Полный текст (912 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الوجوب كالصلاة والصوم، واعتباراً به إذا بلغ أو أُعْتق بعد الفراغ.
[إحرام العبد]
[٧٩٩] مسألة: إذا أحرم العبد بغير إذن سيده انعقد إحرامه، وقال داود لا
ينعقد، فدليلنا أنها عبادة تتعلق بالبدن فصحت من العبد بغير إذن سيده كالصلاة.
[الإهلال بحجتين أو عمرتين]
[٨٠٠] مسألة: إذا أهل بحجتين أو عمرتين أو بحجة ثم أدخل عليها، عمرة انعقدت واحدة وسقط الباقي، وقال أبو حنيفة: ينعقد إحرامه بحجتين وعمرتين وأكثر ولكن يمضي في واحدة ويرفض الأخرى، فإذا فرغ من هذه قضاها. فدليلنا أنهما عبادتان لا يصح المضي فيهما بوجه، فوجب أن لا يصح الدخول فيهما، أصله إذا نوى في رمضان أن يصومه عنه وعن نذر، ولأنهما عبادتان لا يتسع الزمان لفعلهما معاً شرعاً بوجه، فوجب أن لا يصح الدخول فيهما كالصلاتين.
[عدم الجزاء في قتل السباع]
[٨٠١] مسألة: للمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر، من الوحش والطير كالأسد والذئاب والنمور والفهود والكلب العقور وما في معناه ومن الطير الغراب والحداة ولا جزاء عليه في شيء من ذلك، ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور والحدأة والغراب، وخالفنا في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع، وقال: لا يقتل المحرم شيئاً من ذلك وإن قتله فدى، وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد فلا جزاء فيه إلا في السمع؛ وهو المتولد من بين الذئب والضبع،
стр. 387
فدليلنا على أبي حنيفة ما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ سئل: ما يقتل المحرم؟ (فذكر الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والحدأة والسبع العادي)، وقوله ﷺ : (خمس ليس على المحرم في قتلها جناح) فذكر "الكلب" واسمه يعم الأسد وغيره، ولأنه لما أبيح قتل الكلب العقور والذئب ويسقط الجزاء فيه للضرر الواقع فيه وابتدائه بالعدو والفرس وكان الأسد داخلاً في هذا الضرر من كل ما عداه، وأذِّيته أشد فكان في إباحة القتل أولى، ولأن ما يجب الجزاء بقتله من الصيد يضمن بأحد وجهين إما بمثله في الخلقة، وإما بكمال قيمته، وكل ذلك معدوم فيه كالسمع؛ لأن المخالف لا يرى عنه المثل في الخلقة، ولا يوجب فيه كمال القيمة فإنه يقول إذا زادت قيمته على قيمة شاة لم يجب كمالها، فدل على أنه لا يضمن بالقتل.
[٨٠٢] (فصل): وخالفنا الشافعي في وجوب الجزاء في الصقر، والبازي، والثعلب،
وكل متوحش لا يؤكل لحمه، ودليلنا عليه قوله : ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ فعم، ولأنه حيوان بري ممتنع لا يبتدئ بالضرر غالباً فكان مضموناً بالجزاء أصله الضبع.
стр. 388
[الجزاء في قتل الصيد]
[٨٠٣] مسألة: إذا تكرر من المحرم قتل الصيد لزمه الجزاء لكل مرة، خلافاً لداود في قوله لا يلزمه إلا المرة الأولى، لقوله : ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾، ولم يفصّل بين الصيد الأول والثاني؛ ولأنه حيوان مضمون بالتكفير، فوجب أن تتكرر الكفارة بتكرير قتل جنسه كالآدمي، والاعتبار بأول مرة بعلة أنه صيد أتلفه وهو محرم.
