← Сияса и кади

Сияса и кади · id 14240

الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر ومعه «الشرع واللغة»

أحمد شاكر

Полный текст (93 стр.). Показаны 71–93 · переход к 76.

стр. 71

تسميه بالحركات. إلى غير ذلك من طرق الاحتياط والتوثق. فلم يكن عجبا من المستشرقين، وقد جهلوا ذلك كله وغَلبهم ما وصفنا، أن يختاروا هذا الوجهَ، وأن بجزموا بأن هذه القراءات نشأت من الرسم العربي المهملِ من النقط والشكل وأَما المسلمون فقد أيقنوا بالوجه الآخر الصحيح: أن القراءات هي الأصلُ, وأن الرسم تابع لها مبني عليها. أعني أنهم عرفوا، مما جاءهم من الحق بالتواتر القطعي الثبوت، أن رسول الله قرأ القرآن على أصحابه وأقرأهم إياه، بقراءاتٍ متعددةٍ النطق والأداء، كلها حق منزل عليه من عند الله، وكلها موافق للغة العرب ولهجات القبائل، حفظا له وتيسيرا عليهم. وأنهم سمعوا منه وقرؤوا عليه شفاها وحفظاً في الصدور، ثم أثبتوا ذلك عن أمره كتابةً وتقييدا. وأنه قال لهم: "إن هَذَا القرآن أنزِلَ عَلى سَبعَةِ أحْرُفِ قَاقْرَؤُوا مَا تَيَسرَ" فأدوا ما سمعوا كما سمعوا وكما قرؤوا، مفصلا موجها بأوجهه فى الأداء والتلاوة، لم يزيدوا ولم ينقصو. وأنهم كتبوا ما سمعوا وما حفظوا على هذا الرسم الذى رسموا ليكون مؤديا كل الأوجهِ التي عرفوا, والتي أذن لهم في القراءة يها، حتى إِنه لو كان للرسم العربي عندهم إذ ذاك وجه آخر يُضبط به المنطق على حال واحدة لأبوا أن

стр. 72

يرسموا به، لئلا يضبط النطقُ على وجه واحدٍ فتضيعَ سائر الأوجه وكلها من عند الله أنزل، وكلها من لغة العرب، وكلها أذن لهم في القراءَة به. وكانوا هم الأمناء على الوحي، وهم الذين أمروا بتبليغ ما أنزل إِليهم ما وَسِعَهم البلاغُ. ثم نَقَل عنهم مَن بعدهم من الثقات الأثبات الأمناء، نقلاَ فاشيا واضحاً متواترا، لم يجعلوا شيئا منه سرا مصوناً، ولا كنزا مخفيا، بل هو الإذاعة بأقصى ما يستطيع الناسُ من الإذعة، حتى لا يكون شئُ منه موضعا لشبهة، ولا مَعرِضا لشك، ولا باباً لزيغٍ. فكان في رأي المستشرقين أَن الرسمَ سَبَقَ القراءةَ، خيالاً منهم وتوهماً، وكان عند المسلمين أن القراءةَ سبقت الرسمَ، حقًا يقينا ثابتا، بأوثق ما تثبتُ به الحقائق التاريخية. * * * ولم يكن للمسلمين - من أَول الإسلام إلى الآن - مندوحة عن اليقين بهذأ الوجه، إذ هو الذى لا يعقل سواه، وهو الذى تقتضيه طيبعة ما وصل إليهم من النقل والأدلة. وكانوا أعرف بأصحاب رسول الله، ثم بالأمة من العلماء والقراء الذين نقلوا إليهم العلمَ والدينَ والقرآنَ، من أَن يظنوا بهم السوء والكذب والافتراء، وكانوا يوقنون بكفر مَنِ عمد إلى تحريف حرف واحد من

