وهذا وأننا نكرر لكم الشكر على ما أبديتم من الملاحظات كما نكرر ونقرر بعدنا عن كل غرض ورغبتنا الأكيدة في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام
أميل وشكري زيدان
صاحبا الهلال
* ... * ... *
قال الشيخ:
ولقد ترددت بعد أن جاء هذا الخطاب في نشره ونشر مقالي، ولكني رأيت فيه أشياء تحتاج إلى إيضاح.
وأراد الله أن أجد لي من قلم (الفكاهة) حجة أقيمها عليها، لأرى إخواني الفرق بين نقدها للقضاء الأهلي وبين نقضها القضاء الشرعي الذي يفصل بين الناس بالشريعة الإسلامية الغراء.
فإنها نشرت في العدد ٥١ ما نصه:
"القضاء حر فيما يحكم به، ولكن للأحكام آثارها في الجمهور وفي النظام الاجتماعي. وقد حكم بإحالة الأستاذ محمود عزمي المحرر في السياسة إلى محكمة الجنايات لاتهامه بالعيب في ذات الملك" الخ.
стр. 212
إذن فالقاضي الأهلي إذا خالف رأي (الفكاهة) حر فيما يحكم به، وأما القاضي الشرعي فإنه يطلب من وزارة الحقانية عقابه.
ألهذا في نظر العقلاء معنى إلا ما قلناه من أن هذه الصحف لا تبغي إلا التعرض لما كان مصبوغاً بصبغة الإسلام!
يعتذر أصحاب الصحيفة في كتابهم بأن محرري مجلاتهم من المسلمين! وما لنا ولهذا، إنا لا نرى أمامنا إلا صحفاً بأسمائهم؛ ويزعمون أنها لا شأن لها بالأديان ولم تكن أنشئت للتبشير، فما بالهم كلما عرض لهم شيء يتعلق بالإسلام نبزوه بألسنتهم وتناولته أقلامهم!
لو أنهم أعلنوا أن صحفهم دينية جعلت للمناظرة بين الأديان لما عبأنا بالرد عليهم -فنحن أشد الناس مقتاً للجدل حول الأديان- ولما قرأ صحفهم أحد من المسلمين.
والمدهش أن يقارنوا بين بحث في اختصاص القاضي والمحافظة على كرامة القضاء وبين أفكار محرري صحفهم (وقد تكون مخالفة لأفكار فريق من رجال الدين فارضاؤهم جميعاً غير ميسور).
لا لا أيها الكتاب، إنما ننعي عليكم طغيان أقلامكم وفلتات ألسنتكم، لا مخالفة آرائكم لآرائنا، ولا نبحث عن رضانا أو رضا غيرنا، وليست هذه المسألة مما يخالف فيه أحد من المسلمين فضلا عن رجال الدين.
إنا لا نريد من صحف الهلال أن تكون نصيرة للإسلام، ولكنا
стр. 213
نرجوها أن تبعد أقلام محرريها عن التعرض له في كتاباتها وأن تنفذ رغبتهم الأكيدة (في تجنب كل ما يمس الدين أو رجال الدين) كما وعد أصحابها، ونكتفي بهذا الوعد منهم ونطلب منها أن تنشر اعتذاراً عن التعرض للقضاء لأن طلب عقاب القاضي الذي أصدر الحكم -في ظنهم- يعتبر إهانة للقضاء الشرعي كله، وهذا الذي نصر على طلبه منهم حرصاً منا على كرامة القضاء الإسلامي. وإني أتمنى لو كانت الحادثة وقعت فعلا وحكم فيها القضاء إذن لكان للقاضي شأن آخر مع (الفكاهة).
* * *
стр. 214
صحف الهلال ٢ .
قال الشيخ (١):
يظهر أن "صحف الهلال" لا يروقها أن ترى في مصر مظهراً من مظاهر الإسلام. وهي ترى أن لواء الإسلام الآن بيد الأزهر وعلمائه، والمحاكم الشرعية وموظفيها. وأنهم القائمون بإحياء شعائره والمظهرون سلطانه والحافظون لما بقى من عزه ومجده في مصر تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة نصير الدين ورافع أعلامه "مولانا الملك فؤاد" كبير ملوك الشرق الإسلامي أيده الله بتأييده.
إن صحف الهلال ترى الأزهر والمحاكم الشرعية قذى في أعين لا ندري كيف تبصر، وشجى في حلق جمعيات التبشير وصحف الدعاية. فلا تفتأ تناوئهما بالحرب وتنادي -من وجودهما على ظهر الأرض- بالويل والثبور.
فما جاء ذكر للأزهر أو للمحاكم الشرعية إلا وانبرت ألسنتها تفري الأعراض وتزن بالسوء. وحاولت أفواهها أن تطفئ نور الله -"والله متم نوره"- باسم الإصلاح والغيرة على مرافق البلد (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: ١١ - ١٢]. ولقد كنا نود أن نحبس أقلامنا
стр. 215
عن مساجلتهم في ميدان، لولا أن خشينا فتنتهم لشباننا وناشئتنا، فيملؤن قلوبهم الطاهرة حقداً وضغناً على دينهم، وهو عنوان مجدهم، وهاديهم إلى سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.
يعتذرون بأن التعرض للدين الإسلامي والعلماء أبعد شيء عن خطتهم منذ إنشاء الهلال.
قد يكون هذا حقاً في حياة مؤسس الهلال، فقد كان فيما نرى حازماً يحسن البعد عن مزالق الأقدام. ومهما قلنا عن أغلاطه في تاريخ الإسلام وفي كتبه الأخرى فلن نبيح لأنفسنا الحكم على خفايا الصدور. ولن نتهمه بالقصد إلى ما أخطأ في نسبته من سيئات للمسلمين، مما نبه عليه في حينه كبار رجال العلم في الإسلام.
وأما خَلَفه من بعده فقد رسموا لأنفسهم طريقا جديداً -لأنهم مجددون- ورأوا أن يغيروا ما اختطه سلفهم لنفسه ثم لهم، وأرادوا أن ينشئوا صحفاً أسبوعية إلى جانب هلالهم تدخل علي العاتق في خدرها -حتى تخرجها منه- ويقرؤها الطالب والأستاذ والطفل والشيخ. تستهوي قلوب الناس مما تظهر من صور مكتوبة وأخرى مصورة تثير من شهوات الشباب المتقدة وتنشر في الملأ أخلاقاً وآداباً جاء الإسلام -وهو الهدى ودين الحق- حرباً على كثير منها. وخشوا أن يثوب الناس إلى رشدهم ويرجعوا إلى هدى ربهم بإرشاد علماء الإسلام، فلم يجدوا لهم سبيلاً إلا أن يدخلوا في أذهان قرائهم أن هؤلاء العلماء جامدون متعصبون رجعيون،
стр. 216
وأنهم هم المجددون المصلحون.
