← Общие книги

Общие книги · id 14243

حكم الجاهلية

أحمد شاكر

Полный текст (258 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفيها إهداء الدماء في القتلى، باشتراط شروط لم ينزل بها كتاب ولا سنة، في الحكم بالقصاص. مثل شرط سبق الإصرار، مع العمد الموجب وحده للقصاص في شرعة الإسلام. ومثل البحث فيما يسمونه "الظروف المخففة" و"درس نفسية الجاني وظروفه". ومثل جعل حق العفو للدولة، لا لولي الدم، الذي جعل الله له وحده حق العفو بنص القرآن، فأهدرت الدماء، وفشا القتل للثأر، حتى لا رادع. والأمة والحكومة والصحف وغيرها، تتساءل عن علة ازدياد جرائم القتل؟ والعلة في هذه القوانين، التي خالفت العرف والدين. إلى غير ذلك ما لا نستطيع أن نحصيه في هذه الكلمة وكل هذه الأشياء وأمثالها تحليل لما حرم الله، واستهانة بحدود الله، وانفلات من الإسلام. وكلها حرب على عقائد المسلمين، وكلها تعطيل لفروض الدين. ١٠ - ولسنا ننعيَ على هذه القوانين كل جزئية فيها، بالضرورة، ففيها فروع في مسائل مفصلة، تدخل تحت القواعد العامة في الكتاب والسنة، ولكنا ننكر المصدر الذي أخذت منه، وهو مصدر لا يجوز لمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى الله ورسوله. فالكتاب والسنة وحدهما هما الإمام، نستنبط منهما وفي حدودهما ما يوافق كل عصر وكل مكان، مسترشدين بالعقل وقواعد العدل. ولكنا نسخط على الروح الذي يملي هذه القوانين ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في كثير من المسائل الخطيرة، والقواعد الأساسية،

стр. 142

فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن، وعلى البديهي من قواعد الإسلام، وأن يصبغوها صبغة أوربية، مسيحية أو وثنية، إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث!! وهم، في نظر الشرع، مخطئون إذا ما أصابوا، مجرمون إذا ما أخطؤوا. أصابوا عن غير طرق الصواب، إذ لم يضعوا الكتاب والسنة نصب أعينهم، بل أعرضوا عنهما ابتغاء مرضاة غير الله، جهلوهما جهلاً عجيباً. وأخطؤوا عامدين أن يخالفوا ما أمرهم به ربهم، ساخطين إذا ما دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم. والحجة عليهم قول كبيرهم: "إن جهات التشريع عندنا تشتغل في دائرة غير دائرة الدين"!! وإصراره على أنه لو كان قوياً في صحته فلن يجيب إلى "الرجوع لسلفنا الصالح في أمر القوانين". ١١ - والفرية الكبرى أن يرمي معالي الباشا فقهاءنا وأئمتنا السابقين، بما يخرجهم من الدين! فإنه سأل محب الدين: "هل يحسب أن فقهاءنا الأكرمين، لو كان الله مد في أجلهم إلى اليوم، كانوا يأخذون في سياستنا بغير الموجود الآن من القوانين"؟ ثم لم يتريث حتى يجيبه محب الدين أو غيره، فبادر بالجواب، مثبتاً عليهم هذا الذي زعم، غير عابئ أن يخاصموه جميعاً فيَخْصِموه، بين يدي الله يوم القيامة، بأنه وصمهم بما لم يخطر ببال أحد غيره، وحسابه على الله. ونحن نجيبه الجواب الحاسم الصحيح: أن سلفنا الصالح لو مد الله في أجلهم إلى اليوم، ما رضوا عن هذه القوانين، وما خنعوا لها وما استكانوا،

стр. 143

بل ما جرؤ أحد أن يفكر في وضعها لبلاد المسلمين. وليس الذي ينفي عنهم عار هذه السُّبَّة هو الذي يكذب عليهم علناً، وهم أجلّ في أنفسهم وفي نفوس المسلمين، من أن يصدق عليهم ما رماهم به معاليه. ومن ظن بهم غير ذلك، فقد جهل العلم والدين، وأنكر التاريخ، أو قال غير الحق، زراية بهم وإسرافاً عليهم، وهو يعلم أن الحق غير ما قال. يا صاحب المعالي: لعلي قد قسوت عليك بعض القسوة، بما لم تعتد أذنك سماعه من المتزلفين والمجاملين، وما أريد إلا الدفاع عن الإسلام وبيان حقيقته، والدفاع عن القرآن ومنع العبث به، والمحافظة على العربية ووحدة أممها. وقد يكون في هذا فائدة عظيمة في عاقبة أمرك، أن تعرف الإسلام وحقوقه، وترجع عما أخطأت فيه، فإن الرجل الحازم يعرف كيف يرجع إلى الحق علناً، كما حاد عنه علناً. فإن أبيت فلا تنس بيت بشر بن أبي خازم: ولا يُنْجي من الغمرات إلا ... بُراكاء القتال أو الفرار * ... * ... *

стр. 144

١٩ - متى ولمن!! السمع والطاعة ؟ قال الإمام أحمد بن حنبل في مسند عبد الله بن عمر: حدثنا يحيى عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ... "السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". قال الشيخ (١): إسناد صحيح. ورواه البخاري (٦: ٨٢ و١٣: ١٠٩ من فتح الباري) عن مسدّد عن يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد، ورواه أيضاً (٦: ٨٢) من طريق إسماعيل بن زكريا عن عبيد الله، ورواه مسلم (٦: ٨٦) من طريق الليث بن سعد، ومن طريق يحيى القطان وابن نمير، ثلاثتهم عن عبيد الله. وهذا الحديث أصل جليل خطير من أصول الحكم. لا نعلم أنه جاء في شريعة من الشرائع، ولا في قانون من القوانين، على هذا الوضع السليم الدقيق المحدد، الذي يحدد سلطة الحاكم، ويحفظ على المحكوم دينه وعزته.

