← Сияса и кади

Сияса и кади · id 14240

الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر ومعه «الشرع واللغة»

أحمد شاكر

Полный текст (93 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ليستقبل أحداثاً كباراً، وانقلابات هائلة في مصائر الأمم. وكما عرفنا بعد الحرب الماضية كيف نسترد استقلالنا السياسي أو أكثره، فسنعرف الآن كيف نسترد استقلالنا التشريعي والعقلي كله، وسنعيد للإسلام مجده، إن شاء الله. لست رجلا خياليا، ولست داعياً إلى ثورة جامحة على القوانين، وأنا أعتقد أن ضرر العنف الآن أكثر من نفعه. إنما قمت فيكم أدعوكم إلى العمل الهادئ المنتج، بسنة التدرج الطبيعي، حتى نصل إلى ما نريد، من جعل قوانيننا من شريعتنا، وأنا أعرف أن هذا لا يوصل إليه في يوم ولا يومين، ولا في عام ولا عامين. وأريد أولا أن أقول كلمة ترفع شبهة عن دعوتنا، فإني عرفت بين إخواني ومعارفي بالدفاع عن العلماء عامة، وعن القضاء الشرعي خاصة، فقد يبدو لبعض الناس أن يؤول دعوتي إلى نحو من هذا المقصد. كلا، فإن الأمر أخطر من ذلك، مقصدنا أسمى من أن نجعله تنازعاً بين طائفتين، أو تناجراً بين فريقين. إنما نريد رفع ما ضرب على المسلمين من ذل، وما لقيت شريعتهم من إهانة، بوضع هذه القوانين الأجنبية.

стр. 37

إنما ندعوكم بدعوة الله، ندعوا الأمة أن تعود إلى حظيرة الإسلام، ندعو إلى وحدة القضاء، وإلى التشريع بما حكم الله. (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١). (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً) (٢). ضعوا القوانين على الأساس الإسلامي، الكتاب والسنة، ثم افعلوا ما شئتم، فليحكم بها فلان أو فلان، لسنا نريد إلا وجه الله. يا رجال القانون في مصر! بكم أبدأ دعوتي، وأنتم أصحاب السلطان في البلد، وبيدكم الأمر والنهي، وأنتم الذين تضعون القوانين، ولجانكم تعمل الآن في تعديلها على مبادئ التشريع الحديث. تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، تضع أيدينا في أيديكم، ونعمل مخلصين لله. أنتم أعلم بأسرار القوانين منا، ونحن أعلم بالكتاب والسنة وأسرار الشريعة منكم، فإذا تعاونا أخرجنا أبدع الآثار.

стр. 38

دعوا التعصب لتشريع الإفرنج وآرائهم، ولا أقول لكم سندع التعصب للإسلام من جانبنا، بل أدعوكم إلى التعصب له معنا، فإنكم مسلمون مثلنا، وسؤالنا سؤالكم عنه واحد عنه واحد بين يدي الله يوم القيامة، ولن تقبل منكم معذرتكم بأنكم لستم من رجال الدين، فالناس سواء في وجوب طاعة الله، والآخرة خير من الأولى (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (١). لا تظنوا أني حين أدعوكم إلى التشريع الإسلامي أدعوكم إلى التقيد بما نص عليه ابن عابدين أو ابن نجيم مثلاً، ولا إلى تقليد الفقهاء في فروعهم التي استنبطوها غير منصوصة في الكتاب والسنة، وكثير منها فيه حرج شديد، كلا، فأنا أرفض التقليد كله ولا أدعو إليه، سواء أكان تقليداً للمتقدمين أم للمتأخرين. ثم الاجتهاد الفردي غير منتج في وضع القوانين، بل يكاد يكون محالاً أن يقوم به فرد أو أفراد. والعمل الصحيح المنتج هو الاجتهاد الاجتماعي، فإذا تبودلت الأفكار، وتداولت الآراء، ظهر وجه الصواب، إن شاء الله. فالخطة العملية فيما أرى: أن تختار لجنة قوية من أساطين رجال القانون وعلماء الشريعة، لتضع قواعد التشريع الجديد غير مقيدة

стр. 39

برأي، أو مقلدة لمذهب، إلا نصوص الكتاب والسنة، وأمامها أقوال الأئمة وقواعد الأصول وآراء الفقهاء، وتحت أنظارها آراء رجال القانون كلهم. ثم تستنبط من الفروع ما تراه صواباً، مناسباً لحال الناس وظروفهم، مما يدخل تحت قواعد الكتاب والسنة، ولا يصادم نصا، ولا يخالف شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة. وستجدون من يسر الإسلام ودقائق الشريعة ما يملأ صدوركم إعجاباً، وقلوبكم إيماناً، وسترون أن ما تتوهمون من عقبات في سبيل التشريع الإسلامي قد ذلل ومهد، بما رفع من قيود التقليد وستلمسون بأيديكم إعجاز هذا القرآن، وستؤمنون بمصداق قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) (١). وثم خطوة أخرى يجب أن تخطوها إلى أن يوضع هذا التشريع الإسلامي: أن تشركوا في لجانكم القانونية كلها رجالا من علماء الشريعة، على قدم المساواة معكم. وفي مقدمة هذه اللجان اللجنة التشريعية ولجنة أقلام القضايا، حتى لا تصدر قوانين أو فتاوى تصادم نصوص الدين، أو تنافي مبادئ الإسلام. قد نجد بعض القيود، فيما بيننا وبين الدول الأجنبية من علاقات

стр. 40

وعهود. ومثل هذا لن يكون عقبة في سبيل تشريعنا، فمنه ما يمكن التفاهم فيه بالطرق السياسية المعتادة، ومنا ما سترفعه الأحداث القادمة. والنادر الذي يبقى نحصره في أضيق حدوده، حتى يوفق الله إلى تذليله. ثم هم إذا رأوا منا العزمة الصادقة، رضوا بالأمر الواقع، بل مدحوه ومدحوكم على التمسك به، ولطالما جربناهم من قبل. هذه دعوتي إليكم، أرجو أن تكون قد صادفت آذاناً واعية، وقلوباً مطمئنة بالإيمان. وأنتم الذين وكلت إليكم الأمة أمرها، ووضعت آمالها فيكم، وذلك ظني بكم، إن شاء الله. أما إذا أبيتم، وأعيذكم بالله أن تأبوا، فسأدعو رجال الأزهر، علماء الإسلام، رجاله ورجال مدرسة القضاء ودار العلوم، وسيستجيبون لي، وسيحملون عبء هذا العمل العظيم، وسيرفعون راية القرآن، بأيديهم القوية، التي حملت مصباح العلم في أقطار الإسلام ألف عام، وسينهضون به كما نهضوا من قبل بكل حركات الرقي والتقدم في الأمة، وفيهم رجال لا يبارون علماً وكفاءة وحكمة وعزماً، وسيجدون الأعوان الصادقين المخلصين، منكم رجال القانون ومن سائر طبقات الأمة. وإذا ذاك سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة، السبيل الدستوري السلمي: أن نبث في الأمة دعوتنا، ونجاهد فيها ونجاهر

