← Общие книги

Общие книги · id 14243

حكم الجاهلية

أحمد شاكر

Полный текст (258 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٢٣ - الإيمان بالغيب حدثنا يزيد، أخبرنا حماد بن سلمة -وعفان، حدثنا حماد -أخبرنا علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ ، قال: "تخرج الدابة ومعها عصا موسى ﵇، وخاتم سليمان ﵇، فتخطم الكافر قال عفان: أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر". قال الشيخ (١): وهذا الحديث بيان للدآبة المشار إليها في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) الآية:٨٢ من سورة النمل. والآية صريحة بالقول العربي أنها "دآبة" ومعنى "الدآبة" في لغة العرب معروف واضح، لا يحتاج إلى تأويل. وقد بين هذا الحديث بعض فعلها، ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه الدآبة [المذكورة في] (٢) الآية، وأنها تخرج

стр. 177

آخر الزمان. ووردت آثار أخر في صفتها، لم تنسب إلى رسول الله، المبلّغ عن ربه، والمبين آيات كتابه. فلا علينا أن ندعها. فانظر -مثلا- تفسير ابن كثير (٦: ٣٠٥ - ٣١٠). ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول، والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة، التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم من ملحدي أوربة الوثنيين الإباحيين، المتحللين من كل خُلُق ودين -هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارا صريحاً، فيجتمعون، ويحاورون ويداورون، ثم يتأولون. فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح في لغة العرب، يجعلونه أشبه بالرموز، لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون! بل إن بعضهم لينقل التأويل عن رجل هندي معروف أنه من طائفة تنتسب للإسلام وهي له عدو مبين، وعبيد لأعدائه المستعمرين!! فانظر إليهم أنى يتردَّوْن ويصرفون؟ وأي نار يتقحمون؟ ذلك بأنهم بآيات الله لا يوقنون. * ... * ... *

стр. 178

٢٤ - من هم أهل الكتاب ؟ قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [المائدة: ٥]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة- على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل ... ". قال الشيخ (٢): "هذا كله في طعام أهل الكتاب، إذا كانوا أهل كتاب أما المنتسبون الآن للنصرانية واليهودية في أوربا وأمريكا وغيرهما -فنحن نقطع أنهم ليسوا أهل كتاب، لأنهم كفروا بأديانهم، وإن اصطنع بعضهم رسومها الظاهرة فقط، فأكثرهم ملحدون لا يؤمنون بالله ولا بالأنبياء، وكتبهم

стр. 179

وأخبارهم بين أيدينا، فهم قد خرجوا على كل دين، ودانوا بالإباحية والتحلل في الأخلاق والأعراض، فلا يجوز نكاح نسائهم لفقدانهم صفة "أهل الكتاب" على الحقيقة، ولا يجوز أكل طعامهم، لذلك، ولأن الثابت أنهم لا يذبحون في بلادهم قط، بل يرون الذبح الشرعي المعروف تعذيباً للحيوان -أخزاهم الله- ويقتلون الحيوان بطرق أخرى، يزعمون أنها أرفق بالحيوان فكل اللحوم عندهم ميتة، لا يجو لمسلم أن يأكل منها. * ... * ... *

стр. 180

٢٥ - المراد بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب قال الحافظ ابن كثير (١): " ... قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]، فقيل أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، وإنما قال مجاهد: المحصنات الحرائر، فيحتمل أن يكون أراد الأخرى عنه، وهو قول الجمهور ههنا، وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذميّة وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: "حَشَفا وسوء كيلة"، والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات العفيفات عن الزنا ... ". قال الشيخ (٢): "وأكثر النساء من تيك الأمم التي تنتسب لليهودية والمسيحية -ليس فيهن عفيفات، بل قد صرن لا يعرفن البكارة ولا يحرصن عليها. يعاشرن الأخدان دون حياء، ولا حرص على عرض، أبحن من أنفسهم لأخدانهن وأحبابهن كل شيء، لا تتزوج امرأة منهم رجلاً إلا بعد أن تعرفه معرفة