فكلما لاح لهم مقصد رموا الشيوخ والأزهر والمحاكم الشرعية بما تجود به آدابهم وكانوا لا يكادون يصرحون بما تضمنته قلوبهم إلا لماما. وقد رددنا عليهم قولهم في محكمة شرعية في المقال السابق، وأظهرنا ما يكنون في صدورهم نحو المحاكم الشرعية وأقمنا الحجة عليهم من نقدهم لمحكمة أهلية بجواز طعنهم في الشرعية.
وها هم الآن أبدوا لنا عن صفحتهم جواباً عن مقالنا فكتب كاتبهم ففي مجلة (كل شيء) في العدد ١٠٦ بتاريخ ٢١ نوفمبر سنة ١٩٢٧م كلمة هذا نصها:
لا مؤاخذة في وزارة الحقانية لجنة تنظر في حال المحاكم الشرعية وتحاول وضع نظام لإصلاحها، أو تحاول إصلاح نظامها الحاضر، ولست أريد أن أقول إن نظام هذه المحاكم سيء، فإن هذه الحقيقة الأليمة معروفة يعلمها كل إنسان، فالذي أريد أن أقوله ولا مؤاخذة هو ... إلغاء ... هذه ... المحاكم.
وأضع إصبعي في عين من يدعي أني أعتدي على الشرع لأني أغار على الشرع أكثر منه ومن أبيه ومن أهله ومن أهل بلده جميعاً، ولكن أريد أن يتخلص الشرع من سوء الإدارة.
عجز المصلحون عن إصلاح هذه المحاكم ووضعوا (صباعهم في الشق). ولست أدري ما المانع الشرعي من إلغائها وإحالة أعمالها إلى
стр. 217
المحاكم الأهلية في جلسات يكون القاضي مسلماً ويحضر معه شيخ من مشايخ القضاء الشرعي إلى أن تتوسع مدرسة الحقوق في تعليم الشريعة الإسلامية ويومئذ يلغى عمل الشيخ الذي يحضر مع قاضي المحكمة الأهلية. هذا مع الاعتراف بأن بين القضاة الشرعيين رجالا يستحقون الإعجاب بهم وعددهم قليل لا يمنع شر هذا النظام.
هل المسلم لا يكون متفقهاً في دينه إذا كان أفندياً أو بيكاً" اهـ.
هله كلمة (كل شيء) بألفاظها.
وإني قبل أن أرد عليها كلمتها أرى من الواجب علي أن أعتذر لقراء (الفتح) الكرام من وضع مثل هذه القطعة بين أيديهم بنشرها في هذه الصحيفة الشريفة.
فما اعتادوا أن يروا فيها شيئاً من هذا الطراز ولكن الضرورة ملجئة.
هل رأيتم أن صحف الهلال لا تريد أن ترى المحاكم الشرعية قائمة في البلد بل ولا هؤلاء الشيوخ؟ وفي ظني أنها لو استطاعت أن تزيلهم من هذا الوجود لأزالتهم ليرضى عنها المجددون ومن ورائهم جمعيات التبشير، أستغفر الله، بل جمعية الشبان المسيحية.
هل رأيتم هذا الكاتب الأديب الذي يطعن في المحاكم الشرعية جملة ويذكر الآباء والأهل في مقال ينشر بجريدة سيارة أسبوعية بألفاظ السوقة؟!
стр. 218
يريد حضرته أن يتخلص الشرع من سوء الإدارة، يعني أنه يطعن في أشخاص جميع القضاة؛ وليس طعنه فيهم إلا من قبل أنهم شيوخ مسلمون!
وها هي المحاكم الشرعية قائمة بيننا الآن فهل رأى الناس في قضاتها من يرتكبون المنكرات جهاراً ويقتلون الأخلاق الفاضلة في وضح النهار؟
نحن لا يهمنا طلب الكاتب إلغاء هذه المحاكم فإننا من أعرف الناس بها وبما فيها ونعلم أنه لا يجرؤ شخص مسؤول في مصر على اقتراح هذا الإلغاء، ونعلم أن المسلمين من ورائها يحوطونها بقلوبهم ويذبون عنها بما تملك أيديهم، فإنها البقية الباقية من السلطان للشريعة الإسلامية.
لسنا ننكر أن في بعض النظم في المحاكم ما يشكون منه كثير من الناس، وبخاصة إذا كانوا ذوي غرض. وهذه الشكوى ليست من المحاكم الشرعية وحدها بل هي أيضا في المحاكم الأهلية والمختلطة، ولكن طرق الدعاية والنشر تجعل الأصوات لا ترتفع إلا بما يمس المحاكم الشرعية ولكنا نريد من هؤلاء الكتاب أن يتأدبوا بالأخلاق الفاضلة ويكبحوا من جماح أقلامهم، وليضطغنوا في قلوبهم ما شاؤوا، فإن للكتابة آداباً وللنقد حدوداً. وعفا الله عن سديف الشاعر حيث يقول:
لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن تحت الضلوع داء دويا
إن هؤلاء القوم أبعد الناس عن الأزهر والمحاكم الشرعية والعلماء، ليس لهم أبناء ولا إخوان يدرسون في المعاهد وليس لواحد منهم صلة بمحكمة
стр. 219
شرعية ومع هذا فإنهم قد نصبوا أنفسهم لإصلاح هذا الأزهر وهذه المحاكم كأنهم لم يجدوا منكراً إلا فيها وكأنهم ألصق الناس بها، ولو خلصت نياتهم وتأدبت أقلامهم لتقبلنا منهم ذلك، فالحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيثما وجدها.
في مصر بجوار المسلمين نصارى ويهود من كل الطوائف والمذاهب، وفيهم رجال لأديانهم ومجالس مالية تحكم بينهم -وهم أمس الناس بها رحما- فما بالهم لا ينقدون واحدا من رجالها ولا يتعرضون لشيء من نظمها وتعاليمها وأحكامها- وفي كثير منها قول لقائل- أفكان هؤلاء منزهين عن الخطأ؟ وكانت نظمهم وتعاليمهم في الذروة العليا من الاتقان والعدالة، لا مغمز فيها لطاعن؟ أم هو الغرض والهوى والعصبية توقد نارها في القلوب جمعيات التبشير (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ).
* ... * ... *
стр. 220
صحف الهلال ٣ .