стр. 41

بها، ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة. ولئن فشلنا مرة فسنفوز مراراً. بل سنجعل من إخفاقنا، إن أخفقنا في أول أمرنا، مقدمة لنجاحنا، بما سيحفز من الهمم، ويوقظ من العزم، وبأنه سيكون مبصرا لنا مواقع خطونا، ومواضع خطئنا، وبأن عملنا سيكون خالصاً لله وفي سبيل الله. فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها، طاعة لربها، وأرسلت منا نوابها إلى البرلمان، فسيكون سبيلنا وإياكم أن نرضى وأن ترضوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم، كما تفعل كل الأحزاب، إذا فاز أحدهما في الانتخاب، ثم نفي لقومنا -إن شاء الله- بما وعدنا، من جعل القوانين كلها مستمدة من الكتاب والسنة. ومن بشائر الفوز وأمارات النجاح، بإذن الله، أن رأينا كثيراً من ذوي الرأي يقولون بقولنا، ويتمنون أن تستجاب دعوتنا، ويرجون أن تعود الأمة إلى دينها وشريعتها، وأن بعض الجمعيات القوية جعلت هذا المقصد من أهم مقاصدها. ويا رجال الأزهر! قد أكثرنا القول، وأقللنا العمل، وقد عرفنا ما يجب علينا لديننا

стр. 42

ولأمتنا، وظن بنا الناس الظنون، وزعموا أننا عاجزون عن مقادة الأمة في سبيل إعلاء كلمة الله، وإعادة مجد الإسلام. وأفزعونا بغول التعصب، وألقوا في روعنا أننا رجال الدين، بمعناهم الذي يفهمون، لا بالمعنى الذي يجب أن يكون. وقد كدنا أن تستيئس، وأن يقع في وهمنا أننا كما يصفون. وقد آن الأوان، أن نكثر من العمل، ونوجز من القول، وأن نحفز همتنا، ونعقد عزمتنا، وأن نلقي عن كواهلنا ما أثقلها، وأن نقوم لله وفي سبيل الله، مشتركين مع غيرنا أو منفردين، وستكون لكم الآخرة والأولى. (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (١). أما بعد أيها السادة! فإني أجدني غير مستطيع أن تزول قدماي عن مكاني هذا قبل أن أقول لكم ما قال الزعيم الإسلامي المنسي المجهول، السيد عبد الرحمن الكواكبي: هذه كلمة حق وصيحة في واد، إن ذهبت اليوم مع الريح لقد

стр. 43

تذهب غداً بالأوتاد. وما قال العبد الصالح: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (١). وأستغفر الله لي ولكم. ٦ ربيع الأول سنة ١٣٦٠ هـ ٣ أبريل سنة ١٩٤١م. * ... * ... *

стр. 44

- الخطة العملية لاقتباس القوانين من الشريعة قلت في المحاضرة، فيما مضى: "لا تظنوا أني حين أدعوكم إلى التشريع الإسلامي أدعوكم إلى التقيد بما نص عليه ابن عابدين أو ابن نجيم مثلا، ولا إلى تقليد الفقهاء في فروعهم التي استنبطوها غير منصوصة في الكتاب والسنة، وكثير منها فيه حرج شديد. كلا فأنا أرفض التقليد كله ولا أدعو إليه، سواء أكان تقليداً للمتقدمين أم للمتأخرين. ثم الاجتهاد الفردي غير منتج في وضع القوانين. بل يكاد يكون محالاً أن يقوم به فرد أو أفراد. والعمل الصحيح المنتج هو الاجتهاد الاجتماعي، فإذا تبودلت الأفكار، وتداولت الآراء، ظهر الصواب، إن شاء الله". "فالخطة العملية، فيما أرى: أن تختار لحنة قوية من أساطين رجال القانون وعلماء الشريعة، لتضع قواعد التشريع الجديد، غير مقيدة برأي، أو مقلدة لمذهب، إلا نصوص الكتاب والسنة. وأمامها أقوال الأئمة وقواعد الأصول وآراء الفقهاء، وتحت أنظارها آراء رجال القانون كلهم. ثم تستنبط من الفروع ما تراه صواباً، مناسبا لحال الناس

стр. 45

وظروفهم، مما يدخل تحت قواعد الكتاب والسنة، ولا يصادم نصا، ولا يخالف شيئا معلوماً من الدين بالضرورة". فهذه اللجنة يجب أن تكون موفورة العدد، يكون منها لجنة عليا، تضع الأسس وترسم المناهج، وتقسم العمل بين لجان فرعية، ثم تعيد النظر فيما صنعوا ووضعوا، لتنسيقه وتهذيبه، ثم صوغه في الصيغة القانونية الدقيقة. فيعرض كاملا على الأمة، ليكون موضع البحث والنقد العلمي، حتى إذا ما استقر الرأي عليه، عرض على السلطات التشريعية، لإقراره واستصدار القانون للعمل به. وأول ما يجب على اللجنة العليا عمله، أن تدرس، بنفسها أو باللجان الفرعية، مسائل علم أصول الفقه، ومسائل علم أصول الحديث (مصطلح الحديث) لتحقيق كل مسألة منها وتوحيد منهج الاستنباط من الأدلة. فتحقق المسائل التي يرجع فيها لدلالة الألفاظ على المعاني في لغة العرب، من نحو الحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والصريح والمؤول، المفسر والمجمل، وسائر قواعد الأصول، كأبواب القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، وما إلى ذلك. وتحقق القواعد في نقد رواية الحديث ورواته، من ناحية المتن وناحية الإسناد، وما يكون به الحديث صحيحاً يصلح للاحتجاج ويجب الأخذ به، وما يكون به ضعيفاً لا يصلح للاحتجاج.

стр. 46

وتحقق القاعدة الجليلة الدقيقة، التي لم يحققها أحد من العلماء المتقدمين، فيما نعلم، إلا أن القرافي أشار إليها موجزة في الفرق السادس والثلاثين من (كتاب الفروق) (ج١ ص:٢٤٩ - ٢٥٢ طبعة تونس) وهي الفرق بين تصرف رسول الله بالفتوى والتبليغ، وبين تصرفه بالإمامة، وبين تصرفه بالقضاء. وهو بحث أساسي لدرس الأحاديث والاستدلال بها درساً صحيحاً، فيفرق به بين الأحاديث التي لها صفة العموم والتشريع، وبين الأحاديث التي جاءت عن رسول الله تصرفاً منه بالإمامة، فليست لها صفة العموم والتشريع، بل المرجع في أمثالها إلى ما يأمر به الإمام من المصالح العامة، وبين الأحاديث في أقضية جزئية، تصرفاً منه ﷺ بالقضاء، فيكون الحديث عن قضية بعينها، يستنبط منه ما يسمى في عصرنا (المبدأ القضائي). وقد حققت مثالا من مثل هذه القاعدة العظيمة في شرحي على (كتاب الرسالة) للإمام الشافعي ص: ٢٤٠ - ٢٤٢. وأجلّ عمل وأعظمه أثراً أن تحقق اللجنة باب (تعارض الأدلة والترجيح بينها) فذلك هو علم الأصول على الحقيقة، وذلك هو ميدان الاجتهاد، وذلك هو أساس الفقه والاستنباط. فإذا تم هذا، ووحدت القواعد التي يبنى عليها الاستدلال والاستنباط،