стр. 181

تامة، ومعرفة داخلية في كل شيء، وبعد أن تكون تقلبت بين أيدي الرجال. إلا النادر الذي لا يؤبه له، ولا حكم له. وأقبح من هذا وأسوأ أثراً: أن هذه الحال المنكرة فشت في الأمم المنتسبة للإسلام، خاصة في الطبقات المتعلمة، التي تصطنع تقليد الإفرنج، والتي ترى أن الرقي والمدنية لا يكونان إلا في التهتك والإباحية، والرقص والفجور وشرب الخمر والقمار -إلى ما يبث فيهن معلموهن من الإلحاد وإنكار الأديان، والكفر بالله وبالأنبياء، ومن السخرية بالدين والمستمسكين به، وإلى ما تذيعه المجلات الماجنة الداعرة من الدعوة إلى الاختلاط، والحرص على ما يسمونه "حقوق المرأة" و"مساواتها بالرجل"، بل زادوا فجوراً ونكراً فسموا "العفة" التي أمر الله بها في كل دين "كبتاً". وصارت الدعوة سافرة إلى تخفيف هذا "الكبت" عن الشبان من الجنسين بل صارت الدعوة علانية إلى البغاء، لا يستحي الداعون إليه! بل يريدون "تنظيم البغاء"، حتى لا يضار الشبان من "الكبت"!! فهؤلاء ملعونون في كل دين، وعلى لسان كل نبي. وقد صرنا نأسف أن نرى أكثر عقود الزواج بين هذه الطبقات باطلة شرعاً، بحكم الكفر الذي اختاروه لأنفسهم. وصارت الأنساب في هذه الطبقات مدخولة، بحكم الفجور من ناحية، حين يكون الفجور، وبحكم الردة والكفر من كل النواحي فيهم: فالملحد -وهو كافر مرتد -زواجه بمثله من النساء زواج باطل، لا ينتج عنه نسل شرعي ثابت النسب، وزواجه بالمسلمة الحقيقية أشد بطلاناً.

стр. 182

والمسلم الحقيقي زواجه بالملحدة المرتدة باطل، لا ينتج عنه نسل شرعي ثابت النسب، وهكذا الحكم فيما إذا كان الزوجان مسلمين عند عقد الزواج، ثم تردى أحدهما أو كلاهما في حمأة الردة والإلحاد والكفر. فلينظر المسلمون لأنفسهم، وليروا أين يذهب بهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. * ... * ... *

стр. 183

٢٦ - النصارى لا يزالون في شقاق وخلاف وبغضاء قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [المائدة: ١٤]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضاً، ولا يزالون كذلك إلى فيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم، لا يزالون متباغضين متعاونين، يكفّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية. والأريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم القيامة يقوم الأشهاد ... ". قال الشيخ (٢): "وقد حقق الله وحده، وسيحققه عليهم إلى يوم القيامة، وقوله الصدق، ووعده الحق.

стр. 184

ولذلك ترى هذه الأمم الفاجرة الضالة، الذين ينتسبون إلى المسيح ﵇ -زوراً وبهتاناً، أولئك يزعمون أنهم نصارى -لا يزالون في شقاق وخلاف، وعداوة بينهم، وحروب مدمرة، وألوان من العدوان فاقت عدوان الوحوش الكاسرة. وقد حقّت عليهم كلمة العذاب، إلى يوم القيامة، إن شاء الله. * ... * ... *

стр. 185

٢٧ - عاقبة قوم لوط قال الله تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ، وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ، فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) [الأعراف: ٨٠ - ٨٤]. قال الشيخ (١): "وقد شاعت هذه الفاحشة القذرة، في كثير من البلاد، وأكثر ما شاعت في الأمة الإنجليزية الملعونة، حتى صارت عندهم شيئاً هيناً لا يعبأ به، بل شيئاً لا ينكر؛ وزاد الأمر أن كثيراً من قساوستهم -لعنهم الله- أعلنوا أن ليس في هذا العمل المنكر جريمة، إذا ما كان بالتراضي! فكانوا خزياً لدينهم ولأمتهم. ونحن نبشر تلك الأمة الفاجرة القذرة الطاغية بأن ستكون عاقبتهم كمثل عاقبة قوم لوط، يدمر الله عليهم، بما اجترؤا على هذا المنكر، ثم على ذيوعه، ثم على التصريح بإباحته، أخزاهم الله وأراح العالم من شرورهم وطغيانهم". * ... * ... *

стр. 186

٢٨ - المتبعون لأهواء سادتهم من المبشرين قال الحافظ ابن كثير في مقدمة التفسير (١): " ... أما إذا أجمعوا (٢) على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك، فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام ... والله أعلم". قال الشيخ (٣): "أما في عصرنا، فقد نابت نوائب، ونبتت نوابت، ممن استعبدوا لآراء المبشرين وأهوائهم. وممن جهلوا لغة العرب إلا كلام العامة وأشباههم، وجهلوا القرآن فلم يقرؤه، ولا يكادون يسمعونه إلا قليلا، وجهلوا السنة، بل كانوا من أعدائها. وممن سخروا من علم علماء الإسلام، وسفهت أحلامهم، ومردت

