← Общие книги

Общие книги · id 14243

حكم الجاهلية

أحمد شاكر

Полный текст (258 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حكم الجاهلية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أحمد محمد شاكر ترجم للمؤلف وعرّف به محمود محمد شاكر

стр. 2

بين يدي الكتاب * كلمة عن الكتاب ونشره: بقلم الأستاذ أسامة أحمد شاكر "ابن المؤلف ﵀". * كلمة حول تحكيم القوانين الوضعية: بقلم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ. مفتي الديار السعودية -رحمه الله تعالى-. * ترجمة المؤلف ﵀: بقلم العلامة محمود محمد شاكر "شقيق المؤلف ﵀".

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشيخ أحمد محمد شاكر علم من أعلام العصر ١٣٠٩ - ١٣٧٧ هجرية = ١٨٩٢ - ١٩٥٨ ميلادية ولد والدي الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ يوم الجمعة ٢٩ من جمادى الآخرة سنة ٣٠٩ هـ الموافق ٢٩ يناير سنة ١٨٩٢م وتوفي صباح يوم السبت ٢٦ من ذي القعدة سنة ١٣٧٧هـ الموافق ١٤ يونية سنة ١٩٥٨م. وقد رغبت مكتبة السنة تكريمه بإصدار كتاب أسمته "حكم الجاهلية" وذلك بمناسبة مرور مائة عام على ميلاده في يناير ١٩٩٢م. وهذا الكتاب عبارة عن موضوعات شتى للشيخ أحمد محمد شاكر في كتب ومقالات متفرقة تناولت موضوعاً يكاد يكون واحداً عن حكم الجاهلية، فرجعت إلى كتب عمدة التفسير (مختصر تفسير ابن كثير) والمسند والسمع والطاعة والكتاب والسنة والعمدة ومقالات وردت في كتاب "كلمة الحق" وفي مجلة الفتح والهدي النبوي، ونشكر مكتبة السنة على هذا العمل القيم. أما بالنسبة لوالدي الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه الله تعالى-، فإنه بحق كان علماً من أعلام العصر وذلك بشهادة كل من عرفه أو عاصره أو قرأ له سواء في مصر أو في العالم العربي والإسلامي بل والمستشرقين. وهو قد درس العلم في بدء حياته بكلية غوردون بالسودان حينما كان والده

стр. 4

الشيخ محمد شاكر ﵀ قاضياً لقضاة السودان، ثم التحق بمعهد الإسكندرية (الذي أنشأه والده) بعد العودة من السودان، وأكمل دراسته بالأزهر الشريف حتى حصل على العالمية، ثم التحق بالتدريس لعدة أشهر ثم التحق بالقضاء الشرعي. ولكن توليه منصب القضاء لم يمنعه من القراءة والبحث الدقيق في كتب الحديث والتفاسير، فوضع نصب عينيه أن يحقق كتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل فبدأ في ذلك، قبل مولدي، وعلى ما علمته منه بدأ ذلك سنة ١٩١١م وهو في بدء شبابه واستمر يقرأ ويراجع ويعلق في مسودات حتى سنة ١٩٤٣م حينما أخرج الجزء الأول من كتاب المسند بعد ٣٢ سنة من القراءة والتحقيق وهو جهد لم يدانيه فيه أحد حتى الآن بهذه الدقة في التحقيق وتخريج الأحاديث النبوية، وكان يقوم بهذا الجهد بجانب عمله في القضاء الذي بدأه بالعمل موظفاً قضائياً ثم قاضياً ثم نائباً لرئيس محكمة ثم رئيساً لمحكمة حتى عين عضواً بالمحكمة العليا الشرعية إلى أن أحيل إلى المعاش في يناير ١٩٥٢م. وكان في عمله في القضاء يصدر أحكامه بعد مراجعة دقيقة بالرجوع إلى كتب الفقه والحديث والسنة وبالاجتهاد، مما أفضى به إلى مخالفة القدماء والمحدثين في أمور شتى وأيد رأيه بالأدلة البينة وذلك كان ديدنه في تحقيق الكتب كذلك. هذا وقد صدرت في حياته كثير من الكتب أهمها ١٦ جزءاً من كتاب المسند للإمام أحمد بن حنبل وخمسة أجزاء من كتاب عمدة التفسير (مختصر تفسير ابن كثير) وجزءان من كتاب سنن الترمذي والجزء الأول من صحيح ابن حبان والرسالة للإمام الشافعي وجماع العلم للشافعي والشعر والشعراء لابن قتيبة (جزءان) والمحلى لابن حزم ولباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ وشارك شقيقه الأستاذ الأديب محمود محمد شاكر (أطال الله بقاءه) في كتاب تفسير الطبري كما شارك ابن

стр. 5

خاله الأستاذ عبد السلام محمد هارون ﵀ في تحقيق كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت والمفضليات والأصمعيات، كما شارك شقيقه الشيخ علي محمد شاكر ﵀ في تحقيق بعض الكتب، كما شارك الشيخ محمد حامد الفقي في إخراج كتاب سنن أبي داود. ومرة ثانية نشكر مكتبة السنة على هذا الجهد في تجميع هذه الآراء في كتاب واحد لتكون مرجعاً لكل باحث عن الحقيق، فالشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ كان يرى أن تبحث أمور الدين بمقارعة الرأي بالرأي الآخر دون شطط ودون الالتجاء إلى الآراء الشاذة التي لا تستند إلى سند من القرآن والحديث لتبرير آرائهم، والله الموفق. ٢١/ ١٢/١٩٩١م أسامة أحمد شاكر

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تحكيم القوانين بقلم سماحة الشيخ / محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي الديار السعودية، -رحمه الله تعالى- إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله : (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء:٥٩] وقد نفى الله الإيمان عن من لم يُحكموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم، نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) [النساء:٦٥] ولم يكتف تعالى وتقدّس منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ ، حتى يُضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: (ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ). والحَرَج: الضيق. بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.

