Полный текст (912 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الحاجة في ثاني حال، كما لو كان معه قدر كفايته.
[٦١٤] مسألة: نص مالك على أن المرأة لا تعطي زوجها زكاتها، وقال أصحابنا: هو على الكراهة دون التحريم، وقال أبو حنيفة لا يجوز. فدليلنا قوله ﵇: لامرأة ابن مسعود: (تصدقي عليه وعلى بنيه، فإنهما له موضع)؛ ولأنه كل من لا تجب نفقته بحال، جاز أن تدفع إليه الزكاة، كابن العم والأجنبي
[٦١٥] مسألة: الفقير: الذي له بلغة لا تكفيه، والمسكين: الذي لا شيء له أصلاً، وقال الشافعي بالعكس من هذا. ودليلنا أن اسم المسكين في اللغة يتضمن الفقر وزيادة، وهو الإعدام جملة، الذي قد أورثه الاستكانة وهو الخضوع والذلة، وقال يونس، قيل لأعرابى: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين، وقال الفراء، وثعلب، وابن قتيبة مثل قولنا وأنشد ابن الأعرابى:
أما الفقير الذي كانت حلوبته .... وفق العيال فلم يترك له سبد
فسماه فقيراً وله شيء.
[٦١٦] مسألة: تفسير قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، أن يبتاع الإمام من مال الصدقة رقابا يعتقهم عن المسلمين، ولا يعطى المكاتبون،، وقد قال
стр. 317
مالك: إذا أعطي مكاتب ما يتم به عتقه جاز، وقال أبو حنيفة، والشافعي، لا يشتري عبدا فيعتق أبدا. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾، وذلك جمع رقبة، وكل موضع ذكر الرقبة فالمراد عتقها كاملة، فلو أراد المكاتبين لكتبهم باسمهم الأخص؛ ولأن المكاتب بعض رقبة؛ ولأن ذلك يقتضي أن يكون مصروفة بجميع وجوهها إلى الصدقة، وإذا أعطي المكاتب فالولاء لسيده؛ ولأنه لو أراد المكاتبين لا كتفي بذكر الغارمين لأنهم منهم.
[٦١٧] مسألة: معنى وفي سبيل الله الجهاد والغزو، خلافاً لأحمد وإسحاق في قولهما: إن المراد به الحج؛ لأن سبيل الله إذا أطلق لم يفهم منه إلا الجهاد، وكل موضع أطلق، كذلك هاهنا.
[٦١٨] مسألة: يجوز للغازي أن يأخذ وإن كان غنياً. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله: ﴿وفي سبيل الله﴾ فأطلق، وقوله: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) فذكر (الغازي)؛ ولأنه صنف من أهل الصدقات لحاجته إليه، فجاز الدفع إليهم مع الغنى كالعاملين.
[٦١٩] مسألة: ابن السبيل الغريب المنقطع به، والمجتاز المقيم في الغربة، دون من ينشئ السفر من بلده. خلافاً للشافعي لا يفهم إلا الحاصل في الغربة دون من نشأ السفر من بلده، لأن إطلاق ابن السبيل لا يفهم منه إلا الحاصل في الغربة دون من هو في وطنه ولو بلغت الحاجة منه كل مبلغ، فوجب حمله على المتعارف.
стр. 318
كتاب الصيام
[النية]
[٦٢٠] مسألة: لا يصح الصيام إلا بنية. خلافاً لزفر في قوله: إن صوم رمضان يصح بغير نية، لقوله ﵇: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)؛ ولأنه صوم شرعي، فأشبه ما عدا رمضان؛ ولأنه نوع من الصيام كالنذر والنفل.
[٦٢١] مسألة: ولا يجزئ صوم إلا بنية قبل الفجر أو معه. خلافاً لأبي حنيفة، في تجويزه النية لرمضان، وكل صوم معين بعد الفجر، والشافعي، في تجويزه النية للنفل بعد الفجر. ودليلنا على أبي حنيفة، قوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من
стр. 319
الليل). وقوله: (من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صوم له)، وقوله: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى)، وبعض هذا اليوم قد مضى عاريا من النية؛ فلا يجزئ، ولأنها نية ابتدئت بعد مضي جزء من النهار كبعد الزوال، ولأنه صوم شرعي كالنذر والقضاء؛ ولأن النية شرط في الصوم الشرعي، فيجب أن لا يجزئ الصوم متى مضى بعض اليوم عاريا منها، أصله الإمساك، ولأنها عبادة من شرطها النية، فلم تصح بنية بعد الدخول فيها كالصلاة والحج؛ ولأنها عبادة تؤدى وتقضى، فوجب أن يستوي فيها وقت النية في الأداء والقضاء كالصلاة.
[٦٢٢] (فصل): وما بيناه دلالة على الشافعي؛ ولأنه صوم شرعي كالفرض؛ ولأنها عبادة من شرط صحتها النية فوجب أن يستوي نفلها وفرضها في وقت النية كالصلاة والحج؛ ولأنها عبادة يفسد أولها بفساد آخرها، فوجب أن لا تتأخر النية عن وقت فعلها كالصلاة؛ ولأنها نية بعد الفجر كالنية بعد الزوال؛ ولأن النهار لو كان زمانا لنية النفل لصحت فيه نية الفرض كالليل؛ ولأنه كان يجب أن يستوي جميعه في الجواز كالليل؛ ولأنه شرط في الصوم الشرعي فيجب أن يختص بأحد نوعي الزمان كالإمساك.
[٦٢٣] مسألة: وإذا نوى لجميع الشهر من أول ليله أجزأه. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. لقوله ﷺ : (وإنما لامرئ ما نوى)، فعم، ولأن النية وقعت لهذا الصوم في زمان يصلح جنسه لنية الصوم من غير أن يتخلل النية، وللصيام المنوي زمان يصلح جنسه لصوم سواه، فجاز ذلك،
стр. 320
أصله إذا نوى لليوم الأول من ليلته وإذا نوى لكل يوم من ليلته.
[٦٢٤] مسألة: تعيين النية واجب في صوم رمضان. خلافاً لأبي حنيفة، لقوله ﵇: (وإنما لامرئ ما نوى) وذلك موضوع لاستبقاء الحكم فيدل على أنه ليس له ما لم ينوه، ومن نوى رمضان أنه تطوع ولم ينو أداء فرضه فلم يكن له عن فرضه، ولأنه صوم واجب، فلم يجز بنية النفل كالقضاء والنذر، ولأنها عبادة يفتقر قضاؤها إلى تعيين النية، فكذلك أداؤها كالصلاة.
[اعتماد قول المنجمين لثبوت الشهر]
[٦٢٥] مسألة: ولا يعتبر بقول المنجمين في دخول وقت الصوم، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، لقوله ﷺ : (من صدق كاهنا أو منجما فقد كفر بما أنزل على محمد)، وأقل ما في هذا التغليظ منع الرجوع إلى قولهم في الشرع، وقوله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة)، فوجب أن لا يعتبر إلا بما ذكرناه.
[صيام يوم الشك]
[٦٢٦] مسألة: يجوز أن يصام يوم الشك تطوعا، وقال محمد بن
стр. 321
مسلمة والشافعي يكره تعمد ذلك. ودليلنا قوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيرا فهو خير له﴾، واعتباراً به إذا كان شأنه سرد الصيام؛ لأن كل وقت صلح للنفل المعتاد، صلح للنفل المبتدأ كسائر الأيام.
[٦٢٧] مسألة: لا يجوز أن يصومه بنية الفرض على أنه إن كان من الشهر، وإلا كان تطوعاً، وإذا فعل ذلك، ثم ثبت أنه من رمضان أعاد. خلافاً لأبي حنيفة وغيره؛ لأن نية الفرض من شرطها أن تقع محققة لا مشكوكا فيها، ولا في أصل وجوبها من غير ضرورة، كما لو صلى شاكاً في زوال الشمس، ولأن كل نية لفرض تعلق بوقت إذا أتى بالعمل مع الشك في دخول وقته، فإن وقوع النية بدخول وقته لا تجزئ متى صادفت دخوله، أصله الصلاة.