стр. 187

ألسنتهم على قولة السوء في سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. بل لا يؤمنون بالغيب إلا قليلا. هؤلاء وأشباههم وأمثالهم، اجترؤا على العبث بالقرآن، واللعب بالسنة، فعرضوا لتفسير القرآن، وزعموا لأنفسهم الاجتهاد الجاهل، يفتون الناس ويعلمونهم اللعب والعبث، وينزعون من قلوبهم الإيمان. لا أقول: إن هؤلاء وأولئك يفسرون القرآن بأهوائهم، فإنهم أضعف من أن تكون لهم أهواء وأشد جهلاً. بل بأهواء سادتهم ومعلميهم من المبشرين والمستعمرين أعداء الإسلام. * ... * ... *

стр. 188

٢٩ - بطلان نظرية داروين وأتباعه (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: ٣١]. قال الشيخ (١): آيات القرآن الصريحة المتكاثرة، والأحاديث الصحيحة المتواترة -كلها قاطعة الدلالة على أن الله خلق آدم على صورته وهيئته التي توارثها عنه أبناؤه إلى اليوم، والتي يتوارثها من سيكون من نسله إلى قيام الساعة. أدلة صريحة، لا تحتمل تأويلا، ولا تقبل جدلا في دلالتها، بما تدل به الألفاظ على المعاني. فمن عجب أن يأتي من ينتسبون إلى الإسلام، ويتسمون بأسماء المسلمين، فيقبلوا نظرية التطور الإفرنجية، التي يقول دروين وأتباعه وأشباهه، يقبلونها ويسلمون بها، ويؤمنون إيمانهم بالقطعي من الدين، بل أشد وأوثق. ثم يتأولون الدلائل القطعية الثبوت والدلالة، من الكتاب والسنة، فيحرفونها عن مواضعها، كما فعل اليهود في دينهم من قبل. ثم لا يستحون أن ينكروا الأحاديث المتواترة المعنى في ذلك.

стр. 189

ثم يدور كلامهم وأدبهم وعلومهم على حساب هذه النظرية التي لم تثبت قط، والتي لا تقوم أمام النقد، والتي تتهافت تهافتا شديداً. ثم يزعمون بعد ذلك أنهم مسلمون، ويسمون أنفسهم علماء وهم مقلدون! تعالى الله عما يفترون. * ... * ... *

стр. 190

٣٠ - تزيين الشيطان لآدم ﵊ (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [البقرة:٣٦]. قال الشيخ (١): وقد دأب الكتاب والأدباء في عصرنا هذا على فرية أن آدم ﵇ خدعته حواء حتى أكل من الشجرة!! يصطنعون قول الكاذبين المفترين من أهل الكتاب، بما حرفوا وكذبوا. ثم اجترؤا واجترأت الصحف الماجنة والمجلات الداعرة، على السخرية بآدم وحواء، وتصويرهما في صور قبيحة منكرة، جرأة منهم على الدين، واستهزاء بأول النبيين، وما كان لمسلم أن يفعل هذا أو يقوله. أعاذنا الله مما يقولون ويصنعون. * ... * ... *

стр. 191

٣١ - الذكر والابتهالات الدينية (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) [البقرة: ١٥٢]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن الحسن بن الصباح أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا عمارة الصيدلاني أخبرنا مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر أرأيت قاتل النفس، وشارب الخمر، والسارق والزاني -يذكر الله، وقد قال الله تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ). قال: إذا ذكر الله هذا، ذكره الله بلعنته حتى يسكت". قال الشيخ (٢): وهذا الذي قال ابن عمر حق، ينطبق تماما على ما يصنع أهل الفسق والمجون في عصرنا، من ذكر الله في مواطن فسقهم وفجورهم، وفي الأغاني الداعرة، والتمثيل الفاجر الذي يزعمونه تربية وتعليماً، وفي قصصهم المفترى، الذي يجعلونه أنه هو الأدب وحده أو يكادون، وفي تلاعبهم بالدين، بما يسمونه "القصائد الدينية" و"الابتهالات" التي يتلاعب بها الجاهلون من القراء، يتغنون بها في مواطن

стр. 192

الخشوع وأوقات التخلي للعبادة، حتى لبّسوا على عامة الناس شعائر الإسلام. فكل أولئك يذكرون الله فيذكرهم الله بلعنته حتى يسكتوا. * ... * ... *

