← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلا شيء والدليل عليه أن الاعتدال قيام فلو كان فرضاً لكان عقيبه ركوع كالقيام الأول. ولأن القيام ركن قبل الركوع فوجب أن لا يتكرر فرضه في الركعة كالقراءة ولأن هذا الرفع أريد لفصل بين الركوع و السجود ، فوجب أن يكتفي منه بما دون الاعتدال؛ لأن الفصل يقع به وكل ما أريد به فعل فصل فإنه إذا حصل ذلك الفصل كفى في وجوبه ولأنه فعل من الرفع ما خرج به عن أن يكون راكعاً أو مقارباً للركوع كما لو اعتدل. [٢٤٣] مسألة: والرفع من الركوع واجب وإن كان الاعتدال الذي فيه غير واجب فإن انحط ساجداً وهو راكع فلا يجزيه على الظاهر من المذهب. ورأيت في بعض الكتب عن مالك أو عن بعض أصحابه إنه يجزيه وليس بشيء يعول عليه. ودليلنا على أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة قوله ﵇: (لا يجزئ الرجل صلاة لا يقيم فيها صلبه في الركوع والسجود) وقوله: (ثم أرفع حتى تعتدل قائماً). ولأن الركوع ركن من الفعل وجب الفصل بينهما اعتباراً بالرفع من السجود. [السجود] [٢٤٤] مسألة: إذا هوى إلى السجود فواسع أن يضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه إلا أن الأحسن أن يضع يديه قبل ركبتيه خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سجد أحدكم

стр. 142

فليضع يديه قبل ركبتيه). ولأنه أَزْينَ في وقار الصلاة وأبعد عن الشبه بجلوس العوام ومن لا وقار له, فكان أولى به. [٢٤٥] مسألة: إذا سجد على جبهته دون أنفه أجزأه واستحببنا له الإعادة في الوقت، وقال ابن حبيب لا يجزيه وحكي مثله عن ابن عباس وغيره. ودليلنا قوله ﵇: (أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء) فذكر الجبهة ولم يذكر الأنف. ولأن ما سوى الجبهة من الوجه لا يلزمه السجود عليه كالذقن ولأن الوجه عضو للسجود فوجب أن يجزئ منه جزء واحد كاليدين. [٢٤٦] مسألة: وإذا سجد على أنفه دون جبهته مع القدرة عليه فلا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵇: (ثم يسجد فيمكن وجهه)

стр. 143

ويروى (جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله). ولأنه موضع من الوجه فلم ينب السجود عليه عن الجبهة أصله الذقن ولأن كل عضو جاز ترك السجود عليه من غير عذر لم يجز الاقتصار عليه كسائر أعضاء السجود. [٢٤٧] مسألة: يجوز أن يسجد على طاقات العمامة من غير أن يكشف عن جبهته خلافاً للشافعي. لقوله (واسجد حتى تطمئن ساجداً) ولم يفصل ولأنه عضو من أعضاء السجود فوجود الحائل بينه وبين الأرض لا ينفي الاسم حقيقة، أصله الركبتان. ولأنه مكن جبهته من الأرض فأشبه إذا باشرها به. [٢٤٨] مسألة: لا يلزمه كشف يديه في السجود خلافاً لأحد قولي الشافعي. لأنه يسمى ساجداً متمكناً فأشبه إذا كشف. [٢٤٩] مسألة: الطمأنينة واجبة في السجود خلافاً لأبي حنيفة. لقوله: (اعتدلوا في السجود). وقوله: (أتموا الركوع والسجود). وقوله: (ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله من الأرض). وروي أنه ﵇ نهى عن نقرة الغراب. ولأنه ركن من أركان الصلاة مقصود

стр. 144

لنفسه فترك الاعتدال فيه يفسد الصلاة كالقيام الأول. [٢٥٠] (فصل): الاعتدال في الجلسة بين السجدتين يخرج على الاعتدال في الرفع من الركوع وقد ذكرناه. [٢٥١] مسألة: إذا أراد القيام من السجود نهض قائماً ولم يجلس. خلافاً للشافعي في قوله يجلس جلسة الاستراحة. لما روي أنه ﵇ (كان إذا رفع رأسه من السجود رفع يديه قبل ركبتيه ونهض قائماً ولا يجلس). وفي حديث أبي حميد أنه ﵇ (سجد ثم كبر فقام ولم يتورك). ولأن نهوض إلى القيام فلم يكن من سنته أن يفصل بينهما بفعل غيره، أصله النهوض من الجلوس إلى الركعة الثالثة ولأنه انتقال من ركن إلى ركن يخالفه فلم يسن فيه جلسة يفصل بينهما كالانتقال من القيام إلى السجود. [٢٥٢] مسألة: إذا نهض إلى القيام فله أن يعتمد على يديه وهو الأحسن عندنا خلافاً لأبي حنيفة في قوله يعتمد على صدور قدميه. لما روى مالك بن الحويرث (أن النبي ﷺ نهض معتمداً على الأرض). ولأن

стр. 145

ذلك أزين في أدب الصلاة ووقارها فكان أولى. [الجلوس في الصلاة] [٢٥٣] مسألة: الجلوس في الصلاة كلها متوركاً. خلافاً لأبي حنيفة في قوله أنه يكون في جميعه مفترشاً وللشافعي في قوله أنه يكون في الجلسة الأخيرة للأرض متوركا وفيما قبله مفترشاً. فدليلنا على أبي حنيفة حديث ابن عمر أنه قال: (إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى). وقول الصحابي السنة يفيد أنها سنة النبي ﷺ وروى عبدالله بن الزبير قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه) وهذا لا يكون إلا مع الإفضاء بوركه إلى الأرض على ما قلنا ولأن ذلك أبلغ في التمكين وأحسن في وقار الصلاة. [٢٥٤] (فصل): ودليلنا على الشافعي. ما رويناه، ولأنه جلوس في الصلاة فأشبه الأخير. ولأنه فعل يتكرر في الصلاة يستوي فيه الإمام والمأموم فكان على صفة واحدة كالركوع ولأنها صفة مسنونة حال القعود

стр. 146

فلم يختلف صفتها كوضع اليدين على الفخذين. [التشهد والسلام] [٢٥٥] مسألة: التشهدان جميعاً مسنونان غير مفروضين. خلافاً للشافعي في إيجابه الأخير ولغيره في إيجابه إياهما لقوله ﵇ للأعرابي لما علمه الصلاة: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك) ففيه دليلان: أحدهما: أن التشهد لو كان مفروضاً لعلمه إياه مع علمه بأنه لا يحسن الصلاة. والآخر: قوله (فقد تمت صلاتك) فحكم بتمامها مع عدم هذا ولأنه ذكر يختص بالجلوس فلم يكن فرضاً كالأول، ولا يدخل ﵇؛ لأنه لا يختص بالجلوس؛ لأنه يؤتى به في الجنازة، وإن شئت قلت قبل التحليل. ولأنه ذكر يتكرر في الصلاة إذا لم يكن الأول واجباً فكذلك الثاني كالتعظيم في الركوع، والدعاء في السجود، وقراءة ما عدا الفاتحة. ولأنه ذكر لا يجهر به في الصلاة على حال كالتوجيه على أصلهم والدعاء على أصل الجميع. ولأنه جملة ذكر من شرطه الشهادتان فأشبه الأذان والإقامة، ولأنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس من المعجز كسائر الأذكار، ولأن ألفاظه وردت مختلفة غير متعينة فدل أنه غير واجب، لأن الأذكار المفروضة متعينة كالتحريم والتسليم والقراءة، ودليلنا على من أوجبهما أن رسول الله ﷺ قام من اثنتين فمضى ثم سجد للسهو وسجود السهو لا ينوب عن مفروض