стр. 7

ولم يكتف تعالى أيضاً هنا بهذين الأمرين، حتى يضمّوا إليهما التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه ﷺ ، بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه (تَسْلِيماً) المبين أنه لا يُكْتفى ها هنا بالتسليم ... بل لا بد من التسليم المطلق. وتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً). كيف ذكر النكرة وهي قوله: (شَيْءٍ) في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ) المفيد العموم، فيما يُتصوّر التنازع فيه جنساً وقَدْراً، ثم تأمل كيف جعل ذلك شرطا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، ثم قال جل شأنه: (ذَلِكَ خَيْرٌ) فشيء يُطلق الله عليه أنه خير، لا يتطرق إليه شر أبداً، بل هو خير محض عاجلاً وآجلاً ... ثم قال: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: عاقبة في الدنيا والآخرة، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول ﷺ عند التنازع شر محض وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة. عكس ما يقوله المنافقون: (إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً)، وقولهم: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) [البقرة:١١] ولهذا رد الله عليهم قائلاً: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة:١٢]. وعكس ما عليه القانونيون

стр. 8

من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم إليه وهذا سوء ظن صِرْف بما جاء به الرسول ﷺ ، ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة إن هذا لازم لهم. وتأمل أيضاً ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) فإن اسم الموصول مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع، كما أنه من ناحية القَدْر، فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ من المنافقين، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً)] النساء: ٦٠]. فإن قوله : (يَزْعُمُونَ) تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد. فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك أنه من حق كل أحد أن يكون حاكما بما جاء به النبي ﷺ فقط لا بخلافه، كما أن من حق كل أحد أن يُحاكم إلى ما جاء به النبي ﷺ ، فمن حاكم

стр. 9

بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حده، حكماً أو تحكيما، فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حده. وتأمل قوله : (وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ) تعرف منه معاندة القانونيين، وإراداتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعاً والذي تُعبِّدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه، (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) [البقرة:٥٩]. ثم تأمل قوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ) كيف دل على أن ذلك ضلال، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون من بُعْدهم من الشيطان، وأن فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن وما بُعثَ به سيد ولد عدنان معزولاً من هذا الوصف، ومنحى عن هذا الشأن، وقد قال تعالى منكراً على هذا الضرب من الناس، ومقرراً ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحاً أنه لا حكم أحسن من حكمه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠] فتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية، شاءوا أم أبوا، بل هم أسوء منهم حالا، وأكذب منهم مقالا، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد. وأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به

стр. 10

الرسول ﷺ ، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً) [النساء:١٥١] ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله : (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:٥٠] قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم "جنكيز خان" الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء،

стр. 11

العادل في كل شيء" [انتهى قول الحافظ ابن كثير]. وقد قال عز شأنه قبل ذلك مخاطبا نبيه محمد ﷺ : (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) [المائدة: ٤٨] وقال تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ) [المائدة: ٤٩] وقال تعالى: مخيراً نبيه محمداً ﷺ ، بين الحكم بين اليهود والإعراض عنهم إن جاءوه لذلك: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: ٤٢] والقسط هو: العدل، ولا عدل حقاً إلا حكم الله ورسوله، والحكم بخلافه هو الجور، والظلم والضلال والكفر، والفسوق، ولهذا قال تعالى بعد ذلك: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة:٤٤] (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: ٤٥] (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [المائدة:٤٧]. فانظر كيف سجل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يسمّي الله سبحانه الحاكمَ بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً، بل هو كافر مطلقاً، إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد، وما جاء عن ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر إما كفر اعتقاد ناقل عن الملة، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة، أما الأول، وهو كفر الاعتقاد فهو

стр. 12

أنواع: أحدها أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعي وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المتقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلاً من أصول الدين أو فرعا مجمعاً عليه، أو أنكر حرفا مما جاء به الرسول ﷺ قطعيا، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة. الثاني: أن لا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقا، لكن اعتقد أن حكم غير الرسول ﷺ أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، وهذا أيضاً لا ريب أنه كفر، لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصِرْف حثالة الأفكار، على حكم الحكيم الحميد. وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث، فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، نصاً أو ظاهراً أو استنباطاً أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، وليس معنى ما ذكره العلماء من تغيُّر الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قل نصيبهم أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها، حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية وتصوراتهم الخاطئة الوبية، ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها منقادة

стр. 13

إليها، مهما أمكنهم فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه، وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان مراد العلماء منه: ما كان مستصحبه فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى، ورسوله ﷺ ، ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وإنهم لا يقولون إلا على ما يلائم مراداتهم، كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد. الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، في كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة، لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: ١١] ونحوها من الآيات الكريمة، الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين، في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه. الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله، فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، فهذا كالذي قبله يصدُق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة تحريمه. الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقه لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعداداً وإمداداً