[٦٢٨] مسألة: ذهب بعضهم إلى أنه لا يصح صوم يوم الشك على كل وجه وهذا غلط؛ لأنه يوم محكوم له بأنه من شعبان كما قبله، واعتباراً به إذا كانت السماء مصحية.
[أحكام في رؤية الهلال]
[٦٢٩] مسألة: إذا رئي الهلال في يوم الشك فهو لليلة المقبلة، سواء رئي قبل الزوال أو بعده، وقال أبويوسف إن كان قبل الزوال فهو لليلة الماضية ورأيت نحوه لابن حبيب. ودليلنا قول عمر ابن الخطاب ﵁: (إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تصوموا ولا تفطروا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس) واعتبار به إذا رئي بعد الزوال.
стр. 322
[٦٣٠] مسألة: ولا يقبل شهادة واحد على هلال رمضان. خلافاً للشافعي لقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا)، ولأنها شهادة على رؤية هلال أصله هلال شوال، ولأن شهادة الواحد غير مقبولة بانفرادها اعتبارا بسائر الأصول. ولأن ذلك يؤدي إلى أن يفطر بشهادة واحد، ونفرض الكلام في أن طريقه الشهادة دون الإخبار، خلافاً للشافعي لقوله ﵇: (فإن شهد ذوا عدل فصوموا) فثبت أنها شهادة؛ ولأنه حكم شرعي متعلق برؤية الهلال، فوجب أن يكون حكم الأخبار به، حكم الشهادات، أصله هلال شوال وذي الحجة.
[٦٣١] (فصل): وسواء كانت السماء مصحية أو مغيمة. خلافاً لأبي حنيفة، في تفريقه بين الموضعين، وقوله: إنها إن كانت مغيمة قبل فيها قول الواحد، وإن كانت مصحية صحيحة لم يقبل إلا الاستفاضة دون الاثنين والثلاثة، فدليلنا الخبر، وهو عام؛ ولأنها شهادة على رؤية الهلال، فلم يحتج إلى الاستفاضة، كما لو غم الهلال.
[٦٣٢] مسألة: لا يقبل في آخره إلا الاثنان. خلافاً لأبي ثور لعموم الخبر؛ ولأنها شهادة على حكم يثبت في البدن، فلم يقبل فيه الواحد كسائر الأحكام.
[٦٣٣] مسألة: إذا رأى الهلال وحده لزمه الصوم. خلافاً لبعض التابعين في قولهم: إنه لا يلزمه إلا بحكم الإمام لقوله : ﴿فمن
стр. 323
شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وقوله ﷺ : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذا قد رآه، ولأنه لما لزمه الصوم بشهادة غيره وهي مظنونة له، كان بأن يلزم برؤيته المتحققة أولى.
[٦٣٤] مسألة: وإذا رآه وحده ثم تعمد الفطر فعليه القضاء والكفارة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا كفارة عليه، لحديث الأعرابي الذي جاء وهو ينتف شعره، ويلطم وجهه، فقال ﷺ : (ما شأنك؟) قال: وقعت على أهلي في رمضان فقال: (أعتق رقبة)، ولم يسأله أي يوم رأى هلال الشهر وحده أو فيما بعده؛ ولأنه يوم لزمه صومه على أنه من رمضان، فإذا تعمد الفطر فيه هاتكاً لحرمته لزمته الكفارة، كاليوم الثاني والثالث ولأن رؤيته معنى أوجب عليه صوم اليوم على أنه من رمضان، فكانت الكفارة متعلقة بالفطر فيه كشهادة الشهود؛ ولأن كل حكم لزمه في اليوم الذي يحكم الإمام بكونه من رمضان، فإنه يلزمه إذا انفرد برؤيته، أصله وجوب صومه والقضاء بالفطر فيه؛ ولأن الكفارة من أحكام الصوم وتابع له، فوجدنا الوجوب على صفة متساوية برؤية الهلال بنفسه وبحكم الحاكم به، فوجب أن يكون حكم الهتك متساويا، ولأن الفطر بالإثم يصحب الكفارة ولا ينفرد عنها، وقد ثبت أنه يأثم بهذا الفطر، فوجب أن تلزمه الكفارة؛ ولأن الفطر متعلق به شيئان: القضاء، والكفارة، ثم لا يخلو أن يكون على وجه العذر أو الهتك، ومع العذر لا كفارة، ومع الإثم الكفارة، فكان الإثم في باب ارتباطه بالكفارة،
стр. 324
كالعذر في باب منافاته لها، فلو كان العذر منتفياً في هذا الموضع تعلق به الإثم فوجب أن يتعلق به الكفارة، ولأنه قد تيقن كون هذا اليوم من أي شهر هو، فوجب أن يكون ما يلزمه من حكمه معتبراً به في نفسه، دون حكم الحاكم به، أصله إذا رأى هلال شوال وحده فأفطره؛ لأن ما يتعلق بالشهر أو بالزمان المؤقت من الأحكام لا يفتقر إلى حكم حاكم فيما يختص الإنسان في نفسه، اعتباراً بمواقيت الصلاة والحج؛ ولأن رؤيته متيقنة وحكم الحاكم ظاهر عليه الظن، فإذا تعلق بذلك الكفارة فاليقين أولى.
[الصائم يصبح جنباً]
[٦٣٥] مسألة: إذا أصبح جنباً لم يمنعه صوم ذلك اليوم إذا كان قد نواه من الليل، خلافاً لما يحكى عن أبي هريرة، والحسن بن صالح، لقوله : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، ومعلوم أنه إذا كان يجامع فنزعه، ثم طلع الفجر عقيبه، فإنه لا يمكنه أن يغتسل إلا بعد طلوعه، وروي أنه ﷺ كان يصبح جنباً من جماع ثم يصوم ذلك اليوم)، وقال للذي سأله أنه يصبح جنبا، ويريد الصوم، فقال: (وأنا أصبح جنبا وأريد الصيام، فأغتسل وأصوم)؛
стр. 325
ولأن حدثه إذا انقطع لم يبق أكثر من وجوب الطهارة، وذلك لا يمنع الصوم كالمحدث.
[المرأة إذا طهرت ليلاً ولم تغتسل]
[٦٣٦] مسألة: الحائض إذا رأت الطهر ليلاً، فنوت الصوم، ولم تغتسل حتى طلع الفجر، جاز لها صوم ذلك اليوم، سواء أخرته بتفريط، أو بغير تفريط، وقال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة: إن أخرته بتفريط لم يجزها، وحكي عن قوم. أنه لا يجزيها الصوم على كل وجه، فدليلنا أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها سوى فعل التطهير، فوجب أن يصح صومها كالجنب والمحدث.
[الخطأ في غروب الشمس]
[٦٣٧] مسألة: إذا أكل مجتهداً، ثم بان له أن الشمس لم تغرب، أو الفجر قد طلع فصومه فاسد وعليه القضاء في الفرض، خلافاً لداود في قوله: إن صومه صحيح، ولا قضاء عليه، لقوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، وهذا لم يتمه، ولأنه خَرَم الإمساك بما لو تعمده لأفسد صومه، فوجب أن يفسد مع الخطأ كالمريض؛ ولأنه حصل منه الأكل بعد الفجر في رمضان كالعامد؛ ولأنه لو اجتهد فصلى المغرب فبان له أن الشمس لم تغرب لزمته الإعادة، كذلك في مسألتنا، بعلة أنها عبادة على البدن مؤقتة بزمان يصل إليه يقيناً.
[٦٣٨] مسألة: إذا طلع الفجر وهو يولج لم ينعقد صيامه، خلافاً
стр. 326
لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حصل واطئا في جزء من النهار فأشبه إذا استدام.
[٦٣٩] مسألة: وإن نزع لوقته، فلا كفارة عليه، وإن استدام قال أصحابنا عليه الكفارة، وتخرَّج ذلك عندي على قول ابن القاسم: متى أكل ناسياً، ثم أكل بعده عامدا؛ لأنه إن كان متأولاً فلا كفارة عليه، وإن كان على وجه الجرأة وقصد الهتك فعليه الكفارة، والنظر أن لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة بالفعل الذي حصل به الفطر وذلك بالجزء المصادف للإيلاج دون الاستدامة.
