Полный текст (6 773 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
شيوخه الخُراسانيين وغيرهم من شيوخ بلاد ما وراء النهر، وكان من جملة من أفاد منه في تلك الرحلة شيخُه الدارقطني نفسُه، وفي هذا الصَّدد يقول الخطيب البغدادي: قدم بغداد في شَبِيبته، فكتب بها عن أبي عمرو بن السَّمّاك، وأحمد بن سلمان النَّجّاد، وأبي سهل بن زياد، ودَعْلَج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ، ثم وَرَدَها وقد عَلَتْ سِنُّه، فحدَّث بها عن أبي العباس الأصمّ، وأبي عبد الله بن الأخرم، وأبي علي الحافظ، ومحمد بن صالح بن هانئ، وغيرهم من شيوخ، خراسان، روى عنه: الدارقطنيُّ، وحدَّثَنا عنه محمد بن أبي الفَوَارس، والقاضي أبو العلاء الواسطي، وغيرهما (١).
وذكر أبو يعلى الخليلي للحاكم رحلةً إلى العراق والحجاز في سنة ثمان وستين وثلاث مئة (٢)، وعَدَّها الرحلةَ الثانيةَ، وقد أخطأ أبو يعلى الخليلي في ذلك في أمرين:
أولهما: في ذكر رقم الرحلة، وقد قَدّمنا أن رحلة الحاكم الثانية إلى العراق والحجاز كانت سنة خمس وأربعين وثلاث مئة.
وثانيهما: في ذكر تاريخ الرحلة، فقد قدَّمنا أن الحاكم كان قد حج سنة سبع وستين وثلاث مئة، ثم عند مُنصَرَفه من الحج رجع إلى بغداد، ليمكث فيها مدةً تزيد على أربعة أشهر، وهذا يعني أنه دخلت عليه سنة ثمان وستين وهو في بغداد، وقد أشار إلى ذلك أبو حازم العبدَوي، حيث قال وهو يتحدث عن الحاكم: فعزم على أن يَخرُج إلى الحج في موسم سبع وستين، فلما وَرَدَ في سنة ثمان وستين أقام بعد الحجِّ ببغداد أشهُرًا (٣).
_________
(١) "تاريخ بغداد" للخطيب ٣/ ٥٠٩.
فائدة عزيزة: ومما كتبه الدارقطني عن الحاكم ورواه عنه حديث عبد الله بن مسعود، قال: من أحب أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافِظْ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادَى بهن. قال الحاكم: كتبه عني أبو الحسن الدارقطني، وقال: ما كتبتُه عن أحدٍ قطُّ. "التدوين في أخبار قزوين" لأبي القاسم الرافعيّ ٢/ ١٤٢.
(٢) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" ٣/ ٨٥٢.
(٣) "خصائص مسند الإمام أحمد" ص ١٢.
стр. 37
وقد جاء ما يدلُّ على المدة التي بقي فيها ببغداد تحديدًا، كما في ترجمته لأبي القاسم الآبَنْدُوني الذي ذكر الحاكمُ أنه لم يُفارق بغداد من سنة خمسين وثلاث مئة حتَّى مات بها سنة تسع وستين وثلاث مئة، فذكر الحاكم أنه فارقه - أي: من بغداد - في رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مئة (١). ثم ورد ما يدلُّ على أنه لما غادر بغداد في رجب تلك السنةَ عاد إلى نيسابور، كما يظهر في ترجمته لأبي طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، حَفيد الإمام محمد بن إسحاق بن خُزَيمة صاحب "الصحيح"، حيث ذكر أنه عَقَدَ له في نيسابور مجلسًا في شهر رمضان من سنة ثمان وستين وثلاث مئة (٢)، فكان انطلاق الحاكم إذًا من بغداد في رجب من سنة ثمان وستين وثلاث مئة، عائدًا إلى نيسابور حيث عُقد مجلس أبي طاهر في شهر رمضان من تلك السنة، وقد نصَّ أبو حازم العبدوي على رجوعه إلى وطنه نيسابور بعد إقامته في بغداد تلك الأشهر (٣).
ولم يُسجِّل لنا الحاكم لنفسه رحلةً بعد هذا التاريخ إلى العراق والحجاز، فلا يصحُّ قول الخليلي أنه رحل إلى العراق والحجاز سنة ثمان وستين، ولعله يكون أراد لرحلةَ التي كانت سنة سبع وستين وثلاث مئة، فذكَر سنةَ ثمان وستين باعتبار أن تلك الرحلة امتدَّت إلى شهر رجب من سنة ثمان وستين، ولكن إنما يصحُّ ذلك مجازًا بذكر العراق دون الحجاز، والله أعلم.
وقد قال الحاكمُ في ترجمته لأبي منصور أحمد بن محمد بن عبد الله العَنْبَري: آخر عَهدي به ببغداد في قَطيعة الرَّبيع في داره سنة ثمان وستين وثلاث مئة (٤). يعني عند عودته إلى نيسابور.
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الآبندوني).
(٢) "الأنساب" نسبة (الخزيمي).
(٣) "خصائص مسند الإمام أحمد" ص ١٢.
(٤) "تاريخ بغداد" ٦/ ١٩٦.
стр. 38
كما سجَّل لنا سماعَه بعدد من البلدان التي تقع إلى الغرب من نيسابور في الأقاليم الواقعة بين إقليم خُراسان وإقليم العراق، مما لم يظهر لنا تاريخُ دخوله إليها، وأغلب الظن أنه دخل تلك البلاد في سائر رحلاته إلى العراق والحجاز، إذ هي في طريق القوافل الآتية من البلدان الشرقية إلى العراق، والله أعلم.
ومن هذه البلدان: الدامَغَان، وهي بلدة من إقليم قُومَس (١)، سمع فيها من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه (٢).
ومنها: ساوَة، وهي بلدة بين الرَّيِّ وهَمَذان (٣)، وقد سمع فيها الحاكمُ من أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن أميّة بن مُسلم القرشي (٤).
ومنها كذلك: الأهواز (٥)، وقد وقفنا على سماع للحاكم بالأهواز من أبي العباس أحمد بن زياد الفقيه في "المستدرك".
ولما وصل إلى مكةَ كان له فيها شيوخٌ صرّح بسماعه منهم فيها، أشهرهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزَاعي الفاكِهي، وأبو عبد الله محمَّد بن علي بن عبد الحميد الصَّنْعاني (٦)، وغيرهما من المقيمين بمكة أو الواردين إليها للحج، وهم كثيرون، يمكن معرفتهم من خلال استعراض أسانيده في "المستدرك".
ولم يذكر لنا الحاكم رحلةً إلى مصر والشام، مع أن عددًا من أقرانه الخُراسانيين قد رحلوا إليهما، فيذكر الدكتور محمود ميرة عدة أسباب لذلك مُحتَمَلة، منها:
أ - أن يكون الحاكمُ زَهِد فيهما.
ب - أو أن تكون قصة النسائيِّ وما لقيه من أهل دمشق عندما طلبوا منه أن
_________
(١) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الدامغاني). وقومس إقليم في جمهورية إيران في شرق طهران.
(٢) "المستدرك" (٢٣٧٨) و (٥٨٢٦).
(٣) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الساوي).
(٤) "المستدرك" (٤٦١٣) و (٤٦٠٩).
(٥) وهي من مدن خُوزستان في أقصى الشمال الشرقي من الخليج العربيّ، وتقع الآن في إيران.
(٦) "المستدرك" (١) و (١٣١) و (٢٢٩) و (٢٨٤).
стр. 39
يحدِّثهم عن فضائل معاوية بن أبي سفيان، بعد أن حدثهم بفضائل علي بن أبي طالب، فأبى أن يفعل، فأُخرج من المسجد عَنوةً، ثم كان ذلك سببًا في وفاته بعد ذلك.
ج - وإما أن يكون بسبب فتنة القرامطة التي امتدت إلى مناطق واسعة شملت جزءًا كبيرًا من الطريق إلى دمشق حتَّى دخلت مصر تحت قبضتهم.
د - أو أنه اكتفى بما سمعه من شيوخه الذين رحلوا إلى الشام ومصر كالزبير بن عبد الواحد الأسَدَاباذي (١) الذي تقدَّم ذِكرُه غيرَ مرة.
قلنا: وكأبي عليّ النَّيسابوري أيضًا وأبي العباس الأصم والدارقطني.
المطلب الثالث: شيوخه وتلامذته:
- شيوخه:
قدمنا أن الحاكم ﵀ كان قد شرع بطلب العلم منذ حداثة سنِّه، حين كان في سنِّ التاسعة، ثم حُببت إليه الرحلةُ في طلب العلم، فلم يَزَل يطوي البِيدَ راحلًا، غير واضعٍ عصا التَّيْسار، متنقلًا في البلاد، سعيًا منه للقاء مزيدٍ من الشيوخ، وقد أدرك جماعةً منهم وقد بَلَغُوا من الكِبَر عِتِيًّا، حتَّى إنه رحل إلى العراق والحجاز وهو في سنِّ العشرين، مما أتاح له في تلك الديار لقاءَ عدد من الشيوخ الذين لم يمكثوا بعد رحيلِه عنهم سوى زمن يسير، فتسنَّى له لِقاءُ شيوخ لم يُدركهم نُظَراؤه الذين كانوا في مثل سِنِّه في خراسان، وقد جمع لنفسه مُعجَمًا يشتمل على ألفي شيخ (٢)، وممّن روى عنهم مَن عاش بعده (٣).
وسمع ببلده نيسابور وحدَها من أربعة وتسعين وتسع مئة شيخ حسب ما أورده هو في "تاريخ نيسابور" (٤).
_________
(١) "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" للدكتور محمود ميرة ص ٣٧ - ٣٨.
(٢) "تبيين كذب المُفتري" ص ٢٢٨، و "الدر الثمين في أسماء المصنفين" لتاج الدين علي بن أَنجَبَ البغدادي ص ١٠١.
(٣) "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٤/ ٢٨٠.
(٤) كما في "تلخيصه" للخليفة النيسابوري، وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٦٣ أنه =
стр. 40
كما كان له شيوخٌ في علوم شتى كان لديه إلمامٌ بها - كما قدّمنا عند حديثنا عن شروعه في طلب العلم - على أن شيوخه في الرواية كانوا أكثر عددًا، حيث إنه بعد تلقِّيه تلك العلومَ انصرف إلى علم الحديث بأجمَعِه، حتَّى غلبَ ذلك عليه، واشتَهَر به، وسُمِّي الحافظَ.
وقد أدرك جماعةً من المحدثين والحفّاظ بنيسابور، لو صحَّ سماعُه من أحدهم لعُدَّ ذلك من أقدم سماعاته.
- وأقدُم من أدركَه الحاكمُ من شيوخ نيسابور ولم يصحَّ سماعُه من واحدٍ منهم:
١ - أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، قال عنه الحاكم: الإمام المقتدَى به في الفقه والكلام والوعظ والورع والعقل والدين. وقد جزم عبد الغافر الفارسي بأن الحاكم لقيَه، ولم يسمع منه شيئًا (١).
٢ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن بن الشرقي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة، جزم عبد الغافر الفارسي أيضًا بأن الحاكم لَقيَه، ولم يسمع منه شيئًا (٢).
٣ - أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال النيسابوري، المتوفَّى سنة ثلاثين وثلاث مئة، وقد رآه الحاكم، لكن لم يسمع منه (٣).
٤ - أبو بكر محمد بن الحُسين بن الحَسن بن الخليل النَّيسابوري القَطّان، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة، وأُحضر الحاكمُ لمجلسه وهو صغير غيرَ مرّة، لكن لم يصحَّ له عنه شيءٌ، كما صرّح الحاكم نفسه بذلك (٤).
_________
= سمع في نيسابور من ألف نفس.
(١) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" ص ١٦.
(٢) المصدر السابق ص ١٦.