стр. 73

القرآن، بافتراء قراءة لم تُنقل عن قارئه الأول، ﷺ . وها هي دي كتبُ القراءات - ما نُشر منها وما لمِ يُنشر - وها هم أولاءُ قراء القرآن في أقطار الأرض، كلهم يسوقً أَسانيدَ القراءة عن الأئمة إلى رسول الله ﷺ ، من روايات الثقات الأثبات الصادقين، الذين لا يحصيهم العد، والذين لا موضعَ للطعن فى صدقهم وأمانتهم وتقواهم لله. فما كان لأحدٍ من الناس بعدَ ذلك - ولو كان من المستشرقين أو من عبِيد المستشرقين - أن يُلقِيَ ظِلا من الشك على هذه الحقائق البينة، وعلى هذا النهارِ الواضح. ولئن فعلَ لم يكن إلا جاهلاً أو متجنياً ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. [آل عمران: ٧] ولو عَقَل هؤلاء القوم، الذين يعرضون لما لا يعلمون، ويخوضون فيما لا يفقهون، لعرقوا أَن التعرض لتغيير الرسم العربي، أَو ما يسمونه "تيسيره"، إنما هو العمل على تمزيق لغة العرب وتفريق وحده المسلمين. وهذا القرآنُ، وهذه اللغة التي حَفظ، هما كل ما بقي لنا من آثار الوحدة والتمسك. ولفهموا ما وراء رأى المستشرقين من مقصد أو نتيجة، لا يجوز في

стр. 74

منطق العقول غيرُها: أن القرآن بالوجه الذى أنزل على رسول الله خرَجَ من أيدى المسلمين فيما قُرىء بأوجه متعددة، لأنه "يجب أَن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد" كما قال جولدزيهر، وقد دخل هذا الوجهُ الواحدُ في أَوجه متعددةٍ غيرَ معين أو غير معروف، أو لعله لم يكن في هذه الأوجه. لأن المسلمين - في رأيهم - إنما قرؤوا على أوجه يحتملها الرسمُ المكتوبُ، لا على أوجه أنزل بها من عند الله, وثبتت صحتُها وقراءتُها عن الرسول الذى أمر بقراءته وإبلاغه للناس. فهذه القراءاتُ لى رأى المستشرقين ومن تابعهم، ليست كلها أنزل بها القرآن، وإنما أنزل بواحدة منها غيرٍ معينة، لا يعرفها المسلمون ولا يعرفها المستشرقون. وحاشَ لله أن يكون شئ من هذا، و ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. [النور: ١٦] * * * هذه حقائقُ لا يشك فيها مسلم وما ينبغي له. فوازِنْ - أيها القارئ الكريم - بينها وبين قول الباشا في كتابه (ص ٨٤ - ٨٥) في شأن رسم المصحف والقراءة: "لقد كان القراءُ قليلين والكتابُ أقلَّ من القليل، والرقاع أنذرَ من الندوة، فأيما قبيلةٍ ظفرت بصحيفة مكتوبٍ فيها سورة أو بضع

стр. 75

آيات من سورة حرصتْ عليها وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه، وإذ كان رسمُ الكتابة إذ ذاك أَشد اختزالاً مما هو الآن، لتجرده من النقط والألفات الممدودة، وكان الكُتاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة حتى يرسمه القاصر السخيف، إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحاً على مصراعيه. ويكفي أن يكون للألفاظ بعد تصحيفها، معانٍ تتلاءمُ قليلاً أو كثيرا، حتى يمضي القارئ في قراءته وبتعصب لها. أَرأَيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذى نشأ في أَول الإسلام عن سوء الرسم ووجازته وقابليتة للتصحيف؟ ... على أن عثمان إذا كان له عند الله وعند المسلمبن يد بجمعه القرآن، فإن عملَه لم ينحسم به الشر من أساسه. كل ما كان أَنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف على قاعدة الرسم العربط السخيف، ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها أوقات متباعدة وفرص متفرقة، فأنت بطبيعة الحال غيرَ وافية أَو غيرَ مراعَى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات. أما منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ولم يعالج بشئ أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين الصالحين وهو في ذاته علاج واهن ضئيل" وما بعدَ هذا، القول قولٌ في نسبة التصحيف إلى القرآن الكريم في

стр. 76

فقراءاته، إذ بقِيَ "منبعُ الشر الحقيقي وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف" والعلاجُ الذى وضع له "علاج واهن ضئيل". فما ظنك بداء -في نظر معَاليه- لم يُجْتَث من جذوره، وبقي يعمل ويفشوا أكثر من ألفٍ وثلاثمائة سنة، لم يعالج إِلا بعلاج واهن ضئيل؟! حتى يأتي في آخر الزمان، مثل هذا الرجل النابغة، قيتخيَّرُ من القراءات ما طاب له، ويرفضُ سائرها، لأنها كلها نتيجة الاجتهاد في قراءة "الرسم العربي السخيف" "القابل لكل تصحيف". وقد تريد الصدفة في اختياره أَن يختارَ غير "الشكل الواحد واللفظ الواحد الذي نزل به الملكُ على الرسول المختار" كما زعم المستشرقون. وليس لنا بعدَ هذا إلا أَن نقول له ولهم: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. [النور: ١٦] * * * أَما بعد وقد وفينا البحث حقه فيما نرى: فإني أرجو أن أُظهرَ الناسَ على مبلغ علم معالي الباشا فيما هو أيسرُ من ذلك من العلم. فقد يبدو لي أنه - وإن كان من رجال القانون - عَرَفَ شيئاً من علم أصول الفقه، ولو بالقدر الذي يُعَلم في كلية الحقوق لطلاب القانون ولكن الباشا أتى بالعجب والعجاب، فإنه أَراد أَن يجادل أحد الرادِّينَ عليه، وأراد

стр. 77

أن يذكر الأدلة الشرعية الأربعة المعروفة: الكتاب والسنة والقياس والإجماع، فذكر الثلاثة الأول، وقال عن الإجماع (ص ٢٧) ما نصه: "ثم نظروا - يعني المسلمين - فوجدوا أن أحوالا قائمة أو تقوم في الناس، وعلى الأخص فما فتحه المسلمون من الأمصار، من عادات في آداب السلوك وفي كيفية تناول وسائل الحياة والاستمتاع بها، ومن اصطلاحات ومواضعات وعُرْفٍ في المعاملات لم بأمر بها كتاب ولا سنة، ولم يمنع منها كتابُ ولا سنة. فأوجبوا بقاء تلك الأحوال، ما هو قائم منها وما يقوم، واعتبارَها أصلا يُصارُ إليه إذا حدث بسبب حال منها نزاع، وسَمَّوا علةَ هذا الاعتبار الإجماعَ. وجعلوه من أدلة التشريع الإسلامي ومصادره"! ولست أحب أَن أجادله في النظرية التي أتى بها: أصحيحة أَم باطلة؟ وإنما أحب أَن أسائله عن صحة نقله. فإنه نَقَل أَن المسلمين عملوا هذا الذى زعم، وأنهم سَمَّوْه إجماعًا. فهو ينسب هذه النظرية لعلماء الإسلام على أنها هي الإجماع الذى بحتجون به ويجعلونه أَحدَ الأدلة الأربعة. أى أنه يجعل هذا هو تعريف الإجماعِ عندهم. والذين بحثوا في الإجماع، واستدلوا به, واعتبروه أَحدَ الأدلة، هم علماء الفقه وعلماء الأصول. فأنا أسأل معاليه: أين وَجَد في كتاب من كتب الفقه أو من كتب

стр. 78

الأصول هذا التعريفَ للإجماع؟ سواء أكان من كتب المذاهب الأربعة أم من غيرها، من مذاهب الشيعة الإمامية أو الظاهرية أَو الزيدية، أو أي مذهب من مذاهب علماء الإسلام؟! وليس له أَن يدعيَ أن هذا رأيةُ، وأَنه حر أَن يَرى ما يعتقد صحته. قليس المقامُ مقام رأي له, وإنما المقام مقامُ نقل أَطلقه عن علماء الإسلام جميعا، نسب إليهم فيه تعريفاً للإجماع لم يقله أَحد منهم قط، على كثرة الأقوال التي قالوا في تعريفه. ولا مناص له من أَن يجيب. وعليه أن يذكر الكتابَ الذي نقل منه ويذكرَ الجزء والصفحة منه، ويُعَيِّنَ طبعةَ الكتاب إن كان مطبوعا ومكانَ وجوده إن كان مخطوطا!! فإن لم يفعلْ - ولن يفعلَ - فقد عرفنا مقدارَ أَمانته في النفل، ومبلغَ علمه ببديهيات الإسلام! وسنرى. * * * وهذا الرجل الذي بلغ علمه بالقرآن وباللغة وبعلوم الإسلام ما ترى، والذي أشرب في قلبه قوانين الإفرنج حتى لا يسع غيرها، لم يكد يمسك القلم حتى خلق فرصة، لا أدري كيف خلقها، لإبراز ما يحمل قلبه من ضغن على التشريع الإسلامي، ولتقديس قوانين الإفرنج

стр. 79

والإشادة بها، وللذود عنها، خشية أن يفوز القائمون بالدعوة إلى تشريع مقتبس من الكتاب والسنة موافق لروح الإسلام وعقائد المسلمين. فخرج عن موضوع بدعته الميتة "بدعة الحروف اللاتينية" إلى موضوع لا صلة له بها من قريب أو بعيد. ولكن الله أراد أن يوفقه للإبانة عن ذات نفسه، والكشف عن خبيئة قلبه، ليوقن الناس أن بدعة الحروف اللاتينية جزء من خطة مرسومة واضحة مدمرة، يظن أصحابها أن سيفلحون. وذلك أنه أراد أن يرد على الكاتب القدير: "السيد محب الدين الخطيب" في نقده بدعته، وأن يسوطه بلسانه الحاد، فوجد من أبرز عيوبه عنده أنه يدعو إلى العمل بالشريعة الإسلامية بدلاً من القوانين الأجنبية، فثارت ثائرته، وأخذته الحمية، غيرة على مقدساته أن تُنتقص من أطرافها، أو خشية أن تقتلع من جذورها، فتعود الأمة المصرية عربية الثقافة، عربية التفكير، عربية الدين. فذهب يهزأ بكل التشريع الإسلامي، ويسخر من علماء الإسلام، فإذا اضطره هواه أن يكرمهم بالقول خديعة للناس، افترى عليهم ورماهم بما إن صدق فيه كانوا غير مسلمين. وسأنقل لكم بعض قوله في ذلك كله بحروفه، معرضاً عن فضول القول، مما سود به صحف كتابه، فاقرؤوا واعجبوا.

стр. 80

قال معاليه: "ولأني، من ناحية أخرى، رأيت أن له -يعني السيد محب الدين -غرضاً أساسياً يسعى إليه، هو تسويء كل القوانين الوضعية القائمة الآن في البلاد، والرجوع إلى ما بناه الفقهاء الأكرمون من صرح الشريعة الغراء، وهو غرض مهم في ذاته، ومن شأنه أن يدفع إلى الإشادة بما ترك الليث بن سعد وباقي السلف الصالح من الآثار، كما يدفع إلى النعي على كل حادث يُتوهم منه المساس بتلك المخلفات" ص٤٠. وقال: "إن الدين لله. أما سياسة الإنسان فللإنسان وما لله ثابت لا يتغير، لأن الله حي قيوم أبدي، يستحيل عليه التغير، أما ما للإنسان فكالإنسان يتغير ويتبدل ويحول ويزول بفعل الزمان والمكان والأحداث، وإذا كان أحد لا يستطيع في الإسلام أن يمس العقائد وفرائض العبادات، فإن الحاكم في الإسلام عليه، بهذا القيد، أن يسوس الناس عاملاً على أن يحقق مصالحهم بحسب الزمان والمكان ومقتضيات الظروف والأحوال، مؤسساً عمله على الحق، خائطاً له بسياج من العدل الذي بدونه لا تنتظم أمور العباد. فهل يرى حضرة الطابع أو الكاتب في القوانين الموجودة الآن، من مدنية وتجارية وجنائية ومالية وإدارية، ومن نظم للهيئات المكلفة بتطبيقها وللهيئات التشريعية العليا المختصة بسنها وإصدارها -هل يرى في تلك النظم والقوانين ما

стр. 81

يخالف شيئاً من عقائد المسلمين أو يعطل فرضاً من فروض الدين؟ أو لا ينظر ويسمع هو ومن لف لفه، إن كان لهم أعين يبصرون بها أو آذان يسمعون بها، أن في الدولة المصرية من تلك النظم هيئة اسمها وزارة الأوقاف قائمة بتعمير مساجد الله وإقامة شعائر الدين في بيوت الله؟ وهل يحسب أن فقهاءنا الأكرمين لو كان الله مد في أجلهم إلى اليوم، كانوا يأخذون في سياستنا بغير الموجود الآن من القوانين التي تتطور بالاستمرار تبعاً لأحوال الناس بل وللظروف العالمية جمعاء". ثم يقول له جواباً عن هذا السؤال: "إنك لن تستطيع الجواب. لأنك إن أجبت سلباً كذبت على السلف الصالح علنا"!! ص٤٢. ويقول أيضاً مستهتراً مُصِراً على رفض التشريع الإسلامي: "إننا الآن عيال على الأوربيين لا في خصوص العلوم والفنون فحسب، بل كذلك في أمور التشريعات والقوانين، وإن ثقل عليك قولي فسل رجال كلية الحقوق وكلية التجارة، وأقلام قضايا الحكومة التي تجهز مشروعات القوانين، وسل كل من بالمحاكم الأهلية والمختلطة من القضاة المصريين ومن يشتغل لديها من المحامين المصريين. سلهم يأتوك جميعاً بالخبر اليقين. ومن أجل هذا، مضافاً إليك طريقتك العوجاء في خدمة الدين، يؤسفني أني لن أجيب رغبتك في الرجوع لسلفنا الصالح، في أمر القوانين" ص٤٤ - ٤٥.

стр. 82

ثم يزداد إصراراً وتقديساً للسادة الأوروبيين فيقول: "وإذا كنت -على ما أظن- لم تتصل أنت ولا من يكتب لك، بقوانين الأوربيين ولم تدرس شيئاً من قوانين الأوربيين، فهل ترى لنفسك حقاً في الموازنة بين عمل سلفنا الصالح وعمل الأوربيين؟ لو سمحت لي بأن أدلك على الحق الواقع لما أحجمت عن إفادتك، بل سماحك ليس في العِير عندي ولا في النفير. اعلم معلماً، أن العقول التي كشفت لك عن عجائب الكهرباء وفجرت لجارك ينابيع النور في كل زاوية من أركان بيته العامر، وأغنته عن المسارج والقناديل وهمّ المسارج والقناديل، وهيأت للناس التلغراف السلكي واللاسلكي، وكشفت لك عن خواص الراديو فجعلت سمعك الضعيف يدرك ما يحدث بأقصى بقعة في الكرة الأرضية من الأصوات، كما كشفت لك عن معجزات الطيران الذي طبق عليك وعلي وعلى جميع الناس أرجاء السماء، هذه العقول الجبارة لها أخ من أبويها يشتغل إلى جانبها بمسائل القانون، ويسمو في بيئته إلى ما يسمو إليه إخوته الآخرون" ص٤٥. ثم لا يزداد إلا إصراراً وجهلاً بالدين وبأصول التشريع فيقول: "ارجع إلى عمل الصالحين السابقين يُفِدْك في العبادات والمعتقدات، لأنها لا تتغير بمر السنين، أما أحوال الاجتماع وسياسة الاجتماع وقوانين الاجتماع، فاتركنا أنت وغيرك نساير فيها أمم الأرض، ما دام قُوّامنا فيها، على كره منك،

стр. 83

يحترمون الدين ولا يخلون بشيء من أمور الدين. أنا وأنت مقتنعان بأن عملك وعمل كثير من أضرابك دنيوي واه لا شأن له بالدين، لأني أفهم الدين، ولأنك أنت ترى بعيني رأسك أن جهات التشريع عندنا تشتغل في دائرة غير دائرة الدين" ص٤٦. هذا بعض قوله بحروفه. وأستغفر الله من حكايته، ولولا الضرورة إلى نقله لنقضه والتحذير منه لما فعلت: ١ - وقد بدأ معالي الباشا استدلاله بكلمة منكرة "أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان" وما هذه الكلمة إلا تحريف أو تحوير لكلمة ليست إسلامية، وليست عربية، كلمة فيها خنوع وخور واستسلام لاستبداد القياصرة، لا يرضاها مسلم، ولا يرضاها عربي. نعم: إن الدين كله لله، وإن الأمر كله لله. ولكن هذا الرجل والذين يظاهرونه يريدون أن يفهموا الدين على غير ما يعرف المسلمون، وعلى غير ما أنزل الله في القرآن وعلى لسان الرسول. يريدون أن يَنفُثوا في روع الأغرار والجاهلين أن الدين هو العقائد والعبادات فقط، وأن ما سواهما من التشريع ليس من أمر الدين، عدواً منهم وبغياً، واستكباراً وعتواً، على المسلمين، بل جهلاً وعجزاً، ثم استكانة وذلاً، للسادة الأوربيين "ذوي العقول الجبارة". ثم لا يستحي أحدهم أن يدعي أنه

стр. 84

يفهم الدين، وأن يزعم أنه مكتف بما يسّر الله له من دينه، وأنه موقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين!! ٢ - والأدلة في القرآن وبديهيات الإسلام على وجوب اتباع ما أنزل الله في كتابه وعلى لسان رسوله، في العقائد والعبادات، وأحكام المعاملات والعقوبات وغيرها، متوافرة متواترة، لا ينكرها مسلم ولا يستطيع. وأظن أن معالي الباشا سمع مرة أو مرات قول الله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [سورة المائدة الآية: ٤٤]. وقوله سبحانه: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) [سورة الماءدة: ٤٩]. أيجرؤ معاليه أن يتأول هذه الآيات ونحوها على أنها في العقائد والعبادات؟ وإن جرؤ على ذلك، فماذا هو قائل في قول الله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً) [سورة الأحزاب: ٣٦]. وقوله: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ

стр. 85

مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) [سورة النور: ٤٧ - ٥١]. أفيجرؤ أن يتأولها أيضاً على العقائد والعبادة؟ أم هو يلعب بالألفاظ والألباب! ٣ - ولقد كررت الدعوة إلى الأخذ بالتشريع الإسلامي المستند إلى الكتاب والسنة، وأسهبتُ في الدلالة على وجوب العمل به، في مناسبات عدة، أهمها محاضرة (٦ ربيع الأول سنة ١٣٦٠هـ - ٣ أبريل سنة ١٩٤١م) وهي التي جعلناها القسم الثاني من هذا الكتاب. ٤ - ولست أدري وجه استدلال هذا الرجل العجيب بصفات الله الحسنى، وأنه أبديّ يستحيل عليه التغيّر، وبأن الإنسان يتغير ويتبدل، على صحة رأيه في رفض التشريع الإسلامي؟! وما أظن أن أحداً يدري! ما لهذا وما للتشريع!! إن الله سبحانه، وهو الحي القيوم، أنزل على رسوله شريعة كاملة، في العقائد والعبادات والمعاملات كلها، وأمر بطاعتها كلها، وجعل من يرفض شيئاً منها خارجاً عليها، حتى إنه ليقول لرسوله: (أَلَمْ تَرَ

стр. 86

إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً) [سورة النساء: ٦٠ - ٦١]. ثم يقول له في هذه الآيات: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) [٦٥]. ٥ - وإني أسأل معالي الباشا سؤالاً واضحاً صريحاً، أرجو أن يجيبني عنه جواباً واضحاً صريحاً، لا حَيْدة فيه ولا دوران: ما يقول هو وأمثاله في قول الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) أهو فرض من فرائض الدين، واجب الطاعة على المسلمين، في كل زمان ومكان؟ أم هم يرونه أمراً قد سقطت طاعته عن المسلمين، بأنهم أخذوا أخذ الأوربيين، وبأنه في شأن من شؤون الإنسان، و"أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان؟ " (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً). ٦ - وهذا الاستدلال الطريف المدهش، بصفات الله الحسنى على إلغاء الشريعة الإسلامية! أيجد له هذا الرجل مثيلاً في استدلال العقلاء؟ لقد أعجبتني كلمة قالها الأخ الدكتور عبد الوهاب عزام، فيما

стр. 87

دفع به عدوان الباشا عليه، قال: "وليت شعري أهذا رأي حديث عرض لسعادة الأستاذ، أم كان بهذه الطريقة نفسها يعالج قضايا الناس محامياً ونائباً وقاضياً؟ " (مجلة الرسالة العدد ٥٨٧ في ٢ أكتوبر سنة ١٩٤٤م). وصدق الدكتور عزام، فإن مغالطات الرجل في استدلاله بلغت حداً يسقط معه كل مناظرة. ولولا خشيةُ أن يُخْدَع ناس بشيء مما لعب به لما عبأنا بالرد عليه، ولأعرضنا عنه إعراضاً. وإن استكثرتم عليه هذا الوصف فاقرؤوا اعتذاره بين يدي شتمه للدكتور عزام وسخريته منه في ص٦٦ من كتابه، إذ يقول تبريراً لما جنى عليه: "على أن القلم والمداد والقرطاس كل أولئك ملك يدي، وانتفاع المرء بما يملك حلال في الشرع والقانون"!! أفرأيتم أيها الناس حجة كهذه الحجة؟! وممن؟ من رجل وُسِم في وقت من الأوقات بأنه أكبر رجال القانون في مصر! ما أظن أن رجلاً من أضعف الناس مدارك يرضى لنفسه أن يبرر عدوانه على غيره بمثل هذا الكلام، ولكنه الاستعلاء والطغيان. ٧ - ولطالما سمعنا اعتذار المسرفين على أنفسهم، ممن يأبون العود بالأمة إلى تشريعها الإسلامي، ولطالما جادلناهم، فما رأينا أحداً منهم أجرأ على الله وعلى الدين من هذا الباحث العلامة!

стр. 88

ما زعم لنا واحد منهم قط "أن الدين لله، وأما سياسة الإنسان فللإنسان" وأن "الحاكم في الإسلام عليه أن يسوس الناس على ما يحقق مصالحهم، مؤسساً عمله على الحق والعدل، على أن لا يمس العقائد وفرائض العبادات". لأن معنى هذا الكلام الخروج بالإسلام عن حقيقته، وجعله دين عبادة فقط، وإنكار ما في القرآن والسنة الصحيحة من الأحكام في كل شؤون الإنسان. والقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة، في المسائل المدنية والتجارية، وأحكام الحرب والسلم، وأحكام القتال والغنائم والأسرى، وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص. فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا، وأعظم على الله الفرية، وظن أن لشخص كائناً من كان، أو لهيئة كائنة من كانت، أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه. وما قال هذا مسلم قط ولا يقوله، ومن قاله فقد خرج الإسلام جملة، ورفضه كله. وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. ٨ - إنهم كانوا يدورون حول هذا المعنى ويجمجمون ولا يصرحون، حتى كشف هذا الرجل عن ذات نفسه، وأخشى أن يكون قد كشف عما كانوا يضمرون. ولكني لا أحب أن أجزم في شأنهم، فلسنا نأخذ الناس بالظنة، وحسابهم بين يدي الله يوم القيامة.

стр. 89

٩ - وأعجب ما في الأمر أن يسأل معالي الباشا السيد محب الدين الخطيب: "هل يرى في تلك النظم والقوانين ما يخالف شيئا من عقائد المسلمين أو يعطل فرضاً من فرائض الدين؟ " وسأجيبه أنا جواباً حاسماً: نعم، إن القوانين الإفرنحية والنظم الأوربية، فيها كثير مما يخالف عقائد المسلمين، وفيها تعطيل لكثير من فروض الدين. فيها إباحة الخمور علناً، والترخيص رسمياً ببيعها، بتصريح كتابي يوقّع عليه وزير من وزراء الدولة أو موظف كبير من موظفيها. بل إن فريقاً من رجال الدولة الكبار لا يخجلون أن تدار عليهم الخمور في حفلات رسمية، ينفق عليها من أموال الدولة، بحجة أن هذا إكرام لمدعويهم من الأجانب، أو بما شئت من حجج تجردت من الحياء. حتى إن الدهماء ومن يسمونهم بسمة "الطبقة الراقية" اقتدوا بساداتهم وكبرائهم، واستغلوا هذه القوانين فيما يُذهب عقولهم ويذيب أموالهم، فانحطوا إلى الدرك الأسفل. وفيها إباحة الميسر بكل أنواعه، بشروط ورخص وضعوها فخربت البيوت، واختلت الأعصاب والعقول، مما هو مشاهد، يعجز قلمي عن وصفه. وفيها إباحة الفجور بطرق عجيبة، من حماية الفجار من الرجال

стр. 90

والنساء، من سلطان الآباء والأولياء، بحجة حماية الحرية الشخصية. ثم ما في الحانات والمواخير، ثم اختلاط الرجال والنساء، ثم المصايف وما فيها من البلاء، ثم هذه المراقص العامة والخاصة، بل المراقص التي تنفق عليها الدولة في الحفلات والتمثيل، اقتداء بالسادة الأوربيين" ذوي العقول الجبارة التي كشفت الكهرباء والراديو ومعجزات الطيران"! وفيها إبطال الحدود التي نزل بها القرآن كلها، مسايرة لروح التطور العصري، واتباعاً لمبادئ التشريع الحديث! وتباً لهذا التشريع الحديث وسحقاً. وفيها إهداء الدماء في القتلى، باشتراط شروط لم ينزل بها كتاب ولا سنة، في الحكم بالقصاص. مثل شرط سبق الإصرار، مع العمد الموجب وحده للقصاص في شرعة الإسلام. ومثل البحث فيما يسمونه "الظروف المخففة" و"درس نفسية الجاني وظروفه". ومثل جعل حق العفو للدولة، لا لولي الدم، الذي جعل الله له وحده حق العفو بنص القرآن، فأهدرت الدماء، وفشا القتل للثأر، حتى لا رادع. والأمة والحكومة والصحف وغيرها، تتساءل عن علة ازدياد جرائم القتل؟ والعلة في هذه القوانين، التي خالفت العرف والدين. إلى غير ذلك ما لا نستطيع أن نحصيه في هذه الكلمة

стр. 91

وكل هذه الأشياء وأمثالها تحليل لما حرم الله، واستهانة بحدود الله، وانفلات من الإسلام. وكلها حرب على عقائد المسلمين، وكلها تعطيل لفروض الدين. ١٠ - ولسنا ننعيَ على هذه القوانين كل جزئية فيها، بالضرورة، ففيها فروع في مسائل مفصلة، تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة، ولكنا ننكر المصدر الذي أخذت منه، وهو مصدر لا يجوز لمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله. فالكتاب والسنة وحدهما هما الإمام، نستنبط منهما وفي حدودهما ما يوافق كل عصر وكل مكان، مسترشدين بالعقل وقواعد العدل. ولكنا نسخط على الروح الذي يملي هذه القوانين ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في كثير من المسائل الخطيرة، والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن، وعلى البديهي من قواعد الإسلام، وأن يصبغوها صبغة أوربية، مسيحية أو وثنية، إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث!! وهم، في نظر الشرع، مخطئون إذا ما أصابوا، مجرمون إذا ما أخطؤوا. أصابوا عن غير طرق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنهما ابتغاء مرضاة غير الله، جهلوهما

стр. 92

جهلاً عجيباً. وأخطؤوا عامدين أن يخالفوا ما أمرهم به ربهم، ساخطين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم. والحجة عليهم قول كبيرهم: "إن جهات التشريع عندنا تشتغل في دائرة غير دائرة الدين"!! وإصراره على أنه لو كان قوياً في صحته فلن يجيب إلى "الرجوع لسلفنا الصالح في أمر القوانين". ١١ - والفرية الكبرى أن يرمي معالي الباشا فقهاءنا وأئمتنا السابقين، بما يخرجهم من الدين! فإنه سأل محب الدين: "هل يحسب أن فقهاءنا الأكرمين، لو كان الله مد في أجلهم إلى اليوم، كانوا يأخذون في سياستنا بغير الموجود الآن من القوانين"؟ ثم لم يتريث حتى يجيبه محب الدين أو غيره، فبادر بالجواب، مثبتاً عليهم هذا الذي زعم، غير عابئ أن يخاصموه جميعاً فيَخْصِموه، بين يدي الله يوم القيامة، بأنه وصمهم بما لم يخطر ببال أحد غيره، وحسابه على الله. ونحن نجيبه الجواب الحاسم الصحيح: أن سلفنا الصالح لو مد الله في أجلهم إلى اليوم، ما رضوا عن هذه القوانين، وما خنعوا لها وما استكانوا، بل ما جرؤ أحد أن يفكر في وضعها لبلاد المسلمين. وليس الذي ينفي عنهم عار هذه السُّبَّة هو الذي يكذب عليهم علناً، وهم أجلّ في أنفسهم وفي نفوس المسلمين، من أن يصدق عليهم ما رماهم به معاليه. ومن ظن بهم غير ذلك، فقد جهل العلم والدين، وأنكر التاريخ،

стр. 93

أو قال غير الحق، زراية بهم وإسرافاً عليهم، وهو يعلم أن الحق غير ما قال. يا صاحب المعالي: لعلي قد قسوت عليك بعض القسوة، بما لم تعتد أذنك سماعه من المتزلفين والمجاملين، وما أريد إلا الدفاع عن الإسلام وبيان حقيقته، والدفاع عن القرآن ومنع العبث به، والمحافظة على العربية ووحدة أممها. وقد يكون في هذا فائدة عظيمة في عاقبة أمرك، أن تعرف الإسلام وحقوقه، وترجع عما أخطأت فيه، فإن الرجل الحازم يعرف كيف يرجع إلى الحق علناً، كما حاد عنه علناً. فإن أبيت فلا تنس بيت بشر بن أبي خازم: ولا يُنْجي من الغمرات إلا ... بُراكاء القتال أو الفرار * ... * ... * أحمد محمد شاكر الأحد ٢٨ شوال سنة ١٣٦٣. ١٥ أكتوبر سنة ١٩٤٤