стр. 47

نظر في القواعد العامة التي يرجع إليها الفقهاء في فقههم، على اختلاف مذاهبهم، وطبقت عليها قواعد الأصول التي أقرتها اللجنة العليا أو اللجنة العامة، "أصول الفقه وأصول الحديث" ثم وزنت بميزان الكتاب والسنة الصحيحة، وأخذ منها ما قام الدليل على صحته وموافقته للتشريع الصحيح. ثم تدرس اللجنة القواعد العامة للقوانين الوضعية، على اختلاف مبادئها وأنواعها، وتزنها بميزان القواعد التشريعية الإسلامية، فتختار منها ما تقضي المصلحة العامة باختياره، مما لا يعارض نصاً من نصوص الكتاب والسنة، ولا يُناقض شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، ولا قاعدة أساسية من قواعد التشريع الإسلامي. وبعد هذا كله، بعد أن تستقر القواعد التي تُستنبط الفروع والمسائل على أساسها، وتوضع الموازين الصحيحة البينة، حتى لا تتشعب الطرق بالمجتهد، تقسم أبواب الفقه بين اللجان الفرعية، لتطبق فروع المسائل وجزئياتها على القواعد التي أقرت، وتضع لها الأحكام الصحيحة التي تقتضيها الأدلة الصحيحة نصاً أو استنباطاً. وهذا عمل كبير ضخم، لا يضطلع به إلا العلماء الأفذاذ المخلصون، من علماء الشرع وعلماء القانون، فيجب أن يسمو اختيارهم على الرغبات

стр. 48

الشخصية والأهواء الحزبية، وما إلى ذلك مما قد يُفسد الاختيار أو يضعفه. وسيدعوهم هذا العمل إلى أن يفرغوا له وحده، فلا يجوز أن يعهد إلى أي واحد منهم بعمل غيره، حتى يكون وقتهم كله وقفاً عليه، ليسير على وتيرة واحدة، سيراً حثيثاً موصلاً إلى الغرض المقصود منه في أقرب وقت وأوجزه، وسيدعو إلى اختيار عشرات كثير من الأعضاء والمساعدين، ولعله مع كل هذا لا يتم في أقل من عشرين سنة. هذا تصوير تقريبي للخطة العملية، لاقتباس القوانين من الشريعة، فيه كثير من الإجمال، لا أستطيع التوسع في تفصيله، إلا أن يوضَع الدرس والبحث، ليكون حقيقة واقعة، لا خيالا وأمنية، أرجو أن ينال من عناية الباحثين، ومن نقد الناقدين، ما يرشدني ويرشد غيري إلى وجه الصواب، فيما اقترحت وفيما فاتني أو خفي عليه. وأسأل الله الهُدى والسداد والعصمة والتوفيق. * ... * ... *

стр. 49

الشَرعُ واللُّغَةُ

стр. 50

عبد العزيز فهمي باشا وعداؤه للعربية . أثار حضرة صاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا فتنة شعواء، يحارب فيها لغة العرب، ويسعى لتمزيقها، ثم يحاول أن يظهر للناس في ثوب نصيرها المدافع عنها. وقد كنا سمعنا عن اقتراحه -كتابة العربية بالحروف اللاتينية -قبل أن ينشر نصه، فوقع في نفسي أنه استمرار لمحاولة قديمة من فئة معروفة كانت تدعو منذ عشرات قليلة من السنين إلى اتخاذ اللهجات العامية لغة رسمية للقراءة والكتابة والتعليم. وكان على رأسها مهندس انجليزي كبير، وكاتب مصري مشهور، نال المناصب الرفيعة من بعدُ. ثم دَرَست تلك المحاولة، وظننا أنها ماتت وانتهى أمرها، ولم نكن نظن أنها اختبأت في حصن حصين، في رأس رجل عظيم، حتى نبتت منه بشُعبِها تظن أن سيكونُ لها في لغة العرب أثرٌ. وكنت قد فكرت في الرد على اقتراحه، بإرجاعه إلى منبعه الأصلي، ومصدره الصحيح، بما وقع في نفسي، ولكني خشيت أن أظلم الرجل باتهامه بتهمة لم يكن لديّ عليها برهان.

стр. 51

حتى نشر المجمعُ اللغوي نص اقتراحه، فإذا البراهين فيه على ما ظننتُ واضحة بينة تَتْرَى، آخذٌ بعضها برؤوس بعض، وإذا الناسُ يتناولونه بأقلامهم من كل جانب. والباشا يصرخُ ههنا وههنا ويستغيثُ ولغة العرب منصورة سائرة قدُماً في طريقها، لا تُحِسُ ولا تشعر، وإذا اقتراحُه يموتُ فلا يُرثَى له، وإِن جامله المجمعُ اللغويُّ فلم يرفضه أولَ ما قُدِّم اليه. ولو سكت الرجلُ بعد ذلك لكان خيرا له وأَقوم، ولنسيه الناسُ ونسوا ما قدَّمَ. ولكنه أَخذته العزة بالإثم، فأخرج في أَواخر رمضان من هذا العام (١٣٦٣ - أغسطس سنة ١٩٤٤) كتاباً يرد على ناقديه، ويأخذ أعراضَهم بقلمه الثائر العنيف، وأَدلتِه المتهافتة المستنكرة، حتي لو كان لاقتراحه موضع آخرُ للسقوط لَبَلغهُ. وما بي أن أدافع عمن رد عليهم في كتابه، قكثير منهم أعرفُ باللغة العربية، وبأدب العرب، وأقدرُ على الكتابة، من الباشا ومن كل أتباعه وأنصاره ومجامليه. ولكني أَردتُ أن أكشف عن مقصده الحقيقي باقتراحه، من كلامه وألفاظه. وأن أنْقدَ بعض ما عرضْ له من مسائل في العلم، ظهر أنه لا يعرف فيها شيئاً، عرَض لها عرضا عجيبا، لو تركه سَتَر نفسه.

стр. 52

أما اقتراحه الميتُ السخيف (١) فما أبالي أن لا أرد عليه، اكتفاء بما قيلَ من قبلُ، وثقة مني أَن لا تقومَ له قائمة من بَعْدُ. وأَنا أَعلم أَن معاليَه سينطلقُ في أَثرى كما انطلق في أَثر الذين من قبلى، ثائراً عنيفاً، مستعليا مستكبرا، كأنْ لم يسمع كلمة الحق، وأَنه سيرميني كما رمى أَخى "السيد محمود محمد شاكر" بأنه "يشتهي تجريح من هو أَكبرُ منه سنا، حاسبا أَن ذاتيته تعلو بهذا التجريح" ولكنني لا أبالي. * * * يعلنُ صاحب المعالي في كتابه (ص ٧٨) أنه "يريد المحافظة على للعربية الفصحى" ولكن سائر أقواله إِنما تصدر عن عقيدة بفساد هذه اللغة، وأَنها لا تصلح للحياة، لثباتها على وتيرة واحدة، إلا أَن تتغير وتَدُور مع اللهجات، فتنقسم إِلى لغاتٍ. فهو يَضَعُ اللغم الأول في هذا الصرح الشامخ، حتى إذا ما اهتز الصرح وفقدَ تماسُكه، استطاع مَن بعده من أَنصاره, ومن أَعداء الإسلام، ومن أَعداءَ القرآن، أَن يدمروه تدميرا.

