Полный текст (6 773 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تقريظ العلّامة المحدِّث الشيخ شعيب الأرنؤوط ﵀ وأجزل مثوبته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن كتاب الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النَّيسابوري ليُعَدُّ من مصنفات الحديث النبوي المهمة التي عوَّل عليها أئمة الإسلام، وعُنُوا تمام العناية بمطالعة الأحاديث والآثار منها، نظرًا لاشتماله على طرق عزيزة لأحاديثَ وآثارٍ يحتاج إليها طالبُ العلم، وذلك لسَعَة اطلاع الحاكم النيسابوري ﵀، وتفرده بالسماع من شيوخ لم يُقْضَ لغيره السماعُ منهم، لأحاديث ليست عند غير أولئك الشيوخ، خصوصًا في بلده نيسابور الذي قَطَنه علماءُ أجلّاءُ وحفاظٌ عظماءُ، ذكرهم الحاكمُ في كتابه الجليل "تاريخ نيسابور".
وكتابٌ بهذه المكانة الرفيعة جديرٌ بأن تُحقَّق نصوصُه، وتُخرج أحاديثُه، وأن يُقابل على أصوله الخطية العتيقة، وأن يُضبَط ما فيها من أسماء الرواة المشتبهة، وألفاظ الحديث المشكلِة، وأن يُبيَّن ما فيه إبهام أو إيهام من الأسماء والألفاظ.
وقد تصدّى للقيام بذلك كلّه ثُلّةٌ من أصحابي الأوفياء الأساتذة الذين تخرَّجوا على يديَّ في مكتب تحقيق التراث الإسلامي التابع لمؤسسة الرسالة العالمية، ممن لازَموني لأكثر من عشرين عامًا، وبعضهم تجاوز بصحبتي الثلاثين عامًا، وأفادوا مني كافَّة العلومِ التي لا يستغني عنها المحقِّق، من دراسةٍ للأصولِ الخَطيّة، ومقابلتها، ومعرفة خطوطها ورموزها، وضبط مشكلات الألفاظ، وتخريج الأحاديث
стр. 2
النبوية، والحكم عليها، وتَنقِيد ما يَقعُ للمصنِّفين من مُؤاخذاتٍ، والتنبيه عليها، مع المعرفة بعلوم اللغة العربية، والإلمام بعلوم التفسير والفقه وأصوله.
وكنتُ على اطّلاع بمُجريَات العمل الذي قامُوا به خيرَ قيام، مُتصبِّرين على ما يَعتَرِض عملَهم في هذا الكتاب من صُعوباتٍ ومَشاقَّ، نظرًا لحاجة كثيرٍ من أحاديثه إلى تَروٍّ وأناةٍ، خصوصًا في الحكم على أسانيد الحاكم نفسِه، الأمرُ الذي تطلَّب منهم أحيانًا أن يَمكثُوا الساعاتِ الطِّوال حتى يَتَسنّى لهم إعطاءُ الحُكم المناسب على الإسناد، بعد مُشاورةٍ فيما بينهم ومُدارسةٍ.
فكان عملُهم هذا بحقٍّ عملًا فريدًا متميزًا، وقد ساروا فيه وَفْقَ ذلك المنهج العلمي المعتدل الذي أفدتُهم به ودرَّبتهم عليه لسنين طويلة، حتى غدا كلُّ واحدٍ منهم أهْلًا لأن يضطلعَ بأعباء هذا العمل المبارك مُنفردًا، وأن يُفيد الطَّلبةَ في هذا الفنِّ فائدةً عظيمةً.
فالله تعالى أسألُ أن يتمم بالصالحات أعمالَهم، وأن يُلِهمَهم الخيرَ والسدادَ، وأن يستمروا على ما أَنِستُه منهم من الدِّقّة والإتقان في العمل، وأن يُخلِصوا الله دائمًا في القول والعمل، وأن لا يألوا جهدًا في التَّشاور فيما بينهم فيما هم بصَدَدِه من الأعمال، والله وليُّ التوفيق والسَّداد، لا ربَّ غيرُه.
شعيب بن محرّم الأرنؤوط
شهر أيار/ ٢٠١٦ م
الموافق لشعبان/ ١٤٣٧ ه
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله رب العالمين، الذي بَرَأ العبادَ وصوّرهم فأحسن صُوَرَهم، والذي أنعم عليهم بعظيم النِّعَم، وعافاهم من خَطير النِّقَم، وأجزل لهم العطاء، وامتَنَّ عليهم بمزيد السّخاء، ثم قهر العبادَ بالنقص والنسيان، والقصور عن بلوغ غاية الإتقان، ليكون هو وحدَه الربَّ المتفرِّدَ بصفات الكمال، المنزَّهَ عن صفات العيب والنقصان.
وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا محمد بن عبد الله، صاحبِ المقام المحمود، الذي ميَّزه به ربُّه المعبود، يوم لا يغني والدٌ عن مولود، ولا وادٌّ عن مودُود، رزقنا الله شفاعته والشربَ من حَوضِه الكوثر المورود، برحمتِه سبحانَه وفضلِه المعهود، وبعدُ:
فإن كتاب أبي عبد الله الحاكم النيسابوري هذا الموسوم بـ "المستدرك على الصحيحين" لَيُعدُّ ديوانًا مهمًا من دواوين السنة النبوية المطهرة، بما اشتمل عليه من الروايات والطرق الفرائد، التي لم يسبقه إليها أحدٌ من أئمة الحديث، ولا غرو في ذلك؛ لأنه إنما استقى تلك الروايات والطُّرق الفريدة من مَوارد لم يشاركه فيها غيرُه؛ إذ كان بنيسابور، كبرى حواضر العالم الإسلامي في شتى العلوم آنذاك، ولا سيما علم الحديث، وتنقل أبو عبد الله بصبر وجَلَدٍ عزّ نظيره بين مدنها وقُراها ونواحيها، والْتقى بجمٍّ غفيرٍ من الشيوخ النيسابوريين الذين سجَّل أسماءهم في ديوانه المشهور الموسوم بـ "تاريخ نيسابور"، وترجم لكل منهم بترجمة تُظهر منزلتَه وحالَه.
وقد كان لأبي عبد الله الحاكم مصنفات جليلة في علم الحديث، وأجلُّها هذا الكتاب العظيم الذي سماه بـ "المستدرك على الصحيحين"، ولكن بالرغم من
стр. 4
جلالة قدر هذا الكتاب فإنه لم يَنَل من العناية والتحقيق ما يستأهِلُه مثلُه من دواوين السُّنّة، فاستعنَّا بالله على خوض غِمار تحقيقه، ومقابلة أصوله الخطية، وتخريج نصوصه، وضبطه وشرحه.
وكنا قبل الشروع في تحقيق هذا الكتاب قد ظننّا باديَ الرأي - بنظرة عَجْلَى - أن الخطب فيه يسيرٌ، والعمل فيه هيِّن، ولا سيما أنّا قد حقَّقنا من قبله من كتب السنة ما ظنناه مُغنِيًا لنا عن الإطالة في هذا الكتاب؛ فعزمنا على أن نذكر عند كل حديثٍ في "المستدرك" نبذةً يَسيرةً نُظهر فيها الحُكم عليه وتخريجه من الكتب الستة مع "مسند أحمد" و "صحيح ابن حبان"، ثم نحيل القارئ إلى تحقيقاتنا لهذه الكتب السابقة، بحيث يجد فيها التوسعَ في الحكم على الحديث، والتخريجَ مستوفًى على الوجه الأتم الأكمل الذي يرتضيه أهل هذه الصناعة إن شاء الله.
ولكننا بعد قطع بعض مادّة هذا الكتاب تبيّن لنا أن الأمر بخلاف ما كنا نظنُّ، وأنَّ كثيرًا من أحاديثه هي بحاجة إلى مزيد من النظر والدراسة والبحث، ولا سيما وأن كثيرًا من رجاله الذين هم في طبقة متأخرة عن طبقة رجال الكتب الستة، يتطلب الأمر دراسة أحوالهم دراسة دقيقة وافية، وذلك أن كثيرًا منهم عثرنا على تراجمهم بعد التقصي والبحث الحثيث مبثوثةً في أثناء كتب التراجم والتاريخ والأنساب، ولم يُفرَد لهم تراجم واضحة تُظهر لنا حالتهم في رواية الحديث من حيث الضبط، خاصةً وأن كتاب "تاريخ نيسابور" لأبي عبد الله الحاكم مما لم يُعثَر عليه - حتى الآن - من كتب تراثنا الإسلامي الذي ربما يكون من جملة ما فُقِد أو تَلِف في بعض الكوائن السابقة المؤلمة التي عصفت ببلاد الإسلام؛ ككائنة التتار وغيرها.
وقد سَلِمَ لنا منه - بحمد الله - ما استصفاه الإمامُ أبو سعد السمعاني في كتابه الجليل الموسوم بـ "الأنساب الذي جعل كتاب "تاريخ نيسابور" للحاكم مِن أهم موارده في التراجم، فقد حرص على إيراد كثير من تراجم الرجال النيسابوريين
стр. 5
منه، فحفظ لنا أكثر ما نحتاجه من ذلك، ووجدنا فيه طَلِبَتَنا في كثير من الأحيان.
كما كان للإمام الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" عنايةٌ بنقل عدد من تراجم البغداديين من كتاب الحاكم "تاريخ نيسابور"، ممَّن رحل إلى نيسابور أو ورد إليها، فذكرهم الحاكمُ لأجل ذلك.
ولكن عددًا من رجال الحاكم في "المستدرك" لم نعثُر لهم على تراجم في شيء من كتب التراجم والتاريخ والأنساب، فتطلَّب ذلك منا إمضاء الساعات الطِّوال في دراسة أحوالهم؛ وذلك من خلال سَبْر مرويّات الراوي، ثم مطابقتها لروايات غيره من الثقات لمعرفة مدى ضبطه، وتَقصَّينا - بقدر الطاقة - عن الرجال الذين رَوَوا عنه وسَبَرنا أحوالهم، فتكوَّن لدينا عن كل راوٍ من هؤلاء نبذةٌ عن رواياته والرواة عنه، استطعنا من خلالها الوصول إلى حكم يناسبه إن شاء الله.
وظهر لنا أيضًا أن عددًا من طرق المصنِّف ورواياته فيها عللٌ ومخالفاتٌ، فتطلَّب الأمرُ دراستَها دراسةً دقيقةً، مما دعانا إلى التوسع في بيان الطرق والروايات لتبيين ذلك، بغية الوصول إلى الحكم الأصوب على تلك الروايات والطرق.
فنرجو من المولى أن نكون قد وُفِّقنا في القيام بذلك، وأن نكون قد أنجزناه على أقرب وجهٍ، وأقوَم سبيلٍ، ونرجوه سبحانه أن يتقبل ذلك العملَ منا وأن يجعله في صحائف أعمالنا، فهو الكريم الذي لا يَخِيب سائلُه، ولا يُردُّ قاصدُه.
واللهَ تعالى نسألُ التوفيقَ والسدادَ دائمًا في القول والعمل، فإن كنا قد أَحسنّا الصنيعَ فمن الله وحدَه، وإن كنا قد أخلَلْنا ببعض ذلك فمن تقصيرنا وسهونا، وله الحمدُ سبحانه في الأولى والآخرة، وهو حسبُنا ونعم الوكيل.
ونقدِّم بين يدي هذا التحقيق فصولًا ومباحث مهمّة، تعرِّف بحال المصنّف أبي عبد الله الحاكم وكتابه "المستدرك"، فنقول - وبالله الاستعانة ومنه السداد والتوفيق -:
стр. 6
الفصل الأول الإمام الحاكم النيسابوري؛ بلدُه نيسابور، وعصرُه، وسيرتُه
وفي هذا الفصل سنبتدئُ بالحديث عن إقليم نيسابور بلد الإمام الحاكم، ثم عن عصره والظروف المحيطة به من النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية في بلده نيسابور خاصةً.