(٣) "تاريخ الإسلام" للذهبي ٧/ ٥٨٧.
(٤) المصدر السابق ٧/ ٦٦٣.
стр. 41
٥ - أبو الحسن علي بن إبراهيم بن معاوية النيسابوري المُعدَّل، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وقد سمع منه الحاكمُ، لكن ذهب سماعُه منه (١).
فأما شيوخه الذين أدركهم وصحَّ سماعُه وتَلقِّيه عنهم، فسنذكرهم بحسب تخصصاتهم:
- أما شيوخه في القرآن والقراءات، فأشهرهم:
١ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن مِهران الزاهد المِهراني، المتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، قال الحاكم في ترجمته في "تاريخ نيسابور": إمام عصره في القراءات، وأعبدُ من رأينا من القراء، وكان مجاب الدعوة، قرأْنا عليه ببُخارى كتابه المصنّف في القراءات، وهو "كتاب الشامل" سنة خمس وخمسين وثلاث مئة (٢).
٢ - أبو حامد أحمد بن إسماعيل بن جبريل الصَّرّام، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، قرأ القرآن على حمدون بن أبي سهل المقرئ، وكان يقرئ في مسجد المربعة بنيسابور إلى أن ضعُف، روى كتب الفقه والتفسير ببَلْخ أو بُخارى (٣).
٣ - أبو بكر أحمد بن العباس البغدادي، نزيل خراسان، يعرف بابن الإمام، توفي سنة خمس وخمسين وثلاث مئة، قرأ على أحمد بن سهل الأُشْناني، وأبي بكر بن مجاهد، قرأ عليه أبو عبد الله الحاكم، وقال: كان أوحدَ عصره في أداء الحروف، دخل مَرْو وبُخارى (٤).
٤ - أبو عيسى بَكّار بن أحمد بن بَكّار البغدادي، المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة، مشهور بالإقراء، أقرأ ستين سنة، قرأ على: عبد الله بن الصَّقر السُّكَّري،
_________
(١) المصدر السابق ٧/ ٦٧٠.
(٢) "الأنساب" نسبة (المهراني).
(٣) "الأنساب" نسبة (الصَّرّام)، و "تاريخ الإسلام" ٧/ ٦٦٧.
(٤) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٧٩، و "معرفة القراء الكبار" للذهبي ١/ ٣١٠.
стр. 42
وأبي علي الحسن بن الحسين الصَّوّاف صاحب أبي حَمْدون الذُّهلي، وأحمد بن يعقوب ابن أخي العِرْق، وأبي بكر بن مُجاهد (١).
٥ - أبو علي الحسن بن داود الأُموي النَّقّار الكوفي، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة، قرأ لعاصمٍ على القاسم بن أحمد الخيّاط، وأخذ قراءة حمزة عن محمد بن لاحق، وأقرأ الناسَ دَهْرًا، وكان ثقةً قيِّمًا بحرف عاصم (٢).
٦ - أبو عبد الله محمد بن الحسين بن أيوب النَّوْقاني، روى القراءات عن علي بن عبد العزيز المكي عن أبي عبيد القاسم بن سلّام (٣).
٧ - أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارِزِيّ، روى القراءات من كتاب أبي عبيد عن علي بن عبد العزيز المكي، عنه (٤).
وأما شيوخه في الفقه، فأشهرُهم:
١ - أبو الوليد حسّان بن محمد بن أحمد القرشي الأُمَوي، الأستاذ الفقيه الشافعي، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاث مئة، تفقَّه بأبي العبّاس بن سُرَيج، وهو صاحبُ وجهٍ في مَذهَب الشافعية. قال فيه الحاكم إمام أهل الحديث بخراسان، وأزهَدُ من رأيتُ من العلماء وأعبَدُهم. وكثيرًا ما كان الحاكمُ يصِفُه في أثناء الرواية عنه بالأستاذ، وبالإمام (٥).
فهذا إذًا من شُيوخ الحاكم في الرواية أيضًا، وقد أكثر عنه في مصنفاته.
٢ - أبو سهل محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان الصُّعلُوكي، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة تسع وستين وثلاث مئة. قال عنه الحاكم: حَبْر زمانِه وبقيّة
_________
(١) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٥٤، و "معرفة القراء الكبار" للذهبي ١/ ٣٠٦.
(٢) "معجم الأدباء" لياقوت الحموي ٢/ ٨٦٠، و "تاريخ الإسلام" ٧/ ٧٠٦، و "معرفة القراء الكبار" ١/ ٣٠٤.
(٣) "غاية النهاية" ٢/ ١٢٨.
(٤) "غاية النهاية" ٢/ ٢٣٩.
(٥) "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨٧٤، و "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٩٢.
стр. 43
أقرانِه … اختُلف إلى أبي بكر بن خُزَيمة، ثم إلى أبي علي محمد بن عبد الوهاب الثَّقَفي، وناظر وبَرَع … وأفتى ودرَّس بنَيسابور نيّفًا وثلاثين سنة (١).
٣ - أبو علي الحَسن بن الحُسين بن أبي هُريرة البغدادي، الفقيه الشافعي القاضي، المتوفى سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. صاحب وجهٍ في مَذْهَب الشافعية، تفقّه على أبي العباس بن سُرَيج، وعلى أبي إسحاق المَرْوَزي (٢).
- وأما شيوخ الرواية الذين أدركَهم الحاكمُ، وتَلقّى عنهم الروايات والأخبار، فهم على طبقاتٍ، أورد منهم أبو عبد الله الحاكم في كتابه "تاريخ نيسابور" مَن كان منهم مُقِيمًا بنيسابور، أو مَن نزلها مارًّا بها، وقد استوعبَ ذِكرَ شُيوخه من النيسابوريين وغيرهم في "معجمه" الذي أشرنا إليه، حيث بلغ عددهم ألفي شيخٍ، كما نصَّ عليه غير واحد ممن رأى ذلك "المعجم"، على أنه لم يُعثَر عليه بعدُ، ولو عُثِر عليه مع كتابه الآخَر "تاريخ نيسابور"، لحصل لنا بحضورهما فوائد جُلَّى.
- وقدَّمنا في حديثنا عن شروعه في طلب العلم كذلك ذكرَ جملةٍ من الشيوخ الذين سمع منهم الحاكم في وقت مبكِّر من حياته بنيسابور، ولم يكن بلغَ الرابعة عشر من عُمُره بعدُ، وهم:
١ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المَكتُومي، الذي كتب عنه الحاكم سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة.
٢ - أبو حاتم بن حِبّان البُسْتي، الذي استَمْلَى عليه الحاكم سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة.
٣ - حاجب بن أحمد الطُّوسي، الذي سَمِع منه الحاكم سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة.
٤ - أبو محمد الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهر الإسْفَراييني الأزهَري،
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الصُّعلوكي)، و "تاريخ الإسلام" ٨/ ٣٠٩.
(٢) "وفيات الأعيان" لابن خَلِّكان ٢/ ٧٥ و "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨٢٠.
стр. 44
ابن أخت أبي عوانة الحافظ، الذي سَمِع منه الحاكم أيضًا سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة.
- وذكرنا بعد ذلك شيوخًا لأبي عبد الله الحاكم سمع منهم بنيسابور، قُبِضُوا ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشر من عُمُره بعدُ، وهم:
١ - أبو الطيب الصُّعلُوكيّ، المتوفى سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وكان قد سمع منه الحاكمُ حديثًا في المذاكرة.
٢ - أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد الفقيه البخاريّ، المتوفى سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة أيضًا، وذكر الحاكم أنه كتب عنه في تلك السنة نفسها.
٣ - أبو الحسن عيسى بن زيد بن عيسى الطالبي العَقِيلي، المتوفى في أواخر سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، وذكر الحاكم أنه كتب عنه في تلك السنة كذلك.
٤ - أبو الحسن علي بن حَمْشَاذَ بن سَخْتَوَيْه بن نصر، النَّيسابوريُّ المُعدَّل، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة، وقد أكثر عنه الحاكمُ، فقد روى عنه في "المستدرك" ما يزيد على الخمس مئة روايةٍ.
٥ - أبو بكر محمد بن أحمد بن بالَوَيهِ الجَلّاب، المتوفى سنة أربعين وثلاث مئة، وأكثر عنه الحاكم أيضًا، فرواياتُه عنه في "المستدرك" تزيد على المئتين وتسعين روايةً.
- ثم كان للحاكم بعد ذلك شيوخ كبار في نيسابور وغيرها، ومن أبرزهم ممن أكثر عنهم في "المستدرك":
١ - أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ الورّاق النَّيسابوري، المتوفَّى سنة أربعين وثلاث مئة. وصفَه الحاكمُ بالثقة المأمون (١)، وهو من أكثر من روى عنه الحاكم من شيوخه الذين روى لهم في "المستدرك".
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الأحنف) ونسبة (الحسنوي)، و "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح ١/ ١٦٦.
стр. 45
٢ - أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، المتوفى سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، قال الخليلي: كان الحاكم يُسمّيه: العَدْل الرِّضا (١). وقد سمع منه الحاكم - كما قدمنا - بالطابرَان إحدى بلدتَي طُوس في خراسان.
٣ - أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب بن يزيد النَّيسابُوري، المعروف بالصِّبْغيّ، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة (٢)، وقد أكثر عنه الحاكم أيضًا، وهو أكثر من روى عنه من شيوخه، وكان أكثر ما يسمِّيه بذكر كُنيته مع اسم أبيه، فيقول: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق.
٤ - أبو العباس القاسم بن القاسم بن عبد الله بن مهدي السَّيّاري المروزي، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة (٣). قال عنه الحاكم: لم أر أفضلَ منه (٤). وقد سمع منه بمَرْو في رحلته الأُولى إليها، إذ توفي قبل رحلته الثانية إلى هناك.
٥ - أبو محمد عبد الرحمن بن حَمْدان بن المَرزُبان الهَمَذاني الجَلّاب، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة (٥). وكان لقاء الحاكم به في هَمَذان، كما كان يصرّح به في أسانيده في "المستدرك" وغيره، وقد وصفه في روايةٍ عنه في "المستدرك" بالحافظ (٦)، وقال مرةً في إسناد خبر رواه عنه: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات (٧)، وقال مرة في إسناد خبر رواه هذا حديث ليس في إسناده إلَّا ثقة ثبت (٨). وذكر
_________
(١) "الإرشاد" ٣/ ٨٤٩.
(٢) "الأنساب" نسبة (الصِّبغي)، و "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٨٣.
(٣) "الأنساب" نسبة (السياري)، و "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٠٠.
(٤) "الإرشاد" ٣/ ٩٢٢.
(٥) "معجم البلدان" لياقوت الحموي ٥/ ٣٨٤، رسم (ولِيدَاباذ)، و "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٧٧.
(٦) "المستدرك" (٨٧٩٢).
(٧) "المستدرك" (٧٧٢).
(٨) "معرفة علوم الحديث" ص ٥٨.
стр. 46
الحاكم أن عبد الرحمن بن حمدان الجَلّاب هذا سمع "المسند" من إبراهيم بن نصر الرازي، و "المسند" من هلال بن العلاء الرَّقّي (١).
٦ - أبو بكر محمد بن داود بن سليمان النَّيسابوري الزاهد، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة. قال أبو يعلى الخَليلي: يُكثر عنه الحاكم أبو عبد الله، ويُسمّيه الحافظ (٢). قلنا: وقد وصفه الحاكم بأنه ثقة مأمون (٣).
٧ - أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبد الله بن يزيد بن السَّمّاك الدَّقاق البغدادي، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاث مئة (٤). وكان لقاء الحاكم به في بغداد في رحلته الأُولى، حيث إنه توفي قبل رحلته الثانية إلى هناك، ووصفه في بعض رواياته بقوله: الثقة المأمون، وقال عنه مرةٌ: الزاهدُ حقًّا (٥).
