٌ، وإنْ كان خارجًا عن الغَصْب فهو ملْكٌ لصاحبه، ولا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن الصلاة لا تصحُّ فيه، لا نظنُّ أن أحدًا من أهل العلم يقول: إنه لو تسلَّطَ رجُلٌ على شخصٍ وغَصَبَ أسفلَ بيته فإنَّ صاحبَ البيتِ لا تصحُّ صلاتُه في أعلاه، لا أظنُّ أحدًا يقول بهذا، وعليه فيُستثنى الطرفانِ من هذه الخمسةِ: المقبرةُ والمغصوبُ؛ المقبرةُ لأن البناءَ على المقبرةِ كالمقبرةِ في كونه ذريعةً إلى عبادةِ القبور، ولهذا نُهِيَ عن البناء عليها، وأمَّا المغصوبُ فكما قلتُ: إنْ غَصَبَ الإنسانُ الكلَّ؛ الأسفلَ والأعلى، فالأعلى مغصوبٌ، وإنْ غَصَبَ الأسفلَ فقطْ فالأعلى مِلْكٌ لصاحبه وليس بمغصوبٍ وقد تمكَّن صاحبُه منه.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: فيه بيَّارة في الحوش تصبُّ فيها القاذورات، مُسطَّحة هذه، تصحُّ الصلاةُ عليها.
الطالب: ملامسة.
الشيخ: ما هي ملامسة.
الطالب: للنجاسة.
стр. 947
الشيخ: إنْ صلَّى في وسط البيَّارة فنَعَمْ فهو ملامِس، وإنْ صلَّى فوق الصَّبَّةِ فليس بملامَسة، الأنابيبُ التي تمشي من جنسها؛ لأنها أنابيب تشتمل على ما يشتمل عليه الحشُّ من الأوساخ والقاذورات، فهي بمعناه، هي مواسير تترسَّب فيها هذه القاذورات.
قال: (وتصحُّ إليها) يعني: تصحُّ الصلاة إلى هذه الأماكن، ومعنى (تصحُّ إليها) يعني تصحُّ الصلاةُ إذا كانت في قِبْلتك، فلو كان في قِبْلة الإنسان حَمَّامٌ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته حُشٌّ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته أعطانُ إبلٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته مغصوبٌ وهو في أرضٍ مُباحةٍ فصلاتُه صحيحةٌ، إذا كان في قِبْلته قبرٌ فصلاتُه صحيحةٌ؛ لأن المؤلف يقول: (تصحُّ إليها)، يصحُّ أن يتَّجه إلى المقبرة، كلُّ هذه المواطن الخمس تصحُّ الصلاةُ إليها، إلَّا أنهم قالوا: إنها تُكْره الصلاةُ إليها إذا لم يكنْ حائلٌ ولو كمؤْخِرةِ الرَّحْل، مؤْخِرةُ الرَّحْل يمكن نصف مترٍ في نصف مترٍ، يقولون: إنها تصحُّ الصلاةُ إلى هذه الأماكن وتُكْره إلَّا مع حائلٍ.
نحتاجُ الآن إلى دليلينِ: دليل الصحَّة، ودليل الكراهة.
أمَّا دليلُ الصحَّة فعمومُ قولِ الرسول ﷺ : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»، وهذه من الأرض، وهي طَهورٌ، وليس فيها ما يمنع الصلاة، إذَنْ فتصحُّ بمقتضى هذا العموم.
وأمَّا الكراهةُ فقالوا: لأنها أماكنُ نهيٍ عن الصلاة فيها فكُرِهَ استقبالها. ولكنْ كما تَرَوْن هذا التعليل فيه نَظَر.
وربما يعلِّل معلِّلٌ بأن هذا موضعٌ اختلفَ العلماءُ في صحَّة الصلاة فيه؛ فكُرِهت الصلاة إليها خروجًا من الخلاف. أفهمتم الآن؟ إذَن الصحَّة لها دليلٌ ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لها دليلٌ وهو عمومُ قولِه: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
стр. 948
الكراهةُ لها تعليلٌ لكنه عليلٌ؛ التعليل أنه استقبلَ ما لا تصحُّ الصلاةُ فيه فكُرِهت الصلاة إليه، أو لأنه موضعٌ اختلفَ العلماء في صحَّة الصلاة فيه فكُرِهت الصلاة فيه خروجًا من الخلاف، وكِلَا التعليلينِ عليلٌ.
أمَّا الأول فنقول: هاتوا الدليل على أنه يُكْرَه الصلاةُ إلى هذه الأشياء، وأين الكراهة؟ ! وكيف تكون الكراهةُ من شخصٍ يصلِّي في أرضه وأمامَه مكانٌ مغصوبٌ؟ ! ويش عليه منه؟ !
ربما نقول: إنَّ الحشَّ والحمَّامَ تُكْره الصلاةُ إليهما لأن فيهما رائحةً كريهةً قد تؤثِّر على المصلِّي، والشيء الذي يؤثِّر على المصلِّي ويشوِّش عليه مكروه.
أمَّا أعطانُ الإبل فربما نقول: إذا كانت الإبلُ موجودةً باركةً فربما تُكره الصلاةُ إليه؛ لأنها ربما تتحرَّك ولَّا ترغي ولَّا ما أَشْبَهَ ذلك فيؤثر عليه في صلاته، فيكون في ذلك تشويشٌ عليه.
المغصوب قلنا: لا وجْهَ للكراهةِ، واضح.
الحشُّ والحمَّام قلنا: يمكن أن يكون هناك كراهةٌ، والعِلَّة ما هي؟
الطلبة: الرائحة.
الشيخ: الرائحةُ التي قد يتأذَّى بها المصلِّي فينشغل قلْبه.
أعطانُ الإبل قلنا: إن كانت الإبلُ غيرَ موجودةٍ فلا وجْهَ للكراهة، اللهم إلَّا أن يكون فيه رائحة، إذا كانت موجودةً فللكراهةِ وجْهٌ وهو أنه قد ينشغل بالرؤية إليها وهي قد ترغي وقد تضطرب، فيشوَّش عليه.
ويش بقينا؟
طالب: المقبرة.
стр. 949
الشيخ: المقبرة، الصحيحُ تحريمُ الصلاة إليها، ما هو بالكراهة، ولو قيل بعَدَم الصِّحَّة لكان له وجهٌ -بالصلاة إلى المقبرة- وذلك لأن النبي ﷺ صحَّ عنه من حديث أبي مَرثدٍ الغَنَويِّ أنه قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١١)، أو قال «لَا تَجْلِسُوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهَا»، فهذا يدلُّ على تحريم الصلاة إلى المقبرة، أو إلى القبور، أو إلى القبر الواحد؛ لأن العِلَّة مِن منْعِ الصلاة في المقبرة موجودةٌ في الصلاة إلى القبر، فما دام الإنسانُ يتَّجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتجاهًا يُقال: إنه يصلي إليها؛ فإنه يدخل في النهي، وإذا كان داخلًا في النهي لم يصحَّ؛ لقوله: «لا تُصلُّوا»، فالنهي هُنا عن الصلاة، فإذا صلَّى إلى القبر فقد اجتمع في فِعْله هذا طاعةٌ ومعصيةٌ، وهذا لا يمكن أن يُتقرَّب إلى الله تعالى بمعصيته.
فإذا قال قائلٌ: ما هو الحدُّ الفاصل؟
قلنا: الجدارُ فاصلٌ، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفْس منه شيء، لكنْ إذا كان جدارًا يَحُول بينك وبين المقابر للمكان الذي أنت تصلِّي فيه فهذا لا شكَّ أنه لا نَهْيَ، كذلك لو كان بينك وبينها شارعٌ فهُنا لا نَهْيَ، أو كان بينك وبين المقبرة مسافةٌ لا تُعَدُّ مصلِّيًا إليها حدَّها بعضهم بمسافة السُّترة للمصلي، وعلى هذا فهي تكون مسافةً قريبةً، لكن لا شكَّ أن هذا يُوهِم، فإن أحدًا من الناس لو رآكَ تصلِّي وبينك وبين المقبرة ثلاثةُ أذرعٍ بدون جدارٍ لأوهم ذلك أنك تصلِّي إلى القبور، إذَنْ لا بدَّ من مسافةٍ يُعلم بها أنك لا تصلِّي إلى القبر.
المواضع التي ذكر المؤلف أنها لا تصح الصلاة إليها كمْ؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، كذا؟
طالب: ( ... ).
الشيخ: الموضعُ النجسُ في غير هذا، في أول العبارة.
طيب، (المقبرةُ، الْحُشُّ، الحمَّامُ، أعطانُ الإبلِ، المغصوبُ، أسطِحَتُها) ستة، (الموضعُ النجسُ) سبعة.
стр. 950
الموضعُ النجسُ وإنْ لم يكن حُشًّا أو حَمَّامًا، حتى لو مسجد يكون فيه نجاسةٌ، ما تصلِّي في النجاسة.
طيب، هذه سبعة، وظاهر كلام المؤلف أنَّ ما عدا هذه سبعة تصحُّ الصلاةُ فيه؛ مثل: قارعة الطريق، المجزرة؛ إلا إذا صلَّيتَ على المكان النجس فيدخل في كلامه، المزبلة تصح الصلاة فيها.
طالب: ( ... ).
الشيخ: إلَّا، كلام المؤلف، ما ذَكَر المزبلة، إذَنْ فالمزبلة تصحُّ الصلاةُ فيها إذا كان الزِّبْل طاهرًا، أما إذا كان نجسًا فقد دَخَلَ في كلام المؤلف في المنع.
قارعة الطريق؛ لو صلَّى الإنسانُ في الطريق فصلاتُه صحيحةٌ، لكنْ إذا كان الطريقُ مسلوكًا فالصلاةُ فيه حالَ سلوكِ الناس فيه تكون مكروهةً من أجْل الانشغال والتشويش، فإنْ كان مسلوكًا بالسيارات؟
طلبة: حَرُم.
الشيخ: حَرُم، ليش؟
طلبة: ( ... ).
الشيخ: نعم، فقد نقول بالتحريم؛ لأنه لا يتأتَّى أن يُقيم الصلاةَ والسياراتُ تمشي، أو يعطِّل الناس فيعتدي عليهم؛ لأن وقوفَ الناسِ في أماكن الطُّرُق يمنع الناس من التطرُّق عدوان عليهم، الحقُّ لهم.
***
الكعبة؛ قال المؤلف: (ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبةِ ولا فوقَها).
نقفُ على هذا إذا كان فيه أسئلة.
طالب: مسجد في جدَّة بعيد عن جدَّة، يدخل إليه بعضُ الكفَّار فيتبوَّلون ويتغوَّطون في داخل المسجد، فهل هذا المسجد يصح الصلاة فيه؟ ( ... ) في المحراب وفي ..
الشيخ: ليش يا أخي؟ ! كيف يمكّنون الكفَّار أو غير الكفَّار من البول فيه؟
طلبة: مهجور، بعيد، خارج ..
الشيخ: إذا كان مهجورًا يُهدَم يا أخي.
الطالب: موجود.
الشيخ: لا، هذه -جزاك الله خيرًا- إذا بلغت تمشي لجدة بلِّغنا، يُكتَب لرئيس البلدية ولَّا لغيره من الجهات المسؤولة.
الطالب: كَتَبْنا له، وأرسلنا لهم صُوَرًا ..
الشيخ: ما عليك أنت.
***
طالب: ( ... ) وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 951
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا تصِحُّ الفريضةُ في الكعبة ولا فوقَها، وتصحُّ النافلةُ باستقبال شاخصٍ منها.
ومنها: استقبال القبلة؛ فلا تَصِحُّ بدونه إلا لعاجزٍ، ومتنفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ ويلزمه افتتاحُ الصلاة إليها، وماشٍ ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها.
وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبلة إصابةُ عينها، ومَنْ بعُدَ جهتها، فإنْ أخبره ثقةٌ بيقينٍ أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّةً عَمِلَ بها، ويُستدَلُّ عليها في السفر بالقُطْبِ، ويُستدَلُّ عليها بالشمسِ والقمرِ ومنازلهما.
وإن اجتهدَ مجتهدانِ فاختلفا في جهةٍ لم يتبع ..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هي المواضع التي ذَكَر المؤلف أن الصلاة لا تصحُّ فيها؟
طالب: ذَكَر المؤلفُ ستَّةَ مواضع: الأول المقبرة، كذلك الحشُّ، والحمَّامُ، وأعطانُ الإبلِ، والمغصوبُ، وكذلك أسطِحَة هذه الأماكن، والمكانُ النجسُ.
الشيخ: أحسنتَ، سبعة.
ما هو القولُ الراجحُ في الأسطحة؟
طالب: القولُ الراجحُ: جائزٌ، ما عدا المقبرة والمغصوب.
الشيخ: المغصوب كذا على الإطلاق؟
طالب: إذا كان السطحُ مغصوبًا.
الشيخ: إنْ كان مغصوبًا لا تصِحُّ الصلاةُ فيه، إنْ كان غير مغصوب؟
طالب: إذا كان غيرَ مغصوبٍ ( ... ) السطح لا يجوز لأنه ( ... ).
الشيخ: كيف لا تجوز؟ ! إذا كان السطحُ غير مغصوبٍ وصلَّى به مالكه؟
طالب: مالكُه، يجوز.
الشيخ: إذَنْ سطحُ المغصوبِ فيه تفصيلٌ، إنْ كان مغصوبًا فله حُكْمُ الغصْبِ، وإنْ كان غيرَ مغصوبٍ صَحَّت الصلاةُ فيه.
سطحُ المقبرة؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا تجوز الصلاةُ فيه؛ لأن العِلَّةَ التي منعت الصلاة في المقبرة موجودةٌ فيه.
بقيَّتها تصحُّ الصلاةُ على سطوحها. وهل تُكْره أو لا؟
طالب: على أسطِحَة المقبرة؟
стр. 952
الشيخ: لا، المقبرة ما تصِحُّ، انتهينا منها، والمغصوب فيه التفصيل، غيرها هلْ تُكْره الصلاة على سطوحها أو لا تُكره؟
الطالب: على كلام المؤلِّف تُكره، ولكن ..
الشيخ: لا، غلط.
طالب: ( ... ).
الشيخ: كيف ما فهمت؟
طالب: في أسطِحَة المواضعِ الباقية على كلامِ المؤلف أنها مثل المقبرة والغصب.
الشيخ: يعني؟
الطالب: يُنهَى عن الصلاة فيها.
الشيخ: يعني تصِحُّ ولَّا ما تصِحُّ؟
الطالب: لا تصِحُّ.
الشيخ: يُكرَه الصلاةُ فيها؟
الطالب: إي نعم لكن لا تصح، تَحرُم.
الشيخ: ويش تقولون؟
الطلبة: ( ... ) صح.
الشيخ: صح؟
الطلبة: نعم، تحرم.
الشيخ: هل تصحُّ الصلاةُ إليها؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: مُطْلقًا؟
الطالب: بعضهم قالوا: إذا لم يكنْ فيها فاصلٌ ما ..
الشيخ: هو إذا كان فيها فاصلٌ ما كُرِهتْ.
الطالب: لكن ( ... ) أنه يجوز.
الشيخ: ما ضَبَطْتَ.
الطالب: إلا إذا كان فيه أذيَّة بالريح.
طالب: الصلاةُ إلى المقبرةِ تَحرُم.
الشيخ: نعم، ولا تصحُّ.
الطالب: وغيرها إمَّا الكراهة أو الجواز.
الشيخ: طيب، إنْ أدَّى إلى انشغال المصلِّي كُرِه لإشغالِه وإلَّا؟
طالب: وإلَّا صحَّت الصلاة.
الشيخ: وإلَّا فلا كراهة، الصلاة تصحُّ.
كلام المؤلف يدلُّ على أن الصلاة إلى المقبرة صحيحةٌ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: منين تأخذه؟
الطالب: من قوله: (وتصِحُّ إليها).
الشيخ: (وتصِحُّ إليها)، وقد ذَكَر أنها لا تصِحُّ في المقبرة، ثم قال: (وتصِحُّ إليها).
صحَّحْنا أنَّ القولَ بعدم صحَّة الصلاةِ إلى القبور هو الصحيح، فما هو الدليل؟
طالب: ما ..
الشيخ: ما رواه مسلمٌ عن أبي مَرثَدٍ الغَنَويِّ أن النبيَّ ﷺ قال:
الطالب: معناه أنه نَهَى عن الصلاة إلى المقابر.
الشيخ: أنه نَهَى عن الصلاة إلى القبور؛ قال: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١١).
***
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تَصِحُّ الفريضةُ في الكعبة ولا فوقَها).
стр. 953
الفريضة إذا أُطْلِقتْ فالمراد ما وَجَبَ بأصْلِ الشرعِ، والفرائضُ سِتٌّ: الفجر، والظُّهر، والعصر، والمغرب، والعِشاء، والجمعة. وإنْ شئنا قُلْنا: خمسٌ؛ لأن الجمعة تكون بدلًا عن الظُّهر.
على كلِّ حالٍ الفرائضُ الخمسُ -الجمعةُ والظُّهرُ على التبادل- لا تصِحُّ في الكعبة، لماذا؟ لقولِ الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، والمصلِّي في الكعبة لا يكون مستقبِلًا للبيتِ كُلِّه؛ لأن بعض البيتِ يكون خلْفَه وعنْ يمينه وعنْ شِماله، فلا تصحُّ.
(ولا فوقَها) يعني: ولا تصِحُّ الفريضةُ فوقَ الكعبةِ؛ يعني: على السطح؛ يعني: لا داخلَها ولا فوقَها على سطحِها؛ للعِلَّة التي ذَكَرْنا أنه لم يستقبِلْ جميعَ البيتِ وإنما استقبَلَ جانبًا منه، إلَّا إذا وقَفَ على منتهى الجدارِ بحيث تكون الكعبةُ كلُّها أمامَه فتصِحُّ؛ مثل لو وَقَفَ على آخِر العتبة من الباب فإنها تصِحُّ، أو وَقَفَ على آخِر الجدارِ من السطْحِ فإن الصلاةَ تصِحُّ؛ لأن الكعبة كلَّها الآن بين يديه، هكذا علَّلوا.
والقول الثاني في المسألة: أنَّ صلاةَ الفريضةِ في الكعبة تصِحُّ كالنافلة.
والمؤلِّف ﵀ لَمَّا خصَّصَ الفريضةَ بعَدَم الصحَّة عُلِمَ من كلامِهِ أن النافلةَ تصِحُّ، وهُنا يَحسُنُ أن نتكلَّم على كلام المؤلِّف أوَّلًا فنقول: يُفْهم من قول المؤلِّف: (لا تصِحُّ الفريضةُ) أنَّ النافلة تصِحُّ، كذا؟ مفهومُ مخالَفة ولَّا موافَقة؟
الطلبة: مخالَفة.
الشيخ: مفهومُ مخالَفة؛ لأن ضِدَّ الفريضةِ النافلةُ، وضِدَّ عَدَمِ الصحَّةِ الصحَّةُ، إذَنْ فالمفهوم هُنا مفهومُ مخالَفة؛ يعني: تصِحُّ النافلةُ في الكعبةِ وفوقَها. ما هو الدليل؟
стр. 954
الدليل: ما ثَبَتَ في الصحيحينِ وغيرِهما منْ أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى في جَوفِ الكعبةِ نافلةً، صلَّى ركعتينِ نافلةً (١٢)، ومعلومٌ أن ما ثَبَتَ عن رسول الله ﷺ فإنه صحيحٌ فتكون النافلة صحيحةً.
المنذورةُ هلْ تصِحُّ في الكعبة؟ يعني: لو نَذَر أحدٌ أن يصلِّي ركعتينِ فهلْ يصِحُّ أن يصلِّيَ في الكعبة؟
ننظر، نقول: كلامُ المؤلِّف اشتمل على منطوقٍ ومفهومٍ عَرَفْنا حُكْمَهما؛ الفريضةُ عَرَفْنا حُكْمَها بالمنطوق وأنها لا تصِحُّ، والنافلةُ عَرَفْنا حُكْمها بالمفهوم أنها تصِحُّ.
بقينا بالمنذورة؛ المنذورة يمكن أن نقول: إن كلام المؤلِّف يقتضي أن يكون مسكوتًا عنها؛ لأنها لا تدخل في الفريضة ولا تدخل في النافلة، ولكنْ قد يقول قائلٌ: إننا نَنظُر أيُّها أقربُ إلى الفريضةِ أو إلى النافلةِ فنُلْحقها بالأقرب؛ إنْ نَظَرْنا إلى أنها لم تَجِبْ بأصل الشرع وإنما أوجبها المكلَّف على نفسه قلنا: إلْحاقُها بالنافلة أقربُ؛ لأن الشرع لم يُلْزِمه بها. وإن نَظَرْنا إلى أن الشرع ألزمه بها إذا وُجِد سببُها وهو النذر؛ لقولِ الرسول ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (١٣) قلنا: إنها أقربُ إلى الفريضةِ، ولذلك اختلفَ العلماءُ فيها:
فمنهم مَن قال: إن المنذورة تُلْحَق بالفريضة فلا تصِحُّ في الكعبة.
ومنهم مَن قال: لا، تُلْحَق بالنافلة؛ لأنها غيرُ واجبةٍ بأصل الشرع، فتُلْحق بالنافلة وتصِحُّ في الكعبة.
هذا الحكم في النذْر المطْلَق الذي قال فيه الناذر: لله علي نذْرٌ أن أصلِّي ركعتينِ.
стр. 955
أمَّا النذْرُ المقيَّد في الكعبةِ فيصِحُّ فيها؛ مثل أن يقول: لله علي نذْرٌ أن أصلِّي ركعتينِ في الكعبة. فتصِحُّ الصلاةُ هذه في الكعبةِ قولًا واحدًا؛ لأنه نَذَرَها نذْرًا مقيَّدًا بماذا؟ في الكعبة، فيكون على حَسَب ما نَذَر؛ قال النبيُّ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».
نرجعُ إلى القول الثاني في مسألة الفريضةِ؛ القول الثاني في المسألة: أن الفريضةَ تصِحُّ في الكعبة كما تصِحُّ النافلةُ، والحديثُ الذي استدَلَّ به من استدَلَّ؛ حديثُ ابنِ عُمَرَ أن رسول الله ﷺ نَهَى أن يُصلَّي في سبعة مواطن ذكر منها: فوقَ ظَهْر بيتِ الله (١٤)، هذا الحديث ضعيفٌ لا تقوم به حُجَّة. فقالوا: إن الفريضة تصِحُّ كالنافلة، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الأصل تَساوِي الفرض والنفل في جميع الأحكام إلا بدليلٍ، هذا هو الأصل، فكلُّ ما ثَبَتَ في النفل ثَبَتَ في الفرض، وكلُّ ما انتفى في النفل انتفى في الفرض، إلا بدليلٍ.
واستدلُّوا على هذا الأصلِ -وهو أن الأصلَ تَساوِي الفرض والنفل- استدلُّوا لذلك بأن الصحابة لما ذَكَروا أنَّ الرسول ﷺ كان يُصلِّي على راحِلَته حيثما توجَّهتْ به، قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (١٥)، فاستثْنَوا؛ غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة، وهذا يدلُّ على أنهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبةُ كالنافلة تُصلَّى على الراحلة، فهذا دليلٌ على أن الأصل تَساوِي الأحكام بين الفرائض والنوافل، وما استُدِلَّ به من الحديث ضعيفٌ ومن التعليلِ أيضًا ضعيفٌ؛ لأن الله يقول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وشطْرُه بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبالَ جميعِ الكعبةِ أو جزءٍ منها، كما فسَّرتْ ذلك السُّنَّةُ بصلاة الرسول ﷺ في الكعبة.