قال الشيخ (١):
عز على صحف الهلال أن يمضي أسبوعان ولا تنشر الجرائد اليومية خبرا -ولو كان غير صحيح- تعلق عليه بالطعن في الأزهر أو المحاكم الشرعية. فأوحت إلى أوليائها أن يوافوها ببعض بنات أفكارهم، فما لبثنا أن رأينا في (كل شيء) في العدد رقم (١٠٧) المؤرخ ٢٨ نوفمبر سنة ١٩٢٧م مقالا طويلا عريضا في صدره ملأ صحيفة منه، ولسنا نجني على قراءة (الفتح) بأن نسمعهم جميع ما قال (كل شيء). وحسبنا أننا امتحنا بقراءة ما يكتب هؤلاء القوم. فرى عاملهم كتاباً زعم أنه من أحد الطلاب في الأزهر الشريف، وقدمه إلى قرائه في نصف مقاله ثم علق عليه أخيرا. وهو لا يقصد بما كتب إلا أن يبث في نفس من رآه أن هذا الأزهر وهذه المعاهد الدينية الإسلامية تفسد عقول الناشئة وتمحق من تفكيرهم بما تعلمهم من الثقافة القديمة. وأن حضرات (أصحاب صحف الهلال) "في حاجة إلى أن تدخل العلوم الحديثة إلى جميع معاهدنا وقاية لعقول شبابنا من فساد هذه التعاليم القديمة" يقول حضرات (أصحاب صحف الهلال) في مقدمة مقالهم عن الأزهر:
"يجب أن تكون مدارسنا معاهد لتثقيف الشباب بالثقافة الحديثة. وليس معنا ذلك أن نهجر الثقافة القديمة فإنها يجب أن يختص لها علماء
стр. 221
يدرسونها ويوضحون لنا منها تطور الفكر الإنساني وكيف ارتقى من الجهل إلى العلم وكيف كانت علومه في الأصل أساطير وحكومته استبداد وطغيان (كذا) ومدنه مباءة أقذار، ثم ارتقى ذلك كله إلى ما نرى من العلوم الدقيقة والحكومات الدستورية والمدن النظيفة. ومن الغباوة الفظيعة بل المحرمة أن نغرس في ذهن الشاب المصري أن العلوم القديمة كانت أنفع للناس من العلم الدقيق الراهن أو أن حكومات القدماء كانت أنظم وأعدل من حكوماتنا. فلندرس كل قديم ولكن باعتبار أنه قديم لقيمته التاريخية فقط ولكن لا لنقتدي به أو لنؤمن بصحته".
هذه قالة يقولونها عن الأزهر والمعاهد التي تعليم قاصديها علوم الشريعة الإسلامية وآداب الإسلام وفنون اللغة العربية وبلاغة العرب -لا عن معاهد أوروبا منذ قرنين، ولا عن محاكم التفتيش في الأندلس.
أفرأيتم أيها الناس أن هذه الصحف ترمي الثقافة الإسلامية العالية بأن علومها إن هي إلا أساطير، وتنبز حكومات الإسلام العادلة بأنها حكومات استبداد وطغيان أو رأيتم أنها تريدنا على أن ندرس علومنا وآدابنا وتاريخنا الناصع وأحكام ديننا لا لنقتدي بها ولا لنؤمن بصحتها ولكن لقيمتها التاريخية فقط؟!
ألا تصدقون معي أن هذه الصحف أنما تمتح من البؤرة التي سبقها إليها أستاذ الآداب بالجامعة المصرية، وأنها إنما ينهزها إرضاء جمعيات التبشير؟ لا يزعم أن علوم الثقافة الإسلامية أساطير إلا من جهلها فعاداها،
стр. 222
أو كان يدفعه الهوى فينكر ضوء الشمس. وها هم علماء أوربة من المستعربين يدرسون علوم العرب وتاريخهم وتشريعهم ويبذلون في نشرها والإشادة بذكرها من الجهود ما لو وفقنا إليه من بضع عشرات السنين لكان للمسلمين شأن غير ما نرى ولعاد إلينا كثير مما أضعنا من المجد والقوى و (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). وهذا هو الكتاب المفترى:
"أنا أزهري اسماً، عصري ثقافة ولحما ودما، تؤثر في كلماتك الغالية، حتى كأنها تسري في عروقي سرى الدم فأشعر عند قراءتها بخجل وحرارة معا، فهي في عقلي ثقافة وفي جسمي حياة! وأريد أن أعرض عليك يا سيدي نوعاً من الذين يجلسون منا مجلس المعلمين ...
قال بعض "العلماء" إن القيامة ستقوم قبل سنة ١٤٥٠ هـ لا محالة ...
ذلك أن النبي ﷺ قال إنه لا تأتي على أمتي سنة هجرية اسمها ١٤٥٠هـ ... وقال غيره إن النيل يأتينا من الجنة!؟ ... فحزنت لأن صموئيل بيكر دخل الجنة قبلنا ... وغيره يقول إن: حسان بن ثابت كان يمسح بلسانه شعر رأسه كأن حسانا لا يكون شاعر النبي إلا بهذا اللسان (العجالي) الذي يريد أن يلحقه به الشيخ!؟ .. ويقرؤن لنا في حصة (الأخلاق) خرافات المتصوفة وحكايات الصالحين! ...
كل هذا يا سيدي حضرته بنفسي، ولو أردت أن أكتب لك كثيرا من هذا "العلم الشريف لفعلت، ولكني أعلم أن نفثات قلمك الجريء لا يصح
стр. 223
أن أقتطع منها أكثر من هذا متعة ومنفعة. محمود ... ".
تدعي هذه الصحف أن هذا الكتاب المخترع جاءها من أحد طلاب الأزهر الشريف، ولن يقرأه ذو مسكة من عقل إلا واستيقن أنه مصنوع لديهم، وأنه بقلم سلامة موسى.
وآية صنعه أن طلاب الأزهر -دعك من علمائه- وطلاب المدارس بل والدهماء من كاتب وأمي يعلمون أن تواطؤ المسلمين على بدء تأريخهم بعام هجرة رسول الله ﷺ إنما كان في خلافة عمر ﵁ -في السنة الثالثة من خلافته في سنة ١٦ - وأن التاريخ بذلك لم يكن معروفاً أصلا في عصر النبوة، فمن غير المعقول إذن أن يتحدث رسول الله ﷺ بأن انتهاء الحياة الدنيا سيكون قبل سنة ١٤٥٠هـ، ومن غير المعقول أن ينسب هذا إلى الرسول الكريم عالم أو جاهل من المسلمين، وإنما يتقحم هذه الحفر من لا يرى في نفسه للإسلام حرمة ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه ولم يسمع قوله ﷺ : "إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
ثم هاتم خبرونا من من المسلمين -جاهلهم أو عالمهم- يرضى أن ينسب هذا الهراء إلى سيد الفصحاء والبلغاء، من أوتي جوامع الكلم واختصر لكم القول اختصاراً ﷺ ؟!
أيرضى لنفسه كاتب أن تصدر عنه هذه الجملة "سنة هجرية اسمها ١٤٥٠" أيا كان من طبقات الكتاب؟ اللهم إن هذا كذب من أوقح الكذب
стр. 224
على رسولك.