стр. 145

فقد اعتاد الملوك والأمراء، واعتادت الحكومات في البلاد التي فيها حكومات منظمة وقوانين، أن يأمروا بأعمال يرى المكلف بها أن لا مندوحة له عن أداء ما أمر به. وصارت الرعية، في هؤلاء وهؤلاء، لا يطيعون فيما أمروا به إلا إن يوافق هوى لهم أو رغبة عندهم، وإلا اجتهدوا أن يقصروا في أداء ما أمروا به، ما وجدوا للتقصير سبيلاً، لا يلاحقهم فيه عقاب أو خوف. وكل هذا باطل وفساد، تختل به أداة الحكم، وتضطرب معه الأنظمة والأوضاع، إذ لا يرون أن الطاعة واجبة عليهم، وإذ يطيعون -في بعض ما يطيعون- شبه مرغمين إذا لم يوافق هواهم ولم يكن مما يحبون. أما الشرع الإسلامي: فقد وضع الأساس السليم، والتشريع المحكم، بهذا الحديث العظيم. فعلى المرء المسلم أن يطيع من له عليه حق الأمر من المسلمين، فيما أحب وفيما كره، وهذا واجب عليه، يأثم بتركه، سواء أعرف الآمر أنه قصر أم لم يعرف، فإنه ترك واجباً أوجبه الله عليه، وصار ديناً من دينه، إذا قصر فيه كان كما لو قصر في الصلاة أو الزكاة أو نحوهما من واجبات الدين التي أوجب الله. ثم قيّد هذا الواجب بقيد صحيح دقيق، يجعل للمكلف الحق في تقدير ما كُلِّف به، فإن أمره من له الأمر عليه بمعصية، فلا سمع ولا طاعة، ولا يجوز له أن يعصي الله بطاعة المخلوق، فإن فعل كان عليه الإثم، كما كان على من أمره، لا يُعذر عند الله بأنه أتى هذه المعصية بأمر غيره، فإنه

стр. 146

مكلف مسؤول عن عمله، شأنه شأن آمره سواء. ومن المفهوم بداهة: أن المعصية التي يجب على المأمور أن لا يطيع فيها الآمر، هي المعصية الصريحة التي لا يتأول فيها المأمور ويتحايل، حتى يوهم نفسه أنه امتنع لأنه أمر بمعصية، مغالطة لنفسه ولغيره. ونرى أن نضرب لذلك بعض المثل. مما يعرف الناس في زماننا هذا، إيضاحاً وتثبيتاً: ١ - موظف أمره من له عليه حق الأمر أن ينتقل من بلد يحبه إلى بلد يكرهه، أو من عمل يرى أنه أهل له، إلى عمل أقل منه، أو أشد مشقة عليه، فهذا يجب أن يطيع من له عليه حق الأمر، لا مندوحة له من ذلك، أحب أو كره، فإن أبى من طاعة الأمر كان آثماً، وكان إباؤه حراماً، سواء أبى إباء صريحاً واضحاً، أم أبى إباء ملتوياً مستوراً، يتمحل الأسباب والمعاذير. ولقد يرى المأمور أنه بما أُمر به مغبون، أو مظلوم مهضوم الحق، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكنه يجب عليه أن يطيع في كل حال، فإن الظلم في مثل هذه الأمور أمر تقديري، تختلف فيه الأنظار والآراء، والمأمور في هذه الحال ينظر لنفسه، ويحكم لنفسه، فمن النادر أن يكون تقديره للظلم الذي ظن أنه لحقه تقديراً صحيحاً، لما يشبه أن يكون من غلبة الهوى عليه، ولعل آمره أقدر على الإحاطة بالمسألة من وجوهها المختلفة، ولعل تقديره إذ ذاك أقرب إلى الصواب، إذا لم يكن فعل ما فعل عن هوى واضح

стр. 147

وتعنت مقصود. والظلم في مثل هذا حرام، ولكنه حرام على الآمر، أما المأمور فلم يؤمر بمعصية، لأن ما أُمر به في ذاته ليس معصية، إنما المعصية في إصدار الأمر على غير جهة الحق. ٢ - نرى بعض القوانين تأذن بالعمل الحرام الذي لا شك في حرمته، كالزنا، ويبع الخمر ونحو ذلك، وتشرط للإذن بذلك رخصة تصدر من جهة مختصة معينة في القوانين. فهذا الموظف الذي أمرته القوانين أن يعطي الرخصة بهذا العمل إذا تحققت الشروط المطلوبة فيمن طلب الرخصة لا يجوز له أن يطيع ما أمر به، وإعطاؤه الرخصة المطلوبة حرام قطعاً، وإن أمره بها القانون، فقد أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة. أما إذا رأى أن إعطاء الرخصة في ذلك حلال، فقد كفر وخرج عن الإسلام، لأنه أحل الحرام القطعي المعلوم حرمته من الدين بالضرورة. ٣ - نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها، نقلت عن أوربة الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح بديهي، لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث لا يشعر، وهي في كثير من أحكامها أيضاً توافق التشريع الإسلامي، أو لا تنافيه على الأقل.

стр. 148

وإن العمل بها في بلاد المسلمين غير جائز، حتى فيما وافق التشريع الإسلامي، لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها لقوانين أوربة أو لمبادئها وقواعدها، وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه، فهو آثم مرتد بهذا، سواء أوضع حكماً موافقاً للإسلام أم مخالفاً. وقد وضع الإمام الشافعي قاعدة جليلة دقيقة في نحو هذا، ولكنه لم يضعها في الذين يشرعون القوانين عن مصادر غير إسلامية، فقد كانت بلاد الإسلام إذ ذاك بريئة من هذا العار، ولكنه وضعها في المجتهدين العلماء من المسلمين، الذين يستنبطون الأحكام قبل أن يتثبتوا مما ورد في الكتاب والسنة الصحيحة، ويقيسون ويجتهدون برأيهم على غير أساس صحيح، فقال في الكتاب (الرسالة) رقم: ١٧٨ بشرحنا وتحقيقنا: "ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة، والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور، إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه". ومعنى هذا واضح: أن المجتهد في الفقه الإسلامي، على قواعد الإسلام، لا يكون معذوراً إذا ما كان اجتهاده على غير أساس من معرفة، وعن غير تثبت في البحث عن الأدلة من الكتاب والسنة، حتى لو أصاب في الحكم، إذ تكون إصابته مصادفة، لم تبن على دليل، ولم تبن على يقين، ولم تبن على اجتهاد صحيح.

стр. 149

أما الذي يجتهد ويتشرع!! على قواعد خارجة عن قواعد الإسلام، فإنه لا يكون مجتهداً، ولا يكون مسلما، إذا قصد إلى وضع ما يراه من الأحكام، وافقت الإسلام أم خالفته، فكانت موافقته للصواب، إن وافقه من حيث لا يعرفه، بل من حيث لا يقصده، غير محمودة، بل كانوا بها لا يقلون عن أنفسهم كفراً حين يخالفون، وهذا بديهي. وليس هذا موضع الإفاضة والتحقيق في هذه المسألة الدقيقة. وما كان هو المثل الذي نضربه، ولكنه تمهيد. والمثل: أنّا نري كثيراً من المسلمين الذين عُهد إليهم بتنفيذ هذه القوانين والقيام عليها، بالحكم بها، أو بالشرح لها، أو بالدفاع فيها، نراهم مسلمين فيما يتبين لنا من أمرهم، يصلون ويحرصون على الصلاة، ويصومون ويحرصون على الصوم، ويؤدون الزكاة ويجودون بالصدقات راضية نفوسهم مطمئنين، ويحجون كأحسن ما يحج الرجل المسلم، بل نرى بعضهم يكاد يحج هو وأهله في كل عام، ولن تستطيع أن تجد عليهم مغمزاً في دينهم، من خمر أو رقص أو فجور، وهم فيما يفعلون مسلمون مطمئنون إلى الإسلام، وراضون معتقدون عن معرفة ويقين. ولكنهم إذا مارسوا صناعتهم في القضاء أو التشريع أو الدفاع، لبستهم هذه القوانين، وجرت منهم كالشيطان مجرى الدم، فيتعصبون لها أشد العصبية، ويحرصون على تطبيق قواعدها والدفاع عنها، كأشد ما يحرص الرجل العاقل المؤمن الموقن بشيء يرى أنه هو الصواب ولا صواب غيره، وينسون إذ ذاك كل شيء يتعلق بالإسلام في هذا التشريع، إلا