إذَنْ فالصحيحُ في هذه المسألةِ أن الصلاةَ في الكعبةِ صحيحةٌ فرضًا ونفلًا.
стр. 956
فإن قال قائل: أَنَّى لنا أن نصلِّي في الكعبة؟
فالجوابُ من وجهينِ؛ أحدهما: أن ذلك غير ممتنعٍ عقلًا ولا حِسًّا؛ بإمكان الإنسانِ أن يُفتح له بابُ الكعبة ويُصلِّي في جوفها، وقد وقع هذا لمحدِّثكم سَنَةً من السنين، ثم إذا لم يمكن أن يُفتح له الباب فالحِجْر مفتوحٌ له، والحِجْر ستَّةُ أذرعٍ منه وشيءٌ؛ حوالي النصف، كلُّه من الكعبة، فمِن الممكن أن يُصلِّي الإنسانُ الفريضةَ في الحِجْر.
فإذا قال قائلٌ: الواقع قد يمنعُ من ذلك؛ لأنهم الآن يمنعون من صلاةِ الفريضةِ في الحِجْر، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذا أُقِيمت الصلاة طلَّعُوا الناسَ من الحِجْر.
الجواب: نعم، هذا صحيحٌ، لكنْ يُمْكن أن يُصلِّي الإنسانُ فائتةً في غير صلاةِ الجماعةِ يصلِّيها في نفْسِ الحِجْر، فإذا فَعَل ذلك فهلْ تصِحُّ أو لا؟
ينبني على الخلاف؛ إن قلنا بعَدَم الصحَّة -صِحَّةِ الفريضةِ في الكعبة- فالصلاةُ في الجزء الذي مِن الكعبة مِن الحِجْر لا تصِحُّ.
قال المؤلف: (وتصِحُّ النَّافلةُ) اشترط قال: (باستقبالِ شاخصٍ منها) لا بدَّ أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ؛ أي: شخصٌ متشخِّصٌ قائمٌ من الكعبة، حتى في النافلة لا بدَّ من شاخصٍ.
ما هو الشاخص؟
الشيءُ القائمُ المتَّصِل بالكعبة المبنِيُّ فيها، وعلى هذا فلو صلَّى إلى جهةِ الباب وهو مفتوحٌ -هو داخل الكعبةِ صلَّى إلى جهة الباب وهو مفتوح- هلْ تصحُّ صلاتُه؟
على كلام المؤلف لا تصحُّ؛ لأنه ليس بين يديه شاخصٌ منها، فإنْ وضع لَبِنَةً أو لَبِنَتَيْنِ بين يديه لا تصحُّ أيضًا؛ لأنها ليستْ منها، ليستْ متَّصلة.
وقال بعضُ أهل العلم: إنه لا يُشتَرطُ استقبالُ الشاخص، قاله بعضُ أصحابنا، تصحُّ النافلةُ في الكعبة وإنْ لم يكنْ بين يديه شيءٌ منها شاخصٌ، واستدلُّوا لذلك بأنَّ الواجبَ استقبالُ الهواء، والهواءُ تابعٌ للقرار.
стр. 957
قالوا: ولذلك تصحُّ لو صلَّى على جَبَلٍ أعلى من الكعبة كما لو صلَّى على جَبَلِ أبي قُبَيْسٍ -الجبل الذي في أسفله الصفا- لو صلَّى فلا شكَّ أن الكعبة تحتَه ليس بين يديه شاخصٌ منها، ومع ذلك تصحُّ بالاتفاق، فكذلك إذا صلَّى في جوفِ الكعبةِ لا يُشترَطُ أن يكون بين يديه شاخصٌ منها.
ولكن هذا القياس فيه نَظَرٌ؛ لأن المصلِّي إلى الكعبة في مكانٍ أعلى يشاهِدُ شيئًا شاخصًا بين يديه وإن كان غير مُسامِتٍ له -يعني: غير محاذٍ له- فلا يصحُّ القياسُ، بخلافِ الإنسان الذي ليس بين يديه شيءٌ أبدًا، هو الآن في نفس الكعبة وليس بين يديه شيء، فهذا فرقٌ بين هذا وهذا.
ولا شكَّ أن الاحتياط أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ منها، لكنْ لو أنَّ الإنسان صلَّى وجاء يستفتي لا نستطيع أن نقول: إن صلاتَك غيرُ صحيحة. إنما نأمره قبلَ أن يُصلِّي ألا يُصلِّي إلا إلى شيءٍ شاخصٍ منها، ولهذا لَمَّا هُدِمَت الكعبةُ في عهد ابن الزبير بَنَى أخشابًا من أجْل أن يُصَلِّي الناسُ إليها، قال شيخ الإسلام: وهذا دليلٌ على أنه لا بدَّ أن يكون هناك شاخصٌ يصلَّى إليه.
***
ثم قال المؤلف ﵀: (ومنها) أي: من شروط الصلاة (استقبالُ القِبلة).
من شروط الصلاة استقبالُ القِبلة، والمرادُ بالقِبلة: الكعبة، وسُمِّيَتْ قِبْلةً لأنَّ الناسَ يستقبلونها بوجوههم ويَؤُمُّونها ويقصدونها، وكانتْ من شروط الصلاة بدلالة الكتاب والسُّنة:
أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
وأما السُّنة فكثيرةٌ في هذا؛ منها قوله ﷺ للمُسيءِ في صلاته قال له: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلةَ فَكَبِّرْ» (١٦).
стр. 958
وأجمعَ المسلمون على وجوبِ استقبالِ القِبْلة في الصلاة، فدلَّ على وجوبها الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
والحكمة من ذلك هي أن يتَّجِهَ الإنسانُ ببَدَنِه إلى مُعَظَّمٍ بأمْرِ اللهِ وهو البيتُ، كما يتَّجِهُ بقلْبه إلى ربِّه في السماء، فهُنا اتجاهان: اتجاهٌ قلْبِيٌّ، واتجاهٌ بَدَنِيٌّ؛ الاتجاهُ القَلْبِيُّ إلى الله ، والاتجاهُ البَدَنِيُّ إلى بيتِهِ الذي أَمَرَنا بالاتجاه إليه وتعظيمه.
ولا ريبَ أن في إيجاب استقبالِ القِبْلة من مظْهرِ اجتماعِ الأمَّةِ الإسلاميةِ ما لا يخفى على الناس، لولا هذا لكان الناسُ يصلُّون في مسجدٍ واحدٍ أحدهم يصلِّي إلى الجنوب، والثاني إلى الشَّمال، والثالث إلى الشرقِ، والرابع إلى الغرب، لكنْ إذا كانوا إلى اتجاهٍ واحدٍ صار ذلك من أكبر أسباب الائتلاف، أليس كذلك؟
ما ظنُّكم لو أن الناس يتَّجهون إلى ما شاؤوا، كم قِبلةً تكون لنا في هذا المسجد؟ أربعُ قِبَل، كلُّ واحدٍ له قِبْلة، وتتعذَّر الصفوف في الجماعة، لكنْ من الحِكْمة أن الله أوجب على المسلمين أن يتَّجهوا اتجاهًا واحدًا إلى الكعبة.
الاتجاه إلى الكعبة قلنا: إنه شرطٌ من شروط صحة الصلاة، والحكمة في وجوبه ظاهرةٌ، وكان الرسول ﵊ في مكَّةَ يصلِّي إلى بيت المقدس، لكن الكعبة بَيْنَه وبَيْنَ بيتِ المقدس، فأين يقع مكانُه من المسجد؟
طالب: من جهة جنوب الركن اليماني.
الشيخ: إي، بين الركن اليماني والْحَجَر الأسود؛ لتكون الكعبةُ بينه وبين بيت المقدس.
ولَمَّا هاجر إلى المدينةِ بَقِيَ بأمْر الله يصلِّي إلى بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا وبعضَ السابع عَشَر، ثم بعد ذلك أُمِر بالتوجُّه إلى الكعبة.
يقول المؤلف: (فلا تَصِحُّ بدونه). (فلا تَصِحُّ) أي: الصلاةُ بدون استقبالِ القِبلة، ووجْهُ ذلك أنه شرطٌ، والقاعدة أنه إذا تخلَّفَ الشرطُ تخلَّفَ المشروطُ، فلا تصحُّ الصلاةُ بدونه لهذه العِلَّة.
стр. 959
فإن قُلتَ: ما هو الدليلُ؟ أنت الآن علَّلْتَ، لكنْ ما هو الدليل؟
قلنا: الدليلُ هو ذلك الحديثُ الذي يُعتبر قاعدةً عظيمةً من قواعد الشرع؛ حديثُ عائشة ﵂: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٧)، فمَن استقبلَ غير القِبْلة فقد عَمِل عملًا ليس عليه أمْرُ اللهِ ورسولِه، فيكون عملُه مردودًا.
استثنى المؤلفُ قال: (إلا لعاجزٍ)، العاجزُ تصحُّ صلاتُه بدون استقبالِ القِبْلةِ؛ مِثْل أنْ يكون مريضًا لا يستطيعُ الحركةَ وليس عنده أحدٌ يوجِّهُهُ إلى القِبْلة، فهُنا يتَّجهُ حيث كان وَجْهُهُ لأنه عاجزٌ.
ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقولُ النبيِّ ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١٧)، فالعاجز لا يَلْزمه استقبال القِبْلة لعجزه؛ لأنه غيرُ مكلَّفٍ بما يعجز عنه، فتصِحُّ الصلاةُ.
يُستثنى أيضًا في حال اشتداد الحربِ، يسقطُ استقبالُ القِبْلة، وقد يُقال: إنَّ هذا نوعٌ من العجز؛ يعني مِثْل لو كان الحربُ فيه كَرٌّ وفَرٌّ فإنه يسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة في هذه الحال.
الدليل؟
طالب: الأدلَّة السابقة.
الشيخ: الأدلَّة السابقة.
ومِثْل ذلك لو هَرَبَ الإنسانُ من عدوٍّ، أو هَرَبَ من سَيْلٍ، أو هَرَبَ من حريقٍ، أو هَرَبَ من زلازلَ أو ما أشبه ذلك؛ فإنه يسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة في هذه الحال، والأدلَّة ما سبق.
الثالث قال: (إلا لعاجز، ومتنفِّلٍ) هذه معطوفة على (عاجزٍ)، (ومتنفِّلٍ راكبٍ سائرٍ في سَفَرٍ).
стр. 960
(متنفِّلٍ) ضِدُّهُ: المفترِضُ، (راكبٍ) ضِدُّهُ: الماشي، وسيأتي بيانُ حُكْمه، (سائرٍ) ضِدُّهُ: المقيم الذي ليس يمشي، (في سَفَرٍ) ضدُّهُ: في حَضَرٍ.
إذَنْ نأخذ ثلاثة قيودٍ: (متنفِّل)، (سائر)، (في سَفَر).
طالب: (راكِب).
الشيخ: (راكِب) قلنا: مِثْل الماشي، لكنْ يزيدُ عليه قيودٌ، وإذَن ما حاجة نقول: راكب؛ لأنه قال: (وماشٍ)، إلا أنه يخالفه في بعض الأشياء.
في هذه الحال يسقط استقبال القبلة.
(متنفِّل) ضده؟
طلبة: مفترض.
الشيخ: (سائر) ضده النازل، (في سَفَر) ضده الحضر.
إذا قال قائلٌ: هذا استثناءٌ من عموم نصوص الكتاب؛ ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فما هو الدليل؛ لأن هذا عمومٌ مِن أقوى العمومات؛ ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾، وهذه جملةٌ شرطية، وهي من أقوى العمومات؛ ﴿حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ما الذي أخرج هذه الحال؟
طالب: فِعْل النبيِّ.