стр. 14

وإرصاداً وتأصيلا، وتفريعاً وتشكيلا وتنويعاً وحكما وإلزاماً، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهذه المحاكم مراجع، هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك. فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون، وتلزمهم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم. فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة. وذِكْر أدلة جميع ما قدمنا على وجه البَسْط معلومة معروفة، لا يحتمل ذكرها هذا الموضع، فيا معشر لعقلاء! ويا جماعات الأذكياء وأولي النهى! كيف ترضون أن تجري عليكم أحكام أمثالكم، وأفكار أشباهكم، أو من هم دونكم، ممن يجوز عليهم الخطأ، بل خطأهم أكثر من صوابهم بكثير، بل لا صواب في حكمهم إلا ما هو مستمد من حكم الله ورسوله، نصا أو استنباطا، تدعونهم يحكمون في أنفسكم ودمائكم وأبشاركم، وأعراضكم وفي أهاليكم من أزواجكم وذراريكم، وفي أموالكم وسائر حقوقكم، ويتركون ويرفضون أن يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله، الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل

стр. 15

من حكيم حميد، وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد، الرؤف الرحيم، دون حكم المخلوق، الظلوم الجهول، الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم، والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض، والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفراً بنص قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر، والقبائل من البوادي ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم، وعاداتهم التي يسمونها "سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به ويحصلون على التحاكم إليه عند النزاع، بقاءاً على أحكام الجاهلية، وإعراضاً ورغبة عن حكم الله ورسوله، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وأما القسم الثاني من قسمي كفر الحاكم بغير ما أنزل الله، وهو الذي لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس ﵄ لقول الله : (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قد شمل ذلك القسم، وذلك في قوله ﵁ في الآية: "كفر دون كفر" وقوله أيضاً: "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه" اهـ. وذلك أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية، بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن

стр. 16

حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ، ومجانبة الهدى. وهذا وإن لم يخرجه كفره عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر، والسرقة واليمين الغموس، وغيرها، فإن معصية سماها الله في كتابه: "كفراً"، أعظم من معصية لم يسمها كفرا، نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقياداً ورضاءاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمد محمد شاكر "إمام المحدثين" محمود محمد شاكر في الساعة السادسة بعد فجر يوم السبت ٢٦ من ذي القعدة سنة ١٣٧٧ هـ =١٤ من يونية سنة ١٩٥٨م، فقد العالم الإسلامي إماماً من أئمة علم الحديث في هذا القرن، هو الأستاذ أحمد محمد شاكر، المحدث المشهور، وهو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية، قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى. وكان له اجتهاد عُرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمحدثين، ونصر رأيه بالأدلة البيِّنة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم، على قلّتهم. وقد تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة، فكانت له أحكام مشهورة في القضاء الشرعي، قضى فيها باجتهاده غير مقلّد ولا متّبع، وكان اجتهاده في الأحكام مبنياً على سعة معرفته بالسنة النبوية، التي اشتغل بدراستها منذ نشأته إلى أن لقي ربه. وهو أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر من آل أبي علياء، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوه الإمام العلامة الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقاً، وجدّه لأمّه هو العالم الجليل الشيخ هارون عبد الرازق، وأبوه وأمه جميعاً من مديرية جرجا بصعيد مصر.

стр. 18

وَوُلِد الشيخ أحمد، ﵀، بعد فجر يوم الجمعة ٢٩ من جمادى الآخرة سنة ١٣٠٩، الموافق ٢٩ من يناير سنة ١٨٩٢، بمنزل والده بدرب الإنسية، بقسم الدرب الأحمر، بالقاهرة. وسماه أبوه: "أحمد شمس الأئمة، أبو الأشبال"، وكان أبوه يومئذ أميناً للفتوى مع أستاذه الشيخ العباسي المهدي، مفتي الديار المصرية. فلما صدر الأمر بإسناده منصب قاضي قضاة السودان، إلى والده الشيخ محمد شاكر، في ١٠ من ذي القعدة سنة ١٣١٧هـ=١١ من مارس سنة ١٩٠٠م عقب خمود الثورة المهدية، رحل بولده إلى السودان، فألحق ولده "أحمد" بكلية غوردون، فبقي تلميذاً بها حتى عاد أبوه من السودان، وتولى مشيخة علماء الإسكندرية في ٢٦ من أبريل سنة ١٩٠٤، فألحق ولده من يومئذ بمعهد الإسكندرية الذي يتولاه. وكان السيد أحمد منذ عقل وطلب العلم، محباً للأدب والشعر، كدأب الشباب في صدر أيامه، فاجتمع في الإسكندرية وأديب من أدباء زمانه في هذا الثغر؛ هو الشيخ عبد السلام الفقي، من أسرة الفقي المشهورة بالمنوفية، فحرضه على طلب الأدب، وحرّض معه أخاه علياً، وهو أصغر منه، وصار يقرأ لهما أصول كتب الأدب في المنزل زمناً طويلاً. ثم أراد الشيخ عبد السلام أن يختبر تلميذيه، فكلفهما إنشاء قصيدة من الشعر، فعمل علي --أطال الله بقاءه-، أبياتاً، أما أحمد فلم يستطع أن يصنع غير شطر واحد ثم عجز؛ فمن يومئذ انصرف أخوه علي إلى الأدب، وانصرف هو إلى دراسة علم الحديث بهمة لا تعرف الكلل منذ سنة ١٩٠٩ إلى يوم وفاته. ولكنه لم ينقطع قط عن قراءة الآداب: حديثها وقديمها، مؤلفها ومترجمها، كما سيظهر بعد من الكتب التي تولى نشرها في حياته ﵀. وكان أول شيوخه في معهد الإسكندرية الشيخ "محمود أبو دقيقة"، وهو أحد