стр. 147

ولأن كل ذكر صحت الصلاة بتركه سهواً صحت بتركه عمداً، أصله التسبيح عكسه التحريم والسلام. [٢٥٦] مسألة: والاختيار من ألفاظه تشهد عمر بن الخطاب. خلافاً لأبي حنيفة في اختياره تشهد ابن مسعود وللشافعي في اختياره تشهد ابن عباس. ولأن عمر علم الناس التشهد على المنبر بهذه الألفاظ فلم ينكر عليه ولا قيل له إن تشهد النبي ﵇ بخلافه. [٢٥٧] مسألة: الصلاة على النبي ﷺ مسنونة وليست بشرط في صحة الصلاة خلافاً للشافعي وابن المواز في قولهما إنها واجبة في التشهد الأخير. لقوله في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد: (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك) ولأن الجلوس لم يكن من أركان الصلاة فلم تكن الصلاة على النبي ﷺ مستحقة فيه كالقيام والسجود. ولأن الصلاة على الأنبياء ليس بشرط في صحة الصلاة اعتباراً بسائر الأنبياء. ولأنه ذكر آدمي في تضاعيف الصلاة منفصل عن القرآن فلم يكن شرطاً أصله قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. [٢٥٨] مسألة: التسليم فرض من شرط صحة الصلاة. خلافاً لأبي حنيفة في قول إنه يتحلل بأي شيء شاء مما يقصد به الخروج من الصلاة.

стр. 148

لقوله ﵇: (وتحليلها التسليم) وذلك يمنع أن يكون لها تحليل سواه من وجهين: أحدهما: دليل الخطاب، والآخر: خروجه مخرج البيان عن جنس التحليل فمفهومه أنه ليس له تحليل سواه. وقوله ﵇: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ولأنه أحد طرفي الصلاة فلم يصح إلا بنطق معين كالدخول، وقد حكى أصحابنا عنهم أن الفرض التحليل من الصلاة، وهم في هذا العصر ينكرون ذلك فيدل عليه بأنه لو أقام عليها حتى يخرج وقتها من غير خروج منها أو إحداث قبل السلام لا يقصد بذلك الخروج ساهياً لبطلت صلاته، فثبت افتقارها إلى معنى يخرج به منها، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون معيناً كسائر الأركان. [٢٥٩] (فصل): ويفرض الكلام في أن السلام من الصلاة يقع فيها خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن ابتداء ألفاظه يقع في الصلاة فإذا أكمله وقع كله خارج الصلاة. لأن ما قالوه يقتضي إحالة؛ لأنهم يزعمون أن ابتداء حروف السلام يقع في الصلاة، ثم بفراغه من الميم يقع السلام كله خارج الصلاة وهذا لا يتصور لأنه إذا وقع ابتداؤه في الصلاة، فالفراغ منه لا يخرج أوله عن الوجه الذي وقع عليه ولأنه ذكر مشروع في موضع يجوز أن يرد عليه ما يفسد الصلاة، فوجب أن يكون من الصلاة اعتباراً بما قبله. ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم فوجب أن يكون التحليل منها جزءاً من أجزائها كالرمي والطواف في الحج. ولأنه تطوع مشروع في الصلاة يصادف جزءاً من أجزائها فوجب أن يكون منها كالقراءة، وإذا ثبت أن السلام جزء من الصلاة ثبت أنه من شرط صحتها لأن أحداً لا يفرق. [٢٦٠] مسألة: لفظه أن يقول السلام عليكم فإن نكر ونون فلا

стр. 149

يجزيه. خلافاً لبعض الشافعية. لقوله ﵇: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فكان متعيناً كالتحريم. [٢٦١] مسألة: الفرض منه واحدة وبها يقع التحليل. خلافاً لأحمد بن حنبل وغيره ممن يقول: إن الفرض تسليمتان،. لقوله: (تحليلها التسليم) وذلك يقتضي أقل ما يتناوله الاسم، وروي أنه ﵇ كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه) ولأنه لو أحدث بعد الأولى وقبل الثانية لم تفسد صلاته فدل أن التحليل لا يقع بالثانية وإذا لم يقع بها تحليل لم تكن واجبة كالثالثة. ولأنه ذكر في أحد طرفي الصلاة فكان الفرض منه واحد كالإحرام. [٢٦٢] مسألة: الاختيار للإمام والمنفرد الاقتصار على واحدة خلافاً للشافعي. لما روت عائشة وأنس أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسلمون تسليمة واحدة. ولأن السلام يراد لأحد أمرين إما التحليل وإما الرد وذلك معدوم في الثانية في حق الإمام والمنفرد.

стр. 150

[٢٦٣] مسألة: إذا سلم ساهياً لا يعتقد به التحليل فيجب أن لا يجزيه خلافاً لبعض الشافعية. لأنه نطق في أحد طرفي الصلاة فاحتاج إلى نية يصحبها ذكر كالتحريم. [التكبير عند القيام من ركعتين] [٢٦٤] مسألة: والاستحباب في القيام من اثنتين أن يكبر إذا اعتدل قائماً خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. لما روي في حديث أبي حميد (أن النبي ﷺ ما كبر من اثنتين حتى اعتدل قائماً) ذكره بعض أصحابنا. ولأن هذا القيام مشبه بابتداء الصلاة والتكبير فيه مشبه بتكبيرة الافتتاح فكان القيام إلى الثالثة كالمستأنفة. [الدعاء والقنوت في الصلاة] [٢٦٥] مسألة: يجوز أن يدعو في الصلاة بكل دعاء يجوز له بخارجها. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه لا يجوز أن يدعو إلا بألفاظ القرآن وما يقاربها. لقوله ﵇: (لا تقولوا السلام على الله ولكن قولوا التحيات لله) إلى أن قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به).وقوله: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه ثم يصلي علي ثم يدعو بما شاء). ولأنه دعاء مباح في غير الصلاة فكان مباحاً في الصلاة كألفاظ القرآن.