الشيخ: نقول: أخرجتْها السُّنةُ؛ فِعْل الرسول ﵊، فقد ثَبَتَ في الصحيحينِ وغيرهما أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي النافلة على راحِلَتِهِ حيثُما توجَّهتْ به، إلا أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة (١٨)، فهذه السُّنَّةُ خصَّصَتْ عمومَ الآيات.
فإنْ قال قائلٌ: أفلا يمكن أن يكون هذا قَبْل وجوبِ استقبالِ القِبْلة؟
قلنا: لا يمكن؛ لأنهم استثنَوْا؛ الصحابةُ الذين رَوَوا الحديثَ استثنوا الفرائضَ، فدلَّ هذا على أنه بعدَ وجوبِ استقبالِ القِبْلة.
فإذا قال قائلٌ: ما نوع هذا التخصيص؟
стр. 961
قلنا: هذا -الحقيقة- مِن غرائبِ التخصيصات؛ لأنه قرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، وقولٌ خُصَّ بفِعْلٍ؛ يعني لم يقُل الرسول ﵊: من تنفَّل في السفر فلا يستقبلْ، حتى نقول: إنه خُصَّ بقولٍ، بلْ نقولُ: هو قولٌ خُصَّ بفِعْلٍ، وقرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، ومعلومٌ أن تخصيص القول بالفعل أضعفُ من تخصيص القولِ بالقولِ، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟
طالب: لاحتمال خصوصيَّة.
الشيخ: لاحتمال خصوصيَّة، لاحتمال نسيان، لاحتمال عُذْر، بخلافِ القول.
وأيضًا: تخصيصُ قرآنٍ بسُنَّةٍ أضعفُ من تخصيص قرآنٍ بقرآنٍ.
ولكنْ نقول: إن السُّنَّةَ تقعُ من الرسول ﵊ بأمْرِ الله الصريحِ أو بأمْرِه الْحُكْميِّ الذي يُقِرُّ نبيَّه على ما قال أو على ما فَعَل، ولهذا إذا فَعَل الرسولُ ﵊ شيئًا لا يُقِرُّه اللهُ عليه بيَّنه؛ قال الله تعالى له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فالله لو أنَّ رسوله فَعَل فعلًا لا يريده شرعًا لَبَيَّنهُ .
فإذَنْ نقول: إنَّ فِعْل الرسولِ ﵊ في تَرْكِ استقبالِ القِبْلة في التنفُّل في السفر كان بأيش؟ بأمْر اللهِ الْحُكْميِّ أو القوليِّ؟ الْحُكْمي؛ لأنه أَقَرَّه، فيكون ما جاءتْ به السُّنَّةُ كالذي جاء به القرآنُ تمامًا في أنه حُجَّةٌ.
هلْ تجوز الفريضة للراكبِ السائرِ في السَّفَر؟
طالب: لا.
стр. 962
الشيخ: لا، ما تجوز إلا في الحال التي يُعذَر فيها بترْكِ استقبالِ القِبْلة.
إذا كان المسافر نازلًا في مكان يتغدَّى ويمشى، هل يجوز أن يتنفَّل إلى غير القِبْلة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا.
إذا كان الإنسان في البلد، لكن البلد متباعدةٌ أقطارُها؛ يعني البلد هذا يمكن ستين كيلو، فذَهَبَ من شَرْقه إلى غَرْبه نحو ستين كيلو أو ثمانين كيلو أو مئة كيلو، هلْ له أن يتنفَّل في هذه الحال إلى جهة سَيرِهِ؟
طلبة: لا، ليس مسافرًا.
الشيخ: ليس له ذلك؛ لأنه غير مسافرٍ، هو الآن في بلده.
لو قال قائلٌ: رجُلٌ في مكَّةَ في سيارته يتنفَّل، هل يجوز ذلك أو لا؟
طلبة: ( ... ).
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا، إنْ قلتم: يجوز؛ فهو خطأ، إن قلتم: لا يجوز ..
طالب: إذا كان مستقبِلَ القِبْلة.
الشيخ: لا، غير مستقبِل القِبْلة.
طلبة: يكون مسافرًا.
الشيخ: إنْ كان مِن أهل مكَّةَ فلا يجوز، وإنْ كان من غيرهم فيجوز.
إذَنْ لو ذهبْتُ إلى مكَّةَ في العُمْرة، وصِرْتُ أتنفَّلُ مِن خروجي مِن المسجدِ الحرامِ إلى بيتي على السيارةِ يجوز ولو كانت الكعبةُ خلفَ ظهري؛ لأنني مسافرٌ، هذا هو الظاهر من عمومات الأدلَّة، وفيه شيءٌ من البحث والنظر.
طالب: ولو أنزلْت المتاعَ.
الشيخ: إي، ولو أنزلْت المتاعَ.
(في سَفَرٍ) لو كان السفرُ قصيرًا فظاهرُ كلام المؤلِّف أنه يجوز ولو كان السفرُ قصيرًا، فإذا خرجْتَ من البلد ولو إلى بلدٍ قريبةٍ منه، ولو كان خروجُك هذا لا يُعَدُّ سَفَرًا طويلًا تُقصر فيه الصلاة؛ فإنه يجوز للعموم، ولكنَّ بعضَ الأصحابِ ﵏ قالوا: لا يجوز التنفُّل على الراحلةِ إلا في سَفَرٍ يُقْصَر فيه، فإنْ كان لا يُقْصَر فيه فإنه لا يجوز.
قال: (ويَلْزمه افتتاحُ الصَّلاةِ إليها)، يعني: (يَلْزمه) أي: الراكبَ المتنفِّلَ في السفر (افتتاحُ الصلاةِ إليها) أي: إلى القِبْلة.
стр. 963
عموماتُ الأحاديثِ ليس فيها ذِكْر استقبالِ القِبْلة إلا في حديثٍ رواه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ أنَّ الرسول ﵊ كان إذا أراد أن يصلِّي استقبلَ القِبْلة ثم أطْلَقَ راحِلَتَهُ حيثُما توجَّهَتْ (١٩).
فنقول: هذا الحديثُ إن صحَّ فإنه فِعْلٌ، ومجرَّد الفعل لا يدلُّ على الوجوب.
فنقول: الأكمَلُ أن تتَّجِهَ أوَّل ما تتَّجِهُ إلى القِبْلة، ولكنْ لو لم تفعلْ لكان هذا جائزًا ولا حَرَجَ؛ لأن أكثر الأحاديث جاءتْ عامَّةً أنه يصلِّي عليها النافلةَ حيثما توجَّهَتْ به.
( ... ).
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها اجتنابُ النجاسةِ؛ فمَنْ حَمَلَ النجاسةَ لا يُعْفَى عنها).
الشيخ: ( ... ) محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنَّ من شروط الصلاة استقبال القِبْلة، فما هو الدليل؟
طالب: قال الله : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
الشيخ: شطرَ أيش؟
الطالب: شطرَ المسجد الحرام.
الشيخ: هات آيةً فيها نصٌّ على المسجد الحرام.
الطالب: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
الشيخ: ومن السُّنة.
الطالب: تعليم الرسول ﷺ الرجلَ المسيءَ في صلاته؛ قال: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ».
الشيخ: أحسنت.
والإجماع؟
الطالب: والإجماع كذلك.
الشيخ: منعقد على وجوب استقبال ..
الطالب: استقبال القِبْلة.
الشيخ: أحسنت.
ما هي الحِكْمة في إيجاب استقبال القِبْلة؟
طالب: الحِكْمة من وجوب استقبال القِبْلة ..
الشيخ: في إيجابه.
الطالب: في إيجاب استقبال القِبْلة اجتماعُ المسلمين على قِبْلةٍ واحدةٍ.
الشيخ: هذه واحدة، على اتجاهٍ واحدٍ أو قِبْلةٍ واحدةٍ، هذه واحدة.
стр. 964
الطالب: ولأن اتجاهَ المسلمين إلى قِبْلةٍ واحدةٍ سببٌ في اجتماع قلوبهم.
الشيخ: هذه نتيجة الأُولى.
الطالب: استقبال الإنسان يكون بالبَدَن وبالقلْب؛ فبالقلب يتَّجه إلى الله في السماء، وبالبَدَن يتجه إلى البيت المعظَّم.
الشيخ: أحسنت، ثالثًا؟
الطالب: ثالثًا: أن الصفوف لا يمكن تسويتُها إلا باستقبال القِبْلة، فإن الناس لو كانوا في مسجدٍ ولم يكن استقبال القِبْلة واجبًا لَرأَيْنا الناسَ يصلُّون في أربع جهات أو أكثر، فلمَّا كان استقبال القِبْلة واجبًا انضبطت الصفوف.
الشيخ: زين، رابعًا؟
طالب: تعظيم شعائر الله.
الشيخ: صح، أن هذا من تعظيم بيت الله الذي قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وأَمَر بتعظيمه.
طالب: ما ذَكَره الأخ يا شيخ؟
الشيخ: لا.
طيب، فيه شيء بعد، ذكرنا أربعًا.
طالب: وأنها استقبال الأنبياء جميعًا.
الشيخ: قِبْلة الأنبياء؟
الطالب: قِبْلة الأنبياء.
الشيخ: إي، بس هذه ما هي حكمة؛ لأنه يقال: ولماذا جُعِلتْ قِبْلة الأنبياء؟
طالب: تميُّز هذه الأُمَّة عن الأُمَمِ السابقة.
الشيخ: لا؛ لأن الأُمَمَ السابقة أيضًا أُمِرُوا بالتوجُّه للقِبْلة، على كلِّ حالٍ أربعُ فوائد تكفي.
استقبال القِبْلة شرطٌ، ويُستثنى من ذلك أشياء؟
طالب: إذا كان في شدة الحرب.
الشيخ: شدة الخوف.
الطالب: يعني بمعنى أنه لا يستطيع أن يصلِّي.
الشيخ: شدة الخوف.
الطالب: شدة الخوف.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الحرب؟
الشيخ: نعم، (شدة الخوف) أحسن من (الحرب) لأجْل قد يخاف الإنسانُ على نفْسه من دون حرب.
الطالب: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩]
الشيخ: أين الدليل؟
стр. 965
الطالب: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
الشيخ: نعم، ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، ومعلومٌ أن الراجل والراكب لا يتسنَّى له استقبالُ القِبْلة كما ينبغي غالبًا.
طيب، فيه آية عامَّة؟
طالب: فيه دليل ثانٍ.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: الرسول ﷺ كان يتنفَّل على الراحلة.
الشيخ: لا.
طالب: قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]
الشيخ: لا.
طالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، تمام، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
يُستثنى أيضًا؟
طالب: النافلة.
الشيخ: النافلة، شروط؟
الطالب: أن يكون راكبًا، سائرًا، في سَفَرٍ.
الشيخ: للراكب السائر في سَفَرٍ.
(راكب) هذا شرط ولَّا غير شرط؟
الطالب: نعم، شرطٌ على قول ( ... ).
الشيخ: لا، على كلام المؤلف.
الطالب: نعم، شرط.
الشيخ: شرط!
طالب: غير شرط.
الشيخ: غير شرط على رأي المؤلف؟
الطالب: ( ... ).
الشيخ: إذَنْ أن يكون سائرًا ..
طالب: سائرًا، وفي سَفَرٍ، ومتنفِّلًا.
الشيخ: النافلةُ في السفر للسائرِ لا للنازلِ.
دليل ذلك؟
طالب: حديثُ ابن عمر أنَّ النبِيَّ ﷺ كان يُصَلِّي على راحِلَتِهِ حيثُما توجَّهَتْ به، إلَّا أنه لا يُصَلِّي بها الفريضة.
الشيخ: إلَّا أنه لا يُصَلِّي عليها المكتوبة -تمام- أو الفريضة (١٥).