ثم نثنّي بالكلام عن شخصية الإمام الحاكم؛ عن اسمه وولادته ونشأته وأسرته، ثم عن ثقافته العلمية ورحلاته، وأبرز شيوخه الذين تلقى عنهم العلم في تلك الرحلات، ثم نذكر أبرز تلامذته الذين أفادوا منه، وبعدها نبين مكانته في أوساط علماء عصره، ونورد ثناء الأئمة عليه، ثم نُعقِب بذكر آثاره العلمية المتميزة.
وبعد ذلك نتحدّث عن مذهبه الفقهي، وعن مذهبه العقائدي.
ثم نختم بذكر وفاته ﵀.
стр. 7
المبحث الأول نيسابور بلد الإمام الحاكم، وعصره والظروف المحيطة به من النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية
المطلب الأول: التعريف بنَيسابُور:
نَيسابُورُ: بفتح النون وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح السين المهمَلة وبعد الألف باءٌ منقوطة بواحدةٍ، وفي آخرها الراء، وهي أحسن مدينةٍ وأجمعها للخيرات بخُراسان، إنما قيل لها: نَيسابور، لأن سابُور مَرَّ بها، فلما نظر إليها قال: هذه تَصلُح أن تكون مدينةً، فأمَر بها فقُطع قصبُها، ثم كُنِس، ثم بُنيت، فقيل لها: نيسابور، والنَّي: القَصَب، وكان فتحُها زمن عثمان بن عفان ﵁، على يد ابنِ خالته عبد الله بن عامر بن كُرَيزٍ في سنة تسع وعشرين من الهجرة (١).
وقد وصفَ ياقوتُ نيسابورَ بأنها: مدينةٌ عظيمةٌ، ذات فضائلَ جسيمةٍ، معدنُ الفضلاء ومَنبَعُ العلماء. قال: لم أرَ فيما طَوَّفتُ من البلاد مدينةً كانت مثلَها (٢).
وتُعدُّ نيسابورُ إحدى كبرى المدن الأربعة بخُراسان، وهي نيسابور ومَرْو وهَرَاة وبَلْخ، وأعظمها نيسابور (٣).
وكانت دارُ الإمارة أولَ الأمر في خُراسان بمَرُو وبَلْخ، إلى أيّام الطاهريّة (٤)،
_________
(١) "الأنساب" للسمعاني، نسبة (النيسابوري). وسابُور: هو سابور بن أَرْدَشِيرَ بنَ بابَك بن ساسَان، أحدُ ملوك الفرس. "المسالك والممالك" لأبي عُبيد البَكْري ١/ ٢٨٠ - ٢٨٦.
(٢) "معجم البلدان" ٥/ ٣٣١.
(٣) "المسالك والممالك" لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الإصطخري ص ٢٥٣. وخُراسان: كلمة مركبة من "خُور" أي: شمس، و "أسان"، أي: مشرق، وكانت مقاطعةً كبيرةً من الدولة الإسلامية، تتقاسمها اليومَ عدة دول، فنيسابور في إيران، وهراة وبلخ في أفغانستان، ومرو في تركمانستان. وتقع نيسابور في جمهورية إيران شرق العاصمة طهران على بعد ٧٦٠ كم منها تقريبًا.
(٤) هذه النسبةُ لطاهر بن الحسين بن مصعب بن رُزَيق بن أسعد بن زاذَان، أبي طلحة الخُزاعي، =
стр. 8
فنقلُوها إلى نَيسابور، فعُمِرت وكَبِرت، وكثُر مالُها مِن تَوطّنهم إيَّاها (١).
ولم يكن بخراسان مدينةٌ أصحَّ هواءً من نَيسابُور، وكان يرتفع منها من أصناف ثياب القُطن والإبريسم ما يُنقَل إلى سائر بلدان الإسلام وبعض بلاد الشِّرك، لكثرتها وجَوْدتها (٢).
_________
= والي خُراسان، وجَّه به المأمونُ إلى بغداد لمُحاربة أخيه الأمين، فظفر به طاهرٌ وقتلَه، ولقَّبه المأمونُ ذا اليمينَين، وقد ولي أولادُه من بعده إمارةَ إقليم خراسان منهم: طلحة بن طاهر وعبد الله بن طاهر، وطاهر بن عبد الله بن طاهر ومحمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر. انظر "كتاب بغداد" لأبي الفضل بن طَيْفُور ص ٣٥ و ٧٤، و "تاريخ الطبري" ٨/ ٥٩٥، و "المنتظم" لابن الجوزي ١٣/ ١٠٣ - ١٠٢.
(١) "المسالك والممالك" للإصطخري ص ٢٥٨.
(٢) المصدر السابق ص ٢٥٥ - ٢٥٦.
стр. 9
المطلب الثاني: عصرُ الحاكم، والظروف المكتنفة به من النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية، في نيسابور خاصَّة:
أ - الظروف السياسية:
عاصر الإمام الحاكم منذ ولادته بنيسابور سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة المرحلةَ الثانيةَ من الخلافة العباسية، تلك المرحلة التي كان فيها حُكم خلفاء بني العباس مقتصرًا على بغداد وما حولها، دون ما سواها من بلاد الإسلام التي تعدَّدت الإمارات فيها، مع إعلان أكثر تلك الإمارات للخليفة العباسيّ بالولاء والطاعة، غير أن كل إمارةٍ كانت تنفرد بحكم ما تحتها يدها من بلادٍ.
وعند ولادة الحاكم كان الخليفة العباسي آنئذٍ القاهر بالله بن المعتضد بالله، ثم تولى الخلافة بعده الراضي بالله بن المقتدر بالله، ثم المتقي بن المقتدر، ثم المستكفي بن المكتفي، ثم المطيع بن المقتدر، ثم الطائع بن المطيع، ثم القادر بالله، الذي كان آخرَ خليفة عباسيٍّ عاصره الإمامُ الحاكم.
وكانت نيسابور لدى ولادة الحاكم تحت إمارة السامانيين، فكان أمير خراسان إذ ذاك نصرُ بن أحمد بن إسماعيل الساماني، الذي كان من بيت إمارة ورياسة، إذ سبقه إلى الإمارة أبوه أحمد، ومن قبلِه جدُّه إسماعيل بن أحمد الذي ولَّاه المأمونُ بلادَ ما وراء النهر (١)، ثم امتدت إمارة السامانيين لتشمل خراسان أيضًا.
وقد تعاقب بنو سامان على إمارة البلاد حتى عام ٣٨٧ هـ، حين تغلَّب عليهم الغزنويون، وكان ذلك على يد سُبُكْتِكين الذي تولى الحكم في خراسان، وولَّى ابنَه
_________
(١) بلاد ما وراء النهر: يُراد بها ما وراء نهر جِيحُون بخُراسان، فما كان في شَرقيِّهِ يقال له: بلاد الهَياطِلَة، وفي الإسلام سمَّوهُ: ما وراء النهر. "معجم البلدان" لياقوت الحموي ٥/ ٤٥. وتُعرف الآن باسم "آسيا الوسطى" الإسلامية، وتضمُّ خمس جمهوريات إسلامية كانت خاضعة للاتحاد السوفييتي سابقًا، ثم مَنَّ الله عليهم فاستقلُّوا بعد انهياره، وهذه الجمهوريات هي الآن: أوزبكستان وطاجيسكتان وقازاخستان وتركمانستان وقرغيزيا. "موجز عن الفتوحات الإسلامية" للدكتور طه عبد المقصود أبو عُبيَّة ص ٧.
стр. 10
محمود بن سُبُكْتِكين نيسابور، وكان محمود هذا لقَّبه القادر بالله العباسي بـ "يمين الدولة"، ثم بعد وفاة والده سُبُكْتِكين آلت إمارةُ البلاد التي كانت لوالده إليه بعد أن تَغلَّب على أخويه إسماعيل ونصر ابني سُبُكْتِكين، وصفَا له الحكم سنة ٣٨٩ هـ، وسيَّر له الخليفة العباسيُّ القادر بالله خلعة السَّلْطنة، واستمر في السَّلطنة حتى وفاته سنة ٤٢١ هـ أو التي بعدها (١)، ثم توفي بعده بقليل الخليفة العباسي القادر بالله (٢).
وفي عهد الخليفة العباسي القادر بالله، وعهد سلطان خراسان وبلاد الهند وبلاد ما وراء النهر يمينِ الدولة محمود بن سُبُكْتِكين، كانت وفاة الإمام أبي عبد الله الحاكم، إذ توفي سنة ٤٠٥ هـ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.
ب - الظروف الاجتماعية:
كانت بلاد خراسان - وبخاصة نيسابور - في ذلك العصر الذي عاشه الإمام الحاكم تتمتع بتمام القوة والمنعة وكثرة الأموال، وكانت الفتوحات ولا سيما في عهد السلطان محمود بن سبكتكين قد بلغت أوجها، مما أدى إلى كثرة الغنائم والأموال في الدولة (٣)، فكان يغلب على أهل تلك البلاد الغنى والثراء، وكانت لهم أسواق عامرة، وخانات كثيرة، وبساتين وارفة الظلال، وقصور فارهة (٤).
وكانت حركة التجارة نشطة في تلك البلاد أيضًا، فما كانت بلدة من بلاد خراسان إلا وتشتهر بأنواع من التجارات في شتى صنوف المواد من مواد غذائية وأنواع كثيرة من الثياب، وكثير من المعادن، واشتهرت نيسابور من بين بلدان خراسان بأنواع الثياب والغزل والحديد (٥).
_________
(١) "وفيات الأعيان" لابن خَلِّكان ٥/ ١٧٥ - ١٨١.
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي ٥/ ٦١ - ٦٤.
(٣) "الكامل في التاريخ" لعز الدين بن الأثير الجزري ٩/ ١٦٩ و ٢٤٤ و ٣٠٩ - ٣١٠ و ٣٤٢ - ٣٤٥.
(٤) "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" لمحمد بن أحمد المقدسي البشاري ص ٢٩٣ - ٣٢٢.
(٥) "المسالك والممالك" للإصطخري ص ٢٥٨، و "أحسن التقاسيم" ص ٣٢٣ - ٣٥٢.
стр. 11
وأما أَلْسِنة أهل تلك البلاد فكانت مختلفةً؛ فلسان أهل نيسابور وُصِف بأنه فصيح مفهوم، غير أنهم يكسرون أوائل الكلم، ويزيدون الياء مثل "بيكو" و "بيشو"، ويزيدون السين بلا فائدة مثل "بخردستي" و "بكفتستي" و "بخفتستي" وما يجري مجراها، وفيه رَخَاوة ولَجَاج (١).
وأما مجالسهم، فقد تميزت نيسابورُ من بين سائر بلاد خراسان بمجالس خاصة، منها:
١ - مجلس المظالم في كلّ يوم أحد وأربعاء بحضرة صاحب الجيش أو وزيره، فكلّ من رَفَع قِصَّةً قدّم إليه فأنصفه، وحولَه القاضي والرئيس والعلماء والأشراف.
٢ - مجلس الحكم كل اثنين وخميس بمسجد رجاء، لا ترى في الإسلام مثلَه.
٣ - مجالس على أيّام الجمعة لوجوه البلد بالغَدَوات، يجتمع فيها القرّاء يقرؤون إلى ضحًى (٢).
وأما تَجمُّل أهل خراسان فكان على أوجه:
١ - أما الفقهاء والكبراء فيتطَيلَسُون ولا يَتحنَّكون إلّا من يَستحمِق.
٢ - ولهم لِبْسَةٌ يتفرّدون بها في الشتاء؛ يتلبّس أحدهم ويجعل الطَّيلَسانَ فوق العَمائم، ثم يلبس مِن فوق ذلك دَرّاعة، ويرخي ما فوق العِمامة على طرف الدرّاعة من خَلْف.