стр. 19

العلماء الذين تركوا في حياة الفقيد أثراً لا يمحى؛ فهو الذي حبب إليه الفقه وأصوله، ودرّبه وخرّجه في الفقه حتى تمكن منه. ولم يقتصر فضل هذا الشيخ على تعليمه الفقه، بل علمه أيضاً الفروسية وركوب الخيل، والرماية والسباحة، فتعلق السيد أحمد بركوب الخيل والرماية، ولم يتعلق بالسباحة تعلقاً يذكر. أما أعظم شيوخه أثراُ في حياته، فهو والده الشيخ "محمد شاكر"؛ فقد قرأ له ولإخوانه التفسير مرتين، مرة في تفسير البغوي، وأخرى في تفسير النسفي، وقرأ لهم صحيح مسلم، وسنن الترمذي والشمائل، وبعض صحيح البخاري. وقرأ لهم في الأصول: جمع الجوامع، وشرح الأسنوي على المنهاج، وقرأ لهم في المنطق: شرح الخبيصي، وشرح القطب على الشمسية، وقرأ لهم في البيان: الرسالة البيانية، وقرأ لهم في فقه الحنفية كتاب الهداية على طريقة السلف في استقلال الرأي وحرية الفكر، ونبذ العصبية لمذهب معين. وكثيراً ما خالف والده في هذه الدروس مذهب الحنفية عند استعراض الآراء وتحكيم الحجة والبرهان، ورجح ما نصره الدليل الصحيح. هكذا قال السيد أحمد في ترجمة والده. وقد ظهر أثر والده هذا ظهوراً بيناً في دراسة الشيخ أحمد للحديث، وفي أحكامه التي قضى بها في مدة توليه القضاء بمصر. وكان لوالده أعظم الأثر في توجيهه إلى دراسة علم الحديث منذ سنة ١٩٠٩، فلما كانت سنة ١٩١١ اهتم، السيد أحمد، بقراءة مسند أحمد بن محمد بن حنبل ﵀، وظل منذ ذلك اليوم مشغولاً بدراسته حتى ابتدأ في طبع شرحه على المسند سنة ١٣٦٥ من الهجرة = سنة ١٩٤٦ من الميلاد، كما بين ذلك مختصراً في مقدمة المسند. ولما انتقل والده من الإسكندرية إلى القاهرة وكيلاً لمشيخة الأزهر في ربيع

стр. 20

الآخر سنة ١٣٢٧هـ ٢٩ من أبريل سنة ١٩٠٩، التحق السيد أحمد، هو وأخوه السيد علي بالأزهر، فكانت إقامته في القاهرة بدء عهد جديد في حياته، فاتصل بعلمائها ورجالها، وعرف الطريق إلى دور كتبها في مساجدها وغير مساجدها. وتنقل بين دكاكين الكتبية. وكانت القاهرة يومئذ مستراداً لعلماء البلاد الإسلامية، وكان من التوفيق أن حضر إلى القاهرة من المغرب الأقصى السيد عبد الله بن إدريس السنوسي، عالم المغرب ومحدثها، فتلقى عنه طائفة كبيرة من صحيح البخاري، فأجازه هو وأخاه برواية البخاري، ورواية باقي الكتب الستة. ولقي بها أيضاً الشيخ محمد بن أمين الشنقيطي، فأخذ عنه كتاب بلوغ المرام، وأجازه به وبالكتب الستة، ولقي أيضاً الشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي، عالم القبائل الملثمة، فأجازه هو وأخاه بجميع علمه. وتلقى أيضاً من الشيخ شاكر العراقي. وكان أسلوبه في التحديث أن يسأله أحد طلابه عن مسألة، فيروي عندئذ كل ما ورد فيها من الأحاديث في جميع كتب السنة بإسنادها، مع بيان اختلاف روايتها. فأجازه وأجاز علياً بجميع كتب السنة. ولقي أيضاً في القاهرة من علماء السنة الشيخ "طاهر" الجزائري عالم سورية المتنقل، والسيد "محمد رشيد رضا" صاحب المنار، ولقي كثيراً غير هؤلاء من علماء السنة يطول ذكرهم بالتفصيل. وهذا اللقاء المتتابع للعلماء، هو الذي مهّد لهذا العالم أن يستقلّ بمذهب في علم الحديث، حتى استطاع أخيراً أن يقف في منتصف هذا القرن علماً مشهوراً لا ينازعه في إمارة التحديث إلا قليل. ولما حاز شهادة العالمية من الأزهر في سنة ١٩١٧، عُين مدرساً بمدرسة ماهر، ولكن لم يبق بها غير أربعة أشهر، ثم عين موظفاً قضائياً ثم قاضياً، وظل في القضاء حتى أحيل إلى المعاش في سنة ١٩٥١ عضواً بالمحكمة العليا، ولكنه لم ينقطع في