стр. 193

٣٢ - لا وصية لوارث (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: ١٨٠]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع بل منهي عنه للحدي المتقدم: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". قال الشيخ (٢): حديث "لا وصية لوارث". صحيح بالأسانيد التي أشرنا إليها آنفا، لا شك في صحته. وإن تكلم بعض أهل العلم في بعض أسانيده، فإن هذه الأسانيد يشد بعضها بعضا، لا يشك في ذلك من شذا شيئا من العلم بالحديث والأسانيد. والإمام الشافعي لم يصل إليه بإسناد صحيح متصل، وإن كان قد ثبت عند غيره، ولكنه أثبته بطريق أقوى من الأسانيد المفاريد، فقال في

стр. 194

كتاب (الرسالة): ٣٩٨ - ٤٠١، بتحقيقنا: "ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا من أهل العلم بالمغازي، من قريش وغيرهم -لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح: "لا وصية لوارث، ولا يقتل مؤمن بكافر"، ويأثرونه عمن حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي، فكان هذا نقل عامة من عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد. وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين. وروي بعض الشاميين حديثا ليس مما يثبته أهل الحديث، فيه: أن بعض رجاله مجهولون. فرويناه عن النبي منقطعا. وإنما قبلناه بما وصفتُ من نقل أهل المغازي وإجماع العامة عليه -وإن كنا قد ذكرناه الحديث فيه- واعتمدنا على حديث أهل المغازي عاما وإجماع الناس". فالشافعي جزم بتواتر الحديث، وبالإجماع على حكمه. وهو كما قال، ﵀: وأما أهل عصرنا، المتبعون للأهواء، الأجرياء على الدين وعلى الشريعة -فقد اصطنعوا قانوناً أجازوا فيه الوصية للوارث، خروجا على الشريعة، يحادّون الله ورسوله. اصطنعه لهم رجال ينتسبون إلى العلم، يلتمسون رضى عامة الناس عنهم، لا يبالون أنى يصدرون وأنى يردون. وحسابهم عند ربهم ... * ... * ... *

стр. 195

٣٣ - لا نكاح إلا بولي (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ...) [البقرة:٢٣٢]. قال الحافظ ابن كثير (١): "عن معقل بن يسار أنه زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع ابن لكع، أكرمتك بها وزوجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدا آخر ما عليك، قال فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ .. إلى قوله .. وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك. زاد ابن مروديه: "وكفّرت عن يميني"

стр. 196

قال الشيخ (١): وزيادة ابن مردويه، روي البيهقي معناها، في روايته٧: ١٠٤ - "فكفرت عن يميني فأنكحتها". والحديث رواه البخاري أيضا مطولا ومختصرا ٨: ١٤٣، ٩: ١٦٠ - ١٦١. وذكره الحافظ ابن كثير هنا من الرواية المختصرة مع الإشارة لإسناديه، ثم ذكر أنه رواه "أبو داود وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير". وقال الترمذي -بعد روايته: "وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي. لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيباً، فلو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل بن يسار. وإنما خاطب الله في هذه الآية الأولياء، فقال: "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن". ففي هذه الآية دلالة على أن الأمر إلى الأولياء في التزويج مع رضاهن". وقال الطبري ٥: ٢٦ - ٢٧ (من طبعتنا): "وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بولي من العصبة. وذلك أن الله تعالى ذكره منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها -لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم، إذ كان لا سبيل له إلى عضلها. وذلك أنها كانت متى

стр. 197

أرادت النكاح جاز لها إنكاح نفسها، أو إنكاح من توكله بإنكاحها -فلا عضل هنالك لها من أحد فينهى عاضلها عن عضلها". وهذا الذي قاله الترمذي وابن جرير -بديهي واضح من معنى الآية وفقهها. لا يخالف في ذلك إلا جاهل، أو ذو هوى وعصبية جامحة. ثم الذي يشك فيه أحد من أهل العلم بالحديث -أن حديث "لا نكاح إلا بولي": حديث صحيح، ثابت بأسانيد تكاد تبلغ مبلغ التواتر المعنوي الموجب للقطع بمعناه. وهو قول الكافة من أهل العلم، الذي يؤيده الفقه في القرآن، ولم يخالف في ذلك -فيما نعلم- إلا فقهاء الحنفية ومن تابعهم وقلدهم. وقد كان لمتقدميهم بعض العذر، لعله لم يصل إليهم إذ ذاك بإسناد صحيح. أما متأخروهم، فقد ركبوا رؤسهم وجرفتهم العصبية، فذهبوا يذهبون كل مذهب في تضعيف الروايات أو تأويلها. دون حاجة أو دون إنصاف. وها نحن أولاء - في كثير من بلاد الإسلام، التي أخذت بمذهب الحنفية في هذه المسألة -نرى آثار تدمير ما أخذوا به للأخلاق والآداب والأعراض، مما جعل أكثر أنكحة النساء اللاتي ينكحن دون أوليائهن، أو على الرغم منهم- أنكحة باطلة شرعاً، تضيع معها الأنساب الصحيحة. وأنا أهيب بعلماء الإسلام وزعمائه، في كل بلد وكل قطر، أن يعيدوا النظر في هذه المسألة الخطيرة. وأن يرجعوا إلى ما أمر الله به ورسوله، من شرط الولي المرشد في النكاح، حتى نتفادى كثيرا من الأخطار الخلقية

