Полный текст (912 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
باب [في] صلاة الاستسقاء
[٤٥٢] صلاة الاستسقاء سنة في الجماعة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها بدعة وليست بسنة لما رواه عباد بن تميم، عن عمه أن رسول الله ﷺ خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة) ورواه ابن عباس، وأبو هريرة، ولأن الخطبة في الأصول لا تكون إلا مقارنة للصلاة كالعيدين والجمعة.
[٤٥٣] مسألة: يكبر للإحرام فقط.
خلافاً للشافعي في قوله كتكبيرات العيد، لما روي أنه ﵇ استسقى فصلى وكبر واحدة افتتح بها الصلاة، ولأنها صلاة غير عيد، فأشبهت النوافل كلها، ولأنها صلاة
стр. 247
ليس لإظهار نسك كسائر الصلوات.
[٤٥٤] مسألة: يحول فيها رداءه خلافاً لأبي حنيفة، لما رواه عبدالله بن زيد أن رسول ﷺ استسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة).
[حكم تارك الصلاة]
[٤٥٥] مسألة: إذا اعتقد وجوب الصلاة ثم تركها كسلا يقتل ولا يكفر، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يقتل، ولأحمد في قوله قد كفر.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، وأقل ما يوجبه هذا اللفظ وجوب القتل. ولأن الأمر أحد نوعي التكليف فجاز أن يقتل في مخالفته كالنهي. ودليلنا على أحمد أنها من أفعال البدن فلم يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالحج.
стр. 248
كتاب الجنائز
[٤٥٦] مسألة: المستحب أن يغسل الميت مجرداً، خلافاً للشافعي؛ لأن الغرض تنظيفه وإزالة ما عليه من نجس أو درن، فكل ما أمكن في ذلك كان أولى.
[٤٥٧] مسألة: لا يُزالُ عن الميت شعر ولا ظفر، خلافاً للشافعي؛ لأنه قطع شيء من بدنه كالقلفة لأنه إذا قطع احتيج إلى دفنه معه، وما يدفن مع الميت إذا ترك عليه فلا يفرد عنه كسائر أعضائه.
[٤٥٨] مسألة: حكم الإحرام ينقطع بالموت، فيفعل بالميت المحرم ما يفعل بالحلال، خلافاً للشافعي. لقول ﷺ (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث). ولم يذكر فيها الإحرام، ولأنه عبادة لها إحرام وإحلال وأُبيح له التحلل فيها فوجب أن يخرج منها بالموت كالصلاة، ولأنها عبادة يختص حكمها به دون غيره، فوجب أن يبطل حكمها بالموت كالصوم، ولأن حكم الإحرام لو كان باقيا لكان يجب أن يطاف به، ويوقف بعرفة، ويرمى عنه، كما يفعل بالمغمى عليه والمريض، وأن يلزم من يطيبه فديه، ولأن الموت سبب لسقوط كفارات الإحرام، فأوجب الخروج منه
стр. 249
كالتحلل. ولأنه معنى يمنع بقاء أفعال الإحرام عليه من غير مراعاة كالتحليل، ولأنها عبادة يتعلق بها تحريم الطيب، فوجب أن يخرج منها بالموت كالعدة.
[٤٥٩] مسألة: يغسل الرجل امرأته، خلافاً لأبي حنيفة في منعه ذلك، لقوله ﷺ لعائشة: (إن مت قبلي غسلتك وكفتنك وصليت عليك). ولأنه إجماع الصحابة لأن علياً ﵁ غسل فاطمة ﵂، ولم ينكر ذلك أحد، وقال ابن عباس: (الرجل أحق بغسل امرأته). ولأن الزوجية إذا زالت بالموت لم تمنع الغسل اعتباراً بموت الزوج، ولأن كل شخصين جاز أن يغسل كل واحد منهما في حياته، جاز ذلك بعد مماته، أصله الأختان والأخوان. ولأن كل شخصين جاز لأحدهما أن يغسل صاحبه بعد موته، فكذلك الآخر، أصله ما ذكرناه. ولأن كل حادث حدث بالزوج لم يمنع النظر، فكذلك إذا حدث بالمرأة كالمرض والجنون، ولأن كل حكم استفيد بالنكاح ولم يبطله موت الزوج، فإنه لا يبطله موت الزوجة كالتوارث.
[٤٦٠] مسألة: وعنه في المطلقة الرجعية روايتان: إحداهما: جوازه،
стр. 250
والأخرى منعه. فوجه المنع أنها قد حرمت عليه لمعنى فيها وإنما كان له أن يستحلها بالرجعة فقد بطلت بموتها فكانت على أصل التحريم، ووجه الجواز ثبوت الميراث لمّا كان باقيا بينهما، وكذلك باقي أحكام النكاح فكذلك الغسل.
[٤٦١] مسألة: من مات له نسيب كافر لم يغسله، خلافاً للشافعي. لأن الغسل تابع للصلاة فلما لم يحصل عليه لعدم الولاية بينهما فيجب أن لا يغسله. ولأن الغسل طهارة للمسلم وإعظام له، وذلك منتف في حق الكافر. ولأن عليا ﵁ لمّا أَعْلَم النبي ﷺ بموت أبيه فقال: إن عمك قد مات قال: (اذهب فواره) ولم يأمر بغسله.
[٤٦٢] مسألة: إذا تحرك المولود ثم لم يستهل صارخا ولا طال مكثه طولاً يستدل منه على حياته فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، خلافاً للشافعي. لقوله ﷺ : (ما من مولود يولد إلا نخس الشيطان في جنبه فيستهل صارخاً، إلا ابن مريم وأمه ألا ترى أن الصبي إذا سقط من أمه كيف يصيح؟ وذلك حينَ يلكُزُه الشيطان).وروى سليمان بن بلال،
стр. 251
عن يحيى بن سعيد، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرث الصبي حتى يستهل صارخاً)، والاستهلال الصياح والبكاء، وليس يخلو هذا التفسير أن يكون من عند النبي ﷺ ، أو من عند هذا الصحابي، وأيهما كان فهو حجة. وروى عقيل، عن ابن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: (إذا استهل المولود صارخاً صُلّي عليه، ووجب ميراثه وديته). هذا وإن كان مرسلاً نص لا يحتمل. ولأنه قد ثبت أنه لا بد من علم يدل على حياته ولا يجوز أن تكون الحركة: لأنها قد تكون مستعارة كتحرك المذبوح ولأنه قد
стр. 252
كان متحركا في بطن أمه ولا حكم له بحياة فلم يبق إلا ما نقوله من الاستهلال أو طول المكث.
[٤٦٣] مسألة: الشهيد المقتول في المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال أبو حنيفة: يصلى عليه ولا يغسل، وحكى عن الحسن وغيره: أنه يغسل ويصلى عليه، فد ليلتا ما روى جابر أن النبي ﷺ أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم وقال أنس (لم يغسل شهداء أحد ولم يصل عليهم). وروى أنس أن النبي ﷺ مر بحمزة وقد مثل به، ولم يصل على أحد من الشهداء غيره. ولأن كل ميت لا يغسل إلا كان لا يصلي عليه، أصله السقط، ولأن الغسل متعلق بالصلاة اعتباراً بالمسلم والكافر وبالجنين المستهل وغير المستهل.
[٤٦٤] مسألة: لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو، خلافاً للشافعي في قوله: ينزع ذلك. لما روي أنه ﵇ أمر بدفنهم بثيابهم فعم الفرو والمحشو، ولأنه من لباس لا من سلاح كالقميص.
[٤٦٥] مسألة: الظاهر من قوله أنه ليس للولي نزع ثيابه وتكفينه بغيرها، خلافاً للشافعي في قوله: إن له ذلك. لقوله ﵇: (زملوهم بدمائهم وثيابهم) وهذا ينفي التخيير، ولأنه شيء على جسده أمر بدفنه
стр. 253
فيه، فلم يكن للوارث إزالته عنه كالدم.
[٤٦٦] مسألة: المرأة والصبي إذا قتلا في المعركة فلا يغسلان،. خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵇: (زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماً اللون لون دم والريح ريح المسك)، ففيه دليلان: أحدهما: قوله (زملوهم بدمائهم) ولم يفرق والأخر: التعليل وهو عام. ولأنه شهيد بالقتل في معركة المسلمين كالبالغ، ولأن موجبات الموت من العبادات لا تختلف بالصغير والكبير، أصله غير الشهداء.
[٤٦٧] مسألة: إذا استشهد جنباً فلا يغسل. خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵇: (زملوهم بدمائهم)، الخبر، وهو عام؛ ولأنه شهيد في معركة الإسلام كالطاهر، ولأنها طهارة من حدث فوجب أن تسقط بالشهادة كالوضوء، ولأن غسل الجناية يجب للصلاة، وهي ساقطة عن القتيل فيسقط الغسل الواجب لها.
[٤٦٨] مسألة: إذا حمل من المعركة مثخناً بالجراح فعاش ثم مات، فإن كان في غمرة الجراح إلى أن مات فإنه لا يغسل، ولا يصلى عليه، وإن بقي يومين أو ثلاثة، وأكل أو شرب فهو كسائر الموتى، ولا اعتبار ببقاء الحرب أو انقطاعها. وقال الشافعي إن مات قبل تقضيّ الحرب فهو شهيد، لا يغسل، سواء، أوصى أو أكل أو شرب أو لم يفعل، وإن مات بعد تقضي الحرب فكغيره من الموتى، فالمراعاة عنده أن يموت قبل تقضي
стр. 254
الحرب. فدليلنا أن المعترك ليسب بعبارة عن بقاء الحرب أو تقضيها، وإنما عبارة عن الموضع الذي يكون فيه القتل فإذا جرح هناك ثم انصرف منه، ومات في غمرته تبيّنا أنه مات في المعترك، وبقاؤه في الغمرة لا حكم له، سواء بقيت الحرب أو انقضت، فإن عاش وأكل وشرب، ثم مات والحرب قائمة، علمنا أنه لم يمت في المعترك؛ لأنه يجوز أن يكون بغير ذلك الجرح، أو بسبب أخر، أو لمرض ثان أصابه، فلا اعتبار ببقاء الحرب ولا يتقضيها.
[٤٦٩] مسألة: سائر شهداء المسلمين سوى المقتول في المعترك يغسلون ويصلى عليهم، خلافاً لأبي حنيفة فيما حكي أنه إن قتل عمداً لم يغسل وإن قتل خطأ غسل؛ لأن ذلك إجماع الصحابة، لأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلياً رضوان الله عليهم أجمعين قتلوا شهداء عمداً، فغسلوا وصلوا عليهم، ولأنه مسلم مقتول في غير معترك المسلمين، كالمقتول خطأ والهديم والغريق.
[٤٧٠] مسألة: المقتول من الفئة الباغية يغسل ويصلى عليه خلافاً لأبي حنيفة. لقوله ﵇: (صلوا على من قال لا إله إلا الله)، ولأنه
стр. 255
مسلم مقتول في غير معترك الكفار والمسلمين كسائر القتلى. ولأنه لا يخلو أن يكون مقتولاً بحق، أو بظلم فإن كان مقتولا بحق فهو كالزاني المحصن والمقتول قوداً، وإن كان بظلم كان كمن قتله اللصوص، والفريقان يغسلون ويصلى عليهم.
[٤٧١] مسألة: المقتول من الفئة العادلة يغسل ويصلى عليه. خلافاً للشافعي في أحد قوليه. للخبر؛ لأنه مقتول في معترك المسلمين دون الكفار، كالمقتول من الفئة الباغية، وللتقسيم الذي قدمناه.
[٤٧٢] مسألة: إذا وجد عضو أو يسير من البدن فلا يصلى عليه. خلافاً للشافعي. لأنه يسير من البدن كالسن والظفر والشعر؛ ولأن هذا القدر لو انقطع منه حال الحياة لم يصل عليه كذلك بعد الموت. ولأن الصلاة على الميت لا تعاد عندنا، فلو قلنا: إن اليد والرجل يصلي عليهما لكان لا يخلو إذا وجد باقي البدن أن تعاد الصلاة أو لا تعاد، فإن لم تعد فإن ذلك يؤدي إلى أن الكثير تابع للقليل وذلك خلاف الأصول، وإن أعيدت حصل منه إعادة الصلاة على الميت وذلك ما منعاه.
[٤٧٣] مسألة: إذا اختلط المسلمون بالمشركين صلي على الكل ونوي بالصلاة المسلمين.
وقال أبو حنيفة: يفعل ذلك إن كان المسلمون أكثر من المشركين، فإن كانوا مثل المشركين أو أقل فلا يصلي عليهم. ودليلنا أنه إذا اختلط من تجب الصلاة عليه بمن لا تجب لم يسقط ذلك الصلاة على من تجب عليه، اعتباراً بكون المسلمين أكثر؛ لأن الصلاة الواجبة إذا لم تتميز مما ليس بواجب أتى بالجميع ليسقط بعض الواجب، كمن نسي صلاة بعينها فإنه يصلي الخمس كلها.
[٤٧٤] مسألة: المشي أمام الجنازة أفضل. خلافاً لأبي حنيفة لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة.
стр. 256
[٤٧٥] مسألة: الوالي أولى بالصلاة على الميت من الولي. خلافاً للشافعي، لقوله ﵇: (لا يُؤم الرجل في سلطانه إلا بإذنه)، ولأن الحسين ﵁ لما مات الحسن بالمدينة قدم سعيد بن العاص، وكان أميرها فصلى عليه وقال: (لولا أنها السنة ما قدمتك)، ولم يخالف عليه أحد. ولأنها صلاة سن لها الاجتماع فكان الإمام أولى بإقامتها كالجمعة والعيدين. ولأنه لما كانت للإمام في الصلاة ولاية في الأحياء كان بأن يكون له ذلك في الموتى أولى.
[٤٧٦] مسألة: الابن أولى بالصلاة من الأب والجد، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأن المراعى في ذلك التعصيب، بدليل أنّ ذوي الأرحام لا مدخل لهم فيه، وتعصيب الابن أقوى من كل إنسان من العصبة فكان أولى. ولأن ذلك مبني على أصلنا في أن الابن أولى بإنكاح أمه من الأب والجد.
[٤٧٧] مسألة: والأخ وابن الأخ أولى من الجد. خلافاً لأبي حنيفة.
والشافعي. لأنهما أقوى تعصيبا منه؛ لأنهما يدليان ببنوة الأب، والجد يدلي بأبوة الأب، وتعصيب البنوة أقوى.
[٤٧٨] مسألة: ولا حق للزوج في الصلاة على الميتة، خلافاً، لما يحكى عن الحسن لأنه ليس بعصبة كالأجنبي، ويفارق الغسل لأن فيه اطلاعاً على البدن ومباشرة للعورة، والصلاة مستحقة بالولاية.
стр. 257
[٤٧٩] مسألة: يجوز الجلوس قبل وضع الجنازة، خلافاً لأبي حنيفة لما روي أن رسول الله ﷺ كان لا يجلس حتى توضع في اللحد، فقال بعض اليهود: إنا هكذا نصنع، فجلس، وقال: اجلسوا وخالفوهم.
[٤٨٠] مسألة: ليس في الصلاة على الميت قراءة. خلافاً للشافعي في قوله: لابد من القراءة بالفاتحة. لقوله ﷺ : (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)، ولم يأمر بالقراءة. ولأنها صلاة لا ركوع فيها، فلم يكن فيها قراءة، أصله سجود التلاوة، والطواف، ولأن من حق القراءة ألا تجب إلا مكررة في الصلوات الواجبة، فلما لم تتكرر في الجنازة دل على أنها ليست بواجبة فيها، ولأن القيام ركن من أركان الصلاة فإذا وجب منفرداً لم يجب له قراءة كسجود التلاوة، ولأنها قراءة فأشبه ما عدا الفاتحة.
[٤٨١] مسألة: التكبير على الميت أربع، خلافاً لمن قال خمس، لأن المتواتر من الأخبار أن النبي ﷺ كبر على الجنائز أربعاً على النجاشي، وعلى قبر المسكينة، وغيرهما، وقال: ابن عباس
стр. 258
وابن أبي أوفى آخر ما كبر رسول الله ﷺ أربعاً،. ولأن التكبير في الجنائز جعل بإزاء عدد الركعات، فلما كان أكثر ذلك أربعاً، فكذلك التكبيرات.
[٤٨٢] مسألة: من فاته بعض التكبير ففيه روايتان: إحداهما: ينتظر الإمام. والأخرى: يحرم ولا ينتظر. فوجه الأولى قوله ﵇: (وما فاتكم فاقضوا)، والقضاء إنما يكون بعد فراغ الإمام؛ لأن تكبيره قد أقيم مقام ركعة، فلما لم يجز للمأموم أن يتشاغل بقضاء الفوائت قبل دخوله في صلاة الإمام، كذلك في مسألتنا. ووجه الأخرى قوله: (فما أدركتم فصلوا)، وهذا قد أدرك فوجب أن يصلي، ولا طريق إلى ذلك إلا بأن يدخل معه في الصلاة. ولأنه لحق مع الإمام أثناء الصلاة فوجب أن يدخل معه فيها، كسائر الصلوات.
[٤٨٣] مسألة: إذا سبقه الإمام بالتكبير فإنه إذا سلم الإمام قضى ما فاته. خلافاً لما يحكى عن الأوزاعي أنه لا يقضيه. لقوله: (وما فاتكم فاقضوا).ولأن هذه التكبيرات بمنزلة الركعات التي هي أركان الصلاة، وثبت أن من فاته ركن مع الإمام قضاه فكذلك هاهنا.
[٤٨٤] مسألة: الاستحباب أن يقف الإمام من الرجل عند وسطه،
стр. 259
ومن المرأة عند منكبيها. وقال أبو حنيفة: يقف منها عند الصدر. وقال الشافعي: يقف من الرجل عند رأسه، ومن المرأة عند عجيزتها، فدليلنا ما روي عن ابن مسعود على الصفة التي ذكرناها ولأن ليس بعض جسده بأن يحاذيه، الإمام بأولى من بعض فكان الوسط أولى. فأما المرأة فوقوفه عند أعلاها أمثل وأسلم له لأن السنة سترها ما أمكن.
[٤٨٥] مسألة: إذا اجتمعت جنائز رجالا ونساء وصبيانا، جعل الرجال مما يلي الإمام ثم الصبيان ثم النساء. خلافا لما يحكى عن الحسن من عكسه، وهو أن النساء يلين الإمام ثم الصبيان ثم الرجال لأن ما قلناه إجماع الصحابة، وروي عن عمر، وعثمان وعلي، والحسن، والحسين وابن عمر، وابن عباس، وأبي قتادة وأبي هريرة،
стр. 260
رضي الله عنهم وقالوا: هي السنة ولا مخالف لهم،. ولأن كون النساء أبعد عن الرجال استر لهن، وهذا أمر معتبر في النساء. ولأن الحال التي يلي الأمام أشرف وأفضل، فكان الرجال أولى بها ولأن في الصلاة يكون الرجال مما يلي الإمام فكذلك في الصلاة عليهم مع النساء.
[٤٨٦] مسألة: إذا صلى ولي الميت على ميته سقط الفرض، ولا يعاد ثانية لا على الجنازة، ولا على القبر، خلافاً للشافعي؛ لأن الفرض قد سقط بالصلاة الأولى، فلو كان جائزاً أن تعاد عليه ثانية لكانت نفلاً، والنفل على الميت لا يجوز؛ لأنه لو جاز لكان أولى من يفعل ذلك به رسول الله ﷺ ؛ لأن في الصلاة على قبره من الفضيلة ما ليس في الصلاة على قبر غيره، واعتباراً بمن صلى عليه مرة أنه لا يعيدها ثانية؛ لأن ما يأتي به بعد المرة الأولى إنما هو تنفل على الميت، واعتباراً بإعادتها بعد البلى وانقضاء عمره. ولأن الفرض في حقه قد سقط فلم يعد، اعتباراً بالغسل.
[٤٨٧] مسألة: لا تصح الصلاة على الجنازة إلا بطهارة، خلافاً للشافعي، لظاهر الأخبار. ولأنها عبادة يدخل فيها بتكبير ويخرج منها بالتسليم، فكان من شرطها الطهارة، كسائر الصلوات. ولأنها مساوية لسائر الصلوات في وجوب النية والستر واستقبال القبلة فكذلك في الطهارة.
[٤٨٨] مسألة: يكره الصلاة على الجنازة في المسجد، خلافاً للشافعي، لقوله ﵇: (من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له). وأقل ما في ذلك المنع. ولأنه يخاف أن يحدث من الميت حدث
стр. 261
فيؤدي إلى تنجيس المسجد وتدنيسه، وقد قال ﵇: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) الحديث.
[٤٨٩] مسألة: لا يكره الدفن ليلاً خلافاً، لمن كرهه، لحديث المسكينة وقد دفنت ليلاً فبلغه ولم ينكره، ولأن جماعة من الصحابة قد دفنوا ليلاً واعتباراً بالنهار.
[٤٩٠] مسألة: يصنع بولد الزنا ما يصنع بولد الرشيدة خلافاً لما روى عن قتادة أنه لا يصلى عليه؛ لأنه قول ابن عمر ولا مخالف له
стр. 262
ولأنه مسلم مات في غير معترك كولد الرشدة، ولأن الموالاة ثابتة بيننا وبينه.
[٤٩١] مسألة: يصلى على قاتل نفسه. خلافاً لما يحكى عن الأوزاعي، لقوله ﵇: (صلوا على من قال لا إله إلا الله). ولأنه ميت من أهل الإسلام مات في غير معترك، كمن مات حتف أنفه، ولأن أحدا لا تتأتى له محض الطاعات ولا يخلص من المعاصي، فلو منعنا الصلاة على مرتكب كبيرة أو مقترف معصية لأدى ذلك إلى أن لا يصلى على أكثر الناس من المسلمين ولأن الصلاة على الميت إنما هي دعاء وطلب الرحمة والمغفرة وأحوج أهل الملة إلى الدعاء والاستغفار هذا الميت.
[٤٩٢] مسألة: يصلى على المرجومة في الزنا خلافاً: لبعض التابعين. لقوله ﵇: (صلوا على من قال لا إله إلا الله). واعتباراً بسائر أموات المسلمين. ولأنه ﷺ لم يصل على ماعز ولم ينه عن، ذلك ولأنه ليس في رجمها أكثر من أنها أصابت ذنبا تلفت بعقوبته، وذلك لا يمنع الصلاة عليها كمن قتل في القصاص.
[٤٩٣] مسألة: من قتله الإمام في حد لم يصل عليه الإمام خاصة خلافاً للشافعي. لما روى أبوبرزة أن النبي ﷺ لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه.
ولأن ذلك من فعل الأئمة، بعده ولم يحدوا أحداً
стр. 263
فيصلون عليه بأنفسهم. ولأن في امتناع الإمام من الصلاة ضرباً من إلحاق النقص بهم؛ لأن صلاة الإمام وأهل الفضل شرف لهم ورغبة في دعائه واستغفاره، فكان في منع ذلك ردع لأمثالهم ليقلعوا عما هم عليه، وبالله التوفيق.
تم كتاب الصلاة والحمد لله رب العالمين.
стр. 264
كتاب الزكاة
[زكاة الأنعام]
[٤٩٤] مسألة: في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، ولا خلاف فيه، إلا شاذاً، عن علي ﵁، أن فيها خمس شياه، ودليلنا ما روى عمرو بن حزم، وابن عمر، وأنس عن النبي ﷺ : (في خمس
стр. 265
وعشرين بنت مخاض). ولأنه ليس في أصول صدقة الماشية اتصال فرضين من غير وقص يتخللهما، فإثبات ذلك خلاف الأصول.
[٤٩٥] مسألة: يجوز أخذ ابن لبون في خمس وعشرين مع (عدم) وجود بنت مخاض في المال. خلافاً لأبي حنيفة، وإجازته ذلك بناء على أصله في جواز إخراج القيمة من الزكاة. والكلام في هذا يأتي، ولكن تختص هذه المسألة بأدلة تخصها، وذلك ما روي في حديث عمرو بن حزم (فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر). وكذلك في حديث أنس، وابن شهاب الذي انتسخه عمر بن عبد العزيز وفي هذه الأخبار دليلان: أحدهما: أنه ﷺ أوجب في خمس وعشرين بنت مخاض، وهي واجبة سواء أخرج ابن لبون أولا. والآخر: أنه شرط في إخراج ابن لبون عدم بنت مخاض في المال، فقال (فإن لم توجد فابن لبون) وهذا لفظ الشرط بلا خلاف، فيجب إذا أخرجه مع وجودها لا يجزيه؛ لعدم الشرط الذي جوز إخراجه معه. ولأن كل حق تعلق بمال لم يجز غيره مع وجوده، أصله الكفارات.
стр. 266
[٤٩٦] مسألة: إذا لم يكن عنده بنت مخاض ولا ابن لبون أخذ الساعي بنت مخاض، خلافا للشافعي في قوله يأخذ بأيهما شاء. لما روي في الحديث (فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن لبون)، ومعناه إذا كان فيها، فدل أنه إذا لم يكن فيها لم يخير، ولأنه لما وجب إذا كانا موجودين في المال أخذ بنت مخاض، فكذلك إذا عدمهما؛ لأنها حال تساويا فيها.
[٤٩٧] مسألة: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة أخذ منها على حساب كل خمسين حقة، وكل أربعين بنت لبون، ولم تعد فريضة الغنم على وجه. خلافاً لأبي حنيفة أن الغنم تؤخذ فيما دون خمس وعشرين، لما روي في حديث عمرو بن حزم، وأنس (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون). وفي حديث ابن عمر (إلى عشرين ومائه، فإن كان الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون). ولأنه لا يخلو أن يكون أراد في كل أربعين وكل خمسين تزيد على المائة وعشرين دون المائة وعشرين، وهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق، وذلك خلاف الإجماع، أو يكون أراد في الجميع في الزيادة وفي المزيد عليه على معنى أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فهذا ما نقوله. ولأن أبا حنيفة يقول في مائة وثلاثين حقتان وشاتان، والأخبار التي رويناها توجب أن يكون فيها حقة وبنتا لبون، وروى أبو داود قال: حدثنا محمد بن العلاء قال أخبرنا ابن المبارك عن
стр. 267
يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: (هذه نسخة كتاب رسول ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب أقرأنيها سالم بن عبدالله ابن عمر، فوعيتها على وجهها، وهي التي نسخها عمر بن عبدالعزيز من عبدالله بن عمر وسالم بن عبدالله فذكر الحديث وقال: (فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعاً وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة، ففيها بنتا لبون وحقة، حتى تبلغ تسعاً وثلاثين ومائة). وهذا نص في موضع الخلاف؛ ولأن ما قبل المائة والعشرين من النصاب أقرب إلى نصاب الغنم مما زاد على المائة والعشرين، فلما لم تُعدّ الشاة هناك كانت بأن لا تعد فيما بعده أولى، ولأن الأصول في الزكاة موضوعة على أخذ الجنس من الجنس وأنه لا يؤخذ من غيره إلا من ضرورة، فقضاؤنا بأخذ الغنم في أوائل صدقة الإبل إنما هو للضرورة، وهو قلّة المال عن المواساة بواحد من الخمس أو العشر، فلما كثرت الإبل، واحتملت أن يؤخذ منها زالت الضرورة بالزيادة، ثم لم يعد فيها بعد المائة وعشرين، فلم يعد أخذ غير الجنس لزوال المعنى الموجب له، ولأن المأخوذ من جنس الشيء آكد حكما من المأخوذ من غير جنسه؛ لأن الأخذ من الجنس هو الأصل ومن غيره ليس بأصل، وإنما هو لمعنى يعرض من ضرورة أو غيرها، فإذا ثبت ذلك ثم وجدنا الجذعة لا تعد مع المائة وعشرين، وهي من جنس الإبل، كانت الغنم التي ليست من الجنس بأن لا تعد أولى، ونقيس بنت مخاض على الجذعة فنقول: إنها سن من الإبل لا يتكرر قبل المائة فلم يتكرر بعدها كالجذعة.
[٤٩٨] مسألة: اختلف قول مالك في الزيادة على العشرين ومائة التي يتغير بها الفرض، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: أن الفرض يتغير بزيادة
стр. 268
الواحدة والأخرى: أنه لا يتغير إلا بزيادة عشرة، فوجه الأولى ما روي في حديث عمرو بن حزم، وأنس (أن في إحدى وتسعين حقتين إلى عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون) فعم، وفي حديث ابن شهاب الذي ذكرناه (فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون)؛ ولأنه وقص حُدّ في الشرع بحد في جنس يتغير الفرض فيه بالزيادة في السن والعدد، فوجب أن يتغير فرضه بزيادة الواحدة كسائر الأوقاص؛ ولأن الوقص لا يلي وقصاً، فلو كنا اعتبرنا وقصاً بعد وقص، وهذا خلاف ما بنيت عليه أصول زكاة الإبل، ووجه الأخرى: ما روى في حديث ابن عمر (فإذا كثرت الإبل، ففي كل خمسين حقة) والكثرة لا تكون بواحدة على مائة وعشرين، وفي حديث عمر بن عبد العزيز المنسوخ له من كتاب النبي ﷺ وكتاب عمر في الصدقات: (فإذا بلغت الإبل عشرين ومائة فليس فيما دون العشرة شيء)
стр. 269
وهذا نص، ولأن الأصول في الزكاة موضوعة على أن كل زيادة غيرت فرضاً كانت داخلة فيه، وذلك ممنوع فيما دون العشرة.
[٤٩٩] مسألة: إذا قلنا على رواية تغييرالفرض بواحدة أن الفرض يتغير بها، فإنما يتغير إلى تخيير الساعي بين حقتين وبين ثلاث بنات لبون. وقال ابن القاسم يتغير من الحقاق إلى انحتام بنات لبون ووجه الأول قوله ﷺ في سائر الأخبار: (فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون) فالأمران متمكنان، ولم يقم دليل على الانحتام فلم يبق إلا التخيير، واعتباراً بالمائتين من الإبل، ووجه قول ابن القاسم حديث ابن شهاب وهو نص.
[٥٠٠] مسألة: إذا زادت على المائة والعشرين بعض بعير لم يتغير الفرض. خلافاً لبعض الشافعية لقوله ﵇: (فإذا كثرت الإبل) وفي حديث ابن شهاب (فإذا كانت إحدى وعشرون ومائة ففيها ثلاث بنات لبون)، ولأنها زيادة كسر في ماشية فلم يتغير بها فرض، كالبقر والغنم واعتباراً بسائر الأوقاص.
[٥٠١] مسألة: ما زاد على الأربعين من البقر لا شيء فيه إلى ستين، فيكون فيها تبيعان، واختلف عن أبي حنيفة، فقيل عنه: ما زاد على الأربعين فبحسابه فيكون على هذا في إحدى وأربعين مسنة وربع عشر مسنة، وقيل عنه: لا شيء فيه إلى الخمسين، فتكون فيه مسنة وربع مسنة، ودليلنا ما روي (لا شيء في الأوقاص)؛ ولأنها زيادة على نصاب
стр. 270
في ماشية تجب في عينها الزكاة، فلم يتغير الفرض بها ككل كسر اعتباراً بالإبل والغنم؛ ولأنها زيادة على نصاب في صدقة البقر، فلم ينتقل منه إلى كسر كالعشرة الزائدة على الثلاثين؛ ولأن أصول الزكوات مبنية على أنه يؤخذ عن كل شيء من جنسه، وقد ثبت أن النبي ﷺ جعل في خمس من الإبل غير جنسها؛ لأنها لا يحتمل أن يؤخذ منها واحدة، فلو كان للأجزاء والكسور مدخل في زكاة الماشية لأوجبته، ولم يعدل إلى غير الجنس؛ ولأن في ذلك ضررا على الفريقين فأدى إلى مخالفة الأصول، والشركة إن بقيت أضر برب المال والفقراء، وإن باع الساعي بقية تلك البهيمة أدى إلى إخراج القيمة في الزكاة وأن يشتري الرجل صدقته وذلك أيضا ممنوع؛ ولأن مخالفنا أولى الناس بالامتناع من إيجاب الكسر؛ لأنه منع من ذلك مالا ضرر فيه، وهو ما زاد على المائتي درهم وعشرين ديناراً، ففي الموضع الذي يدخل الضرر على الفريقين أولى بالمنع.
[٥٠٢] مسألة: اختلف أصحابنا في التسع من الإبل هل الشاة مأخوذة عن جميعها أو عن الخمس، والأربعة عفو، فخرجوها على روايتين فوجه القول إنها مأخوذة عن الجميع قوله ﷺ : (في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم)، فعلق الوجوب بالنصاب والوقص، ولأن كل جملة لا تجب فيها أكثر من فريضة، فإذا تعلق جواز الأخذ بها وجب أن يتعلق الوجوب بها، أصله الأربعون من الغنم، ولأنها زيادة من جنس مال أجري عليه حكم الزكاة، فوجب أن يتعلق وجوب الأخذ بها، أصله إذا كانت له أربع من الإبل فزادت واحدة، ووجه القول بأن الزيادة عفو، وهو الظاهر من المذهب، ما روي (لا
стр. 271
شيء في الأوقاص) وفي حديث ابن عمر في زكاة الغنم: (فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة) ولأنها وقص قَصُرَ مقداره عن نصاب فلم يتعلق به الوجوب كالأربع من الإبل، ولأن الاعتبار بالنصاب، بدليل أنه إذا نقص منه لم يجب فيه شيء، فإذا زادت عليه زيادة لم تبلغ نصاباً لم يتغير من الفرض، فعلم بذلك أن هذه الزيادة غير مؤثرة، ولأن ذلك يؤدي إلى أن يكون في النصاب أقل من القدر المنصوص عليه، وإلى إيجاب الشاة في البعير الواحد.
[٥٠٣] مسألة: إذا كانت خمس من الإبل فأخرج واحدا منها فلا تجزيه خلافاً للشافعي، لقوله ﷺ : (في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة)، فعين ما يجب فيها فانتفى جواز غيره؛ ولأن كل جنس جاز أخذه في الزكاة عن جنس لم يجز أخذ غيره، أصله إذا كان من جنس المأخوذ منه ولأنه جنس غير المنصوص على أخذه فأشبه البقر والذهب والورق.
[٥٠٤] مسألة: تجب الزكاة في السخال خلافاً لداود، لقوله عمر ﵁: (تعد عليهم السخلة يحملها الراعي على كتفه ولا نأخذها) ولا مخالف له، وقد روى مرفوعاً: (ويعد صغيرها وكبيرها) وفيه ضعف،
стр. 272
ولقوله ﷺ : (في أربعين من الغنم شاة) ولم يفرق، والاسم عام، ولأنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة كربح المال.
[٥٠٥] مسألة: إذا كانت غنمه سخا لا كلها، أو إبله فصلانا كلها، أو بقرة عجاجيل كلها، لم يجز إخراجها، وكلف أن يخرج السن الوسط وهي الجذعة والثنية خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: يخرج منها، لحديث سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ فقال:" نهينا عن رواضع اللبن، وإنما حقنا في الجذعة والثنية"، وقوله في البقر (في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة) فعم، وفي حديث عمر: (تعد عليهم السخلة
стр. 273
يحملها الراعي ولا نأخذها) وفي حديث عمرو بن حزم: (لا تأخذ في الصدقة تيساً ولا هرماً ولا ذات عوار إلا أن يشاء المصدق) ولأن الزكاة موضوعة على العدل بين أرباب الأموال والفقراء، فإذا نظر لأحدهما من وجه نظر للآخر من وجه آخر مثله، وقد ثبت أن الماشية إن كانت كرائم كلها لم يؤخذ منها نظراً لأرباب الأموال، وبإزائه إن تكن كلها هرائم فلا يؤخذ منها نظراً للفقراء
[٥٠٦] مسألة: نسل الحيوان معدود مع أمهاته، وإن كانت الأمهات دون النصاب، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لقوله: (في أربعين من الغنم شاة) ولحديث عمر، ولأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة، أصله إذا حدث عن نصاب كامل.
[٥٠٧] مسألة: تجب الزكاة في السخال إذا كانت نصاباً وماتت أمهاتها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن بقي من الأمهات واحدة لم ينقطع حول السخال، وإن مات جميعها انقطع؛ لأنه حَمْلٌ حادث في حول فإذا تلفت بعضها ولم ينقص الباقي عن نصاب لم ينقطع حكم الحول، أصله إذا بقي من الأمهات واحدة، أو إذا ماتت السخال وبقيت الأمهات، ولأن كل فرع إذا حكمنا له بحكم الأصل فبطل الأصل بتلف أو موت لم يبطل حكم الفرع، أصله ولد أم الولد إذا ماتت الأم قبل السيد؛ ولأنه ينتقص بقصورها
стр. 274
عن النصاب؛ لأن التعليل لكون تلف الأصل غير مؤثر.
[٥٠٨] مسألة: إذا وجب عليه سن فأعطى عنه كريمة من جنسه أجزأه، مثل أن يجب عليه بنت مخاض فيعطي حاملاً أو بنت لبون. خلافاً لداود في قوله لا يجزئ، لحديث أبي بن كعب لما بُعِثَ مُصَّدِّقاً فجاء إلى رجل عليه بنت مخاض، فقال: أدها، فقال: ذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فأتى النبي ﷺ فقال: (ذلك الذي عليك فإن تبرعت بخير آجرك الله فيه، وقبلنا منك) فأمر بقبضها، ودعا بالبركة؛ ولأنه أخرج أفضل مما لزمه من جنسه فأجزأه، أصله إذا وجب عليه مهزولة فدفع سمينة.
[٥٠٩] مسألة: الواجب في زكاة الغنم من غالب غنم رب المال من الجذاع والثنايا، خلافاً لمن قال من غالب أغنام البلدة؛ لأن الزكاة متعلقة بعين المال، فالواجب منها معتبر به، كزكاة الإبل.
[٥١٠] مسألة: تؤخذ في زكاة الغنم الجذعة والثنية من الضأن والمعز، وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ الجذع أصلا ولا يؤخذ إلا الثني منهما جميعا. وقال الشافعي: الجذع من الضأن وحده والثني من المَعِز. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ لمعاذ: (خذ الجذعة والثنية)، ولأن ما بلغ سن الجذع جاز أخذه كما لو جاوزه إلى الثني، ودليلنا على الشافعي: الخبر، وهو عام، ولأن كل شيء جاز أخذه
стр. 275
من الضان جاز أخذه من المعز، كالثني ولأنه جذع من الغنم كالجذع من الضأن، ولأن المعز أحد نوعي الغنم، فجاز أخذ الجذع منه كالضأن.
[٥١١] مسألة: إذا وجبت في البقرة مسنة وكانت كلها ذكوراً، لم يؤخذ إلا أنثى خلافاً لأحد قولي الشافعي، لقوله (في كل أربعين مسنة) وهذا اسم مؤنث، ولأنه نصاب وجبت فيه مسنة فلم يجز أخذها إلا أنثى كما لو كانت كلها إناثاً.
[٥١٢] مسألة: وإذا كانت البقر كلها إناثاً لم يجز أخذ الذكر منها، وكذلك الإبل والغنم، خلافاً لأبي حنيفة لقوله ﷺ : (في كل أربعين مسنة)، وذلك عام، وقد ثبت أن هذا الاسم مؤنث؛ ولأنه لما لم يجز أخذ الصغار عن الكبار لكونها أنقص منها، لم يجز أخذ الذكر عن الإناث لكونها أنقص منها.
[٥١٣] مسألة: وإذا كانت الغنم ذكوراً وإناثاً، جذاعاً وثناياً، فالظاهر من المذهب أنه تؤخذ من الإناث خلافاً لأبي حنيفة لقوله ﵇: (خذ الجذعة والثنية)؛ ولأن الأنثى تراد للدر والنسل، ولو أخذنا الذكور مع وجودها، لكنا قد أخذنا رديء المال مع وجود السن الوسط، وذلك إضرار بالفقراء.
[٥١٤] مسألة: في مائتي شاة من الغنم وشاة ثلاث شياه ثم لا يتغير الفرض إلى أن تبلغ أربعمائة، فيكون فيها أربع شياه وحكى أهل الخلاف عن الشعبي وغيره، أنها إذا زادت على ثلاثمائة واحدة، ففيها أربع شياه
стр. 276
ودليلنا قوله ﵇: (صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة ففيها شاة، وإذا زادت على عشرين ومائة إلى أن تبلغ مائتين، ففيها شاتان، وإذا زادت على مائتين إلى أن تبلغ ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياة، فإن زادت على ذلك ففي كل مائة شاة شاه) وروي: (فإن زادت على ثلاثمائة فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة).
[٥١٥] مسألة: تجب الزكاة على العوامل خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لقوله ﷺ : (في كل خمس ذود شاة)، وقوله: (في كل أربعين مسنة)، واعتبارا بالسوائم بعلة الجنس؛ ولأن النماء فيها يوجد من الدر والنسل كالسائمة.
[٥١٦] مسألة: إذا استفاد ماشية بشراء أو ميراث أو غير ذلك، وعنده نصاب من جنسها ضمها إلى ما عنده، وزكى الفائدة لحول النصاب الذي عنده، خلافاً للشافعي؛ لأنها فائدة من حيوان تجب في عينه الزكاة فجائز أن يضم إلى ما تقدم من ملكه من جنسها، أصله النتاج، ولأنها زيادة في نوع من الحيوان يثبت بها حكم الملك الواحد، فجاز أن يتنوع حكمها إلى تخفيف وتثقيل، أصله الخلطة، ولأن في ذلك لطفا لأرباب الأموال والفقراء؛ لأنه إذا كان عنده أقل من نصاب لم يضم الفائدة إليه، فكان ذلك رفقا
стр. 277
لأرباب الأموال، فوجب أن ينظر الفقراء بإزائه، فيضمها إليه إذا كان نصاباً؛ لأن الساعي لا يجيء في الحول إلا مرة، فلو لم يزكها مع الأصل لبقيت نحو الحولين غير مزكاة وفي ذلك إضرار بالفقراء فكان النظر ما قلناه.
[تلف الزكاة قبل وصولها إلى الإمام]
[٥١٧] مسألة: الزكاة تتعلق بالعين لا بالذمة، وإمكان الأداء إلى الإمام من شرط الوجوب في المواشي والثمار، فإن حال الحول ولم يمكن إيصالها إلى الإمام ثم تلفت أو أتلفها هو من غير قصد للفرار بالزكاة لم يضمن، ووافقنا أبو حنيفة في ذلك كله، إلا أنه قال: إن أتلفها هو ضمن، واختلف قول الشافعي في ذلك، فقال: إن مجيء الساعي من شرط الوجوب، وقال: من شرط الضمان واختلف قوله في تعلقها بالعين أو بالذمة، ودليلنا على أنها متعلقة بالعين، قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾، وقوله: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾، وقوله: (في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة) وذلك يوجب تعلقها بأعيان الأموال، ولأن الساعي يطلب بالزكاة من العين إلا أن يرضى بغيرها، وكذلك كان سعاة رسول الله ﷺ يعدون على الناس مواشيهم، ويأخذون الزكاة منها، فلو كانت الزكاة في الذمة لم تتعلق المطالبة بأعيان الأموال كالديون، ولأنه حق طرأ على الأموال فلم يجز نقله إلى الذمة
стр. 278
ابتداء، كجناية العبد المتعلقة برقبته. ودليلنا على أن مجيء الساعي شرط في صحة الوجوب، قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾، وقوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم، فأردها على فقرائهم)، ولأن أبابكر قاتل أهل الردة في منعهم أداء الزكاة إليه، ولم ينكر أحد ذلك، ولأن رب المال لو أخرجها بنفسه لم يجز، ولزمه إعادتها للساعي، فعلم أنه من شرطها كالحول. ولأنه معنى لو تلف المال قبل أن يضمنه لم يتعلق الوجوب به كالحول، ودليلنا على أنه لو أتلفها هو لا بقصد الفرار أنه لا يضمن، أنه أتلفها قبل مجيء شرط وجوبها فلا يضمن أصله قبل الحول.
[٥١٨] مسألة: رب الأموال الباطنة، الذهب والورق وما إليه زكاته، إذا أخر إخراج الزكاة عن وقت وجوبها وإمكان إيصالها إلى الفقراء ضمن، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها زكاة واجبة كملت بشرائط وجوبها، فإذا أخرها بعد القدرة على إخراجها ضمن، أصله إذا طالبه الإمام بزكاة الأموال الظاهرة فمنع.
[٥١٩] مسألة: إذا ميز الزكاة عن ملكه، وأخرها عن أن يسلمها إلى الفقراء، فتلفت من غير تفريط لم يضمن. خلافاً للشافعي؛ لأن يده عليها يدُ أمانة، فإذا تلفت من غير تفريط لم يضمن كالساعي.
стр. 279
[زكاة الدين]
[٥٢٠] مسألة: الديون في حق غير المدير لا تجب فيها الزكاة، كالمهر وثمن سلع القُنْيَة والتجارة، فكل هذا لا زكاة فيه، ما دام دينا. خلافاً للشافعي؛ لأن الزكاة على المال لا تجب في غيره، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، يريد فيها، فدل أنه لا يجب في مال عن غيره، وما دام في الذمة فليس بمال؛ ولأنه دين غير مدير، كمن ورث دينا على معسر، وقياساً على الدية ومال الكتابة؛ ولأن المهر بمنزلة مال الكتابة؛ لأنه قد يجوز أن يعجز العبد قيسقط ملك السيد عنها، ويجوز أن يؤدي فيستقر ملكه عليها، فكذلك يجوز أن ترتد، وتختار نفسها، ويبيعها السيد من زوجها، كل ذلك إذا وقع قبل الدخول سقط عن الزوج، ويجوز أن يقع بعد الدخول فيستقر ملك المرأة عليه؛ ولأنا قد اتفقنا على أنه لو أسلم في نصاب إبل لم تلزمه زكاة فيها، فكذلك في سائر الديون.
[زكاة المال الضائع والمغصوب]
[٥٢١] مسألة: إذا كان له مال فضاع أو غصب ثم عاد إليه بعد سنين زكاه لسنة واحدة، وكذلك ما يقتضيه من دينه الذي أصله عين، وللشافعي قولان: أحدهما: أنه يزكيه إذا قبضه لجميع السنين.
والآخر لا زكاة فيه أصلا. ودليلنا على سقوط الزكاة فيما مضى ما قدمناه في الدين، ودليلنا على أن عليه زكاة سنة واحدة، أنه حصل في يده في طرفي الحول عين نصاب، فوجب عليه الزكاة، ولا يراعى تضاعيف الحول بدليل أنه لو كان معه في أول الحول نصاب فاشترى به سلعة ثم باعها في أخر الحول بنصاب لزمته الزكاة، لكونها عينا طرفي الحول من غير مراعاة لوسطه.
стр. 280
[حكم من يكتم الساعي بعض ماله]
[٥٢٢] مسألة: إذا غل شيئا من زكاته بأن يكتم على الساعي بعض ماله، أخذ منه تمام الزكاة، ولم يؤخذ منه زائدا عليها، خلافاً لمن قال: يؤخذ منه شيء آخر من ماله، لقوله ﵇: (ليس في المال حق سوى الزكاة)؛ ولأنه لو دفعها إلى الساعي والمساكين وتميزت عن ملكه، واستقر ملك الفقراء عليها، ثم سرقها منهم، أو اختلسها، ثم لم يستحق أخذ شيء من ماله، فبأن لا يجب عليه بالغلول قبل حصولها في ملكهم أولى؛ ولأنه لو أظهره طوعاً لم يؤخذ منه زيادة على الزكاة فكذلك إذا ظهر عليه بعلة أنه غال لصدقته.
[الظباء إذا ضربت في الغنم]
[٥٢٣] مسألة: إذا ضربت فحول الضبا في إناث الغنم فتوالدت، قال من أدركنا من شيوخنا: يجب في السخال الزكاة، خلافاً للشافعي في قوله: إنَّ التوالد من جنسين لا يجب في أحدهما الزكاة، فمنع أن يجب في الأولاد الزكاة؛ لأن حكم الزكاة إذا جرت في الأمهات كان الولد تابعاً لها فيها، اعتباراً أنه إذا ضربها فحول جنسها؛ ولأنها سخال متولدة عن إناث تجب في جنسها الزكاة فكانت كأمهاتها، أصله ما قلناه.
[التنقيص من النصاب فرارًا من الزكاة]
[٥٢٤] مسألة: إذا نقص من النصاب قبل الحول قاصدا الفرار من الصدقة، وخالط غيره أو فارقه بعد الخلطة، فإن ذلك لا يسقط عنه الزكاة التي تجب عليه قبل ذلك. خلافاً للشافعي، لقوله ﵇: (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة)، والنهي يقتضي فساد
стр. 281
المنهي عنه، وأن لا يكون في ذلك حكم؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى سقوط الزكاة؛ لأنه لا يشاء أحد أن يسقط عنه الزكاة إلا فعل ذلك فوجب حسم الباب بإسقاط ما ينكر فعله، وقد نبه الله سبحانه على مثل ذلك بقوله: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾، وذلك بأنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم؛ ولأنه لا يخلو أن يكون فعل ما له فعله فيجب أن لا يلحقه إثم؛ لأنه لا يجب عليه شيء فتركه، أو فعل ما هو محرم عليه فعله، فقد ثبت أن ذلك جائز، فيجب فعله بعد حصول الوجوب، أو فعل ما يكره له فعله من غير تحريم، فلا يصح؛ لأن الإثم لا يلحق بالكراهة، ولأن من قتل مورثه عمداً لم يرثه، فكذلك من تعمد إسقاط الواجب عنه، إذ لا فرق في ذلك بين ما يفعله لأخذ ما لم يجب، أو لإسقاط ما يجب.
[٥٢٥] مسألة: إذا أبدل غنماً بغنم أو إبلاً بإبل أو بقراً ببقر أو دراهم بدراهم أو دنانير. بدنانير بنى على حول الأولى، فإن أبدل جنسا من الماشية بخلافه ففيه روايتان، وخالفنا أبو حنيفة في الماشية، ووافقنا في العين، وخالفنا الشافعي في الجميع. فدليلنا على الشافعي أن من أصلنا الحكم بالذرائع، والتهمة تقوى في هذا الموضع، أن يكون قصد للفرار من الصدقة؛ لأن الجنس واحد، والفرض واحد، فلا يبقى ما يحمل عليه سوى ذلك، ودليلنا على أبي حنيفة، اعتباراً بالدراهم والدنانير بعلة أنه تجب في عينه الزكاة أبدله بمثله من نوعه.
[تقديم إخراج الزكاة قبل الحول]
[٥٢٦] مسألة: لا يجوز تقديم الزكاة قبل الحول خلافاً لأبي حنيفة،
стр. 282
والشافعي، لقوله ﵇: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، ولأنها عبادة مختصة مؤقتة فلم يجز تقديمها قبل وقت وجوبها كالصلاة والصوم، ولأنها أحد الأركان الخمسة فلم يكن تقديمها قبل وقت وجوبها مسقطاً لها وقت الوجوب كالصلاة والصوم، واعتباراً بزكاة الثمار والزرع بعلة أن الماشية والزرع والعين نوع مال تجب الزكاة في عينه، واعتباراً به إذا قدمها لأحوال عدة، وفي هذا خلاف بينهم؛ فلم يجز إخراجه قبل حلول وقته كالأضحية؛ ولأنه شرط في وجوب الزكاة فلم يجز تقديمها عليه كالنصاب، ولأن الزكاة تتعلق بمستحق ومستحق عليه، ثم قد ثبت أنه لا يجوز صرفها إلى من يستحقها قبل وجود صفة الاستحقاق فيه، فكذلك في رب المال، والعلة أنه أحد طرفي محل الوجوب؛ ولأن تعجيل الزكاة يؤدي إلى إسقاطها؛ لأن الحول يحول عليه وماله ناقص عن النصاب، ولا يلزمه شيء، ولأن ذلك يؤدي إلى إخراجها ثانية، وهو إذا استغنى المدفوع إليه بغيرها وقت الحول، لأن من قولهم إنها لا تجزئ، ولا يخلو رب المال من أن يلزمه إخراجها ثانية، وفي ذلك إضرار به، أو لا يلزمه ففيه إتلافها على الفقراء، وتحريره قياساً، فنقول: لأنه تقديم الزكاة فلم يصح، أصله إذا استغنى المدفوع إليه قبل الحول.
[حكم الزكاة في أموال المكاتب واليتامى]
[٥٢٧] مسألة: لا زكاة في مال المكاتب. خلافاً لأبي ثور؛ لأن ملكه
стр. 283
ناقص لبقاء الرق عليه فأشبه العبد.
[٥٢٨] مسألة: تجب الزكاة في أموال الأيتام والأصاغر والمجانين. خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله ﵇: (في الرقة ربع العشر) وسائر الأخبار، وقوله: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم)، وروى المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) وقيل: صحيحه من قول عمر وعائشة، ولأنه حر مسلم فجاز وجوب الزكاة في عين ماله وماشيته كالبالغ؛ ولأن كل من تؤدى عنه الفطرة جاز أن تجب الزكاة في ماله، ولأن كل من وجب العشر في زرعه، وجبت الزكاة في ماشيته وناضه كالبالغ؛ ولأنه حق الله في مال الصغير كزكاة الفطر.
[الزكاة في الخيل]
[٥٢٩] مسألة: لا زكاة في الخيل. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﷺ :
стр. 284
(عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) وقوله: (ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا أن زكاة الفطر في الرقيق) وقوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) وفي كتاب أبي عبيد أن النبي ﷺ قال: (ليس في الجبهة ولا الكسعة ولا النخّة صدقة) والجبهة الخيل
والكسعة الحمير، والنخَّة الرقيق؛ ولأنه حيوان يقتنى للزينة والركوب كالحمير؛ ولأنه حيوان لا يجزى جنسه في الضحايا والهدايا كالدجاج؛ ولأنه جنس لا تجب الزكاة في ذكوره، فلم تجب في إناثه كالرقيق والبغال؛ ولأنه حيوان يسهم له كذكوره.
[افتقار الزكاة إلى النية]
[٥٣٠] مسألة: إخراج الزكاة يفتقر إلى نية. خلافاً لما يحكى عن
стр. 285
الأوزاعي، لقوله ﵇: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأنها عبادة تتنوع فرضاً ونفلاً، فكانت النية من شرطها كالصلاة، ولا يدخل عليه العدة لأنها لا تكون إلا فرضاً، ولأنها أحد الأركان الخمسة كالصوم، والصلاة، والحج، ولأن من شرطها أن تقع قربة، ولابد للقربة من نية التقرب.
[الامتناع من دفع الزكاة]
[٥٣١] مسألة: من امتنع من أداء الزكاة أخذها منه الإمام جبرا. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلجئه إلى الأداء ويحبسه ولا يقهره على أخذها، لقوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم)، وقوله لمعاذ: (خذ الحب من الحب والإبل من الإبل)، وقوله: (في كل سائمة إبل) إلى أن قال: (من أعطاها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزيمة من عزمات ربنا)؛ ولأنه حق في عين مال جعل إلى الإمام المطالبة به، فوجب أن يكون له إجبار من هو عليه إن امتنع من الأداء كالغصب والسرقة، ولأن ما جاز للإمام أخذه بالطلب والتضييق جاز أخذه قهراً كحقوق الآدميين؛ ولأنه حق من طريق المال المحض في أدائه النيابة مع العجز والقدرة، فوجب أن يؤخذ جبرا عند الامتناع من الأداء كالديون.
[٥٣٢] مسألة: وتقوم نية الإمام مقام نية المأخوذ منه في الإجزاء
следующие страницы →