стр. 150

ما يخدع به بعضهم أنفسهم أن الفقه الإسلامي يصلح أن يكون مصدراً من مصادر التشريع! فيما لم يرد فيه نص في قوانينهم، ويحرصون كل الحرص على أن يكون تشريعهم تبعاً لما صدر إليهم من أمر أوربة في معاهدة منترو، مطابقاً لمبادئ التشريع الحديث، وكما قلت مراراً في مواضع من كتبي وكتاباتي: وتبًّا لمبادئ التشريع الحديث. فهؤلاء الثلاثة الأنواع: المتشرع والمدافع والحاكم، يجتمعون في بعض هذا المعنى ويفترقون، والمآل واحد. أما المتشرع: فإنه يضع هذه القوانين وهو يعتقد صحتها وصحة ما يعمل، فهذا أمره بيّن، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. وأما المدافع: فإنه يدافع بالحق وبالباطل، فإذا ما دافع بالباطل المخالف للإسلام معتقداً صحته، فهو كزميله المتشرع. وإن كان غير ذلك كان منافقاً خالصاً، مهما يعتذر بأنه يؤدي واجب الدفاع. وأما الحاكم: فهو موضع البحث وموضع المثل. فقد يكون له في نفسه عذر حين يحكم بما يوافق الإسلام من هذه القوانين، وإن كان التحقيق الدقيق لا يجعل لهذا العذر قيمة. أما حين يحكم بما يُنافى الإسلام، مما نص عليه في الكتاب أو السنة، ومما تدل عليه الدلائل منهما، فإنه -على اليقين- ممن يدخل في هذا الحديث: قد أمر بمعصية القوانين التي يرى أن عليه واجباً أن يطيعها أمرتْه بمعصية، بل بما هو أشد من المعصية: أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله،

стр. 151

فلا سمع ولا طاعة، فإن سمع وأطاع كان عليه من الوزر ما كان على آمره الذي وضع هذه القوانين، وكان كمثله سواء. ٤ - وقد صنع رجال كبار من رجال القانون عندنا شيئاً شبيهاً بهذه القاعدة، احتراماً منهم لقوانينهم التي وضعوها. فقد قرر مجلس الدولة مبدأين خطيرين، فيما إذا تعارض قانون عادي من قوانين الدولة مع القانون الأساسي، وهو الدستور، فجعل الأولية للدستور، وأنه يجب على المحاكم أن لا تطبق القانون العادي إذا عارضه. ومجلس الدولة هيئة من أعلى الهيئات القضائية، وُكل إليه فيما وُكل إليه من الاختصاص أن يحكم بإلغاء القرارات الإدارية التي تصدرها الحكومة إذا ما صدرت مخالفة للقوانين. وهذان المبدآن اللذان نحن بصددهما أصدرتهما الدائرة الأولى من ذلك المجلس، برئاسة رئيسه محمد كامل مرسي باشا، وهو واضع قانون مجلس الدولة، أو هو الذي له اليد الطولى في إصداره، وهو الذي ولى رئاسته أول ما أُنشىء، وهو مرسي قواعده، ومثبت أركانه. والمبدآن اللذان قررهما: أحدهما: "أنه ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين، بله المراسيم بقوانين، سواء من ناحية الشكل، أو الموضوع".

стр. 152

وثانيهما: أنه لا جدال في أن الأمر الملكي رقم ٤٢ لسنة ١٩٢٣م بوضع نظام دستوري للدولة المصرية، هو أحد القوانين التي يجب على المحاكم تطبيقها، ولكنه يتميز عن سائر القوانين بما له من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة العلوّ، وتسمه بالسيادة، بحسبانه كفيل الحريات وموئلها، ومناط الحياة الدستورية ونظام عقدها. ويستتبع ذلك: أنه إذا تعارض قانون عادي مع الدستور في منازعة من المنازعات التي تطرح على المحاكم، وقامت بذلك لديها صعوبة، مثارها أي القوانين هو الأجدر بالتطبيق، وجب عليها بحكم وظيفتها القضائية أن تتصدى لهذه الصعوبة، وأن تفصل فيها على مقتضى أصول هذه الوظيفة، وفي حدودها الدستورية المرسومة لها. ولا ريب في أنه يتعين عليها عند قيام هذا التعارض أن تطرح القانون العادي وتهمله، وتغلب عليه الدستور وتطبقه، بحسبانه القانون الأعلى الأجدر بالاتباع. وهي في ذلك لا تتعدى على السلطة التشريعية، ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانوناً، ولا تقضي بإلغاء قانون، ولا تأمر بوقف تنفيذه. وغاية الأمر. أنها تفاضل بين قانونين قد تعارضا، فتفصل في هذه الصعوبة، وتقرر أيهما الأولى بالتطبيق. وإذا كان القانون العادي قد أُهمل، فمرد ذلك في الحقيقة إلى سيادة الدستور العليا على سائر القوانين، تلك السيادة التي يجب أن يلتزمها كل من القاضي والشارع [يريد المتشرع!!] على حد سواء". (القضية رقم ٦٥ سنة١) قضائية، في مجموعة أحكام مجلس الدولة، تأليف الأستاذ محمود عاصم ج١ ص٣٧٧، ٣٧٩).

стр. 153

ومن البين البديهي الذي لا يستطيع أن يخالف فيه مسلم: أن القرآن والسنة أسمى سمواً، وأعلى علواً، من "الدستور" ومن كل القوانين، وأن المسلم لا يكون مسلماً إلا إذا أطاع الله ورسوله، وقدم ما حكما به على كل حكم وكل قانون، وأنه يجب عليه أن يطرح القانون إذا عارض حكم الشريعة الثابت بالكتاب والسنة الصحيحة، طوعاً لأمر رسول الله في هذا الحديث: "فإن أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" * ... * ... *

стр. 154

٢٠ - الشورى في الإسلام (... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ...) [آل عمران: ١٥٩]. قال الشيخ (١): وهذه الآية (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) والآية الأخرى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، اتخذهما اللاعبون بالدين في هذا العصر -من العلماء وغيرهم- عدتهم في التضليل بالتأويل، ليواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون الناس بتسميته "النظام الديمقراطي"! فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعاراً من هاتين الآيتين، يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنتسبة للإسلام. يقولون كلمة حق يراد بها الباطل: يقولون: "الإسلام يأمر بالشورى"، ونحو ذلك من الألفاظ. وحقا إن الإسلام يأمر بالشورى. ولكن أي شورى يأمر بها الإسلام؟ إن الله سبحانه يقول لرسول ﷺ : (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ). ومعنى الآية واضح صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل. فهو أمر للرسول ﷺ ، ثم لمن يكون ولي الأمر من بعده: أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي، الذين هم أولو الأحلام

стр. 155

والنُّهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق. ثم يختار من بينها ما يراه حقاً أو صواباً أو مصلحة، فيعزم على إنقاذه، غير متقيد برأي فريق معين، ولا برأي عدد محدود، لا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه. ومن المفهوم البديهي الذي لا يحتاج إلى دليل: أن الذين أُمر الرسول بمشاورتهم -ويأتسي به فيه من يلي الأمر من بعده -هم الرجال الصالحون القائمون على حدود الله، المتقون لله، المقيمو الصلاة، المؤدو الزكاة، المجاهدون في سبيل الله، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : "ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى". ليسوا هم الملحدين، ولا المحاربين لدين الله، ولا الفجار الذين لا يتورعون عن منكر، ولا الذين يزعمون أن لهم أن يضعوا شرائع وقوانين تخالف دين الله، وتهدم شريعة الإسلام، هؤلاء وأولئك -من بين كافر وفاسق- موضعهم الصحيح تحت السيف أو السّوط، لا موضع الاستشارة وتبادل الآراء. والآية الأخرى: آية سورة الشورى -كمثل هذه الآية وضوحاً وبيانا وصراحة: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ). ثم هي ما كانت خالصة بطرق الحكم وأنظمة الدولة. إنما هي في خُلُق المؤمنين الطائعين المتبعين أمر ربهم: أن من حُلُقهم أن يتشاوروا في شؤونهم الخاصة والعامة، ليكون ديدنهم التعاون والتساند في شأنهم كله. ومجال القول ذو سعة. وفيما قلنا عبرة وعظة وكفاية، إن شاء الله. * ... * ... *

стр. 156

٢١ - المرأة ليست كالرجل في الميراث . (وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [النساء: ١٤] قال الشيخ (١): هذا الوعيد الشديد هو لمن تعدّى حدود الله في الوصية والميراث وإعطاء كل ذي حق حقه، وخالف عن أمر ربه، وظن أنه يعمل ما يراه -بعقله القاصر أو بهواه- ما فيه مصلحة لورثته. أعني أن هذا في المخالفة العملية التي لا تتصل بالعقيدة، كما هو ظاهر من سياق الآيات الربانية. أما الخارجون على شريعة الله وحدوده، الذين يطالبون بمساواة المرأة بالرجل في الميراث -من الجمعيات النسائية الفاجرة المتهتكة، ومن الرجال أو أشباه الرجال، الذين يروجون لهذه الدعوة، ويتملقون النسوة فيما يصدرون ويردون- فإنما هم خارجون من الإسلام خروج المرتدين، لاتصال ذلك بأصل العقيدة، وإنكار التشريع الإسلامي. فيجب على كل مسلم أن يقاومهم ما استطاع، وأن يدفع شرهم عن دينه وعن أمته. * ... * ... *

стр. 157

٢٢ - خواطر ... ١ - في التعليم: قال الشيخ (١): يريد المجددون أن يجمعوا في التعليم بين الذكور والإناث -جريا على ما اختطوا لأنفسهم من خطط في هدم الدين ونشر الإباحية- وأحسن ما رأيناه صالحاً للرد عليهم وكشف أغراضهم كلمة لكاتب فاضل من رجال التعليم في أهرام الخميس (٦ مارس سنة ١٩٣٠م) قال فيها: "أننا نري الآن في المدارس أنه كثيراً ما يختلط طالب السنة الخامسة الثانوية الذي تجاوز الثامنة عشر ربيعاً مع طالب السنة الأولى الذي لا يجاوز الثانية عشر. وهناك فارق عظيم بين سنيهما في الأخلاق والآداب والاجتماع بينهما كثيرا ما يكون قل دخول الفصول وفي أوقات الفسح. وهذا الاجتماع بين كبار الطلبة وصغارهم كان من الواجب منعه لأن أسباب الضرر التي تنتج عن ذلك معروفة ولا موضع لذكرها. ومن المحتم الفصل بين هاتين الطبقتين فيحدد موعد لدخول كبار التلامذة وموعد لدخول صغارهم .. وكذلك عند الانصراف من المدرسة حتى يمتنع الاختلاط.

стр. 158

ولإمكان منع هذا الاختلاط أيضاً يجب أن نمنع تناول الغداء في المدارس لأنه فرصة للاجتماع". ويظهر من كلام حضرة الكاتب أنه ممن مارس التربية ووقف على أسرار المدارس ودرس أخلاق الطلاب أدق درس. فهل يخجل بعد هذا من يزعمون أنهم يجددون للأمة في كل نواحي حاجاتها -حتى الدين- ما أظنهم يخجلون! ٢ - في المحاضرة الحمقاء: قد أحسن جداً من وسمها بهذه السمة. ولا ندري إلى م تغضى الأمة -ولا أقول الحكومة- عمن يهاجمها في دينها وعقائدها ويسب نبيها ﷺ ؟ كما فعل ذاك المحاضر الآخر بقاعة الجامعة الأمريكية. أترضى أمة من الأمم أن تغضى عن مثل هذا!! أئذا قام رجل مسلم في أي بلد من بلدان أوربة أو أمريكا وطعن علناً في سيدنا عيسى ﷺ -بل في أحد من يقدسونهم من الرجال والنساء وكثير ما هم- أقول هل يتركه القوم هناك يقول ما شاء؟! كلا والله. وإن الأمم التي تفقد الغيرة على دينها وأعراضها ليس لها إلا الدمار. أيها المسلمون، الأمم تجدّ وأنتم تهزلون. بالأمس قام رجل مسلم غيور -هو صاحب الفتح- ينقد أعمالا مما صنع أمان الله- ملك الأفغان

стр. 159

السابق- يمقتها الإسلام، وما كتب إلا غيرة على دينه وانتصاراً لعقيدته وللأخلاق ومع هذا فقد كان جزاؤه الحبس ولو مع إيقاف التنفيذ. وها هم أولاء يهاجموننا في ديننا وعقائدنا ولا يستحون أن يطعنوا في شخص رسول الله ﷺ ، وشخصه مقدس عند كل مسلم، ثم لا يرون أمامهم إلا جبناً وخنوعاً. ٣ - في الأعراض: بلغنا أن شاباً خدع فتاة قاصراً لم تبلغ السادسة عشر وعاشرها وظهر أنها حامل منه -وكثيراً ما يحدث مثل هذا- فهذا أضاع عليها شرفها وما ترجو في حياتها ولا يمكن تزويجها منه لأنه مسيحي وهي مسلمة. ومن الأسف أن القانون لا يصل إليه لعقابه (طبقا للمادة ٢٣٢ عقوبات) لأن سنها زادت عن أربعة عشر عاما. تحدثت في هذا الأمر مع أحد أفاضل نوابنا الكرام، فكان من رأيه اقتراح رفع السن في هذه المادة إلى ستة عشر عاماً وكان من رأيي رفعها إلى واحد وعشرين -إن لم يمكن الآن تحريم الزنا في القوانين كما هو محرم في الأديان -وحجتي واضحة في نظري وهي: أن القاصر لم يبح له في التشريع الحديث قبل بلوغ هذا السن أن يتصرف في شيء من ماله وجعل اختياره في بيعه وشرائه كأنه لم يكن. فكيف تكون له الخيرة في التصرف في عرضه وهو أغلى من كل مال؟! إنا نعرض أمثال هذا الحادث على الغيورين من رجال الشريعة ورجال

стр. 160

القانون ليبدوا فيه آراءهم ويبحثوا عن الدواء وقد ظهر الداء. وفقهم الله جميعاً. ٤ - لصوص الثياب: لصّ (١) المجددون من الشبان المفتونين بهم دينهم وعقولهم، وسرقوا من الفتيات عفافهن وحياءهن، والآن يريدون أن يسرقوا من الفريقين ثيابهم بالدعوة إلى "العري" قاتلهم الله أنّى يؤفكون! ألا ترى قائلهم يقول في المجلة السلموسية (يناير ١٩٣٠): إننا (طغينا طغياناً عظيما في تزيين اللباس حتى باتت الزينة خطراً على كل شاب مراهق تملأ رأسه خيالات كاذبة لو أنه عرف حقيقتها لخفف من غلوائه في غرامه بجمال المرأة. ولو كنا نعيش كلنا عرايا كما تفعل الآن في أوقات معينة إحدى الطوائف في ألمانيا لأخذ الاشمئزاز شيئاً كبيراً من ذلك الغرام" ويقول أيضاً: "ويجب أن لا يبرح من أذهاننا أن الإغراء الجنسي إنما يأتي من كثرة الملابس وليس من قلتها بل إن للتجرد أو العري أدعى للاشمئزاز منه إلى الإغراء". فما أوقح وما أفجر!! وهذا نوع من تجديدهم لا يحتاج إلى تعليق.

стр. 161

٥ - هل في شعائر الإسلام وثنية ؟ (١) وهذا مجدد آخر من طراز راق!! كتب في الأهرام (٧ مارس سنة ١٩٣٠م) فوصف ما شاهد في روما (مدينته الخالدة) من تقبيل قدم صنم من أصنامهم ثم قال: "وكذلك في مكة يقبلون الحجر الأسود، وكذلك يقبلون في طنطا عمود السيد. وهنا يقبلون قدم تمثال بطرس. فنحن وإن اختلفنا مذاهب وشيعة ما زلنا حافظين منذ أجيال دون وعي منا شيئا من عبادة الأسلاف .. شيئا من الوثنية! ... ". دعنا الآن مما يظهر في ثنايا كلمات حضرة الكاتب من تقديس النصرانية والحدب عليها -والكاتب يسمى باسم من أسماء المسلمين- فذاك من النتائج الخطيرة في حياة المسلمين من نظم التعليم في مدارس المبشرين وفي البعثات إلى أوروبا، بل وفي المدارس المصرية نفسها قاطبة، ولله الأمر من قبل ومن بعد. ودعنا من محاسبته على لوازم أقواله ومراميها الدقيقة البعيدة، فلو حوسب حضرته عليها لكان من المدحضين. ولكن نسأل الكاتب: هل قال مسلم قبل اليوم إن تقبيل الحجر الأسود من شعائر الوثنية ومن عبادة الأسلاف؟ بل هل كان الحجر الأسود سلفا لأحد من الناس؟

стр. 162

اللهم إنا نعوذ بك من فلتات ألسنتنا ومن غلبة أهوائنا وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم" (١). وإذ يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها في جهنم" (٢). إن تقبيل الحجر الأسود ليس له في شعائر الحج عند المسلمين أي معنى من معاني العبادة وإنما هو عمل نقتدي فيه بالنبي ﷺ مما عمل من مناسك الحج، وقد أمرنا أن نأخذ عنه المناسك. ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ عند تقبيل الحجر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (٣). وإنما أوهم حضرة الكاتب الفاضل جهله بالشريعة الإسلامية وفرائضها -إذ سمع من بعض الناس إنهم يقبلون الحجر الأسود- أنهم يقبلونه على معنى من معاني الوثنية كما تفعل أمم ذات أديان أخرى، ولعله معذور في هذا الفهم لأن النفس لا تتجه إلا إلى ما نشأت عليه وأشربته في قلبها فتنساق إلى تأويل ما تسمعه أو تراه على ما رسخ فيها من عقائد وعادات. ولو كان المعنى الذي رآه حضرته مما يجول في خاطر أحد من المسلمين

стр. 163

لكان أولى أن يجول في خواطر الصحابة ﵃ وهم كانوا قبل أن هداهم ربهم ببعثة محمد ﷺ وثنيين متعمقين في الوثنية متعصبين لها يقاتلون عنها بأنفسهم وأموالهم، فما هو إلا أن أنقذهم الله بهدايته وصدقوا رسوله حتى كانوا حرباً عليها وألدّ أعدائها. أقول: مع كل هذا لم يظن أحد منهم في تقبيل هذا الحجر معنى الوثنية التي كانت في أعماق قلوبهم وما توهموه قط ﵏ ورضي عنهم. وأما تقبيل عمود السيد فإننا ننكره على من يفعله وما يفعله إلا العامة وأشباههم جهلا منهم وكثيراً ما أنكره المهتدون. بل هذه القبور والقباب لا أصل لها في شريعة الإسلام وقد أمر رسول الله ﷺ بتسوية القبور بالأرض لأن الإسلام جاء بالحرب على الوثنية لاقتلاعها بجذورها من القلوب. ومن الفكاهات في هذا الموضوع أن حضرة الكاتب زعم أن عمود السيد في طنطا مع أن المعروف أنه في القاهرة في المسجد المنسوب إلى سيدنا "الحسين بن علي" ﵁. * ... * ... *

стр. 164

٦ - بحث في تاريخ السيد البدوي . وبهذه المناسبة نريد أن نسأل المؤرخين العارفين عن تاريخ "السيد أحمد البدوي" الذي يقول بعضهم بوجوده وينكره بعضهم وأعني بهذا أنه هل وجد شخص حقيقي بهذا الاسم هو المدفون في طنطا والذي نسب إليه المسجد. لأن الذين كتبوا في ترجمة حياته إنما هم المتأخرون ويزعمون أنه توفي في منتصف القرن السابع الهجري -أي بين سنتي ٦٠٠ و٧٥٠ هجرية -لأني لم أحد من ذكره من المؤرخين السابقين الذين يوثق بنقلهم إلا جلال الدين السيوطي الحافظ ﵀ وهو من رجال أواخر القرن الثامن لأنه مات سنة ٩١١ هجرية وبين التاريخين بون شاسع، ولم يذكر السيوطي عمن تلقى خبر تاريخه. والقاعدة الصحيحة عند علماء النقل وزعمائه -وهم حفاظ الحديث- أن المرسل لا تقوم به الحجة وهو ما يرويه شخص عمن لم يدركه ولم يتلق عنه مباشرة لما فيه من جهالة الواسطة فلعله غير ثقة. وهذا أمر معروف. ولعل من يجيبنا عن هذا السؤال يذكر من أين نقل والكتاب الذي نقل منه، على أنا لا نريد إلا التحقق من هذا الأمر. ونسأل الله العون والتوفيق. * ... * ... *

стр. 165

٧ - مقاطعة الملحدين (١) بث الملحدون دعوتهم بين كثير من الناس فأفسدوا كثيراً من عقائدهم ولمسنا خطرهم على الإسلام بأيدينا ورأيناه بأعيننا ثم رأوا من المسلمين الصادقين التواكل والسكون فراشوا سهامهم وأعدوا عدتهم وهاجمونا من كل جانب والمبشرون من ورائهم يؤيدونهم بأموالهم وصحفهم اتباعا لخطة اختطوها بعد التجارب وقد علموا أن تنصير المسلم دون خرط القتاد فاكتفوا الآن -مؤقتاً- بالعمل على تنفيرهم من الإسلام وتحقيره في أعينهم وانتزاع عقائده من صدورهم. وآية ذلك أن تجد هؤلاء المجددين لا يطعنون إلا في دين الإسلام وإن تظاهروا بمحاربة كل الأديان. وقد قامت حركة مباركة بين المخلصين المجاهدين في سبيل الله بالكتابة ضد كل من تحدثه نفسه بالعدوان على الدين الحق، ولكن الكتابة في نظري غير كافية والمناظرة لا تجدي إلا قليلا. وإنما الجهاد عمل. ولا يجوز لنا أن نعتمد في كل أمورنا -بل في أمر هو حياة الإسلام -على الحكومة، وما هي بمجيبة لنا دعوة، ولا بسامعة لصوتنا صدى. والإسلام يكره العنف والهوج، ولكنه بجانب هذا يحتقر الجبن والذل ويرفض من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. ويقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ

стр. 166

أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ) (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] فكرت في هذا كثيرا فما وجدت من طرق الجهاد السلمي الهادئ أجدى علينا من مقاطعة الملحدين. لا أقصد بهذا أن لا نكلمهم فقط فذا أمر هين، ولكني أريد أن نقاطعهم في كل شيء. لا نأكل طعامهم ولا نضيفهم ولا نبايعهم ولا نصاهرهم ونقطع كل صلة بأي فرد منهم، ونعلمهم بحكم الله تعالى بأنهم خرجوا من الإسلام وحاربوه فلا صلة بينهم وبين المسلمين. إذا مات أحدهم لا يرثه وارثه المسلم، وإذا مات قريب لهم لا يرثونه، وإذا علمت المرأة أن زوجها منهم وجب عليها أن تفارقه فإن نكاح الكافر للمسلمة نكاح باطل ومعاشرتها له حرام. إذا كان للرجل ولد منهم حرم عليه إبقاؤه معه تحت سقف واحد ووجب عليه إخراجه وأن لا ينفق عليه، وكل ما بعطيه فإنما ينفقه في إعانة من يحارب دينه وهو عليه حرام. وقد أعجبني من هذا النوع كلمة لأستاذنا السيد رشيد رضا للآنسة التي أيدت الأستاذ محمود عزمي في وجوب مساواة المرأة بالرجل فإنه قال لها (في عدد رمضان سنة ١٣٤٨هـ من مجلة المنار الغراء): "يجب أن تعلم هذه الفتاة هي وأهلها أنها إذا كانت تعتقد ما يعتقده عزمي في هذه

стр. 167

المساواة وتنكر حقيقة ما قرره الإسلام وحسنه فهي مرتدة لا يجوز لمسلم أن يتزوجها ولا ترث المسلمين ولا يرثونها". وهكذا يجب أن نفعل كل من أبدى للإسلام صفحته؛ صدعنا بأمر الله وصارحناه بحكم الإسلام فيه، وعاملناه بما تأمرنا به الشريعة في كل أموره. هذه فكرة كانت تجول بخاطري من زمن بعيد وكلما هممت بكتابتها تريثت حتى تنضج، وأنا أعرضها الآن على إخواني المؤمنين فما قولهم؟ * ... * ... *

стр. 168

٨ - الكشف الطبي على راغبي الزواج (١) في الأسبوع الماضي أبى مجلس النواب أن يوافق على مشروع هذا القانون الذي قدمه صديقنا النائب المحترم الدكتور عبد الرحمن عوض. وبالرغم من احترامنا الكثير لحضرة الناب واعتقادنا إخلاصه في اقتراح هذا المشروع وفي أنه يرجو -وهو نقي الضمير- أن يحارب الأمراض السرية المهلكة التي أضاعت على كثير من الشبان حياتهم وسعادتهم-: بالرغم من كل هذا نحبذ قرار المجلس الموقر ونرى أنه قرار حكيم. إن محاربة الأمراض السرية لا تكون بزيادة القيود التي قيد بها الزواج ويكفي ما أرهق به الناس منها -إلى إعراض أكثر الشبان النافعين، وهم زهرة الأمة عن الزواج. حاربوا الأمراض السرية إن شئتم بإلغاء البغاء المعلن والخفي، حاربوها بمنع الخمور وبإقفال دور الفسق. حاربوها بمنع الصور المتهتكة المخجلة التي تسمونها الصور الفنية. حاربوها بمنع ما ترون كل يوم في دور التمثيل والملاهي، وقد أضاعت على فتيانكم وفتياتكم رونق الشباب وجدته. حاربوها بإيجاب الزواج على كل من أطاقه من الرجال والنساء، وبمنع التغالي في المهور والجهاز والأفراح.