стр. 198

والأدبية، التي يتعرض لها النساء، بجهلهن وتهورهن، وباصطناعهن الحرية الكاذبة، وباتباعهن للأهواء. وخاصة الطبقة المنهارة منهن، طبقة المتعلمات- ما يملأ القلب أسفا وحزنا. هدانا الله لشرعة الإسلام، ووقاء سوء المنقلب. * ... * ... *

стр. 199

٣٤ - فتح القسطنطينية (إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ...) [آل عمران: ٥٥]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... فلهذا لما كانوا (٢) هم المؤمنين بالمسيح حقاً سلبوا النصارى بلاد الشام، وألجؤهم إلى الروم، فلجؤا إلى مدينتهم القسطنطينية ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة، وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أمته بأن آخرهم سيتفتحون القسطنطينية ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جداً لم ير الناس مثلها، ولا يرون بعدها نظيرها .. " قال الشيخ (٣): فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث -سيكون في مستقبل قريب أو بعيد، يعلمه الله . وهو الفتح الصحيح لها، حين يعود المسلمون

стр. 200

إلى دينهم الذي عرضوا عنه. وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدا للفتح الأعظم. ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية. وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة. وسيعود الفتح الإسلامي لها، إن شاء الله، كما بشر به رسول الله. * ... * ... *

стр. 201

٣٥ - أين الرجال!! أين الرجال .. (... وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ...) [آل عمران: ٩٧]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال لنسائه في حجته: "هذه ثم ظهور الحصر" -يعني ثم الزمن ظهور الحصر، ولا تخرجن من البيوت. قال الشيخ (٢): فإذا كان هذا في النهي عن الحج بعد حجة الفريضة، على أن الحج من أعلى القربات عند الله -فما بالك بما يصنع النساء المنتسبات للإسلام في هذا العصر، من التنقل في البلاد، حتى ليخرجن سافرات عاصيات ماجنات إلى بلاد الكفر، وحدهن دون محرم، أو مع زوج أو محرم كأنه لا وجود له! فأين الرجال! أين الرجال؟!. * ... * ... *

стр. 202

٣٦ - لا يجوز إطلاع أهل الذمة على أسرار المسلمين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران: ١١٨] قال الحافظ ابن كثير (١): " ... وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان حدثنا عيسى بن يونس عن أبي حيان التيمي عن أبي الزنباع عن ابن أبي الدهقانة قال: "قيل لعمر بن الخطاب ﵁ إن ها هنا غلاما من أهل الخيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبا، فقال: "قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين". ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم، التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب.

стр. 203

قال الشيخ (١): وقد ابتلى المسلمون بهذا بلاء شديداً وشاع فيهم، ورأوا من خطره ما فيه عبرة لمن يعتبر. وأنى هذا؟ * ... * ... *

стр. 204

٣٧ - كُروية الأرض (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: ١٣٣]. قال الحافظ ابن كثير (١): " ... أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر ... ". قال الشيخ (٢): هذا أحد الدلائل على أن كروية الأرض كانت معروفة عند علماء الإسلام، قبل أن تخطر ببال الإفرنج ومن يشايعهم. ليخزي الله المستهترين بالطعن في علوم الإسلام وعلمائه. جهلا منه وتقليداً. * ... * ... *

стр. 205

٣٨ - طاعة الكفار = خسران مبين . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ) [آل عمران: ١٤٩]. قال الحافظ ابن كثير (١): يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة. قال الشيخ (٢): وقد وقع المسلمون في هذه العصور الأخيرة فيما نهاهم الله عنه من طاعة الذين كفروا. فأسلموا إلى الكفار عقولهم وألبابهم، وأسلموا إليهم -في بعض الأحيان- بلادهم، وصاروا في كثير من الأقطار رعية للكافرين من الحاكمين، وأتباعا لدول هي ألد الأعداء للإسلام والمسلمين، ووضعوا في أعناقهم ربقة الطاعة لهم، بما هو من حق الدولة من طاعة المحكوم للحاكم. بل قاتل ناس ينتسبون للإسلام من رعايا الدول العدوة للإسلام -إخوانهم المسلمين في دول كانت إسلامية إذ ذاك.

