Полный текст (912 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
نجساً كان بالخيار بين أن يصلي فيه ولا قضاء عليه، وبين أن يصلي عرياناً ولا قضاء عليه. وعند الشافعي لزمه أن يصلي عرياناً ولا إعادة عليه، فإن صلى به فعليه القضاء. ودليلنا عليهما أن ستر العورة أكد في ذلك حالاً من إزالة النجاسة، بدليل أنه إذا لم يرد الصلاة جاز له لبس الثوب النجس، ولم يلزمه إزالته وكان عليه ستر عورته عن أعين الناس في الصلاة وغيرها، فإذا تقابلا كان الأوكد أولى ولا يصح اعتبارهم بالتطهير بالماء النجس؛ لأنه لم تنتقض بالمكان. ولأن الطهارة شرط في الصحة على الإطلاق بخلاف الستر.
[٣١١] مسألة: قليل النجاسة وكثيرها سواء في منع الصلاة بجنسها سوى الدم، فإنه تجزئ الصلاة بيسيره، وإن كثر وتفاحش لم يجزه. وقال أبو حنيفة: تجوز الصلاة بيسير النجاسة أي نوع كانت وهي ما قصر عن مقدار الدرهم البغلي
وما بلغ أكثر من ذلك لم يجز. وقال الشافعي: كل نجاسة فلا تجوز الصلاة بقليل منها ولا بكثير، من الدم وغيره، إلا دم البراغيث، فإنه نجس معفو عنه. هذا في غير الضرورات، وأما في الضرر كدم الاستحاضة والجرح. لا يرقأ، وسلس البول فإنه غير داخل في هذا. فدليلنا أوّلاً على أن ما عدا الدم يجب غسله قليله وكثيره. قوله ﵇: (إنما يغسل الثوب من المني والبول). ولأنها نجاسة لا يجوز أكل شيء مما خالطها، فلم تجز الصلاة بشيء منها، عكسه الدم لما جاز أكل ما أصابه اليسير منه، جازت الصلاة بيسيره. ولأنها نجاسة بموضع يلحقه حكم التطهير ممكن الاحتراز منها غالباً غير متكررة فوجب
стр. 177
إزالتها، أصله ما زاد على قدر الدرهم.
[٣١٢] (فصل): ودليلنا على أن الدم بخلاف سائر النجاسات، أن يسيره لا يمكن الاحتراز منه ولا التحفظ إلا بمشقة وكلفة؛ لأن الإنسان لا يخلو في الغالب من دم بثرة أو بعوضة أو برغوث أو سن أو أنف. ولأن الذبائح لا تخلو من بقية دم في العروق فعفي عن يسيره للضرورة ولأجل المشقة. ولأن الله تعالى لما أفرد تحريمه بأن يكون على صفة وهو أن يكون مسفوحاً عُلم أن ما قصر من ذلك مخفف. ولذلك قالت عائشة: (لولا أن الله تعالى قال: ﴿أو دما مسفوحا﴾ لتتبع الناس ما في العروق من الدم) واعتباراً بدم البراغيث.
[مسائل في النجاسة]
[٣١٣] مسألة: بول الصبي إذا لم يأكل الطعام يغسل. خلافاً للشافعي في قوله يكفي أن يرش عليه. لقوله ﵇: (إنما يغسل الثوب من المني والبول). ولأنه بول آدمي كالأنثى، واعتباراً به بعد أكل الطعام. والحديث المروي في رشه قال مالك: ليس بالمتفق عليه.
[٣١٤] مسألة: أبوال ما يؤكل لحمه وأرواثه طاهرة. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ الآية، (ولما روي أنه ﵇ أباح للعرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها). وقوله:
стр. 178
(ما أكل لحمه فلا بأس ببوله). وقوله: (ليس بشرب بول كل ذي كربأس). وقوله: (جنبوا صبيانكم ومجانينكم مساجدكم)، ومعلوم أن ذلك لتوقي النجاسات؛ لأنه لا يؤمن وقوعه من صبي ومجنون. ثم روي أنه ﵇ طاف بالبيت على بعيره) فدل أن بوله طاهر، وإلا كان ذلك مناقضة؛ لأن فيه تعريض المسجد لما أمر بتنزيهه عنه. ولأنه ﷺ أباح الصلاة في مرابض الغنم مع العلم بأنها لا تخلو من أبوالها غالباً. ولأنه مائع ورد الشرع بإباحة شربه على الإطلاق كاللبن، أو بإباحة التداوي به. ولأن البول يجب أن يكون في الإباحة والحظر معتبراً بلحم ذلك الحيوان، أصله بول الآدمي والخنزير، وتحريره أنه بول، فوجب أن يكون تابعاً للحمه كأبوال الآدميين. وعلى أبي حنيفة أنه رجيع حيوان مأكول اللحم من غذاء طاهر كذرق الحمام ..
[تم الجزء الرابع من كتاب الإشراف، والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم]
стр. 179
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[٣١٥] مسألة: المني نجس خلافاً للشافعي لأنه مائع خارج من السبيل كالبول. ولأنه مائع ينقض خروجه الطهر، وأشبه المذي والبول. ولأنه مائع يوجب البلوغ، كدم الحيض. ولأنه مائع يجري في مجرى النجس، فلو كان طاهراً في الأصل لوجب أن ينجس لذلك.
[٣١٦] (فصل) ويغسل رطبه ويابسه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن يابسه يفرك ولا يغسل لقوله ﵇: (إنما يغسل الثوب من المني والبول). ولأنه مائع نجس كالدم والبول، واعتباراً بسائر النجاسات وبرطبه.
[٣١٧] مسألة: إذا انكسر عظمه فجبر بعظم نجس، وخاف التلف بقلعه لم يلزمه ولم يجز له قلعه. خلافاً لبعض الشافعية في قوله يقلعه وإن تلف لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ ولأنه ليس في ذلك أكثر من أن يصلي بالنجاسة، وذلك جائز مع الضرورة. ولأنه لو لم يجز له ذلك لم يكن لإباحة أكل الميتة خوف التلف معنى، قال بعض الشافعية: يقلعه وإن تلف.
[٣١٨] مسألة: إذا أصاب الأرض بول أو دم، لم يطهر بمرور الزمان وطلوع الشمس عليها خلافاً لأبي حنيفة. اعتباراً بالبساط النجس والثوب.
стр. 180
ولأنه لو كان قد طهر لجاز التيمم بذلك التراب.
[٣١٩] مسألة: دم السمك نجسخلافاً لأبي حنيفة. لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ واعتباراً بسائر الدماء.
[٣٢٠] مسألة: الخمر نجس خلافاً لمن لا يعتد بقوله. لأنه مائع محرم تناوله من غير خوف على النفس كالدم. ولأنه مائع محرم إمساكه واجب إراقته كالبول والدم.
[٣٢١] مسألة: النار لا تطهر شيئاً خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵎: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ فخص الماء بذلك. ولأنه عين نجسة، فلم يطهر بالنار كلحم الخنزير.
[الصلاة في المقبرة]
[٣٢٢] مسألة: الصلاة في المقبرة جائزة في الجملة ما لم تكن فيها نجاسة تعلم،. لأنها موضع طاهر كسائر المواضع.
[دخول الكافر والجنب المسجد]
[٣٢٣] مسألة: لا يجوز للجنب اللبث في المسجد خلافاً لداود. لقوله ﵇: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). ولأنه شخص يلزمه الغسل كالكافر.