وما هي الحِكْمة في إسقاط استقبال القِبْلة في هذه الصورة؟
طالب: إذا كان متنفِّلًا سائرًا، يعني فيه مشقة؛ قد يشقُّ عليه استقبالُ القِبْلة.
стр. 966
الشيخ: تشجيعُ الناسِ على كثرة النوافل حتى يكون الأمرُ سهلًا عليهم؛ يُصلِّي وهو على السيارة، على البعير، على الفَرَس، على أيِّ شيءٍ، ولو كُلِّفَ أن ينزل في الأرض كما يُكلَّف في الفريضة لَثَقُلَ عليهم التطوُّع وفاتَهم خيرٌ كثيرٌ، هذه مسألة.
المسألة الثانية ما ذَكَرها المؤلف.
المسألة الثالثة؟
طالب: العاجز عن استقبال القِبْلة.
الشيخ: العجز عن استقبال القِبْلة، مثل؟
الطالب: أن يكون مريضًا.
الشيخ: مِثْل أن يكون مريضًا وليس عنده مَن يوجِّهُهُ إلى القِبْلة، وهو لا يستطيع أن يتوجه إلى القِبْلة، فهُنا يسقط عنه الاستقبال. الدليل؟
الطالب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، تمام.
طالب: الراكب ليس شرطًا على كلام المؤلف.
الشيخ: إي نعم، ليس بشرط.
***
قال المؤلف ﵀: (ويَلْزمُهُ افتتاحُ الصلاةِ إليها).
(يَلْزمُهُ) أي: الراكب (افتتاحُ الصلاةِ إليها)، ثم بعد ذلك يكون حيثُ كان وجَهُهُ، ودليلُ هذا حديثُ أَنَس بن مالكٍ ﵁ الذي أخرجه أصحابُ السُّنن كأبي داود وغيره أن الرسول ﷺ كان إذا أراد أن يتنفَّل استقبلَ القِبْلةَ وكبَّرَ، ثم اتَّجَهَ حيثُ كان وَجْهُهُ (٢٠). قالوا: فهذا دليلٌ على أنه يجب افتتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلة؛ لأنَّ تكلُّفَ النبيِّ ﷺ ومعاناتَه لإيقاف البعير واتجاهَهُ إلى القِبْلة وقطْعَ المسيرِ يدلُّ على أنه أمْرٌ واجبٌ.
وقال بعضُ أهل العلم: إنه ليس بواجب. وأجابوا عن هذا الحديث بأمْرينِ:
أوَّلًا: أنه ليس إلى ذاك في درجةِ الصحة، وغايةُ ما قِيلَ فيه: إنه حَسَن.
والثاني: أنه فِعْلٌ، ومجرَّد الفعل لا يدلُّ على الوجوب، وحديثُ ابن عمر وغيرُه من الأحاديثِ عامٌّ أنه كان يُصَلِّي حيث كان وجْهُهُ.
стр. 967
وعليه فنقول: إن الصحيح في هذه المسألة أنَّ الأفضلَ أن يبتدئ الصلاةَ متَّجهًا إلى القبلة، ثم يتَّجه حيثُ كان وجْهُهُ، أمَّا أنْ يُجعَل ذلك واجبًا بمقتضى هذا الدليلِ المعارَضِ بعموم الأدلَّةِ التي هي أصحُّ منه ففي النفْس منه شيءٌ.
قال المؤلف: (وماشٍ) هذا معطوف على قوله: (راكبٍ)؛ يعني: ولمتنفِّلٍ ماشٍ؛ يعني: يمشي على قدميه، فيجوز للإنسان المسافر إذا كان يمشي على قدميه أن يكون اتِّجاهُهُ حيثُ كان وجْهُهُ، ويسقطُ عنه استقبالُ القِبْلة، إلا أنه قال:
(ويَلْزمه الافتتاحُ والركوعُ والسجودُ إلَيْها)؛ يَلْزمه -أي: الماشي- الافتتاحُ إلى القِبْلة؛ لأنه إذا لَزِمَ الراكبَ مع معاناةِ صَرْفِ المركوبِ فلُزومُه في حقِّ الماشي من باب أَوْلى؛ لأن انصراف الماشي إلى القِبْلة أسهلُ من انصراف مَرْكوبه لو كان راكبًا.
كذلك يَلْزمه الركوعُ والسجودُ إليها أيضًا، أمَّا الراكبُ فلا يَلْزمه ركوعٌ ولا سجودٌ، وإنما يُومِئ إيماءً، أمَّا الماشي فيَلْزمه الركوعُ والسجودُ إليها؛ أي: إلى القِبْلة، فيختلفُ عن الراكب في أمْرينِ:
في أنه يَلْزمه الركوعُ والسجودُ، والراكبُ يكفيه الإيماءُ.
الثاني: أنه يجب أن يكون الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة بخلافِ الراكبِ، والعِلَّة في ذلك قالوا: لأن هذا سهلٌ على الماشي، أمَّا الراكبُ فلا يتحقَّق له الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة إلا إذا نَزَل، ونُزوله من مَرْكوبِهِ فيه صعوبةٌ ومشقَّةٌ.
стр. 968
ولكن الصحيح أنَّنا إنْ جوَّزْنا للماشي فإنه لا يَلْزمه الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة؛ لأن في ذلك مشقَّةٌ أيضًا؛ لأنه يستلزمُ الوقوفَ للركوعِ والسجودِ والجلوسِ بين السجدتينِ، وهذا يُعِيقُهُ بلا شكٍّ، لكنْ لو قُلنا: تُومِئُ إيماءً؛ لَكانَ يُمْكِنه أن يُومِئَ وهو ماشٍ في ركوعِهِ وسجودِهِ، فالصحيحُ أنَّنا إذا قُلنا بجوازِ ذلك للماشي فإنه لا يَلْزمه الركوعُ والسجودُ إلى القِبْلة، بلْ حُكْمه حُكْم الراكبِ في أنه يَلْزمه الافتتاحُ فقط؛ لأن الافتتاحَ مُدَّته وجيزةٌ، والانحراف إلى القِبْلة فيه يسيرٌ فلا يضرُّ، وإلا فيمشي على ما هو عليه.
ولكنْ نحن قُلنا: إنْ قُلْنا بالجواز. وهذا يدلُّ على أن في المسألةِ خلافًا، وهو كذلك؛ فإن من العلماء مَن يقول: إنَّ المسافرَ الماشيَ لا يجوز أن يتنفَّل حال مَشْيه؛ لأن الماشي سوف يعمل أعمالًا كثيرةً بالمشي، والراكب ساكنٌ لا يعمل، فلا يُلْحق هذا بهذا، ولأن تنفُّل المسافرِ الراكبِ على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فهو خارجٌ عن الأصل ولا يُقاس عليه.
ولكن الذي يظهر -والله أعلم- أن القول الراجح ما قاله المؤلِّف في إلحاقِ الماشي بالراكب؛ لأن العِلَّة في جواز التنفُّل على الراحلة بدون عُذْرٍ هي حَمْل الإنسانِ وتشجيعُهُ على كثرةِ النوافل، وهذا حاصلٌ للمسافر الماشي كما هو حاصلٌ للمسافر الراكب.
وقولهم: إن هذا خلافُ الأصل، وما كان خلافَ الأصل فلا يُقاس عليه. نقول في جوابه: ما خَرَجَ عن الأصل لعِلَّةٍ معقولةٍ فلا مانعَ مِن أن يُقاس عليه؛ لأن القاعدةَ الشرعيَّةَ في هذه الشريعةِ أنها لا تفرق بين متماثلَينِ، ولا تجمع بين متفرِّقَينِ.
стр. 969
فإذا عَلِمْنا أن الشارعَ إنما رخَّص في الصلاة حيثُ كان وجْهُهُ على بعيرِهِ مِن أجْل أن يَحمِل الناس على كثرة النوافل ولا يَحْرِمَهم فنقول: هذا أيضًا في الماشي. وكثيرٌ من الناسِ المسافرين لا يجدون مركوبًا فتجدهم يمشون مع الرُّكْبانِ على أقدامهم مِن بلادهم إلى أنْ يرجعوا إلى بلادهم، وهذا شيءٌ معلومٌ يعرفه الناسُ مِن قَبْلُ لَمَّا كانوا يسافرون على الإبل.
قال: (ويَلْزمُه الركوعُ والسجودُ إليها). الماتنُ لم يُفصح بما يجب على المتنفِّلِ الراكبِ أو الماشي، بلْ ذَكَر أنه لا يَلْزمه استقبالُ القِبْلة، ولكن ماذا يستقبل؟ لم يبيِّنْ ذلك، ولكنْ قد بيَّنَت السُّنةُ هذا قبل المؤلِّف، وهو أنَّ قِبْلته جهة سَيْرِهِ، فلا بدَّ أن يكون متَّجهًا إمَّا إلى القِبْلة وإمَّا إلى جهةِ سَيْرِهِ، فلو فرضْنا أنه انحرفَ البعيرُ عن جهةِ سَيْرِهِ إلى جهةِ القِبْلة صحَّ ولَّا لا؟ صحَّ؛ لأنها هي الأصل.
ولو حَرَفَها عن جهةِ سَيْرِهِ لغير القِبْلة قال العلماء: لا يجوز؛ لأنه خَرَجَ عن استقبال القِبْلة وخَرَجَ عن استقبالِ سَيْرِهِ الذي أباحَ الشارعُ أن يكون قِبْلتَه مِن أجْل تسهيلِ سَيْرِه، فإذا عَدَلَ بها عن جهةِ سَيْرِهِ فإنها تَبْطُل، أمَّا إذا عَدَلَتْ به الدابةُ وعَصَفَتْ (٢١) به فقال بعضُ أهل العلم: إنْ طال الفَصْل بَطَلَتْ صلاتُه، وإنْ لم يطُلْ لم تَبْطُلْ صلاتُه.
والصحيح أنه إذا عَجَزَ عن ردِّها لا تَبْطُلُ مطْلَقًا؛ لأنه يدخلُ فيما سبق في العاجز عن استقبال القِبْلة؛ ماذا يصنع هذا الرجلُ الذي جَفَلَتْ (٢٢) به الدابةُ وصارتْ تمشي على غير هُدًى وهو عاجزٌ عن كَبْحِ جماحها؟ ! فالصحيحُ أنه إذا عَجَزَ لم تَبْطُل ولو طال الفَصْل.
***
ثم بيَّن المؤلفُ ﵀ كيف يكون استقبالُ القِبْلة، وذَكَر أنه على وجهينِ:
الوجه الأوَّل: أن يُلْزَم باستقبال عَيْنِ الكعبة.
والوجه الثاني: أن يُلْزَم باستقبال الجهة.
стр. 970
فمتى يكون إلزامُه باستقبال عينِ الكعبةِ؟
قال المؤلف: (وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبْلَةِ إصابَةُ عينِها، ومَنْ بَعُدَ جِهَتها) أي: إصابةُ جِهَتِها أو استقبالُ جِهَتِها.
(فَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِن القِبْلَةِ) لم يحدِّد المؤلفُ القُرْبَ والبُعْدَ، فهَلْ يُرجَعُ في ذلك إلى العُرْف أم ماذا؟
الجواب أنَّنا نقول: يمكن أن يُقال: إنَّ المؤلف حدَّدَ معنى القُرْب بقوله: (إصابةُ عينِها)، ولا تُمْكن إصابةُ العينِ إلَّا لِمَنْ أمْكَنَهُ مشاهدةُ العينِ، وعلى هذا فيكون القريبُ مَنْ أمْكَنَهُ مشاهدةُ الكعبةِ، فمَنْ أمْكَنَهُ مشاهدةُ الكعبةِ ففَرْضُهُ استقبالُ عينِ الكعبة.