стр. 151

[٢٦٦] مسألة: يقنت في صلاة الصبح خلافاً لأبي حنيفة. لأن النبي ﷺ كان يقنت فيما رواه أبوهريرة وخفاف بن إيماء والبراء وأنس بن مالك وقال أنس: (مازال يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا). [٢٦٧] مسألة: يجوز القنوت قبل الركوع وبعده. خلافاً للشافعي في قوله إن محله بعد الركوع. ولإجماع الصحابة عليه. وروي عن أبي رجاء

стр. 152

العطاردي قال: (كان القنوت بعد الركوع فصيره عمر قبله ليدرك المدرك). وروي أن المهاجرين والأنصار سألوا عثمان فجعله قبل الركوع. ولأن في ذلك فائدة لا توجد فيما بعده وهو أن القيام يمتد فيلحق المفاوت. ولأن في القنوت ضرباً من تطويل القيام وما قبل الركوع أولى بذلك لا سيما في الفجر. [الترتيب في قضاء الفوائت] [٢٦٨] مسألة: الترتيب مستحق في قضاء الفوائت في الخمس فما دونها. خلافاً للشافعي في قوله إنه يسقط بالفوات ويبدأ بالحاضرة على الفائتة. لقوله ﵇: (لا صلاة لمن عليه صلاة) فعم. وقوله: (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك فإن ذلك وقتها). ولأنه ﵇ ترك أربع صلوات يوم الخندق فقضاهن

стр. 153

على الترتيب. ولأنه ترتيب في الصلاة مستحق مع بقاء الوقت فلم تسقط بفواته وكون الصلاة في الذمة، أصله ترتيب الركوع والسجود. ولأنهما صلاتان مختلفتان اجتمعتا في وقت فجاز تعليق الوجوب فيها بالفعل أصله العشاء والوتر. [٢٦٩] (فصل): وهو يستحق مع ضيق وقت الحاضرة وسعته فيبدأ بالفائتة وإن فاتت الحاضرة خلافاً لأبي حنيفة وابن وهب للأخبار التي رويناها، واعتباراً بسعة الوقت بعلة وجوب فوائت في ذمته للترتيب تأثير فيها. ولان كل ترتيب وجب مع سعة الوقت وجب مع ضيقه كالأركان. [التسبيح لتنبيه الإمام] [٢٧٠] مسألة: الاستحباب لمن نابه شيء في صلاته أن يسبح رجلا كان أو امرأة. خلافاً للشافعي في قوله تصفق المرأة. لقوله ﵇: (من نابه شيء في صلاته فليسبح) واعتباراً بالرجل، والمروي في التصفيق فإن العمل المتصل وجد على خلافه فهو أولى من الخبر.

стр. 154

[٢٧١] مسألة: يجوز أن يسبح في أي شيء نابه مثل أعمى يقع في بئر أو نفرت دابة يخاف أن ترفسه أو حية أو ما أشبه ذلك. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه لا يسبح إلا فيما فيه تنبيه إمامه فإن قصد تنبيه غير إمامه بطلت صلاته. لعموم الخبر، ولأنه تسبيح لأمر نابه يجوز له التنبيه عليه كتنبيه إمامه. [مسائل مختلفة تتعلق بالصلاة] [ستر العورة] [٢٧٢] مسألة: اختلف أصحابنا في ستر العورة في الصلاة، فمنهم من يقول: إنها من شرط صحتها مع الذكر والقدرة، فإن لم يقدر عليها صلى عرياناً وأجزأته، وكذلك إن نسي، وإن صلى مكشوف العورة عالماً بأن له ما يسترها، قادراً على ذلك، فإن صلاته باطلة. ومنهم من يقول: إنها واجبة مفترضة وليست من شرط الصحة، فإن صلى مكشوف العورة عالماً عامداً كان عاصياً آثماً، إلا أن الفرض قد سقط عنه. فوجه الأول قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، قيل: اللباس في الصلاة والطواف. وقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ورأيناه يصلي بالسترة. وقوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار). والاتفاق على أنه مأمور بستر العورة محظور عليه كشفها في

стр. 155

غير الصلاة ومتأكد وجوبها في الصلاة، والقول بأنه ليس من شروط الصحة ينفي ذلك. ووجه الثاني قوله ﵇: (لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله) إلى أن قال (ثم يستقبل القبلة فيكبر) فأخبر عما تتم به الصلاة، ولم يذكر ما تنازعناه. ولأن صفة الشيء بأنه شرط في بعض العبادات أو فرض من فروضها يفيد اختصاصه به وأنه يجب بوجوبها، ويسقط وجوبه بسقوط وجوب ما أضيف إليه كالوضوء للصلاة والتيمم والنية. وكالصوم في الاعتكاف والإحرام في الحج وسائر فروض العبادات، ووجدنا ستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ لأنه يلزمه سترها في غيرها فعلم أنه ليس من شرطها. ولأن كل ما كان من فروض الصلاة، فلابد عند عدمه من بدل يقوم مقامه عند العجز عنه في أداء العبادات كالوضوء وغيره، وفي الاتفاق على أن من لم يجد ما يستر عورته، وخاف ذهاب الوقت أن يصلي عرياناً؛ دليل على أن السترة ليست من شروط الصلاة، ولا يدخل عليه التيمم؛ لأنه إذا عجز عنه لم يصل إلا في الوقت؛ لأن منه بدلاً يقوم مقامه وهو الوقت الذي يقتضى فيه. [٢٧٣] مسألة: عورة الرجل ما بين السرة والركبة. خلافاً لداود وقوله في الفخذ وما قاربه: ليس بعورة، وإن العورة السوءتان فقط. لقوله ﵇: (ما بين السرة والركبة عورة).وقوله لعلي ﵁: (لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت). وروى

стр. 156

محمد بن جحش أن النبي ﷺ مر بمعمر وهو مكشوف الفخذ فقال: (غط فخذك فإن الفخذ من العورة). وروى مالك عن أبي النضر عن ابن جرهد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (غط فخذك فإن الفخذ عورة).

стр. 157

[٢٧٤] مسألة: وجميع بدن المرأة عورة إلا وجهها وكفيها. خلافاً لمن قال لا يجوز لها كشف الوجه واليدين وهو أحمد بن حنبل لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قيل الوجه والكفان. ولأن كشف ذلك يلزمها في الإحرام، فلو كان عورة لم يجز لها كشفه كباقي بدنها. [٢٧٥] مسألة: ولا يجوز لها كشف ما عدا ذلك من بدنها ولا يجزيها الصلاة مع كشفها على أحد المذهبين. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن العورة مخففة ومغلظة، فالمغلظة القبل والدبر، فإن انكشف منهما أكثر من قدر الدرهم بطلت الصلاة، والمخففة ما عداهما فإن انكشف منها أقل من الربع جاز. لقوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، ولقوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾. وحديث أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله تصلي المرأة بخمار ودرع إذا لم يكن عليها إزار فقال: (نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها). ولأن كل عضو انكشف ربعه منع صحة الصلاة، فكذلك إذا انكشف أقل من ربعه كالعورة المغلظة. ولأنه كشف من عورته ما قدر على سترته كالربع. ولأن تقديرهم ذلك بالربع وبقدر الدرهم دعوى لا ينفصلون فيمن زاد فيها أو نقص عنها. [٢٧٦] مسألة: العري لا يسقط عن العريان شيئاً يلزمه من أركان الصلاة، ولا يجوز له أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام. خلافاً لأبي