[٣٢٤] مسألة: ولا يجوز له المرور فيه خلافاً للشافعي للخبر أيضاً (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). ولأنه نوع من الكون فيه
стр. 181
كاللبث. ولأن كل من منع اللبث في المسجد منع المرور فيه، كالذي على جميع جسده نجاسة. ولأن المحدث الحدث الأصغر لما جاز له الاجتياز فيه جاز له اللبث فيه، والجنب لما لم يجز له اللبث فيه لم يجز له الاجتياز فيه، وتحريره أن يقال: إذا ثبت للبث في المسجد حكم ثبت مثله للمرور واعتباراً بالمحدث في الظاهر.
[٣٢٥] مسألة: لا يجوز للكافر دخول المسجد أصلاً. خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه ذلك في كل مسجد من المسجد الحرام وغيره. والشافعي في تجويزه في كل مسجد إلا المسجد الحرام. فدليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ ولأنه لما منع الجنب والحائض تعظيماً لحرمته وهما أقرب للطهارة. وأولى بالإباحة من الكافر، كان الكافر أن يمنع منه أولى، ودليلنا على الشافعي الاعتبار بالمسجد الحرام، ولأن كل من لا يجوز له قراءة القرآن لحرمة القرآن فلا يجوز له دخول المساجد كلها، أصله الجنب والحائض.
[باب في الصلوات غير الفرائض]
[النافلة بعد العصر]
[٣٢٦] مسألة: لا تصلى نافلة بعد العصر حتى تغرب الشمس لا تحية المسجد ولا غيرها. خلافاً للشافعي في قوله تصلى كل نافلة لها سبب. لقوله ﵇: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الفجر حتى تطلع الشمس). وروي (لا تتحروا بصلاتكم عند طلوع
стр. 182
الشمس ولا غروبها). واعتباراً بما لا سبب به وبالاستسقاء.
[قضاء الصلاة في الأوقات المنهي عنها]
[٣٢٧] مسألة: وتقضى الفوائت من الفرائض في الأوقات المنهي عنها، خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵇: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها لا كفارة غير ذلك) واعتباراً بعصر يومه.
[قضاء السنن بعد خروج وقتها]
[٣٢٨] مسألة: السنن من الصلاة لا تقضى بعد انقضاء أوقاتها خلافاً لأحد قولي الشافعي لأنها صلاة نفل، فوجب أن تسقط بفوات وقتها كالكسوف؛ ولأنها سنة كالأضحى إذا انقضت أيام النحر، وكالتسمية إذا فرغ من الذبح.
[صلاة الوتر]
[٣٢٩] مسألة: الوتر آكد من ركعتي الفجر خلافاً لأحد قولي الشافعي لقوله ﷺ : "من لم يوتر فليس منا".
وقول علي بن أبي
стр. 183
طالب: (نهاني خليلي أن أنام إلا على وتر). ولأنه لم يختلف في نفي وجوب ركعتي الفجر وقد اختلف في وجوب الوتر فدل على تأكده عليها.
[٣٣٠] مسألة: الوتر سنة مؤكدة وليس بواجب. خلافاً لأبي حنيفة. لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ فلو كانت الوتر واجبة لكانت الصلوات ستاً ولا وسطى لست، وحديث الأعرابي لما سأل عن الإسلام فقال ﵇: (خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوّع) ففيه أدلة: منها: أنه لما بين له الواجبات ذكر الخمس ولم يذكر الوتر. والثاني: أنه لما سأل هل علي غيرهن؟ قال: لا، فالوتر غيرهن، فدل أنه غير واجب وأنه ليس عليه. والثالث: أنه قال: والله لا زدت عليهن ولا نقصت منهن، وقال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق) وعند المخالف أنه عاص بذلك؛ لأنه إذا لم يزد عليهن فقد ترك واجباً وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (أمرت بالوتر وهو لكم سنة).وقالت عائشة: إنه قال ﷺ : (ثلاث كتبت عليّ فريضة وهي لكم سنة) فذكر الوتر
стр. 184
ووصفه إياه بأنه سنة، ينفي وجوبه. ولأنه ﵇ صلاه على البعير، ولو كان واجباً لم يفعل ذلك؛ ولأنه صلاة ليس من سنتها الأذان على وجه، فلم يجب على الأعيان ابتداء كسائر النوافل. ولأنها صلاة ليست بفرض، فلم تكن واجبة بأصل الشرع كركعتي الفجر. ولأن المغرب لما كانت وتراً للصلوات المفروضات كانت فرضاً، والوتر لما كان وتراً للنفل وجب أن يكون نفلاً. وتحريره أن يقال لأنه وتر لجنس من الصلاة، فوجب أن يكون من جنس ما هو وتر له، أصله صلاة المغرب، ولأنها صلاة تفعل بين العشاء والصبح كقيام الليل، ولأنه يجوز فعله على الراحلة كالنافلة.
[٣٣١] مسألة: صفة الوتر أن يأتي بركعة واحدة قبلها شفع منفصل، وليس لها قبلها من الشفع حد وأقله ركعتان. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات متصلة بسلام واحد، فإن فصل بسلام لم يكن وتراً، ولا يكون عنده الركعة الواحدة بانفرادها وتراً على وجه. ودليلنا قوله ﵇: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) فنص على أن الركعة تكون وتراً. وروت عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة. ويروى أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن صلاة الليل فقال بإصبعه: (هكذا مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل). وهذه إشارة إلى جنس وتر الليل. وقيل: لأن الصبح
стр. 185
صلاة مفروضة مشفوعة فجاز أن تكون قدر نصفها صلاة بانفرادها، أصله الظهر والاحتراز من المغرب، ولأن كل قدر من الصلاة أتى به بعد التشهد الأول فجائز أن يكون صلاة بانفراده كالركعتين.
[٣٣٢] مسألة: إذا أوتر وقام ثم بدا له أن يصلي فله ذلك، ولا يوتر ثانية خلافاً لمن قال ذلك. لقوله ﵇: (لا وتران في ليلة). وهذا نص.
[٣٣٣] مسألة: المستحب أن يقرأ في الشفع بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي ركعة الوتر بالإخلاص والمعوذتين.
وقال أبو حنيفة يقرأ في الثالثة بالإخلاص حسب، فدليلنا ما روي عن النبي ﵇ قالت عائشة: كان يقرأ في الأولى (بسبح) وفي الثانية (بقل يا أيها الكافرون) وفي الثالثة (بقل هو الله أحد والمعوذتين).
[عدد ركعات النوافل]
[٣٣٤] مسألة: النوافل كلها مثنى. وقال أبو حنيفة هو بالخيار في نوافل الليل بين ركعتين ركعتين، أو أربعاً أربعاً، أو ستاً ستاً، أو ثمانية ثمانية، لا يزيد على ذلك شيئاً بتسليمة واحدة، وفي النهار مخير بين ركعتين أو أربع بتسليمة واحدة. فدليلنا عليه قوله ﵇: (صلاة الليل مثنى مثنى). ولأنه عدد زائد على قدر الفرائض فلم تكن صلاة شرعية، كالزائد على النهار. ولأنها صلاة شرعية، فلم يختلف حكم عددها باختلاف الزمان في ليل أو نهار، أصله الفرض.
стр. 186
[صلاة التراويح]
[٣٣٥] مسألة: صلاة التراويح للمنفرد في بيته أفضل: خلافاً لمن حكي عنه في المسجد والجماعة أفضل. لقوله ﵇: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة).
[دعاء القنوت في الوتر]
[٣٣٦] مسألة: دعاء القنوت غير مسنون في الوتر، خلافاً لأبي حنيفة إلا في النصف الأخير من رمضان ففيه روايتان: إحداهما: مسنون، والأخرى: أنه ليس بمسنون فدليلنا على أبي حنيفة أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم عشرين ليلة ولم يقنت في النصف الأول، وتخلف في منزله العشر الأخير فقدموا معاذاً فصلى بهم بقية الشهر فدل على أنه إجماع منهم أنه لا يقنت في النصف الأول من الشهر؛ لأنهم لم ينكروا على أبي ترك القنوت.