[التقيؤ عمداً]
[٦٤٠] مسألة: اختلف أصحابنا في وجوب القضاء على المستقي عامداً، فمنهم من يقول: إنه واجب وهو قول ابن بكير، ومنهم من يقول استحبابا وهو قول أبي يعقوب الرازي، فوجه الوجوب قوله ﵇: (من استقاء فعليه القضاء)، وقوله: (من استقاء فليعد صومه)، ولأن الاستدعاء يخرج معه القيء بكلفة وشدة، فيعود إلى الحلق بعض ما يخرج بضعف الطبيعة دون دفعه، هذا هو الغالب، فوجب بناء الأمر على غالبه، ووجه نفي الوجوب قوله ﵇: (ثلاث لا يُفَطِّرُون الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة)؛ ولأنه لو كان يفطر لاستوى عمده وغلبته
стр. 327
كالأكل والشرب، ولأن مدخل الطعام والشراب إنما يفطر بما دخل فيهما لاما خرج منهما كالجشأ؛ ولأنه إحدى حالتي خروجه كالذرع؛ ولأنه خارج من البدن لا غسل فيه كالدموع والفصاد.
[الوطء في رمضان]
[٦٤١] مسألة: وإذا وطئ في رمضان عامدا فعليه القضاء والكفارة وحكي عن قوم من التابعين أنه لا كفارة عليه وأن الخبر خاص بمن ورد فيه. ودليلنا حديث الأعرابي لما قال وقعت على أهلي في رمضان فقال ﷺ (أعتق رقبة)، وقد قال: (حكمي على الواحد كحكمي على الجماعة)، وقوله: (من أفطر يوماً في رمضان فعليه ما على المظاهر).
[٦٤٢] مسألة: ومن وطئ ناسيا فلا كفارة عليه، وقال عبد الملك عليه الكفارة، وهو قول أحمد ابن حنبل. فدليلنا قوله ﵇: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)، ولأنه أفطر ناسيا كالأكل، ولأن الكفارة الكبرى في الفطر تتبع الإثم، بدليل انتفائها مع عدمه.
[٦٤٣] مسألة: وإذا طاوعته بالجماع فعليها الكفارة، ولا يتحملها الواطئ. خلافاً للشافعي في قوله: إنه لا كفارة عليها بوجه، وإن عليها كفارة بتحملها الواطئ،
стр. 328
فدليلنا: أن عليها الكفارة ما روي أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة). وروي قال ﷺ : (من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر) فعم، ولأنه شخص حصل مفطرا بجماع في نهار رمضان على وجه الهتك، فوجب أن تلزمه الكفارة كالرجل؛ ولأنه نوع يقع به الفطر، فإذا وجد على جهة الهتك، فمن لزمه القضاء لزمه الكفارة كوطء الرجل؛ ولأنه سبب موجب للكفارة، فوجب أن يشتركا فيما يلزم به إذا اشتركا فيه كالقتل، ولأن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء لحق المحكوم بها في حق الواطئ محكوم بها في حق الموطوءة، من وجوب الغسل، والفطر والحد والإحصان والقضاء، فكذلك وجوب الكفارة.
[وجوب الكفارة والقضاء على متعمد الفطر]
[٦٤٤] مسألة: تجب الكفارة بكل فطر على وجه الهتك، من أكل وشرب، وغير ذلك سوى الردة. خلافاً للشافعي في قوله: لا كفارة إلا في الجماع، لما روي أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، وروي أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : إنه أفطر يوماً في رمضان، فقال له: (أعتق رقبة)، وهذا نقل للحكم بسببه، ولأنه لو كان الحكم يختلف لا ستفصل وسأل عما أفطر به، وقوله: (من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر)؛ ولأنه أفطر نهار رمضان على وجه الهتك لحرمة الصوم، فوجب أن تلزمه الكفارة كالجماع؛ وإن شئت قلت: مع اعتقاد وجوبه احترازا من الردة، وإن كان غير محتاج إليه؛ لأن في العلة احترازاً منه بغير هذا الوجه؛ ولأنه نوع يقع به الفطر تارة بعذر وتارة بغير عذر فوجب إذا وقع مع العدم أن تجب الكفارة كالجماع؛ ولأن الاعتبار في وجوب الكفارة
стр. 329
في الصوم بحال المفطر لا بما يقع به الفطر اعتبار بالأصول كلها.
[٦٤٥] مسألة: على متعمد الفطر في رمضان القضاء مع الكفارة. خلافاً لأحد قولي الشافعي فيما حكاه الإسفرايينى لقوله ﷺ : (خذ هذا فتصدق به) قال: ما أجد أحداً أحوج إليه مني فضحك ﷺ وقال: (كله وصم يوما). وروي أنه قال للواطئ في رمضان (اقض يوماً مكانه) ولأن القضاء آكد من الكفارة بدليل وجوبه على المتعمد الذي لا تجب عليه كفارة فكان بأن تجب في الموضع الذي تجب فيه الكفارة أولى. ولأنها عبادة تجب بإفسادها الكفارة فلم يدخل القضاء في كفارتها كالحج.
[٦٤٦] مسألة: وكفارة الفطر في رمضان على التخيير دون الترتيب. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. لما روي أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً)، ولفظ "أو" للتخيير، ولأنها كفارة لم تجب عن إتلاف ولا عذر، فدخلها التخيير، أصله كفارة اليمين.
[٦٤٧] مسألة: التتابع في صوم الشهرين واجب. خلافاً لما يحكى
стр. 330
عن ابن أبي ليلى، للخبر الذي رويناه. ولأنه صوم شهرين في كفارة كالظهار.
[٦٤٨] مسألة: إذا أفطر في يومين فعليه كفارتان، كفر عن الأول أولم يكفر. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن من وطئ في الثاني قبل أن يكفر عن الأول فلا كفارة عليه للثاني. لأنهما يومان لو أفسد صوم كل واحد منهما على الانفراد وجبت به الكفارة، فإذا جمع بينهما في الإفساد وجب أن تجب به كفارتان، أصله إذا أفسد صوم يومين من رمضان ولأنه أفسد صوم يومين من رمضان هاتكاً، فوجب أن يلزمه للثاني إخراج كفارة زائدة على كفارة الأول أصله إذا كان قد كفر عن الأول. ولأنهما عبادتان لا يلحق إحداهما فساد الأخرى كالحجتين والعمرتين.
[الفطر نسياناً]
[٦٤٩] مسألة: إذا أكل أو جامع ناسيا أفسد صومه وعليه القضاء في الفرض. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لقوله : ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ إلى قوله: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. وهذا لم يتمه وقد خرم الإمساك فأشبه العامد، ولأن كل فعل لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمداً على وجه، فلا يصح مع سهوه، أصله ترك النية. ودليلنا على وجوب القضاء أنه مكلف حصل منه أكل في رمضان كالعامد. ولأنه أكل في صوم مفترض لا يسقط بالمرض كالمريض، ولأن
стр. 331
القضاء إذا وجب على المريض مع كونه أعذر من الناسي كان بأن يجب على الناسي أولى.
[الفطر بسبب الإكراه]
[٦٥٠] مسألة: إذا أكره على الإفطار بأن أوجر الماء في حلقه، أو بأن هدد بالقتل والضرب فأكل بنفسه فقد أفطر في الموضعين، وكذلك إذا جومعت مكرهة أو نائمة. وقال الشافعي في كل ذلك: لا يفطر إلا الذي أكل بنفسه فله فيه قولان. فدليلنا أن خرم الإمساك قد حصل، فأشبه إذا كان بفعله وقصده.
[الإنزال بسبب النظر]
[٦٥١] مسألة: إذا نظر فأنزل فعليه القضاء ولا كفارة عليه، فإن استدام النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة. خلافاً للشافعي في قوله في الموضعين: إنه لا يفطر، لأنه أنزل في الموضعين ملتذّاً به كاللمس. ولأنه نوع من الاستمتاع يكون بالنظر كما يكون بالمباشرة.