٣ - وأهل سِجِسْتان يُكوّرون العمائم مثل التِّيجان، ولا يَتطيلَسُ بما وراء النهر إلّا كبيرٌ، إنّما هي الأقبيةُ المفتوحة.
٤ - وبمَرْو أنصاف العلماء يجعلون الطَّيالِسة على أحد أكتافهم مجتمعةً، فإذا أرادوا أن يرفعوا فقيهًا أمروه بالتَّطَيلُس (٣).
_________
(١) "أحسن التقاسيم" ص ٣٣٤.
(٢) المصدر السابق ص ٣٢٨.
(٣) المصدر السابق. والطيلسان، ويقال له الطالسان أيضًا: ضَربٌ من الأوشحة يُلبس على =
стр. 12
ج - الظروف العلمية:
لقد شهدت نيسابور في العصر الذي عاش فيه الإمام أبو عبد الله الحاكم حركةً علميةً واسعة النطاق، إذ كانت زاخرةً بأهل العلم من فقهاء ومحدثين ومفسرين وغيرهم من أرباب العلوم والمعارف، فلا تكاد تَجِد فنًّا من فنون العلم إلا وللنيسابوريين منه نَصيبٌ وافرٌ، ولا سيما في ذلك العصر.
وقد اعتنى سلاطينُ أولئك البلاد من السامانيين والغزنويين مِن بعدِهم ببناء المعاهد والمدارس ودُور العلم التي كانت تزخر دَومًا بطلبة العلم في شتى العلوم، وقرَّبوا العلماء، وأنزلوهم منازلَهم التي تَليق بهم، وعظَّموهم، وأكرموهم غاية الإكرام، وخصصوا لهم الأُعطيات، مما شجعهم على المكث في تلك البلاد، حتى قاموا بإفادة الطلبة الواردين إليهم من كل حدب وصوب، ولم يَضِنّوا بنشر علومهم، وبذل معارفهم لهم.
حتى إن أوّل من حُفظ عنه أنه بَنى مدرسةً في الإسلام هم أهلُ نَيسابور (١).
ومن أهم تلك المدارس بنَيسابور: المدرسة البَيهقية، والمدرسة السعيدية التي بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليًا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب، ومدرسةٌ رابعة أيضًا بُنيت للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني التي قال عنها أبو عبد الله الحاكم: لم يُبْنَ بنيسابور قبلها مثلُها" (٢). قال ابن السُّبكي: وهذا
_________
= الكَتِف، أو يُحيط بالبدن، خالٍ عن التفصيل والخياطة، أو هو ما يُعرَف في العامَّية بالشَّال. فارسي مُعرَّب تالسان أو تالشان. والعِمامة: ما يُلَفُّ على الرأس. والدَّرّاعة: ثَوبٌ من صوف وجُبّةٌ مشقوقةُ المُقدَّم. والأقبية: جمع قَبَاء، ثوبٌ يُلبَس فوق الثياب أو القميص، ويُتمَنْطَق عليه (أي: يُشَدُّ وسطه بشيءٍ). "المعجم الوسيط" ٢/ ٥٦١ مادة (طلس)، و ٢/ ٦٢٩ مادة (عم)، و ١/ ٢٨٠ مادة (درع)، و ٢/ ٧١٣ مادة (قبو).
(١) "المواعظ والاعتبار" لتقي الدين المقريزي ٤/ ١٩٩.
(٢) "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين بن السُّبكي ٤/ ٣١٤.
стр. 13
صريحٌ في أنه بُني قبلَها غيرُها (١).
قلتُ: ومن مدارس نيسابور كذلك: مدرسة دار السُّنّة التي كان أبو عبد الله الحاكم يتولى أوقافها (٢)، والظاهر أنها المدرسة التي عناها الحاكمُ بقوله في حديث النَّوّاس بن سِمعان في ذكر الدجال (٣): حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاءً في الجامع قبل بناء الدار للشيخ الإمام في شعبان سنة ثلاثين وثلاث مئة …
ومنها المدرسة النِّظَامية التي أنشأها الوزير نظام الملك الطُّوْسي (٤).
ومن مدارسها المعروفة أيضًا: مدرسة سهل الصُّعْلُوكي، ومدرسة السُّيُوري، ومدرسة أبي العباس المشطي، ومدرسة إسماعيل الصابوني، ومدرسة أحمد الثعالبي، ومدرسة الحدَّاد، والمدرسة العمادية ومدرسة أصحاب الشافعي، والمدرسة القُشيرية، ومدرسة الشَّحّامي، إلى غيرها من المدارس التي انتشرت في أنحاء نيسابور (٥).
وكان كثير من أهل العلم من بلاد ما وراء النهر ممن يقصد الحج والعمرة، أو مَن يريد الرحلةَ في طلب العلم إلى بعض بلاد الإسلام، كبغداد والشام ومصر والحجاز، يمرُّون في طريقهم على بلاد خراسان، فيهتَبِلُون فرصة مرورهم بها؛ فيلتقون بأهل العلم والمعرفة فيها بغية، تحصيل ما لديهم من فوائد علمية، ولا سيما نيسابور، التي كانت - كما قدّمنا - حاضرةً من كبرى حواضر العالم الإسلامي
_________
(١) المصدر السابق ٤/ ٣١٤.
(٢) "المنتخب من كتاب السياق التاريخ نيسابور" ص ١٦.
(٣) "المستدرك" (٨٧١٨).
(٤) المصدر السابق ص ٦١ و ١٤٦، و "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٩/ ٩٤. وقد أشار الحاكمُ إلى هذه المدرسة في ترجمته لأبي منصور محمد بن محمد بن سمعان الحِيْريّ المذكِّر، وفي ترجمة حاجب بن أحمد الطوسي، كما في "الأنساب" للسمعاني نسبة (السمعاني) و (الطوسي).
(٥) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" ص ٥٣ و ٥٨ و ٥٩ و ٦٠ و ٩١ و ١٠١ و ١٢٥ و ١٥٣ و ٢٥٥ و ٣٩٧ و ٤٥٢ و ٤٥٨ و ٤٧٦ و ٥٠٣ و ٥٠٨ و ٥٢١.
стр. 14
في شتى العلوم، وبخاصة علوم الحديث، فقد قَطَنها عددٌ غير قليل من أولئك المحدِّثين الأفذاذ الذين كان يُشار إليهم بالبنان، ويُشاد بفضلهم في كل مكان.
وقد أورد الحاكم ذكرَ النيسابوريين من أهل العلم والرواية في كتابه الجليل "تاريخ نيسابور"، وهو من جُملة ما فُقد كما قدَّمنا، لكن سَلِم لنا - بحمد الله - مُلخّصه الذي صنعه أحمد بن محمد بن الحسن بن أحمد المعروف بالخليفة النَّيسابوري، حيث جاء في هذا المُلخَّص سَرْدُ أسماء أولئك النيسابوريين مُقسَّمين إلى طبقاتٍ.
وسنفرد إن شاء الله مطلبًا في ذكر أهم العلماء النيسابوريين الذين أدركهم الإمام أبو عبد الله الحاكم، ونَهَل من مَعِين مَعارفِهم، واستنزف ما لديهم من علوم، حتى بلغ تلك المكانة السامقة في أوساط علماء عصره.
стр. 15
المبحث الثاني التعريف بشخصية الإمام الحاكم، وثقافته العلمية، ورحلاته، وشيوخه، وتلامذته، وثناء الأئمة عليه، وآثاره العلمية، ومذهبه الفقهي، ومذهبه العقائدي، ووفاته
المطلب الأول: شخصية الإمام الحاكم: اسمه وولادته ونشأته وأُسرته:
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدَوَيهِ بن نُعيم بن الحَكَم، الضَّبِّي الطَّهْماني، أبو عبد الله الحافظ، الحاكم، النَّيسابُوري، المعروف بابن البَيِّع (١).
ولد بنيسابور صبيحة يوم الاثنين، الثالث من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة (٢). وكان هو نفسُه يصرِّح بولادته في تلك السنة، كما في ترجمته لأبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد الجَوْزَقي (٣).
وقد كان أبوه عبد الله بن محمد بن حَمدَويه مؤذِّنًا، أذَّن ثلاثًا وثلاثين سنة، وغزا اثنتين وعشرين غَزاة، وكان يُديم الصلاة بالليل، وأنفق على العلماء والزهاد
_________
(١) يقال له: الضَّبِّي، لأن جدَّ جدته: هو عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان الضَّبِّي، وأم عيسى بن عبد الرحمن: هي متويه بنت إبراهيم بن طَهْمان الزاهد الفقيه، فلذلك يقال له: الطُّهْماني. "المنتخب من كتاب السياق التاريخ نيسابور" لأبي إسحاق الصَّرِيفيني ص ١٥.
ويقال له: ابن البَيِّع، بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المشددة آخر الحروف، وفي آخرها العين المهملة، هذه اللفظة لمن يتولى البِيَاعةَ والتوسُّطَ في الخانات بين البائع والمشتري من التجار للأمتعة. "الأنساب" للسمعاني رسم (البيّع).
وعُرف بالحاكم لتقلُّده القضاء بنَسَا كما في "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ص ٢٢٩، وليس بنيسابور كما وقع في "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٤/ ٢٨١!
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩، و "كتاب الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين" لعلي بن المفضَّل المقدسي ص ٤٠٦، و "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري" لابن عساكر ص ٢٢٧، و "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٤/ ٢٨١.
(٣) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الجوزقي).
стр. 16
مئة ألف درهم، وقد رأى عبدَ الله بن أحمد، ومسلمَ بن الحجّاج، وروى عن ابن خُزيمة وغيره، وتوفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة (١). وهذا يعني أنه توفي ولابنه أبي عبد الله من العُمر ست عشرة سنة.
وكان لأبي عبد الله الحاكم أخٌ أكبر منه اسمه محمد أيضًا، ذكره الحاكم في "تاريخه"، وذكر أنه سمع الكثير من الحافظ أبي محمد جعفر بن أحمد الحَصِيري، وأن الحَصِيري هذا هو جدُّ أخيه (٢). قلنا: يعني جدَّه لأمه، فهو إذًا أخوه من أبيه.
وكان لأخيه هذا ابنٌ اسمه محمد كذلك، وكنيته أبو سهل، وهو أكبر من أبي عبد الله الحاكم، قال عنه الحاكم: سمع الكثير قبلي ومعي، وكتب بخطه جملةً، وحدّث، وكان أكبرَ مني بخمس عشرة سنة. توفي سنة اثنتين وتسعين في جمادى الآخرة، وله سبع وثمانون سنة ﵀ (٣). فإذا كان ابن أخي الحاكم يكبره بخمس عشرة سنة، فهذا يدل على أن أخاه محمدًا أكبر منه بكثير، وأن الحاكم من أصغر إخوته، وأن والدهما تزوَّج بأكثر من امرأةٍ.
وذكر الحاكم في "تاريخه" في الطبقة السادسة من شيوخه الذين أدركَهم ورُزق السماعَ منهم بنيسابور: عبدَ الله بنَ محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم أبا الحسن، الضَّبيِّ النَّيسابوري (٤). وهذا يُحتمل أن يكون أخًا آخرَ للحاكم، أو ابنًا لأخيه محمدٍ الذي قدَّمنا ذِكرَه، والله أعلم.
وكان لأبي عبد الله الحاكم خالٌ من أهل الفضل، وهو أبو علي محمد بن علي بن محمد بن نَصْرويه المقرئ المؤذِّن النَّصرويّ، ذكره الحاكم في "تاريخه" فقال:
_________
(١) "المنتظم" لابن الجوزي ١٤/ ٧٣. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم والدَه في كتاب "تارخ نيسابور" كما في "تلخيصه" للخليفة النيسابوري ص ٩١.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١٤/ ٢١٨. وانظر "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم" لنايف بن صلاح المنصوري ١/ ٣٢.