وما أصدق قول العربي: إن كنت كذوباً فكن ذكوراً. وإن مثل صاحب الأكذوبة المفضوحة كمثل رجل سمعنا عنه فكاهة لطيفة في صبانا:
زعموا أن نفرا اجتمعوا في مصر العليا -وهناك يتضايق وادي النيل- فتفاخروا بالصافنات الجياد وكان فيهم رجل فياش (١) فزعم لهم أنه ركب جواده فطار به في الوادي من الجبل إلى الجبل! ففجأه أحدهم: وأين البحر؟ فبهت وقال هذا الذي أنسيته.
فهذا نسي النيل بين الجبلين. وذاك نسي أن رسول الله ﷺ انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يؤرخ المسلمون من الهجرة بست سنوات.
وأما كلمتهم في حسان بن ثابت ﵁ فإنا نظنها لاحقة بسابقتها وقد جهدنا في البحث عنها فلم نجدها في شيء من كتب التراجم المعتمدة. ولكنا نذكر أنا قرأنا في بعض كتب الأدب أن حسان كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، وهذا -على أننا لا نثق بصحته من طريق التحقيق العلمي- لا نراه شيئاً مستغرباً.
وانظروا إلى ألفاظهم حين يذكرون صحابياً جليلاً كان ينافح عن رسول الله ﷺ !!
стр. 225
ويميناً بالله إنهم لا يرضون أن يصفوا بأمثال هذه الكلمات أصعر قس من قساوستهم فضلاً عن واحد من أصحاب سيدنا عيسى ابن مريم ﷺ . ولو فلتت فلتة مثل هذه من قلم أحد الكاتبين لهم في وصف رجل ممن ينسبون لدينهم لغضبوا لها وأبوا نشرها.
وأما ما ذكروا من شأن النيل فليس كما خيل إليهم.
ولفظ الحديث في صحيح البخاري من حديث طويل في وصف المعراج: "وإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان. فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات" وفي حديث آخر في صحيح مسلم إن النيل والفرات من أنهار الجنة؛ ومن المعروف ببداهة الحس والعقل أن النيل والفرات في هذه الأرض التي نعيش على ظهرها وأنهما شقا في أديمها، يعرف ذلك الجاهل والعالم ولا يخالف فيه أحد: لا قبل ارتياد منابع النيل ولا بعده. والفرات في العراق من الجهة الشرقية للمدينة المنورة. والنيل في مصر من الجهة الغربية لها وبينهما بلاد وأقطار. وهذه حقيقة يعرفها العرب قبل الإسلام وقد كانوا يسافرون شرقا وغربا ويدخلون العراق ومصر.
وقد أخبرنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق -أنه رأى النيل والفرات يجريان في الجنة، وهي عالم آخر غير هذه الأرض، وهو يعلم أن سامعيه يعرفون هذه الحقائق، وأنهم لن يشبه عليهم قوله، فيظنوا أن هذين النهرين اللذين رأهما في الجنة هما بعينهما النهران اللذان رأوهما في الدنيا.
стр. 226
وهم يعرفون إن الدنيا عالم والجنة عالم آخر، هذه دار العمل وتلك دار الجزاء.
فهل تحب صحف الهلال والطالب الذي اخترعوه أن ندلهم على قاعدة صغيرة من قواعد علم البيان. وهي أن المجاز: ما استعمل في غير ما وضع له لقرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي -ونأسف جداً أن نمثل لهم بالمثال الذي يعطى لصغار الطلاب المبتدئين- كما تقول: رأيت أسداً في الحمام. فإذا كان الحمام قرينة مانعة من إرادة المعني الحقيقي مع أن وجود أسد حقيقي في الحمام غير مستبعد إلا أنه ليس كثير الحصول. أفلا تكون كل هذه الحقائق البدائه التي قلنا -كافية لدلالة السامع على أن رسول الله ﷺ لم يرد المعنى الظاهر للفظ بل أراد معنى آخر أرقى من هذا المعنى المحال؟ وأنه يريد أن في الجنة نهرين هما نيل وفرات تنويهاً بذكر هذين اللذين في الأرض وإشادة بفضلهما وأنهما مصدر لكثير من الخيرات والبركات على أهليهما وأنهما مما أنعم الله به على خلقه فقامت على ضفافهما أقدم الحضارات في الدنيا إلى معاني وإشارات أدق وأعلى.
ولعلنا نوفق إلى بيان كثير منها في مقال خاص إن شاء الله.
ويرحم الله أبا الطيب إذ يقول:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
وبعد فقد نرى أن عدونا بالقوم قدرهم، وقد كانت كلكمتنا الأولى كافية في كشف خبيئتهم وفضح نياتهم، ولكنا أردنا أن نأخذ بحجزهم
٤٠ -
نساء بدون حياء !!
عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم".
قال الشيخ (١):
"وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، لصيانة المرأة وحفظها أن تُعرَّض لما يفسد خلقها، ويمس عرضها، بأنها ضعيفة يسهل التأثير عليها، واللعب بعقلها، حتى تغلبها شهوتها، وقد أعرض المسلمون في عصرنا، أو بعبارة أدق: من يسمون مسلمين وينتسبون إلى الإسلام فتراهم، كما ترى، يطلقون نساءهم، من الطبقات التي تسمى العليا، ومن غيرها من الطبقات، فيجلن في البلاد، ويخرجن سافرات غير محصنات، حتى يسافرن إلى الأقطار الأوروبية والأمريكية وغيرها، وحدهن، ليس معهن محرم، فيفعلن الأفاعيل، وتأتي أسوأ الأخبار عنهن، لا يتورعن ولا يستحين، وليس بهن من رادع، بل إن الدولة، وهي تزعم أنها دولة إسلامية لترسل الفتيات في بعثات للتعلم في البلاد الأجنبية، وهن في فورة الشباب، وجنون الشهوة، ولا تجد أحداً ينكر هذا المنكر، أو يأمر في ذلك بالمعروف، بل إن علماء الأزهر لا يحركون في ذلك ساكناً، إن لم أقل
стр. 229
إنهم صاروا لا يرون في ذلك بأساً، إن لم أقل إن لبعضهم بنات يتردين في هوة هذه البعثات.
ولقد حدثت أحداث لا يرضى عنها مسلم، من أسوئها أثراً أن كثيرات ممن يسافرن إلى بلاد الكفر والإلحاد من أعلى الطبقات في الأمة ومن غيرها ارتددن عن دينهن، اتباعاً للشهوة الجامحة، وتزوجن برجال من كفار أوربا وأمريكا الملحدين الوثنيين، الذين ينتسبون كذباً إلى اليهودية أو المسيحية، فاخترن سخط الله وأبَيْن رضوانه، هن وأهلن، ومن رضي عنهن، وعن عملهن، وإنا لله وإنا إليه راجعون".
* ... * ... *
стр. 230
٤١ -
الطلاق عند عبيد الخواجات
عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت، فأتى عمر رسول الله ﷺ فقال: "أطع أباك".