[الفطر قبل حصول العذر]
[٦٥٢] مسألة: إذا أفطر قبل حصول العذر المبيح للفطر متأولاً أنه سيطرأ العذر كان عليه الكفارة، وطريان العذر لا يسقطها، وذلك كالمرأة تفطر انتظارا لحيضها ثم تحيض في ذلك اليوم أو الرجل يفطر ابتداء ليمرض ثم يمرض، أو عازما على السفر ثم يسافر، وقال أبو حنيفة في ذلك كله: لا كفارة عليه إلا في السفر بعد الإفطار، فإنه قال: لا تسقط عليه الكفارة، وعكس عبد الملك بن الماجشون هذا فقال: في الحيض والمرض عليه الكفارة وفي العزم على السفر إن سافر فلا كفارة، وإن لم يسافر فعليه الكفارة. وللشافعي قولان أحدهما: أن عليه الكفارة، والآخر: أنه لا كفارة عليه. فدليلنا حديث الأعرابي لما قال له: (ما شأنك؟) قال: وقعت على
стр. 332
أهلي في رمضان قال: (أعتق رقبة). فأطلق ولم يستفصل. ولأنه هتك حرمة صوم رمضان بالإفطار فيه، فوجب أن تلزمه الكفارة، أصله لو لم يحدث مرض ولا حيض، ولا يقال حرمة يوم من رمضان؛ لأنهم لا يسلمونه، ولأن ما يطرأ من العذر بعد الفطر الموجب للكفارة لا تأثير له في سقوطها، أصله مع أبي حنيفة السفر، وقلنا من العذر احترازا من الردة.
[تعمد الفطر في غير رمضان]
[٦٥٣] مسألة: لا كفارة على المفطر في غير رمضان. خلافاً لما يحكى عن قتادة أن عليه الكفارة إذا أفطر في قضائه، لأن الكفارة إنما وجبت في رمضان لهتك حرمة زمانه، وذلك معنى يختص به لا يوجد في غيره من الأزمنة واعتباراً بالتطوع.
[سبق الماء إلى الحلق في المضمضة والاستنشاق]
[٦٥٤] مسألة: إذا سبق الماء إلى حلقه في مضمضة أو استنشاق، أفطر ولزمه القضاء في الفرض سواء كان في مبالغة أو غير مبالغة. وقال الشافعي في المبالغة: قد أفسد صومه إن لم يكن ساهيا، وفي غير المبالغة له قولان. فدليلنا قوله ﷺ : (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، وقد علم أنه إنما منع ذلك في الصوم احتياطاً وتحرزاً من سبق الماء إلى الحلق، فدل ذلك على أنه متى حصل وقع به الفطر، واعتباراً به إذا كان عن مبالغة.
стр. 333
[ما يحصل به الإفطار]
[٦٥٥] مسألة: الإفطار يحصل بكل ما يصل إلى الحلق، مما يقع به التغذي ومما لا يقع به، كالدرهم والحصاة، ومن أصحابنا من يقول: لا يحصل الفطر إلا بما يَنْماعُ ويغذي وهو قول قوم من المتقدمين. ودليلنا قوله : ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، والصوم الإمساك، ولأنه حصل منه بلع شيئًا وصل إلى حلقه يمكن الاحتراز منه، فكان مفطراً به، أصله إذا كان مما يتأتىَّ أكله. ولأنه لما لم يعتبر بالعادة في صفة الأكل والتناول، مثل أن يبتلع الخبز الرطب أو اليابس ابتلاعا من غير مضغ فيقع الفطر به، فكذلك يجب أن لا يراعى نوع المتناول أن يكون معتادا الغذاء به، أو غير معتاد لذلك.
[٦٥٦] مسألة: ما وصل إلى الحلق من سائر المنافذ كالعين والأذن فإنه يفطر. خلافاً لمن قال: لا يفطر؛ لأنه وصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه حال الصوم، فوجب أن يفطر به أصله إذا دخل من مدخل الطعام والشراب.
[٦٥٧] مسألة: إذا استعط بدهن أو غيره ووصل إلى دماغه فلا يفطر إلا أن ينزل إلى
حلقه. خلافاً للشافعي في قوله وإن لم ينزل إلى حلقه. لأنه ما لم يصل إلى الحلق لا يوجب الفطر أصله إذا لم يبلغ إلى الدماغ.
[٦٥٨] مسألة: مداواة الجراح في الجوف بدواء أو غيره، وما يقطر في الذكر والدبر واستدخال السيور وغير ذلك كل ذلك لا يفطر. فدليلنا أن داخل الذكر ليس بمنفذ إلى الجوف، فحصول الشيء فيه لا يوجب الإفطار كداخل الفم والأنف، ولأن داخل الدبر موضع حصول اللبن فيه لا يوجب الرضاع، فلم يوجب الفطر كداخل الفم.
стр. 334
[حكم الحامل والمرضع والشيخ الهرم]
[٦٥٩] مسألة: الحامل إذا خافت على حملها فلها أن تفطر ولا إطعام عليها، وقال عبد الملك: تطعم وهو قول الشافعي. ودليلنا قوله ﷺ : (إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع). وذلك ينفي وجوب شيء لسبب تتركه، ولأنها مفطرة بعذر كالحائض، ولأن التكفير بالفطر إنما يجب على وجه الهتك، فإذا لم يكن هتك لم يجب، اعتباراً بالحامل والمريض.
[٦٦٠] مسألة: وفي المرضع روايتان. فوجه الوجوب أن العذر ليس بموجود بها، وإنما هو لأجل غيرها، فضعف أمرها عن الحامل والمريض. ووجه النفي ما ذكرناه في الحامل.
[٦٦١] مسألة: لا إطعام على الشيخ الهرم.، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه مفطر بعذر، فلم يلزمه إطعام كالمريض والمكره، ولأنه مفطر لا يلزمه القضاء، فلم يلزمه إطعام كالطفل، ولأن القضاء إذا لم يكن لاتصال العذر فلا يجب بفواته إطعام، كالمريض والمسافر إذا اتصل به المرض إلى أن مات، ولأن الإطعام في الأصول يجب في الصيام لتأخر الصوم أو القضاء، فأما لسقوطه جملة فليس في الأصول كالطفل.
[حكم القبلة]
[٦٦٢] مسألة: القبلة للذة تكره للصائم. خلافاً لمن قال: لا تكره. وللشافعي في تفريقه بين من تحرك القبلة شهوته ومن لا تحركها؛ لأن القبلة
стр. 335
والمباشرة من دواعي الوطء، فلا بد من أن تثير الشهوة، فتدعو إلى الازدياد والإكثار ويَجُرُّ ذلك إلى فساد الصوم، ولأنها عبادة حرم فيها الوطء، فجاز أن يتعلق المنع بالقبلة كالحج.
[حكم المغمى عليه]
[٦٦٣] مسألة: إذا أغمي عليه قبل الفجر وكان قد نوى الصوم ثم دام به إلى أن طلع الفجر، فإن صيامه لا ينعقد على وجه، سواء أفاق بعد الفجر بيسير أو كثير أو دام به فلم يفق أصلا. وعند أبي حنيفة: أنه يجزيه، وللشافعي فيه أقاويل كثيرة، وبين أصحابه خلاف في حصرها. فدليلنا أن الإغماء معنى يسقط فرض الصلاة، فوجب إذا طرأ قبل الفجر ودام به إلى أن طلع أن يمنع انعقاد الصوم كالحيض والنفاس، ولأنه يوم طلع فجره وهو مغمى عليه، فمنع انعقاد صومه، أصله الثاني والثالث، ولأن الصوم لا بد له من نية، ولا تصح النية إلا من مكلف، واستدامتها من طريق الحكم واجبة، فوجب أن يكون الناوي حال الدخول في الصوم ممن تصح منه النية ليكون بمنزلة من ابتدأها، والإغماء يمنع التكليف فلا تصح النية معه، ولا يلزم عليه النوم لأنه معتاد.