стр. 206

ثم عم البلاد، فظهر حكام في كثير من البلاد الإسلامية يدينون بالطاعة للكفار -عقلا وروحا وعقيدة- واستذلوا الرعية من المسلمين وبثوا فيهم عداوة الإسلام بالتدريج، حتى كادوا يردوهم على أعقابهم خاسرين، وما أولئك بالمسلمين. فإنا لله وإنا إليه راجعون. * ... * ... *

стр. 207

٣٩ - صحف الهلال والدعاية ضد الإسلام (١) صحف الهلال ١ . نشرت صحيفة الفكاهة بعددها رقم ٥٠ ما نصه: "تشاجر اثنان في الزنكلون، فسب أحدهما دين الآخر، وقدم هذا الأخير طلباً إلى المحكمة الشرعية بأن خصمه قد ارتد. فوافقت المحكمة، وأخرجته من الإسلام وفصلت بينه وبين زوجته". وهذا اعتداء من المحكمة الشرعية على اختصاص المحاكم الأهلية التي تنظر وتعاقب من يسب الدين، فأي عقاب تعاقب به الحقانية هذا القاضي الشرعي الذي لا يبالي بهدم عائلة ولو كان هذا العمل من غير اختصاصه". فلما قرأتها أرسلت لها كلمة أبين فيها خطأها في هذا النقد المستنكر، وطليت منها نشرها. وبعد أيام ورد لي خطاب خاص بأمضاء صاحبيها، ولم ينشرا مقالي، وهذا حقهما. فرأيت أن أنشر كلمتي والجواب عليها في جريدة (الفتح) ليرى الناس كيف يحترم ضيوفنا عادات هذه البلاد، ودينها الرسمي، وقضاءها الشرعي الذي هو أصل القضاء في هذا البلد. وها نص

стр. 208

المقال والكتاب: حضرة صاحب الفكاهة: بعد السلام. قرأت في العدد ٥٠ بتاريخ ٩ نوفمبر سنة ١٩٢٧م من الفكاهة تعرضاً لحكم زعمت الجرائد أنه صدر من محكمة شرعية بالتفريق بين رجل سب الدين وبين زوجه. وليس فيما كتبتم شيء من النقد القانوني أو الشرعي، وإنما هو اعتداء صرف على كرامة القضاء واستقلاله، وتعرض بالسخط لأحكام الشريعة الإسلامية في بلد أهله مسلمون ودينه الرسمي الإسلام. وقد لاحظت مراراً في صحفكم (الهلال، وكل شيء، والفكاهة) كتابات تمس الدين الإسلامي وتهزأ بعلماء الإسلام، ولاحظ هذا غيري كثير من الناس، وآلمنا أشد الألم لصدوره من جرائد مسيحية ليس لها أن تتعرض لدين الإسلام. وأظنكم لم تروا جريدة إسلامية في مصر تكلمت بكلمة تمس الدين المسيحي. نعم إن في بلدنا هذا كثيراً من الملحدين الذين تسموا بأسماء المسلمين، وهم يقولون كثيراً، ولكن الناس مهما سكتوا عن أقوالهم أو سفهوا آراءهم فإنهم لا يحتملون المساس بدينهم من غيرهم، هذا من جهة المبدأ في الكتابة. وأما من جهة الموضوع فإنه يظهر أن كاتب الكلمة في الفكاهة لا يعرف الشريعة الإسلامية، ولا القوانين الوضعية، ولا قواعد الاختصاص