٨ - أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشَّيباني الحافظ المعروف بابن الأخْرَم النيسابوري، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاث مئة. وصفه الحاكم بقوله: كان أبو عبد الله صَدْرَ أهل الحديث ببلدِنا بعد أبي حامد بن الشَّرْقيّ؛ كان يَحفَظ ويَفهَم … وله كلامٌ حسنٌ في العلل والرجال (٦).
٩ - أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري النَّيسابوري، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاث مئة. قال الحاكمُ فيه: العدلُ الأديبُ المُفسِّرُ الأوحَدُ من أقرانه (٧).
١٠ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بُطّة - بضم الباء - بن إسحاق بن الوليد بن
_________
(١) المصدر السابق ص ٢٢٩.
(٢) "الإرشاد" ٣/ ٨٥٧، و "تاريخ دمشق" ٥٢/ ٤٢٩، و "تاريخ الإسلام" ٧/ ٧٨٥.
(٣) "سؤالات السِّجْزي لأبي عبد الله الحاكم" (٢٣٠).
(٤) "تاريخ بغداد" ١٣/ ١٩٠، و "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٤٤.
(٥) "المستدرك" (٤٣٤٠).
(٦) "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨١٠، و "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٦٦.
(٧) "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨١١، و "العِقد المُذهَب في طبقات حَمَلَة المَذهَب" لابن الملِّقن ص ٢٣٤.
стр. 47
عبد الله الأصبهاني، نزيل نيسابور، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاث مئة. قال الحاكم: قرأ أبو عبد الله بنيسابور كُتُب الواقديّ في روايات شتّى (١).
١١ - أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف الأُموي ولاء النيسابوري الأصمُّ، المتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مئة. وهو راوية المذهب الشافعي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي، قال الحاكم: كان محدِّث عصره بلا مدافعة، حدَّث في الإسلام ستًا وسبعين سنة … وما رأيت الرَّحّالة في بلد أكثر منهم إليه، رأيت جماعة من الأندلس والقَيروان ومن أهل فارس وخُوزستان على بابه (٢).
١٢ - أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن جَميل البغدادي، المتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مئة. وكان لقاء الحاكم به بنيسابور، كما صرّح به في غير موضع من "المستدرك"، وقد وصفه بقوله: مُحدِّث عصره بخُراسان، وأكثر مشايخنا رحلةً، وأثبتهم أصولًا .. انتقى عليه أبو على النيسابوري أربعين جزءًا (٣).
١٣ - أبو العباس محمد بن أحمد بن مَحبُوب بن فُضَيل المَرْوَزِي المَحبُوبي، المتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مئة. وهو راوي كتاب "جامع أبي عيسى الترمذيّ" عنه، وقد سمعه منه الحاكم بمَرْو، وأغلب الظن أن ذلك كان في رحلته الثانية إليها حين مكث فيها سبعة أشهر، كما يُفهم من قوله في أثناء ترجمته لأبي علي الحسين بن سابُور الطَّبَري المُفيد (٤)، ووصف الحاكمُ أبا العباس بالثقة المأمون (٥). ووصف سماعه بأنه صحيح (٦).
١٤ - أبو الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدُوس العَنَزي الطَّرائفي النيسابوري،
_________
(١) "الأنساب" نسبة (البُطِّي).
(٢) "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨٤٢.
(٣) "تاريخ بغداد" ٤/ ٣٥٤ و "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨٤١.
(٤) "الأنساب" نسبة (المفيد).
(٥) "معرفة علوم الحديث" ص ١٢١.
(٦) "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨٣٨.
стр. 48
المتوفى سنة ست وأربعين وثلاث مئة. وصفه الحاكم بقوله: كان من أهل الصدق والمحدثين المشهورين … ولم يزل مقبولًا في الحديث مع ما كان يرجع إليه من السلامة (١).
١٥ - أبو الحسن إسماعيل بن محمَّد بن الفضل بن محمد النيسابوري، المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاث مئة. قال عنه الحاكم كان كثير السماع من جده وأبيه، وكان أحد المجتهدين في العبادة، وكنت أستخيرُ الله في إخراجه في الصحيح، فوقعت الخِيَرة على ذلك (٢).
١٦ - أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان المروَزي الصَّيرَفي، الملقَّب بالدُّخَمْسِيني، المتوفى سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة، وصفه الحاكم بأنه محدِّث خراسان في عصره، وسمع منه بمَرْو جميع مسموعاته، كما أفاده الحاكمُ في ترجمته له (٣)، وصرَّح بذلك في أكثر أسانيد مروياته التي أفادها منه في "المستدرك" وغيره من كتبه.
١٧ - أبو علي الحسين بن علي بن يزيد بن داود النيسابوري، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاث مئة. قال الحاكم: هو واحدُ عصره في الحفظ، والإتقان، والورع، والمُذاكَرة، والتصنيف … كان باقِعةً في الحفظ، لا تُطاق مذاكرتُه، ولا يَفِي بمُذاكَرتِه أحدٌ من حُفّاظنا (٤).
١٨ - أبو محمد الحسن بن محمَّد بن حَلِيم بن إبراهيم بن ميمون المروزي الصائغ، المتوفى سنة سبع وخمسين وثلاث مئة (٥). وكثيرًا ما ينسبه الحاكم إلى
_________
(١) "الأنساب" نسبة (الطرائفي).
(٢) "الأنساب" نسبة (الشعراني).
(٣) "القَنْد في ذكر أخبار سَمَرقند" لنجم الدين النسفي ترجمة (١٣٧)، و "الأنساب" نسبة (الدخمسيني).
(٤) "تاريخ الإسلام" ٧/ ٨٧٥، و "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٥١. والباقِعةُ: الذكيّ الداهِيَة.
(٥) "الإكمال" لابن ماكولا ٢/ ٤٩٢، و "الأنساب" نسبة (الحليمي).
стр. 49
جده فيقول: الحسن بن حَليم. وقد وصفه الحاكم بأنه ثقة (١)، وذكر أنه سمع منه بمَرُو، كما صرَّح بذلك في عدة مواضع من "المستدرك" (٢)، وهو راويةُ أبي المُوجِّه محمد بن عمرو الفَزَارِي المَرْوَزي (٣).
١٩ - أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابوري، المتوفى سنة ستين وثلاث مئة. وصفه الحاكم بقوله: شيخ العدالة ببلده، ومَعدِن الورع، معروف بالسماع والرحلة والإتقان (٤).
٢٠ - أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن مِرْداس الإسماعيلي الجُرْجاني، صاحب كتاب "المستخرج على صحيح البخاريّ"، المتوفى سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة، قال الحاكم: قدم علينا في ذي القَعدة من سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة … فعُقد له المجالسُ بالعشيّات كلَّ يوم إلا يوم الجمعة: يومين للإملاء، ويومًا للنظر، ويومين للقراءة، ويومًا للكلام، وكان لا يتخلَّف عن مجلسِه كلَّ يوم من المذكورين في هذه العلوم أحدٌ إلا لعُذرٍ (٥).
٢١ - أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النَّيسابوري الكَرابِيسي الحاكم، المتوفى سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة. قال أبو عبد الله الحاكم: كنت أدخُل عليه والمصنفاتُ بين يدَيه، فيقضي بين اثنين، فإذا تفرَّغ أقبَلَ على التصنيف .... وهو حافظُ عصرِه بهذه الديار (٦).
٢٢ - أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مَهْدي الدّارَقُطني، المتوفى سنة
_________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٢/ ١٦٠.
(٢) "المستدرك" (٢٩٢) و (٧٠٧).
(٣) حيث روى عنه كتابه "السنن" وغيره. "التحبير في المعجم الكبير" للسمعاني ٢/ ٥٤ و "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ١٦٠٢.
(٤) "تاريخ الإسلام" ٨/ ١٥١ و "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ١٦٢.
(٥) "الأنساب" للسمعاني نسبة (الإسماعيلي).
(٦) "تاريخ دمشق" ٥٥/ ١٥٦.
стр. 50
خمس وثمانين وثلاث مئة. قال الحاكم: صار الدارقطنيُّ أوحَدَ عصرِه في الحفظ والفهم، والورع، وإمامًا في القُرّاء والنحويّين، وفي سنة سبع وستين أقمت ببغداد أربعة أشهر، وكَثُرَ اجتماعُنا بالليل والنهار، فصادفتُه فوق ما وُصِف لي، وسألتُه عن العلل والشيوخ، وله مصنفات يطولُ ذكرها، وأشهد أنه لم يُخلِّف على أَدِيم الأرض مثلَه (١).
فهؤلاء هم أبرز شيوخ الحاكم، وسَرْدُهم يَطُول، وقد ذكرنا جماعةً منهم عند حديثنا عن رحلاته، ممن تَرجَم لهم هو نفسُه، وذَكَرَ مواضعَ وتواريخَ لقائه بهم.
وفي غياب كتابَي الحاكم "المعجم" و "تاريخ نيسابور"، كان لا بُدّ من استفراغ الوُسع في إحصاء شيوخه وتبيين أحوالهم، وقد انبرى لذلك عدد من الباحثين المعاصرين، فكانت لهم جهودٌ طيبةٌ، لكن أجودَها ما صنَعه الأستاذ أبو الطيّب نايف بن صلاح بن علي المنصوري، حيث أفرَدَ شيوخ الحاكم في "المستدرك" وغيره، في كتاب سمّاه "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"، وهو في مجلدَين؛ فيُرجع إليه فهو نَفِيس في بابه.
أما نحن، فلم نألُ جهدًا في عملنا على الكتاب في التفتيش عن أحوال شيوخه، ودراسة مرويّاتهم، ولا سيما الذين لم نَعثُر لهم على تراجم، ضرورةَ الحكم على أسانيد الكتاب، فنسأل الله تعالى أن نكون قد وُفِّقَنا في ذلك.
- تلامذته:
ما إن تمَّ للحاكم الطلبُ، وبلغ في هذا العلم الشريف شأْوًا عظيمًا، حتَّى أَوفى على الغاية فيه، وصار إليه المُنتهى، فأمَّه طلبةُ العلم وقصدوا مجلسَه، من كل حَدَب وصَوْب يَنسِلون، فيَنهَلُون من مَعِينه الذي لا يَنضُب، ويَحرِصون على تسجيل فوائده، ويكتبون بإملائه الأجزاء تلو الأجزاء، فلم يكن لهم عنه مُستغنًى، ولا سيما
_________
(١) "تاريخ الإسلام" ٨/ ٥٧٦، و "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٤٤٩.
стр. 51
وأنه قد أدرك الأسانيد العالية التي لم تكن لغيره من الحفاظ، إذ رحل - كما تقدَّم - وهو في سنٍّ مبكّرةٍ في أصقاع متفرقة في الأقاليم الممتدة من بلاد ما وراء النهر حتَّى العراق، مما أتاح له لقاء شيوخٍ كبار لم يُقضَ لغيره من أقرانه السماعُ منهم.
فكان للحاكم تلامذة أفذاذٌ خَلَفُوه في هذا العلم، فأصبحوا ممن يُشار إليهم بالبَنان، وممن تُستحثُ المِطيُّ إليهم مِن كل مكان، فكانوا بحقٍّ خيرَ خَلَف لخير سَلَف، وقد أورد كثيرًا منهم عبدُ الغافر الفارسي في كتابه "السياق لتاريخ نيسابور" (١) الذي ذيّل به علي كتاب "تاريخ نيسابور" للحاكم، حيث ذكر فيه طبقة تلامذة الحاكم فمَن بعدهم، ونقتصر هنا على ذكر أشهرهم، وهم:
١ - أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البَيهقي الخُسرَوْجِرْدي، المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة. واحدُ زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمُكثرين عنه (٢)، وقد اعتمد البيهقي في جُلِّ رواياته على ما رواه عن أبي عبد الله الحاكم، حتَّى إنه يمكن أن يكون استوفى أو كاد أن يستوفي جميع مروياته، وأودَعَها جميعًا في تصانيفه الشهيرة، حتَّى قال ابن كثير: أكثرَ البيهقي عنه، وبكتبه تفقّه وتخرّج، ومن بحره استمدّ، وعلى مِنواله مشي (٣).