(٣) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٧٢٠. وانظر "الروض الباسم" ١/ ٣٢.
(٤) "تلخيص تاريخ نيسابور" ص ٩٢. وانظر "الروض الباسم" ١/ ٣٢.
стр. 17
أبو علي المؤذِّن المقرئ، كان من العُباد الصالحين، القاعدين عن التسوُّق والتصرُّف، القانِعين بميراث الآباء، حج وغزا، وأنفق على العلماء الفاضلَ من قُوتِه، وأذَّن نيِّفًا وخمسين سنةً مُحتسِبًا، وتوفي في شعبان سنة تسع وسبعين وثلاث مئة، وصلَّى عليه ابنُه، ودُفِن في مقبرة باب معمر، وتوفي وهو ابن مئةٍ وثلاث سنين (١).
ولخاله أبي علي بن نصرويه هذا ابنٌ هو عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن نصرويه، أبو محمد النيسابوري، سمع أبا العباس الأصمَّ وأحمد بن إسحاق الصِّبْغي، وحدَّث (٢).
ولابن خاله هذا ابنٌ اسمه علي بن عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن نصرويه المؤذِّن الورَّاق، أبو الحسن الطَّهماني النَّيسابوري، وُصف بأنه كان محدِّثًا ثقةً من كبار المحدِّثين، كثيرَ الحديث، كثيرَ الشيوخ، وأنه كان يُفيد ويُورِّق ويُسمِع (٣).
وللحاكم أيضًا ابن خالةٍ اسمه أبو سعد محمد بن عبد الله بن حَمْشَاذَ الحاسِب، من أهل نَيسابور، كان عارفًا بالحِساب، رحل إلى العراق والحجاز وبلاد ما وراء النهر، ذكره الحاكم في "تاريخه"، فقال: أبو سعد الحاسب، وهو ابن خالتي (٤)، وكان أبوه من أعيان المشايخ والتجار بنيسابور، طلب أبو سعد معنا الحديثَ في صِباهُ من سنة ثلاثين وثلاث مئة إلى سنة سبع وأربعين، ثم أقام ببَلْخ وسمَرْقَند، وذُكِر بعد ذلك بالحِساب، سمع بنيسابور، ورحل معي إلى أبي النضر، ودخل بغداد قبلي، وحدَّث، وتوفي غداة يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر من سنة ست وثمانين وثلاث مئة، وصلَّى عليه أخوه أبو منصور، ودُفن بجنب أبيه بباب معمر (٥).
_________
(١) "الأنساب" نسبة (النصروي) ١٣/ ١١٠.
(٢) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٧٤٠.
(٣) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٤١٦ الترجمة (١٢٧٤).
(٤) وقع في بعض نسخ "الأنساب" للسمعاني نسبة (الحاسب): ابن خالي. وهو تحريف بيقينٍ، كما يظهر من تسمية خال الحاكم الذي قدَّمنا ذكرَه.
(٥) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الحاسب). وانظر "الروض الباسم" ١/ ٣٣.
стр. 18
وجدّة أبي عبد الله الحاكم لأمِّه، كان لها أخ اسمه عيسى، وهو أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن بن سليمان الضَّبّي، وصفه الحاكم بأنه إمام في اللغة والعلم، وأحدُ الأشراف في نفسه وآبائه وأسلافِه، ووصفه السمعاني بأنه كان ثقةً صدوقًا، وقال: مات في صفر سنة ثلاث وتسعين ومئتين (١). فهذا خال أمُّ أبي عبد الله الحاكم.
ولخال أمه هذا ابنٌ اسمه محمد، وكنيته أبو صالح، ذكره الحاكم في "تاريخه"، فقال: أبو صالح بن عيسى العارض، أحد مشايخ خراسان، ومعتمَد أولياء السلطان، وكان من العقلاء الأدباء، المحبِّين للعلماء والصالحين، المُفضِلين عليهم بماله وجاهِه، وكان يرشَّح للوزارة فيأبَى عليهم، قال الحاكم: وكان أبو صالح ابنَ خال أمي، ولنا به اختصاص القرابة والصحبة، كتبتُ عنه بنيسابور غيرَ مرّة، ثم كتبنا عنه بمَرْو، ونظرتُ في كتبه بها سنة ثلاث وأربعين، وتوفى بمَرْو ليلة الجمعة لخمس بقين من صفر، سنة أربع وأربعين وثلاث مئة (٢). فهذا ابن خال أمِّه.
إذًا فلقد كان الإمام أبو عبد الله الحاكم من بيت علم وفضل وأدب، من جهة والدَيه كليهما، فرحمهم الله جميعًا.
المطلب الثاني: طلبه للعلم، وثقافته العلمية، ورحلاته:
- شروعه في طلب العلم، وثقافته العلمية:
طلب أبو عبد الله الحاكم العلم مِن الصغَر باعتناء أبيه وخاله - اللذَين قدَّمْنا ذِكرَهما - فشرع أولًا بسَماع الحديث، وكان أول سماعه سنة ثلاثين (٣)، كما نبَّه على ذلك هو في "تاريخه" في ترجمته لابن خالته أبي سعد الحاسب، حيث قال: طلب أبو سعد معنا الحديثَ في صِباه من سنة ثلاثين وثلاث مئة (٤).
_________
(١) "تلخيص تاريخ نيسابور" ص ٥٠، و "الأنساب" نسبة (الطهماني).
(٢) "الأنساب" نسبة (العارض)، و "الإكمال" لابن ماكولا ١/ ٧١ - ٧٢.
(٣) "تاريخ بغداد" ٣/ ٥١٠، و "المنتظم" ٥/ ١٠٩، و "تاريخ الإسلام" ٩/ ٨٩.
(٤) "الأنساب" نسبة (الحاسب).
стр. 19
وقد وقفنا على سماعٍ للحاكم من أبي العباس محمد بن يعقوب الأصمِّ مؤرَّخ بتلك السنة، في حديثٍ رواه في "المستدرك"، وهو حديث النَّوّاس بن سِمْعان في ذكر الدجّال (١)، حيث قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاءً في الجامع قبل بناء الدار للشيخ الإمام في شعبان سنة ثلاثين وثلاث مئة.
قلنا: وكان عُمر الحاكم وقتئذٍ تسع سنين.
ثم وقفنا له على سماع بعد ذلك من أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المَكتُومي باستملائه على أبي العباس الأصمّ، أرّخه لنا الحاكمُ في ترجمته للمكتومي في "تاريخه" بسنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة (٢).
وذكر في "تاريخه" أنه استَمْلَى على أبي حاتم بن حِبّان سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، وفي ذلك يقول: وَرَدَ نيسابورَ سنة أربع وثلاثين، وحَضَرْناهُ يومَ جمعةٍ بعد الصلاة، فلما سألْناهُ الحديثَ نظر إلى الناس، وأنا أصغرُهم سِنًّا، فقال: استَمْلِ، فقلت: نعم، فاستملَيتُ عليه (٣). قلنا: كان عمره وقتَها ثلاث عشرة سنة.
ثم ذكر الحاكمُ لدى ترجمته لحاجب بن أحمد الطُّوسيّ أنه سَمِع منه في مجلسٍ له في دار السُّنّة، قرئ عليه فيه ثلاثة أجزاء من سماعاته، سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة (٤).
وفي هذه السنة كذلك ذكر أنه كتب عن أبي محمد الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهر الإسْفَراييني الأزهري، ابن أخت أبي عوانة الحافظ، لدى مَقدَمِه إلى نيسابور، وأنه كان يقدم إليها كلَّ سنة (٥).
وفي ترجمته لأبي حاتم أحمد بن محمد بن حاتم الفقيه الحاتِمي المزكِّي، قال:
_________
(١) "المستدرك" (٨٥٧٣).
(٢) "الأنساب" نسبة (المكتومي).
(٣) "الأنساب" نسبة (البستي).
(٤) "الأنساب" نسبة (الطوسي).
(٥) "الأنساب" نسبة (الأزهري).
стр. 20
كتب معنا بنيسابور من سنة خمس وثلاثين (١).
ثم لم يزل أبو عبد الله الحاكم حريصًا على سماع الحديث في صغره، ولم يَتوانَ عن ذلك، كما يظهر لنا ذلك واضحًا من إلحاحه الشديد على الإمام أبي الطيب الصُّعلُوكيّ - وكان صديقًا لوالده - أن يُسمعه شيئًا من الحديث، فكان يأبى عليه، حتَّى توسَّط له والدُه عند أبي الطيب فأسمعه شيئًا يسيرًا، وفي ذلك يقول الحاكم في "تاريخه": سألت أبا الطيب غيرَ مرَّة أن يحدِّثني، فأبى، وكان صديقَ أبي، فمشى معي أبي إليه وسألَه، فأجاب، ثم قصدتُه بعد ذلك غير مرّة، فقال: أنا أستحيي من أبيك أن أرُدَّه إذا سألَني، فأما التحديثُ فليس إليه سبيلٌ (٢). قلنا: وكان الحاكم إذ ذاك في السادسة عشر من عُمُره أو دونها، لأن أباه وأبا الطيب قد تُوفّيا جميعًا سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة (٣).
وذكر الحاكم أنه في هذه السنة - أي: سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة - كتب عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد الفقيه البُخاري، بانتخاب أبي علي الحافظ (٤)، وعن أبي الحسن عيسى بن زيد بن عيسى الطالبي العَقِيلي (٥)، اللذَين تُوفَّيا في تلك السنة نفسها. وفي تلك السنة كذلك كتب عن أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابُوري المتوفى سنة ستين وثلاث مئة (٦).
وكتب كذلك سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الحاتمي).
(٢) "الأنساب" نسبة (الصعلوكي). ونقل السمعاني عن الحاكم قوله في أبي الطيب الصُّعلُوكي: بأنه كان مُقدَّمًا في معرفة اللغة، ودرس الفقه، وأدرك الأسانيد العالية، وصنَّف في الحديث، وأَمسك عن الرواية والتحديث بعد أن عُمِّر.
(٣) "المنتظم" لابن الجوزي ١٤/ ٧٣، و "الأنساب" للسمعاني، نسبة (الصعلوكي).
(٤) "تاريخ بغداد" ٧/ ١٠٢.
(٥) "الأنساب" نسبة (العقيلي).
(٦) "المستدرك" (٧٠٦٤).
стр. 21
ابن محمد الرِّيوَنْدِي المكاتب في مجلس أبي بكر بن إسحاق، كما صرّح الحاكمُ بذلك في ترجمته له في "تاريخه"، وذكر أنه بلغته وفاته سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة (١).
وفي هذه السنة - أي سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة - لاحَتْ على الحاكم مَخايِل النَّجابة والذَّكاء، ولم يكن وقتئذ قد تجاوز السابعة عشر من عمره، فبدأ يفتَّش في صحة سماعات الشيوخ ويحقِّق ويدقِّق، كما يُفهَم من قوله في أثناء ترجمته لأبي حامد أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الحَسْنَوي، وقد كان يدّعي سماعَ شُيوخ لم يسمع منهم، فيقول الحاكم: كنت أغار عليه بعد أن عَقَلتُ؛ فكنت أسأله عن لُقيّ أولئك الشيوخ. ثم قال: قصدتُ أبا حامد الحسنوي للنصف من المحرم سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة، فسألته عن سنّه، فقال: أنا اليوم ابن ست وثمانين سنة، قلت: في أي سنة أُدخِلتَ الشام؟ قال: أُدِخلت الشام سنة ست وستين ومئتين، قلتُ: ابنَ كم كنت؟ قال: ابن اثنتي عشرة سنة، وقد كنت سمعتُ أبا حامد يذكر مولدَه سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢).