[٨٠٤] مسألة: إذا قتل صيداً مما له مثل من النعم لزمه إخراج مثله من النعم من طريق الخلقة والصورة، وله أن يعدل عن المثل إلى قيمة الصيد المقتول طعاماً، وله أن يصوم مكان كل مد يوماً، وقال أبو حنيفة: لا يُضْمَنُ صيد بمثله وإنما يضمنه بقيمته، ثم إن شاء اشترى بتلك القيمة هدايا أو طعاماً. فدليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾. ففيها أدلة: أحدها: أنه لو اقتصر على المثل لكنا نوجب في كل صيد مثله من جنسه، فلما قال: (من النعم) علمنا أنه أراد الخلقة والصورة، وعند المخالف لا اعتبار بالمثل أصلاً، والثاني: قوله : ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾، وهذه الكفارة راجعة إلى النعم؛ لأنه هو الذي يقوم، وعند المخالف يرجع إلى القيمة التي لم يَجْرِ لها ذكر.
والثالث: قوله : ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ فوجب أن يكون نفس المثل المحكوم به هديا، ً وهذا لا يمكن في القيمة إلا أن يبدل وإنما يصح في المثل الذي يعتبره، وروى جابر أن النبي ﷺ قال في الضبع: (هي صيد وفيها
стр. 389
كبش إذا أصابها المحرم) وعند المخالف لا اعتبار بالكبش وإنما الواجب قيمتها، ولأنه إجماع الصحابة، روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن بن عوف، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وعائشة، ولا مخالف لهم، ولأنه حيوان يخرج في كفارة فوجب أن لا يكون إخراجه على وجه القيمة، أصله عتق الرقبة.
стр. 390
[٨٠٥] (فصل): وكفارة الصيد على التخيير دون الترتيب، وحكي عن ابن عباس وابن سيرين أنهما قالا هي على الترتيب، وحكي عن الشافعي في القديم، وأصحابه ينكرونه، فدليلنا قوله تعالى: ﴿((((((((((مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما﴾ وموضوع "أو" للتخيير، ولأنه حق لازم بإتلاف كان ممنوعاً منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير، أصله كفارة الأذى.
[٨٠٦] مسألة: وإذا اختار التكفير بالإطعام قوم الصيد لا المثل، وقال الشافعي يقوم المثل، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ إلى قوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبراً به دون المثل، ولأن المتلف هو الصيد لا المثل، فوجب أن يكون هو المقوم كسائر المتلفات، ولأن الإطعام بدل عن نفس المتلف، فوجب أن يكون معتبراً، أصله المثل من النعم، ولأنه طعام يخرج في جزاء صيد فوجب أن يكون معتبراً بقيمة الصيد، أصله ما لا مثل له.
[٨٠٧] مسألة: وإذا اختار الصيام صام عن كل مد يوماً، وقال أبو حنيفة يصوم عن كل مدين يوماً، ودليلنا اعتباراً بسائر الكفارات أنه لا يزاد فيها على مد ويفارق فدية الأذى؛ لأنها فدية وليست بكفارة.
[٨٠٨] مسألة: ويلزم التحكيم فيما حكّمت فيه الصحابة وفيما لم تحكّم،، خلافاً للشافعي في قوله: اكتفي فيما حكّمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به، لقوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾، فعم في الوجهين، ولأنه صيد لزمه
стр. 391
بقتله الجزاء ولابد من التحكيم فيه، أصله ما لم تمض فيه حكومة.
[٨٠٩] مسألة: ولا يجوز أن يكون القاتل أحد الحكمين، خلافاً للشافعي، لقوله تعالى: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ وذلك يقتضي أن يكونا غير المحكوم عليه، ولأن الجزاء بدل المتلف فوجب أن لا يكون الرجوع فيه إلى أمانه المتلف، أصله تقويم المتلفات.
[٨١٠] مسألة: ومن قتل صيداً ناسياً أو مخطئاً فعليه الجزاء، خلافاً لداود، لقوله ﷺ في الضبع: (هو صيد وفيها إذا أصابها المحرم كبش) ولم يفرق، ولأنه حصل متلفاً للصيد غير عامد في حال الإحرام أو الحرم فأشبه العامد، ولأنه حيوان مضمون بالكفارة فلزم ذلك في أتلافه خطأ كالآدمي.