[حكم صلاة الجماعة]
[٣٣٧] مسألة الجماعة في غير الجمعة سنة ليست من شرط صحة الصلاة على وجه ولا بفريضة أصلاً خلافاً لأحمد، وداود. لقوله ﵇: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين
стр. 187
درجة) فجعل حكمها الفضيلة وشرك بينها وبين صلاة الفذ؛ لأنه لا يقال أفضل إلا فيما يشتركان فيه، ويثبت لأحدهما مزية على الآخر فيه، فانتفى بذلك أن تكون فرضاً. ولأنها صلاة تفعل جماعة وفرادى، فلم تكن الجماعة من شرطها أصله النوافل.
[حكم ائتمام القائم بالقاعد]
[٣٣٨] مسألة: في ائتمام القائم بالقاعد روايتان: إحداهما: الجواز، والأخرى: المنع وأنه لا تصح صلاة القائم خلفه، وهو قول عبدالملك ومطرف. فوجه الجواز ما روي أن رسول الله ﷺ لما مرض قدم أبابكر يصلي بالناس، ثم وجد خفة فخرج، وكان أبوبكر في الصلاة، فأراد أن يتأخر، فأشار إليه النبي ﷺ أن امكث مكانك ثم دخل في الصلاة، فقام أبوبكر الصديق ﵁ على يمينه، فصلى بهم قاعداً وهم قيام ويدل على أن النبي ﷺ كان هو الإمام، أنه بنى على قراءة أبي بكر وقرأ في الموضع الذي كان بلغه، وأقامه عن يمينه، ولأن كل من جاز أن يكون إماماً
стр. 188
للقاعد صح أن يكون إماماً للقائم أصله القائم. ولأنه عاجز عن ركن تصح صلاته منفرداً مع القدرة على الائتمام، فجاز أن يكون إماماً لمن قدر على ذلك الركن أصله إمامة المتيمم بالمتوضئ. ووجه المنع قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) وهذا على عمومه في الاعتقاد والفعل وقوله: (لا يؤمن أحد بعدي جالساً). ولأنه عاجز عن ركن من الصلاة، فلم يجز للقادر عليه أن يأتم به، أصله العاجز عن القراءة. ولأنه عاجز عن القيام فلم يجز أن يكون إماماً للقائم، أصله المومي إذا كان قادراً على القيام.
[٣٣٩] (فصل) ودليلنا إذا قلنا إن ائتمام القائم بالجالس يصح فإنه يصلي خلفه قائماً. خلافاً لمن حكي عنه أنه يصلي جالساً وهو قادر على القيام أن نقول لأنه قادر على القيام فلم يجز له تركه كالمنفرد. ولأن عجز الإمام لا يكون عذراً للمنفرد في ترك ذلك الركن؛ لأن فضل الجماعة لا ينتفي بنقصان الركن.
[٣٤٠] مسألة: لا يصح الائتمام بالمومي أصلاً خلافاً للشافعي لقوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا) فجعل من صفة الإمام أن يركع ويسجد وهذا لا يوجد في المومي؛ لأن الإيماء إلى الشيء غير فعله. ولأنه مؤتم بمن لا ركوع له ولا سجود، فلم تصح كالمصلوب.
стр. 189
[حكم العاجز عن القيام والركوع]
[٣٤١] مسألة: المريض إذا قدر على القيام وعجز عن الركوع، قام فأومى إلى الركوع، ولم يجز له ترك القيام بعد الركوع. خلافاً لأبي حنيفة في تخييره أن يصلي قائماً أو جالساً.
فدليلنا قوله ﷺ لمريض عاده: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)، فعلق جواز القعود بالعجز عن القيام، فدل أنه لا يجوز مع القدرة عليه. ولأنه ركن من أركان الصلاة، فلم يجز تركه للعجز عنه، كالقراءة. ولأنه متمكن من القيام في الفرض، كالقادر على الركوع. ولأن البدل إنما يكون للعجز عن المبدل لا مع العجز عن غيره.
[٣٤٢] مسألة: العاجز عن القيام إذا ابتدأ الصلاة جالساً، ثم قدر على القيام، فإنه يلزمه أن يقوم ويبني على ما تقدم. خلافاً لمحمد بن الحسن في قوله: تبطل صلاته. لأنه قدر على القيام في موضع القيام فوجب أن يقوم ويبني، أصله القادر على القيام إذا جلس للتشهد الأول وفرغ منه، فإنه يقوم ويبني على صلاته. ولأن ما مضى من صلاته كان جائزاً على حسب قدرته، فوجب أن لا تبطل بتغير حاله، كما لو قدر على القيام ثم عجز عنه في بعض الصلاة فقعد.
[٣٤٣] مسألة: إذا صلى مضطجعاً ثم قدر على الجلوس في أثناء الصلاة، جلس وبنى كالتي قبلها سواء. ووافقنا أبو حنيفة في الأولى، وفرق بينها وبين مسألتنا. فقال في هذا: إن صلاته تبطل إذا قدر على الجلوس. فدليلنا أنه قدر على المبدل بعد دخوله في البدل، فوجب أن لا تبطل صلاته كما لو صلى جالساً ثم قدر على القيام. ولأن حدوث قدرته على ركن من أركان الصلاة كالقدرة على القراءة. ولأنه لو كان قائماً فعجز عن القيام لجلس وبنى، وإن كان انتقل من كمال إلى نقصان، فإذا صلى مضطجعاً ثم
стр. 190
قدر على الجلوس فقد قدر على ركن كامل انتقل به عن نقص فكان بأن لا تبطل صلاته أولى.
[ائتمام المفترض بالمتنفل]
[٣٤٤] مسألة: لا يصح ائتمام المفترض بالمتنفل ولا بمفترض غير فرضه خلافاً للشافعي. لقوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه). وفيه دليلان: أحدهما: أن الائتمام به هو الاقتداء به في جميع تلك الصلاة وما تعلق بها من فعل ونية. والآخر: قوله (فلا تختلفوا عليه) وهو عام. ولأن كل من لو أدى صلاته بنية إمامه لم تصح، فإنه لا يجوز أن يأتم به فيها، أصله إذا صلى الجمعة خلف من يصلي ظهراً، ولأنها صلاة مفروضة فلم يصح أن تؤدى خلف متنفل كالجمعة. ولأن اختلاف المقصود بالصلاتين يمنع الائتمام بالأعلى منهما خلف الأنقص، أصله الجمعة لا تؤدى خلف المتنفل. ولأن الائتمام يوجب للمصلي أحكاماً لم تكن له في الانفراد من سقوط القراءة والسهو وسجوده في سهو الإمام، فوجب أن تعتبر نية الإمام في صلاة المأموم، فإذا اتفقا فيها صح حمل الإمام عنه هذه الأمور؛ لأن المأموم يصير كأنه قد نواها، فلما كان المأموم لو نوى النفل لم يجز له أن يصلي به الفرض كذلك إذا أدى فرضه خلف من ينوي النفل فأشبه المصلي خلف من ينوي كسوفاً أو جنازة.
[إمامة الصبي]
[٣٤٥] مسألة: لا يصح الائتمام بالصبي في الفرض خلافاً للشافعي، لأنه متنفل بصلاته، وقد بينا أن صلاة المفترض خلف المتنفل لا تصح.
стр. 191
[انتظار الإمام الداخل أثناء الركوع]
[٣٤٦] مسألة: إذا ركع الإمام فأحس بداخل يريد الصلاة فإنه يكره له التوقف لانتظاره، وللشافعي قولان: ودليلنا أنه فيه إضرار بمن خلفه بالتطويل عليهم، ومراعاة حقهم أولى للسبق. ولأن فيه تناقصا من خشوع الصلاة وبزيادته فيها عملاً وليس منها ولا متعلقاً بإصلاحها فكره، ولا يلزم عليه صلاة الخوف لأن موضوعها الانتظار.