[٦٦٤] مسألة: إذا أغمي عليه بعد الفجر لم يفسد صومه، وقال الشافعي في بعض أقاويله: إن الإغماء يضادّ الصوم كالحيض وإليه ذهب القاضي إسماعيل، فدليلنا أن الإغماء مرض، فإذا طرأ على الصوم لم يفسده، كسائر الأمراض.
[٦٦٥] مسألة: الإغماء والجنون لا يمنعان وجوب الصوم، وإنما يمنعان أداءه، فإذا أفاق لزمه قضاؤه، سواء كان قبل البلوغ أو بعده، أفاق قبل انقضاء الشهر أو بعده. وقال أبو حنيفة، إن أفاق في بعض رمضان قضاه كله، وإن أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه وقال الشافعي: إن
стр. 336
أفاق بعد انقضاء الشهر فلا قضاء عليه وإن أفاق في بعضه صام ما أدرك ولم يقض ما فات، وعنده أن المجنون لا يقضي صوماً فاته على وجه، فدليلنا قوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، وهذا شاهد الشهر مريضاً، فلزمه عدة من أيام أخر، ولأن الجنون لا ينافي وجوب الصوم؛ لأنه معنى يزيل العقل حال الحياة، فلم يمنع وجوب الصوم كحال الإغماء والنوم والسكر.
[الأكل مع الشك في طلوع الفجر]
[٦٦٦] مسألة: إذا أكل شاكا في طلوع الفجر، ثم لم يتبين له هل أكل قبل الفجر أو بعده، قال شيوخنا: يجيء على أصل مالك أن يلزمه القضاء واجبا. وقال أبو حنيفة، والشافعي لا قضاء عليه، فدليلنا أن الاتفاق على أنه إذا أكل شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء، فكذلك شكه في طلوع الفجر بعلة حصول الأكل في وقت شك هو ليل أو نهار.
[السواك والحجامة]
[٦٦٧] مسألة: لا يكره السواك للصائم في جميع اليوم. خلافاً للشافعي في قوله: إنه يكره بعد الزوال، لقوله ﷺ : (خير خصال الصائم السواك)، ولم يفرق، ولأن مالا يكره للصائم قبل الزوال لا يكره له بعده، كالمضمضة، وعكسه القبلة، ولأنه وقت للصوم كأول النهار، ولأن ما يقصد به تبقية الشعث ومنع رفعه، لا يختص ببعض أوقات العبادات كالإحرام بالحج.
стр. 337
[٦٦٨] مسألة: الحجامة لا تفسد الصوم. خلافاً لأحمد بن حنبل وغيره، لأنه ﷺ (احتجم وهو صائم)، وقوله ﷺ : (ثلاث لا يفطرن الصائم)، فذكر (الحجامة) وروي أنه ﷺ مر بجعفر بن أبي طالب ﵁ يحتجم في رمضان فقال: (أفطر هذان)، ثم أرخص بعد ذلك في الحجامة للصائم). ولأنه دم لا يوجب الغسل كالرعاف، ولأنه لو خرج من موضع الجراحة لم يفطر والحجامة جراحة.
[٦٦٩] مسألة: يكره أن يستاك بعود رطب له طعم، خلافاً للشافعي لأنه إذا كان له طعم لم يؤمن أن ينزل إلى حلقه فيفسد صومه فكان مكروها له كذوق القدر.
[الفطر من أجل السفر]
[٦٧٠] مسألة: إذا سافر سفراً يجوز له قصر الصلاة فيه، كان بالخيار بين أن يصوم أو يفطر. خلافاً لمن قال: لا يصح صوم رمضان في السفر، وهو داود وبعض أهل مذهبه. لقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وروي أنه ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان حتى بلغ الكديد ثم أفطر). وقال أنس: (سافرنا معه ﷺ في رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على
стр. 338
الصائم) وقوله ﷺ : (من كانت له حمولة ويأوي إلى شعب فليصم رمضان حيث أدركه). ولأنها حال يصح فيهاصوم غير رمضان، فصح فيها صوم رمضان كالحضر؛ ولأنه مكلف يصح صومه في رمضان، فوجب أن يجزيه عنه كالحاضر؛ ولأن الفطر رخصة بدليل أنه لا يجوز إلا لعذر، والرخص تأثيرها الإباحة دون منع الأصل كالصلاة قاعداً.
[٦٧١] مسألة: الصوم للمسافر أفضل من الفطر. خلافاً للشافعي لقوله : ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ثم قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وقوله: (فليصم رمضان حيث أدركه) ولأنه إذا أفطر فقد أخّر الصوم عن وقته، والإتيان بالفروض في أوقاتها أفضل؛ ولأنه يأمن الفوات ويحوز الثواب وتبرأ ذمته؛ ولأن الصوم عزيمة والفطر رخصة، والعزيمة أفضل من الرخصة ما لم تَعْدُ بضرر.
[٦٧٢] مسألة: لا يصح أن يصام رمضان عن غيره بوجه، من نذر أو قضاء أو تنفل، أو أي شيء كان، وقال أبو حنيفة: يجوز في السفر أن يصومه قضاء ونذراً وتطوعاً. فدليلنا أنه يصوم رمضان عن غيره فلم يصح، أصله إذا كان حاضراً.
[٦٧٣] مسألة: المسافر إذا قدم في بعض اليوم مفطراً، والحائض
стр. 339
تطهر، لا يلزمهما الإمساك بقية اليوم، ولا يكره لهما الأكل. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلزمهما الإمساك، والشافعي في كراهته الأكل؛ لأن كل من أكل بعذر يبيح له رمضان ظاهراً وباطناً، فإن حكم الإباحة لا يزال في بقية اليوم، أصله لو استدام السفر، ولأنه يوم جاز له الأكل في أوله بغير شبهة، فجاز له الأكل في آخره كسائر الأيام. ولأن صوم اليوم الواحد عبادة واحدة، بدليل أن أوله يفسد بفساد آخره، فلا يجوز أن يكون آخرها واجباً. وأولها غير واجب، كالصلاة الواحدة.
[٦٧٤] مسألة: إذا نوى الصوم في الحضر، ثم سافر، لم يجز له الفطر. خلافاً لأحمد بن حنبل، لقوله : ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾، ولأنها عبادة تختلف بالسفر والحضر، وإذا تلبس بها حاضراً، ثم سافر، وجب أن يغلب حكم الحضر، كما لوا فتتح الصلاة في سفينة ثم اندفعت به الريح؛ ولأن موضوع الأصول أن للتلبس بالعبادة تأثير الانحتام وإن لم يكن ذلك قبل التلبس، اعتباراً بالحج والعمرة، وليس في الأصول سقوط الانحتام بالتلبس إلى التخيير المعلق بمشيئة الفاعل.
[٦٧٥] مسألة: إذا أنشأ المسافر الصوم في رمضان ثم أفطر متعمدا ففيها روايتان:
إحداهما: وجوب الكفارة. والأخرى: نفيها، وكذلك إذا صام في الحضر ثم سافر، فوجه الوجوب وهو قول الشافعي، قوله ﷺ للأعرابي لما قال له وقعت على أهلي في رمضان فقال (أعتق رقبة) ولم يستفصل؛ ولأنه أفطر في يوم من رمضان لزمه صومه على وجه الهتك، فلزمته الكفارة كالحاضر، ووجه نفيها، وهو النظر قوله ﷺ : (وضع عن المسافر الصوم وشطر
стр. 340
الصلاة) وهذا ينفي الكفارة؛ ولأن حال السفر حال إباحة الفطر ينتفي الانحتام معها، وذلك مانع من وجوب الكفارات؛ ولأن من شرط وجوبها انتفاء سبب الإباحة وإلا كانت مناقضة.
[تأخير القضاء حتى دخل رمضان آخر]
[٦٧٦] مسألة: إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر، صام هذا الداخل ثم قضى ما عليه، وأطعم عن كل يوم مداً. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: ليس للقضاء وقت محصور، ولا فديه عليه؛ لأنها عبادة يدخل في جبرانها المال، وإذا أخرها بتفريط حتى فات وقتها لزمته كفارة كالحج. ويدل على ذلك أن وقت القضاء محصور، لقول عائشة: (إنه كان ليكون علي قضاء من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يدخل شعبان)، ولم ينكر ذلك عليها أحد، ولأنها عبادة وجبت على البدن فتكرر وجوبها، من شرطها النية، فإذا أخرها حتى دخل وقت عبادة أخرى من جنسها كان مفرطا عاصيا كالصلاة.