[٨١١] مسألة: في صغار الصيد مثل ما في كبارها، خلافاً للشافعي في قوله: إن فيه صغيراً من الغنم، لقوله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ والهدي لا يكون إلا الكبير، وقوله ﷺ : (في الضبع كبش) ولم يفرق، ولأنه حيوان يخرج باسم الكفارة فلم يختلف باختلاف سن المتلف، أصله الرقبة في كفارة القتل والظهار، ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم فلم يجز فيه الصغير كدم المتعة والقِرَان، ولأن الجزاء لا يخلو أن يكون جبراناً أو دية أو كفارة وأيهما كان فلا يجوز فيها الصغار.
[٨١٢] مسألة: لا يجوز تذكية المحرم للصيد، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه ذح محرم لحق الله تعالى لمعنى في نفس الذابح فأشبه ذبح المجوس. ولأن كل معنى أوجب تحريم أكل المذبوح على الذابح فإنه يوجبه على غيره، أصله إذا لم يستوف شرائط الذكاة. ولأن تذكيته لا تبيح
стр. 392
له أكل اللحم لحق الله تعالى، وإذا لم تبحه له لم تبحه لغيره؛ لأن الذكاة إذا أباحت أكل المذكي لم تتخصص. ولأن كل صيد كان محظوراً على صائده لحق الله تعالى فتذكيته إياه لا تصح كالخنزير.
[٨١٣] مسألة: إذا قتل المحرم الصيد وأكله لم تلزمه بأكله كفارة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يضمنه بالقيمة؛ لأنا قد قلنا: إن تذكيته لا تعمل في الصيد، فإذا ثبت ذلك فكأنه أكل ميتة، فلم يضمنه كما لو مات حتف أنفه فأكل منه. ولأنه إتلاف لجزء فلم يضمن بالجزاء، أصله لو أحرقه.
[٨١٤] مسألة: فإذا دل المحرم على صيد أساء ولا جزاء عليه. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء. لقوله : ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء﴾، دليله إن لم يقتل فليس عليه جزاء. ولأنه سبب لا يضمن به الآدمي بحال، فوجب ألا يكون مضموناً به الصيد، أصله الدلالة التي يستغني عنها. ولأنه ضمان نفس فلم يتعلق بالدلالة كضمان الآدمي.
[٨١٥] مسألة: وصيد الحرم مضمون بالجزاء على الحلال والحرام. خلافاً لداود. لقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾. وهذا يتناول الحرام بالإحرام والحرم. ولأنه يسمى محرماً لكونه في الحرم، فإذا ثبت ذلك فكل معنى يسمى به محرماً فمتى قتل الصيد فيه كان مضموناً بالجزاء كالإحرام.
[٨١٦] مسألة: وللصوم مدخل في ضمان صيد الحرم. خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا مدخل له فيه. لأنه صيد مضمون لحق الله ، أصله ما ذكرناه.
[٨١٧] مسألة: الحلال إذا صاد في الحل، ثم أدخله الحرم فله التصرف فيه كيف شاء بالذبح وغيره، فإن ذبحه فلا جزاء عليه. خلافاً لأبي حنيفة
стр. 393
في قوله: ليس له ذبحه، وإنه إن ذبحه لزمه الجزاء. لأنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه وهو حلال في الحرم، جاز له ذبحه كالنعم. ولأن كل من جاز له تملك صيد بالشراء والأمر لغيره باصطياده جاز له ذبحه، أصله الحلال في الحل. ولأنه لو منع من ذلك فسد لحم الصيد، وأدى أن لا يأكل أهل الحرم إلا متغيراً، والفرق بين حرمة الإحرام وحرمة الحرم: أن الإحرام لا يدوم فلا تلحق مشقة في المنع حال حصوله، وحرمة المكان باقية فتلحقهم المشقة بالمنع من الذبح فيه.
[٨١٨] مسألة: إذا قتل المحرم صيداً مملوكاً فعليه القيمة مع الجزاء. خلافاً لمن قال لا جزاء عليه. وعَكَسَ أصحابُ الشافعي عَنّا على ضرب من التحريف وقلة التحصيل. فدليلنا قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل﴾، ولم يفرق. ولأنه ممنوع من قتله بحرمة الإحرام كالذي ليس بمملوك، ولأن الحقين المختلفين لا يتداخلان كالدية والكفارة في حق الآدمي.