стр. 21

خلال ذلك عن دراساته، وعن المشاركة في نشر التراث الإسلامي، في الحديث والفقه والأدب. وأول كتاب عرف به الشيخ "أحمد محمد شاكر" وعرف به إتقانه وتفوقه، هو نشره رسالة الإمام الشافعي، عن أصل تلميذه الربيع بن سليمان، الذي كتبه بخطه في حياة الشافعي من إملائه. ونشره رسالة الشافعي يعدّ من أعظم الآثار التي تولى العلماء نشرها في هذا العصر. ثم شرح سنن الترمذي شرحاً دقيقاً، ولكنه لم يتمه، وشارك في نشر شرح "سنن أبي داود"، ونشر كتاب جماع العلم للشافعي، وشارك أيضاً في نشر المحلى لابن حزم، وشرح صحيح ابن حبان، ولم ينشر منه غير الجزء الأول. أما عمله الذي استولى به على الغايات فهو شرحه على مسند أحمد بن حنبل، أصدر منه خمسة عشر جزءاً فيها من البحث والفقه والمعرفة ما لم يلحقه فيه أحد في زمانه هذا. ونشر من كتب الأدب والشعر، كتاب "لباب الآداب" لأسامة بن منقذ، والشعر والشعراء لابن قتيبة، والمفضّليات للمفضل الضبي، والأصمعيات للأصمعي، وشاركه في نشرهما ابن خاله الأستاذ "عبد السلام محمد هارون"، ونشر كتاب المعرّب للجواليقي نشراً علمياً دقيقاً. وشارك أخاه الأستاذ "محمود محمد شاكر" في تفسير الطبري، فتولى جزءاً من تخريج أحاديثه إلى الجزء التاسع، وعلق على بعضها إلى الجزء الثالث عشر، ثم وافته المنية، ولم ينظر بعد في أحاديث الجزء الرابع عشر. وكان قبل وفاته، ﵀، قد شرع في اختصار تفسير القرآن لابن كثير،

стр. 22

وسماه "عمدة التفسير"، وصل فيه إلى الجزء الخامس من عشرة أجزاء. وقد قصد فيه الإبانة عن معاني القرآن، بما يوافق حاجة المتوسطين من المثقفين، مع المحافظة على ألفاظ المؤلف ما استطاع. أما سائر الكتب التي تولى نشرها فهي كثيرة يطول ذكرها. وله في جميع ما نشره وألفه تعليقات دافع فيها عن أحكام الإسلام وآدابه دفاعاً تفرد به، ونطق فيه بالحق الذي يراه، غير متهيب ولا متلجلج. وأما أهم ما ألفه فهو كتاب نظام الطلاق في الإسلام دل فيه على اجتهاده وعدم تعصبه لمذهب من المذاهب، واستخرج فيه نظام الطلاق من نص القرآن، ومن بيان السنة في الطلاق، وكان لظهور هذا الكتاب ضجة عظيمة بين العلماء، ولكنه دافع فيه عن اجتهاده دفاعاً مؤيداَ بالحجة والبرهان، ومن قرأ الكتاب عرف كيف يكون الاحتجاج في الشريعة، وظهر له فضل هذا الرجل وقدرته على ضبط الأصول الصحيحة، وضبط الاستنباط فيها ضبطاً لا يختل. فرحم الله فقيدنا، وبعث في هذه الأمة من يخلفه للنهوض بما ابتدأه. محمود محمد شاكر

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - حكم الجاهلية قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة:٥٠]. قال الإمام ابن كثير (١): "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا

стр. 24

يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ) أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء"اهـ. قال الشيخ (١): "والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية، علمها من علمها، وجهلها من جهلها". والنوع الآخر: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا. وإنما هي كلمة مغلية، أصلها: ياسة، فحرفها أهل مصر، وزادوا بأولها سيناً فقالوا: سياسة، وأدخلوا عليها الألف واللام، فظن من لا علم عنده أنها كلمة عربية! وما الأمر فيها إلا ما قلت؛ واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت بمصر والشام. وذلك أن جنكز خان القائم بدولة التتر في بلاد الشرق، لما غلب الملك أونك خان وصارت له دولة -قرر قواعد وعقوبات، أثبتها في كتاب سماه: ياسة، ومن الناس من يسميه: يسق، والأصل في اسمه: ياسة، ولما تمم وضعه

стр. 25

كتب ذلك نقشاً في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده، حتى قطع الله دابرهم. وكان جنكز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض -كما تعرف هذا إن كنت أشرفت على أخباره -فصار الياسة حكماً بتاً في أعقابه، لا يخرجون عن شيء من حكمه -ثم قال (١) في ص (٣٥٩) بعد ذكر أمثلة من سخافات هذه الياسه: "وجعل حكم الياسه لولده جقتاي بن جنكز خان، فلما مات التزم من بعده أولاده وأتباعهم حكم الياسة، كالتزام أول المسلمين حكم القرآن، وجعلوا ذلك ديناً لم يعرف عن أحد منهم مخالفته بوجه". * ... * ... * قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: ٥٠] قال الحافظ ابن كثير (٢): "أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عقل عن الله شرعه وآمن به، وأيقن، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء القادر على كل شيء العادل في كل شيء"اهـ. قال الشيخ (٣): "أقول: أفيجوز -مع هذا- في شرع الله أن يُحكم المسلمون في