стр. 53

انظروا الى قوله الذى افتتح به اقتراحَه المقدمَ للمجمع: "لا شك عندي أَن حضرات المستشرقين - آهِ من عبادة المستشرقين ومن عبادة الإفرنج - من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين وألمان وأمريكيين, يعجبون منا نحن الضعاف الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة، لحمل أوزار ألفٍ وخمسمائة سنة مضت" ثم يقول عن بحث المستشرقين عن الآثار: "لكن عملهم هذا شئٌ وإمساك أيةِ لغة بخناق أهلها دهرا طويلا شئٌ آخر". وانظروا إلى قوله في الفقرتين ٤ و٥ "لكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة، لأنها مع سريان التطور في مفاصلها، وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إِلا الله لم يَدُرْ بخلد أية سلطة في أى بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسياً أن يجعل من لهجة أهله لغة قائمةً بذاتها، لها نحوُها وصرفها، وتكون هي المستعملة في الكلام الملفوظ وفي الكتابة معاً، تيسيرا على الناس، كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان، أو كما فعل اليونان، لم يعالج أي بلدٍ هذا التيسير، وبقي أهلُ اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة. ان أَهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع، وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، وأن يردعوا عقولهم عن التأثر بقانون التطور الحتمي، الاخذ

стр. 54

مجراه بالضرورة، رغم أنوفهم، في لهجات الجماهير، تلك اللهجات التي تتفرع فروعاً لا حد لها ولا حصر، والتي تتسع كل يوم مسافةُ الخلف بينها وبين الفصيحة جدة جداتها اتساعا بعيداً هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى كيما تصح قراءَتهم وكتابتهم، هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي، لأنه تكليف للناس بما هو فوق طاقتهم. ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أَن تلك العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات الأجنبية الحية، لكن تناولها من أشق ما يكون، وكلنا مؤمن بهذا، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين، فلنذكر ببعض هذه المشقة". هذا تعضُ قوله في اقتراحه، وما أظن عاقلا يُخْدَعُ بعد ذلك، فيصدق الباشا في ادّعائه أنه يريد المحافظة على العربية الفصحى، وهو يسخط عليها كل هذا السخط، ويندِّدُ بها كل هذا التنديد. بل يندد بالأمم المنفصلة سياسيا أن لم يدُرْ بخلد أَحدٍ من أَهلها أَن يجعل من لهجته لغة قائمة بذاتها لها نحوها وصرفها!! فإن لم تكن هذه دعوةً صريحة إلى تمزيق العربية إلى لغات عدة "كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والأسبان" فما ندري كيف تكون الدعوة، بل لا يدرى أحد من الناس!.

стр. 55

إِن هذا الاقتراحَ تجديد للدعوة القديمة التي أشرنا إِليها في أول هذا المقال، واستمرار لها، حتى تتمزق وحدة الأمم العربية ويحال بينها وبين قديمها، فلا يعرفه ولا يصل إِليه إِلاْ الأفذاذ من علماء الأثريات كما هو الشأن الآن في اللغات القديمة الميتة، فيحالُ بين الأجيال القادمة وبين القرآن والحديث وعلوم العرب، كما بظنون, فيندثرُ هذا الإسلام من وجه الأرض، ويطمئن القوم. ومهما يكابر معالى الباشا وأَنصارُه, فلن يسطيعَ التفصّيَ من هذه النتائج، ومن حمل كلامه على القصد إليها، وإن تبرأَ منها ألفَ مرة وإن قال ألفَ مرةٍ "أَنا مكتفٍ بما يسر الله لي من ديني وموقن بأن لا مزيد عليه عند كائن مَن كان من المسلمين"!! * * * إن لم يكفكم هذا برهانا على ما يقصد إليه وبرمي، فانظروا إلى قوله في الفقرتين ٧ و ٨ "تلك الأشواك والعقبات وهذا التعدد، ترِيكَ الواقعَ من أن هذه اللغة العربية ليست لغةً واحدة لقوم بعينهم، بل إنها مجموعُ كل لهجاتِ الأعراب البادينَ فى جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة جمعها علماءُ اللغة وأودعوها المعاجمَ وجعلوها حجةً على كل من يريد الانتساب للغة العربية, ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت! أفليس من

стр. 56

الظلم البيِّن ألزامُ المصريين وغير المصربين من متكلمي اللهجات العربية الحديثة بمعالجة التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضُها في بعض فانعجنتْ، ولو فُرض المستحيلُ وأَمكن عزلُ أيةِ واحدةٍ منها لكانت دراستُها بسبب قدمها أَشق من تعلم عدة لغات أَجنبية حية، كل منها يعين الإنسانَ في عمره القصير على مسايرة العالَم في هذه الحياة الدنيا. في كل سنة نسمع صيحة مدوية يصخُّ البعض بها معلمي اللغة العربية بالمدارس، متهما إياهم. بالقصور أَو التقصير في تلقيق التلاميذ. والحق الذى لا مِرْيَةَ فيه أَن هؤلاء المعلمين المساكين براء من هذه التهمة يراءَة الذبب من دم ابن يعقوب، فإن العيب إِنما هو عيب اللغة التي ليس لها فى مفرداتها وقواعدها أول يُعرفُ ولا آخر يُوصف، والتي لها في أدائها جرس ولوكة بضريان صماخ أذن الطفل لبعد ما بينهما، وبين لهجة أمه، فينفر منها ومن المعلم نفور الطير رَوَّعْتَهُ والظبى باغَتَّهُ". أذن فالأمرُ واضح، ليس الأمرُ أمر تيسير الكتابة العربية حتى تمثل النطقَ بها تمثيلاً صحيحاً، طاعةً لأمر تعبدى نَصَّتْ عليه لائحةُ المجمع اللغويّ، ولقرار خاص من وزير المعارف تجب طاعتهُ وتنفيذه، لأن "مورد النص لا مساغ للاحتهاد فيه" كما قال صاحب المعالي في كتابه (ص ٣٦)!! ولكن الأمرَ أَخطرُ من ذلك وأبعدُ أثرا. الأمرُ أن لهذه اللغة "جرسا ولوكة بضربان صماخ أذن الطفل" فيجب أن نغيِّرَ هذا،

стр. 57

وأن نمهد له باصطناع الحروف اللاتينية التي لها جرس "يخالف جرسَ الحروف العربية في المخارج والحركات وتوقيت الكلمة في أَثناءَ نْطقها، وهو شيء في صميم اللغة كالمعنى ورسم الكتابة على السواء" كما قال الأستاذ العقاد (الرسالة ٥٨٥ فى ١٨ سبتمبر سنة ١٩٤٤) حتى إذا ما تبلبلت الألسن العربية، ومَرَنَتْ على هذه الحروف اللاتينية ولهجاتها وجرسها، وعلى الحروف المستحدثة التي ابتكرها المجمعُ اللغوى في قراره العجيب بشأن كتابة الأعلام الأعجمية بحروف عربية (١) - أمكن التدرجُ في الانتقال إلى اصطناع لغةٍ أخرى أَعجمية، أو خلقِ لغة بينَ بينَ، لا هي عربية ولا هي أعجمية، وتفرقت الأُمم العربية شذر مذر. ونسُوا هذا القرآن الذى يجمع بينهم ويوحد لسانهم، إذ لن يستطيعوا إخضاعه لهذه اللكنة الأعجمية التي تدل عليها الحروف اللاتينية!! وإذن فليس الأمر أَمرَ إرادة المحافظة على العربية الفصحى كما يقول دفاعاً عن نفسه، وإنما هو رفعُ ظلم بَيِّن "عن المصريين وغير المصريين, ممن ألزموا تعرف ذلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض، والتى

стр. 58

لا يمكن عزل أية واحدة منها، والتي لو أَمكن المستحيل بعزل واحدة منها لكانت دراستها بسبب قدمها أَشق من تعلم عدةِ لغات أَجنبية حية، والتي كل العيب فيها، إِذ ليس لها في مفرداتها وقواعدها أَول يعرف ولا آخر بوصف!. ولن يكون رفعُ هذا الظلم إلا أَن يُرفع عن كواهل المظلومين ما أَثقلها، من "أوزار أَلفٍ وخمسمائة سنة مضت"!!. لستُ أَدري، هل يغالطُ الباشا الحصيفُ نفسَه ويخدعُها، أَو هو بظن أَن الناس لا يفقهون! أَيها الرجل: اقرأ كتابك، تَجِدْ أَنك رضيتَ عن كل لغةٍ حتى العبربة، وما اصطفيتَ لسخطِك وسخريتِك إِلا العربية. * * * وقد أَجاب صاحب المعالى عن سؤالِ مَنْ سألَ: كيف تريدُ أَن ترسم القرآن؟ بجوابين عجيبين مضحكين! أما أحدهما فأن يُرسم القرآن بحروف معاليه اللاتينية، لأن الحروف العرببة وثنيةٌ منقولة مباشرة عن الوثنيين، والحروف اللاتينية ينقلها معاليه لآن عن النصارى، وهم أهل كتاب أقرب من الوثنيين إلينا

стр. 59

نحن المسلمين! (ص ٢٥ - ٢٦) ثم ارتأى أن يمن على رجال الدين المحترمين بإبقاء رسم القرآن وصحيح الحديث على ما هو عليه الآن! (ص ٢٨) ولست أدرى أَعَفَى عنهما إرضاء لهم، أَم شفقةً عليهم, أم خوفاً منهم؟ إنما هو قد فعل هذا والسلام! ثم أجاب بعضَ سائليه: "ها أنت ذا ترى فيما أسلفتُ ما يطئمنك على بقاء القرآن والحديث مكتوبين بالرسم الحالي، فلن بندرس هذا الرسم، بل سيكون له دائماً من رجال الدين وطلبة المعاهد الدينية من بقرؤونه ويحافظون عليه"! (ص ٢٩). وقد وجد معاليه لرجال الدين بعد ذلك عملا خطيرا عظيماً، هو "أن يؤدوا لنا في المستقبل عمل المستشرقين، ويحلوا لنا رموز ما لم يُطبع بالرسم الجديد من قديم الكتب والمؤلفات" (ص ٢٨). ولسنا نجادله في أن هذا الفعل حرام أَو حلال، قإن معالي الباشا رجل قانون، وهو من أبعد الناس عن معرفة الحرام والحلال، وكتابه شاهد عليه. ولكنا نسأله سؤالا واحداً: أيمكن أن يُؤدَّى نطقُ القرآن أَداء صحيحا موافقا للعربية إذا ما كتب بالحروف اللاتينية، وخاصة فى حال الوقف على رؤوس الآى أو في أَثنائها؟ أظنه بعلم أن أَواخر الكلم إذا

стр. 60

كانت متحركة -وهو الأكثر في الكلام- وجب الوقف عليها بالسكون, وإذا كان الحرف منونا مفتوحا وُقِف عليه بالألف، وهو يقترح أن يُدَل على الحركة بحرف مَد يسميه "حرف حركة" وأن يُدل على التنوين بحرف مد بعده حرف النون، فماذا يفعل القارئ, أيحذف في كل وقف من المكتوب حرفاً أَو حرفين، أم يقرأ القرآنَ إفرنجيا؟! أَلسنا معذورين إذا ظننا صادقين أَنه يبغي قطعَ الصلة بين هذه الأمة العربية وبين قديمها، وخاصةً القرآنَ والحديث، تنفيذا لخطة قديمة معروفة، لم يخامرنا فيها شك، دل عليها قلمهُ حين خانه، فجعل عمل رجال الدين أَن ينحلوا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد! * * * ثم ماذا يريد صاحب المعالي هذا أَن يصنع بالقرآن؟ إِنه يريد أن يفتح الباب للعبث به وبقراءاته عامد متعمداً. ققد أدخل نفسه مَدَاخل لا يُحْسِنُ الخروج منها، ولا مَنْجَى من عواقبها. انظروا إِلى قوله يخاطب "معالي السيد كامل الجاردجي" أَحَدِ الذين ردوا عليه اقتراحه (ص. ٧٨): "الظاهر يا سيدي أَننا غير متفقَيْن اتفاقا واضحا على الغرض الذي نسعى إليه. فلنتفق عليه ابتداء، ثم ليتكلم كلانا بعد بما شاء. أنا أربد المحافظة على العربية الفصحى وأنت

стр. 61

تريدها كذاك. فلنحدد بالنص الصربح ما هي تلك الفصحى التي نريدها جميعا. أما أنا فلا أَرى مثالا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر فلغته هي وحدها المعنيةُ لي عندما أذكر الفصحى. وأحددُ أكثر فأقول: إن لغته المعنية لي هى ما تكون الأقيسُ والأسهل من وجوه قراءاته. فقراءة (إنَّ هَذين لساحران) هي المعنية لي دون (إنْ هذَانِ لَسَاحِرانِ) مثلا" هذا نصُّ كلامه بحروفه. أرأيتموه أيها الناس وعرفتم دخيلته! إنه يأتي بالكلام الحلو المعسول، فلا يرى "مثالاً للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر" ثم يدسُّ فيه ما يظن أنه يخفى على عامة المسلمين، بَلْهَ خاصتهم، بَلْهَ علماءهم، فيزعمُ أَنه يتخيرُ من قراءات القرآن ما يوافق هواه، ويعرض عما عداه، موهماً أن الثابت المتواتر هو ما حَكَى دون ما نقى. ولكنه يسقط في ذلك سقطة مالها من قرار. وذلك أن الآية التي جاء بها مثالا لما يريد، وهي قوله تعالى فى سورة طه (إنْ هَذَانِ لَسَحِرانِ) رسمت فى المصحف على هذا الرسم الذي رسمه أصحاب رسول الله واتفقوا عليه، ورُوي عنهم بالتواتر القطعي الثبوت رواية وكتابة، لم يَرْتَبْ في ذلك مسلم قط "هذن" بدون ألف بعد الذال، ورُويت القراءات فيها بالتواتر القطعي سماعاً من عهد

стр. 62

رسول الله الى عصرنا هذا الذي نحيا فيه. والقاعدة الغالبة فى رسم المصحف أن تحذف الألف وأن تثبت الياء. والقراءَةُ التي يقرأ لها أهلُ بلادنا، قراءةُ حفص عن عاصم، في هذه الآية (إنْ هذانِ) بسكون النون فى (إنْ) وبثبوت الألف وكسر النون. مخففة من غير تشديدٍ فى (هذان). وواققه ابنُ مُحَيْصن وأبو حيْوَةَ والزهرِي وغيرُهم من أئمة القراءة. ووافقه أيضا ابنُ كَثِيرٍ، ولكنه شدد النونَ المكسورة في (هذانِّ). وقراءةُ حفص ومن وافقه التي نقرأ في بلادنا هي التي يرفضها الباشا العالمُ العجيبُ، وينفي أَن يكونَ مما ارتضى من "العربية الفصحى" وذلك أنه عسر عليه أن يدرك وجهها من العربية، وإِن كان واضحا ميسورا!! وقرأ نافع وابنُ عامر وأَبو بكرٍ وحمزة والكسائي وأَبو جعفر ويَعْقوبٌ وخَلفٌ والحسنُ والأعمشُ وأَبو عُبيدٍ وأَبو حاتم وابنُ جريرٍ الطبري وغيرُهم (إِنَّ) بتشدبد النون و (هذان) بالألف وتخفيف النون. وهذه القراءة نفاها معاليه أيضاً ضمناً، باختياره غيرها، وإن لم يصرح بنفيها، ولكنها دخلت في غير "العربية الفصحى" عنده.

стр. 63

وهاتان القراءتان هما قراءة أكثر القراء من السبعة، بل العشرة، بل الأربعة عشر، بل مَن عداهم، ممن عَرَفَ معاليه ومن لم يعرف، وممن سمع به ومن لم يسمع! ثم اختار لنفسه - أستغفر الله - بل لأُمم العرب جمعاءَ، غير مكلَّف أن يختارَ لهم، ولكن عادياً على لغتهم وعلى قرآنهم - اختار قراءَةَ أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر ويونس وغيرهم (إنَّ هذينِ) بتشديد النون في (إنَّ) وبالياء فى (هذين) اختارها من غير دليل إلا يُسرها في مقدوره وعلمه. وهي قراءة صحيحة ثابتة، كاللتين قبلها، وإن عبر عنها بعضهم بالشذوذ، كالإمام أبي عمرو الداني في كتاب (المقنع فى رسم المصاحف) ص ١٢٧. وكالرجاج في قوله "لا أجيز قراءة أبي عمرو لأنها خلاف المصحف (١) ". فهذا مبلغ هذا الرجل من العلم! قبِلَ من القراءةِ ما اختلف فيه، وإن كان صحيحا لأدلة يجهلها، ورفض ما لا خلافَ فيه من القراءة، بالهوى والجُرأة، من غير دليلِ ولا شبهةٍ، إلا أنه جَهِلَ شيئا فعاداه.

стр. 64

"إِن هَذَا القُرآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أَحْرُفْ" كما ثبت في الحديث الصحيح المتواتر، الذى لا شك في صحته. وإِن قُرّاءَه تَلَقوا قراءاته ورواياتِ حروفهِ ولهجاتهِ، سماعاً ومشافهة، من شيوخهم طبقة بعد طبقةٍ إلى رسول الله ﷺ ، ثبتتْ قراءاتهُ الصحيحةُ المعروفةُ بالتواتر الحقيقي، الذى لم يَثبت بمثله كتاب قط، رَوَوْها بأدقِّ ما يروى كلام وأَوثَقِه، سواء أَرَضِىَ عبد العزيز باشا فهمي عن هذا أَم سخِطَهُ. وإن هذا القرآن بقراءاته المتواترة قد حفظ على العرب لغتهم بحروفها وأوجهها ولهجاتها حفظاً عجيباً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا يستطيع أَحد أَن ينفى شيئاً منها أَو ينكره، كابر أو تعنت أو جهلَ. إنما: هو الحقُّ البينُ المعلومُ من الدين بالضرورة. من أَنكرة فإنما ينكر على نفسه، وإِنما يجني على نفسه. وحكم الإسلام فيه معروف لا يحتاج إلى ذكر أو بيان. أَفيظنُّ أَحدٌ أَن المسلمين بكذِّبونَ علماءهم وقرّاءهم وحفَّاظَ كتابهم الذينَ لا يحصيهم العد، طبقة طبقة إلى صحابة رسول الله، ثم يتتبعون رجلا بأنه نبغ في صناعة القانون الإفرنجي، حتى نال أسمى منصب فيه، وبأنه وصل إلى مسند الوزارة، وبأنه وُضِع في غير موضعه

стр. 65

عضوا في المجمع اللغوي؟! كلا ثم كلا! إن من يتوهم بعض هذا إنما يلغي عقله، وإنما يلغى كل منطق وكل دليل. * * * ولعل الباشا رجع فيما تَعَرف من القراءات وتوجيهها، لا إلى علم علماء الإسلام ونقلهم ومؤلفاتهم، وإنما رجع إلى آراء المستشرقين ونرنظرياتهم في القرآن والقراءات. فهم يَرونَ أن كل علماء الإسلام وقراء القرآن كاذبون مفترون، اخترعوا هذه الروايات وهذه القراءتِ توجيها لما يحتمله. رسم المصحف. تشكيكاً منهم في هذا الكتاب المحفوظ بحفظِ الله، وتكذيبا للوعد بحفظه وبأنه لا يأتيه الباطلُ من بين يدية ولا من خلفه، وثأرا من المسلمين باتهامهم بالتحريف، كما اتُّهِمَ الذين من قبلهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه. ونظرية المستشرقين أوْضَحها أَحدُهم، جولد زيهر اليهودي المجري، في كتاب (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن)، الذى ترجمه أخونا الأستاذ الشيخ علي حسن عبد القادر رنشره في هذا العام (ص٣ - ٤) قال: وهذه القراءَات المختلفة تدور حول المصحف العثماني، وهو المصحف الذي جمَع الناسَ عليه خليفةُ المسلمين عثمانُ بن عفانَ، وأراد بذلك أن يرفع الخطر الذي أوشك أن بقعَ في كلام الله في أشكاله واستعمالاته

стр. 66

وقد تسامح المسلمون في هذه القراءات، واعترفوا بها جميعا على قدم المساواة، بالرغم مما قد يُفْرَضُ، من أن الله قد أوحى بكلامة كلمة كلمة، وحرفا حرفا، وأن مثلَه من الكلام المفوظ في اللوح، والذى ينزلُ به الملَكُ على الرسول المختار، يجب أن بكونَ على شكل واحدٍ وبلفظٍ واحد. وقد عالج هذا الموضوعَ بتوسعِ نولدكةُ في كتابه (تاربخ القرآن). والقسمُ الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب فى ظهوره إلى خاصية الخط العربي، فإن مِن خصائصه أن الرسمَ الواحدَ للكلمة الواحدة قد يقرأ بأشكال مختلفةِ. تبعا للنقط قوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدانَ الشكل في الخط العربي يمكن أن يَجعل للكلمةِ حالاتٍ مختلفة من ناحية موقعها من الأعراب فهذه التكميلاتُ للرسم الكتابي، ثم هذه الاختلاقاتُ في الحركات والشكل، كل ذلك كان السبب الأوَلَ لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطُه أو شكلُه من القرآن". ألا ترون- أيها الناس- في هذا الكلام الروحَ الذي أوحى بالطعن في الرسم العربي، وأوحى باقتراح تيسيره أو تغييره، وأوحى بالتخيُّر في القراءات بالهوى والرغبة؟. لست أزعم أنَّ هؤلاء التابعين المقلدين أخذوا من جولدزيهر في هذا الكتاب أو أخذوا من نولدكة في ذاك الكتاب، فلعلهم لم يقرؤوا الكتابين

стр. 67

ولا سمعوا بهما. . ولم يكن جولدزيهر ولا نولدكة أَولَ مَن افترى هذه الفرية على القرآن وعلى قُراء القرآن وعلى علماء الإسلام. فإن هذا الرأى معروفٌ عن المستشرقين، نعرفه عنهم منذُ عهدٍ بعيد، وعليه تدور آراؤهم وأقاويلهم في القرآن والقراءات، وفي روايات الحديث وأَسانيد المحدثين. ذلك بأنهم أصحابُ هوًى، وذلك بأنهم لا يؤمنون بصدق رساله الرسول ﷺ ، وذلك بأنهم يؤمنون بأن أَصحاب رسول الله وتابعيهم مِن بعدِهم لا خَلاقَ لهم، يَصْدُرُونَ عن هوًى وعصبية فيظنون فيهم ما تيقنوه فى غيرهم من الكذب على الدين والجرأَة على الله. وحاشَ لله وذلك بأنهم يتتبعون الشاذ من الروايات، الذي أَخطأ فيه بعض رواته، أو الذي كَذَبب فيه بعض الوضاعين، وهما اللذان بينهما علماء الإسلام، وخاصة علماءُ الحديث، أدَق بيان وأوثقه وأوضحَه. فيجعلون هذا الشاذ المنكرَ أَصلا يبنُون عليه قواعدَهم، التي فتعلوها ونسبوها للإسلام وعلماء الإسلام، ويدعُون الجادَّة الواضحةَ ضوح الشمس، يغمضون عنها أَعينَهم،، ويعجلون أَصابعَهم في آذانهم، ثم يستهوون منا من ضعفت مداركهم, وضَؤلَ علمهم بقديمهم, من المعجبين بهم والمُعَظِّميهم، الذين نشؤوا في حجورهم ورضعوا من لبانهم

стр. 68

فأخذوا عنهم العلوم، حتى علوم الفقه والقرآن، فكانوا قوما لا يفقهون. ولكن المسلمين يعرفون أَن هذا القرآنَ قرأَه رسولُ الله على الناس وأَقرأهم إياه، بقراءاتٍ معروفة، ثابتةٍ, بالأسانيد الصحيحة المتواترة كل قارئ سمع من شيوخه قراءات كثيرة أو قراءة واحدة، لا ينكر بعضُهم على بعض، إِلا ما كان مَظِنة الخطأ من الراوي أَو الشك في صدقه، قبلَ أن تُجمع الرواياتُ وتستقر، وأَماَ بعد أَنْ عُرِفت أَسانيدُها وطرقُها، وعُرف المتواترُ والصحيحُ، من الشاذ والمنكَر، فلا وهذا شيٌ يعرفه كل من شدَا شيئاً من العلم باللأسانيد وفنون النقل والرواية، أو من أُصول الدين وأُصول الفقه. * * * والمسألةُ في صورة بيِّنة ميسرة: أن هذا القرآن نقل إلينا نقل تواتر قطعي الثبوت، مرسوما في المصاحف هذا الرسم العربي المعروف، رَسَمَه حُفَّاظه والقائمون عليه من أصحاب رسول الله، تحت سمعهم وبصرهم جميعا، وحُصِرَت طرق رسمه محدودة مفصلة، في كتب القراءات، وفي كتب خاصة بالرسم، ونُقل إلينا أيضا قراءاته الصحيحة موافقة لهذا الرسم نفسه، نقل تواتر قطعي الثبوت، أو على الأقل، في بعضها القليل النادر، نقلا صحيح الإسناد، برواية الثقات عن الثقات

стр. 69

نُقل إلينا ذلك سماعا ومشافهة، مُبَيَّنا فيه النطقُ وطرق الأداء (١). فكنا وكان الناس في هذا بينَ أمرين لا ثالثَ لهما: إما أَن يكونَ الرسمُ هو الذي ثبتَ أَولا ثم جاءت هذه القراءات احتمالات فيه, يُمَثِّلُها كل قارئ بما يَرَى أو بما يستطيع. وإما أن تكونَ القراءاتُ هي الأصلَ، ثم رُسِم الكتابُ على الوجه الذى يُمَثِلُها كلها ويحتملُها، حتى لا يخرجَ عنه شئ منها. أما المستشرقون ومَنْ قلدهم من الجهلة الأغرار، ممن ينتسب إلى المسلمين، فذهبوا إلى الوجه الأول، واختاروه ونصروه. أعني أنهم فهموا أن القرآن "يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" وأن هذا الشكل الواحد واللفظ الواحد رُسِمَ بهذا الرسم الذي من خصائصه أن الكلمة الواحدة "قد تُقْرَأ بأشكال مختلفة تبعا للنقط قوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدانَ الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب" وَبَنوْا على ذلك أن هذا الرسمَ بما يحتمل في النقط والحركات "كان السبب الأوَّلَ لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطُه أو شكلُه من القرآن" كما قال جولدزيهر في كتابه.

стр. 70

وليس لهذا. الرأي وهذا الاستنباط معنى إلا شئ واحد: أن المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى الآن، اخترعوا هذه القراءات، تمثيلا لما يحتَمِلُ الرسمُ من القراءَة، ونسبوها إلى كِتَابهم وإلى رسولهم وأَنهم كذَيُوا جميعاً في ادعاء نسبتها إلى رسول الله وفي ادعاء أَنهم تلقوْهَا جيلاً بعدَ جيل، وطبقةً يعدَ طبقةٍ. وقد قد يعذَرُ المستشرقون إذا ذهبوا هذا المذهبَ، لأنهم قوم جهلوا طرقَ الرواية عند المسلمين، ومنَ عَرف منهم شيئا منها فإنما يغلبه هواء، وبغلبه ما يراه بين يديه في كتبهم السابقة، وما لحق بها من عبث، وما أصابها من تحريف وتغيير، ويغلبُه ما يَعرف مِن قفدِها أي نوع من الإسناد، وأي نوع من الرجال كان يرويها وينقُلها، وما يعرفُ من انقطاع تواترها، بل انقطاع أصلِ روايتها انقطاعا تاما، قبل بلوغها مصدَرها الأولَ بقرون. يَعرف كل هذا، ويجهل أو بتجاهلُ سِيَر علماء الإسلام، وما كانوا علية من ثقة وصدق، وما كانوا يَتَحرون من دِقَة وأمانة في رواية الحرف الواحد من أحرف القرآن، وفي طرق أداء كل حرف والنطق به، على اختلاف اللهجات والروايات، حتى إنهم وزنوا نطق الحروف بموازين معررفة فى كتب القراءة وكتب التجويد، وحتى إنهم ليقيسون التنفس في أحرف اللين وأَحرف المد، بما اصطلحو على

стр. 71

تسميه بالحركات. إلى غير ذلك من طرق الاحتياط والتوثق. فلم يكن عجبا من المستشرقين، وقد جهلوا ذلك كله وغَلبهم ما وصفنا، أن يختاروا هذا الوجهَ، وأن بجزموا بأن هذه القراءات نشأت من الرسم العربي المهملِ من النقط والشكل وأَما المسلمون فقد أيقنوا بالوجه الآخر الصحيح: أن القراءات هي الأصلُ, وأن الرسم تابع لها مبني عليها. أعني أنهم عرفوا، مما جاءهم من الحق بالتواتر القطعي الثبوت، أن رسول الله قرأ القرآن على أصحابه وأقرأهم إياه، بقراءاتٍ متعددةٍ النطق والأداء، كلها حق منزل عليه من عند الله، وكلها موافق للغة العرب ولهجات القبائل، حفظا له وتيسيرا عليهم. وأنهم سمعوا منه وقرؤوا عليه شفاها وحفظاً في الصدور، ثم أثبتوا ذلك عن أمره كتابةً وتقييدا. وأنه قال لهم: "إن هَذَا القرآن أنزِلَ عَلى سَبعَةِ أحْرُفِ قَاقْرَؤُوا مَا تَيَسرَ" فأدوا ما سمعوا كما سمعوا وكما قرؤوا، مفصلا موجها بأوجهه فى الأداء والتلاوة، لم يزيدوا ولم ينقصو. وأنهم كتبوا ما سمعوا وما حفظوا على هذا الرسم الذى رسموا ليكون مؤديا كل الأوجهِ التي عرفوا, والتي أذن لهم في القراءة يها، حتى إِنه لو كان للرسم العربي عندهم إذ ذاك وجه آخر يُضبط به المنطق على حال واحدة لأبوا أن

стр. 72

يرسموا به، لئلا يضبط النطقُ على وجه واحدٍ فتضيعَ سائر الأوجه وكلها من عند الله أنزل، وكلها من لغة العرب، وكلها أذن لهم في القراءَة به. وكانوا هم الأمناء على الوحي، وهم الذين أمروا بتبليغ ما أنزل إِليهم ما وَسِعَهم البلاغُ. ثم نَقَل عنهم مَن بعدهم من الثقات الأثبات الأمناء، نقلاَ فاشيا واضحاً متواترا، لم يجعلوا شيئا منه سرا مصوناً، ولا كنزا مخفيا، بل هو الإذاعة بأقصى ما يستطيع الناسُ من الإذعة، حتى لا يكون شئُ منه موضعا لشبهة، ولا مَعرِضا لشك، ولا باباً لزيغٍ. فكان في رأي المستشرقين أَن الرسمَ سَبَقَ القراءةَ، خيالاً منهم وتوهماً، وكان عند المسلمين أن القراءةَ سبقت الرسمَ، حقًا يقينا ثابتا، بأوثق ما تثبتُ به الحقائق التاريخية. * * * ولم يكن للمسلمين - من أَول الإسلام إلى الآن - مندوحة عن اليقين بهذأ الوجه، إذ هو الذى لا يعقل سواه، وهو الذى تقتضيه طيبعة ما وصل إليهم من النقل والأدلة. وكانوا أعرف بأصحاب رسول الله، ثم بالأمة من العلماء والقراء الذين نقلوا إليهم العلمَ والدينَ والقرآنَ، من أَن يظنوا بهم السوء والكذب والافتراء، وكانوا يوقنون بكفر مَنِ عمد إلى تحريف حرف واحد من

стр. 73

القرآن، بافتراء قراءة لم تُنقل عن قارئه الأول، ﷺ . وها هي دي كتبُ القراءات - ما نُشر منها وما لمِ يُنشر - وها هم أولاءُ قراء القرآن في أقطار الأرض، كلهم يسوقً أَسانيدَ القراءة عن الأئمة إلى رسول الله ﷺ ، من روايات الثقات الأثبات الصادقين، الذين لا يحصيهم العد، والذين لا موضعَ للطعن فى صدقهم وأمانتهم وتقواهم لله. فما كان لأحدٍ من الناس بعدَ ذلك - ولو كان من المستشرقين أو من عبِيد المستشرقين - أن يُلقِيَ ظِلا من الشك على هذه الحقائق البينة، وعلى هذا النهارِ الواضح. ولئن فعلَ لم يكن إلا جاهلاً أو متجنياً ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. [آل عمران: ٧] ولو عَقَل هؤلاء القوم، الذين يعرضون لما لا يعلمون، ويخوضون فيما لا يفقهون، لعرقوا أَن التعرض لتغيير الرسم العربي، أَو ما يسمونه "تيسيره"، إنما هو العمل على تمزيق لغة العرب وتفريق وحده المسلمين. وهذا القرآنُ، وهذه اللغة التي حَفظ، هما كل ما بقي لنا من آثار الوحدة والتمسك. ولفهموا ما وراء رأى المستشرقين من مقصد أو نتيجة، لا يجوز في

стр. 74

منطق العقول غيرُها: أن القرآن بالوجه الذى أنزل على رسول الله خرَجَ من أيدى المسلمين فيما قُرىء بأوجه متعددة، لأنه "يجب أَن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" كما قال جولدزيهر، وقد دخل هذا الوجهُ الواحدُ في أَوجه متعددةٍ غيرَ معين أو غير معروف، أو لعله لم يكن في هذه الأوجه. لأن المسلمين - في رأيهم - إنما قرؤوا على أوجه يحتملها الرسمُ المكتوبُ، لا على أوجه أنزل بها من عند الله, وثبتت صحتُها وقراءتُها عن الرسول الذى أمر بقراءته وإبلاغه للناس. فهذه القراءاتُ لى رأى المستشرقين ومن تابعهم، ليست كلها أنزل بها القرآن، وإنما أنزل بواحدة منها غيرٍ معينة، لا يعرفها المسلمون ولا يعرفها المستشرقون. وحاشَ لله أن يكون شئ من هذا، و ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. [النور: ١٦] * * * هذه حقائقُ لا يشك فيها مسلم وما ينبغي له. فوازِنْ - أيها القارئ الكريم - بينها وبين قول الباشا في كتابه (ص ٨٤ - ٨٥) في شأن رسم المصحف والقراءة: "لقد كان القراءُ قليلين والكتابُ أقلَّ من القليل، والرقاع أنذرَ من الندوة، فأيما قبيلةٍ ظفرت بصحيفة مكتوبٍ فيها سورة أو بضع

стр. 75

آيات من سورة حرصتْ عليها وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه، وإذ كان رسمُ الكتابة إذ ذاك أَشد اختزالاً مما هو الآن، لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكُتاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة حتى يرسمه القاصر السخيف، إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحاً على مصراعيه. ويكفي أن يكون للألفاظ بعد تصحيفها، معانٍ تتلاءمُ قليلاً أو كثيرا، حتى يمضي القارئ في قراءته وبتعصب لها. أَرأَيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذى نشأ في أَول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليتة للتصحيف؟ ... على أن عثمان إذا كان له عند الله وعند المسلمبن يد بجمعه القرآن، فإن عملَه لم ينحسم به الشر من أساسه. كل ما كان أَنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف على قاعدة الرسم العربط السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها أوقات متباعدة وفرص متفرقة، فأنت بطبيعة الحال غيرَ وافية أَو غيرَ مراعَى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات. أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج بشئ أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين الصالحين وهو في ذاته علاج واهن ضئيل" وما بعدَ هذا، القول قولٌ في نسبة التصحيف إلى القرآن الكريم في
следующие страницы →