قال الشيخ (١):
"وليتأمل هذا الحديث أهل عصرنا، وخاصة المتفرنجين منهم، وعبيد النساء، حين يرون الطلاق عملاً فظيعاً، يشنعون به أقبح التشنيع، ويريدون أن يكون الزواج مؤبداً، مهما تعتوره من عقبات ومنغصات، ويرون أن فيه ظلماً للمرأة، وهم ظلموها حين أخرجوها إلى الطرقات، والتصرف بالمعاملات، والعمل في المتاجر، والمصانع، وحين أطلقوا لشهوتها العنان بالخمور والمراقص، والاختلاط والخلوات.
فهذا عبد الله بن عمر يحب امرأته، وأبوه يكرهها ويأمره بطلاقها فيأبى، فيأمره رسول الله ﷺ بطاعة أبيه مقدماً طاعة أبيه الواجبة، على حبه وعلى زوجه، والنساء غيرها كثير، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر".
* ... * ... *
стр. 231
٤٢ -
ظُلم ونَكَد عَيْش الأُجراء والخدم
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ﷺ إن لي خادماً يسيء ويظلم، أفأضربه؟ قال: "تعفو عنه كل يوم سبعين مرة".
قال الشيخ (١):
"فهذا ما نرى في أدب رسول الله للمسلمين في معاملة الخدم والرفق بهم، وقد كان المسلمون الأولون يتأديون بهذا الأدب، إلا من أخطأ منهم أو جهل، وكان الرقيق نعمة من نعم الله عليهم جليلة، بل كان نعمة على الرقيق أنفسهم، ثم أخطأهم التوفيق وخالفوا عن أمر الله ورسوله، فقسوا على الرقيق، وركبهم العنف، وبطروا نعمة الله، فسلط الله عليهم عدوهم من قساة القلوب الوحوش، أوربا الوثنية الملحدة، زعموا أنهم يحررون الرقيق ليستعبدوا الأمم الأحرار المستضعفين الأذلاء!
ثم لا يزال الناس في حاجة إلى الخدم لا تنقضي، فاستخدموا الأجراء، وطغت عليهم المدنية الجارفة الكاذبة، فكانوا في معاملة الأُجراء، أسوأ مما كانوا في معاملة الرقيق وأشد تنكيلاً، لا يخافون الله، بل يخافون القانون الإفرنجي الذي ضرِبَ عليهم.
стр. 232
ولم يكن هذا علاجاً، بل كان أسوأ أثراً، بما جُبلت عليه النفوس من الظلم والطغيان، وبما تساهل مطبقوا القانون في النظر إلى الطبقة الظالمة دون الطبقة المظلومة، حتى لقد رأينا في عصرنا حوادث تقشعر منها الأبدان، وتتقزز النفوس، نضرب منها مثلاُ نذكره قد يغني عن كل مثال:
فقد عُرِضَ على القضاء الأهلي المصري، منذ عهد غير بعيد، حادث امرأة قبطية استأجرت خادمين صغيرين، وكانت من قسوة القلب ومن الطغيان لا تفتأُ تعذبهما بأنواع العذاب، حتى الكي بالنار، حتى مات الخادمان بعد أن رجعا إلى أهليهما. فكان العجب كل العجب أن تحكم عليها محكمة الجنايات بالحبس سنة واحدة مع وقف التنفيذ، بحجة أعجب من حكمها، تنبئ عن نفسية لا أستطيع وصفها! أن هذه المرأة المجرمة المتوحشة كبيرة السن، ومن أسرة كريمة!!
بل مثل آخر عجيب، لا يتصل بقضايا التعذيب، ولكنه يكشف عن نفسية الطبقة التي تسمى عالية في بلادنا، وما علوها إلا الكبرياء والاستعلاء على أمتهم، ثم العبودية لسادتهم الخواجات والاستخذاء!! امرأة من نساء طبقة المستوزرين جمعت جمعاً من مثيلاتها في دارها، وكانت الصحف المصرية تفيض بالمنكر الذي يسميه النسوان وعبيد النسوان (حق المرأة في الانتخاب). فنظرت هذه المرأة إلى خادمها النوبي، وعجبت لمن حولها أن يكون لهذا (العبد) حق الانتخاب دونها، وهي المتعلمة المثقفة التي تراقص الوزراء والكبراء والخواجات!!.
стр. 233
وما كان الرجل (عبداً) لها ولا لأبيها ولا لزوجها، وإنما هو من فئة معروفة بالحفاظ والكرامة، فئة النوبيين الأمناء. وأنا أثق أن لو قد سمع هذا (العبد) ما قالت لعرف كيف يؤدبها ويؤدب اللائي حولها من النسوان. بل لعرف كيف يؤدب زوجها الوزير الخطير!!.
وما أعتقد أن أمثال هؤلاء مسلمون، وإن ولدوا على فُرش إسلامية، وإن سماهم آباؤهم بأسماء المسلمين. ذلك بأنهم أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين!!، والله سبحانه يصف المؤمنين بأنهم (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ). وذلك بأن المسلمين إنما هم الذين يطيعون أمر الله وأمر رسوله، ويعفون عن الخادم إن أساء وظلم "كل يوم سبعين مرة".
* ... * ... *
стр. 234
٤٣ -
قُحَّة الأجرياء المتفرنجين
عن نافع [عن ابن عمر] قال: "كان النساء والرجال يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، ويُشْرعون فيه جميعاً".
قال الشيخ (١):
"وهذا الحديث وما في معناه يريد أن يستمسك به السخفاء في عصرنا، ممن يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، يريدون أن يستدلوا به على جواز كشف المرأة ذراعيها وغير ذلك أمام الرجال، وأن ينكروا ما أمر الله به ورسوله من حجاب المرأة وتصونها عن أن تختلط بالرجال غير المحارم! حتى لقد سمعت أنا مثل هذا اللغو من رجال ابتلى المسلمون وابتلي الأزهر بأن رُسِمَ من "العلماء" يريد المسكين أن يكون "مجدداً"، وأن يرضى عنه المتفرنجون والنساء وعبيد النساء".
ولقد كذبوا وكذب هذا "العالم" المسكين! فما في حديث ابن عمر على اختلاف رواياته شيء يدل على ما يريدون من سقط القول.