وكان من أقدم سماعات الحاكم كذلك سماعاتُه عن شيخَيه علي بن حمشاذ المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة (٣)، وأبي بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ المتوفى سنة أربعين وثلاث مئة (٤)، اللذين أكثر من الرواية عنهما؛ إذ زادت رواياتُه عن الأول في المستدرك على الخمس مئة روايةٍ، وهذا يدلُّ على سماع الحاكم منه وهو دون التاسعة عشر من عمره. وزادت رواياتُه عن الثاني على المئتين وتسعين روايةً، وهذا يدلُّ على سماعه منه وهو في سن التاسعة عشر أو دونها.
_________
(١) "الأنساب" نسبة (المكاتب).
(٢) "الأنساب" نسبة (الحسنوي).
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٣٩٨.
(٤) "السير" ١٥/ ٤١٩.
стр. 22
وذكر الحاكم في ترجمة أبي منصور محمد بن محمد بن سمعان الحِيْريّ المُذكِّر السَّمْعاني أنه كتب عنه أحاديث قبل الأربعين (١). أي: قبل سنة أربعين وثلاث مئة.
ثم بعد ذلك انصرف أبو عبد الله الحاكم إلى علومٍ أخرى:
فقرأ القرآنَ والقراءات بخراسان والعراق على قُرّاء وقته؛ فممن قرأ عليه أبو بكر أحمد بن الحسين بن مِهران الزاهد المِهراني، وأحمد بن إسماعيل الصَّرّام، وأبي بكر أحمد بن العباس ابن الإمام بخُراسان، وأبي عيسى بكّار بن أحمد ببغداد، وأبي علي الحسن بن داود النَّقّار بالكوفة، ومحمد بن الحسين بن أيوب النَّوْقاني، وأبي الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارِزِيّ (٢).
وقرأ الفقهَ بنيسابور على أبي سهل محمد بن سليمان الصُّعلُوكي، وأبي الوليد حسان بن محمد القرشي، ثم انتقل إلى العراق، فتَفقّه على أبي علي بن أبي هُريرة (٣)، حتَّى صار إمامًا في معرفة الفقه على مذهب الشافعي (٤).
وبالرغم من تعدد العلوم التي عُني الحاكم أبو عبد الله بتحصيلها غير أنه أولى طلبَ الحديثِ العنايةَ الأكبر، حتَّى غلَبَ ذلك عليه، فاشتَهَر به، وسمِعَه مِن جماعةٍ لا يُحصَون كثرةً، فإن معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل، حتَّى روى عمن عاش بعدَه لسَعِة روايته، وكثرةِ شيوخه، وصنَّف في عُلومه ما يبلغ ألفًا وخمسَ مئة جزءٍ (٥).
_________
(١) "الأنساب" نسبة (السمعاني).
(٢) "تاريخ بغداد" للخطيب ٥/ ٥٤١ و ٧/ ٦٤٢، و "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦، و "غاية النهاية" لابن الجَزَري ٢/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٣) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦، و "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح ١/ ١٩٩ الترجمة (٤٢)، و "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠.
(٤) "الدر الثمين في أسماء المصنفين" ص ١٠٢.
(٥) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" لأبي يعلى الخليلي ٣/ ٨٥٢، و "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠، و "تاريخ الإسلام" ٩/ ٨٩.
стр. 23
- رحلاته في طلب العلم:
رحل أبو عبد الله الحاكم في سماع الحديث إلى أقطار شتى، وطَوَّف البلادَ، وقد كانت أولى رحلاته تلك إلى طُوْس، وهي من مُدن خراسان القريبة من نَيسابور بلد الحاكم، فقد ذكر أنه دخلها سنة أربعين وثلاث مئة، كما في ترجمته لأبي أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الكَرَابيسي، المعروف بالحاكم أيضًا (١)، وفيها سمع من شيخِه أبي النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه الذي كان بالطابَران إحدى بلدتَي طُوس (٢).
ثم رحلَ بعدها إلى العراق سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة (٣)، وكان في تلك السنة قاصدًا الحجَّ (٤)، بصحبة جماعةٍ من العلماء، منهم أبو بكر محمد بن المُؤمَّل بن الحسن الماسَرْجِسِي، الذي ذكر الحاكم أنه كان معه ببغداد والحرمين سنة إحدى وأربعين (٥)، وأبو الحسن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن السَّكَن السَّكَني الأسَدي البُخاري، الذي قال عنه الحاكم: حججتُ أنا في تلك السنة، فرأيتُ له في الطريق مُروءةً ظاهرةً، وقبولًا تامًّا في العلم، والأخذ عنه (٦).
وفي رحلته تلك إلى العراق مرَّ بهَمَذان، وفيها اجتمع بأبي عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن سعد المَعَافِري الأندلسي، كما ذكر في ترجمته له، وأنَّ ذلك كان في شوال من تلك السنة (٧).
_________
(١) "تاريخ دمشق" ٥٥/ ١٥٧.
(٢) "الأنساب" نسبة (الطوسي)، و "معجم البلدان" الياقوت الحموي ٤/ ٣ و ٤٩. وثاني البلدتَين هي نَوْقان. وتقع طُوس اليوم في جمهورية إيران، وهي شرق نيسابور، وتبعد عنها مسافة ٨٠ كم تقريبًا.
(٣) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦.
(٤) "الأنساب" نسبة (السكني).
(٥) "الأنساب" نسبة (الماسرجسي).
(٦) "الأنساب" نسبة (السكني).
(٧) "الأنساب" نسبة (القحطاني). ومن اللطائف أن أبا عبد الله الأندلسي هذا توفي ببُخارى، وأين =
стр. 24
ثم مرَّ الحاكم بعد ذلك بأسَدَاباذ، كما ذكر في ترجمته للزبير بن عبد الواحد الأَسَدَاباذي (١)، غير أنه ذكر التاريخ هنا على الشك، فقال: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. قلنا: الصحيح: إحدى وأربعين، لأن أسَدَاباذ في آخر إقليم الجبال على طريق القوافل من نيسابور إلى العراق، وإنما كانت رحلته سنة اثنتين وأربعين في بلاد خراسان كما سيأتي. اللهم إلا أن يكون شكُّه في سماعه منه في طريق الذهاب إلى العراق، أو في طريق العودة منه، لأن ذهابه إلى العراق كان في سنة إحدى وأربعين، وعودته من العراق بعد الحجِّ سنة اثنتين وأربعين.
ثم دخل في تلك السنة - أي سنة إحدى وأربعين - بغداد، كما قال في ترجمته لأبي محمد عبد الصمد بن محمد بن عبد الله بن حيَّوَيهِ البخاريّ: انصرف إلى بغداد سنة أربعين، ودخلتها وهو بها سنة إحدى وأربعين (٢).
ولقي الحاكم ببغداد في تلك الرحلة جماعةً من كبار الحفاظ والمحدّثين، منهم: أبو عمرو بن السَّمَاك، وأحمد بن سلمان النَّجاد، وأبو سهل بن زياد، ودَعْلَج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ (٣)، ومنهم كذلك أبو يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف الساوِيّ (٤)، ومنهم أيضًا أبو طاهر عبد الواحد بن علي بن محمد النجار (٥)، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله العَدْل الأصبهاني (٦).
_________
= الأندلس من بُخارى، فيا لَله على تلك الهمة!!
(١) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ١٨/ ٣٣١.
(٢) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ٣٦/ ٢٥٦.
(٣) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩. وفي تلك السَّنة أرّخ لنا الحاكم في بغداد سماعًا له من أبي عمرو بن السَّمّاك في خبر رواه عن ابن عُمر في القادسية، أخرجه عنه البيهقي في "دلائل النبوة" ٥/ ٤٢٥.
(٤) "الأنساب" نسبة (الساوي).
(٥) "ذيل تاريخ بغداد" لابن النجار ١٦/ ١٦١.
(٦) "تاريخ بغداد" ٧/ ٤٥.
стр. 25
وفي تلك الرحلة دخل الكوفة أيضًا، وفي ذلك يقول: قد كنت دخلت الكوفة أولَ ما دخلتُها سنة إحدى وأربعين، وكان أبو الحسن بن عقبة الشَّيباني يدلُّني على مساجد الصحابة، فذهبت إلى مساجدَ كثيرةٍ منها، وهي إذ ذاك عامرةٌ، وكنا نأوي إلى مسجد جَرير بن عبد الله في بَجِيلة (١). ولقي بالكوفة في تلك الرحلة أبا الأصبغ عبد العزيز بن عبد الملك بن نصر الأندلسي، كما في ترجمته له (٢).
ثم كان للحاكم بعد ذلك رحلةٌ ثالثةٌ إلى سائر بلدان خراسان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، فقد رحل في تلك السنة إلى مَرْو إحدى كبرى مدن خراسان الأربعة، كما ذكر وهو يتحدَّث عن شيخه أبي بكر بن أبي نصر - وهو محمد بن أحمد بن حاتم الدارَبردي -: رحلتُ إلى مَرْو أولَ ما دخلتُها سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، وليس بها من يُقدَّم عليه في الصدق والعدالة، وكان من مُزَكِّيها (٣).
وفي هذه السنة رحل إلى طُوْس، كما في ترجمته لأبي سعد أسد بن رُستم الرُّستمي الهَرَوي (٤).
ثم كان له رحلةٌ أخرى إلى بلاد خراسان سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، وهي التي ذكرها عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي مقتصِرًا عليها (٥)، ومن هذه البلاد طوس أيضًا، وقد أشار الحاكم إلى ذلك لدى ترجمته لأبي حاتم أحمد بن محمد بن حاتم الحاتمي، حيث قال: وأتانا بالطابَران سنة ثلاث وأربعين، وعُقِد له المجلسُ للنظر والتدريس (٦). قلنا: والطابَران إحدى بلدتي طُوسٍ كما قدَّمنا.
_________
(١) "معرفة علوم الحديث" ص ١٩١ - ١٩٢.
(٢) "الأنساب" نسبة (الأندلسي). ومن لطيف الإشارة أن أبا الأصبغ الأندلسي هذا توفي ببُخارى أيضًا، وأين الأندلس من بُخارى، فتلك هِمة ما بعدها من هِمّة!
(٣) "سؤالات السجزي لأبي عبد الله الحاكم" (٢٩٣).
(٤) "الأنساب" نسبة (الرستمي).
(٥) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦.
(٦) "الأنساب" نسبة (الحاتمي).
стр. 26
ومن بلاد خراسان التي قصدها في تلك السنة أيضًا مَرْو، نبّه على ذلك الحاكم في أثناء ترجمته لابن خالِ أمِّه أبي صالح محمد بن عيسى بن محمد بن عيسى العارض، حيث قال: كتبتُ عنه بنيسابور غيرَ مرة، ثم كتبنا عنه بمَرْو، ونظرتُ في كتبه بها سنة ثلاث وأربعين (١).
وقد بيَّن الحاكم لدى ترجمته لأبي علي الحسين بن سابُور المُفِيد، مدة إقامته في تلك الرحلة بمَرو سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة؛ أنها كانت سبعة أشهر (٢).
ومن مدن خراسان التي شدَّ إليها الحاكمُ رحالَه في تلك السنة سَرْخَسُ، فقد قال لدى ترجمته لأبي علي زاهر بن أحمد السَّرْخَسي: دخلت سَرْخَس أولَ ما دخلتها سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، ودخلتُها بعد ذلك سبعَ مرات (٣).
ثم في سنة خمس وأربعين وثلاث مئة رحل الحاكم إلى العراق والحجاز رحلتَه الثانية، وذَكَر في "تاريخه" هذه الرحلة، وأنه كان إذ ذاك في طريقه للحج أيضًا، كما في ترجمته لأبي علي الحسين بن يحيى بن زكريا الإسْفِينْقاني، وترجمته لأبي محمد صالح بن محمد التِّرمذي (٤)، وكما في ترجمته كذلك لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن بشر الفقيه المزكِّي (٥).