[إمامة المرأة]
[٣٤٧] مسألة: لا يصح الائتمام بالمرأة للرجال والنساء. وأجازه أبو ثور وغيره للرجال والنساء، وأجازه الشافعي للنساء ورأيت لابن أيمن مثله عن مالك والمذهب هو الأول. فدليلنا قوله ﷺ : (أخروهن حيث أخرهن الله). وفي الائتمام بهن خلاف ذلك. وقوله ﷺ : (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها). وهذا ينفي تقديمهن. ولأن الأنوثية نقص لازم مؤثر في سقوط وجوب الصلاة. فكان مؤثراً في منع الإمامة كالرق والصغر. ولأن كل من لم يصح أن يكون إماماً للرجال لم يصح أن يكون إماماً للنساء كالمجنون والصبي.
[إمامة الأمي]
[٣٤٨] مسألة: لا يصح أن يكون الأمي إماماً للقارئ. خلافاً لأحد
стр. 192
قولي الشافعي والكلام فيه في فصلين:
أحدهما: أن القارئ لا تنعقد له صلاة. الآخر: أن الأمي لا تنعقد له صلاة أيضاً مع وجود قارئ يمكنه أن يأتم به. ودليلنا على الفصل الأول قوله ﷺ : (الإمام ضامن). وذلك يقتضي أن يكون نائباً عن المأموم في القراءة، وذلك لا يصح في الأمي قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وهذا ينفي إمامة الأمي. ولأن ذلك يؤدي إلى أحد أمرين ممنوعين: إما أن يسقط القراءة عن المأموم فيحصل فيه جواز صلاة بغير قراءة لا من المأموم ولا من الإمام، أو تلزمه فيحصل فيه أن الائتمام لا يؤثر في سقوط القراءة وذلك بخلاف مقتضى الإمامة. ودليلنا على بطلان صلاة الأمي مع وجود القارئ أن الأمي إذا علم بأن خلفه قارئاً فهو يمكنه أن يؤدي صلاته بقراءة بأن يأتم بهذا القارئ فيتحمل عنه القراءة، فإذا ترك الائتمام به سار بمنزلة القارئ إذا صلى بغير القراءة فلا يجوز.
[إمامة الكافر]
[٣٤٩] مسألة: ومن صلى خلف من ظاهره الإسلام ثم باطنه الكفر أو كان لا يعرف حاله أصلاً ثم علم أنه كان كافراً فصلاته باطلة. خلافاً لبعض الشافعية. والكافر لا يصح كونه مصلياً؛ لأن من شرط الإمام أن يكون مصلياً. والكافر لا يصح كونه مصلياً مع الإقامة على كفره. ولأن من شروط الائتمام تحمل الإمام القراءة عن المأموم، ولا يصح تحمله لها إلا إذا كان في صلاة وهذا المعنى لا يوجد في الكافر. ولأنه إذا لم تصح
стр. 193
إمامة الفاسق المسلم فالكافر من ذلك أبعد. ولأن إسرار الإمام الكفر لا يكون عذراً للمأموم في صحة صلاته، كما لو صلى خلف من ظاهره أنه رجل ثم بان له أنه أنثى قد تزيا بزي الرجال فإن صلاته غير صحيحة.
[انتقال المنفرد إلى الجماعة أثناء الصلاة]
[٣٥٠] مسألة: إذا عقد صلاته منفرداً، ثم أراد الدخول في صلاة الإمام فلا يجوز، فإن فعل فالصلاة باطلة. خلافاً لأحد قولي الشافعي. لقوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا) ففيه دليلان: أحدهما: أن قوله (ليؤتم به) عام في جميع الصلاة، وهو أن تقع أفعالنا بعد أفعاله ولا نسبقه. والثاني: قوله (فإذا كبر فكبروا) فجعل من صفات المؤتم أن يكبر بعد، قد كبر قبله وأنه عقد صلاته قبل صلاة الإمام، فلم يصح الائتمام به، أصله إذا أراد الائتمام به فأحرم قبله. ولأن الائتمام يحتاج إلى نية؛ لأنه يتضمن أحكاماً لا يتضمنها الانفراد وتلك النية تراعى حال الدخول في الصلاة، فإذا دخل ينوي أحد الأمرين لم يصح نقله إلى الآخر، أصله إذا نوى الائتمام حال الدخول ثم أراد أن ينفرد بالصلاة، فإنها تبطل ولا تصح.
[وقوف المأموم وراء الإمام]
[٣٥١] مسألة: إذا كان مع الإمام رجل واحد فالمستحب أن يقوم عن يمينه وإن قام عن يساره كره وجوزه قوم فقالوا: يقف. لحديث ابن عباس قال: (بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ ليصلي فتوضأت وقمت عن يساره فأدارني عن يمينه).
[٣٥٢] مسألة: وإذا كانا رجلين قاما خلفه، خلافاً لما حكي عن
стр. 194
ابن مسعود إن صح، قوله: يقف الإمام بينهما لحديث أنس أن النبي ﷺ أمه ويتيماً وامرأة فقام أنس واليتيم خلفه وقامت العجوز خلفهم.
[الصلاة خلف الصف]
[٣٥٣] مسألة: من صلى منفرداً خلف الصف أجزأته صلاته خلافاً لأحمد بن حنبل. لأن كل من صحت صلاته خلف الصف إذا كان مع غيره، صحت إذا كان منفرداً أصله المرأة، وإن لم يسلموا الأصل. دللنا عليه بحديث أنس الذي ذكرناه. ولأنه صف خلف الإمام فجاز أن يقف المأموم وحده، أصله إذا أم الرجل بامرأة وحدها فإنها تقف خلفه منفرده. ولأن اختلاف موقف المأموم لا يمنع صحة الصلاة، أصله إذا وقف على يسار الإمام.
[٣٥٤] (فصل) فإذا لم يجد مدخلاً في الصف وقف خلفه ولم يجذب إليه رجلاً في الصف، فإن فعل كره له ذلك. خلافاً للشافعي في استحباب ذلك. لأن الخلل في الصف ممنوع لقوله ﵇: (سوواصفوفكم). وقوله: (تراصواخلفي). وإذا جذب إليه رجلاً وقع الخلل
стр. 195
في الصف وهو مكروه. ولأن الصف الأول أفضل من الثاني، فليس له أن ينحي رجلاً من موضع هو أفضل إلى موضع هو أدون.
[الصلاة قدام الإمام]
[٣٥٥] مسألة: المأموم إذا وقف قدام إمامه كره له ذلك وأجزأه. خلافاً للشافعي. لأن اختلاف المقام لا تأثير له في فساد الصلاة من جهة المأموم، أصله إذا وقف عن يساره أو قامت امرأة إلى جنبه. ولأنه مساويه في النية متبع له في أفعاله مساويه في بسيط الأرض فلم يضر اختلاف المقام فيما سواه، أصله إذا كان وراءه.
[وقوف الإمام في مكان مرتفع]
[٣٥٦] مسألة: إذا كان الإمام فوق سطح المسجد لم تجز صلاة المأموم في أرض المسجد بصلاة الإمام في أعلاه: خلافاً للشافعي.
لما روي أن عماراً، وحذيفة تقدم أحدهما ليصلي بهم فصعد على دكان فجذبه الآخر، فرجع فلما فرغ مال إليه فقال له ما علمت أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلي الإمام على أرفع من موضع المأموم وروي (أما علمت أنا نهينا عن مثل هذا).
وقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا
стр. 196
عليه). ولم يفرق بين النية والفعل والمكان. ولأن الإمام إذا كان أعلى من المأموم فإن المأموم يبني أمره على العمل في الصلاة والتعمّد إلى النظر إلى الإمام ليشاهد أفعاله؛ لأنه لا يقدر أن يكتفي في ذلك بسماع التكبير والقراءة فقط، فإذا بنى صلاته على هذا فقد افتتحها على أن يزيد فيها ما ليس منها وذلك غير جائز.
[صلاة المأموم في الأماكن المحجورة]
[٣٥٧] مسألة: تجوز الصلاة في غير الجمعة في دور محجورة بصلاة الإمام إذا كانوا يرونه ويسمعون التكبير إمّا من بابها أو من كوّاها أو غير ذلك. خلافاً للشافعي في منعه ذلك إلا بشرط إتصال الصفوف من المسجد إلى الدار. لقوله ﵇: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). والائتمام به هو اتباع له في أفعاله وذلك ممكن مع الحاجز إذا شاهده وسمع صوته. ولأن هذا الحائل إذا لم يمنع لم يقدح في الائتمام به، كما لو اتصلت الصفوف.
[الاقتداء بالإمام من وراء نهر]
[٣٥٨] مسألة: إذا صلوا بصلاة الإمام وبينهم نهر أو طريق قريب لا يمنعهم رؤية الصفوف وسماع التكبير جاز ولم يمنع ذلك الائتمام به. وقال أبو حنيفة لا يجوز ذلك إلا أن تكون الصفوف متصلة. وقال الشافعي إن كان بينهم وبين الإمام أو الصفوف ثلاثمائة ذراع جاز وإن كان أكثر لم يجز. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) فعلى أي وجه أمكن ذلك يجب أن يجوز. ولأن مسجد
стр. 197
النبي ﷺ كان قد ضاق على الناس حتى كانوا يصلون بالقرب منه وحيث يمكنهم معرفة أفعال الإمام ولا ينكر ذلك أحد، واستمر إلى أن زاد عمر ﵁ فيه. ولأن التمكن من الائتمام به حاصل مع تساويهما على الأرض كالساقية الصغيرة. ولأن الطريق تصح الصلاة فيها فلم يكن كونها بين الإمام والمأموم مانعاً من الائتمام به كغير الطريق. فأما تقدير الشافعي فإنه دعوى لا فصل بينه وبين من عكسها فزاد فيها أو نقص منها. ولأن العبرة بسماعهم صوت المكبر وذلك يختلف بحسب قرب الموضع وبعده فلم يكن في ذلك حد أكثر من إمكانه وتعذره.
[مفارقة الإمام بعد الدخول معه]
[٣٥٩] مسألة: إذا دخل مع الإمام في الصلاة ثم أراد أن يفارقه ويتمه منفرداً لم يجز ذلك وقد بطلت بتغير النية دون الفعل.
وللشافعي تفصيل يجيزها مع العذر ومع غير العذر على قولين. فنقول لأنه داخل بنية الائتمام فإذا فارقه وجب أن تبطل صلاته، كما لو فارقه بغير عذر. ولأن للائتمام أحكاماً تخالف الانفراد، فإذا ابتدأها بنية الائتمام فقد لزمته تلك الأحكام، فإذا فارقها واختار الانفراد بطلت، كما لو بدأ بنية الانفراد ثم نوى الائتمام.
[الاقتداء بمن يصلي منفرداً]
[٣٦٠] مسألة: إذا أحرم منفرداً ولم ينو أن يؤم أحداً فائتم به رجل وهو لا يعلم فصلاة المأموم صحيحة. وقال الأوزاعي لا تصح. وعن
стр. 198
أبي حنيفة فَصَّلَ: أن يأتم به رجل فتصح أو امرأة لم تصح صلاتها، فاعتبر أن ينوي إمامة المرأة. فدليلنا على الأوزاعي أن المأموم لا يحتاج في صحة الائتمام أن ينوي إمامة إمامه؛ لأن صلاة الإمام إماماً كصلاته منفرداً في حق نفسه ليس تؤثر فيها الإمامة شيئاً وبذلك فارق المأموم؛ لأن الائتمام يؤثر في صلاته ولا يؤثر في صلاة الإمام؛ ولأنه ائتم بمن لم ينو إمامته فلم يقدح ذلك في صلاته، أصله إذا دخل معه من لم يعلم به. ولأنه لو كان من شرط صحة صلاة المأموم أن ينوي الإمام إمامته لوجب إذا رفض النية في الصلاة أو اعتقد أنه قد خرج عن أن يكون إماماً له أن تبطل صلاة المأموم وذلك باطل. ودليلنا على أبي حنيفة أن كل من صح الائتمام به إذا نوى إمامته صح وإن لم ينوها كالرجل.
[باب في صلاة المسافر]
[قصر الصلاة في السفر وحكم المضطر للميتة فيه]
[٣٦١] مسألة: القصر جائز في السفر الواجب والمباح، خلافاً لمن حكي عنه أنه لا يجوز إلا في واجب كالحج والعمرة والجهاد، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾، فعم ولأنه سفر في غير معصية كالواجب.
стр. 199
[٣٦٢] مسألة: ولا يجوز الترخيص في السفر في سفر المعصية، خلافا لأبي حنيفة. لأن الرخصة تابعة للحال التي وجبت الرخصة لأجلها، وإذا كانت تلك الحال ممنوعة امتنع ثبوت الرخصة فيها؛ لأن المعصية تنفي الرخصة والتخفيف، بل تقتضي العقوبة والتغليظ فإذا ثبت ذلك ثم كان القصر والفطر رخصة لأجل السفر فلم يتعلق بسفر المعصية؛ لأن المعصية منافية للرخصة على ما بيناه؛ لأن هذا السفر معصية فلم تتعلق به الرخصة والتخفيف قياسا على سائر المعاصي من الزنا، وشرب الخمر.
[٣٦٣] مسألة: إذا اضطر في سفر معصية لشدة الجوع إلى أكل الميتة أكلها، خلافا: للشافعي. لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، وقوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾. ولأن منعنا الترخيص بالفطر والقصر لئلا تعينه على المعصية اختلاف، ولو منعناه لذلك أكل الميتة لكان الزجر عن المعصية بمعصية هي أعظم مما أتاه. ولأن معصيته في سفر لما لم تبح له، قتل غيره لم يوجب عليه قتل نفسه؛ لأن حرمة نفسه كحرمة غيره؛ ولأن وجوب إحيائه نفسه لا يسقط بمعصية سفره؛ لأنه لو شرب دواء أضعفه وخاف على نفسه الموت جاز أن يفطر، وإن كان عاصياً بتناوله الدواء.
[٣٦٤] مسألة: سفر القصر محدود. خلافاً لداود في قوله يقصر في الطويل والقصير لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾، فإن كان مجملاً فقد أجمعت الصحابة على اعتبار حد فيه فروي
стр. 200
عن ابن عمر وابن عباس اعتبار اليوم التام. وروي عن ابن مسعود ثلاثة أيام، ولم يرو عن أحد سقوط الحد جملة وروي أن النبي ﷺ قال: (لا تقصروا يا أهل مكة في أقل من أربعة برد وذلك إلى عسفان والطائف)، وقيل صحيحه من قول ابن عباس. ولأن الفرسخين والثلاثة مسافة لا تلحق مشقة في قطعها غالبا فلم يجز القصر فيها كالعبور في بلد واحد إلى أحد جانبيه أو الطواف في أطراف المدينة وسككها.
[٣٦٥] (فصل): الظاهر من المذهب أن مقداره أربعة برد وهي ثمانية وأربعون ميلاً. خلافاً لأبي حنيفة في تحديد ثلاثة أيام بلياليهن، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، فعم. ولأنها مسافة تلحق المشقة في قطعها غالبا كالثلاثة.