стр. 158

حنيفة في قوله: إنه يجزيه أن يصلي قاعداً مع القدرة على القيام،. لأن القيام ركن من أركان الصلاة، فلم يسقط عند العجز عن الكسوة، كالقراءة. ولأن فرائض الصلاة مبنية على أن العجز عن بعض أركانها لا يسقط ما يقدر عليه منها، ألا ترى أن من عجز عن القراءة لم يسقط عنه الركوع والسجود. ومن عجز عن الركوع لم يسقط عنه القيام، وقد ثبت أن من عجز عن القيام لم تسقط عنه السترة فكذلك يجب أن يكون من عجز عن السترة أن لا يسقط عنه القيام. [مبطلات الصلاة] [٢٧٧] مسألة: الكلام سهواً لا يبطل الصلاة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه يبطلها إلا لفظ التسليم. لقوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، وحديث ذي اليدين أنه قال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: (كل ذلك لم يكن) موضع الدليل أنه ﵇ تكلم ساهياً وعنده أنه قد فرغ من الصلاة ثم لما ذكر بنى على صلاته وسجد للسهو. ولأنه كلام على وجه السهو فأشبه لفظ السلام. [٢٧٨] مسألة: إذا تكلم عامداً لإصلاح الصلاة، مثل أن ينبه الإمام

стр. 159

إذا لم يفهم فإنه لا يفسدها خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لحديث ذي اليدين لما قال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: (كل ذلك لم يكن) ثم التفت إلى أبي بكر وعمر فقال لهما: (أحق ما يقول ذو اليدين؟ قالا نعم فبنى ولم يستأنف) موضع الدليل، أنه سألهما وهو يجوز أن يكون في صلاة لأنه استثبتهما. ولأنه كلام أتى به قصداً للتنبيه وإصلاح الصلاة، فلم تبطل به كالتسبيح، ولأنه كلام لم يقصد به التعمد الممنوع كالسهو. ولأن التنبيه على مصلحة الصلاة قد يقع بما لا يكون مباحاً لغيره، أصله التصفيق للنساء. [٢٧٩] مسألة: إذا قرأ في المصحف وهو في الصلاة لم تبطل صلاته. خلافاً لأبي حنيفة. لأنها لو بطلت لم يخل أن يكون لأجل القراءة في المصحف، وذلك باطل؛ لأنه لو قرأ فيه وهو بين يديه لم تبطل، أو لتصفحه الورق ولا يجوز ذلك، لأنه ليس بعمل متوال، ولأنه من مصلحة الصلاة. [٢٨٠] مسألة: إذا سبقه الحدث في الصلاة استأنفها ولم يجز له البناء. خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي. لقوله ﵇: (إذا صلى أحدكم فظن أنه أحدث فلا يخرجن من صلاته) وروي (فلا

стр. 160

ينصرفن حتى يسمع صوتاً أو يشم ريحاً)، وروى الحكم بن عتيبة عن ابن هانيء عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ الرجل فهو في صلاة حتى يحدث). ولأنه حصل محدثا في الصلاة كالعامد. [٢٨١] مسألة: إذا دفع المار يين يديه لم تبطل صلاته. وحكى عن أبي حنيفة أنها تبطل. وذكر الإسفرائيني أنه حكي عن الشافعي في القديم. ودليلنا قوله ﵇: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحداً يمر بين يديه وليدرأه ما استطاع) وهذا نص في استباحة فعل ذلك، فيبطل القول بأنه يفسدها. [٢٨٢] مسألة: لا يقطع الصلاة مرور شيء بين يدي المصلي. خلافاً لمن قال: يقطعها الحائض والحمار والكلب الأسود. لقوله ﵇: (لا

стр. 161

يقطع صلاة المسلم شيء) واعتباراً بمرور من سوى هؤلاء. [قضاء الصلاة بعد سلام الإمام] [٢٨٣] مسألة: ما أدرك مع الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها، هذا هو المشهور من قوله. وهو قول أبي حنيفة. وروى عنه ابن نافع أن ما أدرك أول صلاته، وما يقضي آخرها. وهو قول الشافعي. فوجه الأول، أن ما أدرك آخر صلاته، قوله ﵇: (وما فاتكم فاقضوا) والذي فاته أول صلاته والقضاء هو أن يأتي بمثل المقضي. ولأنه لو أدرك أول صلاة الإمام لكانت أول صلاته، فإذا أدرك آخرها وجب أن يكون آخر صلاته. ولأنه يعمل مع الإمام آخر صلاة الإمام فوجب أن يكون آخر صلاته نفسه، كما لو أدرك جميع الصلاة. ووجه الآخر، قوله ﵇: (وما فاتكم فأتموا)، والإتمام أن يأتي ببقية الشيء واعتباراً بالمنفرد. ولأنه لو كان ما يقضيه صلاته لوجب إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة من المغرب أن لا يقعد في التشهد في الركعتين التين يقضيهما.

стр. 162

[إعادة الصلاة في جماعة] [٢٨٤] مسألة: من صلى وحده ثم أدركها في جماعة استحب له أن يعيدها إلا المغرب. وقال أبو حنيفة يعيد الظهر والعشاء الأخيرة فقط وقال المغيرة والشافعي يعيد المغرب وغيرها. فدليلنا على أبي حنيفة ما روى مالك عن زيد بن أسلم عن بشر بن محجن عن أبيه قال: (كنا مع رسول الله ﷺ فصلى ثم رجع ومحجن في مجلسه وقال: إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت) فعم ولم يخص. وروي أنه ﵇ صلى الصبح بمنى وإذا برجلين لم يصليا فدعاهما فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا، قالا: إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: وإن كنتما قد صليتما في رحالكما إذا أتيتما الإمام فصليا معه فإنها لكما نافلة) ففيه دليلان: أحدهما: أن السبب كان الصبح، والسبب لا يخرج عن الحكم بحال. والثاني: أنه عام. ولأنها صلاة شفع فاستحب إعادتها أصله الظهر عكسه المغرب. [٢٨٥] (فصل): ودليلنا على أن المغرب لا تعاد, قوله ﵇: (لا

стр. 163

تصلى صلاة في يوم مرتين) فعم. ولأنها وتر فإذا أعادها حصل وتران في ليلة من جنس، وذلك ممنوع. ولأن إحدى الصلاتين تكون متنفلاً بها والتنفل لا يكون إلا بثلاث ركعات. [٢٨٦] مسألة: إذا صلى في جماعة لم يعدها في جماعة أخرى خلافاً للشافعي. لأن إحدى الجماعتين لا فضيلة لها على الأخرى. ولأنه لو استحب إعادتها لم يكن لذلك حد يقف عنده. [العجز عن القيام في الصلاة] [٢٨٧] مسألة: إذا عجز عن القيام صلى قاعداً متربعاً. خلافاً للشافعي في قوله يصلي مفترشاً. لأن ذلك مروي عن ابن عمر وابن عباس وأنس. ولأن ذلك أيسر في التمكين وأتم في وقار الصلاة وليفصل بين قعوده الأصلي وبين قعوده البدل. ولأن ذلك أبلغ في حفظ صلاته وأبعد عن التشويش عليه وشكه. [مكان وقوف المرأة في صلاة الجماعة] [٢٨٨] مسألة: إذا ائتمت المرأة بالرجل قامت خلفه. وإذا قامت إلى