ومرَّ في تلك الرحلة بأسَدَاباذ للمرة الثانية، كما في ترجمته للزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (٦)، غير أنه ذكر التاريخ فيها على الشك، فقال: سنة خمس أو ست وأربعين. قلنا: الصحيح سنة خمس وأربعين، اللهم إلا أن يكون شكُّه في
_________
(١) "الأنساب" نسبة (العارض).
(٢) "الأنساب" نسبة (المفيد).
(٣) "طبقات الشافعية" لابن السبكي ٣/ ٢٩٤. وسرخس هذه تقع اليوم في جمهورية تركمانستان وهي شرقيّ نيسابور، وتبعد عنها مسافة ٢٧٠ كم تقريبًا؛ أي: مسيرة سبعة أيام في ذلك الزمان.
(٤) "الأنساب" نسبة (الإسفينقاني) و (الترمذيّ).
(٥) "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" لعبد القادر بن محمد القرشي ٢/ ٨.
(٦) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ١٨/ ٣٣١.
стр. 27
سماعه منه في طريق الذهاب إلى العراق، أو في طريق العودة منه، لأنَّ ذهابه إلى العراق كان في سنة خمس وأربعين، وعودته منه بعد الحج كانت سنة ست وأربعين.
وذكر أنه في رحلته الثانية تلك اجتمع ببغداد بالقاضي أبي بكر محمد بن عمر الجِعَابي الحافظ، وذاكَرَه في مجالس كثيرة (١).
وفيها دخل الكوفة دخلتَه الثانيةَ، وفي ذلك يقول: ثم دخلتُها - أي: الكوفة - سنة خمس وأربعين، ومسجد ابن عُقْبة قد خرب، فكان أبو القاسم السَّكُوني يأخذ بيدي في الجامع، فيدور معي على الأسطوانات، فيقول: هذه أسطوانة جرير، وهذه أسطوانة عبد الله، وهذه أسطوانة البراء، وقد عرفتُ منها ما عَرَّفَنيهِ ذلك الشيحُ ﵀ (٢).
ثم عاد الحاكم من رحلته هذه أدراجَه إلى بلده نيسابور، ليرحل في السنة التي تليها - أي: سنة ست وأربعين وثلاث مئة - إلى مَرْو، كما أشار إلى ذلك عند ترجمته لبكر بن محمد الصَّيرفي المروزي، حيث قال: أقمتُ عليه سنَة ست وأربعين وثلاث مئة، ونظرتُ في أكثر كتبه إلى أن وَرِثَ من مولّى له مات بسَمرقند (٣) ميراثًا، وتأهَّب للخروج بنفسه في طلب ذلك الميراث، فشَيَّعتُه إلى كُشْمِيهَن، وقرأت عليه بها البقايا التي كانت بقيتُ عليَّ (٤). وكُشميهن: قرية كانت عظيمةً من قرى مَرْو على طرف البَرّية آخرَ عَمَل مَرُو، لمن يريدُ قَصْدَ آمَلَ جِيحُون (٥). يعني أن الحاكم شيَّع شيخه بكر بن محمد الصيرفي في مسيره إلى سَمَرقند، ورافقه من مرو حتَّى كُشِميهَن التي هي إحدى قُراها.
_________
(١) "معرفة علوم الحديث" ص ١٨٨.
(٢) "معرفة علوم الحديث" ص ١٩٢.
(٣) هي بعض بلاد ما وراء النهر؛ أي: نهر جِيحُون. وتقع اليومَ في جمهورية أوزبكستان.
(٤) "الأنساب" نسبة (الدخمسيني).
(٥) "معجم البلدان" الياقوت ٤/ ٤٦٣. وقد خَرِبَت كشميهن قديمًا، خرَّبها الرمل، وبينها وبين مرو خمسة فراسخ؛ أي: ٢٩ كم تقريبًا.
стр. 28
ثم لم يسجَّل للحاكم بعد سنة ست وأربعين وثلاث مئة رحلةٌ إلى شيء من البلاد، حتَّى دخلت سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، فالظاهر أنه بقي بنيسابور في تلك الفترة ولم يخرج منها.
ولما دخلت سنة خمس وخمسين وثلاث مئة استأنف أبو عبد الله الحاكم رحلاته، غير أنه في هذه المرّة آثَر الرحيلَ إلى بُخَارى وغيرها من بلاد ما وراء النهر - أي: نهر جيحون - كما أرّخ ذلك هو نفسه في ترجمته لأبي بكر محمد بن أحمد بن هارون الرِّيوَنْدِي، وأبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد الكَلَاباذي (١).
وقد مكث الحاكم في تلك الرحلة ببُخارى سِنِين، كما صرّح بذلك في ترجمته لأبي بكر محمد بن خالد بن الحسن المُطَوّعي البخاريّ (٢).
وقال في ترجمته لأبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين الطُّوسي: سكن بُخارى إلى أن دفنتُه بها، وكان يسكن معنا إلى أن توفي في منزلي ببخارى ليلة الجمعة النصف من صفر سنة سبع وخمسين وثلاث مئة (٣).
وقال أيضًا في ترجمته لأبي حامد أحمد بن يوسف بن عبد الرحمن الصوفي المعروف بالأشقر: آخر ما فارقتُه ببُخارى، فإنا اجتمعنا بها سنة خمس أو ست وخمسين، ثم خرج منها إلى الحج سنة سبع وخمسين، وأنا بها (٤).
ثم عاد الحاكمُ بعد مَكْثه في بخارى تلك السنين إلى وطنه نيسابور، لكن لم يتبين لنا على وجه التحديد متى عاد، غير أن الغالب أنه في سنة ثمان وخمسين وثلاث مئة كان فيها.
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الرِّيوَنْدي) و (الكَلاباذي). وبخارى اليوم مدينة عامرة في غرب جمهورية أوزبكستان، بينها وبين نيسابور مسافة ٨٠٠ كم تقريبًا، وتقع مزو في وسط الطريق بينهما في جمهورية تركمانستان.
(٢) "الأنساب" نسبة (المطوعي).
(٣) "الأنساب" نسبة (المسافري).
(٤) "الأنساب" نسبة (الأشقر).
стр. 29
وذلك أنه أرّخ لنا رحيلَه من نيسابور إلى بُخارى سنة تسع وخمسين، كما في ترجمته لأبي محمد عبد الله بن علي بن عبد الله القاضي الطبري، حيث قال: ورد نيسابورَ غيرَ مرة، وآخرُها أني صحِبتُه سنة تسع وخمسين وثلاث مئة من نيسابور إلى بخارى (١). فتكون هذه رحلتَه الثانيةَ إلى بُخارى.
وجاء في ترجمته لأبي يعلى محمد بن طاهر بن علي الأصبهاني أنه كان ببخارى لما توفي أبو يعلى سنة تسع وخمسين (٢).
لكن أرّخ لنا الحاكم أنه كان في سنة تسع وخمسين وثلاث مئة في مَرُو ثم في نَسَا، يعني أنه كان في خراسان في تلك السنة، فقد قال في ترجمته لأبي عمرو عثمان بن عمران بن الحارث المقدسي: آخر عهدي به في مجلس أبي العباس المحمودي بمَرْو سنة تسع وخمسين وثلاث مئة، ثم جاءنا نعيُه وأنا بنَسَا في هذه السنة (٣).
وثبت أيضًا أن الحاكم في هذه السَّنة قُلّد القضاء بنَسَا في أيام السامانيّة ووزارة العُتْبِي (٤). فكيف يجتمع أنه رحل من نيسابور إلى بخارى، ثم يكون في مرو ونَسَا، بل قاضيًا في نَسَا في تلك السنة نفسها؟!
فالظاهر أن الحاكم رحل أولَ تلك السنة قاصدًا بُخارى، ومرَّ في طريقه بنَسَا، حيث قُلِّد فيها القضاء لفترةٍ وجيزةٍ، ثم كأنه استَعْفَى من القضاء فأُعفِي، ليُكمل طريقَه مرورًا بمَرُو، حتَّى وصل إلى بخارى في تلك السنة، حيث بقي فيها حتَّى دخلت عليه سنة ستين وثلاث مئة، كما في ترجمته لأبي العباس أحمد بن محمد
_________
(١) "تبيين كذب المفتري" ص ١٨٢.
(٢) "تاريخ دمشق" ٥٣/ ٢٨٠.
(٣) "تاريخ دمشق" ٤٠/ ٨: قلنا: ونَسَا من مدن خراسان كذلك، وهي اليوم في جمهورية تركمانستان إلى الجنوب الغربي من عاصمتها عشق آباد على بعد ١٨ كم تقريبًا، وهي خَرِبة، وتقع إلى الشمال من نيسابور على مسافة ٢٥٠ كم تقريبًا، وإلى الغرب من مرو على مسافة ٣٥٠ كم تقريبًا.
(٤) "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر ص ٢٢٩.
стр. 30
ابن صالح المنصوري، حيث قال: ورد في جملة الرسُل الذين خرجوا إلى بُخارى سنة ستين وثلاث مئة، وكنتُ أنا ببخارى، فكتبتُ عنه وعن جماعة منهم ببُخاري (١).
ثم رجع الحاكم في سنة ستين وثلاث مئة من بُخارى عائدًا إلى نَسَا، فقد أرّخ لنا حضورَه فيها في تلك السنة، كما في ترجمته لأبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر المَطَري النيسابوري، حيث ذكر أنه توفي سنة ستين وثلاث مئة، قال: جاءنا نَعيُه وأنا بِنَسَا (٢)، وكذلك قال في ترجمته لأبي جعفر محمد بن جعفر إبراهيم بن عيسى النَّسَوي الفقيه: من أهل الرامَرَان، وهي قرية على أقلَّ من فرسخ من مدينة نَسَا، توفي في قريته وأنا بها في رجب من سنة ستين وثلاث مئة (٣).
ثم كأنه لا زال في نَسَا حتَّى دخل عليه شهر رمضان من تلك السنة، كما أشار إليه في ترجمته لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى الخازن الرازي، حيث ذكر أنه لدى وفاة أبي عبد الله الخازن في شهر رمضان من سنة ستين وثلاث مئة كان بنَسَا (٤). ويحتمل هنا أن يكون بقي بعد ذلك مقيمًا بها، أو أن يكون عاد بعدها إلى نيسابور.
ثم كان له في السنة التي بعدها - أي: سنة إحدى وستين - رحلةٌ ثالثةٌ إلى بُخارى، فقد ذكر أثناء ترجمته لأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه الأصبهاني أنه التقى به ببُخارى سنة إحدى وستين وثلاث مئة (٥).
لكنه أرَّخ لنا حُضورَه في نَسَا في تلك السنة أيضًا، كما في ترجمته لأبي الفضل
_________
(١) "الأنساب" نسبة (المنصوري).
(٢) "الأنساب" نسبة (المطري).
(٣) "الأنساب" نسبة (الرامراني)، و "تاريخ دمشق" ٥٢/ ٢٠٩.
(٤) "الأنساب" نسبة (الخازن).
(٥) "تاريخ دمشق" ٥٢/ ٣١.
стр. 31
أحمد بن محمد بن حَمدُون الشَّرْمَقَاني، حيث قال: آخر ما فارقتُه بنَسا في رجب سنة إحدى وستين وثلاث مئة (١). فكيف يلتئمُ هذا وذاك؟ الظاهر أنه بعد أن مَكَث بنَسَا تلك الأشهر فارقَها في رجب تلك السنة ليعود إلى بُخارى مرةً أخرى، أو أنه رجَع إلى بلده نيسابور أولًا، إذ ليست نَسَا ببعيدة عن نيسابور نسبيًّا، ليبقى فيها مدةً، ثم انطلق منها إلى بُخارى في تلك الرحلة الثالثة.
وكان الحاكم في أثناء رحلاته إلى بُخارى يمرُّ ببِيكَنْد، وهي من أُولى بلاد ما وراء النهر للذاهب إلى بُخارى (٢)، فقد صرّح الحاكم في بعض رواياته بسماعه في بيكند من أبي محمد أحمد بن محمد بن واصل المُطَّوِّعي. ولم يتبين لنا تاريخ حضوره فيها، لكن لكونها على طريقه إلى بُخارى لا بدّ أن يكون وردها في سائر رحلاته إلى بُخارى.
إذًا فقد تعددت رحلات الحاكم إلى بلاد خُراسان وبلاد ما وراء النهر؛ ذهابًا وإيابًا، في تلك السنوات الثلاث من سنة تسع وخمسين إلى سنة إحدى وستين.
والظاهر أن طريقه في معظم رحلاته إلى بُخارى وبلاد ما وراء النهر كان من جهة نَسَا، ثم مُرورًا بمَرُو، مجتازًا إلى بيِكَنْد، وصولًا إلى بُخارى، وربما يكون طريقُه في بعض رحلاته من نيسابور إلى بُخارى من جهة طُوس ثم سَرْخَس ثم مَرْو، مجتازًا نهر جيحون إلى بِيكند فبُخارى؛ فهما طريقان معروفتان إلى بلاد ما وراء النهر، ومما يدلُّ على خروج الحاكم أحيانًا إلى بلاد ما وراء النهر من هذه الطريق الثانية، قولُه في ترجمته لأبي علي زاهر بن أحمد السَّرْخَسِي: دخلت سَرْخَس أولَ ما دخلتها سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة، ودخلتُها بعد ذلك سبعَ مرات (٣). وهذا
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الشرمقاني).
(٢) بينهما خمسة فراسخ؛ أي: ما يقارب ٢٩ كم.
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٣/ ٢٩٤. وسرخس اليوم كما سبق تقع في جمهورية تركمانستان على مسافة ٢٧٠ كم تقريبًا من نيسابور.
стр. 32
يحتمل أمرين: إما أن يكون قصد سَرْخَس خاصةً، أو يكون مرَّ بها وهو في طريقه إلى بُخارى، والله تعالى أعلم.
ومن بلدان خراسان التي أمَّها أبو عبد الله الحاكم كذلك، ولم يتبيّن لنا تاريخُ حضوره فيها: أَبِيوَرْد، كما في ترجمته لأبي نصر منصور بن محمد بن أحمد بن حرب الحَرْبي البُخاريّ (١). والظاهر أن دخوله إليها كان في أثناء رحلاته بين نَسَا ومَرْو وبُخارى، فهي على الطريق بين نسا ومرو، والله أعلم.
ومنها بَيْهَقُ كذلك، وهي ناحية من نواحي نيسابور، فيها قرى كثيرة مجتمعة، من أشهرها خُسْرَوْجِرْد (٢)، وقد صرّح بسماعه في بَيْهَق من أبي الطيب طاهر بن يحيى البيهقي في بعض رواياته عنه في "المستدرك" (٣)، ومن أبي الفضل أحمد بن محمد الخَواتيمي كما في رواية للبيهقي (٤) عن أبي عبد الله الحاكم، وذكر أنه كتب بخُسْرَوْجِرْد عن أبي حامد أحمد بن محمد بن الحسين الخُسْرَوْجِرْدي الخطيب (٥). والظاهر أن حضوره إلى بيهق كان في أثناء رحلاته إلى العراق والحجاز، فهي على طريق القوافل من نيسابور إلى العراق.
فهذه أهم بلدان ومدن خراسان وبلاد ما وراء النهر التي رحل إليها أبو عبد الله الحاكم، رغبةً منه في لقاء شيوخها وحُفّاظها، وتحصيل مسموعاتهم ومرويّاتهم.
لكن الغريب اللافت للنظر أنه لم يُسجَّل لنا دخولُ الحاكم لبَلْخ ولا لهَرَاة، مع كونهما من كبرى مدن خراسان، والظاهر أن ذلك يعود لسببين:
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الحربي). وأبيورد قريبة من نَسَا إلى الشرق منها، فهي في جمهورية تركمانستان أيضًا.
(٢) "الأنساب" نسبة (البيهقي). وبيهق الآن مدينة في جمهورية إيران، وتسمَّى سيزوار، وهي إلى الغرب من نيسابور وتبعد عنها مسافة ١١٠ كم تقريبًا، وخسروجرد قصبتها في غربيِّها.
(٣) "المستدرك" (١٢٩) و (٣٣٣٨).
(٤) في "شعب الإيمان" (٩٠٥٨).
(٥) "الأنساب" نسبة (الخُسْرَوْجِرْدي).
стр. 33
١ - أن نيسابور بوصفها كانت كبرى مدن خراسان، فكان يؤمُّها أهلُ بَلْخ وهَرَاة، فكان يتهيأ لأبي عبد الله الحاكم اللقاءُ بهم فيها، فيستريح بذلك من عناء الرحلة إليهم.
٢ - أن نيسابور كانت على أهمِّ طريق لأهل تلك النواحي لدى ذهابهم إلى الحج، فكان لا بدَّ لهم من العُبور من خلالها، فكانت لهم محطةً يَستريحون فيها لأيام، بل كان ينطلق معهم من أهل نيسابور جماعةٌ بقصد الحج أيضًا، وبذلك كان يُتاحُ للحاكم السماعُ من الشيوخ البلخيين والهرويين وغيرهم من أهل تلك النواحي المارِّين بنيسابور، كما أشار إليه الحاكمُ في ترجمته لأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد الشَّمّاخي الصَّفّار الهَرَوي (١)، وترجمته لأبي نصر محمد بن محمد بن حامد التِّرمِذي الزاهد (٢)، وترجمته لأبي حامد أحمد بن محمد بن شارَك الفقيه الهَرَوي (٣). وربما كان يخرج بصحبتهم للحج، فيَسمع منهم في الطريق؛ فلا يحتاج بعد ذلك إلى الرحيل إليهم، ولو علم عندهم زيادةً على ما سمعه لرحل في تحصيل ذلك، ولا سيما أنه رحل إلى عددٍ من بلاد ما وراء النهر، وهي أبعدُ في المسافة من هَرَاة بمراحل طويلة، والله تعالى أعلم.
وبعد ذلك في سنة خمس وستين أرّخ لنا الحاكمُ رحلتَه الثالثة إلى الحج، كما في ترجمته لأبي مسلم عبد الرحمن بن محمد بن عبد عبد الله بن مِهْران البغدادي، حيث قال: وفي سنة خمس وستين في الحج طلبتُه في القوافل، فأخفَى نفسَه، فحججتُ سنة سبع وستين، وعندي أنه بمكة، فقالوا: هو ببغداد، فاستوحشتُ من ذلك وتَطلَّبتُه (٤). قلنا: لكن لم يُسجِّل لنا الحاكم في سنة خمس وستين حُضورَه في
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الشماخي).
(٢) "تاريخ بغداد" ٤/ ٣٥٥. وترمذ قريبة جدًّا من بلخ.
(٣) "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٣/ ٤٥.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٣٣٦.
стр. 34
شيء من البلاد الواقعة بين نيسابور والعراق، ولا حتَّى في العراق الذي كان حريصًا على المرور به والمكث فيه لمدة كلما أراد الحجّ، بل ذكر الحاكمُ في حديثه عن رحلته التالية إلى الحج سنة سبع وستين أنه دخل فيها بغداد الكرةَ الثالثة، فهذا كالنص على أنه لم يدخل بغداد سنة خمس وستين، لأنَّهُ لو دخلها لكان دخوله إليها الكرة الرابعة لا الثالثة، والظاهر أن ذلك لكون رحلته في سنة خمس وستين كانت عاجلةً لم يتمكن خلالها من المكث في العراق، وذلك لأن خروجه إلى الحج كان في تلك السنة بعد شهر رجب، كما في ترجمته لأبي علي الحسين بن محمد الماسَرْجِسيّ الذي ذكر أنه توفي في العاشر من رجب في تلك السنة، وأنه شهد جنازته (١)، فلم تَتسنَّ للحاكم الفرصةُ للمرور بالبلاد التي كان يمرُّ بها عادةً في طريقه إلى الحج، والله أعلم.
ثم كان للحاكم رحلةٌ رابعةٌ إلى الحج، وهي الرحلةُ الثالثةُ إلى العراق، سجَّلها لنا مؤرّخةً بسنة سبع وستين وثلاث مئة، كما في ترجمته لأبي القاسم الآبَنْدُوني (٢)، وترجمته لأبي القاسم عبد العزيز بن الحسن الدّارَكِي (٣)، ونصَّ في ترجمة الأول منهما على أنها الكَرّةُ الثالثةُ التي دخل فيها بغداد، وذكر أنه كان قد أراد الحج في تلك الرحلة أيضًا، نَبَّه على ذلك في ترجمته لأبي مسلم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مِهْران البغدادي المذكورُ قريبًا، وفي ترجمته لأبي منصور محمد بن حامد بن محمد الغالي النيسابوري، حيث قال: توفي أبو منصور بن غالية سنة سبع وستين وثلاث مئة، وأنا في طريق الحج (٤).
وفي رحلة الحاكم هذه مرَّ بعدد من المدن والبلدان الواقعة في طريقه، ومنها:
_________
(١) "تاريخ دمشق" ١٤/ ٢٩٤.
(٢) "الأنساب" نسبة (الآبندوني).
(٣) "الأنساب" نسبة (الداركي).
(٤) "الأنساب" نسبة (الغالي).
стр. 35
الرَّيُّ التي ذكر دخوله إليها في تلك السنة، كما في ترجمته لأبي بكر محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن شاذان (١).
ومنها: أَسَدَاباذ، دخلها للمرة الثالثة، حيث أرّخ دخولَه إليها في تلك السنة أيضًا، كما في ترجمته لأبي عبد الله الزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (٢).
وعند مُنصَرَفِه من الحج في تلك السَّنة بقي ببغداد زيادةً على أربعة أشهر، كما صرَّح الحاكم نفسُه بذلك، وأنه أُتيح له خلالَها مُلازمةَ الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطنيِّ، ومُناظرته، حتَّى رَضِيَه الدارقطنيُّ (٣). وهذا يعني أنه مكث في بغداد في تلك الفترة، حتَّى دخلت عليه سنة ثمان وستين وثلاث مئة.
كما أُتيح له في أثناء هذه الإقامة في بغداد سماعُ جملة "مسند الإمام أحمد" من أبي بكر بن مالك القَطِيعي، كما نصّ على ذلك أبو حازم العبدَوي - أحد تلامذة أبي عبد الله الحاكم - (٤)، وأبو بكر القَطِيعي هذا هو راوي "المسند" عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه.
والجدير بالذِّكر هنا أن الإمام الحاكم كان في هذه الرحلة قد تقدَّمت سنُّه، وعلا في العلم كعبُه، وبلغ فيه شأوًا عظيمًا، فلم تكن رحلته للإفادة من شيوخ العراق ومحدِّثيها وحسبُ، إنما تَصدّر لمجالس السَّماع، وأصبح مَهوى أفئدة العلماء، ومَقصِدَ طلبة العلم في تلك الديار التي رَحَل إليها، فأقدموا عليه راغبين في السماع والإفادة منه، وحرَصُوا على تلقّي ما لديه من نفيس المرويات التي استفادها من
_________
(١) "تاريخ بغداد" ٣/ ٤٩٦. وتقع الري اليوم ضمن جمهورية إيران قريبًا من العاصمة طهران على بعد ٦ كم في الجنوب الشرقي منها.
(٢) "الأنساب" نسبة (الأسداباذي)، و "تاريخ دمشق" ١٨/ ٣٣١. وهي في غربيّ هَمَذان بإيران، تبعد عنها مسافة ٤٠ كم تقريبًا.
(٣) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ٢/ ٨٥٢، ومقدمة محمد بن طاهر المقدسي على "الغرائب والأفراد للدارقطني" ص ٢١، و "تاريخ دمشق" لابن عساكر ٤٣/ ٩٦.
(٤) "خصائص مسند الإمام أحمد" لأبي موسى المَدِيني ص ١٢.
стр. 36
شيوخه الخُراسانيين وغيرهم من شيوخ بلاد ما وراء النهر، وكان من جملة من أفاد منه في تلك الرحلة شيخُه الدارقطني نفسُه، وفي هذا الصَّدد يقول الخطيب البغدادي: قدم بغداد في شَبِيبته، فكتب بها عن أبي عمرو بن السَّمّاك، وأحمد بن سلمان النَّجّاد، وأبي سهل بن زياد، ودَعْلَج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ، ثم وَرَدَها وقد عَلَتْ سِنُّه، فحدَّث بها عن أبي العباس الأصمّ، وأبي عبد الله بن الأخرم، وأبي علي الحافظ، ومحمد بن صالح بن هانئ، وغيرهم من شيوخ، خراسان، روى عنه: الدارقطنيُّ، وحدَّثَنا عنه محمد بن أبي الفَوَارس، والقاضي أبو العلاء الواسطي، وغيرهما (١).
وذكر أبو يعلى الخليلي للحاكم رحلةً إلى العراق والحجاز في سنة ثمان وستين وثلاث مئة (٢)، وعَدَّها الرحلةَ الثانيةَ، وقد أخطأ أبو يعلى الخليلي في ذلك في أمرين:
أولهما: في ذكر رقم الرحلة، وقد قَدّمنا أن رحلة الحاكم الثانية إلى العراق والحجاز كانت سنة خمس وأربعين وثلاث مئة.
وثانيهما: في ذكر تاريخ الرحلة، فقد قدَّمنا أن الحاكم كان قد حج سنة سبع وستين وثلاث مئة، ثم عند مُنصَرَفه من الحج رجع إلى بغداد، ليمكث فيها مدةً تزيد على أربعة أشهر، وهذا يعني أنه دخلت عليه سنة ثمان وستين وهو في بغداد، وقد أشار إلى ذلك أبو حازم العبدَوي، حيث قال وهو يتحدث عن الحاكم: فعزم على أن يَخرُج إلى الحج في موسم سبع وستين، فلما وَرَدَ في سنة ثمان وستين أقام بعد الحجِّ ببغداد أشهُرًا (٣).
_________
(١) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩.
فائدة عزيزة: ومما كتبه الدارقطني عن الحاكم ورواه عنه حديث عبد الله بن مسعود، قال: من أحب أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافِظْ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادَى بهن. قال الحاكم: كتبه عني أبو الحسن الدارقطني، وقال: ما كتبتُه عن أحدٍ قطُّ. "التدوين في أخبار قزوين" لأبي القاسم الرافعيّ ٢/ ١٤٢.
(٢) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ٣/ ٨٥٢.
(٣) "خصائص مسند الإمام أحمد" ص ١٢.
стр. 37
وقد جاء ما يدلُّ على المدة التي بقي فيها ببغداد تحديدًا، كما في ترجمته لأبي القاسم الآبَنْدُوني الذي ذكر الحاكمُ أنه لم يُفارق بغداد من سنة خمسين وثلاث مئة حتَّى مات بها سنة تسع وستين وثلاث مئة، فذكر الحاكم أنه فارقه - أي: من بغداد - في رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مئة (١). ثم ورد ما يدلُّ على أنه لما غادر بغداد في رجب تلك السنةَ عاد إلى نيسابور، كما يظهر في ترجمته لأبي طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، حَفيد الإمام محمد بن إسحاق بن خُزَيمة صاحب "الصحيح"، حيث ذكر أنه عَقَدَ له في نيسابور مجلسًا في شهر رمضان من سنة ثمان وستين وثلاث مئة (٢)، فكان انطلاق الحاكم إذًا من بغداد في رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مئة، عائدًا إلى نيسابور حيث عُقد مجلس أبي طاهر في شهر رمضان من تلك السنة، وقد نصَّ أبو حازم العبدوي على رجوعه إلى وطنه نيسابور بعد إقامته في بغداد تلك الأشهر (٣).
ولم يُسجِّل لنا الحاكم لنفسه رحلةً بعد هذا التاريخ إلى العراق والحجاز، فلا يصحُّ قول الخليلي أنه رحل إلى العراق والحجاز سنة ثمان وستين، ولعله يكون أراد لرحلةَ التي كانت سنة سبع وستين وثلاث مئة، فذكَر سنةَ ثمان وستين باعتبار أن تلك الرحلة امتدَّت إلى شهر رجب من سنة ثمان وستين، ولكن إنما يصحُّ ذلك مجازًا بذكر العراق دون الحجاز، والله أعلم.
وقد قال الحاكمُ في ترجمته لأبي منصور أحمد بن محمد بن عبد الله العَنْبَري: آخر عَهدي به ببغداد في قَطيعة الرَّبيع في داره سنة ثمان وستين وثلاث مئة (٤). يعني عند عودته إلى نيسابور.
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الآبندوني).
(٢) "الأنساب" نسبة (الخزيمي).
(٣) "خصائص مسند الإمام أحمد" ص ١٢.
(٤) "تاريخ بغداد" ٦/ ١٩٦.
стр. 38
كما سجَّل لنا سماعَه بعدد من البلدان التي تقع إلى الغرب من نيسابور في الأقاليم الواقعة بين إقليم خُراسان وإقليم العراق، مما لم يظهر لنا تاريخُ دخوله إليها، وأغلب الظن أنه دخل تلك البلاد في سائر رحلاته إلى العراق والحجاز، إذ هي في طريق القوافل الآتية من البلدان الشرقية إلى العراق، والله أعلم.
ومن هذه البلدان: الدامَغَان، وهي بلدة من إقليم قُومَس (١)، سمع فيها من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه (٢).
ومنها: ساوَة، وهي بلدة بين الرَّيِّ وهَمَذان (٣)، وقد سمع فيها الحاكمُ من أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن أميّة بن مُسلم القرشي (٤).
ومنها كذلك: الأهواز (٥)، وقد وقفنا على سماع للحاكم بالأهواز من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه في "المستدرك".
ولما وصل إلى مكةَ كان له فيها شيوخٌ صرّح بسماعه منهم فيها، أشهرهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزَاعي الفاكِهي، وأبو عبد الله محمَّد بن علي بن عبد الحميد الصَّنْعاني (٦)، وغيرهما من المقيمين بمكة أو الواردين إليها للحج، وهم كثيرون، يمكن معرفتهم من خلال استعراض أسانيده في "المستدرك".
ولم يذكر لنا الحاكم رحلةً إلى مصر والشام، مع أن عددًا من أقرانه الخُراسانيين قد رحلوا إليهما، فيذكر الدكتور محمود ميرة عدة أسباب لذلك مُحتَمَلة، منها:
أ - أن يكون الحاكمُ زَهِد فيهما.
ب - أو أن تكون قصة النسائيِّ وما لقيه من أهل دمشق عندما طلبوا منه أن
_________
(١) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الدامغاني). وقومس إقليم في جمهورية إيران في شرق طهران.
(٢) "المستدرك" (٢٣٧٨) و (٥٨٢٦).
(٣) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الساوي).
(٤) "المستدرك" (٤٦١٣) و (٤٦٠٩).
(٥) وهي من مدن خُوزستان في أقصى الشمال الشرقي من الخليج العربيّ، وتقع الآن في إيران.
(٦) "المستدرك" (١) و (١٣١) و (٢٢٩) و (٢٨٤).
стр. 39
يحدِّثهم عن فضائل معاوية بن أبي سفيان، بعد أن حدثهم بفضائل علي بن أبي طالب، فأبى أن يفعل، فأُخرج من المسجد عَنوةً، ثم كان ذلك سببًا في وفاته بعد ذلك.
ج - وإما أن يكون بسبب فتنة القرامطة التي امتدت إلى مناطق واسعة شملت جزءًا كبيرًا من الطريق إلى دمشق حتَّى دخلت مصر تحت قبضتهم.
د - أو أنه اكتفى بما سمعه من شيوخه الذين رحلوا إلى الشام ومصر كالزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (١) الذي تقدَّم ذِكرُه غيرَ مرة.
قلنا: وكأبي عليّ النَّيسابوري أيضًا وأبي العباس الأصم والدارقطني.
المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته:
- شيوخه:
قدمنا أن الحاكم ﵀ كان قد شرع بطلب العلم منذ حداثة سنِّه، حين كان في سنِّ التاسعة، ثم حُببت إليه الرحلةُ في طلب العلم، فلم يَزَل يطوي البِيدَ راحلًا، غير واضعٍ عصا التَّيْسار، متنقلًا في البلاد، سعيًا منه للقاء مزيدٍ من الشيوخ، وقد أدرك جماعةً منهم وقد بَلَغُوا من الكِبَر عِتِيًّا، حتَّى إنه رحل إلى العراق والحجاز وهو في سنِّ العشرين، مما أتاح له في تلك الديار لقاءَ عدد من الشيوخ الذين لم يمكثوا بعد رحيلِه عنهم سوى زمن يسير، فتسنَّى له لِقاءُ شيوخ لم يُدركهم نُظَراؤه الذين كانوا في مثل سِنِّه في خراسان، وقد جمع لنفسه مُعجَمًا يشتمل على ألفي شيخ (٢)، وممّن روى عنهم مَن عاش بعده (٣).
وسمع ببلده نيسابور وحدَها من أربعة وتسعين وتسع مئة شيخ حسب ما أورده هو في "تاريخ نيسابور" (٤).
_________
(١) "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" للدكتور محمود ميرة ص ٣٧ - ٣٨.
(٢) "تبيين كذب المُفتري" ص ٢٢٨، و "الدر الثمين في أسماء المصنفين" لتاج الدين علي بن أَنجَبَ البغدادي ص ١٠١.
(٣) "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٤/ ٢٨٠.
(٤) كما في "تلخيصه" للخليفة النيسابوري، وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٦٣ أنه =
стр. 40
كما كان له شيوخٌ في علوم شتى كان لديه إلمامٌ بها - كما قدّمنا عند حديثنا عن شروعه في طلب العلم - على أن شيوخه في الرواية كانوا أكثر عددًا، حيث إنه بعد تلقِّيه تلك العلومَ انصرف إلى علم الحديث بأجمَعِه، حتَّى غلبَ ذلك عليه، واشتَهَر به، وسُمِّي الحافظَ.
وقد أدرك جماعةً من المحدثين والحفّاظ بنيسابور، لو صحَّ سماعُه من أحدهم لعُدَّ ذلك من أقدم سماعاته.
- وأقدُم من أدركَه الحاكمُ من شيوخ نيسابور ولم يصحَّ سماعُه من واحدٍ منهم:
١ - أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، قال عنه الحاكم: الإمام المقتدَى به في الفقه والكلام والوعظ والورع والعقل والدين. وقد جزم عبد الغافر الفارسي بأن الحاكم لقيَه، ولم يسمع منه شيئًا (١).
٢ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، جزم عبد الغافر الفارسي أيضًا بأن الحاكم لَقيَه، ولم يسمع منه شيئًا (٢).
٣ - أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال النيسابوري، المتوفَّى سنة ثلاثين وثلاث مئة، وقد رآه الحاكم، لكن لم يسمع منه (٣).
٤ - أبو بكر محمد بن الحُسين بن الحَسن بن الخليل النَّيسابوري القَطّان، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة، وأُحضر الحاكمُ لمجلسه وهو صغير غيرَ مرّة، لكن لم يصحَّ له عنه شيءٌ، كما صرّح الحاكم نفسه بذلك (٤).
_________
= سمع في نيسابور من ألف نفس.
(١) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" ص ١٦.
(٢) المصدر السابق ص ١٦.
(٣) "تاريخ الإسلام" للذهبي ٧/ ٥٨٧.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٦٦٣.
следующие страницы →