стр. 209

في المحاكم، ولا يشعر في نفسه بعاطفة احترام القضاء ولو أخطأ. فالذي يسب الدين الإسلامي هو مرتد وخارج عن الإسلام ويجب التفريق بينه وبين زوجه في الشريعة، وإذا حكم القاضي الشرعي بذلك فإنه قد أدى ما وجب عليه ولم يتعد اختصاصه. والعقوبة المفروضة في قانون العقوبات شيء آخر. ولئن كان حكمه خطأ لسبب من الأسباب فسبيله أن يطعن المحكوم عليه بالطرق الرسمية من معارضة واستئناف وغيرهما. وحتى لو كان القاضي مخطئاً ومتعدياً على اختصاص غيره فليس للكاتب أي وجه في طلبه أن تعاقب الحقانية القاضي الذي حكم به، إلا إن كان القاضي متأثراً بأشياء خارجة عن موضوع القضية. والخطأ القضائي المبني على اجتهاد في الرأي لا عقوبة عليه. فالقاضي غير معصوم. وها هي المحاكم الشرعية والأهلية والمختلطة كثيراً ما يتعدى بعضها اختصاصه وما رأينا ولا سمعنا أن قاضيا من قضائها عوقب لشيء من ذلك. ولم نر جريدة من الجرائد كتبت كلمة تمس قاضياً أهلياً أو مختلطاً لخروجه عن دائرة اختصاصه. ويظهر أن هذا خاص عندكم بالمحاكم الشرعية لتنفيذها أحكام الشريعة الإسلامية. ثم إن هذه الواقعة التي رواها مكاتب الأهرام بالزنكلون لم نسمع بحصولها في دائرة مديرية الشرقية ولا ندري من أين أتى بها حضرته، وكنا نود من الصحافة الشريفة النابهة أن تتحرى الوقائع قبل نقدها

стр. 210

والتعليق عليها. وإني أرجو أن تنشروا كلمتي هذه بنصها في جريدتكم وأن تتقبلوا مني التحية؟ وهذا نص الجواب الذي جاءني صادراً من إدارة الهلال: حضرة الفاضل الأستاذ أحمد محمد شاكر تحية. واحتراما. وبعد فقد أخذت خطابكم وشكرت لكم عنايتكم. على أني قد أسفت لما تبادر إلى ذهنكم من أن مجلاتنا تنشر كتابات عن الدين الإسلامي وتهزأ بعلماء المسلمين. فهذا أبعد شيء عن خطتنا منذ إنشاء الهلال. على أننا مع رغبتنا الأكيدة في تجنب هذه الموضوعات لا يسعنا -ومجلاتنا تتناول الحوادث الجارية والمباحث الاجتماعية التي يتحدث عنها الناس -إلا أن نشير إلى ما يجري في هذا البلد. ولما كان معظم محرري مجلاتنا من المسلمين فهم بطبيعة الحال يبدون ما يعنّ لهم من الأفكار في هذه الشؤون كما يفعل الكتاب في جميع الجرائد والمجلات السيارة بصرف النظر عن دين أصحابها. وقد تكون أفكارهم مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فإرضاؤهم جميعا غير ميسور. وأنتم تعلمون أن مجال الشرح والتفسير واسع جداً يختلف فيه العلماء أنفسهم اختلافاً كبيراً.

стр. 211

وهذا وأننا نكرر لكم الشكر على ما أبديتم من الملاحظات كما نكرر ونقرر بعدنا عن كل غرض ورغبتنا الأكيدة في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام أميل وشكري زيدان صاحبا الهلال * ... * ... * قال الشيخ: ولقد ترددت بعد أن جاء هذا الخطاب في نشره ونشر مقالي، ولكني رأيت فيه أشياء تحتاج إلى إيضاح. وأراد الله أن أجد لي من قلم (الفكاهة) حجة أقيمها عليها، لأرى إخواني الفرق بين نقدها للقضاء الأهلي وبين نقضها القضاء الشرعي الذي يفصل بين الناس بالشريعة الإسلامية الغراء. فإنها نشرت في العدد ٥١ ما نصه: "القضاء حر فيما يحكم به، ولكن للأحكام آثارها في الجمهور وفي النظام الاجتماعي. وقد حكم بإحالة الأستاذ محمود عزمي المحرر في السياسة إلى محكمة الجنايات لاتهامه بالعيب في ذات الملك" الخ.

стр. 212

إذن فالقاضي الأهلي إذا خالف رأي (الفكاهة) حر فيما يحكم به، وأما القاضي الشرعي فإنه يطلب من وزارة الحقانية عقابه. ألهذا في نظر العقلاء معنى إلا ما قلناه من أن هذه الصحف لا تبغي إلا التعرض لما كان مصبوغاً بصبغة الإسلام! يعتذر أصحاب الصحيفة في كتابهم بأن محرري مجلاتهم من المسلمين! وما لنا ولهذا، إنا لا نرى أمامنا إلا صحفاً بأسمائهم؛ ويزعمون أنها لا شأن لها بالأديان ولم تكن أنشئت للتبشير، فما بالهم كلما عرض لهم شيء يتعلق بالإسلام نبزوه بألسنتهم وتناولته أقلامهم! لو أنهم أعلنوا أن صحفهم دينية جعلت للمناظرة بين الأديان لما عبأنا بالرد عليهم -فنحن أشد الناس مقتاً للجدل حول الأديان- ولما قرأ صحفهم أحد من المسلمين. والمدهش أن يقارنوا بين بحث في اختصاص القاضي والمحافظة على كرامة القضاء وبين أفكار محرري صحفهم (وقد تكون مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فارضاؤهم جميعاً غير ميسور). لا لا أيها الكتاب، إنما ننعي عليكم طغيان أقلامكم وفلتات ألسنتكم، لا مخالفة آرائكم لآرائنا، ولا نبحث عن رضانا أو رضا غيرنا، وليست هذه المسألة مما يخالف فيه أحد من المسلمين فضلا عن رجال الدين. إنا لا نريد من صحف الهلال أن تكون نصيرة للإسلام، ولكنا