[٨١٩] مسألة: والواجب في جزاء الصيد هدي، ولا بد أن يساق من الحل إلى
الحرم. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، في قولهما إن اشتراه من الحرم ونحره أجزأه. لأن النبي ﷺ ساق هديه من الحل إلى الحرم، فكان فعله بياناً للمناسك. ولأنه لو اشتراه في الحل ونحره هناك لم يجزه؛ لأنه لم يجمع له بين الحل والحرم، كذلك إذا أفرده بالحرم فلا يجزيه، وكذلك حكم هدي التمتع والقِرَان وغير ذلك. لأن اسم الهدي مأخوذ من الهدية والإهداء، فيجب أن يهدى من غير الحرم إلى الحرم. ولأنه لما كان المحرم يجمع في إحرامه بين الحل والحرم فكذلك في هديه لأن الهدي له محل كما أن الإحرام له محل.
стр. 394
[٨٢٠] مسألة: إذا قطع من شجر الحرم شيئاً أساء ولا جزاء عليه. وقال أبو حنيفة ما ينبته الآدميون لا يضمن، سواء كان بإنبات الله تعالى أو بإنبات الآدمي، وما أنبته الله في العادة فإنه يضمن. ودليلنا أنه أتلف شيئاً من الجمادات دون الحيوان. فلم يجب الجزاء فيه بإتلافه، أصله غير الشجر، واعتباراً بالاذخر وما يقطع في المنفعة. ولأن ما لزم الحلال جزاؤه في الحرم لزم المحرم مثله في الحل كالصيد. فلو كان الشجر مضموناً بالجزاء للزم ذلك المحرم في كل الحل.
[٨٢١] مسألة: إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل واحد جزاء كامل. خلافاً للشافعي في قوله: إن عليهم جزاءً واحداً. لقوله : ﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾، فأوجب على من حصل قاتلاً الصيد جزاءً مثله ولم يفرق بين أن ينفرد بقتله أو يشارك مثله. وقوله ﷺ : (الضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم). ولأنه محرم أتلف صيداً مضموناً بالجزاء فلزمه جزاء كامل، أصله إذا انفرد به. ولأنه اشتراك في قتل نفس تجب الكفارة بقتلهما، فوجب أن يلزم كل واحد كفارة كاملة. ولأنها نفس مقتولة تجب فيها الكفارة، فوجب أن تكون الكفارة بعدد القاتلين، أصله نفس الآدمي. ولأنه معنى تتصف به الجماعة والآحاد لو انفرد كل واحد به لزمته كفارة كاملة، فكذلك إذا شارك فيها غيره، أصله الجماعة إذا اشتركت في الحلف على شيء واحد. ولأن الجزاء عندنا كفارة وليس بدية. يدل عليه قوله : ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ فسماه كفارة، ولأنه حق لله بإتلاف نفس للصيام فيه مدخل فوجب أن تكون كفارة، أصله حلق الرأس والتطيب.
[٨٢٢] مسألة: لا يجوز للمحرم أن يأكل صيداً صِيدَ لمحرمين، ولا
стр. 395
ما دلَّ عليه. وقال أبو حنيفة إن كان له فيه أثر لا يستغني عنه مثل أن يدل عليه وهو خفي لا يوصل إليه إلا بدلالته أو أعطاه سلاحاً، ولا سلاح معه فإنه يحرم أكله، فإن دل على صيد ظاهر وأعطاه سلاحاً ومعه سلاح، أو صيد لأجله فلا يحرم عليه أكله. فدليلنا قوله ﷺ : (لحم الصيد لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم). ولأنه صَيْدٌ للمحرم فيه أثر معاونة فأشبه ما لم يستغن عنه. ولأنه صِيدَ للمحرم، فلم يجز له أكله، كما لو صاده بنفسه. وذهب قوم إلى أن ليس للمحرم أكل لحم الصيد جملة. ودليلنا الخبر. ولأن جماعة من الصحابة أكلوا الصيد وهم محرمون.