стр. 169

حاربوها بإعانة الأسر البائسة والأرامل واليتيمات، ممن يعانين شظف العيش ويجاهدون في سبيل الحياة حتى يدفعن الفقر المدقع إلى التفريط في الأعراض. حاربوها بإقامة حدود الله لا تخافون لومة لائم. أنا أعلم أن اقتراح إقامة الحدود في هذا البلد في هذا العصر يقابل بالسخرية والاستهزاء من فريق كبير من المسلمين -وأنا آسف- وآخرون منهم يرونه شيئاً فات ويشفقون على من يطالب به خشية أن يكون مسّ!! هذا كله أعرفه وأشعر به ولكني أفهم أني أخطاب قوماً مسلمين. أيها الناس: إن الله تعالى يقول في كتابه، وهو القانون الأول والدستور الأعظم الذي لا يجوز لمؤمن أن يخرج على شيء من أحكامه. (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [النور: ٢]. ويقول رسول الله ﷺ : "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". أيها المسلمون: طغت عليكم سيول المدنية الكاذبة فأنستكم دينكم واقتلعت من قلوب كثير منكم حبه واحترامه والغيرة عليه حتى صرتم

стр. 170

تنكرون على من يدعوكم إليه ثم تحاربونه جهاراً. ولا والله لا فلاح لكم حتى تراجعوه وتهتدوا بهديه. سيقول كثير منكم: أنعود إلى أحكام العصور الوسطى؟ ونعم يا سيدي؛ إن القرون الوسطى كانت على أوربا ظلماً وظلاماً وضلالة، ولكنها كانت على المسلمين عدلاً ونوراً وهدى. أيها الناس: إن الله أرحم بعباده من رحمة الأم بطفلها وأعلم بما يصلحهم في دينهم ودنياهم وقد حد لهم هذه الحدود -وهو عالم الغيب والشهادة- هداية لهم وزجراً، يداوي بها أمراضهم العصية. وهأنتم قد رأيتم عاقبة تركها، وسيستعصي عليكم الداء حتى تلجأوا إلى الدواء. أين المجددون؟! ها هي أمة من الأمم تريد أن تعود القهقري فهلا أخذتم بيدها فأنقذتموها من (الرجعية)؟! أما قرأتم في البرقيات الخصوصية في مقطم الثلاثاء ١٨ مارس سنة ١٩٣٠م: (وافق مجلس النواب الإيطالي على مشروع القانون القاضي بإدخال التعليم الديني في المدارس العالية -نعم! المدارس العالية- طبقا لما جاء في المعاهدة بين الحكومة الإيطالية والفاتيكان وقد بنى موافقته على أن الأمة لا تستطيع أن تبلغ درجة رفيعة من الرقي بغير التربية الدينية). أين أقلامكم الماضية وأسلحتكم المرهفة في محاربة الأديان وفي منع

стр. 171

تعليمها!! هذا مجال لكم واسع تجولون فيه فإن فزتم نلتم أعظم فخر بهداية أمة أوربية وإنقاذها من ظلمات الرجعية!. أؤكد لكم أيها المصلحون أن أحدكم سيغص بريقه ألف مرة قبل أن ينطق لسانه بكلمة أو يخط بقلمه حرفاً. وما بكم من عجز أو عيّ، ولكنكم لا تحاربون من الأديان إلا دين الإسلام. * ... * ... *

стр. 172

٩ - تعليم الدين في المدارس (١) فكرت كثيراً في أن أجد وجهاً معقولاً، أو سبباً مقنعاً يمنع من تعليم الدين في المدارس -من كل نوع- فما اهتديت لشيء. الأمة بحمد الله مسلمة وحكومتها تعلن أنه دينها الرسمي هو دين الإسلام وبجانب هذا يخرجون ناشئتها تجهل دينها ثم لا يزال بها الجهل حتى تعاديه -وقديما قالوا: "من جهل شيئا عاداه" وصدقوا -لا تجد الآن في المدارس كلمة في تعليم الدين وتهذيب النفوس، حتى المدارس الإبتدائية، وطلبتها أطفال، ليس فيها من ذلك إلا قشور إن لم تضر لم تنفع ثم جعلوا درس الدين في آخر اليوم بعد أن يسأم الطفل ويمل، وجعلوه علما إضافيا -لا امتحان فيه- فأهمله المدرسون وكثير منهم يشغل هذا الوقت الضئيل بتقوية الطلاب في العلم الذي يمتحنون فيه ويسأل عنه إذا ساءت نتيجة الامتحان. هذه حقائق يعلمها كل من له أولاد في المدارس ويشعر بآثارها السيئة في نفوس الطلاب وأخلاقهم وآدابهم. وبعد كل هذا يدخل الطالب المدارس الثانوية فينسى المسكين الكلمات القليلة التي حفظها في المدرسة الأولى ولم ترسخ في عقله ولم تتشربها نفسه، فما يكاد يشبّ حتى تتناوله أيدي الشياطين من إخوانه وغيرهم فإذا به مهيأ للإلحاد.

стр. 173

ثم لا يدخل المدارس العالية -قل: الجامعة- حتى يكون من أساطين الملحدين المجددين، فدينه محقر في نظره السامي! وأهله جامدون، ومعلموه المتمسكون بدينهم رجعيون، وهو وحده النابغ. ولن أسترسل في وصف ما صرنا إليه من هذه الحال، فإنه معروف لكل من يخالطهم ويسمع آراءهم ويحضر محاضراتهم. هذا هو الأكثر الأغلب إلا من هدى الله. إثم كل هذه السيئات في عنق من يستطيع المدواة ثم لا يفعل. أرادوا أن يعلموا الأمة ويهذبوها فانقلبت عليهم أغراضهم. وجدوا أمامهم الأزهر يعلم الناس، وكان إذا ذاك قائماً وحده بالتعليم، وكان ما فيه من علوم لا يكفي لما يناسب العصر الحاضر، وكان الطريق الصحيح للرقي أن يدخلوا عليه ما شاءوا من التهذيب والإصلاح، ولكنهم لم يفعلوا، فتركوه جانبا وأنشأوا بجواره أنواعا من المدارس، ثم جاءوا إلى العلوم التي اختص بها، وهي الشرائع والعلوم اللغوية، فعملوا لها مدرستين، وزادوا أخيرا ثالثة، هي "قسم الآداب بالجامعة" حتى يتم القضاء عليه فلا تقوم له قائمة، وما أدري هل عمدوا أو أخطأوا؟ إنما نرى النتائج والآثار، وعلم النيات عند الله. الأمة تريد العلم والتهذيب وتحرص على دينها، ولكن بجانب هذا يريد الإنسان الحياة، يريد أن يطرق سبل الكسب، يريد أن ينال حظه من نعيم الدنيا، وهذه المدارس قد احتكرت كل الفنون التي تنفع في اكتساب