وإنما يريد ابن عمر الرد على من ادّعى كراهية الوضوء أو الغسل بفضل
стр. 235
المرأة، ويستدل بذلك على أن النهي عن ذلك منسوخ، فأراد أن يبين أن وضوء الرجل والمرأة من الإناء الواحد معاً، أو غسلهما معاً ليس فيه شيء، وأنهم كانوا يفعلونه على عهد رسول الله ﷺ لا يرون به بأساً؛ وأقرب لفظ إلى هذا رواية الدارقطني: "يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد"، وهو حين يقول: "كنا نتوضأ رجالاً ونساء" أو "كنا نتوضأ نحن والنساء"، أو ما إلى ذلك من العبارات -لا يريد اختلاط النساء والرجال في مجموعة واحدة أو مجموعات، يرى فيها الرجال من النساء الأذرع والأعضاء والصدور والأعناق، مما لا بد من كشفه حين الوضوء، وإنما يريد التوزيع، أي كل رجل مع أهله وفي بيته وبين محارمه، وهذا بديهي معلوم من الدين بالضرورة، ولذلك ترجم البخاري في "الصحيح" (١/ ٢٥٨) على روايته هذا الحديث: "باب وضوء الرجل مع امرأته"، فحديث ابن عمر في هذا كحديث عائشة: "كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد تختلف فيه أيدينا، من الجنابة" رواه أحمد والشيخان، كما في "المنتقي" رقم (١٨)، ولو عقل هؤلاء الجاهلون الأجرياء، وهذا "العالم" الجاهل المجدد! لفكروا: أين كان في المدينة على عهد رسول الله ﷺ ميضأة عامة يجتمع فيها الرجال والنساء، على النحو الذي فهموا بعقولهم النيرة الذكية!!، فالمعروف أنهم كانوا يستقون من الآبار التي كانت في المدينة، رجالاً ونساء، والعهد بالصحابة ﵃ -وبمن بعدهم من التابعين وتابعيهم المؤمنين المتصونين إلى عصرنا هذا، أن يتحرز الرجال فلا يظهروا على شيء من عورات النساء التي أمر الله بسترها، وأن يتحرز النساء فلا يظهرن ما أمر الله بستره، وقد رأينا هذا في المدينة وأهلها، صانها الله عن دخول الفجور الذي ابتلي به أكثر بلاد المسلمين".
* ... * ... *
стр. 236
٤٤ -
حرمة التشبه بالكفار
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ رأى عليه ثوبين معصفرين قال: "ثياب الكفار، لا تلبسها".
قال الشيخ (١):
"وهذا الحديث يدل بالنص الصريح على حرمة التشبه بالكفار في اللبس وفي الهيئة والمظهر، كالحديث الآخر الصحيح: "ومن تشبه بقوم فهو منهم".
ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا -أعني في تحريم التشبه بالكفار- حتى في هذه العصور المتأخرة، فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة، هجيراها وديدنها التشبه بالكفار في كل شيء، والاستخذاء لهم والاستعباد، ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له، من يزين لهم أمرهم، ويهون عليهم أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئة والمظهر والخُلُق وكل شيء، حتى صرنا في أمة ليس لها من مظهر الإسلام إلا مظهر الصلاة والصيام والحج، على ما أدخلوا فيها من بدع بل من ألوان من التشبه بالكفار أيضاً، وأظهر مظهر يريدون أن يضربوه على المسلمين هو غطاء الرأس الذي يسمونه القبعة "البرنيطة"، وتعللوا لها بالأعاليل
стр. 237
والأباطيل وأفتاهم بعض الكبراء المنتسبين إلى العلم أن لا بأس بها، إذا أريد بها الوقاية من الشمس! وهم يأبون إلا أن يظهروا أنهم لا يريدون بها إلا الوقاية من الإسلام!! فيُصرِّح كتابهم ومفكروهم بأن هذا اللباس له أكبر الأثر في تغيير الرأس الذي تحته، ينقله من تفكير عربي ضيق إلى تفكير إفرنجي واسع!!.
ثم أبى الله لهم إلا الخذلان، فتناقضوا ونقضوا ما قالوا من حجة الشمس، إذ وجدوا أنهم لم يستطيعوا ضرب هذه الذلة على الأمة، فنزعوا غطاء الرأس بالمرة، تركوا "الطربوش" وغيره، ونسوا أن الشمس ستضرب رؤوسهم مباشرة، دون واسطة الطربوش، ونسوا أنهم دعوا إلى القبعة، وأنه لا وقاية لرؤوسهم من الشمس إلا بها!! ثم كان من بضع سنين، أن خرج الجيش الإنجليزي المحتل للبلاد من القاهرة والإسكندرية بمظهره المعروف، فما لبثنا أن رأيناهم ألبسوا الجيش المصري والشرطة المصرية قبعات كقبعات الإنجليز، فلم تفقد الأمة في العاصمتين داخل البلاد منظر جيش الاحتلال، الذي ضرب الذلة على البلاد سبعين سنة، فكأنهم لم يصبروا على أن يفقدوا مظهر الذل الذي ألفوه واستساغوه وربوا في أحضانه.
وما رأيت مرة هذا المنظر البشع، منظر جنودنا في زي أعدائنا وهيئتهم إلا تقززت نفسي، وذكرت قول عميرة بن جعل الشاعر الجاهلي، يذم قبيلة تغلب:
إذا ارتحلوا عن دار ضَيْم تعاذلوا ... عليهم ورَدُّوا وفدهم يستقيلها
* ... * ... *
стр. 238
٤٥ -
دعوة ادِّعاء نسب الغير
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب (١) " قالوا: وما الأثلب، قال: "الحجر".
قال الشيخ (٢):
"وهذه الدعوة، ادعاء نسب الغير، وادعاء نسب اللقطاء، ومحاولة إثبات نسب المولودين لغير رشدة، كلها من المنكرات الخبيثة، التي شاعت في بلادنا، بما أشاع النسوان، وأنصار النسوان، من الإباحية والتحلل الخلقي ومن الخروج على الدين، ومحاولة هدم كل تقليد إسلامي صحيح، وبما أُشْرِبت قلوبهم من تقليد أوربا، ومن القوانين الوثنية التي ضربت على أكثر الأمم الإسلامية.
بل إن القوانين المصرية الحديثة لتحاول الاعتراف الصريح بأبناء الفجور، مما عجزت فرنسا نفسها عن الاعتراف به، وهي أساس كل منكر
стр. 239
وكل فجور في العالم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولئن لم ينته المسلمون عن الخضوع لمثل هذا، ولئن لم ينتبهوا لما يراد بهم وبدينهم، ليأخذنهم الله بسنته، وليكونن من الخاسرين ولن يفلحوا إذن أبداً.
* ... * ... *
стр. 240
٤٦ -
عودة إلى وثنية نصب التماثيل
عن أبي زُرْعة قال: دخلت مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم فرأى فيها تصاوير، وهي تُبْنى، فقال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي! فليخلقوا ذرة، أو فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة".