[٣٦٦] مسألة: المذهب أن القصر سنة وليس بفريضة وأن فرض المسافر التخيير بين القصر والإتمام. ومن أصحابنا من يقول إنه فرض على المسافر، وهو قول أبي حنيفة.
стр. 201
فوجه الأول قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾ وهذا عبارة عن المباح دون الواجب. وروي عن عائشة (أن رسول الله ﷺ كان يقصر الصلاة في السفر ويتم). وعن أنس أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك ولا ينكر بعضهم على بعض، ولأنه تخفيف قد شرط بالسفر فكان رخصة لا عزيمة كالفطر، ولأن القصر لو كان فرض المسافر لم يجز تغييره إلى الإتمام في الجماعة؛ لأن الفرض المقدر لا تزيد عدد ركعاته بالجماعة فلما جاز للمسافر أن يتم خلف المقيم دل على أن فرضه التخيير بين الإتمام أو القصر. ولأن ما تعلق بالسفر من الأحكام المؤثرة في تخفيف الفعل لا تكون إلا رخصة وتخفيفا، كالصلاة على الراحلة. ووجه القول الآخر: ﴿وأقيموا الصلاة﴾، وهذا مجمل بينه ﷺ بفعله فروى جماعة من الصحابة أنه ﷺ كان يصلي في السفر ركعتين لا يزيد عليهما. ولأن ذلك إجماع الصحابة؛ لأن عثمان لما أتم أنكرت الصحابة عليه فلم يرد إنكارهم واعتذر بضروب من
стр. 202
المعاذير تقضي تقبل إنكارهم. ولأنه لما كان مخيرا بين فعل الزيادة على الركعتين وبين تركها إلى غير بدل علم أنها نفل؛ لأن الواجب لا يترك إلا إلى الإبدال.
[٣٦٧] (فصل) إذا ثبت ما ذكرناه، فالقصر عندنا أفضل، خلافاً للشافعي. لأن النبي ﷺ كان يقصر في أكثر أسفاره ويداوم على ذلك ومن الصحابة من ينفي أنه أتم في السفر فدل على أن الفضيلة في القصر وقوله: (خيار عباد الله الذين إذا سافروا قصروا)، وقوله في حديث عمر لما سأل ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، وأقل أحوال هذه الصيغة الندب. ولأن الناس يختلفون في الإتمام هل تفسد الصلاة أم لا، ولم يختلفوا في قصرها.
[٣٦٨] مسألة: لا يجوز القصر للمسافر إلا بعد مفارقة بلده، خلافاً لما يحكى عن عطاء أنه إذا نوى السفر جاز له أن يقصر وإن لم يفارق بلده.
لقوله جل وعز: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾، فعلقه بحصول الضرب، وحقيقة الضرب في ذلك لا يكون إلا بالفعل دون
стр. 203
النية. ولأن النبي ﷺ لما أراد حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة تامة وصلى العصر بذي الحُليفة مقصورة. ولأن النية وحدها لا تؤثر في ذلك كالفطر، ولأن الإقامة لا تكون إقامة بمجرد النية دون الفعل، كذلك السفر.
[٣٦٩] مسألة: إذا فارق بيوت قريته ثم حضرت الصلاة قصر، أي وقت كان. خلافاً لما يحكى عن مجاهد أنه إذا كان ليلاً لم يقصر حتى يصبح، وإذا كان نهاراً لم يقصر حتى يمسي. لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ ولم يقيد، ولأن النبي ﷺ لما أراد حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة وصلى العصر بذي الحليفة فقصر, ولأنه فارق بيوت قريته فأشبه أن يدخل عليه الليل.
[٣٧٠] مسألة: إذا نوى المسافر الإقامة في بعض البلدان مدة، فالاعتبار في ذلك بأن ينوي الإقامة أربعة أيام بلياليهن، فإن نوى هذا القدر أتم وصار حكمه حكم مقيم، وإذا نوى دونها قصر. وقال أبو حنيفة الاعتبار بخمسة عشر يوماً. وقال غيره اثني عشر يوماً، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، وهذا مع نية الإقامة غير ضارب. وقوله: ﷺ (يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً)، وقد علم أن المقام بمكة
стр. 204
كان حراما على المهاجر، فلما استثنى الثلاث علم أنها ليست بإقامة فوجب أن يكون ما زاد عليها إقامة. ولأنه ليس له الجمع بين الصلاتين، فلم يكن له القصر، أصله إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً. ولأنه نوى إقامة أيام تزيد على أقل الجمع، فكان القصر غير جائز، أصله ما ذكرناه.
[٣٧١] مسألة: فإن علق مدة الإقامة بانتجاز حاجته، فإنه يقصر سواء تمادت الإقامة إلى أربعة أيام أو أكثر، وللشافعي قولان: أحدهما: يقصر أربعة أيام فقط. والآخر: سبعة عشر يوما أو ثمانية عشر يوما، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾، وهذا ضارب فيها واعتباراً به إذا كان مقامه على الحرب بعلة عدم النية فيه واستقرار العزيمة على إقامة أربعة أيام.
[٣٧٢] مسألة: سرايا المسلمين إذا أقاموا في وجه العدو بعزيمة أكثر من أربعة أيام، لهم أن يقصروا. خلافاً لأحد قولي الشافعي أنهم لا يقصرون إلا ثمانية عشر يوماً. لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح﴾ وما لم يتقرر للمسافر عزم ثابت على إقامة ينتقل بها عن حكم السفر فالاسم يتناولهم. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأنس وعبد الرحمن بن سمرة ولا مخالف لهم. ولأن عزمهم لا يعول عليه؛
стр. 205
لأنهم لا يدرون متى يلقوا العدو ولا أي وقت يلقونهم فيه فكانوا على أصل السفر.
[٣٧٣] مسألة: إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم متمكن من فعلها فلم يصلها إلى آخر وقتها ثم سافر وقد بقي من وقتها ما يمكنه أداؤها فيه فله أن يقصر. خلافاً لمن حكي عنه من أصحاب الشافعي أنه ليس له قصرها، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، فعم، ولم يخص الضرب في أول الوقت ولا في آخره؛ ولأنه مسافر يحل لمثله القصر، فوجب إذا كان مؤديا للصلاة أن يجوز له قصرها، أصله إذا سافر قبل دخول الوقت ثم دخل عليه وقت الصلاة وهو مسافر. ولأنه مصادف لوقتها وهو مسافر فكان له قصرها، كما لو سافر أول الوقت. ولأنه لا اعتبار بوقت الأداء أول الوقت، دليله إذا دخل أول الوقت وهو قادر على القيام ثم عجز أنه يصلي قاعداً.
[٣٧٤] مسألة: إذا نسي صلاة في حضر ثم ذكرها في سفر بعد فوات وقتها قضاها تامة. خلافاً لما يحكى عن الحسن من قصرها. لقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، وهذا إشارة إلى الصلاة المنسية. ولأنها تجب بأول الوقت ويستقر الأداء بخروج الوقت، فإذا استقر ذلك فقد لزمته في الذمة تامة، فوجب قضاؤها كذلك.
[٣٧٥] مسألة: إذا نسي صلاة في سفر ثم ذكرها في حضر، فالأولى أن يقصرها، فإذا أتمها كره له ذلك وجاز. ومن رأى من أصحابنا أن القصر فرض المسافر قال: يجب قصرها، وقال الشافعي يلزمه إتمامها.