стр. 164

جنبه أو بين يديه لم تبطل صلاة واحد منهما. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن صلاتهما تبطل في غير الجنازة؛ لقوله ﵇: (لا يقطع صلاة المرء شيء). ولأنها صلاة شرعية كالجنازة. ولأن كل من تصح صلاة الرجل معه إذا وقف إلى جنبه في الصلاة على الجنازة فكذلك في سائر الصلوات، كالرجل والصبي. ولأنه موقف لو وقفه في الجنازة لم تبطل صلاته، فكذلك في غير الجنازة كوقوفه إلى جنب الصبي. ولأن اختلاف موقف الإمام لا يوجب بطلان صلاة واحد منهما، كوقوف المأموم عن يسار الإمام. ولأن مجاورة المرأة لا تفسد صلاة من جاورته كقيامها في صلاة أخرى أو في غير صلاة. [سجود التلاوة] [٢٨٩] مسألة: سجود التلاوة مستحب غير واجب، لا على القارئ ولا على المستمع. خلافاً لأبي حنيفة. لأنه إجماع الصحابة. روي عن عمر أنه قرأ سجدة على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الأخرى قرأها، فتهيأ الناس للسجود فقال: (على رسلكم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء). وفي طريق آخر (من سجد فقد أحسن ومن لم يسجد فلا إثم عليه) وذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار فلم ينكر ذلك أحد ولا حكي فيه خلاف. وفي حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ قرأ (ص) على المنبر فنزل فسجد ثم قرأ في الجمعة الأخرى فنزل فسجد ثم قال: (ما أردت أن أسجد ولكني رأيتكم تيسرتم

стр. 165

للسجود). وذلك يدل على أنها غير واجبة. ولأنه سجود في غير صلاة، ولا في حكمها، فلم يكن واجباً بأصل الشرع كسجود الشكر. ولأنه يجوز فعله على الراحلة في السفر من غير خوف ولا مرض، فلم يكن واجباً كالتطوع. [٢٩٠] مسألة: إذا ركع بدلاً عن سجود التلاوة لم ينب ذلك عن السجود. خلافاً لما يحكى عن أبي حنيفة أنه بالخيار إن شاء سجد وإن شاء ركع. لأنه سجود شرع لسبب اقتضاه، فلم ينب عنه الركوع أصله سجود السهو؛ لأن كل سجود شرع في الشريعة لم ينب عنه غيره، أصله السجود من صلب الصلاة. [٢٩١] مسألة: في عزائم القرآن روايتان: إحداهما: إحدى عشر وهي المشهورة. والأخرى: أربعة عشر باقيها في المفصل وهو قول أبي حنيفة والشافعي. فوجه الأول: ما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في النجم فلما هاجر إلى المدينة تركها. وعنه أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة. [٢٩٢] مسألة: في الحج سجدة واحدة وهي الأولى، والثانية ليس بعزيمة خلافاً للشافعي. لأنه سجود مقرون بالركوع، فلم تقتض سجدة تلاوة أصله قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾. [٢٩٣] مسألة: سجدة (ص) عزيمة خلافاً للشافعي. لما روى ابن

стр. 166

عباس أن النبي ﷺ سجد في (ص)،. وروي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: (رأيت كأني اقرأ (ص) فلما أن بلغت إلى السجدة سجد الدواء والقلم فسجد النبي ﷺ في (ص). [٢٩٤] مسألة: السجود عند بشارة أو مسرة مكروه والأولى أن يقتصر على الشكر والحمد باللسان. خلافاً للشافعي في قوله يسجد. لقوله ﵇: (إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية) فأمر بالدعاء ولم يأمر بالسجود. ولأنه لا نعمة أعظم من نعمة الإسلام، وقد أسلم كثير من الناس على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمر أحداً منهم بالسجود، ولو كان مستحباً لأمر بذلك، وقد كانت له ولأصحابه فتوح كثيرة عظيمة، فلم ينقل أنهم سجدوا لها مع عظيم المن فيها وزوال الأذى عنهم بها. وكذلك روي أنه استسقى النبي ﷺ في عام جدب فسقي فلم ينقل عنه أنه سجد بل نقل عنه أنه كان يلجأ عند الشدائد إلى الدعاء وعند زوالها إلى الحمد والشكر بلسانه. [الصلاة داخل الكعبة] [٢٩٥] مسألة: مذهب مالك في صلاة الفرض داخل الكعبة أنها تكره

стр. 167

وتجزئ. وقال أصبغ لا تجزيه، وهو المشهور عند المحققين من أهل مذهبنا. فوجه الأول قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ وهذا قد فعل. وروى بلال أن النبي ﷺ دخل الكعبة فصلى بها. ولأنه مستقبل بجميع بدنه من البيت كالخارج، ولأن كل بقعة صحت فيها النافلة على الإطلاق صحت فيها الفريضة كسائر المواضع. ووجه المنع قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، والمراد بالشطر القبالة والنحو ففيه أدلة: أحدها: أنه يوجب استقبال جملته وذلك ينفي استدبارها ومن كان داخلها فلابد أن يستدير شيئاً منها. والثاني: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح فيها فعل المأمور وتركه؛ لأن المأمور إنما يكلف ليفعل أو يترك، وما لا يُفعل إلا على وجه فلا يصح أن يؤمر بفعله، ومعلوم أن من كان داخل الكعبة لو أراد أن لا يولي وجهه شطره لم يمكنه فعلم أنه مأمور بأن يحصل على صفة يصح منه الفعل والترك وهو الخروج عنه. والثالث: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى؛ لأن أمره إيانا أن نولي وجوهنا شطره يتضمن منع استدبار بعضه في معنى استدبار كله لا ينفي كونه مستقبلاً لها ولا يجوز أن يقابل بأن يقال إن استقبال بعضه كاستقبال

стр. 168

جميعه لما بينا أن الاستقبال المأمور به لا يتصور إلا بحيث يمكن الاستدبار بدلاً منه. [الصلاة عند نقض البيت -والعياذ بالله -] [٢٩٦] مسألة: ولو نقض البيت ليبنى جازت الصلاة إلى جهته وإن لم يكن هناك شخص يستر. خلافاً للشافعي. لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. ولأن الاعتبار بالبقعة والسمت دون البناء دلالة أن البناء لو نقل إلى مكان آخر لم يجز الصلاة إليه، والبقعة حاصلة وإن لم يتسن بناء؛ لأن الكعبة موضع البيت نفسه فلا معتبر بالبناء، ولأنه لا خلاف أن البناء لو نقض كانت صلاة أهل الأفاق جائزة وإن لم يحدث بدلاً له بناء آخر فعلم أن الحرمة للبيت دون البناء. ولأنه مستقبل جهة الكعبة كما لو كان البيت مبنياً، ولأنه لو كان ما قالوه شرطاً لم يجز الصلاة على أبي قبيس؛ لأنه ليس بشيء يستقبله المصلي، ولا يلغى بناء البيت لأن ذلك في حق من هو نازل عنه. [قضاء المرتد الصلاة إذا أسلم] [٢٩٧] مسألة: إذا أسلم المرتد لم يلزمه قضاء ما ترك من الصلاة والصوم في حال ردته خلافاً للشافعي. لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. وقوله ﵇: (الإسلام يجب ما قبله). ولأنها حال كفر فلم يقض ما ترك فيها من الصلاة كالكفر الأصلي، ولأن كل معنى أثر في سقوط قضاء الفوائت فإنه إذا زال ثم عاد