قال الشيخ (١):
"في عصرنا هذا كنا نسمع عن أناس كبار يُنسبون إلى العالم، ممن لم ندرك أن نسمع منهم، أنهم يذهبون إلى جواز التصوير كله، بما فيه التماثيل الملعونة تقرباً إلى السادة الذين يريدون أن يقيموا التماثيل تذكراً لآبائهم المفسدين، وأنصارهم العتاة أو المنافقين، ثم تقرباً إلى العقائد الوثنية الأوروبية، التي ضربت على مصر وعلى بلاد الإسلام من أعداء الإسلام الغاصبين، وتبعهم في ذلك المقلدون والدهماء، أتباع كل ناعق، حتى امتلأت بلاد المسلمين بمظاهر الوثنية السافرة؛ من الأوثان والأنصاب، ومن تعظيمها وتبجيلها، بوضع الأزهار والرياحين عليها، وبالتقدم بين يديها بمظاهر الوثنية الكاملة حتى بوضع النيران أحياناً عندها.
стр. 241
وكان من حجة أولئك الذين شرعوا لهم هذا المنكر أول الأمر، الذين أجازوا نصب التماثيل بالفتاوى الكاذبة المضللة: أن تأولوا النصوص بربطها بعلة لم يذكرها الشارع ولم يجعل مناط التحريم هي -فيما بلغنا- أن التحريم إنما كان أول الأمر لقرب عهد الناس بالوثنية.
أما الآن وقد مضى على ذلك وهو طويل، فقد ذهبت علة التحريم ولا يخشى على الناس أن يعودوا لعبادة الأوثان!!.
ونسي هؤلاء ما هو بين أيديهم من مظاهر الوثنية الحقة بالتقرب إلى القبور وأصحابها، واللجيء إليها عند الكروب والشدائد.
وأن الوثنية عادت إلى التغلغل في القلوب دون أن يشعر أصحابها، بل نسوا نصوص الأحاديث الصريحة في التحريم وعلة التحريم!!.
كنا نعجب لهم من هذا التفكير العقيم، والاجتهاد الملتوي! وكنا نظنهم اخترعوا معنى لم يُسبقوا إليه، وإن كان باطلاً، ظاهراً البطلان. حتى كشفنا بعد ذلك أنهم في باطلهم مقلدين، وفي اجتهادهم واستنباطهم سارقين!!.
فرأينا الإمام الحافظ الحجة ابن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢هـ، يحكي مثل قولهم ويرده أبلغ رد، وبأقوى حجة، في كتابه "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (جـ١/ ص٣٥٩ - ٣٦٠) بتحقيق الأخ الشيخ حامد الفقي، ومراجعتنا، و (جـ٢/ ص١٧١ - ١٧٣) من الطبعة المنيرية، في شرح حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "أولئك إذا
стр. 242
مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله".
فقال ابن دقيق العيد: "فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: "إن ذلك محمول على الكراهة، وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان، لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان -حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده-: لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد!! هذا أو معناه.
وهذا القول عندنا باطل قطعاً لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة، بعذاب المصورين، وأنهم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وهذه علّة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله ﵇: "المشبهون بخلق الله"، وهذه علّة عامة مستقلة مناسبة، لا تخصّ زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمنعى خيالي، يمكن أن يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبه بخلق الله".
هذا ما قاله ابن دقيق العيد، منذ أكثر من ٦٧٠ سنة، يرد على قوم تلاعبوا بهذه النصوص، في عصره أو قبل عصره، ثم يأتي هؤلاء المفتون المضللون، وأتباعهم المقلدون الجاهلون، أو الملحدون والهدّامون، يعيدونها جذعة، ويلعبون بنصوص الأحاديث، كما لعب أولئكم من قبل!!.
стр. 243
ثم كان من أثر هذه الفتاوى الجاهلة أن ملئت بلادنا بمظاهر الوثنية كاملة، فنصبت التماثيل، ومُلِئت بها البلاد، تكريماً لذكرى من نسبت إليه تعظيماً! ثم يقولون لنا إنها لم يقصد بها التعظيم!.
ثم ازدادوا كفراً ووثنية، فصنعوا الأنصاب ورفعوها تكريماً لمن صنعت لذكراهم، وليست الأنصاب مما يدخل في التصوير، حتى يصلح لهم تأويلهم! إنما هي وثنية كاملة صِرف، نهى الله عنها في كتابه، بالنص الصريح الذي لا يحتمل التأويل.
وكان من أثر هذه الفتاوى الجاهلة أن صنعت الدولة وهي تزعم أنها دولة إسلامية، في أمة إسلامية: ما سمته: "مدرسة الفنون الجميلة"، أو "كلية الفنون الجميلة"!!، صنعت معهداً للفجور الكامل الواضح! ويكفي للدلالة على ذلك أن يدخله الشبان الماجنون، من الذكور والإناث، إباحيين مختلطين، لا يردعهم دين ولا عفاف ولا غيره.
يصورون فيه الفواجر من الغانيات، اللائي لا يستحين أن يقفن عرايا، ويجلسن عرايا، ويضطجعن عرايا، على كل وضع من الأوضاع الفاجرة، يظهرن مفاتن الجسد، وخفايا الأنوثة، لا يسترن شيئاً ولا يمنعن شيئاً!! ثم يقولون لنا: هذا فن!! لعنهم الله، ولعن من رضي هذا منهم أو سكت عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون".
* ... * ... *
стр. 244
٤٧ -
ولكن القوم لا يستحون !!
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "التسبيح للرجال، والتصفيح للنساء".
قال الشيخ (١):
"فلينظر السفهاء الحمقى أنصار المرأة في عصرنا! من الملحدين، ومن الجاهلين الجرآء، الذين يدّعون العلم بما لا يعلمون، ممن أخرجوا المرأة المسلمة من خدرها إلى الطرقات والجامعات والمصانع والملاهي، الذين يريدون إفساد الخُلق الإسلامي السامي، ويفترون على الله ورسوله، أن الإسلام سوى المرأة بالرجل، ولم يحجبها عن مخالطة الرجال! لينظروا كيف صان الله ورسوله المرأة المسلم عن أن يظهر صوتها حتى في الصلاة، ولكن القوم لا يستحيون! قاتلهم الله أنى يؤفكون".
* ... * ... *
стр. 245
٤٨ -
العطف على الفقير .... وحكم من احتكر ...
عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برىء من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وإيما أهل عَرْصَة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى".
قال الشيخ (١):
"العَرْصَة، بفتح العين وسكون الراء: كل موضع واسع لا بناء فيه، يريد بذلك الجيران الذين تجمع دورهم ساحة واحدة، فهم متقاربون متشاركون في المرافق، وهذا الحديث مما أهمل المسلمون الآن العمل به، بما غلبهم من حب المال والحرص على الدنيا وعلى الشهوات، وتعقيد الحياة والغلو في الاستمتاع بالكماليات، حتى اتسعت الهوة بين الطبقات: فمن منفق على سفه وطيش ومتعة عالية، حتى ينفق على كلابه ما يبخل به على أخيه الفقير الجائع، بل يقسو عليه إذا رآه أشد قسوة، وحتى يأتي أحدهم بزهور من أوروبا بطائرة خاصة ليقدمها لامرأة يشتهيها، ويضن على أرملة، أو يتيم ببضع قروش تحفظ عليهما الحياة أو العفاف!!.