стр. 206
فدليلنا على تخييره قوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) وهذه الكناية عائدة على الصلاة المنسية، فكان مخيرا بين الإتمام والقصر، فوجب أن يكون قضاؤها كذلك. ولأنها صلاة مفروضة، فكان قضاؤها كأدائها، أصله إذا نسي صلاة في الحضر فذكرها في حضر أو سفر، وأما من قال: إن القصر فرض المسافر فإنه قد مر على أصله. ولأن كل صلاة فاتت كان فرض قضائها فرض أدائها، أصله صلاة الحضر إذا فاتت وذكرها في السفر. ودليلنا على الشافعي ما قدمناه. ولأنه نسي صلاة في حال فرضها فيها معلوم، فوجب إذا ذكرها في حال فرضها فيها بخلاف ذلك الفرض أن يقضيها على فرضها حال النسيان: أصله إذا نسي صلاة في حضر فذكرها في سفر.
[٣٧٦] مسألة: إذا نسي صلاة في سفر فذكرها في السفر قبل أن يصير مقيماً، فإنه يقضيها، سفرية. خلافاً لأحد قولي الشافعي إنه يلزمه الإتمام؛ لأنها صلاة تؤدى وتقضى، فوجب أن يكون قضاؤها كأدائها، أصله إذا فاتته في الحضر فذكرها في الحضر. ولأن الحضر أولى بالإتمام من السفر، ثم قد ثبت أنه لو نسي صلاة في سفر فذكرها في حضر أنه يقضيها سفرية فإذا ذكرها في السفر كان القصر أولى. ولأن لفرض الصلاة نوعان: إتمام، وتخيير بين الإتمام والقصر، وقد ثبت أن أحد النوعين يقضي على ما هو عليه في حاله وغير حاله وهو الإتمام، فيجب أن يكون كذلك النوع الآخر.
[٣٧٧] مسألة: إذا دخل المسافر في صلاة المقيم لزمه الإتمام إذا أدرك ركعة فصاعداً، خلافاً لمن قال لا يلزمه. لقوله: (إنما جعل الإمام
стр. 207
ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)،ولأنه مؤتم بمن فرضه الإتمام فوجب أن يلزمه الإتمام كالمقيم.
[٣٧٨] (فصل): وإذا أدرك أقل من ركعة لم يلزمه، خلافاً للشافعي. لقوله: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها)، ولأنه مدرك لما دون الركعة فوجب أن لا يلزمه حكم تلك الصلاة، أصله الجمعة.
[٣٧٩] مسألة: لابد من النية في القصر، خلافاً للمزني، لأن الأصل الإتمام والقصر طارئ عليه فاحتاج إلى نية يختص به تنقله عن الأصل كالجمعة لما كانت طارئة على الظهر احتاجت إلى نية تخصها.
[٣٨٠] مسألة: إذا افتتحها بنية الإتمام لم يجز له قصرها، فإن فعل أعادها أبدا، خلافاً لبعضهم لأنه افتتح الصلاة بنية فرض فلم يجز له نقلها إلى غيره كالحاضر، ولأنه أحرم بنية الحضر فلم يكن له نقلها إلى نية السفر، أصله إذا كان مقيما ثم صار مسافر بعد الدخول فيها بأن اندفعت السفينة.
[٣٨١] (فصل): إذا افتتحها بنية القصر فأتمها عامداً فلا تجزيه خلافاً لبعضهم؛ لأنه دخل فيها بنية قصر فلم يكن له نقلها إلى غيره، أصله إذا افتتحها بنية الإتمام. ولأنه إذا نوى القصر وقد انتظمت النية للعدد الذي نواه من الركعات، فإذا أتمها حصلت تلك الزيادة بغير نية، وغير جائز أن ينوي
стр. 208
ساعة فعلها فتفريق النية على الصلاة لا تصح ".
[٣٨٢] مسألة: فإن أتمها سهواً قال سحنون: لا تجزبه، وقال ابن المواز تجزبه؛ فوحه القول: بأنه لا تجزيه: أن هذه الزيادة غير معتد بها، فصارت كزيادة في صلاة الحضر سهواً، والصلاة إنما تصح مع السهو في العمل القليل دون الكثير، ووجه القول بأنها لا تبطل لأنها زيادة ليست كالمجمع على أنها سهو؛ لأن من الناس من يقول إنها معتد بها. ولأنه إن افتتح الصلاة بنيتها أجزأنه ولم تكن كالزيادة التي لا يعتد بها على وجه والله أعلم.
[٣٨٣] مسألة: إذا افتتح الصلاة بنية القصر ثم نوى الإقامة، فإن صلى ركعة سجد فيها أتمها اثنتين وكانت نفلاً ولم يجز له البناء عليها. وقال الشافعي: يبني على ما تقدم وتجزيه، وبه قال بعض متأخري أصحابنا. ودليلنا أنه لما نوى الإقامة صار حاضراً فلم يجز له أن يصلي بصلاة مسافر وهو حاضر، ولم يجز له البناء على ما مضى في صلاته؛ لأنه ليس له نقل الفرض الذي ابتدأ الصلاة به إلى غيره، وتحريره أن يقال لأنه صلاة ابتدئت بنية الفرض فلم يجز له نقلها إلى غيره، أصله إذا أراد الإتمام ولم ينو الإقامة.
[٣٨٤] مسألة: إذا كان في سفينة يقدر فيها على الصلاة قائماً لم يجزله ترك القيام، سواء كانت مربوطة في الشط أو سائرة، وقال أبو حنيفة: إن كانت سائرة جاز له أن يصلى الفرض جالسا وإن كانت مربوطة إلى الشط لم يجز له،.ودليلنا قوله ﷺ (صل قائما فإن لم تستطع فجالسا)، وهذا مستطيع. ولأنه ركن من أركان الصلاة، فلم يسقط مع القدرة عليه كالقراءة والسجود. ولأن كل من لزمه فرض القيام في غير السفينة لزمه في
стр. 209
السفينة، أصله إذا كانت مربوطة. ولأنه قادر على القيام فأشبه من ليس في سفينة.
[الجمع بين الصلاتين في السفر]
[٣٨٥] مسألة: الجمع بين الصلاتين جائز في السفر وقت أيهما شاء إذا جد به السير، والاستحباب في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية إن قدر هذا في الصلوات الأربع، وقال أبو حنيفة لا يجوز الجمع بين الصلاتين إلا بعرفة والمزدلفة. ودليلنا حديث معاذ (أن رسول الله ﷺ كان في غزوة تبوك يجمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء). وروي أن ابن عمر استصرخ على صفيه وهو بمكة، فسار حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وقال: (إن رسول الله ﷺ كان إذا أعجله أمر في سفره يجمع بين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، ثم نزل فجمع بينهما). وعن أنس قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين
стр. 210
يغيب الشفق). وقريب منه حديث ابن عباس. ولأنه سفر فجاز أن يتعلق به الجمع كالحج.
[٣٨٦] (فصل): يجوز الجمع في طويل السفر وقصيره، خلافاً للشافعي في قوله لا يجوز إلا في سفر القصر. لأن الصحابة ذكروا أن ذلك كان فعله ﷺ في السفر ولم يقيدوا. ولأن كل معنى جاز في الحضر لعذر، جاز في قصير السفر وطويله كسائر الرخص، ولا بد من الاحتراز من الفطر في رمضان.
[٣٨٧] مسألة: يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر لعذر المطر.
خلافاً لأبي حنيفة. لحديث ابن عباس (أنه ﷺ جمع من غير خوف ولا سفر)، قال مالك أرى ذلك في مطر.
[٣٨٨] مسألة: لا يجمع في الحضر إلا بين المغرب والعشاء دون الظهر والعصر، خلافاً للشافعي. لأن الجمع رخصة لتعجيل الناس في انقلابهم إلى بيوتهم، وهذا في الليل؛ لأنهم في النهار لا بد لهم من
стр. 211
الانتشار والتشاغل بالمعاش، والأمور التي لا ينقطعون عنها بالمطر وتزول فائدة الرخصة.