стр. 169

فإن زواله ثانية يسقط قضاء الفوائت معه، أصله الحيض، وهذا يتصور فيمن كان كافراً ثم أسلم ثم أرتد ثم أسلم. ولأنه معنى يؤثر في سقوط الفوائت، فلم يفترق فيه حكم الطارئ والأصلي كالجنون. [٢٩٨] مسألة: وعليه استئناف الحج خلافاً للشافعي. لأن عمله حبط بالكفر بدليل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ولأنه لو كان عمله مراعى غير محبط بالكفر لوجب أن تصح أنكحته وحقوقه المفتقرة إلى الإسلام كإنكاحه لوليته، وإذا ثبت أن عمله قد انحبط صار كالإسلام المبتدأ. ولأنه إسلام عقيب كفر، فوجب أن يلزم معه الحج كالمسلم ابتداء. [الشك في عدد ركعات الصلاة] [٢٩٩] مسألة: إذا شك في عدد الركعات بنى على يقينه، كان شكه نادراً أو معتاداً، ما لم يكن استنكاحاً. خلافاً لأبي حنفية في قوله: إن كان أول شك لم يتكرر منه تحرى وبنى على غالب الظن. لقوله ﵇: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتي السهو، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمام الصلاة، وكانت السجدتان ترغيماً للشيطان). ولأنه شاك في عدد ركعات صلاة هو مشتغل بها، فوجب أن يبني على اليقين، أصله إذا تحرى فلم يغلب على ظنه شيء أو غلب على ظنه النقصان. ولأن أمر الصلاة مبني على الاحتياط وهو ههنا البناء على اليقين؛ لأنه يتيقن معه إتمام الصلاة ويصير شاكا في الزيادة، وإذا بنى على غالب الظن والتحري صار شاكا في تمام الصلاة ومجوزا لنقصانها وذلك ضد الاحتياط. ولأنه إذا تحرى وبنى على اليقين، فإنه يسجد للسهو،

стр. 170

والسجود إنما يجبر ما لم يكن شرطا في الصلاة، فلو قلنا إنه يتحرى ويسجد للسهو جاز أن يكون قد ترك الركعة فيصير سجود السهو نائباً عن ركن وذلك غير جائز، وإذا بنى على اليقين كان سجود السهو جبراً للزيادة أو مرغماً للشيطان فكان أولى؛ لأنه لا يخرج السجود عن موضعه. ودليلنا على أن الصلاة لا تبطل بأول مرة لخبره الذي رويناه، ولأنه شك في عدد ركعاتها كالمعتادة. [سجود السهو] [٣٠٠] مسألة: سجود السهو في النقصان قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن جميعه بعد السلام. وللشافعي في قوله إن جميعه قبل السلام. فدليلنا على أبي حنيفة حديث عبدالله بن بحينة أنه قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ثم قام فلم يجلس فقام الناس معه فلما قضى صلاته وانتظرنا تسليمه كبر وسجد سجدتين وهو جالس قبل السلام ثم سلم). ولأن سجود النقص جبران للنقص الواقع في الصلاة، فوجب أن يكون في الصلاة، كما كان هدي المتعة والقرآن في الحج؛ لكونه جبراناً للنقص الواقع فيه. ولأنه سجود لسبب وقع في الصلاة يتعلق بها، فجاز أن يكون قبل السلام كسجود التلاوة. ودليلنا على الشافعي ما روى ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: (لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم). وحديث ذي اليدين أن رسول الله ﷺ -

стр. 171

صلى ركعتين أخريين ثم سلم ثم سجد سجدتين. وقوله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، وإذا سلم فليسجد سجدتين).ولأن هذا السهو قد اقتضى زيادة لأجل الصلاة، فلو قلنا إنه يكون فيها لكان زيادتين في الصلاة وذلك لا يجوز. [٣٠١] مسألة: إذا أسر موضع الجهر، أو جهر في موضع الإسرار سجد سجدتين. خلافاً للشافعي في قوله لا يسجد في ذلك. لقوله ﵇: (لكل سهو سجدتان). ولأنه ترك مسموعاً في الصلاة أو زاد مسموعاً يتعلق به السجود كما لو ترك أصل الذكر. [٣٠٢] مسألة: لا يسجد للسهو أكثر من سجدتين كثر أو قل. خلافاً لمن حكي عنه لكل سهو سجدتان إن صحت الحكاية عنهم لما روي عن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين أنه سجد سجدتين. وقد اجتمع عليه أشياء من السهو، منها سلامه من اثنتين، وكلامه واستثباته ومشيه. ولأن الأصل في السجود الذي يعرض لسبب أن يكون عقب سببه، كسجود التلاوة ويتكرر بتكرره، وفي مسألتنا: أخره إلى آخر الصلاة، وفائدة ذلك تجويز أن يحدث شيء آخر من بابه فيكون السجود للجميع. [٣٠٣] مسألة: الذي يقتضيه مذهبنا أن سجود السهو للنقصان واجب في الصلاة. لأن مالكاً اختلف قوله فيه. قال: فإن تركه حتى طال أو انتقض وضوءه أعاد الصلاة، وكان الشيخ أبو بكر الأبهري يمتنع من إطلاق

стр. 172

الوجوب، ويقول: إن الصلاة تعاد بتركه. وعندي أن ذلك خلاف عبارة؛ لأن الغرض حاصل، وهو فساد الصلاة بتركه وهذا فائدة الوجوب. وقال أبو حنيفة: هما واجبتان وليستا من شرط صحة الصلاة، فلا يتصور خلاف معه؛ لأن عنده أن السجود للنقصان بعد السلام. وقال الشافعي: هو مستحب وليس بواجب. ودليلنا حديث ابن بحينة، وفيه (فلما قضى صلاته وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين ثم سلم) وأفعاله على الوجوب وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ولأنه جبران وقع في عبادة فكان واجباً فيها كالدم في الحج ولأنه سجود يفعل في الصلاة لإصلاحها. [٣٠٤] مسألة: إذا لم يسجد الإمام لسهو سجد المأموم. خلافاً لأبي حنيفة. لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة إمامه، فإذا دخل على صلاة الإمام نقصٌ دخل على صلاة المأموم، فوجب أن يجبره بسجود السهو؛ ولأنه سجود لزم الإمام فإذا لم يأت به أتى به المأموم كالسجود الأصلي. [٣٠٥] مسألة: وإذا كان سهو الإمام قبل دخول المأموم معه في الصلاة لزم المأموم أن يسجد معه. خلافاً لأحد قولي الشافعي. لأن حكم اتباعه قد لزمه، ألا ترى أنه يتبعه في الجلوس ويتبعه في القيام، وإن لم يكن في نظام صلاته، واعتباراً بما يدركه معه. [العجز عن قراءة القرآن] [٣٠٦] مسألة: إذا كان لا يحسن شيئاً من القرآن أصلاً لزمه أن يكبر للإحرام، ولم يلزمه من طريق الوجوب تسبيح ولا تحميد ولا غيره، ويستحب له أن يقف وقوفاً ما فإن لم يفعل وركع أجزأه. وعند الشافعي يلزمه أن يذكر الله بالتكبير والتحميد، فدليلنا أنه ذكر بدل عن القراءة فلم يلزمه للعجز عنها كسائر الأذكار. ولأنه ذكر غير مقدر كالدعاء. ولأن الأذكار في الصلاة إذا عجز عن شيء منها وانتقل الوجوب إلى غيرها،