فإذا قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، فإنه يريدُه، والجدير بالذكر أن البيهقي هو أحدُ الذين سمعُوا على الحاكم كثيرًا من كتاب "المستدرك"، حيث كان يقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في كتاب "المستدرك" (٤)، وأجازَه في باقيه،
_________
(١) ولم يعثر على هذا الكتاب، لكن عُثر على "المنتخب من كتاب السياق" لإبراهيم بن محمد الصَّرِيفِيني. انظر "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ١/ ٣٢٥.
(٢) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٠٨.
(٣) "طبقات الفقهاء الشافعيين" ص ٣٥٨.
(٤) "سنن البيهقي الكبرى" ٢/ ٢٨١ و ٣١٨ و ٣/ ٣٥٥ و "شعب الإيمان" (١٨٧٠).
стр. 52
كما صرَّح به في غير موضع من كتبه، وأحيانًا يقول: أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازةً، وقرأتُه من خطِّه فيما لم يُقرأ عليه من "المستدرك" (١).
٢ - أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النَّيسابوري الصابوني المتوفى سنة تسع وأربعين وأربع مئة (٢). وهو ممن روى عن أبي عبد الله الحاكم كتبه، ك "تاريخ نيسابور" (٣)، و "المدخل إلى معرفة الإكليل" (٤)، وسائر تواليفه (٥) وكان الحاكم يجلُّه ويُوقِّره، فقد قال البيهقي: عهدي بالحاكم الإمام أبي عبد الله مع تقدُّمه في السِّن والحفظ والإتقان أنه يقوم للأستاذ - يعني أبا عثمان - عند دخوله إليه، ويخاطبه بالأستاذ الأوحد، وينشر علمه وفضله، ويعيد كلامه في وعظه متعجِّبًا من حُسنِهِ مُعتدًّا بكونه من أصحابه (٦).
٣ - أبو بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خَلَفَ الشِّيْرازي النَّيسابوري. المتوفى سنة سبع وثمانين وأربع مئة. سمَّعه أبوه أبو الحسن بن خلف من مشايخ عصره قديمًا، وطاف به عليهم حتَّى أدرك الأسانيد العالية، فسمع من أبي عبد الله الحاكم وحَدَّث عنه بجملة من مصنَّفاته (٧)، ومنها هذا "المستدرك" (٨)، وانفرد بالرواية في آخر عمره عن أكثر مشايخه من غير مشاركةٍ للبركة في عمره وروايته، حتَّى خُتم بموته حديث الحاكم أبي عبد الله (٩).
_________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٨/ ٢٧٢ و ١٠/ ١٢ و ١٨٤، و "شعب الإيمان" (٦٨٦٦) و (٧٩٣١).
(٢) "المنتخب من كتاب السِّياق لتاريخ نيسابور" ص ١٣٨، و "الأنساب" نسبة (الصابوني).
(٣) "التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد" لابن نقطة الحنبلي ص ٢٠٦، و "بغية الطلب في تاريخ حلب" لابن العَدِيم ٢/ ٨٥٥ و ٣/ ١٢٦٢ و ١٤٨٦ و ٦/ ٢٩٦٤.
(٤) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" ص ١٩٢.
(٥) "فهرسة ابن خير" ص ٣٩٠.
(٦) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ٢٧٦.
(٧) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١١٦، و "التقييد" لابن نقطة الحنبلي ص ١٥٦.
(٨) انظر مثلًا "المعجم المفهرس" لابن حجر (٢٩).
(٩) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١١٦.
стр. 53
٤ - أبو بكر محمد بن عبد العزيز بن أحمد السُّفياني الحِيرِي، المتوفى سنة إحدى وخمسين وأربع مئة. جمع مصنفات الحاكم وسمعها (١)، ومن مسموعه كتاب "تاريخ نيسابور" (٢)، وهذا "المستدرك" (٣).
٥ - أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخَليلي القَزْويني، المتوفى سنة ست وأربعين وأربع مئة. وقد سأله أبو عبد الله الحاكم ممتحَنًا له لدى دخوله عليه عن مَسْألَة في بيان راوٍ في بعض الأسانيد، وأمهلَه أسبوعًا يتفكَّر فيه، وأجابه في اليوم الثاني، فتعجب الحاكمُ من إجابته وأثنى عليه (٤)، وسأله عن حديث مختلف في تعيين صحابيِّه، فأجابه، فاستحسَن ذلك منه الحاكمُ واستجادَه (٥). وقد سأل أبو يعلى شيخَه الحاكمَ عن أشياء من العلل وأحوال الرجال، وأوردها في كتابه "الإرشاد" أثناء التراجم (٦).
٦ - أبو عثمان سعيد بن محمد بن أحمد بن محمد البَحِيري النَّيسابوري، المتوفى سنة إحدى وخمسين وأربع مئة (٧). وهو من رواة كتاب "تاريخ نيسابور" أيضًا (٨).
٧ - أبو سعيد مسعود بن علي بن معاذ السِّجْزي الوكيل النيسابوري، المتوفى سنة ثمان وثلاثين أو تسع وثلاثين وأربع مئة. كان من وجوه أصحاب أبي عبد الله الحاكم المكثرين عنه، وله عنه سؤالات مشهورة (٩).
_________
(١) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٤٥.
(٢) "بغية الطلب في تاريخ حلب" ٣/ ١٢٦٢ و ٦/ ٢٩٦٤، و "تاريخ الإسلام" ١١/ ١٧٣.
(٣) كما وقع مصرحًا به بين يدي الحديث (٦٢٤٧) في ذكر الأرقم بن أبي الأرقم من هذا الكتاب.
(٤) "الإرشاد" لأبي يعلى الخليلي ٣/ ٨٥٢ - ٨٥٣، و "التدوين في أخبار قزوين" ٢/ ٥٠٢.
(٥) "الإرشاد" ١/ ٣٠٣.
(٦) انظر مثلًا "الإرشاد" ١/ ٢٣٠ و ٣/ ٨٣٢ و ٨٤١ و ٨٤٣ و ٨٤٥ و ٨٥٦ - ٨٥٧ و ٨٦٣.
(٧) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٢٤٨.
(٨) "بغية الطلب في تاريخ حلب" ٣/ ١٢٦٢ و ٦/ ٢٩٦٤.
(٩) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٤٧٢، و "تاريخ الإسلام" ٩/ ٥٧٨.
стр. 54
المطلب الرابع: ثناء الأئمة عليه:
لقد تبوَّأ أبو عبد الله الحاكم المكانة العالية والمنزلة الرفيعة بين علماء عصره، حتَّى شهد له بالتقدُّم شيوخُه قبل تلامذتِه، ثم مِن بعدهم العلماءُ الكبارُ الذين ترجموا له، ولا عجب في ذلك؛ فرجُلٌ مثلُ أبي عبد الله له الرحلةُ الواسعةُ، والشيوخ الكُثُر المشهود لهم بالتقدُّم والمعرفة، لا شكَّ أن ذلك مما يزيد في مخزونه العلمي، وتنوُّع علومه ومعارفه، هذا بالإضافة إلى ما كان يتحلّى به من كريم الخِصال، ويتجلّى فيه من أصيل الخِلال، بما جعله بحقٍّ متميّزًا على سائر أقرانه، بل متفوّقًا على كثير من شيوخه أيضًا، ومهما قلنا في حقِّ هذا الإمام، فإننا قد لا نَقدُرُه قَدْرَه، ولكن كما يقال: ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه، ويكفينا في هذا المقام أن نُورد ما قاله جِلَّةُ أهل العلم في حقِّه؛ مُثنِين عليه، مُنوِّهين بفضله، وأنه بلغ في علم الحديث مبلغًا لا يُجارَى، ويحسُن بنا أن نبتدئ برأي شيوخه فيه، ولا سيما الكبار منهم، بما يدلُّ على نُبُوغ الحاكم المُبكِّر قبل أن تتقدم سِنُّه ويقصده الطَّلبَة:
فمن ذلك أن شيخه إمامَ وقتِه أبا بكر محمد بن إسحاق بن أيوب الصِّبْغيّ كان يُراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث، ويُقدِّمه على أقرانه، وكان يعتمد عليه في أمور مدرسة دار السُّنة، وفوّض إليه توليةَ أوقافه، وكان يستظلُّ برأيه في أموره؛ اعتمادًا على حُسن ديانته ووُفُور أمانتِه (١).
وقال أبو حازم العَبدَوي: سمعتُ مشايخنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد يَرجِعان إلى أبي عبد الله في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه (٢).
وقال أبو حازم أيضًا: أقمتُ عند الشيخ أبي عبد الله العُصْمي قريبًا من ثلاث سنين، ولم أرَ في جملة مشايخنا أتقنَ منه ولا أكثر تَنقيرًا، فكان إذا أَشكَل عليه
_________
(١) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٦.
(٢) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٩.
стр. 55
شيءٌ أمرني أن أكتب إلى الحاكم أبي عبد الله، فإذا ورد جوابُ كتابِه حَكَم به، وقطع بقوله (١).
قال: وسمعت أبا أحمد الحاكم يقول: إن كان رجلٌ يعقُد مكاني فهو أبو عبد الله (٢).
قلنا: يعني في مجلس التدريس.
وقال عبد الغفار الفارسي: سمعتُ مشايخَنا يذكرون أيامَه، ويحكُون أن مُقدَّمِي عصرِه، مثل الإمام أبي سهل الصُّعلُوكي، والإمام ابن فُورَك، وسائر الأئمة يُقدِّمونه على أنفسهم، ويُراعُون حقَّ فضلِه، ويعرفون له الحُرمةَ الأكيدة (٣).
وقال الحاكم في "تاريخه" في ترجمة شيخه الحافظ أبي علي النيسابوري: تَذاكَرنا يومًا ما روى سليمانُ التّيميُّ عن أنس، فمررتُ أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي وجماعةٍ من المشايخ، إلى أن ذكرتُ حديثَ "لا يزني الزاني وهو مؤمن"، فحَمَل بعضُهم عليَّ، فقال أبو علي له: لا تفعل؛ فما رأيتَ أنتَ ولا نحنُ في سنِّه مثلَه، وأنا أقول إذا رأيتُه: رأيتُ ألفَ رجلٍ من أصحاب الحديث (٤).
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميّ: كتبتُ على ظهر جُزءٍ من حديث أبي الحسين الحجَّاجي: الحافظ، فأخذ القلمَ، وضربَ على الحافظ، وقال: أيشٍ أحفَظُ أنا، أبو عبد الله بن البَيّاع أحفَظُ مني، وأنا لم أرَ من الحُفّاظ إلَّا أبا علي الحافظ وابنَ عُقْدة (٥).
قال السُّلميّ: سألت الدارقطني: أيُّهما أحفَظُ: ابن مَنْدَهُ أو ابن البَيِّع؟ فقال: ابن البيِّع أتقنُ حفظًا (٦).
_________
(١) المصدر السابق ص ٢٣٠.
(٢) المصدر السابق ص ٢٢٩.
(٣) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٥.
(٤) المصدر السابق ٩/ ٩٩.
(٥) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٦) المصدر السابق ص ٢٣٠.
стр. 56
وذكر العبدَوي: أن الحاكم لما قُلِّد القضاء بنَسَا سنة تسع وخمسين في أيام السامانيّة ووزارة العُتْبي، دخل الخليل بن أحمد السِّجزي القاضي على ابن أبي جعفر العُتبي يومَ الثاني من مُفارَقتِه الحضرةَ، فقال: هنَأ الله الشيخَ، فقد جَهَّز إلى نَسَا ثلاثَ مئة ألف حديثٍ لرسول الله ﷺ ، فتهلَّل وجهُه (١).
وقد أثنى عليه شيوخه أيضًا بتحقيقه وتثبُّته في الحديث عن رسول الله ﷺ ، فمن ذلك ما ذكره الحاكم، فقال: حضرتُ أبا علي الرَّفّاء سنة اثنتين وأربعين، وقرئ عليه عن علي بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، عن الزبير بن عَديّ، عن أنس قال: "لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا والذي بعده شرٌّ منه"، سمعنا ذلك من نبيكم. فقلتُ للقارئ عليه: من أين كتبتَ هذا الحديث؟ قال: من كتاب أحمد السَّرّاج، وكان غلامًا، كتبتُ عنه بَهراةَ الكثيرَ، فدعوتُ بالسَّرّاج، فقلت له: أين كتابُك بحديث شعبة؟ فأخرج إليَّ على ظهر جُزءٍ له.
وكان شيخُنا أبو إسحاق المُزَكّي عَزَم على أن يحجّ في تلك السنة، فسألني أن أكتب طَبَقًا من حديث أبي عليٍّ ليُقرأ عليه ببغداد، فكتبتُ بخطِّي طَبَقًا من سؤالاته، وحملها أبو إسحاق معه، فلما انصرف قال لي: قُرئ عليه هذا الطَّبقُ بحضرة أبي بكر بن الجِعابي وأبي الحسين المُظفَّر والحفاظِ فاستحسَنُوه، ثم قال أبو الحُسين: لو كان لحديث شُعبة عن الزبير بن عَديّ أصلٌ، لكان أبو عبد الله (يعني الحاكم) يكتبه في أول هذا الطَّبَق.
قال الحاكم: فدخلتُ يومًا على الحاكم أبي القاسم بشر بن محمد بن ياسين، فأخرج كتابًا من أبي عليَّ الرَّفّاء إليه يسألُه أن يَعرضَه على أبي الحسين الحَجّاجي وعليَّ، وفيه: وتُخبِرُهما أني طلبتُ حديثَ شعبة عن الزبير بن عَدِيّ، ولم أجده في كُتبي، فأنا راجعٌ عنه، فأعجَبَني هذا من أبي عليٍّ وإتقانه (٢).
_________
(١) المصدر السابق ص ٢٢٩.
(٢) نقله عنه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٤.
стр. 57
قلنا: بل العجب من أبي عبد الله الحاكم كيف تنبَّه لهذا الحديث من بين سائر الأحاديث، وتفطَّن إلى عدم ثبوته، مع صغر سن الحاكم إذ ذاك، فقد كان في سن الحادي والعشرين، ومع ذلك أقرَّ له شيوخه هؤلاء بالتحرُّز والتثبُّت.
وإذا كان هذا رأي شيوخه فيه، فكذلك كان رأيُ أقرانه وتلامذته، الذين كانوا يرَونه واحدَ عصرِه، وأجلّ أقرانه، وأنه إليه المَرجِع والمُنتَهى في هذا العلم، فمن ذلك ما قاله عبد الغني بن سعيد المصري؛ قال: لما رَدَدْتُ على الحاكم أبي عبد الله الأوهامَ في "مدخل الصحيح"، بعث إليَّ يشكُرُني ويدعو لي، فعلمتُ أنه رجلٌ عاقلٌ (١).
وقال تلميذه أبو حازم العبدوي لدى ترجمته له: إمام أهل الحديث في عصره (٢).
وقال أيضًا: أول من اشتَهَر بحفظ الحديث وعلله بنيسابور بعد الإمام مسلم: إبراهيم بن أبي طالب، وكان يقابلُه النَّسائي وجعفر الفاريابي، ثم أبو حامد بن الشَّرْقي، وكان يقابلُه أبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو العباس بن سعيد، ثم أبو علي الحافظ، وكان يقابله أبو أحمد العَسّال وإبراهيم بن حمزة، ثم الشيخان أبو الحسين - يعني الحجّاجي - وأبو أحمد - يعني الحاكم - وكان يقابلهما في عصرهما أبو أحمد بن عديّ وأبو الحسين بن المُظفّر والدارقطني، وتفرد الحاكم أبو عبد الله في عصرنا هذا من غير أن يقابله أحدٌ بالحجاز والشام والعراقَين والجبال والرَّيّ وطَبَرِستان وقُومَس وخُراسان بأسرِها وما وراء النهر (٣).
وأثنى عليه تلميذه أبو يعلى الخَليلي، فقال: عالم عارف، واسع العلم ذو تصانيف كثيرة، لم أرَ أوفى منه. قال: وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه الكتبَ الطوالَ والأبوابَ، وجمع الشيوخ المُكثِرين والمُقلِّين قريبًا من خمس مئة جزء، ويَستقصي في ذلك؛ يؤلِّف الغَثَّ والسَّمِينَ، ثم يتكلّم عليه فيبيِّنُ ذلك. وقال أيضًا: رأيتُه في كل
_________
(١) نقله عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٦/ ٣٩٨.
(٢) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٧.
(٣) المصدر السابق ص ٢٣٠.
стр. 58
ما أُلقِي عليه بحرًا لا يَعجِزُ عنه. قال: وكنت أسألُه عن الضعفاء الذين نشؤوا بعد الثلاث مئة بنيسابور وغيرها مِن شُيوخ خراسان، وكان يُبيِّن من غير مُحاباة (١).
وهكذا رأى فيه اللاحقون من العلماء أنه العالمُ الفذُّ الذي لا يُلحَقُ شأوُه، ولا يُشَقُّ غُبارُه، فقد قال عنه الخطيب البغدادي: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ (٢).
وقال شِيرَويه الدَّيلَمي: كان الحاكمُ إمامَ الوقت شَرَفًا، له مصنفات حِسانٌ، ما سَبَق إليها أحدٌ (٣).
وقال عبد الغافر الفارسي في حقِّه: إمام أهل الحديث في عصره، والعارف به حقَّ معرفتِه (٤).
وقال أيضًا: من تأمل كلامَه في تصانيفه، وتصرُّفَه في أماليه، ونظَرَه في طرق الحديث، أذعَنَ بفضله، واعترف له بالمَزِيّة على مَن تَقدَّمه، وإتعابِه مَن بعدَه، وتعجيزِه اللاحقين عن بُلوغِ شأوِه، عاش حميدًا، ولم يُخلِّف في وقتِه مثلَه (٥).
وقال السمعاني: كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ والفَهم، وله في علوم الحديث وغيرها مصنفات حِسان (٦).
وقال مجد الدين بن الأثير: من أهل الفضل والعلم والمعرفة في العلوم المتنوّعة، كان فريدَ عصره، ووحيدَ وقته، وخاصة في علوم الحديث، وله فيها المصنفات الكثيرة الغريبة العجيبة (٧).
_________
(١) "الإرشاد" ٣/ ٨٥١ - ٨٥٤.
(٢) "تاريخ بغداد" ٣/ ٥٠٩.
(٣) نقله عنه ابن الصلاح في "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ٢٠٣.
(٤) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٥.
(٥) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٥.
(٦) "الأنساب" نسبة (البيع).
(٧) قسم التراجم من "جامع الأصول" ١٢/ ٨٨٣.
стр. 59
وقال علي بن المفضَّل المَقدِسي: الحافظ، المصنِّف في علم الحديث عدة تصانيف لم يُسبَق إليها، والمخصوص من جَوْدة الترتيب بما لم يُوفَّق لغيره عليها (١).
وقال ابن الصلاح: الحافظ الذي لا يُستغنَى عن تصانيفه في الحديث وعلمه (٢).
وقال ابن خَلِّكان: إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلِّفُ فيه الكتبَ التي لم يُسبَق إلى مثلها، كان عالمًا عارفًا واسع العلم (٣).
وقال ابن عبد الهادي: الحافظ الكبير، شيخ أهل الحديث في عصره، صاحب التصانيف (٤).
وقال الذهبي: الحافظ الكبير … بَرَع في معرفة الحديث وفُنونه، وصنّف التصانيفَ الكثيرةَ، وانتهت إليه رئاسة الفَنّ بخُراسان، لا بل في الدنيا (٥).
وقال أيضًا: انتخب على خَلْقٍ كثيرٍ، وجَرّح وعَدّل، وقُبِل قوله في ذلك لسَعَة علمِه ومعرفتِه بالعلل والصحيح والسقيم (٦).
وقال ابن السُّبْكي: كان إمامًا جليلًا، وحافظًا حَفِيلًا، اتُّفِق على إمامتِه وجلالتِه وعِظَم قَدْرِه (٧).
وقال ابن كثير: كان من أهل العلم والحفظ، والأمانة، والدِّيانة، والصِّيانة، والضَّبْط، والثقة، والتحرُّز، والورع (٨).
وقال ابن المُلقِّن: الرحَّال الإمام الحافظ الكبير .. قام الإجماع على ثقته (٩).
_________
(١) "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٢ ترجمة (٢٩).
(٢) "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ١٩٨.
(٣) "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠.
(٤) "طبقات علماء الحديث" ٣/ ٢٣٧.
(٥) "العبر في خبر من غبر" ٣/ ٩٣ - ٩٤.
(٦) "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٠.
(٧) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ١٥٦.
(٨) "البداية والنهاية" ١٥/ ٥٦١.
(٩) "العِقد المُذهَب في طبقات حمَلة المَذهب" ٧٠ - ٧١.
стр. 60
وقال عنه ابن تَغْرِي بَرْدِي: كان أحدَ أركان الإسلام، وسيّد المُحدِّثين وإمامَهم في وقته، والمرجوعَ إليه في هذا الشأن (١).
المطلب الخامس: آثاره العلمية:
لقد كان من شأن العلماء المخلصين الصادقين أنهم كانوا يحرصون على تدوين ما تحصّل لديهم من العلوم النافعة والفوائد المهمة التي هي ثمرات جهود مباركة انضمت فيها جهود اللاحقين إلى جهود السابقين من العلماء، حتَّى تكوّن من ذلك تراثٌ علميٌّ قيِّمٌ، كان جديرًا بأن ينال العناية اللائقة به، فكان حتمًا لازمًا تقييد ذلك التراث العلمي في مصنفات مَحُوطة بالحفظ والصيانة وتمام التحقيق، بغية الحفاظ عليها من أن تفوت بوفاتهم، فلا تبقى تلك المعارف حبيسةَ عقول أولئك العلماء وقلوبهم، بل تتناقلها الأجيالُ جيلًا بعد جيلٍ، ويتعدى النفع بها إلى مَن بعدهم، ولتكون منطلقًا للاحقين للمضيّ قُدمًا في المسيرة العلمية، والبناء المعرفي الذي لا حدود له.
وعلى سُنّة أولئك العلماء المخلصين سار الإمام أبو عبد الله الحاكم ﵀، فلم يكن ليَضِنَّ بتلك العلوم والمعارف التي هيا الله تعالى له تحصيلها، فكانت له مصنفاتٌ مفيدة سارت بذكرها الرُّكبان، وحرص أهل العلم على تحصيلها واقتنائها، هذا فضلًا عن تلك الأجزاء التي انتخبها عن شيوخه في حياتهم، حتَّى قُرئت تلك الأجزاء بانتخابه على أولئك الشيوخ، واعتمدوها، مقرِّين له بسَعَة المعرفة وتمام القُدرة على التحقيق والتنقيح.
وكان ابتداءُ الحاكم في التصنيف من سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة (٢).
وكانت مصنفاته تلك في غاية التجويد، فقد قال تلميذه أبو حازم العبدَوي: سمعتُ
_________
(١) "النجوم الزاهرة" ٤/ ٢٣٨.
(٢) المصدر السابق ص ١٥.
стр. 61
الحاكم يقول: شربتُ ماءَ زمزمَ، وسألتُ الله أن يرزُقَني حُسنَ التصنيف. فوقع من تصانيفه المسموعة في أيدي الناس ما يبلغ ألفًا وخمس مئة جزء (١).
وقال تلميذه أيضًا أبو يعلى الخليلي في حديثه عنه: واسع العلم ذو تصانيف كثيرة، لم أر أوفى منه (٢).
وقال أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزَّنْجاني وقد سئل عن أربعةٍ أئمة تعاصَروا وهم: الدارقطني ببغداد وعبد الغني بمصر، وأبو عبد الله بن مَنْدَه بأصبهان، وأبو عبد الله الحاكم بنيسابور، فقال: … وأما الحاكم فأحسنهم تصنيفًا (٣).
وقال عبد الغافر الفارسي: من تأمَّل كلامَه في تصانيفه، وتصرُّفَه في أماليه، ونَظَرَه في طرق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزيّة (٤).
وقال أبو سعد السمعاني: له في علوم الحديث وغيرها مصنفاتٌ حِسانٌ (٥).
وقال عنه علي بن المفضّل المقدسي: المصنّف في علم الحديث عدةَ تصانيفَ لم يُسبَق إليها، والمخصوص من جَوْدة الترتيب بما لم يُوفَّق لغيره عليها (٦).
وقال ابن الصلاح: لا يُستغنَى عن تصانيفه في الحديث وعلمه (٧).
وقال ابن خَلِّكان: إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتبَ التي لم يُسبَق إلى مثلها (٨). ومثلُه قولُ الملك المؤيَّد أبي الفِداء (٩).
_________
(١) "الأربعون على طبقات الأربعين" لعلي بن المفضل المقدسي ص ٤٠٩.
(٢) "الإرشاد" ٣/ ٨٥١.
(٣) "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤١٩.
(٤) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٠.
(٥) "الأنساب" نسبة (البيّع).
(٦) "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٢.
(٧) "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ١٩٨.
(٨) "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠.
(٩) "المختصر في أخبار البشر" ٢/ ١٤٤.
стр. 62
وإليكَ ذِكرُ أهمّ ما وقفنا عليه من مصنفات الإمام أبي عبد الله الحاكم، مع بيان ما استطعنا الوقوف عليه مِن رُواة تلك المصنفات عن الحاكم، لتتميم الفائدة، فمن تلك المصنفات:
١ - "المستدرك على الصحيحين" وسنفرد للحديث عنه فصلًا سيأتي بعدُ، إن شاء الله.
٢ - "تاريخ نيسابور"، هكذا سمّاه الحاكم نفسه كما في "المدخل إلى الصحيح" له (١)، وهو المشهور المتداول في اسم هذا الكتاب، كما كان يسميه مَن تَرجَم للحاكم، وهو ما كان يسميه به أكثرُ من نَقَل عنه.
وسماه الحاكم مرةً أخرى "تاريخ النيسابوريين"، كما في "معرفة علوم الحديث" له (٢). وكذلك سماه الحاكم لتلميذه أبي يعلى الخليلي، حين حدَّثه عن سببِ تصنيفه هذا الكتاب (٣)، وكان البيهقي تلميذ الحاكم يذكر اسم الكتاب على الاختصار فيقول: "التاريخ" (٤). وعلى كلٍّ فتسميته بـ "تاريخ نيسابور" هو الأشهر.
وقد أثنى العلماء على هذا الكتاب وعدُّوه مَرِجعًا مُهمًّا لمعرفة تواريخ العلماء والمحدِّثين من أهل نَيسابور والواردين إليها، فقد قال الحافظ شِيرَويه: كان ما قصَّر في استيفائه بالتراجم (٥).
وقال تاج الدين بن السُّبكي: عمل لنيسابور الحافظُ أبو عبد الله الحاكم تاريخًا تخضع له جهابذة الحفاظ، وهو عندي سيّد التواريخ (٦).
وقال ابن السبكي أيضًا: هو عندي أَعَودُ التواريخِ على الفقهاء بفائدةٍ، ومَن
_________
(١) "المدخل إلى الصحيح" في أول الباب الثامن من الكتاب ٤/ ٩٣.
(٢) "معرفة علوم الحديث" ص ٢٠٩.
(٣) "الإرشاد" ٣/ ٨٥٣.
(٤) "السنن الكبرى" ٢/ ١٧٠ و ٣/ ٣٣ و ١٥٤.
(٥) نقله عنه ابن الصلاح في "طبقات الفقهاء الشافعية" ١/ ٢٠٣.
(٦) "طبقات الشافعية الكبرى" ١/ ٣٢٤.
стр. 63
نَظَرَه عَرَف تَفنُّنَ الرجلِ في العلوم جميعها (١).
وقد تقدَّم في تلامذة الحاكم ذكرُ جماعة سمعوا منه "تاريخ نيسابور"، وهم أبو عثمان الصابوني وأبو عثمان البَحِيري وأبو بكر الحِيْري، ومنهم كذلك أبو بكر البيهقي كما صرّح به في غير موضع من كتبه (٢).
وهذا الكتاب مما لم يُعثَر عليه كما قدّمنا (٣).
٣ - "معرفة علوم الحديث"، وقد أشار إليه الحاكمُ في موضعين من "المستدرك"، غير أنه قال: في "المعرفة"، هكذا مطلقًا غير مقيَّد، وقيَّده تلميذه البيهقيُّ بقوله: "معرفة علوم الحديث" (٤). وهذا هو الاسم المشهور للكتاب، وسماه أبو حازم العبدوي: "معرفة أنواع علوم الحديث" (٥)، وكان بعضهم يختصر التسمية بقوله: "علوم الحديث".
وممن روى هذا الكتاب عن الحاكم: البيهقيُّ، كما يظهر في الخبر الذي سمَّى فيه الكتابَ، ومنهم أبو سعد محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكَنْجَرُوذِي (٦)، ومنهم أبو محمد عبد الحميد بن عبد الرحمن البَحِيري النَّيسابوري (٧)، ومنهم
_________
(١) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ١٥٥.
(٢) ومن ذلك "السنن الكبرى" ٢/ ١٧٠ و ٣/ ٣٣ و ١٥ و "شعب الإيمان" (٢٥٩) و (٧٦٦) و (١٨٦٥) و (٢٢٢١).
(٣) لكن وصل إلينا منه بحمد الله مختصره الذي صنعه الخليفة النيسابوري وطُبع، لكنه اقتصر فيه على سرد الأسماء وحسب، مع زيادات قليلة أحيانًا تتعلق بالأوصاف العلمية للرجال المترجَمين، ومع ذلك فقد أفَدْنا منه فوائد، ولا سيما في معرفة الرجال الذين لم نقف لهم على تراجم في غيره، وكذلك في معرفة المتفق والمفترق لكثير من شيوخ الحاكم.
كما أفدنا ممَّن نقل عنه كثيرًا من تراجم النيسابوريين كالسمعاني في "الأنساب" والذهبي في كتبه.
(٤) "السنن الصغير" (٣٤٢٢).
(٥) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨.
(٦) "التحبير في المعجم الكبير" ١/ ١٤٨ ترجمة (٧٢).
(٧) "المنتخب من كتاب السياق" ص ٣٧٦، و "التقييد" لابن نقطة ص ٣٧٥ ترجمة (٤٨١).
стр. 64
كذلك أبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشِّيرازي (١)، وهو أصغر تلامذة الحاكم الذين حملوا عنه بعض مصنفاته كما قدَّمنا.
وهذا الكتاب يُعدُّ من أقدم ما صُنّف في قواعد علوم الحديث، وهو نفيس جدًّا.
٤ - "الإكليل"، ذكره الحاكم في مقدمة كتابه "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل"، وسماه أبو حازم العبدوي: "الإكليل في دلائل النبوة" (٢). وقد بيّن أبو يعلى الخليلي موضوع الكتاب، فقال: وصنف لأبي علي بن سيمجور كتابًا في أيام النبيّ ﷺ ، وأزواجه، ومسنداته، وأحاديثه، وسماه "الإكليل"، لم أر أحدًا رتَّب ذلك الترتيب.
قلنا: وممن روى هذا الكتاب عن الحاكم: البيهقيُّ (٣). وهذا الكتاب مما لم يُعثَر عليه من كتب الحاكم.
٥ - "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل"، هكذا سماه الحاكم في مقدمة كتابه هذا، وسماه عبد العزيز بن أحمد الكَتّاني "المدخل إلى الإكليل" (٤)، وكذلك فعل القاضي عِياض وابن الجَوْزي وابن القَطّان (٥)، وغيرهم، لكنهم قالوا: "المدخل إلى كتاب الإكليل"، وسماه ابن خَيْر الإشبيلي: "المدخل إلى معرفة الإكليل" (٦)، وكذلك فعل جمال الدين الزَّيْلَعي (٧)، وهذا كله على الاختصار في التسمية أيضًا، والاسم على ما سماه به صاحبه، والله أعلم.
_________
(١) "التحبير في المعجم الكبير" لأبي سعد السمعاني ٢/ ٢٨٣ ترجمة (٩٥٥).
(٢) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨.
(٣) كما أشار إليه في كتابه "معرفة السنن والآثار" ٩/ (١٣١١٢). وأشار في "دلائل النبوة" ٥/ ١٠٢ إلى أنه مما أجازه به الحاكم.
(٤) "ذيل مولد العلماء ووفياتهم" ص ١٩٧.
(٥) "إكمال المُعلِم" ١/ ٩٠، و "الموضوعات" لابن الجوزي ٢/ ٣٠٤، و "بيان الوهم والإيهام" لابن القطان ٢/ ٢٤٢.
(٦) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" ص ١٩٢.
(٧) "نصب الراية" ١/ ٤٠٤.
стр. 65
وممن روى هذا الكتاب عن الحاكم: البيهقيُّ (١)، وسماه كما سماه به شيخه الحاكم، ورواه عن الحاكم أيضًا أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عمر المُطَّوِّعيّ النيسابوري وأبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٢)، وأبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشِّيرازي (٣). وهذا الكتاب مما عُثر عليه وطُبع بحمد الله.
٦ - "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم وتبيين ما أَشكل من أسماء الرجال في الصحيحين"، هكذا سماه ابن خير الإشبيلي (٤)، واقتصر البيهقي وأبو علي الجَيّاني (٥) على الشطر الأول من اسم الكتاب، فقالا: "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم"، واختصر الحاكم تسمية كتابه في "معرفة علوم الحديث" إلى: "المدخل إلى معرفة الصحيح" (٦)، وهو ما أطلقه عليه عبد الغني بن سعيد الأزدي في تعقباته على الحاكم (٧)، وأما أبو حازم العبدوي فسماه "المدخل إلى علم الصحيح" (٨)، واختصر الحاكم التسمية في مقدمة كتابه "المستدرك" إلى: "المدخل إلى الصحيح"، وربما أطلق البيهقيُّ تسمية الكتاب، لكن مع قرينة تبين لنا أنه يريد هذا الكتاب دونما سواه من كتب الحاكم التي سماها بـ "المدخل"، كقوله: في أسماء المجروحين من كتاب "المدخل" (٩)، والظاهر أن تسمية ابن خيرٍ للكتاب
_________
(١) كما أشار إليه في كتابه "حديث أحمد بن عبد الله الجويباري في مسائل عبد الله بن سلّام" ص ٢١٤.
(٢) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" ص ١٩٢.
(٣) "تاريخ إربل" ١/ ٢٤٨.
(٤) "فهرسة ابن خير" ص ١٩٢.
(٥) "حديث أحمد بن عبد الله الجويباري في مسائل عبد الله بن سلّام"، للبيهقي ص ٢١٤، و "تقييد المُهمَل وتمييز المُشكِل" لأبي علي الجَيّاني ٣/ ٩٤١.
(٦) "معرفة علوم الحديث" ص ٥٢ و ٦١.
(٧) "الأوهام التي في مدخل الحاكم" ص ١٣٧.
(٨) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩.
(٩) "الخلافيات" (٢١٦) و (٦٤٦) و (٧٤٠).
стр. 66
هي التسمية الكاملة المُعتمَدة، وتسمية غيره اختصارٌ للاسم.
وقد نقل ابن الصلاح عن خطِّ الحاكم في "المدخل إلى معرفة المستدرك" (١)، كذا سماه! وأغلب الظن أنه هو هذا الكتابُ نفسُه، إذ لم نقف على مَن ذكره غير ابن الصلاح، والله تعالى أعلم.
وممن روى هذا الكتابَ عنه: البيهقيُّ (٢)، وأبو القاسم علي بن عبد الرحمن بن عَلِيَّك النيسابوري (٣)، وأبو محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصِّقِلِّي (٤).
وقد اصطحب أبو سعيد عمر بن محمد بن محمد السَّجْزيّ الكتاب معه - وهو من أقران أبي عبد الله الحاكم - في بعض أسفاره حتَّى رآه معه عبد الغني بن سعيد الأزدي، وعلَّق عليه تعقُّباتٍ نَظَر فيها الحاكمُ وشَكَر لعبد الغنيِّ ذلك (٥). وهذا الكتاب مما عُثر عليه وطُبع بحمد الله.
٧ - "المزكِّين لرواة الأخبار"، ذكره أبو عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" (٦)، وكذلك سماه ابن الصلاح وأبو شامَة والنَّووي (٧)، وسماه الذَّهبي والمَقريزي: "الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكِّين لرواة الأخبار" (٨)، وأما أبو حازم العبدوي تلميذ الحاكم فسماه: "مزكِّي الأخبار" (٩)، وكذلك كان يسميه ابن عساكر
_________
(١) "صيانة صحيح مسلم" ص ٧٤.
(٢) كما أشار إليه في كتابه "حديث أحمد بن عبد الله الجويباري في مسائل عبد الله بن سلّام" ص ٢١٥.
(٣) كما ورد في نسخة خطية عُثِر عليها للكتاب. انظر مقدمة الدكتور ربيع المدخلي في تحقيقه ١/ ٩٣.
(٤) "فهرسة ابن خير الإشبيلي" ص ١٩٢.
(٥) "الإلماع في معرفة أصول الرواية" للقاضي عياض ص ٢٢٩، و "تاريخ دمشق" ٣٦/ ٣٩٨.
(٦) "معرفة علوم الحديث" ص ٥٢.
(٧) "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح ص ٦٢، و "شرح الحديث المقتفى في مبعث النبيّ المصطفى" لأبي شامة ص ٢٣٢، و "شرح صحيح مسلم" للنووي ١/ ١١.
(٨) "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٣/ ٧٧، و "إمتاع الأسماع" لتقي الدين المقريزي ٥/ ٣١.
(٩) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما.
стр. 67
أحيانًا (١)، وفي أحيان أخرى كان ابن عساكر يسميه: "مُزكِّي رواة الأخبار" (٢).
والظاهر أن اسم الكتاب على ما سماه به الذهبي، وما ذكره غيرُه فهو مختصر التسمية، والله أعلم. وهذا الكتاب مما لم يُعثر عليه بعدُ من كتب أبي عبد الله الحاكم.
٨ - "التفسير"، ذكره الحاكم في "المستدرك" (٣)، وأشار إليه البيهقي كذلك (٤)، وروى منه عن الحاكم روايات عدة، وقيَّده البيهقي أحيانًا بـ "تفسير آدم" (٥)، يعني ابن أبي إياس العَسْقَلاني، ولآدم بن أبي إياس رواية للتفسير معظمها عن مجاهد بن جَبْر المكي التابعي المعروف، مع زيادات أخرى له عن غير مجاهد، وقد خَرّج منه السيوطي في "الدر المنثور"، كل ذلك يقول: أخرج آدم بن أبي إياس. وكأنَّ الحاكم لدى روايته لـ "تفسير آدم" هذا زاد عليه زيادات أخرى من مرويّاته عن غير آدم، فلعلَّ هذا إنما هو رواية الحاكم لـ "تفسير آدم"، وليس هو كتابًا مفردًا للحاكم، وإن كان له فيه زيادات، وهو قد أخرج في التفسير وفضائل القرآن من "مستدركه" شيئًا كثيرًا من هذا التفسير.
و "تفسير آدم" هذا قد طُبع مسمَّى خطأً باسم "تفسير مجاهد" من غير رواية الحاكم، أما روايته للكتاب فلم يُعثَر عليها بعدُ، والله تعالى أعلم.
٩ - "تخريج الصحيحين"، هكذا سماه عبد الغافر الفارسي (٦)، وسماه أبو حازم العبدوي تلميذ الحاكم: "الصحيحين" (٧)، هكذا مطلقًا، وهما كتابان للحاكم أشار
_________
(١) "تاريخ دمشق" ٥٦/ ٣٩٣.
(٢) "تاريخ دمشق" ٢١/ ٢٥٢ و ٦٣/ ٢٥١.
(٣) "المستدرك" بإثر (٤٢٩١).
(٤) "شعب الإيمان" (١٣٥)، و "البعث والنشور" (١٢٤).
(٥) "دلائل النبوة" ٤/ ٥٥.
(٦) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" ص ١٧.
(٧) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في =
стр. 68
إليهما في "المدخل إلى كتاب الإكليل"، حيث قال: وقد صنّفتُ أنا على كتاب كلٍّ منهما - يعني البخاريَّ ومسلمًا - كتابًا (١)؛ وكأنَّ الحاكم صنفهما مفردَين ثم جمعهما في كتاب واحد، كما يفيده قوله بإثر حديثٍ ذكرَه في "المستدرك": قد ذكرت من طرق هذا الحديث أقل من النصف، فإني تتبعت من اتفق الشيخان على الحُجّة به في "الصحيحين"، وبقي في كتابي أكثر من النصف؛ ليتأمّل طالبُ هذا العلمِ … (٢). وذكر البيهقيُّ تخريج الحاكم لكتاب مسلم، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في "المُخرَّج على كتاب مسلم" (٣).
وقد رتب الحاكم أحاديث الكتابين على تراجم "مسند أحمد"، كما يفيده قول أبي موسى المَديني، حيث ذكر سبب تصنيف الحاكم للكتابين وقال: فلما ورد - يعني الحاكم - في سنة ثمان وستين أقام بعد الحج ببغداد أشهرًا، وسمع جملة "المسند" من أبي بكر بن مالك، وعاد إلى وطنه، ومدَّ يدَه إلى إخراج الصحيحين على تراجم المسند. قلنا: وهذان الكتابان مما لم يُعثَر عليهما بعدُ من كتبه.
١٠ - "تراجم المسند على شرط الشيخين"، ذكره أبو حازم العبدوي أيضًا (٤)، وذكره كذلك علي بن الأنجَب المعروف بابن الساعي (٥). ولم يُعثر على هذا الكتاب، ويغلب على ظننا أنه الكتاب السابق، والله تعالى أعلم.
١١ - "العلل"، ذكره الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (٦). ولم يُعثر عليه أيضًا.
_________
= "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩.
(١) "المدخل إلى كتاب الإكليل" ص ٣٢.
(٢) "المستدرك" بإثر (٨٤٢٢).
(٣) "معرفة السنن والآثار" ١٤/ (٢٠٨٢٣)، و "الاعتقاد" ص ٣٤٠.
(٤) نقله عنه علي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩.
(٥) "الدر الثمين في أسماء المصنفين" ص ١٠١.
(٦) "المدخل إلى الصحيح" ص ١١٠.
стр. 69
١٢ - "التلخيص"، ذكره الحاكم في "المستدرك" و "معرفة علوم الحديث" (١).
ولم يُعثر عليه بعدُ كذلك.
١٣ - "الأبواب"، ذكره الحاكم كذلك في "المستدرك" (٢)، وذكره كذلك أبو حازم العبدَوي (٣)، وأبو يعلى الخليلي (٤)، وعبد الغافر الفارسي (٥). وقد أبانَ لنا الحاكم عن مراده بالأبواب في "المدخل إلى كتاب الإكليل" حيث قال: مصنِّفُ الأبواب يقول: ذِكرُ ما صَحَّ وثبت عن رسول الله ﷺ في أبواب الطهارة أو الصلاة أو غير ذلك من العبادات (٦). وأشار في "المستدرك" إلى بعض موضوعات الأبواب، كقوله بعد أن ذكر بعض الأخبار الواردة في الجهر بالبسملة: وقد بقي في الباب عن أمير المؤمنين عثمان وعلي وطلحة بن عبيد الله وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر والحَكَم بن عُمير الثُّمالي والنعمان بن بَشير وسَمُرة بن جُندُب وبُريدة الأَسلمي وعائشة بنت الصِّدِّيق، كلُّها مخرَّجة عندي للباب تركتها إيثارًا للتخفيف، واختصرتُ منها ما يَلِيقُ بهذا الباب، وكذلك قد ذكرتُ في الباب مَن جَهَرَ ببِسْم الله الرَّحمن الرَّحيم من الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵃.
ومن ذلك أيضًا قوله: وقد ذكرتُ في باب النكاح بغير وليٍّ أساميَ جماعةٍ من ثقات المحدّثين من الصحابة والتابعين وأتباعهم حدَّثوا بالحديث ثم نَسُوه.
قلنا: وهذا الكتاب مما لم يُعثر عليه أيضًا من مصنفاته.
_________
(١) "المستدرك" بإثر (١٦٣٨)، و "معرفة علوم الحديث" ص ١١٥.
(٢) "المستدرك" بإثر (٥٩٥٦).
(٣) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما.
(٤) "الإرشاد" ٣/ ٩٠٦.
(٥) "المنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور" ص ١٧.
(٦) "المدخل إلى كتاب الإكليل" ص ٣٠.
стр. 70
١٤ - "كتاب المناسك"، ذكره الحاكم في "المستدرك" (١). ولم يُعثر عليه.
١٥ - "مقتل عثمان"، ذكره الحاكم في "المستدرك" أيضًا (٢). ولم يُعثر عليه كذلك.
١٦ - "مقتل الحُسين"، ذكره الحاكم كذلك في "المستدرك" (٣). ولم يُعثَر عليه أيضًا.
١٧ - جزء في خطبة أمير المؤمنين عمر في أمره بعدم المغالاة في مهور النساء. ذكره الحاكم في "المستدرك"، حيث قال: تواترت الأسانيد الصحيحة بصحة خطبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهذا الباب لي مجموعٌ في جزء كبير (٤).
١٨ - الرسالة الذابة عن حَريم رسول الله ﵌. ذكرها الحاكم في "فضائل فاطمة الزهراء" (٥).
١٩ - جزء في باب البَيعة. ذكره الحاكم في "المستدرك"، فقال: والباب عندي مجموع في جزء، فأغنى ذلك عن ذكر هذه الروايات (٦).
٢٠ - جزء في الخلاف على عبد الملك بن عُمير في حديث خطبة عمر بن الخطاب في الجابِيَة، إذ قال: فأما الخلاف في هذا الحديث عن عبد الملك بن عُمير فإنه مجموع لي في جزء (٧).
٢١ - "مناقب سيدة النساء فاطمة"، ذكره السمعاني وسراج الدين عمر بن علي
_________
(١) "المستدرك" بإثر (٤٠٩٤).
(٢) "المستدرك" بإثر (٤٦٠٥).
(٣) "المستدرك" بإثر (٤٨٧٩).
(٤) "المستدرك" بإثر (٢٧٦٣).
(٥) "فضائل فاطمة الزهراء" بإثر الحديث (١).
(٦) "المستدرك" بإثر (٢٦٩٧).
(٧) "المستدرك" بإثر (٣٩٤).
стр. 71
القَزْويني والذَّهبي (١)، وهو المطبوع باسم: "فضائل فاطمة الزهراء".