[٣٨٩] مسألة: يحوز الجمع إذا انقطع المطر وبقي الوحل، خلافاً للشافعي. لأن المشقة باقية وإن زال المطر ببقاء الوحل والطين، فكانت الرخصة باقية.
[باب في صلاة الجمعة]
[٣٩٠] مسألة: يجب في صلاة الجمعة المجيء إلى الجمعة على من كان خارجاً من المصر بمسافة يسمع منها النداء، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يجب على من كان خارج المصر السعي إليها أصلاً. لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، فعم وقوله ﷺ : (الجمعة على من سمع النداء)، وروي (التأذين)، ففيه دليلان:
أحدهما: عمومه على أهل المصر وغيرهم.
والآخر: أنه جعل النداء علما على وجوب السعي، ولا يحتمل ذلك إلا من كان خارجاً عن المصر؛ لأن من كان فيه لا يراعى، فيه سماع النداء.
وروى جابر أن الرسول ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا مريضاً، أو مسافراً، أو امرأة، أو صبياً، أو مملوكا)، ولم يستثن ما تنازعناه فبقي في
стр. 212
عموم الإيجاب. ولأنه صحيح لو كان في المسجد لزمته الجمعة، فوجب إذا كان على مسافة من المصر بحيث يسمع النداء أن تلزمه الجمعة، أصله من كان في الربض.
[٣٩١] (فصل): وإنما حددنا المسافة بثلاثة أميال أو بزيادة يسيرة، خلافاً لمن حُكِيَ عنه ستة. وللشافعي في نفيه التحديد جملة. لأن الاعتبار هو سماع النداء، وقد ذكر الناس فيما جرب وروعي في العادة أن الأصوات إذا كانت ساكنة والرياح معتدلة وكان المؤذن صيتاً ولا مانع يمنع السماع فإن الصوت ينتهي إلى ثلاثة أميال وما قاربها، ورأيت في بعض الحديث، مرفوعاً (الجمعة على من سمع النداء من ثلاثة أميال).
[٣٩٢] مسألة: تجب الجمعة على أهل القرى والسواد، خلافا: لأبي حنيفة. لقوله ﷺ : (الجمعة على كل مسلم). وقال ابن عباس: (إن أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة مسجد رسو (١) الله ﷺ لجمعة جمعت بجواثاء، قرية من قرى البحرين). وروى عبد الله بن بدر، قال:
стр. 213
كان طلق بن علي، يجمع بنا بفران، قرية من قرى اليمامة وذكر أن رسول الله ﷺ أمر بذلك. وهذا كالنص. وروت أم عبدالله الدوسية، أن رسول الله ﷺ قال: (الجمعة واجبة في كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة). ولأنها إقامة صلاة فاستوى فيها أهل القرى والأمصار كسائر الصلوات. ولأن كل عبادة لزمت أهل المصر لزمت أهل القرى والسواد، كسائر العبادات واعتباراً بالمصر بعلة اتصال البنيان وأنه يستوطنه عدد معقود بهم الجمعة.
[٣٩٣] مسألة: إذا أخرت الجمعة إلى أي وقت تقام، فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال ابن القاسم: ما لم تغرب الشمس وإن صلى بعض العصر بعد الغروب. وقال الشيخ أبو بكر الأَبْهَرِي: ما لم يخرج وقت الظهر الضروري فيبقى قدر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، فإن بَقيَ من النهار ما يخطب ويصلي ركعتين، ثم يبقى أربع ركعات للعصر أقيمت الجمعة هكذا ذكر ذلك فيما شرح من مسائل الأسدية، وفي تعليق بعض أصحابنا عنه ما لم يخرج وقت الظهر المختار، وقد بينت كل قول في شرح مختصر ابن أبي زيد، وإنما الغرض هاهنا إذا كان في الجمعة وخرج وقتها ودخل وقت العصر. وقال الشيخ أبو بكر: ينظر فإن كان قد صلى ركعة بسجديتها قبل دخول وقت العصر فإنه يتمها جمعة وإن كان قد صلى دون ذلك بنى وأتمها ظهراً. وقال الشافعي ظهراً،، ولم يفصل. وقال أبو حنيفة تبطل صلاته ويستأنف ظهراً. ودليلنا على أن الصلاة لا تبطل أنها صلاة صح افتتاحه لها ولم
стр. 214
تبطل بخروج وقتها كسائر الصلوات. ولأن إدراك الصلاة ركعة يعتبر في موضعين في الفعل والوقت، ثم ثبت أنه لو أدرك مع الإمام ركعة وسلم الإمام أنه يتمها ولا تبطل صلاته، فكذا إذا أدرك ركعة وخرج الوقت فيجب أن لا تبطل، وتحريره أن يقال لأنه معنى اعتبر إدراك الصلاة به بقدر ركعة فزواله لا يمنع صحتها كسلام الإمام. ودليلنا على جواز البناء أن الجمعة أقوى من الظهر فكانت نيتها مقام نية الظهر؛ لأنها إما أن تكون في معنى المقصورة أو بدلا عن الظهر فجاز أن يبني بنية الظهر عليها.
[٣٩٤] مسألة: ليس من شرط إدراك الجمعة إدراك الخطبة. خلافاً لما حُكِيَ عن طاووس. لقوله: (من أدرك من الجمة ركعة فقد أدركها). ولأنه ذكر قبل الصلاة فوجب أن لا يكون إدراكه شرطاً في إدراكها كالأذان والإقامة.
[٣٩٥] مسألة: إذا جاء بعد رفع الإمام رأسه من الركوع من الثانية فقد فاتته الجمعة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يكون مدركاً لها بإدراك ما دون الركعة من السجود والتشهد. لقوله ﵇: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها). فعلق الإدراك بقدر ركعة فانتفى عما دونها. وروي (من أدرك من الجمعة ركعة، أضاف إليها أخرى، فإن أدركهم في
стр. 215
التشهد صلى أربعاً). ولأنه أدركه بعد رفع رأسه من ركوع الثانية كما لو أدركه بعد قعوده قدر التشهد. ولأنه لم يدرك معه بعد شروعه في الصلاة وما يعتد به من فرضه كما لو أدرك معه التسليمة الثانية. ولأن كل ما كان فرضاً في صلاة المنفرد لم تسقط عنه بغير إدراك ركوع الإمام، أصله إذا لحق الإمام قدر رفع رأسه من الركوع في سائر الصلوات. ولأن الجماعة شرط في الجمعة؛ لأنه لا تصح للمنفرد فعلها ومتى أجزنا له بإدراكه الإمام في التشهد أن يأتي بجمعة حصل منه أن يأتي بها منفردا لأنه لم يفعل مع الإمام شيئا يعتد به منها. ولأن إدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة ليضيف الثانية إلى أصل تكون تابعة له ما دون الركعة ليس بأصل، فيكون متبوعاً لأنه لا حكم له في الإدراك كسائر الصلوات. ولأن إدراك الجمعة يتعلق بأمرين: بالفعل والوقت وقد ثبت أنه لو أدرك من الوقت أقل من مقدار ركعة لم يلزمه السعي إلى الجمعة فكذلك إذا أدرك من فعلها مثله.
[٣٩٦] مسألة: لا تفتقر إقامة الجمعة إلى سلطان خلافاً لأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ولم يشترط إذن السلطان. وقوله ﷺ : (الجمعة واجبة على كل مسلم). ولأن ذلك إجماع الصحابة؛ لأن علي بن أبي طالب ﵁ صلى بالناس الجمعة وعثمان ﵁ محصور، وكان الإمام عثمان
следующие страницы →