стр. 173

لم ينتقل إلا إلى معين كالركوع والسجود، فلما كان الذكر الذي ينتقل إليه عند العجز عن القراءة غير متعين دل أنه لا يلزمه. [٣٠٧] مسألة: إذا كان يحسن من الفاتحة آية أو آيتين أتى بما يحسنه، ولم يلزمه تكراره ولا قراءة غيره من القرآن. ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما: أنه يكرر ما يحسنه منها سبع مرات. والآخر: أنه يأتي بتلك الآية وست آيات من القرآن. ودليلنا على أنه لا يلزمه التكرار، أنه قد قرأه فلم يلزمه تكراره في الركعة التي قرأه فيها، كما لو كان يحسن جميعها. ولأن وجوب التكرار لا يخلو أن يكون ليقوم مقام الحمد لله بعدد آياتها أو لأن عليه أن يأتي بهذا العدد جملة، فإن كان ليقوم مقام الحمد، فذلك باطل؛ لأن القراءة ركن والعجز عن بعض الركن لا يوجب تكرار البعض المقدور عليه منه، ولا يقوم ذلك مقام جملته كالركوع والسجود. ولأنه نطق من شرط صحته الصلاة، فوجب إذا عجز عن بعضه أن لا يلزمه تكرار ما يحسنه، أصله تكبيرة الإحرام إذا كان يحسن أن يقول: (الله) ولا يحسن أن يقول: (أكبر) فإنه لا يلزمه أن يكرر قوله الله وإن كان عليه أن يأتي بذلك العدد من القرآن، فلا يصح؛ لأن ذلك عليه من موضع معين. فإذا لم يكن، لم يلزمه غيره، ودليلنا على أنه لا يلزمه غير الفاتحة من سائر الأذكار أو القرآن، أنه ذكر مقدر معين، فإذا عجز عن بعضه لم يلزمه الإتيان ببقية من جنسه، أصله إذا كان يحسن (الله) ولا يحسن أن يقول: (أكبر) فإنه لا يلزمه أن يقول: أعظم وأجل. ولأن قراءة غير أم القرآن لا تلزم في الصلاة، أصله إذا كان يحسن الفاتحة كاملة وكذلك إن لم يكن يحسنها أو بعضها وكذلك ما زاد على الست آيات.

стр. 174

[إمامة الجنب أو المحدث] [٣٠٨] مسألة: الجنب أو المحدث إذا أم بقوم، فإن كان عامداً فصلاتهم باطلة علموا أو لم يعلموا وإن كان ناسياً، فصلاة من علم منهم باطلة، ومن لم يعلم به فصلاته ماضية، فأما صلاته في نفسه، فإنها باطلة على كل وجه ولا خلاف فيه. وقال أبو حنيفة: صلاة من خلفه باطلة علموا أو لم يعلموا ناسياً كان أو ذاكراً. وقال الشافعي: صلاة من علم به باطلة، وصلاة من لم يعلم به ماضية ناسياً كان أو ذاكراً. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وروي أن رسول الله ﷺ كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده أن امكثوا، ثم رجع وعلى جلده أثر الماء. وفي حديث آخر: (إنما أنا بشر وإني كنت جنباً وأنسيت). ولأن بطلان طهارة الإمام على غير وجه العمد لا توجب بطلان صلاة المأموم إذا لم يتابعه مع العلم، ولا ينسب إلى تفريط، أصله من سبقه الحدث، ولا يلزم عليه إذا تعمد بهم لأن بطلان صلاتهم هناك لفسقه. ولأنه فساد اتصل بحكم الصلاة من جهة الإمام في طهارته عن غير قصد منه فلم يتعد إلى صلاة المأموم، أصله إذا غلبه الحدث. ولأن من خلف الإمام لا يجب عليه العلم بحال إمامه هل هو متطهر أو

стр. 175

لا؛ لأن ذلك لا يصل إليه ولا يؤثر علمه في فساد صلاته ولا يدخل عليه التعمد؛ لأن البطلان للفسوق عليه في الجملة أمارة. [٣٠٩] (فصل): دليلنا على الشافعي أنه قاصد لإفساد صلاتهم، واستهزاء بالدين فبطلت صلاتهم خلف من هذه صفته كالكافر. ولأنه يصير بهذا الفعل فاسقا وإمامة الفاسق لا تجزئ عندنا وتجزئ عند أبي حنيفة والشافعي. ودليلنا قوله: (يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقومهم قراءة، فإن كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم سنا) فبين ﷺ أن المقصد المطلوب في الإمامة كمال حال الإمام في الفضل، وأمر بتقديم كل من زادت حيازته لها، وذلك ينفي الائتمام بالفاسق الموصوف بضد هذه الصفة. ومثله قوله (أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمن تستشفعون). ولأن الإمامة تتضمن حمل ركن من أركان الصلاة عن المأموم وهو القراءة، والفاسق لا يؤمن منه تركها، وليست هناك إمارة ولا غالب ظن يؤمّننا من ذلك فيه، فيكون المؤتم به مغرراً بصلاته خلفه ويصير كمن صلى وحده وشك هل قرأ أم لا فنقول له أعد صلاتك؛ لأنك على غير يقين من سقوط فرض القراءة عنك، كذلك الائتمام بالفاسق. [الصلاة في الثوب النجس] [٣١٠] مسألة: إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً ولم يجد ماء يغسله به فإنه يصلي به ولا يصلي عرياناً، ثم إن وجد ثوباً طاهراً بعد أن صلى استحببنا له الإعادة في الوقت والصلاة تجزيه. وقال أبو حنيفة إن كان النجس في بعضه لزمه أن يصلي فيه، ولا قضاء عليه وإن كان جميعه