٢٢ - "فضائل أهل بيت رسول الله ﷺ "، ذكره الحاكم في "المستدرك"، بإثر حديثٍ ذكره، فقال: قد ذكرت في مناقب الحسن والحسين ﵄ طرفًا في "فضائل أهل بيت رسول الله ﷺ "، وبيّنتُ عِلَل هذا الحديث (٢).
٢٣ - "فضائل ابن خُزيمة"، ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث"، فقال: فضائل هذا الإمام مجموعة عندي في أوراق كثيرة (٣). وقال ابن عبد الهادي: مناقب ابن خزيمة كثيرة قد استوعبها الحاكمُ. قلنا: ولم يُعثر على هذا الجزء.
٢٤ - "تراجم الشيوخ"، هكذا سماه أبو حازم العبدَوي (٤)، وذكره كذلك عبد الغافر الفارسي، لكنه اختصر التسمية بقوله: "التراجم"، وقد أبان لنا الحاكم عن مُراده بتراجم الشيوخ في "المدخل إلى كتاب الإكليل"، حيث قال: التراجم شرطها أن يقول المصنِّفُ: ذِكرُ ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبيّ ﷺ ، ثم يُترجِم على هذا المسند، فيقول: ذِكرُ ما روى قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق ﵁، فيلزَمُه أن يُخرِّج كلَّ ما روي عن قيس عن أبي بكر، صحيحًا كان أو سقيمًا. قلنا: ولم يُعثر على هذا الكتاب.
٢٥ - "الفوائد الكبير لأبي العباس"، ذكره البيهقي وروى عن الحاكم منه عدة روايات، وسماه هكذا (٥)، وأبو العباس هذا هو محمد بن يعقوب الأصمُّ شيخ
_________
(١) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ١١٠٢، و "مشيخة سراج الدين القزويني" (٣٦٦)، و "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٩.
(٢) "المستدرك" (٥٥٢٢).
(٣) "معرفة علوم الحديث" ص ٨٣.
(٤) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما.
(٥) "السنن الكبرى" ٢/ ٥٨ و ٣٣٣ و ٣/ ٣٥٥.
стр. 72
الحاكم، وسماه البيهقي مرةً: "فوائد أبي العباس" (١)، وكان يسميه أحيانًا أخرى: "الفوائد" هكذا مطلقًا، وكلها عن أبي العباس الأصمّ (٢). وقال الحاكم في "المستدرك" بعد أن روى حديثًا لأبي العباس الأصمّ: حدّثنا أبو العباس عن بحر في "المسند"، وعن الربيع في "الفوائد"، وأنا جمعتُ بينهما (٣). وقال في موضع آخر: إنما جمعتُ بين الربيع وابن عبد الحكم (٤). قلنا: فالظاهر أنه يشير إلى هذه "الفوائد" التي جمعَها، وأنها مجموع روايات كتبٍ رواها أبو العباس الأصم عن شيوخه المصنفين لتلك الكتب، والله أعلم.
وذكر البيهقيُّ للحاكم أيضًا في عدة روايات: "زيادات الفوائد" (٥)، وكلها من طريق أبي العباس الأصمّ أيضًا، فكأن الحاكم ألحق بـ "فوائد الأصم" زياداتٍ عنه بعد ذلك، فكان البيهقي يُميِّز أحيانًا بين ما سمعه الحاكم من الأصمّ قديمًا، وما سمعه منه متأخرًا، والله أعلم. وعلى كلٍّ فالكتاب في جملة ما لم يُعثر عليه من كتب أبي عبد الله الحاكم.
٢٦ - "فوائد الطُّوسي والفاكهي"، ذكره البيهقي أيضًا، وروى منه عن الحاكم روايةً (٦). ولم يُعثر عليه.
٢٧ - "فوائد النُّسَخ" ذكره أبو حازم العبدَوي (٧) والبيهقي، وروَى منه عن الحاكم روايةً (٨). وهو مما لم يُعثر عليه من كتبه.
_________
(١) "السنن الكبرى" ٥/ ٤٥.
(٢) "السنن الكبرى" ٢/ ٥٠ و ٥٦ و ٤/ ١١٤.
(٣) "المستدرك" (١٢٠).
(٤) "المستدرك" (٧٧٨٠).
(٥) "السنن الكبرى" ١/ ١٨٤ و ٢/ ١٩٢ و "الدلائل" ٢/ ٨٢.
(٦) "السنن الكبرى" ١/ ٢٩.
(٧) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وغيره.
(٨) "السنن الكبرى" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
стр. 73
٢٨ - "فوائد الشيوخ"، ذكره ابن خَلِّكان (١)، ولعله الذي أشار إليه عبد الغافر الفارسي بقوله: "الشيوخ" (٢)، والظاهر أن الحاكم تحصَّلت لديه نُسَخ "فوائد" عن شيوخه الأصمّ والطُّوسي والفاكهي وغيرهم، فجمعها جميعًا في كتاب، وأطلق عليه اسم "فوائد الشيوخ". ولعله يكون هو نفسه كتاب "فوائد النسخ" السابق ذِكرُه، والله أعلم. وبأي حال فلم يُعثر على هذا الكتاب.
٢٩ - "فوائد الخُراسانيين"، ذكره أبو حازم العبدوي (٣). ولم يُعثر عليه، وتجدر الإشارة إلى أن للحاكم أبي أحمد شيخ أبي عبد الله الحاكم كتابًا بهذا الاسم أيضًا، ولم يُعثر عليه كذلك.
٣٠ - "فوائد العراقيين"، ذكره تلميذه أبو يعلى الخليلي في قصة يذكرها في ثاني أيام دخوله على أبي عبد الله الحاكم، إذ دَخَل عليه وهو يُقرأ عليه في "فوائد العراقيين" (٤). وهذا لم يُعثر عليه أيضًا.
٣١ - "فضائل الشافعي"، ذكره أبو حازم العبدوي (٥)، ونقل عنه مُغلطاي (٦)، ونقل عنه السيوطي أيضًا غير أنه سماه "مناقب الشافعي" (٧). وهو في جملة ما لم يُعثر عليه من كتب الحاكم.
٣٢ - "الأمالي"، ذكره البيهقيُّ، وروى منه عن الحاكم عدةَ رواياتٍ (٨)، وقال
_________
(١) "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠.
(٢) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٧.
(٣) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما.
(٤) "الإرشاد" ٣/ ٨٥٢.
(٥) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما.
(٦) "إكمال تهذيب الكمال" ١/ ٥٢ و ٧٧ و ٢٨٠، ٢/ ٣٥٣.
(٧) "الدر المنثور" ١/ ٦٣٨ و ٧٦٨، و "نواهد الأبكار وشوارد الأفكار" ١/ ٢٩٤ و ٣/ ١٩٩.
(٨) "السنن الكبرى" ٣/ ٤٣، و "شعب الإيمان" (٦٥١٦) و (٩١١٩)، و "الأسماء والصفات" (٤٥٩).
стр. 74
البيهقي مرةً: "الأمالي القديمة" (١)، وخرَّج منه السيوطي خبرًا (٢). ولم يُعثر على هذا الكتاب.
٣٣ - "حديث شعبة"، ذكره البيهقي أيضًا، وروى منه روايةً عن الحاكم (٣)، ونسب إليه السيوطي خبرًا (٤). وهو في جملة ما فُقد من كتب الحاكم.
٣٤ - "غرائب الشيوخ"، ذكره كذلك البيهقي، وروى عن الحاكم منه روايتين (٥).
وهذا أيضًا من جملة ما فُقد من كتبه.
٣٥ - "المغازي"، ذكره البيهقي (٦)، وأشار إلى ما يدلُّ على أنه سمع من الحاكم بعضه وأنه أجازه ببعضه (٧). وقيَّد البيهقي الكتابَ مرةً بقوله: "مغازي ابن إسحاق" (٨)، والظاهر أن الحاكم جمع لنفسه كتابًا في المغازي يشتمل على "مغازي ابن إسحاق"، ويشتمل أيضًا على "مغازي موسى بن عقبة"؛ وذلك أن البيهقي أورد في "سننه الكبرى" و "دلائل النبوة"، وغيرهما عن أبي عبد الله الحاكم في كتابه
_________
(١) "الخلافيات" (١٣٤).
(٢) "اللآلئ المصنوعة" ٢/ ١٣٠.
(٣) "السنن الكبرى" ٢/ ٥٨.
(٤) "الدر المنثور" ٣/ ١٠٢.
(٥) "السنن الكبرى" ٦/ ١٤٠ و ١٠/ ٨٤.
(٦) "دلائل النبوة" ٣/ ٢٠٦ و ٥/ ٢١١.
(٧) "دلائل النبوة" ٥/ ٣٠٩.
(٨) "السنن الكبرى" ٦/ ٣٢٢.
فائدة: يروي الحاكمُ "مغازي ابن إسحاق" عن شيخه أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، كما يظهر من رواياته في المغازي والمناقب من "المستدرك"، وكذلك يظهر في روايات البيهقي في "دلائل النبوة" و "السنن الكبرى" وغيرهما عن الحاكم. ويروي "مغازي موسى بن عُقْبة" عن إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعْراني، عن جده الفضل بن محمد، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فُليح، عن موسى بن عقبة، كما يظهر من رواياته في "المستدرك"، وكذلك من روايات البيهقي لأكثر أخبار هذه "المغازي" عنه.
стр. 75
"المغازي" أخبارًا من "مغازي ابن إسحاق" وأخبارًا أخرى من "مغازي موسى بن عقبة". وهذا الكتاب مما لم يُعثر عليه أيضًا.
٣٦ - "صلاة الضحى"، ذكره السَّمعاني بقوله: كتابٌ فيه فضائل صلاة الضحى (١).
وذكره أبو القاسم الرافعيّ باسم "كيفية صلاة الضحى" (٢)، وسماه الذهبي وابن حجر "صلاة الضحى" (٣)، وسماه السيوطي: "فضل صلاة الضحى" (٤).
وقد رواه عن الحاكم جماعةٌ، منهم أبو الفضل محمد بن عبيد الله الصَّرّام (٥)، وأبو بكر محمد بن القاسم بن حبيب الصَّفّار (٦)، وأبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشِّيرازي (٧). ولم يُعثر على هذا الكتاب أيضًا.
٣٧ - "الأحاديث الألف" تخريج أبي عبد الله الحاكم من أصول السيد أبي الحسن محمد بن الحسين الحَسَني، ذكره السمعاني أيضًا، وذكر أنه عنده من رواية أبي عمرو المَحميِّ عن الحاكم (٨)، وأشار إليه أبو طاهر السِّلَفي (٩)، وأورد منه خبرًا من طريق أبي الفضل الصرّام وأبي المظفر موسى بن عمران، كلاهما عن السيد أبي الحسن الحسني المذكور بانتقاء أبي عبد الله الحاكم. وقد ذكر الحاكم هذا الجزءَ، فقال في ترجمته لأبي الحسن المذكور: عَقدتُ له الإملاء وانتقيتُ له ألفَ
_________
(١) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣.
(٢) "التدوين في أخبار قزوين" ١/ ٣٣٧.
(٣) "تاريخ الإسلام" للذهبي ١١/ ٨٧٣، و "المعجم المفهرس" - ويُسمَّى أيضًا: "تجريد أسانيد الكتب المشهورة والأجزاء المنثورة" - لابن حجر العسقلاني (١١١).
(٤) "الشمائل الشريفة" ص ٣١٩.
(٥) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣.
(٦) "المعجم المفهرس" لابن حجر (١١١).
(٧) "التدوين في أخبار قزوين" ١/ ٣٣٧.
(٨) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣ - ٧١٤. وانظر "التحبير في المعجم الكبير" للسمعاني ١/ ١٧١ الترجمة (٩١).
(٩) الجزء الخامس من "المشيخة البغدادية" (٧٣).
следующие страницы →