стр. 174

الرزق فأقبل الناس على زج أبنائهم فيها وتكالبوا عليها، وليس في مقدورهم الإعراض عنها. وقد حببت إليهم العاجلة. وإن كثيراً من الآباء ليبكون الدم أسفا على ما وصل إليه أولادهم من استهزاء بالدين وإعراض عنه وما فعلت بهم آراء الإباحية التي بُثت فيهم وامتزجت بأرواحهم. وها قد صارت الأمة في خطر شديد من هذه الخطط التي وضعت فكادت تقضي على عقائد شبانها وأخلاقهم وتهذيبهم فهل نجد في رجالها وكبرائها من يغيثها ويحفظ عليها ما بقي من فضائل. إن عاطفة تقليد الأجانب استولت على أكثر الأفئدة واستهوتهم وقد قرر مجلس النواب الإيطالي بالأمس وجوب تعليم الدين في المدارس الإيطالية، فقلدوهم أيها الناس في هذه الحسنة كما قلدتم كل أمة في سيئاتها!!. ١٠ - الجامعة المصرية . يظهر أن الجامعة المصرية لا تريد أن تقف عند حد في بث الدعوات الإلحادية ولا تكتفي بما يفعل بعض أساتذتها ومعلميها في نفوس الطلاب. فقد رتبوا مناظرة في قاعة المحاضرات لا بأس بها في موضوعها لو لزم المتناظرون حدود ما يتكلمون فيه، وموضوعها (هل حققت المدنية كل أحلام الإنسانية) وهو موضوع بديع يجد القائل فيه مجالا واسعاً للقول فيما يرى من حسنات وسيئات. ولكن هل من الضروري في نظر أي

стр. 175

عاقل أن يقحم الجملة الآتية في مناظرته. "إن في أديان الهمج شروراً فهو (كذا) يعتقد بالشياطين والعفاريت" تقال هذه الكلمة في وسط أمة دينها الإسلام ومن الأشياء المعروفة فيه المنصوصة صريحاً في القرآن والسنة وجود الشياطين والعفاريت- وإن لم يكن كما يتصوره بعض العوام- وهي من الأشياء الغائبة عنا وكلفنا الإيمان إذ أمرنا بتصديق القرآن وبتصديق الرسول ﷺ ؛ وما كان من شأن المؤمن أن يكذب بكل ما لم يره؛ والله تعالى يصف المؤمنين في أول كتابه بأنهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ). ثم إن كان لحضرة المناظر عقيدة في هذه الأشياء تخالف عقيدة المسلمين فهل من حسن الذوق أن يرمى دينهم بالهمجية في بلدهم في وجوههم وإن كان هو منهم بالاسم؟! ما نظن أن هذا القسم من الجامعة أنشئ إلا لهذا ولله الأمر من قبل ومن بعد. * ... * ... *

стр. 176

٢٣ - الإيمان بالغيب حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة -وعفان، حدثنا حماد -أخبرنا علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ ، قال: "تخرج الدابة ومعها عصا موسى ﵇، وخاتم سليمان ﵇، فتخطم الكافر قال عفان: أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر". قال الشيخ (١): وهذا الحديث بيان للدآبة المشار إليها في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) الآية:٨٢ من سورة النمل. والآية صريحة بالقول العربي أنها "دآبة" ومعنى "الدآبة" في لغة العرب معروف واضح، لا يحتاج إلى تأويل. وقد بين هذا الحديث بعض فعلها، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه الدآبة [المذكورة في] (٢) الآية، وأنها تخرج

стр. 177

آخر الزمان. ووردت آثار أخر في صفتها، لم تنسب إلى رسول الله، المبلّغ عن ربه، والمبين آيات كتابه. فلا علينا أن ندعها. فانظر -مثلا- تفسير ابن كثير (٦: ٣٠٥ - ٣١٠). ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول، والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة، التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم من ملحدي أوربة الوثنيين الإباحيين، المتحللين من كل خُلُق ودين -هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارا صريحاً، فيجتمعون، ويحاورون ويداورون، ثم يتأولون. فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح في لغة العرب، يجعلونه أشبه بالرموز، لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون! بل إن بعضهم لينقل التأويل عن رجل هندي معروف أنه من طائفة تنتسب للإسلام وهي له عدو مبين، وعبيد لأعدائه المستعمرين!! فانظر إليهم أنى يتردَّوْن ويصرفون؟ وأي نار يتقحمون؟ ذلك بأنهم بآيات الله لا يوقنون. * ... * ... *

стр. 178

٢٤ - من هم أهل الكتاب ؟ قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة: ٥]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة- على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل ... ". قال الشيخ (٢): "هذا كله في طعام أهل الكتاب، إذا كانوا أهل كتاب أما المنتسبون الآن للنصرانية واليهودية في أوربا وأمريكا وغيرهما -فنحن نقطع أنهم ليسوا أهل كتاب، لأنهم كفروا بأديانهم، وإن اصطنع بعضهم رسومها الظاهرة فقط، فأكثرهم ملحدون لا يؤمنون بالله ولا بالأنبياء، وكتبهم

стр. 179

وأخبارهم بين أيدينا، فهم قد خرجوا على كل دين، ودانوا بالإباحية والتحلل في الأخلاق والأعراض، فلا يجوز نكاح نسائهم لفقدانهم صفة "أهل الكتاب" على الحقيقة، ولا يجوز أكل طعامهم، لذلك، ولأن الثابت أنهم لا يذبحون في بلادهم قط، بل يرون الذبح الشرعي المعروف تعذيباً للحيوان -أخزاهم الله- ويقتلون الحيوان بطرق أخرى، يزعمون أنها أرفق بالحيوان فكل اللحوم عندهم ميتة، لا يجو لمسلم أن يأكل منها. * ... * ... *

стр. 180

٢٥ - المراد بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب قال الحافظ ابن كثير (١): " ... قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]، فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذميّة وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: "حَشَفا وسوء كيلة"، والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا ... ". قال الشيخ (٢): "وأكثر النساء من تيك الأمم التي تنتسب لليهودية والمسيحية -ليس فيهن عفيفات، بل قد صرن لا يعرفن البكارة ولا يحرصن عليها. يعاشرن الأخدان دون حياء، ولا حرص على عرض، أبحن من أنفسهم لأخدانهن وأحبابهن كل شيء، لا تتزوج امرأة منهم رجلاً إلا بعد أن تعرفه معرفة
следующие страницы →