وهل المرادُ الإمكانُ الشرعيُّ أو الإمكانُ الحسِّيُّ؟
ظاهر كلامهم: أنَّ المراد الإمكانُ الحسِّيُّ، وأنَّه إذا أمْكَنَ المشاهدةُ حِسًّا وَجَبَ عليكَ إصابةُ العينِ وإنْ كان لا يُمْكنك شرعًا، وعلى هذا فمَنْ كان في صَحْنِ المسجدِ في صَحْنِ المطافِ فاستقبالُ عينِ الكعبةِ عليه؟
الطلبة: فَرْضٌ.
الشيخ: فَرْضٌ، وسَهْل ولَّا صَعْب؟
الطلبة: سَهْلٌ.
الشيخ: سَهْلٌ.
ومَنْ كان في المصباح في الرِّواقاتِ فهذا قد يكون سَهْلًا وقد يكون صعبًا، إذا كانت الصفوفُ قاطبةً وأمامَه عمودٌ من العُمُدِ الضِّخامِ فهُنا قد لا يستطيع رؤيتَها، ولا يستطيع أن يتحوَّل عن مكانه لأن الصفوف قاطبةً، التعذُّر هنا حِسِّيٌّ ولَّا شرعِيٌّ؟
طلبة: حسِّيٌّ.
стр. 971
الشيخ: يا إخوان، شرعيٌّ. أمَّا حسِّيٌّ: أنه يَقْدر يروح ويتخطَّى حتى يَصِلَ إلى صَحْن المطافِ، لكنه شرعيٌّ، فظاهر كلامهم أنَّ هذا لا تصحُّ صلاتُه حتى يكون مصيبًا لعينها، وإذا أخذْنا بهذا الرأيِ فإنَّ كثيرًا من الذين يُصلُّون في المسجد الحرام لا تصِحُّ صلاتُهم، لماذا؟ لأنَّ كثيرًا منهم نشاهدهم بأعيننا لا يصيبون عينَ الكعبة، يتَّجهون إلى جِهَتها صح، لكنْ ما يصيبون عينَها، تجد الصفَّ مستطيلًا، وبعضُهم يتَّجِهُ عن يمينِ الكعبةِ، وبعضُهم عن يسارِ الكعبةِ، وبعضُهم يتَّجِهُ إلى الكعبةِ تمامًا.
وفَرْضُ مَنْ قَرُبَ من القِبلةِ إصابةُ عَيْنِها، ومَن بَعُدَ جِهَتِها فإنْ أَخْبَرَه ثِقَةٌ بيقينٍ أو وَجَدَ مَحاريبَ إسلاميَّةً عَمِلَ بها، ويُسْتَدَلُّ عليها في السفَرِ بالقُطْبِ والشمسِ والقمَرِ ومَنَازِلِهما، وإن اجْتَهَدَ مُجتهدانِ فاخْتَلِفَا في جِهةٍ لم يَتْبَعْ أحدُهما الآخَرَ، ويَتْبَعُ الْمُقَلِّدُ أَوْثَقَهما عندَه، ومَن صَلَّى بغيرِ اجتهادٍ ولا تقليدٍ قَضَى إن وَجَدَ مَن يُقَلِّدُه، ويَجْتَهِدُ العارِفُ بأَدِلَّةِ القِبلةِ لكلِّ صلاةٍ، ويُصَلِّي بالثاني، ولا يَقْضِي ما صَلَّى بالأَوَّلِ، ومنها النِّيَّةُ
الإمكان الشرعي أو الإمكان الحسي؟
ظاهر كلامهم؛ أن المراد الإمكان الحسي، وأنه إذا أمكن المشاهدة حِسًّا وجب عليك إصابة العين، وإن كان لا يمكنك شرعًا، وعلى هذا؛ فمن كان في صحن المسجد، في صحن المطاف، فاستقبال عين الكعبة عليه فرض، وسهل ولَّا صعب؟
طلبة: سهل.
الشيخ: سهل، ومن كان في المصباح في الرواقات، فهذا قد يكون سهلًا، وقد يكون صعبًا، إذا كانت الصفوف قاطبة وأمامه عمود من العمد الضخام، فهنا قد لا يستطيع رؤيتها، ولا يستطيع أن يتحول عن مكانه؛ لأن الصفوف قاطبة، التعذر هنا حسي ولَّا شرعي؟
طلبة: حسي.
الشيخ: يا إخواني!
طلبة: شرعي.
стр. 972
الشيخ: شرعي، أما حسي يقدر يروح، ويتخطى حتى يصل إلى صحن المطاف، لكنه شرعي، فظاهر كلامهم أن هذا لا تصح صلاته حتى يكون مصيبًا للعين، مصيبًا لعينها، وإذا أخذنا بهذا الرأي فإن كثيرًا من الذين يُصلّون في المسجد الحرام لا تصح صلاتهم؛ لماذا؟
لأن كثيرًا منهم نشاهدهم بأعيننا لا يُصيبون عين الكعبة، يتجهون إلى جهتها، صح، لكن ما يصيبون عينها، تجد الصف مستطيلًا، وبعضهم يتجه عن يمين الكعبة، وبعضهم عن يسار الكعبة، وبعضهم يتجه إلى الكعبة تمامًا.
وكذلك الذين في السطح فوق سواء السطح المسقف أو سقف المسقف، إذا كانوا بعيدين عن الجدار المطل على صحن المطاف، فإن مشاهدتهم للكعبة متعذرة حسًّا ولَّا لا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا إذا كانت الصفوف قاطبة، أما حِسًّا يمكنهم يروحون، ويقفون على حد الجدار.
وهذه المسألة مشكلة علينا، الحقيقة أنها مشكلة باعتبار أن الإنسان إذا كان في آخر الصفوف لا يتمكن من مشاهدة الكعبة قطعًا، ولا يقول: إنه أصاب عينها، ما يستطيع أنه يجزم بهذا إطلاقًا، وإنما يستقبل الجهة أحيانًا، يشوف الظلمة والسواد، ويقول: هذا عين الكعبة، ثُمَّ يصلي، وإذا سلَّم ولا الكعبة عن يمينه، ولا عن يساره، وهذا كثيرًا، وأنا أعدت الصلاة مرة من المرات بعدما صليت معهم صلاة العصر أظن، ويوم سلَّمنا ولا الكعبة على يمينّا، وإحنا فوق، لازم إني أعيد الصلاة، وهذه الحقيقة مشكلة.
ولكني ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بأن من كان داخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولًا في سبل السلام شرح بلوغ المرام ما عزاه لأحد، لكنه قاله تفقُّهًا من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قبله فهو غير مُسلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أن من كان يُمكنه مشاهدتها ففرضه إصابة العين.
طالب: أخذ السُّترة يا شيخ، سُترة من العمد الكبيرة، بعضهم يحرصون على السترة يا شيخ، يجعلون بينهم وبين الكعبة سترة كبيرة.
стр. 973
الشيخ: إي، هو إذا كان الإنسان ما في الصف، يقدر واحد يتحرك من هنا ومن هنا حتى يضبط الاتجاه، لكن إذا صار صف يشكل؛ حتى بعض الأحيان إذا صار الصف ما استقام على عين الكعبة، إذا استقمت أنت على الكعبة ( ... ) على كتف إنسان، ولا مشكلة؛ لأنهم يقولون: كذا، وأنت بتقول: كذا، المهم -على كل حال- يقدر يشوفه إذا ركع الناس أو إذا سجدوا ممكن.
طالب: إعادة الصلاة، يعني نفهم ( ... ) وجوب الإعادة.
الشيخ: إي نعم، معلوم؛ إذا قلنا: إن فرض إصابة العين وأنا ما أصبت العين؛ معناه ما صحت صلاتي.
طالب: ( ... ) ما تعم به البلوى كل الناس.
الشيخ: هذا اللي نقوله، أنا أقول: إذا لم يكن في المسألة إجماع، لو كان فيها خلاف من العلماء المعتبرين، إحنا نؤيد هذا؛ لأن المسألة ضرورية الآن، الناس ما يمكن وسط الأعمدة هذه وسط البعد، ولا يمكن مشاهدتها أبدًا. ( ... )
***
أما في صحن المسجد صحن المطاف موجود نفس البلاط، كل بلاطة مشغولة كأنها مكان رجل.
طالب: ( ... ).
الشيخ: لا، يأتي، لا بد، يأتي.
طالب: من كلام الشيخ الآن أنه فرض أنه داخل المسجد، ولا يرى الكعبة.
الشيخ: ظاهر كلامه أنه ما يلزمه.
الطالب: الجِهة فقط ليس ( ... ).
الشيخ: ظاهر كلامه أنه ما يلزمه، لكن ما هو بيقول عن شيء: إنه ثابت؛ بحيث الإنسان يجزم بأن هذا اختيار شيخ الإسلام.
الطالب: أقول: ما هو بواضح؟
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن القيم في الجزء الرابع صفحة اثنين وخمسين.
الشيخ: من، من منين أي كتاب؟
الطالب: بدائع الفوائد، يتكلم عن مسألة التراب، ثم قال: إذا قلنا ..
الشيخ: يتكلم عن أيش؟
الطالب: عن مسألة التراب.
الشيخ: التراب؟ ! ! !
الطالب: وعن الصابون الأشنان ( ... )، مسائل ابن الزاغوني وابن عقيل.
الشيخ: ( ... )! !
الطالب: مسائل ابن الزاغوني وابن عقيل.
الشيخ: إي، منقول هذا؟
стр. 974
الطالب: يقول: إذا قلنا: الواجب التوجُّه إلى عين القبلة، وكان الصف طويلًا يزيد على سمت الكعبة؟ اختلف كلام أحمد في ذلك على روايتين:
إحداهما: أن طول الصف مع البُعد الكثير لا يؤثر ذلك مِيلًا عن الكعبة إلا قدرًا يخفى أمره، ويعسر اعتباره لا سيما فيما هو مأخوذ بالاجتهاد، فعفِي عنه.
والرواية الثانية: أنه إذا طال الصف من جانبي الإمام انحرف الطرفان إلى ما يلي الإمام انحرافًا يسيرًا، يجمع به توجيه الجميع إلى العين، ولا يشبه هذا خلاف المجتهدين؛ لأن كل واحد من المجتهِدَيْن يعتقد خطأ صاحبِه في اجتهاده، وفي مسألتنا قد اتفقا في الاجتهاد.
قلت: الصواب أنه مع كثرة البُعد يكثر المحاذي للعين، فإن قيل: هذا إنما يكون مع التقوُّس كالدائرة حول نقطة. قلنا: نعم، ولكن الدائرة إذا عظمت واتسعت جدًّا فإن التقوُّس لا يظهر في جانب محيطها إلا خفيفًا فيكون الخط الطويل متقوّسًا نحو شعرة، وهذا لا يظهر للحس.
الشيخ: بس، ما استفدنا.
طالب: ( ... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: أقرأ؟
الشيخ: اقرأ.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
قال الزبيدي في شرح الإحياء، المجلد السادس صفحة أربع مئة وثلاثة وأربعين، بعد قول الغزالي: وأشكل معناه على قوم إذ قالوا: إن قلنا: إن المطلوب العين، فمتى يتصور هذا مع بُعد الديار؟ وإن قلنا: المطلوب الجهة؛ فالواقف في المسجد إن استقبل جِهة الكعبة وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لا خلاف في أنه لا تصح صلاته.
ثم قال الزبيدي: اعلم أنه في اشتراط استقبال المصلَّى على الأرض له أحوال:
стр. 975
ثم ذكر الرابع فقال: أن يصلي بمكة خارج المسجد، وإن عاين الكعبة، كمن يُصلِّي على أبي قُبيس، صلَّى إليها، ولو بنى محرابه على العيان صلَّى إليه أبدًا، ولا يحتاج في كل صلاة إلى المعاينة، وفي معنى المعايِن: من نَشأ بمكة وتيقَّن أن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها حال الصلاة، فإن لم يُعاين، ولا تيقَّن الإصابة فله اعتماد الأدلة والعمل بالاجتهاد إن حال بينه وبين الكعبة حائل أصلي كالجبل، وكذا إن كان الحائل طارئًا كالبناء على الأصحّ، للمشقة في تكليف المعاينة.