стр. 26

بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاؤون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟. إن المسلمين لم يبلوا بهذا قط -فيما نعلم من تاريخهم- إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام. ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلام التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم وبأن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه ولم يعلموه أبناءهم. فما أسرع ما زال أثره. أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذاك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام جنكز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ إلا في فرق واحد، أشرنا إليه آنفاً: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام: أتى عليها الزمان سريعاً، فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صنعت. ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك "الياسق" الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين، ويفخرون بذلك آباءاً وأبناءاً، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا

стр. 27

"الياسق العصري" ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم "رجعياً" و"جامدا"!!، إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة. بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقى في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى "ياسقهم الجديد"، بالهوينا واللين تارة، وبالمكر والخديعة تارة، وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويصرحون -ولا يستحيون- بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!!. أفيجوز إذن -مع هذا- لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا، واعتناقه واعتقاده والعمل به، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟!. أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا "الياسق العصري"، وأن يعمل به ويُعرض عن شريعته البينة؟! ما أظن أن رجلاً مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتاباً محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة رسوله الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال - ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة! إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضحة وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداورة. ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائناً من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ

стр. 28

لنفسه، و"كل امرئ حسيب نفسه" ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين. سيقول عني عبيد هذا "الياسق العصري" وناصروه، أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاؤا، فما عبأت يوماً ما بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول". * ... * ... * قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [الأنعام: ١١٤ - ١١٧]. قال الشيخ (١): "هذه الآيات وما في معناها تدمغ بالبطلان نوع الحكم الذي يخدعون به الناس ويسمونه "الديمقراطية"، إذ هي حكم الأكثرية الموسومة بالضلال، هي حكم الدهماء والغوغاء". * ... * ... *

стр. 29

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً، فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً) [النساء: ٥٩ - ٦٥]. قال الشيخ (١): وها هي ذي الآيات في هذه السورة، من الآية: ٥٩ إلى آخر الآية: ٦٥ واضحة الدلالة، صريحة اللفظ، لا تحتاج إلى طول شرح، ولا تحتمل التلاعب بالتأويل. يأمرنا الله سبحانه فيها بطاعته وطاعة رسوله، وأولي الأمر منا، أي من المسلمين. ويأمرنا إذا تنازعنا في شيء واختلفنا أن نرده

стр. 30

إلى حكم الله في كتابه وحكم رسوله في سنته. ويقول في ذلك: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ). فيرشدنا إلى أن طاعته وطاعة رسوله في شأن الناس كلهم، وفيما يعرض لهم من قضايا وخلاف ونزاع -شرط في الإيمان بالله واليوم الآخر. وكما قال الحافظ ابن كثير آنفاً -ص٢٠٩ - : "فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك- فليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر". ثم يرينا الله سبحانه حكمه في الذين يزعمون أنهم يؤمنون برسوله محمد ﷺ وبما أنزل إليه، ثم يريدون (أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ)، فيحكم بأنهم منافقون، لأنهم إذا دُعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، صدوا عنه صدوداً، والنفاق شر أنواع الكفر. ثم يعلمنا الله أنه لم يرسل الرسل عبثاً، وإنما أرسلهم ليطيعهم الناس بإذن الله. ثم يُقْسِم ربنا ﵎ بنفسه الكريمة المقدسة: إن الناس لا يكونون مؤمنين حتى يحتكموا في شأنهم كله إلى رسوله محمد ﷺ ، وحتى يرضوا بحكمه طائعين خاضعين، لا يجدون في حكمه حرجاً في أنفسهم، وحتى يُسَلِّموا في دخيلة قلوبهم، إلى حكم الله ورسوله تسليماً كاملاً، لا ينافقون به المؤمنين، ولا يخضعون في قبوله لقوة حاكم أو غيره، بل يرضون به مهما يلقوا في ذلك من مشقة أو مؤنة. وأنهم إن لم يفعلوا لم يكونوا مؤمنين قط، بل دخلوا في إعداد الكافرين والمنافقين.

стр. 31

فانظروا أيها المسلمون، في جميع البلاد الإسلامية، أو البلاد التي تنتسب للإسلام، في أقطار الأرض -إلى ما صنع بكم أعداؤكم المبشرون والمستعمرون: إذا ضربوا على المسلمين قوانين ضالة مدمرة للأخلاق والآداب والأديان، قوانين إفرنجية وثنية، لم تُبْن على شريعة ولا دين، بل بُنيت على قواعد وضعها رجل كافر وثني، أبى أن يؤمن برسول عصره -عيسى ﵇ وأصر على وثنيته، إلى ما كان من فسقه وفجوره وتهتكه!. هذا هو جوستنيان، أبو القوانين وواضع أسسها فيما يزعمون، والذي لم يستح رجل من كبار رجالات مصر المنتسبين -ظلماً وزوراً- إلى الإسلام، أن يترجم قواعد ذاك الرجل الفاسق الوثني، ويسميها مدونة "جوستنيان"! سخرية وهُزءا بـ"مدونة مالك"، إحدى موسوعات الفقه الإسلامي المبني على الكتاب والسنة، والمنسوبة إلى إمام دار الهجرة. فانظروا إلى مبلغ ذلك الرجل من السخف، بل من الوقاحة والاستهتار! هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافروا العداوة، هي في حقيقتها دين آخر جعلوه ديناً للمسلمين بدلاً من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها. حتى لقد تجري على الألسنة، والأقلام كثيرا كلمات "تقديس القانون"