وهم لا يشعرون أنهم بذلك يهدمون أنفسهم، ويهدمون أمتهم، ويحاربون دينهم، أستغفر الله، بل هم لا يشعرون بهذا الدين، وإن انتسبوا
стр. 246
إليه، وإن ولدوا على فرش آباء كانوا مسلمين، أو كانوا مثلهم إلى الإسلام منتسبين، ولا ندري ماذا تكون عواقب ذلك غداً، والله خير حفظاً وهو أرحم الراحمين".
* ... * ... *
стр. 247
٤٩ -
حكم من سب الدهر أو القَدَر
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ قال الله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار".
قال الشيخ (١):
"وقد تأدب المسلمون في هذا بأدب الله ورسوله، حتى نشأت فيهم ناشئة رضعوا لإلحاد أوروبا ووثنيتها، وغلبت على عقولهم وأدبهم، بما أشربوا من تعظيمها والخنوع لها في كل شأنهم، فصاروا يقلدون أولئك الحيوانات العجم الملحدة، وشاع على ألسنتهم كلام السوء، وغلبت عليهم شقوتهم، حتى كبار المتعلمين أو المتعالمين، فلا يتحرزون عن أن يقولوا كلمة الكفر، بسب الدهر، وسب القدر، ووصف القدر بما تنضح به عقولهم وقلوبهم، لا يفقهون ولا يعقلون، وإذا وعظوا أو نبهوا استكبروا وأخذتهم العزة بالإثم".
* ... * ... *
стр. 248
٥٠ -
في تعدد الزوجات (١)
قال الشيخ:
نبتت في عصرنا هذا الذي نحيا فيه نابتة إفرنجية العقل، نصرانية العاطفة، رباهم الإفرنج في ديارنا وديارهم، وأرضعوهم عقائدهم، صريحة تارة، وممزوجة تارات. حتى لبّسوا عليهم تفكيرهم، وغلبوهم على فطرتهم الإسلامية. فصار هجِّيراهم وديدنهم أن ينكروا تعدد الزوجات، وأن يروه عملاً بشعاً غير مستساغ في نظرهم! فمنهم من يصرح، ومنهم من يجمجم، وجاراهم في ذلك بعض من ينتسب إلى العلم من أهل الأزهر، المنتسبين للدين، والذين كان من واجبهم أن يدفعوا عنه، وأن يعرّفوا الجاهلين حقائق الشريعة.
فقام من علماء الأزهر من يمهد لهؤلاء الإفرنجيّي العقيدة والتربية -للحد من تعدد الزوجات، زعموا!! ولم يدرك هؤلاء العلماء! أن الذين يحاولون استرضاءهم لا يريدون إلا أن يزيلوا كل أثر لتعدد الزوجات في بلاد الإسلام، وأنهم لا يرضون عنهم إلا أن جاروهم في تحريمه ومنعه جملة وتفصيلا. وأنهم يأبون أن يوجد على أي وجه من الوجوه، لأنه منكر بشع في نظر سادتهم الخواجات!!
стр. 249
وزاد الأمر وطمّ، حتى سمعنا أن حكومة من الحكومات التي تنتسب للإسلام وضعت في بلادها قانوناً منعت فيه تعدد الزوجات جملة، بل صرحت تلك الحكومة باللفظ المنكر: أن تعدد الزوجات -عندهم- صار حراماً، ولم يعرف رجال تلك الحكومة أنهم بهذا اللفظ الجريء المجرم صاروا مرتدين خارجين من دين الإسلام، تجري عليهم وعلى من يرضى عن عملهم كل أحكام الردة المعروفة، التي يعرفها كل مسلم، بل لعلهم يعرفون ويدخلون في الكفر والردة عامدين عالمين.
بل إن أحد رجال الذين ابتلي الأزهر بانتسابهم إلى علمائه، تجرأ مرة وكتب بالقول الصريح أن الإسلام يحرم تعدد الزوجات، جرأة على الله، وافتراء على دينه الذي فرض أن يكون هو من حفظته القائمين على نصره!!
واجترأ بعض من يعرف القراءة والكتابة -من الرجال والنسوان فجعلوا أنفسهم مجتهدين في الدين!! يستنبطون الأحكام، ويفتون في الحلال والحرام، ويسبون علماء الإسلام إذا أرادوا أن يعلموهم ويقفوهم عند حدهم. وأكثر هؤلاء الأجرياء، من الرجال والنساء، لا يعرفون كيف يتوضئون ولا كيف يصلون، بل لا يعرفون كيف يتطهرون، ولكنهم في مسألة تعدد الزوجات مجتهدون!!
بل لقد رأينا بعض من يخوض منهم فيما لا يعلم، يستدل بآيات القرآن بالمعنى، لأنه لا يعرف اللفظ القرآني!!
стр. 250
وعن صنيعهم هذا الإجرامي، وعن جرأتهم هذه المنكرة، وعن كفرهم البواح -دخل في الأمر غير المسلمين، وكتبوا آراءهم مجتهدين!! كسابقيهم، يستنبطون من القرآن وهم لا يؤمنون به، ليخدعوا المسلمين ويضلوهم عن دينهم. حتى إن أحد الكتاب غير المسلمين كتب في إحدى الصحف اليومية التي ظاهر أمرها أن أصحابها مسلمون كتب مقالاً بعنوان "تعدد الزوجات وصمة"! فشتم بهذه الجرأة الشريعة الإسلامية، وشتم جميع المسلمين من بدء الإسلام إلى الآن! ولم نجد أحدا حرك في ذلك ساكناً. مع أن اليقين أن لو كان العكس، وأن لو تجرأ كاتب مسلم على شتم شريعة ذلك الكاتب، لقامت الدنيا وقعدت، ولكن المسلمين مؤدبون.
وبعد: فإن أول ما اصطنعوا من ذلك: أن اصطنعوا الشفقة على الأسرة وعلى الأبناء خاصة! وزعموا أن تعدد الزوجات سبب لكثرة المتشردين من الأطفال! بأن أكثر هؤلاء من آباء فقراء تزوجوا أكثر من واحدة! وهم في ذلك كاذبون، والإحصاءات التي يستندون إليها هي التي تكذبهم. فأرادوا أن يشرعوا قانوناً يحرم تعدد الزوجات على الفقير ويأذنون به للغني القادر!! فكان هذا سوأة السوءات: أن يجعلوا هذا التشريع الإسلامي السامي وقفاً على الأغنياء!
ثم لم ينفع هذا ولم يستطيعوا إصداره. فاتجهوا وجهة أخرى يتلاعبون فيها بالقرآن: