Полный текст (912 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المنهي عنه، وأن لا يكون في ذلك حكم؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى سقوط الزكاة؛ لأنه لا يشاء أحد أن يسقط عنه الزكاة إلا فعل ذلك فوجب حسم الباب بإسقاط ما ينكر فعله، وقد نبه الله سبحانه على مثل ذلك بقوله: ﴿إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾، وذلك بأنهم قصدوا بقطع الثمار إسقاط حق المساكين، فعاقبهم الله بإتلاف ثمارهم؛ ولأنه لا يخلو أن يكون فعل ما له فعله فيجب أن لا يلحقه إثم؛ لأنه لا يجب عليه شيء فتركه، أو فعل ما هو محرم عليه فعله، فقد ثبت أن ذلك جائز، فيجب فعله بعد حصول الوجوب، أو فعل ما يكره له فعله من غير تحريم، فلا يصح؛ لأن الإثم لا يلحق بالكراهة، ولأن من قتل مورثه عمداً لم يرثه، فكذلك من تعمد إسقاط الواجب عنه، إذ لا فرق في ذلك بين ما يفعله لأخذ ما لم يجب، أو لإسقاط ما يجب.
[٥٢٥] مسألة: إذا أبدل غنماً بغنم أو إبلاً بإبل أو بقراً ببقر أو دراهم بدراهم أو دنانير. بدنانير بنى على حول الأولى، فإن أبدل جنسا من الماشية بخلافه ففيه روايتان، وخالفنا أبو حنيفة في الماشية، ووافقنا في العين، وخالفنا الشافعي في الجميع. فدليلنا على الشافعي أن من أصلنا الحكم بالذرائع، والتهمة تقوى في هذا الموضع، أن يكون قصد للفرار من الصدقة؛ لأن الجنس واحد، والفرض واحد، فلا يبقى ما يحمل عليه سوى ذلك، ودليلنا على أبي حنيفة، اعتباراً بالدراهم والدنانير بعلة أنه تجب في عينه الزكاة أبدله بمثله من نوعه.
[تقديم إخراج الزكاة قبل الحول]
[٥٢٦] مسألة: لا يجوز تقديم الزكاة قبل الحول خلافاً لأبي حنيفة،
стр. 282
والشافعي، لقوله ﵇: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، ولأنها عبادة مختصة مؤقتة فلم يجز تقديمها قبل وقت وجوبها كالصلاة والصوم، ولأنها أحد الأركان الخمسة فلم يكن تقديمها قبل وقت وجوبها مسقطاً لها وقت الوجوب كالصلاة والصوم، واعتباراً بزكاة الثمار والزرع بعلة أن الماشية والزرع والعين نوع مال تجب الزكاة في عينه، واعتباراً به إذا قدمها لأحوال عدة، وفي هذا خلاف بينهم؛ فلم يجز إخراجه قبل حلول وقته كالأضحية؛ ولأنه شرط في وجوب الزكاة فلم يجز تقديمها عليه كالنصاب، ولأن الزكاة تتعلق بمستحق ومستحق عليه، ثم قد ثبت أنه لا يجوز صرفها إلى من يستحقها قبل وجود صفة الاستحقاق فيه، فكذلك في رب المال، والعلة أنه أحد طرفي محل الوجوب؛ ولأن تعجيل الزكاة يؤدي إلى إسقاطها؛ لأن الحول يحول عليه وماله ناقص عن النصاب، ولا يلزمه شيء، ولأن ذلك يؤدي إلى إخراجها ثانية، وهو إذا استغنى المدفوع إليه بغيرها وقت الحول، لأن من قولهم إنها لا تجزئ، ولا يخلو رب المال من أن يلزمه إخراجها ثانية، وفي ذلك إضرار به، أو لا يلزمه ففيه إتلافها على الفقراء، وتحريره قياساً، فنقول: لأنه تقديم الزكاة فلم يصح، أصله إذا استغنى المدفوع إليه قبل الحول.
[حكم الزكاة في أموال المكاتب واليتامى]
[٥٢٧] مسألة: لا زكاة في مال المكاتب. خلافاً لأبي ثور؛ لأن ملكه
стр. 283
ناقص لبقاء الرق عليه فأشبه العبد.
[٥٢٨] مسألة: تجب الزكاة في أموال الأيتام والأصاغر والمجانين. خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقوله ﵇: (في الرقة ربع العشر) وسائر الأخبار، وقوله: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم)، وروى المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) وقيل: صحيحه من قول عمر وعائشة، ولأنه حر مسلم فجاز وجوب الزكاة في عين ماله وماشيته كالبالغ؛ ولأن كل من تؤدى عنه الفطرة جاز أن تجب الزكاة في ماله، ولأن كل من وجب العشر في زرعه، وجبت الزكاة في ماشيته وناضه كالبالغ؛ ولأنه حق الله في مال الصغير كزكاة الفطر.
[الزكاة في الخيل]
[٥٢٩] مسألة: لا زكاة في الخيل. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﷺ :
стр. 284
(عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق) وقوله: (ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا أن زكاة الفطر في الرقيق) وقوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) وفي كتاب أبي عبيد أن النبي ﷺ قال: (ليس في الجبهة ولا الكسعة ولا النخّة صدقة) والجبهة الخيل
والكسعة الحمير، والنخَّة الرقيق؛ ولأنه حيوان يقتنى للزينة والركوب كالحمير؛ ولأنه حيوان لا يجزى جنسه في الضحايا والهدايا كالدجاج؛ ولأنه جنس لا تجب الزكاة في ذكوره، فلم تجب في إناثه كالرقيق والبغال؛ ولأنه حيوان يسهم له كذكوره.
[افتقار الزكاة إلى النية]
[٥٣٠] مسألة: إخراج الزكاة يفتقر إلى نية. خلافاً لما يحكى عن
стр. 285
الأوزاعي، لقوله ﵇: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأنها عبادة تتنوع فرضاً ونفلاً، فكانت النية من شرطها كالصلاة، ولا يدخل عليه العدة لأنها لا تكون إلا فرضاً، ولأنها أحد الأركان الخمسة كالصوم، والصلاة، والحج، ولأن من شرطها أن تقع قربة، ولابد للقربة من نية التقرب.
[الامتناع من دفع الزكاة]
[٥٣١] مسألة: من امتنع من أداء الزكاة أخذها منه الإمام جبرا. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلجئه إلى الأداء ويحبسه ولا يقهره على أخذها، لقوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على فقرائكم)، وقوله لمعاذ: (خذ الحب من الحب والإبل من الإبل)، وقوله: (في كل سائمة إبل) إلى أن قال: (من أعطاها فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزيمة من عزمات ربنا)؛ ولأنه حق في عين مال جعل إلى الإمام المطالبة به، فوجب أن يكون له إجبار من هو عليه إن امتنع من الأداء كالغصب والسرقة، ولأن ما جاز للإمام أخذه بالطلب والتضييق جاز أخذه قهراً كحقوق الآدميين؛ ولأنه حق من طريق المال المحض في أدائه النيابة مع العجز والقدرة، فوجب أن يؤخذ جبرا عند الامتناع من الأداء كالديون.
[٥٣٢] مسألة: وتقوم نية الإمام مقام نية المأخوذ منه في الإجزاء
стр. 286
خلافاً لمن منعه؛ لأن النيابة تصح فيها، وللإمام ولاية عليه، فجاز أن تقوم نيته مقام نية من يلي عليه، أصله الأب في ابنه الصغير والوليّ على المجنون.
[إخراج القيمة في الزكاة]
[٥٣٣] مسألة: لا يجوز إخراج القيمة في الزكاة. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﵇: (في أربعين من الغنم شاة، وفي كل خمس ذود شاة)، فلا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل، وقوله ﵇ لمعاذ: (خذ الحب من الحب والإبل من الإبل والشاة من الغنم)، ففيه دليلان: أحدهما: التعيين، والآخر سياق الكلام على أخذ كل جنس من جنسه، فدل أنه مستحق فانتفى جواز إخراج القيمة، وقوله: (في كل خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فإبن لبون ذكر)، ففيه أدلة: أحدها: التعيين، والآخر: أنه يجعل عدمها شرطا في اخذ ابن لبون، وعندهم ليس عدمها شرطا، والثالث: تعيّن ما يخرج عند عدمها، وفي تجويز القيمة إسقاط فائدة التعيين، والرابع: تعليله الجواز بإخراج ما يسمى ابن لبون، وعند المخالف أن المراعى أن تكون قيمته مثل قيمة بنت مخاض من غير اعتبار بالاسم؛ ولأنه ﵇ فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب)، ففيه دليلان: أحدهما: أن التعيين يفيد
стр. 287
الإنحتام، والثاني: أنه نص على مسميات مختلفات وأقوات متباينة، فلو كان الاعتبار بالقيمة لم يكن لذلك معنى، ولكان يكفي النص على واحد دون غيره؛ ولأن إخراج القيمة تؤدي إلى إسقاط النصوص؛ لأنه نص على أن في خمس من الإبل شاة، وقد يرد في القيمة إلى نصف شاة؛ ولأنه عوض عن الواجب المنصوص في الزكاة على وجه القيمة، فلم يجز كسكنى داره، وخدمة عبده، ولأنه يخرج على وجه الطهارة، فلم يجز فيه القيمة كالرقبة في الكفارة؛ ولأنه إخراج قيمة في الزكاة، فلم يجز كما لو وجب عليه صاع من تمر رديء فأخرج قيمته نصف صاع من تمر جيد، أو شاة عن شاتين؛ ولأنه لا يخلو أن يكون الاعتبار فيما يخرج في الزكاة بالمنصوص عليه فقط، أو بما يقوم مقامه، فلما بطل هذا لما ذكرناه من الصاع، ثبت ما نقوله؛ ولأنه حق لله تعلق بنوع من الحيوان فلم يجز إخراج قيمته كالضحايا
[إخراج الذهب عن الفضة والفضة عن الذهب]
[٥٣٤] مسألة: يجوز إخراج الذهب عن الورق والورق عن الذهب بدلا لا قيمة. خلافاً لما يحكى عن الشافعي؛ لأن ذلك بدل، وليس بقيمة؛ ولأن أخذ أحد الجنسين يقوم مقام الآخر وينوب منابه في جميع الأغراض المقصودة منه، فكأنه إخراج من عين المخرج عنه فجاز؛ ولأنه أصل في الأثمان والقيم فجاز إخراجه عما يتناوله في هذا المعنى، كإخراج خلافه من نوعه؛ ولأنه يجمع بينهما في الزكاة فلم يكن أحدهما قيمة على الآخر كالنوع من الجنسين.
стр. 288
[الخلطة في زكاة الماشية وتأثيرها]
[٥٣٥] مسألة: للخلطة تأثير في زكاة المواشي. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﵇: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وذلك يدل على تأثير الاجتماع والافتراق في تعيين الزكاة، وقوله: (وما كان من الخليطين فإنهما يترادان بالسوية)، فأثبت للخلطة حكما وهو التراجع، وعند المخالف لا يراجع في خلطة الأوصاف؛ ولأنه نوع مال تجب في عينه الزكاة للمؤونة تأثير فيه فوجب أن تختلف الزكاة بكثرتها وقلتها كاختلاف السقي في الزرع.
[٥٣٦] مسألة: وتأثيرها إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب، وقال الشافعي: إذا كان لهما أربعون فاختلطا فعليهما الزكاة، ودليلنا قوله ﵇: (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة). وهذا نفي عام في كل ملك، وقوله في حديث أنس: (إن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء)، وفي هذا الحديث في صدقة الإبل: (ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء)، ولأن قصور الملك عن النصاب مسقط للزكاة عنه كالمنفرد، ولأن كل من لو انفرد لم يكن من أهل الزكاة، فإذا خالط غيره كان حكمه كحكمه منفرداً، أصله إذا كان له عشر من الغنم فخالط بها عبداً أو ذمياً، ولأن الزكاة لما كانت موضوعة للمواساة، ووضع النصاب ليحتمل المواساة وكان من تملّك دونه لا يؤخذ منه شيء،
стр. 289
استوى في ذلك حكم الانفراد والاجتماع، فكان من يملك جزءاً من شاة أولى بأن لا يؤخذ منه شيء، لكون ماله أقل احتمالاً للمواساة.
[٥٣٧] مسألة: وحول الخليطين واحد، وإن اختلطا قبل الحول بشهر. خلافاً
للشافعي؛ لأن كل مالين ضُمَّ أحدهما إلى الآخر وزكيا زكاة واحدة كان حولهما واحداً لكمال المالك الواحد.
[٥٣٨] مسألة: لا تصح الخلطة فيما عدا الماشية. خلافاً للشافعي؛ لأنه ﵇ ذكر زكاة الأموال وأفرد زكاة المواشي بالخلطة، فقال: (وما كان من خليطين تراجعا بالسوية)، وقال: (لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة)، وقال: (الخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل) فدل، ذلك على اختصاص هذا النوع.
[زكاة الحرث]
[٥٣٩] مسألة: النصاب معتبر في زكاة الزروع والثمار وهو خمسة أوسق. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﵇: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وروي (زكاة). ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، فوجب أن يعتبر فيه النصاب كالعين والماشية فوجب أن يعتبر في النصاب، أصله ما ذكرناه.
стр. 290
[٥٤٠] مسألة: يخرص النخل والكرم ليعرف قدر الزكاة منه. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يجوز الخرص، ولا يتعلق به حكم، لما روى عتاب بن أسيد قال أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً)؛ ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك؛ لأن الزكاة تجب في الثمرة ببدو صلاحها، وأداؤها يتأخر إلى حال التناهي، والعادة أن أرباب الأموال يأكلون ذلك رطباً، فلو تركناهم يتصرفون فيها من غير خرص لأضر ذلك بالفقراء، وإن منعناهم، أكلها والتصرف فيها أضر ذلك بهم فكان الوجه الخرص للضرورة ولأن فيها مراعاة للفريقين.
[٥٤١] مسألة: يجوز أن يبعث الإمام بواحد للخرص. خلافاً لأحد قولي الشافعي، لما روي أنه ﵇ (كان يبعث عبدالله بن رواحة للخرص على يهود) وذلك يفيد أنه كان وحده؛ ولأن الخارص كالحاكم؛ لأن الخرص اجتهاد، فيجب أن يجوز فيه الواحد كالحاكم، بخلاف المقوم؛ لأن المقوم ليس بحاكم، وإنما يخبر الحاكم ليحكم بتقويمه، والخارص كالحاكم؛ لأنه يحكم فيما يؤديه إليه اجتهاده دون الإمام.
[٥٤٢] مسألة: إذا تلفت الثمرة بعد الخرص بجائحة فلم يبق منها
стр. 291
قدر النصاب، فلا زكاة على أربابها. خلافاً لأصحاب الشافعي؛ لأن الخرص إنما يراد لمعرفة حق الفقراء لا لتعلق الزكاة بالذمة، ولأن التلف قبل إمكان الأداء فأشبه المواشي.
[٥٤٣] مسألة: يضم الشعير والسلت إلى الحنطة في الزكاة خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر)؛ ولأنها كالجنس الواحد؛ لأنهما يتفقان في المنبت، ولا يكاد أحدهما ينفك من الأخر كالعلس مع الحنطة.
[٥٤٤] مسألة: لا زكاة في الفواكه والخضر. خلافاً لأبي حنيفة، لأنه إجماع أهل المدينة نقلا؛ لأن الخضر قد كانت على عهد رسول الله ﷺ والأئمة بعده، فلم ينقل أنه طالبهم بزكاة عنها، ولو كان ذلك قد وقع لم يغفل نقله؛ ولأنه من الأمور العامة التي تمس الحاجة إلى علمها، وقد روي: (ليس في الخضروات صدقة)؛ ولأنه نبت لا يقتات مع الادخار كالحشيش؛ ولأنه جنس من المال لا يعتبر النصاب في ابتدائه فلم يجب فيه عشر كالحطب.
[٥٤٥] مسألة: تجب الزكاة في الزيتون. خلافاً للشافعي، لقوله ﵇: (فيما سقت السماء العشر)؛ ولأنه حب يقتات زيته غالباً كالسمسم؛ ولأن الزكاة لما وجبت في الحمص واللوبيا وكان الزيتون أعم
стр. 292
نفعا في باب الأقوات، كان بأن تجب فيه الزكاة أولى.
[٥٤٦] مسألة: لا زكاة في العسل. خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه طعام يخرج من حيوان فأشبه اللبن.
[٥٤٧] مسألة: يؤخذ العشر من أرض الخراج وغيرها. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر)؛
ولأنهما حقان مختلفان في القدر والسبب الموجب لهما، وفي التصرف الذي يصرفان فيه، فصح اجتماعهما كالجزاء والقيمة في إتلاف الصيد المملوك.
[٥٤٨] مسألة: لا يؤخذ العشر من أرض المكاتب والعبد المأذون. خلافاً لأبي حنيفة إذا كان مأذونا له؛ لأن العشر زكاة، للحديث الذي رويناه في الخرص، والزكاة لا تجب في مال المكاتب والعبد كزكاة الذهب والفضة؛ ولأنه حق مصروف إلى أهل السهمان، فلم يجب على المكاتب كسائر الزكوات.
[٥٤٩] مسألة: إذا استأجر أرضا فزرعها فالزكاة على المستأجر دون صاحب الأرض. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن الزكاة على صاحب الأرض، لقوله تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده﴾، فخاطب أرباب الزرع بأداء الزكاة؛ ولأنه عشر وجب على الزرع لأجله، فكان على صاحب الزرع، أصله لو كانت الأرض عارية؛ ولأنه حق يصرف في الأصناف المسمين في الصدقات، فكان المخاطب به المالك دون غيره كزكاة المال؛ ولأنه حر مسلم خرج له نصاب زرع تجب في جنسه الزكاة، فوجب أن يلزمه العشر فيه كما لو كانت الأرض ملكا له.
стр. 293
[زكاة العين]
[٥٥٠] مسألة: إذا كان معه عشرون ديناراً تنقص نقصاناً يسيراً تجوز به بجواز التامة ففيها الزكاة. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه نقصان لا يؤثر في جوازها بجواز الوازنة فكانت كالتامة.
[٥٥١] مسألة: وما زاد على العشرين وعلى المائتين ففيه بحسابه قل أو كثر. خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا شيء فيما زاد على العشرين حتى تبلغ أربعة دنانير وفيما زاد على المائتين حتى تبلغ أربعين، لقوله ﷺ : (في الرقة ربع العشر)، وقوله: (ليس فيما دون خمسة أواق من الرقة صدقة) مفهومه إيجاب الصدقة فيما زاد عليها، وقوله (وليس عليك حتى يكون لك عشرون دينارا ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك)؛ ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق فوجب إخراج ربع عشرها، كالأربعة دنانير والأربعين درهماً، واعتباراً بالحبوب والثمار، بعلة أنه نوع مال تجب الزكاة في جنسه وعلى متلفه مثله، فلم يكن فيه عفو بعد الإيجاب، ولأنه مال يحتمل التجزئة والتبعيض، أو لأنه مال مستفاد من الأرض، فلم يعتبر فيه تقدير بعد تعلق الحق به أصله ما ذكرناه.
[٥٥٢] مسألة: يجمع بين الذهب والفضة في الزكاة. خلافاً للشافعي؛ لقوله ﵇: (في الرقة ربع العشر)؛ ولأنهما يتفقان في المعنى
стр. 294
المقصود بهما، وكل واحد منهما يسد مسد الآخر، وينوب منابه من كونه ثمناً للأشياء، وقيماً للمتلفات، فكان ملك أحدهما كملك الآخر، فجرى مجرى من ملك أنواعاً من الذهب من جيد ورديء وتبر ومضروب، ولأنا قد اتفقنا على أنه إذا كان معه مائة درهم وعرض للتجارة يساوي مائة درهم، أنه يضمه إلى الدراهم ويزكي الجميع، أو يكون كقيمة العرض فيجب ضمه إلى ما معه من الورق ويزكي الجميع، والمعنى فيه قيام الذهب مقام قيمة العرض؛ ولأن الوجوب زكاتهما ربع العشر في كل حال.
[٥٥٣] (فصل): والاعتبار في ذلك يقام المثقال بعشرة دراهم. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن الاعتبار بالقيمة؛ لأنه ﵇ جعل نصاب الذهب عشرين دنياراً، ونصاب الفضة مائتي درهم، فكان في ذلك تنبيه على أن العشرين بإزاء المائتين، وأن هذا المقدار في جنسه في تعلق الحكم به، فإذا ثبت هذا وجب أن يراعى هذا المعنى في التفصيل أيضا؛ لأن التفصيل مفروض على الجملة، ألا ترى أن القيمة إنما تراد ليعلم أنها مع ضم أحدهما إلى الآخر في معنى النصاب من الجنس الذي يضم إليه، فكان اعتباره بأصله وجملته أولى من اعتباره بما لا يتعلق به، وتقيس حال الضم على الانفراد، فتقول: لأنه تقدير مطلوب لمعرفة وجوب الزكاة، فوجب أن يراعى فيه تقدير الشرع دون القيمة كحال الانفراد، ولأن كل تقدير وجب في جملة، وجب اعتباره في تفصيلها، أصله الدية.
стр. 295
[٥٥٤] مسألة: المصوغ الذي تجب فيه الزكاة يراعى وزنه دون قيمته. خلافاً للشافعي في قوله: إنه إذا كان مما يجوز اتخاذه وجبت الزكاة في قيمته دون وزنه؛ لأن الصنعة لا تراعى في زكاة الأعيان اعتباراً بالمواشي، ولأنه جنس يتعلق الزكاة بعينه كالذي يجوز اتخاذه.
[٥٥٥] مسألة: الورق المغشوش تجب الزكاة فيما يعلم فيه من الفضة المخلصة نصاباً، كان الغش قليلاً أو كثيراً، إلا أن يكون مما لا حكم له، كما يقول أهل الصنعة: أنه لا يتأتى الضرب إلا به كالدّانق في العشرة وما أشبهه مما لا يؤثر، وقال أبو حنيفة: إذا كان الغش أقل من الفضة سقط حكمه. فدليلنا اعتباره بكون العشر.
[٥٥٦] مسألة: الحلي المباح المتخذ للبس لا زكاة فيه. خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولى الشافعي؛ لأن المعتبر في وجوب الزكاة في الأموال هو النماء دون غيره، فالزكاة تابعة له؛ لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه، يبين ذلك أن الأموال على ضريين: منها ما تجب الزكاة في عينه، ومنها ما لا تجب الزكاة في عينه كالعروض، ثم قد ثبت أن ما لا تجب في عينه الزكاة إذا قصد به الثمن وطلب الفضل وجبت الزكاة فيه، فوجب أن تكون ما في عينه الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء أن يؤثر ذلك في سقوط الزكاة عنه، ولا تحتاج أن تقول على وجه مباح؛ لأن التأثير إذا ثبت لم يبق إلا ما نقوله، وهذا يمكن أن يستدل به على أنه من قياس العكس، ويمكن أن يكون استدلالاً مبتدأ هذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه في المسألة، وقيل: لأنه ملك مقصود به الاقتناء وترك الثمن على وجه مباح كعروض القيمة، وهذا تأثيره في الفروع دون الأصل، وقيل: كل ما لو كان في ملك الصغير لم يكن فيه زكاة، فكذلك إذا كان في ملك الكبير كالعروض، وهذا
стр. 296
من نوع القياس المركب، وما قدمناه هو المعتمد. -والله أعلم-.
[٥٥٧] مسألة: لا زكاة في حلي الكراء عند مالك، وقال محمد بن مسلمة: فيه الزكاة، ووجه قول مالك: إن عينه محبوسة عن طلب النماء والزيادة في العين كالمعد للبس، ووجه قول محمد: إنه مقصود به وجها من النماء كحلي التجارة.
[٥٥٨] مسألة: أواني الذهب والفضة المحرم استعمالها لا يجوز اتخاذها، وإن لم تستعمل. خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن ما لا يجوز استعماله من الأعيان المتخذة للاستعمال لا يجوز اتخاذه كالخمر والطبل والزمر؛ ولأنه إن لم يستعمله فيكون في ذلك معونة على ما لا يجوز، ولأنه إذا أراد بيعه، فلا يخلو أن يكسره، أو يبيعه على ما هو عليه، ففي ذلك معونة على استعماله، وذلك غير جائز، وقياساً عليه لو صاغه صنماً.
[تمام النصاب أثناء الحول]
[٥٥٩] مسألة: إذا نقص النصاب عن المال الذي تجب الزكاة في عينه في بعض الحول، ثم نما في آخره لم تجب الزكاة فيه. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن المراعى كماله طرفي الحول دون أثنائه؛ ولأنه مال تجب الزكاة في عينه نقص عن النصاب في بعض الحول، كما لو نقص في أحد الطرفين.
[زكاة التجارة]
[٥٦٠] مسألة: العروض إذا أديرت للتجارة وجبت الزكاة في قيمتها على شروط معتبرة فيها، وقال داود: لا زكاة في أموال التجارة. فدليلنا ما روى سمره قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يعدُّ للبيع). وفي حديث أبي ذر قال: (كان رسول الله ﷺ قال: في الإبل
стр. 297
صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته). لا يقال تصحيف؛ لأنه نقل مضبوطا بالزاي؛ ولأنه مال مرصد للنماء والزيادة، فكان أولى بأن تجب الزكاة فيه كالأعيان الثلاث.
[٥٦١] مسألة: لا تجب الزكاة في العروض إلا أن يشتريها بنية التجارة، فإن لم ينو
ذلك عند الشراء ثم نواه من بعد، أو كان عنده عرض فنوى به التجارة، فلا تجب الزكاة فيه، وحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق، يصير للتجارة بمجرد النية وإن حدثت بعد الشراء. ودليلنا أن النية إذا لم تصادف الشراء فقد نقل الملك إلى مالا تجب الزكاة فيه، ولو أوجبنا الزكاة فيه بنية مستأنفة لكان ذلك إيجاب زكاة بنية مجردة، وذلك غير جائز؛ ولأن أصول الفقه مبنية على أن كل ما كان له أصل فإنه لا ينتقل عن أصله بمجرد النية، كالذهب والفضة إذا نوى أنه يجعلهما حليا للبس.
[٥٦٢] مسألة: إذا ابتاع العرض بنية التجارة، ثم نقله إلى نية القنية، ففيه روايتان: إحداهما: وجوب الزكاة، والأخرى سقوطها عنه، فوجه الوجوب أنها نية قارنت ملك العين، فلم ينتقل حكمها بنقلها إلى غيرها، اعتباراً به لو اشتراه للقنية ثم نقله إلى نية التجارة، ووجه سقوط الزكاة أن الأصل في العرض أنه لا زكاة فيه، وإنما تجب بالنية، فإذا زالت النية عادت إلى أصلها.
[٥٦٣] مسألة: إذا ابتاع العرض بعرض فلا زكاة فيه وإن نوى به التجارة، إلا أن يبتاعه بذهب أو فضة. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأن زكاة القيمة تابعة لزكاة العين، فإذا لم يكن أصل شراء العرض بعين يكون
стр. 298
تعلق الزكاة بقيمته تابعا له لم تجب فيه زكاة، ولأنا نتفق على أنه لو غنمه، أو ورثه، أو وهب له عرض، فنوى به التجارة لم يكن عليه زكاة إذا باعه؛ لأن أصله لم يكن عيناً، فكذلك شراؤه بعرض.
[٥٦٤] مسألة: إذا ابتاع العرض وهو غير مدير يتربص به النفاق والأسواق، لم يلزمه أن يزكيه كل سنة. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لأن ذلك مبني على وجوب الاعتبار بأن يكون أصل العرض عيناً، فإذا ثبت ذلك قلنا: لأن آخر الحول أحد طرفيه، فوجب أن يكون إيجاب الزكاة فيه معتبراً بكونه عيناً فيه، أصله أوله، ولا يكون عكسه المدير؛ لأنه ليس له حول يتحصل.
[٥٦٥] مسألة: ربح المال حوله حول أصله، خلافاً للشافعي في قوله: يستأنف به الحول؛ لأنه نماء حادث عن أصل تجب في عينه الزكاة، فكان حوله حول أصله كالسخال؛ ولأنا قد اتفقنا على أن الحول لو حال والمال كله عرض قيمته زائدة على رأس المال، فإن الزيادة يعتبر بها حول الأصل، وذلك في المدير عندنا، وعلى أصلنا في كل أمور التجارات، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون كذلك إذا حال الحول على المال بزيادته بعلة حصول النماء من نفس المال في أثناء الحول؛ ولأنه قد ثبت أن الزكاة تجب في مال التجارة لأجل النماء ولا يجوز أن تجب في المال وتسقط عن الربح الذي هو علة وجوبه في الأصل.
[٥٦٦] مسألة: إذا اشترى عرضا بنصاب من الذهب، ثم باعه في آخر الحول بنصاب من الورق، فعليه زكاته بعد الحول، وكذلك لو ابتاع بنصاب من الذهب نصاباً من الورق، فجاء الحول وهو عنده فعليه الزكاة. وقال الشافعي في العرض إذا ابتاعه بفضه ثم باعه بذهب: إنه يقوم الذهب دراهم، ثم يزكيها، وأما إن ابتاع بنصاب ذهب نصاباً من الورق، فحال عليه الحول، فإن كان على غير وجه التجارة فلا زكاة عليه، وإن كان على وجه
стр. 299
التجارة فاختلفوا، فمنهم من يوجب الزكاة بناء على حول الأصل، ومنهم من لا يوجبها. وقال الإسفراييني حكي عن ابن شريح أنه قال: بشر الصيارفة بأن لا زكاة عليهم. فدليلنا على أن الأثمان تنوب بعضها مناب بعض؛ لأن الغرض بها واحد، وهو التعامل بها، وأن تكون أثماناً للأشياء وقيماً للمتلفات، وإذا ثبت ذلك، وجب أن يقوم أحد الجنسين منها مقام الآخر، اعتباراً به إذا نض ثمنه من الجنس الذي ابتاعه به، بعلة نضوضه بجنس من أصول الأثمان، فيجب أن يزكى زكاة عين، واعتباراً به لو ابتاع العرض بدنانير، فأشبه قبض ثمنه آخر الحول مطيعية، أنه يزكيه زكاة عين.
[٥٦٧] مسألة: إذا قوم العروض أخرج عنها دراهم أو دنانير، ولم يجز أن يخرج منها، خلافاً للشافعي، في قوله: إنه يخرج منها؛ لأن الزكاة تجب في القيمة بدليل أن النصاب معتبر، وكل مال وجبت الزكاة فيه، فإذا لم يكن في الإخراج منه ضرر وجب الإخراج منه، كالذهب والفضة؛ ولأن كل ما لو كان معينا وجب الإخراج منه فإذا كان مبهما وجب الإخراج منه، أصله إذا كان معه دراهم أو دنانير فأخرجها.
[٥٦٨] مسألة: الزكاة تجب في قيمة العروض التي تراد للتجارة لا في أعيانها، وقال أبو حنيفة: تجب في عين مال التجارة، كالماشية ولكن يعتبر قيمته، فإذا بلغت نصابا وجب أخذ ربع عشر العرض منه، فدليلنا أن كل ما اعتبر النصاب به وجبت الزكاة فيه كأعيان الذهب والفضة والماشية، ولأن الزكاة تزيد بزيادة القيمة وتنقص بنقصانها، ولا تزيد بزيادة العرض ولا تنقص بنقصانه، فثبت أن الزكاة تتعلق بالعين الذي يختلف باختلافها، دون العرض الذي لا يختلف باختلافه،
стр. 300
ولأن من قولهم أن المبادلة بالماشية يقطع الحول فكذلك يمنع تعلق الزكاة بأعيان العروض؛ لأنه يوجب أن ينقطع الحول فيها بالمبادلة كالماشية على أصلهم.
[٥٦٩] مسألة: إذا ابتاع أصول نخل للتجارة فأثمرت عنده، فإنه يزكي الثمرة زكاة العين، ثم إذا باع النخل بعد حول زكى قيمتها، خلافاً لأحد قولي الشافعي: أن الزكاة إذا وجبت في الثمر لم تجب في قيمة الأصل. لأن زكاة العين تتعلق بالثمرة والزرع، دون أصل النخل والأرض، وصار أصل النخل والأرض كعروض التجارة التي لا يتعلق بها زكاة العين على وجه، فوجب أن تتعلق الزكاة بقيمتها.
[٥٧٠] مسألة: من اشترى شيئا مما في عينه الزكاة، كالماشية للتجارة، فلا تجب فيها إلا زكاة العين فقط، وتسقط زكاة التجارة. خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، أنه تجب فيها زكاة التجارة وتسقط زكاة العين؛ لقوله ﵇: (في خمس من الإبل شاة) ولم يفرق؛ ولأن زكاة العين ثبتت بالنص والإجماع، وزكاة التجارة ثبتت بالاجتهاد، وفيها خلاف، فإذا لم يكن بد من إيجاب أحدهما أو إسقاط الآخر، كان إيجاب الأقوى منهما أولى؛ ولأنا إذا أوجبنا زكاة العين رجعنا في معرفة النصاب، وقدر الواجب إلى المشاهدة والنص، ومعرفة قدر الزكاة في التجارة ترجع إلى الاجتهاد في التقويم، والرجوع إلى النص أولى كالحكم بالنص والقياس؛ ولأن في إيجاب زكاة العين رجوعا إلى نفس العين، واعتبارا بحكمها بها لا بغيرها، وفي إيجاب الزكاة في التجارة رجوعاً إلى غيرها، وهو القيمة، واعتبار الشيء بنفسه أولى من اعتباره بغيره.
[٥٧١] مسألة: تجتمع زكاة التجارة والفطر في العبد الواحد. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: تسقط زكاة الفطر؛ لقوله ﵇: (عمن تمونون) وقال ابن عمر (فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر، على كل
стр. 301
حر وعبد، وذكر وأنثى من المسلمين)، ولم يفرق، ولأن كل من لزمه نفقة شخص من أهل ملته، لزمه زكاة الفطر عنه عند القدرة عليه، أصله إذا كان للقنية، ولأنهما حقان في مال، سبب وجوبهما مختلف ولم يمنع اجتماعهما، أصله إذا قتل صيدا مملوكا وهو محرم.
[٥٧٢] مسألة: والنصاب في أموال التجارات معتبر في آخر الحول. خلافاً لأبي حنيفة، في قوله: يعتبر في الطرفين؛ لأنه مال تجب الزكاة في قيمته، وجد نصاباً في آخر الحول، فأشبه إذا وجد نصاباً في الطرفين.
[٥٧٣] مسألة: إذا كان عنده نصاب من الذهب أو الورق، ثم أفاد نصاباً من جنسه لم يضمه إلى ما معه، وزكى كل واحد من المالين حوله، بخلاف الماشية. وقال أبو حنيفة: يضمه إلى النصاب كالماشية. ودليلنا قوله ﵇: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول)، ولأن الفائدة في الذهب والورق إذا كانت من غير المال لم يجب ضمها إليه في حوله، أصله إذا كان الأصل أقل من نصاب، ولأن الأصل أن كل مال فله حول نفسه لا يعتبر بغيره إلا لضرورة، ولا ضرورة إلى ذلك إلا لأحد ثلاثة أشياء: إما أن تكون الفائدة من نفس المال كالربح والنتاج، أو للرفق بالملاك، أو للرفق بالساعي؛ والنظر بين أرباب الأموال
стр. 302
والفقراء كما قلنا ذلك في الماشية، وكل ذلك معدوم في هذا الموضع، فلم يبق معنا ما يقتضي اعتباره بغيره في الحول، فوجب بقاؤه على الأصل.
[٥٧٤] مسألة: الدين يمنع الزكاة عن العين، ولا يمنعها عن الماشية والحبوب والحرث، وقال الشافعي: لا يمنع الدين زكاة أصلاً. ودليلنا ما روى عمير بن عمران، عن ابن جريح، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه)؛ ولأنه إذا اجتمع في المال حقان: أحدهما: قد أُخِذَ عوضه، والآخر: لم يؤخذ عوضه، كان ما قد أُخِذَ عوضه مقدما على ما لم يؤخذ عوضه، أصله الدَّين في الميراث، ولا تدخل عليه زكاة الماشية والحرث؛ لأن التعليل للجملة لا ينقض بالتفصيل.
[٥٧٥] مسألة: إذا كان عليه دين ومعه عين وعروض، جعل الدين في العروض وزكى عن العين، وقال أبو حنيفة: يجعل الدين في العين وتسقط الزكاة، ودليلنا، أنه حر مسلم مالك لنصاب قد حال عليه الحول أَخْذُ الصدقة منه لا يبخس حق غيره، فأشبه من في يده من العين أكثر مما عليه من الدين؛ ولأنه قادر على الجمع بين أداء الدين والزكاة، فوجب أن لا يسقط أحدهما بالآخر، أصله إذا كان معه من العين ما يقوم مقام الدين ويفضل عنه نصاب؛ ولأن العروض نوع من المال مأمون، فجاز أن يجعل في الدين ويزكى العين.
[٥٧٦] مسألة: يكره للرجل أن يبتاع صدقته، لئلا يكون ذريعة إلى إخراج القيمة في الزكاة، أو إلى الرجوع في الهبة، وإن فعل صح، وحكي عن أصحاب الشافعي، أنه لا يصح، واختلفوا في الحكاية. ودليلنا على جوازه، أن كل ما صح أن تملكه إرثاً، صح أن تملكه هبة وابتياعا كسائر الأموال.
стр. 303
باب زكاة المعادن
[٥٧٧] مسألة: في المعادن الزكاة وليست بركاز، وقال أبو حنيفة: المعدن والركاز واحد وفيه الخمس, ودليلنا أنه ليس بركاز، قوله ﵇: (البئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس)، ففرق بينهما في الاسم، فدل على أن أحد هما غير الآخر؛ ولأن الركاز مأخوذ من إركاز الشيء في الأرض، إذا دفنه صاحبه وأخفاه، والمعادن عروق ينبتها الله في الأرض من غير فعل آدمي.
[٥٧٨] (فصل): ودليلنا على أن الواجب فيه الزكاة ما روي (أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية وأخذ منه الزكاة)، ولأنه مستفاد من الأرض بكلفة ومؤونة لم يملكه غيره، فوجب أن يكون فيه الزكاة، لا الخمس كالزرع؛ ولأن الخمس إنما يجب فيما أخذ من أموال الكفار على وجه الغنيمة، أو وجد دفينا من أموالهم.
стр. 304
[٥٧٩] (فصل): واختلف في الندرة بلا تعب وكلفة، فقيل: فيها الزكاة وقيل الخمس، فوجه قولنا: إن فيها الزكاة، فلأنها عين خارجة من المعدن كالذي فيه تعب وكلفة، ووجه الآخر: بأن فيه الخمس، وبالله التوفيق، فلأنه مستفاد من الأرض تجب في نوعه الزكاة فوجب أن يكون لكثرة المؤونة وقلتها تأثير في زكاة ما يؤخذ ونقصانه، أصله الزرع، وإذا ثبت ذلك فليس إلا الخمس؛ لأن أحداً لا يوجب الفرق بغيره.
[٥٨٠] (فصل): ولا شيء فيما يخرج من المعدن سوى الذهب والفضة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه تجب في كل ما لا ينطبع؛ لأنه مُفَرّع مستفاد من المعدن، فوجب أن لا يتعلق به حكم حق، أصله ما لا ينطبع؛ ولأن كل ما لو ملكه بالإرث لم يُبتدأ له حول، فإذا ملكه من المعدن لم يتعلق به حق كالقيروالنفط.
[٥٨١] (فصل): النصاب معتبر في المعدن. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﷺ (ليس فيما دون مائتي درهم شيء)، ولأن كل ما وجبت فيه الزكاة وجب اعتبار النصاب فيه كغير المعدن.
[٥٨٢] (فصل): لا حول في زكاة المعدن. خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنه مستفاد من الأرض تجب فيه الزكاة كالزرع. وبالله التوفيق، ثم الجزء السابع من كتاب الإشراف.
стр. 305
باب في الركاز
[٥٨٣] مسألة: اختلف في الركاز من العروض، ففيه. روايتان: إحداهما: يخمس، والأخرى: لا يخمس، فوجه الأولى، اعتباره بالذهب والفضة بعلة أنه مأخوذ من كافر على وجه الغنيمة، فإذا خمس ذهبه خمس عرضه كالغنائم، ووجه قوله: لا يخمس، اعتباراً بالمعدن بعلة أنه مستفاد من الأرض، فلم يتعلق حق بعروضه.
[٥٨٤] مسألة: في الركاز الخمس كتمه واجده أو أظهره. خلافاً لأبي حنيفة إنه إن كتمه فلا شيء عليه، لقوله ﵇: (وفي الركاز الخمس) ولم يفرق؛ ولأن كل مال وجب فيه الخمس إذا أظهره، وجب فيه وإن كتمه كالغنائم؛ ولأنه لا يخلو أن يجري مجرى الصدقات أو الفيء أو الغنائم، وأيّ ذلك فلا يسقط الحق فيه بالكتمان.
[٥٨٥] مسألة: يجوز بيع تراب المعدن. خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾؛ ولأنه مرئيّ معلوم في العادة مقدر في غالب الحال، فجاز بيعه، وإن لم يعلم حقيقته ووزنه للرفق، كالجزاف؛ ولأن اختلاط الذهب بغيره لا يمنع بيعه، كالسيف المحلى.
стр. 306
[٥٨٦] مسألة: ما خرج من البحر من الجواهر واللؤلؤ والعنبر وغير ذلك مما لم يتقدم عليه ملك آدمي، فلا شيء عليه ولا زكاة ولا خمس، وقال أبو يوسف في اللؤلؤ، والعنبر، وكل ما يخرج من البحر الخمس. ودليلنا أن ما يخرج من البحر لم يتقدم عليه ملك ابن آدم فلم يكن فيه شيء كالمسك؛ ولأنه لا يخلو أن يجري مجرى الغنيمة والركاز، ولا يجوز أن تكون غنيمة؛ لأن من شرطها أن تكون مأخوذة عن كافر؛ لأنه لا زكاة في العروض المستفادة.
[دعاء الإمام لصاحب الصدقة]
[٥٨٧] مسألة: لا يجب على الإمام، أو ساعيه، أن يدعو لصاحب الصدقة إذا أخذ الزكاة (). خلافاً لداود؛ لأن الصدقات قد كانت على عهد رسول الله ﷺ تحمل إليه، فلم ينقل أنه دعا لغير أبي أوفى؛ ولأنه أداء فرض فلم يستحق لأجله دعاء كقضاء الدين.
باب زكاة الفطر
[٥٨٨] مسألة: زكاة الفطر فريضة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها واجبة ليست بفريضة على ما يقوله في الوتر، لما رواه ابن عمر: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان) وقوله: (أدوا صدقة الفطر عمن تمونون)، ولأنها زكاة في المال كسائر الزكوات، فإن منعوا أن تكون زكاة، دلّلنا عليه بالخبر.
стр. 307
[٥٨٩] مسألة: يجب على الرجل إخراجها عن عبده وولده الصغير الذي لا مال له. خلافاً لداود؛ لقوله ﵇: (أدوا عمن تمونون)، وروي عنه ﵇: (عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق، إلا صدقة الفطر في الرقيق)؛ ولأنها طهارة تجري مجرى المؤونة كالنفقة.
[٥٩٠] مسألة: إذا كان له ابن صغير موسر، لم يلزم الأب فطرته. خلافاً لمحمد بن الحسن لأن كل من كانت نفقته في ماله كانت فطرته في ماله كالولد الكبير.
[٥٩١] مسألة: إذا بلغ الابن زمنا فقيراً، فعلى الأب نفقته وفطرته. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا تلزمه فطرته، لعموم قوله ﵇: (عمن تمونون)؛ ولأنه ممن تلزمه مؤونته، مع كونه من أهل الطهرة كالصغير، ولأن البلوغ لا يمنع وجوب فطرته على غيره، إذا كانت مؤونته لازمة لغيره؛ لأنه من أهل الطهارة في نصيبه اعتباراً بالعبد.
[٥٩٢] مسألة: يلزم الزوج فطرة امرأته المسلمة، وإن كانت موسرة. خلافاً لأبي حنيفة لقوله ﵇: في حديث ابن عمر (أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون)؛ ولأن الزوجية سبب يجب به نفقة الغير، فجاز أن يجب به
стр. 308
فطرتها كالنسب والملك، ولأن الفطرة معنى يتحمل بالملك والنسب فجاز أن يتحمل بالزوجية كالنفقة؛ ولأن الفطرة تابعة للمؤونة فيمن هو من أهل الطهرة كالعبد.
[٥٩٣] مسألة: لا يلزم السيد إخراج الفطرة عن عبده الكافر. خلافاً لأبي حنيفة لما رواه مالك عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين؛ ولأنها طهارة فلا يخرج إلا عمن هو من أهلها؛ ولأنه ليس من أهل الطهارة أصله إذا كان للتجارة.
[٥٩٤] مسألة: إذا كان العبد بين شركاء لزمهم إخراج الفطرة عنه. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يجب إخراج الفطرة عن العبد المشترك؛ لقوله ﵇: (عمن تمونون)، وهذا العبد داخل في العموم، ولأنه مملوك من أهل الطهرة، فوجب إخراج الفطرة عنه، كمن تلزمه نفقته، أصله إذا كان المالك واحداً.
[٥٩٥] مسألة: ومن بعضه حر، وبعضه رق، قد اختلف قوله فيه، فروي أن على السيد بقدر حصته، ولا شيء على العبد في حصته من الحرية، وروي أن على كل واحد منهما بقدر حصته، وهو قول محمد بن مسلمة والشافعي وقال عبدالملك: على السيد جميع الصاع، ولا شيء على العبد، وقال أبو حنيفة: لا يجب إخراج الفطرة عنه أصلاً. فدليلنا على أبي حنيفة، أنه حق يجب على المالك بحق الملك المنفرد، فوجب أن تجب عليه بحق الملك المشترك كالنفقة، ووجه قوله: إنه على السيد بقدر حصته ولا شيء على العبد؛ لأن أحكام الرق أغلب عليه؛ ولأن ملكه غير مستقر فلم يخاطب بإخراج الفطرة
стр. 309
عن نفسه، ولم يلزم سيده إخراجها عما لا يملكه، ووجه قوله: إن على كل واحد منهما بقدر حصته، أن كل من لو ملك عبداً كاملاً لزمته فطرته، فإذا ملك نصفه وجب أن يلزمه نصف فطرته كالعبد بين شريكين، ووجه قول عبدالملك: إن الفطرة لا تتبعض فإذا لزمت لزم جمعيها، كما لو انفرد بملكه، وعلته أن السيد سبب حبسه من الحرية.
[٥٩٦] مسألة: في وقت وجوب زكاة الفطر روايتان: إحداهما: بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان. والأخرى: بطلوع الفجر من يوم الفطر، وقال قوم من أصحابنا: بطلوع الشمس. فوجه القول بأنها تجب بغروب الشمس، وهو الظاهر من قول الشافعي، ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان)، فأضافها إلى الفطر من رمضان، وحقيقة ذلك بغروب الشمس؛ لأنه أول فطر يتعقب خروج رمضان، ولأن يوم الفطر زمان لا يتعقب زمان الصوم، فلا يتعلق به الوجوب كغيبوبة الشفق، ويعلل للشخص فنقول: لأنه لم يدرك شيئا من رمضان، فلم يلزمه إخراج الفطرة عنه، أصله إذا ولد بعد طلوع الفجر، ووجه القول: أنها بطلوع الفجر، وهو قول أبي حنيفة: ما روي أنه ﵇، فرض زكاة الفطر من رمضان، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا بالنهار، وقوله ﷺ (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)، فنّبه على تعلق الوجوب باليوم، ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريق المواساة،
стр. 310
فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر، أصله الأضحية؛ ولأنه في طرفي ليل، فأشبه تضاعيف الشهر. ووجه اعتبار طلوع الشمس أنها عبادة مضافة إلى يوم فأشبهت الصلاة.
[٥٩٧] مسألة: من ملك زيادة على قوته وقوت من تلزمه نفقته قدر زكاة الفطر وجب عليه إخراجها. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا تجب إلا على من يملك نصاباً من الأموال، أو قيمته من غير الأموال كالزكاة، لما روى ثعلبة بن صعير، عن أبيه عن النبي ﷺ : أنه قال (صاعاً من بُرٍّ على كل صغير وكبير، وأنثى، وحر وعبد، غني أو فقير، فأما الغني فإنه يزكيه، وأما الفقير فيرد عليه أكثر مما أعطى)، ولأنه من أهل الطهارة يملك قدر الفطرة فضلا عن الكفاية، فوجب أن يلزمه الزكاة، أصله إذا ملك نصاباً؛ ولأنه حق مال لا يزيد بزيادة المال، فلم يعتبر فيه النصاب كجزاء الصيد وفدية الأذى.
[٥٩٨] مسألة: لا يجزئ في الأنواع المخرجة أقل من صاع، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يجزئ من البر والزبيب نصف صاع، لما روى ابن عمر وأبو هريرة أن رسول الله ﷺ فرض صدقة الفطر صاعاً
стр. 311
من بر)، وفي حديث أبي سعيد: (كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعا من طعام)، ولأنه قوت يخرج في صدقة الفطر كالشعير والتمر.
[٥٩٩] مسألة: إذا كان معسرا حال الوجوب لم يلزمه بيسره من بعد، خلافاً لمن أوجبه، وحكاه من أهل الخلاف من الشافعية عنا، ولا أصل له. ودليلنا: أن وقت الوجوب صادفه وهو ممن لا تلزمه الزكاة لعسره فيما بعد، أصله إذا أيسر بعد يومين أو ثلاثة.
[٦٠٠] مسألة: إخراج البر جائز، خلافاً لمن خرق الإجماع من أصحاب داود وقال: لا يجزيه، سمعت الخرزيَّ يحكيه. لما روينا من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، واعتباراً بالتمر والشعير.
[٦٠١] مسألة: والاعتبار بغالب قوت أهل البلد، خلافاً للشافعي في قوله: إنه مخير، لقوله ﵇: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)، وإذا أعطاهم ما ليس من قوتهم فلم يغنهم؛ ولأنه لما كان عليه إذا كان يقتات أعلى من قوتهم، وله أن يخرج من قوتهم الغالب، ولا يلزمه أن يخرج مما يقتاته، كذلك إذا كان يقتات دونه، فالواجب أن يخرج من غالب أقواتهم.
[٦٠٢] مسألة: يجوز إخراج الأقط لأهل البادية. خلافاً لأحد وجهي
стр. 312
الشافعي، لحديث أبي سعيد كنا نخرج فذكر صاعاً من أقط وروي أن رجالاً من أهل البادية قالوا: يا رسول الله ﷺ إنا أولو أموال فهل يجوز عنا من زكاة الفطر؟ فقال: (أخرجوها صاعاً من تمر أوصاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير)؛ولأنه قوت يقتاتونه غالباً عاماً يجري فيه الصاع، فأشبه التمر.
[٦٠٣] مسألة: لا يجوز أن يخرج فيها الدقيق. خلافاً لابن حبيب، ولا القيمة خلافاً لأبي حنيفة، لأنها قيمة كسائر الزكوات.
[مسائل مختلفة في الزكاة]
[إعطاء الذمي من الزكاة]
[٦٠٤] مسألة: لا يجوز صرف زكاة الفطر ولا غيرها إلى ذمي، خلافاً لمن أجازه في الجميع، ولأبي حنيفة في قوله: بجواز ذلك في زكاة الفطر وفي الكفارات دون غيرها من الزكوات، لقوله ﵇ لمعاذ: (فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)، وذلك يضمن اشتراط الإسلام، ولأن من لم يجز صرف زكاة المال إليه لم يجز صرف زكاة الفطر إليه، كالغني، ولأنه حق في مال على وجه الطهارة، فلم يجز صرفه إلى كافر كزكاة المال.
стр. 313
[الوصية بالزكاة]
[٥٠٦] مسألة: إذا لم يوص بإخراج الزكاة عنه، وقد علم ورثته بوجوبها، استحببنا لهم أن يخرجوها، فإن لم يفعلوا لم يلزمهم، وقال الشافعي تخرج من أصل ما له. فدليلنا: أن إخراج الزكاة موكل إلى أمانته، فإذا قال: قد أديتها قبل منه، وإن قال: هي عَلَيَّ لم يكن له مطالب لعينه ولا خصم معين، فإذا لم يوص بها جاز أن يكون قد أخرجها سراً، وإذا جاز ذلك لم يجز أن يلزم الورثة إخراج ما يشك هل هو عليه أم لا؟
[٦٠٦] مسألة: وإذا أوصى بها، فهي في الثلث. خلافاً للشافعي؛ لأن التهمة تقوي أن يكون قصد الانتفاع بما له وإخراجه عن ورثته بعد موته بالوصية، فلو قبلنا قوله وجعلناها من رأس ماله، لما شاء أحد أن يؤذي ورثته إلا وصى بأن عليه زكاة.
[٦٠٧] مسألة: وتبدأ على غيرها من الوصايا إلا المدبر في الصحة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها كسائر الوصايا سواء؛ لأن التبدية بالأوجب فالأوجب، ولولا التهمة لكانت من رأس المال، فإذا لم يقبل ذلك فأقل ما في ذلك أن يبدأ على التطوع.
[مصارف الزكاة]
[٦٠٨] مسألة: يجوز صرف الصدقات إلى صنف واحد من الأصناف، ويجوز تفضيل صنف على صنف، بقدر ما يجتهد فيه الإمام. خلافاً للشافعي في قوله: لا يجوز تخصيص بعض الأصناف بجميعها؛ لقوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم فأردها في فقرائهم)، وهذا يفيد جواز صرفها إلى نوع واحد، ولأنه قد ثبت أن للإمام أن يصرف صدقة الرجل الواحد إلى فقير واحد، والإمام يقوم مقام رب المال
стр. 314
في التفريق، فإذا جاز ذلك للإمام جاز للمالك؛ ولأنه لما لم يجب صرف صدقة المالك الواحد إلى جماعة الأصناف، لم يجب ذلك في جملة الصدقات؛ ولأنه لما جاز تخصيص بعض الأصناف؛ ولأنه لو كانت الصدقة واجبة للجميع، لكان إذا فقد صنف لا يجوز نقل نصيبه إلى بقية الأصناف الموجودين، كما قلنا فيمن أوصى بثلثه لجماعة، وفقد بعضهم أنه ينتقل قسطه إلى الورثة، دون من بقي من الموصى لهم، فلما أجمعنا على أنه إذا فقد صنف أن قسطه ينقل إلى باقي الأصناف، علم أن الكل محل لجواز صرف الصدقة إليهم.
[٦٠٩] مسألة: زكاة الأموال الظاهرة كالمواشي والحرث يجب دفعها للإمام، وإذا كان عدلا يبعث ساعيا لم يسع المالك أن يفرقها بنفسه، وإن فعل ضمن. خلافاً للشافعي في قوله الجديد: إن رب المال يخير بين أن يفرقها بنفسه، أو يدفعها إلى الإمام فيفرقها؛ لقول الله عزوجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾. وقوله ﵇: (أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائهم) وقوله لمعاذ: (فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم)، وفي إيجاب الأخذ دليل على إيجاب الدفع، ولأنه مال ظاهر يصرف إلى أقوام بأوصاف، فوجب أن يتولى الإمام تفريقه كالخمس.
[٦١٠] مسألة: إذا وجد المستحق للزكاة في البلد الذي هو فيه المال، لم يجز نقلها إلى بلد آخر، فإن فعل أساء، والنظر على أصول مالك يقتضي أن يجوز. وقال الشافعي لا يجوز وعليه الإعادة. ودليلنا قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، ولأنها صدقة صرفها إلى جنس المستحقين للزكاة، فوجب أن يسقط عنه الفرض، أصله إذا فرقها في فقراء البلدة.
стр. 315
[٦١١] مسألة: إذا اجتهد فدفع الصدقة إلى من ظاهره الفقر، ثم بان له أنه غني، فالصحيح أن عليه الإعادة. خلافاً لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾، ففرضها لهم، فلم تسقط بالدفع إلى غيرهم؛ ولأنه دفعها إلى من ليس بمحل لأخذها، كما لو دفعها إلى من كان ظاهره الإسلام، فبان أنه كافر؛ ولأنه حق لآدمي يضمن بالعمد، فجاز أن يضمن بالخطأ، أصله الوديعة إذا دفعها إلى غير مستحقها.
[٦١٢] مسألة: القوي بالاكتساب يجوز له أخذ الزكاة إذا كان فقيراً، هكذا قال شيوخنا وقال الشافعي: لا يجوز له، فدليلنا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، وهذا ما لم يكتسب فقير؛ ولأن ما جُوِّز للمكلف حال فقره، لم تَحرُم عليه لأجل قوته عليه في ثاني حال كالصوم في الكفارة، لما جوز ذلك له لعدم ماله، لم يعتبر في منعه كونه قويا قادراً على أن يكتسب ما يتوصل به إلى العتق.
[٦١٣] مسألة: ليس في قدر الغنى الذي يحرم به أخذ الصدقة حد، إلا أن مالكاً قال: يعطى من له مسكن ودابة؛ لأنه لاغنى عنهما، ويعطى من له أربعون درهما، وقال أبو حنيفة: الغنى وجود نصاب الزكاة أو قيمته، وقال الثوري وأحمد: خمسون درهما، وقال الشافعي: هو ما تحصل به الكفاية مع الدوام فيدل على أن معه نصاب، لا يجوز له أخذ الصدقة. ودليلنا قوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم فأردها في فقرائهم)، فأخبر أن من يؤخذ منه غير من يدفع إليه، وهذا يؤخذ منه الصدقة، فلم يجز دفعها إليه؛ ولأن الغنى حاصل في الحال منه، فلا تعتبر
стр. 316
الحاجة في ثاني حال، كما لو كان معه قدر كفايته.
[٦١٤] مسألة: نص مالك على أن المرأة لا تعطي زوجها زكاتها، وقال أصحابنا: هو على الكراهة دون التحريم، وقال أبو حنيفة لا يجوز. فدليلنا قوله ﵇: لامرأة ابن مسعود: (تصدقي عليه وعلى بنيه، فإنهما له موضع)؛ ولأنه كل من لا تجب نفقته بحال، جاز أن تدفع إليه الزكاة، كابن العم والأجنبي
[٦١٥] مسألة: الفقير: الذي له بلغة لا تكفيه، والمسكين: الذي لا شيء له أصلاً، وقال الشافعي بالعكس من هذا. ودليلنا أن اسم المسكين في اللغة يتضمن الفقر وزيادة، وهو الإعدام جملة، الذي قد أورثه الاستكانة وهو الخضوع والذلة، وقال يونس، قيل لأعرابى: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين، وقال الفراء، وثعلب، وابن قتيبة مثل قولنا وأنشد ابن الأعرابى:
أما الفقير الذي كانت حلوبته .... وفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيراً وله شيء.
[٦١٦] مسألة: تفسير قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، أن يبتاع الإمام من مال الصدقة رقابا يعتقهم عن المسلمين، ولا يعطى المكاتبون،، وقد قال
стр. 317
مالك: إذا أعطي مكاتب ما يتم به عتقه جاز، وقال أبو حنيفة، والشافعي، لا يشتري عبدا فيعتق أبدا. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، وذلك جمع رقبة، وكل موضع ذكر الرقبة فالمراد عتقها كاملة، فلو أراد المكاتبين لكتبهم باسمهم الأخص؛ ولأن المكاتب بعض رقبة؛ ولأن ذلك يقتضي أن يكون مصروفة بجميع وجوهها إلى الصدقة، وإذا أعطي المكاتب فالولاء لسيده؛ ولأنه لو أراد المكاتبين لا كتفي بذكر الغارمين لأنهم منهم.
[٦١٧] مسألة: معنى وفي سبيل الله الجهاد والغزو، خلافاً لأحمد وإسحاق في قولهما: إن المراد به الحج؛ لأن سبيل الله إذا أطلق لم يفهم منه إلا الجهاد، وكل موضع أطلق، كذلك هاهنا.
[٦١٨] مسألة: يجوز للغازي أن يأخذ وإن كان غنياً. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ فأطلق، وقوله: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) فذكر (الغازي)؛ ولأنه صنف من أهل الصدقات لحاجته إليه، فجاز الدفع إليهم مع الغنى كالعاملين.
[٦١٩] مسألة: ابن السبيل الغريب المنقطع به، والمجتاز المقيم في الغربة، دون من ينشئ السفر من بلده. خلافاً للشافعي لا يفهم إلا الحاصل في الغربة دون من نشأ السفر من بلده، لأن إطلاق ابن السبيل لا يفهم منه إلا الحاصل في الغربة دون من هو في وطنه ولو بلغت الحاجة منه كل مبلغ، فوجب حمله على المتعارف.
стр. 318
كتاب الصيام
[النية]
[٦٢٠] مسألة: لا يصح الصيام إلا بنية. خلافاً لزفر في قوله: إن صوم رمضان يصح بغير نية، لقوله ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)؛ ولأنه صوم شرعي، فأشبه ما عدا رمضان؛ ولأنه نوع من الصيام كالنذر والنفل.
[٦٢١] مسألة: ولا يجزئ صوم إلا بنية قبل الفجر أو معه. خلافاً لأبي حنيفة، في تجويزه النية لرمضان، وكل صوم معين بعد الفجر، والشافعي، في تجويزه النية للنفل بعد الفجر. ودليلنا على أبي حنيفة، قوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من
стр. 319
الليل). وقوله: (من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صوم له)، وقوله: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى)، وبعض هذا اليوم قد مضى عاريا من النية؛ فلا يجزئ، ولأنها نية ابتدئت بعد مضي جزء من النهار كبعد الزوال، ولأنه صوم شرعي كالنذر والقضاء؛ ولأن النية شرط في الصوم الشرعي، فيجب أن لا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عاريا منها، أصله الإمساك، ولأنها عبادة من شرطها النية، فلم تصح بنية بعد الدخول فيها كالصلاة والحج؛ ولأنها عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يستوي فيها وقت النية في الأداء والقضاء كالصلاة.
[٦٢٢] (فصل): وما بيناه دلالة على الشافعي؛ ولأنه صوم شرعي كالفرض؛ ولأنها عبادة من شرط صحتها النية فوجب أن يستوي نفلها وفرضها في وقت النية كالصلاة والحج؛ ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها، فوجب أن لا تتأخر النية عن وقت فعلها كالصلاة؛ ولأنها نية بعد الفجر كالنية بعد الزوال؛ ولأن النهار لو كان زمانا لنية النفل لصحت فيه نية الفرض كالليل؛ ولأنه كان يجب أن يستوي جميعه في الجواز كالليل؛ ولأنه شرط في الصوم الشرعي فيجب أن يختص بأحد نوعي الزمان كالإمساك.
[٦٢٣] مسألة: وإذا نوى لجميع الشهر من أول ليله أجزأه. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. لقوله ﷺ : (وإنما لامرئ ما نوى)، فعم، ولأن النية وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم من غير أن يتخلل النية، وللصيام المنوي زمان يصلح جنسه لصوم سواه، فجاز ذلك،
стр. 320
أصله إذا نوى لليوم الأول من ليلته وإذا نوى لكل يوم من ليلته.
[٦٢٤] مسألة: تعيين النية واجب في صوم رمضان. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﵇: (وإنما لامرئ ما نوى) وذلك موضوع لاستبقاء الحكم فيدل على أنه ليس له ما لم ينوه، ومن نوى رمضان أنه تطوع ولم ينو أداء فرضه فلم يكن له عن فرضه، ولأنه صوم واجب، فلم يجز بنية النفل كالقضاء والنذر، ولأنها عبادة يفتقر قضاؤها إلى تعيين النية، فكذلك أداؤها كالصلاة.
[اعتماد قول المنجمين لثبوت الشهر]
[٦٢٥] مسألة: ولا يعتبر بقول المنجمين في دخول وقت الصوم، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، لقوله ﷺ : (من صدق كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد)، وأقل ما في هذا التغليظ منع الرجوع إلى قولهم في الشرع، وقوله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة)، فوجب أن لا يعتبر إلا بما ذكرناه.
[صيام يوم الشك]
[٦٢٦] مسألة: يجوز أن يصام يوم الشك تطوعا، وقال محمد بن
следующие страницы →