стр. 32

"قدسية القضاء" "حرمة المحكمة" وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين. بل هم حينئذ يصفونها بكلمات "الرجعية" "الجمود" الكهنوت" "شريعة الغاب" إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية، التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين! ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة "الفقه" و"الفقيه" و"التشريع" و"المُشرِّع"، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها. وينحدرون فيتجرؤون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد!! ثم نفوا شريعتهم الإسلامية عن كل شيء، وصرح كثير منهم في كثير من أحكامها القطعية الثبوت والدلالة بأنها لا تناسب هذا العصر، وأنها شرعت لقوم بدائيين غير متمدنين، فلا تصلح لهذا العصر الإفرنجي الوثني!! خصوصاً في الحدود المنصوصة في الكتاب والعقوبات الثابتة في السنة. فترى الرجل المنتسب للإسلام، المتمسك به في ظاهر أمره، المشرب قلبه هذه القوانين الوثنية، يتعصب لها ما لا يتعصب لدينه. بل يجتهد ليتبرأ من العصبية للإسلام، خشية أن يُرمى بالجمود والرجعية! ثم هو يصلي كما يصلي المسلمون، ويصوم كما يصوم المسلمون، وقد يحج

стр. 33

كما يحج المسلمون. فإذا ما انتصب لإقامة القانون، لبسه شيطان الدين الجديد، فقام له قومة الأسد يحمي عرينه، ونفى عن عقله كل ما عرف من دينه الأصلي! ورأى أن هذه القوانين ألصق بقلبه، وأقرب إلى نفسه! هذا في المستمسك منهم بدين الإسلام، وهم الأقل. دع عنك أكثرهم. وقد ربى لنا المستعمرون من هذا النوع طبقات، أرضعوهم لبان هذه القوانين، حتى صار منهم فئات عالية الثقافة، واسعة المعرفة، في هذا اللون من الدين الجديد، الذي نسخوا به شريعتهم. ونبغت فيهم نوابغ يفخرون بها على رجال القانون في أوربا، فصار للمسلمين من أئمة الكفر، ما لم يُبتَل به الإسلام في أي دور من أدوار الجهل بالدين في بعض العصور. وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئاً من أحكامه الشريعة وما خالفها. وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعاً لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله. فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار. لا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به. وقد نزيد هذا المعنى بياناً، عند كلام الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: ٥٠ من سورة المائدة، إن شاء الله. قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ

стр. 34

يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة: ٣٨ - ٤٠] * ... * ... * قال الشيخ (١): "هذا حكم الله في السارق والسارقة، قاطع صريح اللفظ والمعنى، لا يحتمل أي شك في الثبوت ولا في الدلالة، وهذا حكم رسول الله تنفيذاً لحكم الله وطاعة لأمره، في الرجاء والنساء: قطع اليد، لا شك فيه، حتى ليقول ﷺ : بأبي هو وأمي-: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". فانظروا إلى ما فعل بنا أعداؤنا المبشرون المستعمرون! لعبوا بديننا، وضربوا علينا قوانين وثنية ملعونة مجرمة، نسخوا بها حكم الله وحكم رسوله، ثم ربوا فينا ناساً ينتسبون إلينا، أشربوهم في قلوبهم بغض هذا الحكم، ووضعوا على ألسنتهم كلمة الكفر: أن هذا حكم قاس لا يناسب هذا العصر الماجن، عصر المدنية المتهتكة! وجعلوا هذا الحكم موضع سخريتهم وتندرهم! فكان عن هذا أن امتلأت السجون -في بلادنا وحدها- بمئات الألوف من اللصوص، بما وضعوا في القوانين من عقوبات

стр. 35

للسرقة ليست برادعة، ولن تكون أبداً رادعة، ولن تكون أبداً علاجاً لهذا الداء المستشري. ثم أدخلوا في عقول الطبقة المثقفة، وخاصة القائمين على هذه القوانين الوثنية -ما يسمونه "علم النفس". وهو ليس بعلم ولا شبيه به، بل هو أهواء متناقضة متباينة. لكل إمام من أئمة الكفر في هذا العلم رأي ينقض رأي مخالفه. ثم جاؤوا في التطبيق يلتمسون الأعذار من "علم النفس" لكل لص بحسبه، ثم زاد الأمر شراً أن يكتب اللصوص أنفسهم كلاماً يلتمسون به الأعذار لجرمهم، وقام المدافعون عنهم المقامات التي توردهم النار: يعلمون أن الجريمة ثابتة، فلا يحاولون إنكارها، بل يحاولون التهوين من شأنها، بدراسة نفسية المجرم وظروفه!!. ولقد جادلت منهم رجالاً كثيراً من أساطينهم، فليس عندهم إلا أن حكم القرآن في هذا لا يناسب هذا العصر!! وأن المجرم إن هو إلا مريض يجب علاجه لا عقابه. ثم ينسبون قول الله سبحانه في هذا الحكم بعينه: (جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ)، فالله سبحانه -وهو خالق الخلق، وهو أعلم بهم، وهو العزيز الحكيم- يجعل هذه العقوبة للتنكيل بالسارقين، نصاً قاطعاً صريحاً، فأين يذهب هؤلاء الناس؟!. هذه المسألة: -عندنا نحن المسلمين- هي من صميم العقيدة، ومن صميم الإيمان، فهؤلاء المنتسبون للإسلام، المنكرون حد القطع، أو الراغبون عنه -سنسألهم: أتؤمنون بالله وبأنه خلق هذا الخلق؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأنه يعلم ما كان وما يكون، وبأنه أعلم يخلقه من أنفسهم وبما