[٦٧٧] مسألة: فإن مات وقد دخل رمضان آخر، ولم يقض الأول فأوصى بأن يطعم عنه، فإنه يطعم عنه لكل يوم مدا، وحكى الإسفراييني عن أصحابهم أنه يطعم عن كل يوم مدين، مداً للتأخير ومدا للفوات، فدليلنا: أن عبادات الأبدان إذامات قبل أدائها لم تجب عليه لفواتها بالفوت إطعام كسائر العبادات.
[٦٧٨] مسألة: إذا مات وعليه صوم واجب لم يلزم ورثته الإطعام إلا أن يوصي بذلك. خلافاً للشافعي، لأنها عبادة عن البدن، فإذا مات لم يلزم بفواتها الإطعام كالصلاة والحج.
стр. 341
[الصوم عن الغير]
[٦٧٩] مسألة: ولا يصوم أحد عن أحد. خلافاً للشافعي في قوله: إن مات وعليه صوم واجب صام وليه عنه، لقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ فتقديره فليصم عدة، فأوجب على المكلف أن يصومه، وأن يصوم قضاءه بنفسه، فانتفى بذلك أن يصوم عنه غيره؛ ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة حال الحياة، فلم يدخلها بعد الوفاة كالصلاة؛ ولأنها عبادة على البدن فلم يصح أن يفعلها أحد عن غيره كالصلاة.
[التتابع في صوم كفارة اليمين وقضاء رمضان]
[٦٨٠] مسألة: لا يلزم التتابع في صوم كفارة اليمين، وذلك يرد في كتاب الأيمان، ولا يلزم في قضاء رمضان، خلافاً لداود، لقوله : ﴿فعدة من أيام أخر﴾ ولم يشترط التتابع؛ ولأنه صوم يقصر عن شهرين فلم يجب فيه التتابع كفدية الأذى.
[التباس الشهور على أحد في بلد العدو]
[٦٨١] مسألة: إذا التبست الشهور على أسير أو تاجر في بلد العدو أو غيرهما، اجتهد، فإن وافق صومه رمضان أجزأه، وكذلك إن وافق ما بعده، وإن وافق شعبان لم يجزه، وفي كل ذلك خلاف أما إذا بان له أنه وافق رمضان فإنه يجزيه. خلافاً للحسن بن صالح في قوله لا يجزيه، لقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا قد شهد وصامه؛ ولأنه أدى العبادة باجتهاد لا يصل إلى أدائها إلا به، فإذا بان له إصابتها أجزأ كالاجتهاد في القبلة.
стр. 342
[٦٨٢] (فصل): وإذا بان له أنه قبله فلا يجزيه، خلافاً للشافعي، لقوله : ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا شاهد للشهر فلزمه صومه، ولأنها عبادة محضة مؤقتة بوقت معلوم، فإذا اجتهد فبان له أنه أداها قبل وقتها لم يجزه كالصلاة؛ ولأنه صادف اجتهاده وقتا لو صامه عن تلك العبادة في تلك السنة ذاكراً لم يجزه، فوجب أن لا يجزيه مع الاجتهاد، أصله زمن الليل ويوم العيدين.
[نذر صوم يومي النحر والفطر]
[٦٨٣] مسألة: إذا نذر صوم يوم النحر أو الفطر لم ينعقد نذره، ولم يلزمه قضاؤه، وقال أبو حنيفة: ينعقد نذره ويقضي يومين سواهما، وحكي عنه أنه إن خالف وصام انعقد صومه وأجزأه عن نذره، فدليلنا ما روي أنه ﷺ : (نهى عن صوم يومين يوم الأضحى ويوم الفطر)، والنهي يقتضي الفساد؛ ولأنه صوم في وقت منهي عنه لِحقِّ الله ، فلم يصح كأيام الحيض، فإذا ثبت أن صومهما لا يصح ثبت أنه معصية، وقد قال رسول الله ﷺ (لا نذر في معصية)؛ ولأنه وقت لا يصح صومه لحق الله ، فلم ينعقد صومه كالليل.
[صوم أيام التشريق للمتمتع]
[٦٨٤] مسألة: للمتمتع إذا عدم الهدي أن يصوم أيام التشريق. خلافاً
стр. 343
لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، لقوله : ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾، وروي أن عمر قال: رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم أيام العشر أن يصوم أيام التشريق، ولأن كل يوم لا يصلى فيه صلاة العيد فإنه يصح صومه مع سلامة الصائم، أصله سائر الأيام.
[وجوب إتمام صوم التطوع]
[٦٨٥] مسألة: إذا دخل في صوم التطوع فقد لزمه إتمامه، فإن أفطره بغير عذر فعليه القضاء، وإن أفطره لعذر فلا قضاءعليه، وقال الشافعي: هو بالخيار إن شاء أتمه وإن شاء أفطره، ولا قضاء عليه، وقال أبو حنيفة: يلزمه إتمامه، وعليه القضاء إذا أفطره بعذر وغير عذر، فدليلنا على الشافعي في وجوب الإتمام قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ وقوله : ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾، وقوله ﷺ : (لا تصم المرأة يوما من غير رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه) فلو كان لها أن تفطر لكان للزوج أن يفطرها للحق الذي له في
стр. 344
وطئها، ولأن الدخول في العبادة سبب يجب به حج التطوع، فوجب أن يجب به صوم التطوع كالنذر، ولأنها عبادة مقصودة لنفسها فوجب إذا دخل في نفلها أن يلزمه إتمامها كالحج والعمرة، ودليلنا على وجوب القضاء حديث عائشة وحفصة أنهما، أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهديت لهما هدية، فأفطرتا فقال النبي ﷺ (اقضيا يوماً مكانه)؛ ولأنها عبادة مقصودة في نفسها، فجاز أن يجب القضاء على مفسد نفلها كالحج والعمرة، ولأنا قد اتفقنا على أنه لو تصدق بصدقة وقبضها المتصدق عليه، ثم ارتجعها فإن عليه ردها، كذلك الصوم؛ لأن كل واحد منهما يلزم بالنذر وإذا دخل فيه بنية النفل لزمه.
[٦٨٦] (فصل): ودليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ لأم هانئ: (وإن كان من تطوع فلا قضاء عليك)، وقد ثبت أن هذا لا يكون مع عدم العذر، فصح أنه مع العذر، ولأنه لابد أن يكون للفرض مزية على النفل في الإيجاب، فلو ألزمناه القضاء مع العذر وغيره لاستوى النفل والفرض، ولأن الحج والعمرة آكد من سائر العبادات، وقد ثبت أن له أن يتحلل متى صده العدو عن البيت ولا قضاء عليه في التطوع، فكان الصلاة والصيام بمثابتها.
[إلغاء النية أثناء الصوم]
[٦٨٧] مسألة: وإذا رفض الصوم، واعتقد الخروج منه، بطل صومه، قاله الشيخ أبو بكر. وقال سحنون: من نوى أن يفطر في نهار رمضان فإنما يقضي استحباباً، وهذا يدل على أنه لا يفطر عنده حقيقة، فدليلنا أن النية
стр. 345
أحد ركني الصوم فلزمه استدامتها مع الإمساك، ونيته قطع الصوم رفع لها، فهو كالأكل في أنه يفسد الصوم.
[صوم يوم الجمعة وحده]
[٦٨٨] مسألة: صوم يوم الجمعة وحده جائز غير مكروه. خلافاً للشافعي؛ لأنه يوم في الأسبوع كغيره من الأيام؛ ولأن كل يوم لم يكره صومه مع ضم غيره إليه لم يكره بانفراده، أصله سائر الأيام. -وبالله التوفيق-.