الشيخ: هذا واضح إذا كان خارج المسجد؛ يعني مثل البيوت المجاورة للمسجد، الاستقبال للعين قد يكون صعبًا، لا سيما إذا كانت العمارة هابطة أمامها عمارات رفيعة ما يقدر الواحد ..
الطالب: ثم قال السادس من الأحوال إذا كان بموضع لا يقين فيه، اعلم أن القادر على يقين القِبلة، لا يجوز له الاجتهاد، وفيمن استقبل حِجْر الكعبة مع تمكُّنه منها، وجهان:
الأصح بالمنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، بل هو مظنون.
ثم اليقين، قد يحصل بالمعاينة، وبغيرها، كالناشئ بمكة، العارف يقينًا بأمارات، وكما لا يجوز الاجتهاد مع القدرة على اليقين، لا يجوز اعتماد قول غيره.
وأما غير القادر على اليقين، فإن وجد من يخبره بالقبلة اعتمد، ولم يجتهد، ثم قد يكون الخبر صريحًا لفظه، وقد يكون دلالة كالمحراب المعتمد، وإذا لم يجد العاجز من يخبره فتارة يقدر على الاجتهاد وتارة لا يقدر، فإن قدر لزمه واستقبل ما ظنه القبلة.
ثم قال الغزالي: فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول: الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب بالاجتهاد العين إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها.
قال الزبيدي: وهو أظهر القولين، واتفق العراقيون على تصحيحه كما تقدم.
قال الغزالي: وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها بالأدلة لتعذُّر رؤيتها.
стр. 976
ثم قال الزبيدي: بأن حالَ بينه وبينها حائل أصلي كالجبل أو طارئ كالبناء فيكفي استقبال الجهة، وأما طلب العين عند المشاهدة فمُجمع عليه.
قال الزبيدي: وبه قال أصحابنا الحنفية: ففي التجنيس للمرغيناني: من كان بمعاينة الكعبة فالشرط إصابة عينها، ومن لم يكن بمعاينتها فالشرط إصابة جهتها؛ وهو المختار.
والمراد باستقبال الجهة عندنا: أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتًا للكعبة ولو لهوائها؛ لأن المقابلة إن وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بما تزول به من الانحراف لو كانت في مسافة قريبة، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت البُعد، وتبقى المسامتة مع انتقال مناسب لذلك البعد، فلو فُرِض خطّ من تلقاء وجه المستقبل للكعبة على التحقيق في بعض البلاد، وخط آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبِل أو شماله لا تزول تلك المقابلة والتوجُّه بالانتقال إلى الشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة.
ثم قال الغزالي: وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذُّر المعاينة، فيدل عليه الكتاب والسُّنة، وفِعل الصحابة ﵃، والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ..
طالب: الأبنية الحادثة ما تعتبر الأعمدة أيضًا كثيرة؟
الشيخ: العارضة هذه، البناء العارض؟ أقول: البناء العارض.
الطالب: الأعمدة ( ... ).
طالب آخر: هو بناء طارئ.
الشيخ: إي، هو بناء طارئ لا شك، لكن المهم اللي يشكل على الإنسان أنه في المسجد الحرام يقدر بدل ما يصلي بهذا يتقدم، ويصلي ويشاهِد الكعبة، ما هو مثل اللي يصلي في بيته.
طالب: ( ... ) ما يقدر يا شيخ.
طالب آخر: في المواسِم يا شيخ، في الظروف العادية كل المصلين تُصلي في صحن المسجد بسهولة يعني، ولا يمكن يترك الصفوف منقطعة، ويصلي خلف الأعمدة.
طالب آخر: في الأيام العادية ممكن ( ... ) زحمة.
الشيخ: ما يتمكن.
طالب: حتى لو حاول يا شيخ ما يمكن، كيف يتخطى الناس؟ ! يتخطاهم إلى أن تنتهي الصلاة ولا يصل للكعبة.
الشيخ: لا، ويؤذي أيضًا.
الطالب: ويؤذي.
стр. 977
الشيخ: ويؤذي الناس.
طالب: شيخ، أقول أيضًا قياسًا على من كان خارج الحرم، وهو لا يشاهد الكعبة كمن في بيته فهذا مثله ( ... ) في ذهنه وهو خارج الحرم.
طالب آخر: النووي يا شيخ في المجموع ذكر كلام بسط المسألة، قال فيه: ولو وقف الإمام بقرب الكعبة والمأمومون خلفه مستديرين بالكعبة جاز، ولو وقفوا في آخر المسجد، وامتد صف طويل جاز، وإن وقف بقربه، وامتد الصف فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة.
الشيخ: نعم، وعلى كل حال، اتفاق الآن، من أمكنه المشاهدة.
طلبة: تعيَّن عليه.
الشيخ: تعيَّن عليه بالاتفاق، ومن لم تمكنه وهو خارج المسجد لم تجب عليه بالاتفاق، كذا ولَّا لا؟ وهذا واضح، المشكلة الآن من كان في المسجد، ويمكنه أن ينتقل من مكانه ليُشاهِد الكعبة، هل يجب عليه؟ هذا محل الإشكال.
طالب: كلام النووي يا شيخ الأخير، ولو وقفوا في آخر المسجد ..
الشيخ: لا، كلام النووي الأخير معناه أنه ما هو بصف مستطيل وخارج عن مسامتة الكعبة، ما يريد هذا.
الطالب: يريد هذا يا شيخ.
الشيخ: ما يريد هكذا.
الطالب: وامتدّ صف طويل جاز، وإن وقف بقربه، وامتد الصف فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة ..
الشيخ: صحيح، الآن لو امتد الصف طرف المسجد امتد مثلًا، وليكن عشرين مترًا صحَّت صلاتهم؛ لأنهم كلهم يمكنهم اتجاههم للكعبة، لكن عشرين مترًا وهما قريبون ما يمكن.
طالب: طيب يا شيخ اللي عند الحجر يا شيخ ما يشوف.
الشيخ: طيب، نقرأ.
طالب: أليس العزم على من رأى الكعبة يا شيخ؟
الشيخ: إي، ما فيه شك إلى الآن أنا ما أجزم بشيء، أجزم بأن لم يمكنه وهو خارج المسجد واضح، ومن أمكنه ولو خارج المسجد وجب استقبال العين.
طالب: يعني يتخطى الرقاب يا شيخ؟
الشيخ: وبقينا في مسألة من كان داخل المسجد.
طالب: ويستطيع ..
الشيخ: ويستطيع، لكن استطاعة أيش؟ حسية.
طالب: ومن لم يستطع؟
الشيخ: اللي ما يستطيع مثلًا، لو كان إنسان ما يقدر يمشي؟
طالب: ( ... ) الزحام يا شيخ ( ... ).
стр. 978
الشيخ: على كل حال خلُّوا المسألة تكون مبنية عِلى علم.
***
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفرض من قرُب من القبلة إصابة عينها).
أولًا: يقول: (من قرُب) ولم يحدّد القرب، وقد سبق لنا في الدرس الماضي أن المراد به مَنْ أمكنه معاينة الكعبة، هذا يجب أن يُصيب عين الكعبة بكل بدنه ولَّا ببعض بدنه؟
يقولون: بكل بدنه، فلو فُرِض أن جانب وجهه الأيمن مساويًا للكعبة؛ والجانب الأيسر خارج عن الكعبة؛ ما صح، لا بد أن يكون اتجاهه كله إلى عين الكعبة، وذلك لأنه أمكن الاتجاه عن يقين، فوجب عليه؛ ولأن الأصل وجوب الاستقبال إلى البيت الذي هو البناء، هذا هو الأصل، وليس إلى المسجد كله، وإلا لصح أن نقول: لو كان للمسجد كله لصح أن نقول: إن الذي يُصلي في الجانب الجنوبي منه مثلًا له أن يَستقبل الجانب الشمالي منه، ولو كانت الكعبة على يمينه أو على يساره، ولا أحد يقول بهذا، فالمقصود الأول هو عيْن الكعبة، فإذا أمكن وجب.
(وفرض من بعُد)؛ يعني من بعُد من الكعبة بحيث لا يمكنه المشاهدة، (إصابة الجِهة)، فما هي الجهة؟ الجهة حدَّدها النبي ﷺ فقال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (١). لما قال: «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». يريد بذلك ضد القبلة، وعلى هذا فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة كله قبلة، واضح؟
طالب: ( ... )؟
الشيخ: ما بين المشرق والمغرب كله قبلة.
طالب: أهل المدينة.
стр. 979
الشيخ: أهل المدينة ما بين المشرق والمغرب، كله قبلة؛ فالجنوب كله قِبلة لهم، أعرفتم؟ ليس قبلتهم ما ساوى الكعبة فقط، لو كان ما ساوى الكعبة كم يجي؟ خلوه عشرين مترًا، لكن نحن نقول: ما بين المشرق والمغرب، الآن هذا المسجد؛ المشرق هنا، والمغرب هنا، والجنوب هنا، كل هذا، كذا، ولَّا كذا، ولَّا كذا، كله قِبلة؛ يعني سواء اتجهت إلى وسط الجنوب تمامًا أو إلى يمينه أو يساره، المهم ألا تخرج عن كونك مستقبلًا للجنوب، هذا هو استقبال الجهة، وبهذا نعرف أن الأمر واسع.
فلو رأينا شخصًا يُصلِّي منحرفًا يسيرًا عن مسامتة القبلة التي ندعي أنها هي القِبلة، فإن ذلك لا يضر؛ لأنه لم يزل متجهًا إلى القبلة، إلى الجهة؛ جهة القبلة لمن كانوا شمالًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب، جهة القبلة لمن كانوا شرقًا عن الكعبة ما بين الشمال والجنوب، وكذلك من كانوا غربًا ما بين الشمال والجنوب، ومن كانوا جنوبًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب.
فالجهات إذن أربع، هذا مقتضى الحديث، الجهات أربع، استقبل الجهة اللي فيها الكعبة، ولك كل الأفق؛ لأنه يخرج عنك ما كان اليمين والشمال، وإلا فكل الأفق لك، وهذا واسِع، والأمر فيه غير مُشكل، الْمُشكل هو من كان في نفس المسجد، ويمكنه إصابة العين، هذا هو الْمُشكل، ولَّا الباقي ما هو مشكل، فصار إصابة الجهة لمن كان بعيدًا.
طيب لو فرضنا أن واحدًا في جانب مكة، في شمال مكة، لكنه في جانب منها الجهة ولَّا لا؟
نعم، الجهة، لكن اعلموا أنه كلما قربت من الكعبة صغُرت الجهة، وهذا واضح، فإذا وصلت إلى أن تكون تحت جِدار الكعبة تكون الجهة بقَدْر بدنِك فقط؛ يعني لو تنحرف أقل انحراف صارت الكعبة إما عن يسارك أو عن يمينك، وكلما أبعدت اتسعت الجهة، وهذا أمر مُشاهَد؛ لأن النقطة الآن لو ضربتَ نُقطة وحطيت عليها دوائر تجد أنه كلما بعدت الدوائر عنها اتسعت.
стр. 980
ثم قال: (فإن أخبره ثقة بيقين عمل بقوله) نقف على هذا؛ لأنه يحتاج إلى بحث.
طالب: مثال: ناس اجتهدوا في القِبلة، صلَّى بعضهم إلى جهة، ثم قيل: لو انحرفت شمالًا أو يمينًا ما ينحرف؟
الشيخ: ينحرف؛ لأن الأكمل أفضل ما فيه شك.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، التعبُّد بالنظر إلى الكعبة في الصلاة.
الشيخ: ما هو بصحيح، النظر إلى الكعبة ليس عبادة لا في الصلاة ولا خارج الصلاة.