стр. 176

نجساً كان بالخيار بين أن يصلي فيه ولا قضاء عليه، وبين أن يصلي عرياناً ولا قضاء عليه. وعند الشافعي لزمه أن يصلي عرياناً ولا إعادة عليه، فإن صلى به فعليه القضاء. ودليلنا عليهما أن ستر العورة أكد في ذلك حالاً من إزالة النجاسة، بدليل أنه إذا لم يرد الصلاة جاز له لبس الثوب النجس، ولم يلزمه إزالته وكان عليه ستر عورته عن أعين الناس في الصلاة وغيرها، فإذا تقابلا كان الأوكد أولى ولا يصح اعتبارهم بالتطهير بالماء النجس؛ لأنه لم تنتقض بالمكان. ولأن الطهارة شرط في الصحة على الإطلاق بخلاف الستر. [٣١١] مسألة: قليل النجاسة وكثيرها سواء في منع الصلاة بجنسها سوى الدم، فإنه تجزئ الصلاة بيسيره، وإن كثر وتفاحش لم يجزه. وقال أبو حنيفة: تجوز الصلاة بيسير النجاسة أي نوع كانت وهي ما قصر عن مقدار الدرهم البغلي وما بلغ أكثر من ذلك لم يجز. وقال الشافعي: كل نجاسة فلا تجوز الصلاة بقليل منها ولا بكثير، من الدم وغيره، إلا دم البراغيث، فإنه نجس معفو عنه. هذا في غير الضرورات، وأما في الضرر كدم الاستحاضة والجرح. لا يرقأ، وسلس البول فإنه غير داخل في هذا. فدليلنا أوّلاً على أن ما عدا الدم يجب غسله قليله وكثيره. قوله ﵇: (إنما يغسل الثوب من المني والبول). ولأنها نجاسة لا يجوز أكل شيء مما خالطها، فلم تجز الصلاة بشيء منها، عكسه الدم لما جاز أكل ما أصابه اليسير منه، جازت الصلاة بيسيره. ولأنها نجاسة بموضع يلحقه حكم التطهير ممكن الاحتراز منها غالباً غير متكررة فوجب

стр. 177

إزالتها، أصله ما زاد على قدر الدرهم. [٣١٢] (فصل): ودليلنا على أن الدم بخلاف سائر النجاسات، أن يسيره لا يمكن الاحتراز منه ولا التحفظ إلا بمشقة وكلفة؛ لأن الإنسان لا يخلو في الغالب من دم بثرة أو بعوضة أو برغوث أو سن أو أنف. ولأن الذبائح لا تخلو من بقية دم في العروق فعفي عن يسيره للضرورة ولأجل المشقة. ولأن الله تعالى لما أفرد تحريمه بأن يكون على صفة وهو أن يكون مسفوحاً عُلم أن ما قصر من ذلك مخفف. ولذلك قالت عائشة: (لولا أن الله تعالى قال: ﴿أو دما مسفوحا﴾ لتتبع الناس ما في العروق من الدم) واعتباراً بدم البراغيث. [مسائل في النجاسة] [٣١٣] مسألة: بول الصبي إذا لم يأكل الطعام يغسل. خلافاً للشافعي في قوله يكفي أن يرش عليه. لقوله ﵇: (إنما يغسل الثوب من المني والبول). ولأنه بول آدمي كالأنثى، واعتباراً به بعد أكل الطعام. والحديث المروي في رشه قال مالك: ليس بالمتفق عليه. [٣١٤] مسألة: أبوال ما يؤكل لحمه وأرواثه طاهرة. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ الآية، (ولما روي أنه ﵇ أباح للعرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها). وقوله:

стр. 178

(ما أكل لحمه فلا بأس ببوله). وقوله: (ليس بشرب بول كل ذي كربأس). وقوله: (جنبوا صبيانكم ومجانينكم مساجدكم)، ومعلوم أن ذلك لتوقي النجاسات؛ لأنه لا يؤمن وقوعه من صبي ومجنون. ثم روي أنه ﵇ طاف بالبيت على بعيره) فدل أن بوله طاهر، وإلا كان ذلك مناقضة؛ لأن فيه تعريض المسجد لما أمر بتنزيهه عنه. ولأنه ﷺ أباح الصلاة في مرابض الغنم مع العلم بأنها لا تخلو من أبوالها غالباً. ولأنه مائع ورد الشرع بإباحة شربه على الإطلاق كاللبن، أو بإباحة التداوي به. ولأن البول يجب أن يكون في الإباحة والحظر معتبراً بلحم ذلك الحيوان، أصله بول الآدمي والخنزير، وتحريره أنه بول، فوجب أن يكون تابعاً للحمه كأبوال الآدميين. وعلى أبي حنيفة أنه رجيع حيوان مأكول اللحم من غذاء طاهر كذرق الحمام .. [تم الجزء الرابع من كتاب الإشراف، والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم]

стр. 179

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٣١٥] مسألة: المني نجس خلافاً للشافعي لأنه مائع خارج من السبيل كالبول. ولأنه مائع ينقض خروجه الطهر، وأشبه المذي والبول. ولأنه مائع يوجب البلوغ، كدم الحيض. ولأنه مائع يجري في مجرى النجس، فلو كان طاهراً في الأصل لوجب أن ينجس لذلك. [٣١٦] (فصل) ويغسل رطبه ويابسه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن يابسه يفرك ولا يغسل لقوله ﵇: (إنما يغسل الثوب من المني والبول). ولأنه مائع نجس كالدم والبول، واعتباراً بسائر النجاسات وبرطبه. [٣١٧] مسألة: إذا انكسر عظمه فجبر بعظم نجس، وخاف التلف بقلعه لم يلزمه ولم يجز له قلعه. خلافاً لبعض الشافعية في قوله يقلعه وإن تلف لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾ ولأنه ليس في ذلك أكثر من أن يصلي بالنجاسة، وذلك جائز مع الضرورة. ولأنه لو لم يجز له ذلك لم يكن لإباحة أكل الميتة خوف التلف معنى، قال بعض الشافعية: يقلعه وإن تلف. [٣١٨] مسألة: إذا أصاب الأرض بول أو دم، لم يطهر بمرور الزمان وطلوع الشمس عليها خلافاً لأبي حنيفة. اعتباراً بالبساط النجس والثوب.

стр. 180

ولأنه لو كان قد طهر لجاز التيمم بذلك التراب. [٣١٩] مسألة: دم السمك نجسخلافاً لأبي حنيفة. لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ واعتباراً بسائر الدماء. [٣٢٠] مسألة: الخمر نجس خلافاً لمن لا يعتد بقوله. لأنه مائع محرم تناوله من غير خوف على النفس كالدم. ولأنه مائع محرم إمساكه واجب إراقته كالبول والدم. [٣٢١] مسألة: النار لا تطهر شيئاً خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵎: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ فخص الماء بذلك. ولأنه عين نجسة، فلم يطهر بالنار كلحم الخنزير. [الصلاة في المقبرة] [٣٢٢] مسألة: الصلاة في المقبرة جائزة في الجملة ما لم تكن فيها نجاسة تعلم،. لأنها موضع طاهر كسائر المواضع. [دخول الكافر والجنب المسجد] [٣٢٣] مسألة: لا يجوز للجنب اللبث في المسجد خلافاً لداود. لقوله ﵇: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). ولأنه شخص يلزمه الغسل كالكافر. [٣٢٤] مسألة: ولا يجوز له المرور فيه خلافاً للشافعي للخبر أيضاً (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). ولأنه نوع من الكون فيه
следующие страницы →