стр. 346
كتاب الاعتكاف
[ليلة القدر]
[٦٨٩] مسألة: ليلة القدر في العشر الأواخر، وليس فيها تعيين ثابت. خلافاً لمن عين، لقوله ﷺ : (التمسوها في العشر الأواخر)، وروي: (من كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر)، وهذا ينفي التعيين
[٦٩٠] مسألة: وهي باقية غير مرتفعة بموت النبي ﷺ . خلافاً لمن قال إنها زائلة، لقوله: (التمسوها في العشر الأواخر)، فعم كل وقت، ولأنها من شعائر الإسلام كسائر الشعائر.
[حكم الاعتكاف]
[٦٩١] مسألة: الاعتكاف جائز في كل مسجد. خلافاً لما يحكى عن حذيفة أنه لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة، وعن غيره أنه لا يجوز
стр. 347
إلا في الجامع، لقوله : ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، فعم الثلاثة وغيرها، ولأنه مسجد بني للصلاة والجماعة كالمساجد الثلاثة.
[اعتكاف المرأة في المسجد]
[٦٩٢] مسألة: لا يصح اعتكاف المرأة إلا في المسجد. خلافاً لأبي حنيفة في إجازته أن تعتكف في مسجد بيتها؛ لأن كل من أراد الاعتكاف لم يجز له في غير المسجد، أصله الرجل، ولأن كل موضع لم يجز للرجل أن يعتكف فيه، لم يجز للمرأة كالحمام وسائر الطرقات، ولأن كل ما كان شرطا في الاعتكاف للرجل، كان شرطا في اعتكاف المرأة، أصله الصوم؛ ولأنه موضع يجوز لها اللبث فيه مع الجنابة والحيض كسائر المواضع.
[اشتراط الصوم للاعتكاف]
[٦٩٣] مسألة: لا يصح الاعتكاف بغير صوم. خلافاً للشافعي، لقوله : ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فقصر الخطاب على الصائم، فلو لم يكن الصوم من شرط الاعتكاف لم يكن لذلك معنى. ولأنّ أكثر ما فيه أن يكون مجملاً وقد بينّه النّبي ﷺ بفعله فروي أنه اعتكف صائماً ولم ينقل أنّه اعتكف مفطراً وروي أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية يوماً وليلة عند الكعبة، فسأل النّبي ﷺ ، عن ذلك فقال: "اعتكف وصم"
стр. 348
ولأنّ النذور محمولة على أصولها في الفروض، فما لا أصل له في الفروض لا يصير واجباً بالنذر، وقد اتفق على لزوم الاعتكاف بصوم مع النذر، فدلّ ذلك على أنّه إنّما لزمه لأنّه يتضمّن الصوم الذي له أصل في الوجوب، ولأنّه لبث في مكان مخصوص فلم يكن قربة في نفسه إلا بانضمام معنى آخر إليه هو قربة أصله الوقوف بعرفة.
[الاعتكاف إذا تخلله يوم الجمعة]
[٦٩٤] مسألة: إذا نذر اعتكاف أيام يتخلّلها يوم الجمعة لم يعتكف إلا في الجامع، فإن اعتكف في غيره ثم خرج إلى الجمعة انتقض اعتكافه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله : ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وروي أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف لا يخرج إلاّ لحاجة الإنسان، ولأنّه كان يمكنه الاحتراز من ذلك بأن يعتكف في المسجد الجامع، فإذا لم يفعل فقد قطع التتابع باختياره من غير عذر، فصار كما لو خرج لحاجة هو مستغن عنها.
[الخروج من المسجد أثناء الاعتكاف]
[٦٩٥] مسألة: إذا خرج من المسجد لغير حاجة بطل اعتكافه، أقام قليلاً أو كثيراً، وقال أبو يوسف ومحمد: إن أقام خارج المسجد أكثر النهار بطل اعتكافه، وإن أقام أقل النهار لم يبطل، فدليلنا ما قدّمناه، ولأنّه خرج من المسجد مع عدم الحاجة فأشبه إذا قام أكثر النهار.
[٦٩٦] مسألة: فإن خرج من المسجد لأكل طعام بطل اعتكافه،
стр. 349
خلافاً لبعض الشافعية؛ لأنّه قد فعل فعلاً غير جائز لا ضرورة به إلى الخروج لأجله، فأشبه سائر ما يستغنى عنه.
[التتابع في الاعتكاف]
[٦٩٧] مسألة: إذا نذر أن يعتكف شهراً، ولم يقل متتابعاً ولا مفترقاً فيلزمه، بإطلاق النذر التتابع، خلافاً للشافعي؛ لأنّ اسم الشهر يقع للّيل والنهّار، فإذا نذر اعتكاف شهر، وأطلق الاعتكاف، يصحّ في جميع أزمنة الشهر، يلزمه أن يوالي التتابع اعتباراً بالسكنى وترك الكلام، ولأنّه حكم علق على مطلق اسم الشهر، ويصحّ في جميعه متوالياً، فكان إطلاقه يقتضي التتابع أصله العدّة والإيلاء.
[الوطء عمداً أثناء الاعتكاف]
[٦٩٨] مسألة: الوطء عمداً يفسد الاعتكاف، لا خلاف أعلمه، ولا كفارة فيه، خلافاً لبعض التابعين؛ لأنّها عبادة لا يدخل في جبرانها المال فلم يجب بإفسادها الكفارة كالصلاة.
[القبلة واللمس أثناء الاعتكاف]
[٦٩٩] مسألة: القبلة واللّمس للّذة يفسد الاعتكاف أنزل أو لم ينزل، خلافاً للشافعي في قوله: لا يفسده على وجه، ولأبي حنيفة في قوله: إن أنزل أفسد وإن لم ينزل لم يفسد، فدليلنا على الشافعي قوله : ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، فعمّ، ولأنّها مباشرة للّذة كالإيلاج، ودليلنا على أبي حنيفة، ما قدمناه، ولأنّ كلّ مباشرة لو قارنها الإنزال لم يصحّ الاعتكاف معها، فكذلك إذا عريت منه كالإيلاج.
стр. 350
[الوطء نسياناً أثناء الاعتكاف]
[٧٠٠] مسألة: إذا وطئ ناسياً أفسد اعتكافه، خلافاً للشافعي؛ لقوله : ﴿ولا تباشروهن﴾، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأنّه حصل واطئاً في الاعتكاف كالعامد.
[اعتكاف الزوجة بعد إذن زوجها]
[٧٠١] مسألة: إذا أذن لزوجته أو لعبده في الاعتكاف لم يكن له إخراجهما منه بعد التلبّس به، خلافاً للشافعي في قوله: له ذلك في الزوجة، ولأبي حنيفة، إنّ له ذلك في العبد والأمة وليس له في الزوجة. فدليلنا على الشافعي أنّه لمّا أذن لهما في فعل هذه العبادة فقد ترك لهما حقّه من الوطء والخدمة، فلم يكن له أن يرجع، لقوله ﷺ لعمر: (لا تعد في صدقتك)، وقوله ﷺ : (لا يحلّ لواهب أن يرجع في هبته)، ولأنّه عقد على نفسه تمليك منافع كان يملكها بحق الله ، فلم يكن له الرجوع فيها، أصله إذا أذن له في صلاة الجمعة، وشرع فيها، ولأنّه أذن لهما في التلبس بعمل قربة مقصودة، فلم يكن له فسخها عليهما أصله الحجّ. وعلى أبي حنيفة، لأنّه يملك منعهما، وكلّ من ملك منع شخص من فعل عبادة، لم يكن له فسخها عليه إذا أذن له فيها أصله الزوجة.
[الاشتراط في الاعتكاف]
[٧٠٢] مسألة: ولا يجوز أن يشترط في الاعتكاف ما ينافيه من
стр. 351
الخروج لعيادة مريض أو لشغل يعرض له أو ما أشبه ذلك، خلافاً للشافعي؛ لأنه شرط في العبادة ما ينافيها فلم يصح، أصله إذا اشترط في الصلاة أن يأكل إذا احتاج أو يتكلم.