طالب: ( ... ) ينظرون؟
الشيخ: إي كغيرها، إلى موضع سجوده على قول أكثر العلماء، أو تلقاء وجهه كما هو اختيار الإمام مالك أن الإنسان ينظر تلقاء وجهه؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لأصحابه في صلاة الكسوف ( ... ).
***
طالب: قال في المحرر: وإصابة عين الكعبة فرض من قرب منها. ولم يُفرِّق بين أن يكون، ثم حائل أم لا، والذي قطع به غير واحد أنه إن كان، ثم حائل فإن كان أصليًّا كجبل، ففرضه الاجتهاد إلى عينها، وعنه إلى جهتها إن تعذَّر اليقين، وإن كان غير أصلي كالدور فلا بد من اليقين، فإن تعذَّر اجتهد.
ونقل ابن الزاغوني، وجماعة في رواية أن فرضه الاجتهاد، وهذا معنى قول بعضهم: إن كان غائبًا عن الكعبة بحيث يقدر على رؤيتها، لكنه مستتِر عنها بالمنازل والجدار، فهل فرضه يقين القبلة أو التوجُّه إليها بالاجتهاد؟ فيه روايتان؛ فإن قلنا: اليقين فأخطأ أعاد وإلَّا فلا.
قال الشيخ وجيه الدين: إن كان ممنوعًا بحائل من جبل أو أكَمة، فإنه يستخبر من على ذلك الحائل من المشاهدين، هذا إن كان الحائل من الأبنية المحدثة والجدران المستجدة؛ لأنه لو كُلِّف حكم المشاهدة لأدَّى إلى تكليفه بشيء يشق عليه.
ولأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: كمذهبنا، فلا فرق بين الحائل المحدث والأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي.
والثاني: تجب عليه المعاينة، وذلك اليقين في الحائل المحدث؛ لأن ذلك فرضه قبل حدوث الحائل، وحدوث الحائل لا يُغيِّر حكم الموضع، والخبر يكون عن مشاهدَة أو عن علم. انتهى كلامه.
стр. 981
وقال القاضي في الجامع: أما من فرضه المعاينة كأن يكون في المسجد يُشاهِد الكعبة ويُعاينُها، وأما من فرضه الإحاطة واليقين وإن لم يُعاين، فهو كمن كان بمكة من أهلها، أو مِنْ غيرهم، لكن كثُر مقامه فيها، ولكنه من دون حائِل عن الكعبة لأمر أصلي الخلقة كالمنازل والتلول؛ لأنه يتمكن من التوجُّه إلى عينها قطعًا، وإن كان من غير حائل، وهكذا من كان بالمدينة ففرضُه الإحاطة واليقين؛ لأنه يتوجَّه إلى محراب النبي ﷺ فيُقطع على أنه متوجِّه إلى الكعبة.
وأما من فرضه الخبر فمن خفي عليه التوجه، وهناك من يُخبر عن الكعبة عن علم ويقين، وأما من فرضه التقليد، فمن خفِيت عليه الدلائل ولم يتوصل إلى القبلة بالدليل، وأما من فرضه الاجتهاد، فمن كان من مكة على مسافة لا يتوصل إلى المعاينة، ولا يتمكن من الإحاطة واليقين، ولا ممن يخبره عن إحاطة ويقين.
وأما من كان بمكة أو بالقرب منها من دون حائل عن الكعبة، فإن كان الحائل كالجبال والتلول ففرضه الاجتهاد أيضًا، وإن كان لا من أصل خلقة كالمنازل؛ ففرضه الإحاطة واليقين.
وكل من قلنا: فرضه الإحاطة أو اليقين أو الخبر عمل عليه، وكل من قلنا: فرضه الاجتهاد، فهل عليه الاجتهاد في طلب العين أو الجهة؟ على روايتين.
وذكر القاضي أن المشهور والصحيح عن الإمام أحمد أن عليه الاجتهاد في طلب الجهة، وأن علي بن سعيد قال: إنه مذهب الإمام أحمد، وكذا عند غيره من الأصحاب.
وذكر القاضي وغيره الفائدة التي ذكرها في المحرر على الروايتين، وأنه لو اختلف اجتهاد رجلين في الجهة الواحدة، لكن أحدهما يميل يمينًا، والآخر يميل شمالًا، فهل لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر؟ ينبني على ذلك.
قوله: أو من مسجد الرسول ..
الشيخ: أحسنت، فيه عمومات، ما هي بصريحة؛ إنه إذا صار حائل سواء أصلي ولَّا طارئ؛ فإن فرضه الاجتهاد، وأنه إذا اجتهد، وبان الخطأ فلا إعادة عليه، وهذا عام يشمل من كان في المسجد، ومن كان خارج المسجد.
стр. 982
ولكن ما ذكرتم البارحة إذا كان هناك زحام، ولا يتمكن فيجتهد ويتحرى، هذا هو الظاهر إنه يجتهد ويتحرى، وإذا أخطأ فلا إعادة عليه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
طالب: إذا شاهدنا واحدًا في الصحن يُصلِّي إلى غير جهة الكعبة إلى غير العين، هل نقول: صلاتك باطلة وتعيد؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نوجب عليه إعادة.
الشيخ: إي، نوجب عليه إعادة؛ لأنه شاهدها.
طالب: بالنسبة ( ... ) يا شيخ للآن ما ذكرنا الدليل على وجوب النظر إلى الكعبة.
الشيخ: ما فيه وجوب، النظر إلى الكعبة لا يجب بل ولا ( ... ).
***
طالب: .. المسجد الحرام.
الشيخ: حين صلَّى؟
الطالب: داخل المسجد الحرام.
أولًا: المذهب الحنفي:
تناقل فقهاء الشافعية ﵏ قولًا لأبي حنيفة بجواز التوجُّه إلى جهة الكعبة دون عينها لمن صلَّى داخل المسجد الحرام، قال الرافعي في فتح العزيز، المجلد الثالث صفحة ثنتين وعشرين بعد المئتين ما نصه:
الثانية: أن الإمام يقف خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه، ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مُستقبلين، وذكر صاحب التهذيب وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يُصحِّح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة؛ لأن الجهة كافية عنده.
ثم قال: لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فصَّلوا، وقالوا: الفرض على المصلِّي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدِر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها، وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة في حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقًا. انتهى.
ولم أقف على رأي أبي حنيفة هذا مع البحث في كثير من كتب الحنفية، بل جاء في الفتاوى الهندية تبعًا لفتاوى قاضي خان: اتفقوا -أي الحنفية- على أن القبلة في حق من كان بمكة عينُ الكعبة فيلزمه التوجه إليها.
стр. 983
وفي الدراية كما في البناية: من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأبنية، فالأصح أن حكمه حكم الغائب، ولو كان الحائل أصليًّا كالجبل، فله أن يجتهد، والأولى أن يصعد على الجبل حتى تكون صلاته إلى الكعبة يقينًا.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح الهداية كفتح القدير لابن الهمام، والعناية للبابرتي، والبناية للزيلعي، وفي بدائع الصنائع وأحكام القرآن للجصاص، وحاشية ابن عابدين وغيرها من كتبهم.
ثانيًا: مذهب المالكية:
قال القرطبي ﵀ في الجامع لأحكام القرآن، المجلد الثاني صفحة ستين بعد المئة: لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قِبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى. ذكره أبو عمر.
وقال القرافي: من قرب من الكعبة ففرضه استقبال السمت قولًا واحدًا، فإذا صَفَّ صَفٌّ مع حائط الكعبة فصلاة الخارج عنها ببدنه أو بعضه باطلة.
وقال في منح الجليل: استقبال عين الكعبة وما في حكمها مما يمكن فيه استقبال عينها يقينًا كالجبال المحيطة بها والأودية والطرق القريبة منها، فلا يكفيهم استقبال جهتها، ولا الاجتهاد في استقبال عينها.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح مختصر الخليل كمواهب الجليل، والتاج والإكليل، والشرح الكبير، والشرح الصغير، وكذا في شروح رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
ثالثًا: المذهب الشافعي:
قال الرافعي في فتح العزيز: أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه.
وفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب: ولو امتد صَفٌّ طويل بقرب الكعبة -أي ولو بأخريات المسجد- وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته.
стр. 984
وقال المحلي في شرح المنهاج: ومن أمكنه عِلم القبلة ولا حائل بينه وبينها كأن كان في المسجد أو على جبل أبي قبيس، أو سطح، وشك فيها لظلمة أو غيرها حرُم عليه التقليد؛ أي الأخذ بقول المجتهد بأن يعمل به فيها، (والاجتهاد)؛ أي العمل به فيها لسهولة علمها في ذلك، وكذلك ورد معنى ما تقدم في روضة الطالبين.
رابعًا: المذهب الحنبلي:
قال الموفق -رحمه الله تعالى- في المغني: قال بعض أصحابنا: الناس في استقبالها على أربعة أضرُب: منهم من يلزمه اليقين، وهو من كان معاينًا للكعبة، أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالحيطان، ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينًا.
وقال المرداوي في الإنصاف والفرض في القبلة: إصابة العين لمن قرب منها بلا نِزاع.
ثم قال: المراد بقوله: لمن قرب منها: المشاهد لها، ومن كان يمكنه من أهلها، أو نشأ بها من وراء حائل محدث، كالجدران ونحوها، فلو تعذَّر إصابة العين لقريب، كمن هو خلف جبل ونحوه، فالصحيح من المذهب: أنه يجتهد إلى عينها، وعنه إلى جهتها.
وذكر جماعة من الأصحاب: إن تعذر إصابة العين للقريب فحُكمه حُكم البعيد، وقال في الواضح: إن قدر على الرؤية، إلا أنه مستتر بمنزل أو غيره، فهو كمشاهِد، وفي رواية: كبعيد.
وقال الشيخ عثمان بن قائد في دقائقه وحواشيه على المنتهى وبخطه على قوله: إلا إن تعذر. كالمصلِّي خلف أبي قبيس بخلاف من صلَّى داخل المسجد الحرام أو على سطحه أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره أو علمه، أو خبر عالم، إلى آخره.
وفي معنى ما تقدم ورد في شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرح المنتهى لابن النجار والفروع، وكشاف القناع وغيرها، والله أعلم.
الشيخ: خلاص، ما راجعت ابن حزم.
الطالب: ما تعرض لها.
стр. 985
الشيخ: ما تعرَّض لها، وهذا كلهم اتفقوا على أنه إذا كان يمكنه مشاهدة الكعبة؛ فالواجب أن يتجه إلى عين الكعبة إلا ما نُقل عن الحنفية، والغريب أن ما نُقل عن الحنفية نُقل عن كتبهم خلاف ذلك.
طالب: في كتب الشافعية.
الشيخ: غريب، إي، أحسنت على كل حال.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن أخبره ثقة بيقين، أو وجد محاريب إسلامية عَمِل بها، ويُستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما، وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا في جهة لم يتبع أحدهما الآخر، ويتبع المقلد أوثقهما عنده، ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن من شروط الصلاة استقبال القبلة، فما هو دليله؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ﴾.
الطالب: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: يُستثنى من ذلك مسائل؟
طالب: العاجز، والمتنفل الرَّاكب في سفر، الراكب ليس بشرط، لكن في سفر؛ سائر، ومنها أيضًا الماشي على قول.
الشيخ: ويش بعد؟
الطالب: ومنها: في شدة الخوف.
الشيخ: وشدة الخوف، كم هذه؟
طالب: أربع.
الشيخ: أربعة ولا ثلاثة؟
الطالب: أربعة باعتبار ..
الشيخ: أعِدْها.
الطالب: العاجز.
الشيخ: العاجز، والخائف، والمتنفِّل في سفر وهو سائر بشروطه، أو المتنفل في سفر بشروطه، ما هو الدليل على استنثناء العاجز؟
طالب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: لا.
следующие страницы →