стр. 36

يصلحهم وما يضرهم؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأنه أرسل رسوله محمداً بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه هذا القرآن من لدنه هدى للناس وإصلاحاً في دينهم ودنياهم؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأن هذه الآية بعينها (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) من القرآن؟ فسيقولون: نعم، أفتؤمنون بأن تشريع الله قائم ملزم للناس في كل زمان وفي كل مكان، وفي كل حال؟ فسيقولون: نعم، إذن فأنى تصرفون؟!، وعلى أي شرع تقومون؟! أما من أجاب -ممن ينتسب للإسلام- على أي سؤال من هذه السؤالات بأن: لا، فقد فرغنا منه وعرفنا مصيره، وقد أيقن كل مسلم، من عالم أو جاهل، مثقف أو أمي-: أن من يقول في شيء من هذا "لا" فقد خرج من الإسلام، فلن نجادلهم في هذا، ولن نسايرهم في الحديث عنه، إذ لم يؤمنوا بمثل ما آمنا، ولن يرضوا عنا أبداً إلا أن نقول مثل قولهم! وعياذاً بالله من ذلك. ولو عقل هؤلاء الناس -الذي ينتسبون للإسلام- لعلموا أن بضعة أيد من أيدي السارقين لو قطعت كل عام، لنجت البلاد من سبة اللصوص، ولما وقع كل عام إلا بضع سرقات، كالشيء النادر، ولخلت السجون من مئات الألوف التي تجعل السجون مدارس حقيقية للتفنن في الجرائم لو عقلوا لفعلوا، ولكنهم يصرون على باطلهم، ليرضى عنهم سادتهم ومعلموهم! وهيهات!! ". * ... * ... *

стр. 37

قال الله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... سُئل ابن عباس عن قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم ...) الآية؟ قال: "هي به كفر"، قال ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. ورواه الحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". قال الشيخ (٢): "وهذه الآثار -عن ابن عباس وغيره- مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين: يجعلونها عذراً أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه، فيما كان

стр. 38

يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة، عمداً إلى الهوى، أو جهلاً بالحكم، والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء، ليكون ذلك عذراً لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف، وهذا الأثران رواهما الطبري: ١٢٠٢٥، ١٢٠٢٦؛ وكتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقاً نفيساً جداً، قوياً صريحاً، فرأيت أن أثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين. فروى الطبري: ١٢٠٢٥، عن عمران بن حدير قال: "أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أريت قول الله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أحق هو؟ قال نعم، قالوا: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أحق هو؟ قال نعم، قالوا: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، أحق هو؟ قال نعم، قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً، فقالوا: لا والله، ولكنك تَفْرق! قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم ترون هذا، ولا تحرّجون! ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحواً من هذا". ثم روى الطبري: ١٢٠٢٦، نحو معناه وإسناداه صحيحان، فكتب

стр. 39

أخي السيد محمود محمد شاكر بمناسبة هذين الأثرين ما نصه (١): "اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة. وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأياً يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها، والعامل عليها. والناظر في هذين الخبرين لا محيص له عن معرفة السائل والمسؤول، فأبو مجلز (لاحق بن حميد الشيباني السدوسي) تابعي ثقة، وكان يحب علياً ﵁ وكان قوم أبي مجلز وهو بنو شيبان، من شيعة علي يوم الجمل وصفين، فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت الخوارج، كان فيمن خرج على علي ﵁، طائفة من بني شيبان، ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل، وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز، ناس من بني عمرو بن سدوس (كما في الأثر: ١٢٠٢٥)، وهم نفر من الإباضية (كما في الأثر ١٢٠٢٦)، والإباضية من جماعة الخوارج الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التحكيم، وفي تكفير علي ﵁ -إذ حكم الحكمين، وأن علياً لم يحكم بما أنزل الله في أمر التحكيم، ثم إن عبد الله

стр. 40

بن إباض قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك، فخالف أصحابه، وأقام الخوارج على أن أحكام المشركين تجري على من خالفهم. ثم افترقت الإباضية بعد عبد الله بن إباض الإمام افتراقاً لا ندري معه -في أمر هذين الخبرين- من أي الفرق كان هؤلاء السائلون، بيد أن الإباضية كلها تقول: إن دور مخالفيهم دور توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دور كفر عندهم، ثم قالوا أيضاً: إن جميع ما افترض الله على خلقه إيمان، وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة، لا كفر شرك، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون أبداً. ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية، إنما كانوا يريدون أن يلزموه في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه. ولذلك قال لهم في الخبر الأول (رقم: ١٢٠٢٥): "فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً" وقال لهم في الخبر الثاني: "إنهم يعملون بما يعملون ويعلمون أنه ذنب" وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله ، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه. والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه
следующие страницы →