стр. 213

نرجوها أن تبعد أقلام محرريها عن التعرض له في كتاباتها وأن تنفذ رغبتهم الأكيدة (في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين) كما وعد أصحابها، ونكتفي بهذا الوعد منهم ونطلب منها أن تنشر اعتذاراً عن التعرض للقضاء لأن طلب عقاب القاضي الذي أصدر الحكم -في ظنهم- يعتبر إهانة للقضاء الشرعي كله، وهذا الذي نصر على طلبه منهم حرصاً منا على كرامة القضاء الإسلامي. وإني أتمنى لو كانت الحادثة وقعت فعلا وحكم فيها القضاء إذن لكان للقاضي شأن آخر مع (الفكاهة). * * *

стр. 214

صحف الهلال ٢ . قال الشيخ (١): يظهر أن "صحف الهلال" لا يروقها أن ترى في مصر مظهراً من مظاهر الإسلام. وهي ترى أن لواء الإسلام الآن بيد الأزهر وعلمائه، والمحاكم الشرعية وموظفيها. وأنهم القائمون بإحياء شعائره والمظهرون سلطانه والحافظون لما بقى من عزه ومجده في مصر تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة نصير الدين ورافع أعلامه "مولانا الملك فؤاد" كبير ملوك الشرق الإسلامي أيده الله بتأييده. إن صحف الهلال ترى الأزهر والمحاكم الشرعية قذى في أعين لا ندري كيف تبصر، وشجى في حلق جمعيات التبشير وصحف الدعاية. فلا تفتأ تناوئهما بالحرب وتنادي -من وجودهما على ظهر الأرض- بالويل والثبور. فما جاء ذكر للأزهر أو للمحاكم الشرعية إلا وانبرت ألسنتها تفري الأعراض وتزن بالسوء. وحاولت أفواهها أن تطفئ نور الله -"والله متم نوره"- باسم الإصلاح والغيرة على مرافق البلد (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: ١١ - ١٢]. ولقد كنا نود أن نحبس أقلامنا

стр. 215

عن مساجلتهم في ميدان، لولا أن خشينا فتنتهم لشباننا وناشئتنا، فيملؤن قلوبهم الطاهرة حقداً وضغناً على دينهم، وهو عنوان مجدهم، وهاديهم إلى سبيل السعادة في الدنيا والآخرة. يعتذرون بأن التعرض للدين الإسلامي والعلماء أبعد شيء عن خطتهم منذ إنشاء الهلال. قد يكون هذا حقاً في حياة مؤسس الهلال، فقد كان فيما نرى حازماً يحسن البعد عن مزالق الأقدام. ومهما قلنا عن أغلاطه في تاريخ الإسلام وفي كتبه الأخرى فلن نبيح لأنفسنا الحكم على خفايا الصدور. ولن نتهمه بالقصد إلى ما أخطأ في نسبته من سيئات للمسلمين، مما نبه عليه في حينه كبار رجال العلم في الإسلام. وأما خَلَفه من بعده فقد رسموا لأنفسهم طريقا جديداً -لأنهم مجددون- ورأوا أن يغيروا ما اختطه سلفهم لنفسه ثم لهم، وأرادوا أن ينشئوا صحفاً أسبوعية إلى جانب هلالهم تدخل علي العاتق في خدرها -حتى تخرجها منه- ويقرؤها الطالب والأستاذ والطفل والشيخ. تستهوي قلوب الناس مما تظهر من صور مكتوبة وأخرى مصورة تثير من شهوات الشباب المتقدة وتنشر في الملأ أخلاقاً وآداباً جاء الإسلام -وهو الهدى ودين الحق- حرباً على كثير منها. وخشوا أن يثوب الناس إلى رشدهم ويرجعوا إلى هدى ربهم بإرشاد علماء الإسلام، فلم يجدوا لهم سبيلاً إلا أن يدخلوا في أذهان قرائهم أن هؤلاء العلماء جامدون متعصبون رجعيون،
следующие страницы →