[وقت الدخول إلى المعتكف]
[٧٠٣] مسألة: ويدخل إلى معتكفه قبل غروب الشمس، لأنّ الليلة تابعة ليومها في حكمه، ألا ترى أنّ ليلة رمضان تابعة له وليلة الفطر تابعة له، فإن لم يفعل، ودخل قبل الفجر، قال شيوخنا: أجزأه، لأنّ الاعتكاف الحقيقي يكونبالنهار، وإنّما يكون معتكفاً في الليل الذي قد سبقه نهار ثان بعده نهار فيكون متخللاً بين يومي اعتكاف.
[٧٠٤] مسألة: وإذا نوى نذر اعتكاف يومين متتابعين لزمه اعتكاف ليلة اليوم الأول من طريق الاستحباب، والليلة بين اليومين إيجاب، وقال أبو حنيفة: يلزمه اعتكاف الليلتين، فدليلنا، أنّ الليل يكون معتكفاً فيه بحكم التبع، ولا يصح وجود التبع قبل حصول المتبوع، فأما الليلة المتخللة بينهما فيلزمه اعتكافها بحكم التتابع، بحصول الصوم قبلها وبعدها.
[أقل ما يجزىء في الاعتكاف]
[٧٠٥] مسألة: لا يصح الاعتكاف أقل من يوم، خلافاً لبعض أصحاب أبي حنيفة أنّه قد يكون ساعة؛ لأنّ الصوم لمّا كان شرطاً في صحّة الاعتكاف وجب أن يكون أقل زمانه ما يصح فيه شرطه، ألا ترى أن الوقت إذا ضرب لإيقاع الصلاة فيه كان أقلهّ ما يستغرق فعلها وبالله التوفيق.
تم كتاب الجزء الأول من الإشراف يتلوه المناسك
стр. 352
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليماً
كتاب المناسك في الحج
[الاستطاعة]
[٧٠٦] مسألة: والاستطاعة معتبرة بحال المستطيع، فمن قدر على المشي ببدنه لزمه الحج، ولم يقف وجوبه عليه على راحلة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، فعم، ولأنّه قادر على الحج من غير خروج عن عادته، ولا بد له كالواجد للرّاحلة، واعتباراً بأهل الحرم، بعلّة تمكنه من الوصول إلى البيت وفعل المناسك من غير مشقّة فادحة.
[٧٠٧] مسألة: المعضوب الذي لا يمْتسك على الراحلة لا يلزمه أن يحجّ غيره من ماله، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، معناه أن يحجّوا البيت، فأخبر عن صفة التكليف، وهي أن يفعل الحجّ بنفسه فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة، ولأنّ كلّ عبادة تعلّق فرضها بالبدن مع القدرة، لا تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم.
стр. 353
[الحج عن الميت]
[٧٠٨] مسألة: إذا مات قبل أن يحجّ لم يلزم الحجّ عنه من رأس ماله ولا من ثلثه إلاّ أن يوصي بذلك فيكون ذلك في ثلثه، وقال الشافعي يلزم الحجّ عنه من رأس ماله، أوصى أو لم يوص، ودليلنا قوله : ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، معناه أن يحجّوا وذلك يمتنع مع الموت، وقوله ﷺ : (من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً) ولو لزم أن يحجّ عنه من ماله لم يغلّظ هذا التغليظ، ولأنّها عبادة على البدن فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة، ولأنّها عبادة تدخلها الكفارتان فلم تلزم بعد الموت كالصلاة.
[حج المرأة التي لا محرم لها]
[٧٠٩] مسألة: إذا وجدت المرأة صحبة مأمونة ولا محرم لها لزمها الحجّ، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن المَحْرَم من الاستطاعة، لأنه سفر مفروض كالهجرة، ولأن وجود من تأمنه يقوم مقام المَحْرم.
[الحج عن النفس قبل الحج عن الغير]
[٧١٠] مسألة: يكره لمن لم يحجّ عن نفسه أن يحجّ عن غيره، فإن فعل انعقد إحرامه وصحّ ولم ينقلب عنه، خلافاً للشافعي في قوله لا يصحّ وأنّه ينقلب عنه؛ لقوله ﷺ : (وإنّما لامرئ ما نوى) وقوله: (أرأيت لو
стр. 354
كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه؟) قالت: نعم، قال: (فدين الله أحق) ولم يشترط أن تكون حجّت عن نفسها، ولأنّ كلّ من صحّ منه أن يحج عن نفسه صحّ منه في تلك الحال أن يحجّ عن غيره، أصله من أسقط الفرض عن نفسه، ولأنّ كل ما جاز أن يفعله عن غيره إذا لم يكن عليه فرض مثله، جاز أن يفعله عنه إن كان عليه فرض مثله، أصله قضاء الدين ولأنّه أحرم بالحجّ عن شخص لا ينقلب عن غيره، أصله إذا أحرم عن نفسه أنّها لا تنقلب عن غيره، لأنّ بقاء فرض عليه لا يمنعه أن يفعل ما ليس بفرض من جنسه، أصله الصوم والصلاة.
[النيابة والإجارة على الحج]
[٧١١] مسألة: تصحّ النّيابة والإجارة على الحجّ، خلافاً لأبي حنيفة، لأنّها عبادة تتعلّق بالمال تصحّ النيابة فيها، فصحّ أخذ الأجرة عليها كأداء الصدقة وتفريقها، ولَسْنَا نعني بصحّة النّيابة أنّ الفرض يسقط عنه بحجّ الغير وإنّما نريد التطوّع، ولأنّ النيابة لمّا صحّت فيها بغير أجرة جازت بالأجرة كالكفارة والديون.
[الحج على الفور]
[٧١٢] مسألة: الحجّ على الفور، لا يجوز تأخيره للقادر عليه، المتمكن من فعله إلاّ من عذر، وقال الشافعي، على التراخي إن شاء أداه وبرئت ذمته، وإن شاء تركه ما عاش، فشرط العزم على أدائه في المستقبل من غير وقت يتعيّن عليه يأثم بتأخيره عنه، فإذا مات قبل أن يحجّ فالظّاهر من مذاهب القائلين بالتراخي أن لا إثم عليه. فالكلام في هذه المسالة في
стр. 355
موضعين، أحدهما في حكم الأوامر المطلقة هل هي على الفور أو التراخي، والآخر الكلام عن عين المسألة. فدليلنا على أنّ الأمر على الفور أنّ الأمر يقتضي إيقاع الفعل، ولا بد للفعل من زمان يقع فيه، وليس في اللّفظ ذكر لزمان معيّن، ووجدنا الأفعال تختلف أحكامها باختلاف أوقاتها، فيكون الفعل في وقت طاعة، وفي غيره معصية، وفي وقت قربة، وفي آخر مأثماً، لم يثبت له وقت إلاّ بدليل، واتفق على أنّ الوقت الأوْل بعد الأمر وقت له فسلّمناه للدليل، ولم يثبت ما عداه وقتاً إلا بدليل، ولأنّ العزيز إذا أمر عبده بشيء فلم يفعل حسن منه لومه وذمّه، والاعتذار إلى من يلومه بأنّه أمر فلم يفعل، ولا يحسن الردّ عليه بأن يقال له سيفعل في ثاني حال، فدلّ ذلك على أنّ الإطلاق يفيد التقديم ويمنع التأخير، ولا يمكن منع ذلك بأن يقال إنّه لا يحسن إلا فيما قارنته قرينة تفيد التعجيل، لأن ذلك يمنع التعلق بظاهر صيغته منه وموضوع بنية الأمر أو عموم أن وجوب أو أيّ شيء كان، وما أدّى إلى ذلك فباطل. ولأنّ الأمر لمّا اقتضى الإيقاع وكان الترك منافياً له، وجب فعله عقيب الأمر، ولأنّ تأخيره لو كان جائزاً لم يخل أن يكون إلى غاية، أوْ لا إلى غاية، وفي إثبات الغاية توقيت، وذلك خلاف مسألتنا، لأنّ كلامنا في العمل المطلق دون المؤقت، وفي نفي الغاية إحالة، لأنّ المكلّف إذا مات قبل الفعل فلا يخلو أن يكون مات آثماً أو غير آثم، وفي تأثيمه وجوب الجمع بين جواز الترك، والمعصية به، وأن يحظر الله على المكلف ترك الفعل في
следующие страницы →