[٨٢٣] مسألة: ومن صيد لأجله صيد فأكل منه فعليه جزاؤه. وإن أكل منه محرم غيره فلا شيء عليه. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا جزاء عليه. ودليلنا: أنه إذا أكل منه كان كأنه أمر بقتله ورضي به، فلزمه الجزاء تغليظاً، وإلا كان فيه ذريعة إلى ركوب مثله.
[٨٢٤] مسألة: إذا أحرم وعنده صيد وليس في يده، لم يزل ملكه عنه ولا يلزمه إرساله. خلافاً لأحد قولي الشافعي، أنه يزول ملكه عنه وإن كان في يده. لأنه معنى منع ابتداء ملكه في الإحرام فجاز أن لا يمنع الإحرام استدامته بالملك المتقدم كالدجاج.
стр. 396
[٨٢٥] مسألة: الجراد مضمون بالجزاء. خلافاً لمن قال لا جزاء فيه؛ لأنه من صيد البر كالطير.
[٨٢٦] مسألة: إذا صال الصيد على المحرم فقتله دفعاً عن نفسه فلا جزاء عليه. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن كان مأكولاً فعليه جزاؤه؛ لأنه قتله بدفع مباح كما لو صال عليه رجل فقتله.
[٨٢٧] مسألة: في بيض النعامة عشر ثمن البدنة،. وقال الشافعي يضمن قيمته، وقال المزني وداود لا شيء عليه. ودليلنا: أنه متولد من حيوان مضمون، فوجب رده إليه اعتباراً به كالجنين.
[٨٢٨] مسألة: في حمام الحل حكومة. خلافاً للشافعي في قوله: إن فيه شاة؛ لأنه حمام في غير الحرم كالمملوك.
[٨٢٩] مسألة: صيد المدينة محرم. وقال أبو حنيفة: لا يحرم. ودليلنا قوله ﷺ : (مابين لابتيها حرام لا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها).
[٨٣٠] مسألة: إذا ثبت أنه محرم فقال مالك لا جزاء عليه، وقال ابن أبي ذئب، فيه الجزاء. فوجه قول مالك أن كل بقعة جاز دخولها بغير إحرام لم يضمن صيدها بالجزاء، أصله سائر البلاد. ووجه قول إيجاب الجزاء؛ لأنه حرم يحرم صيده فضمن بالجزاء كمكة.
стр. 397
[تفضيل المدينة على مكة]
[٨٣١] مسألة: المدينة أفضل من مكة. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. لما روت عمرة عن رافع أن رسول الله ﷺ قال: (المدينة خير من مكة). وقوله: (إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به إبراهيم لمكة ومثله معه). وقوله: (لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة) ولم يقل ذلك في غيرها. وقوله: (لا يخرج منها () أحد رغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه). قاله في الأعرابي الذي استقاله بيعته. وقوله: (اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكنني في أحب البقاع إليك). وهذا نص لا نعدوه.
وقوله: (أمرت بقرية تأكل
стр. 398
القرى، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)، فلا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلا فضلها على غيرها. وقوله: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها). وقوله: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد). ولا يجوز أن يسأل ربه أن يحبب إليه الأدون زيادة على الأعلى. وفيه أخبار كثيرة. ولأن عمر أنكر على عبدالله بن عياش قوله: إن مكة خير من المدينة وقال: أنت القائل لمكة خير من المدينة. ولم يحفظ عن أحد إنكاره عليه ما أنكره على عبدالله ولأن النبي ﷺ مخلوق منها، وهو خير البشر، وتربته خير الترب ﷺ . ولأن فرض الهجرة إليها يوجب كون المقام بها قربة وطاعة، ويدل على فضيلتها على سائر البقاع.
[الإحصار]
[٨٣٢] مسألة: إذا حل المحصر بعذر فلا هدي عليه خلافاً لأبي
стр. 399
حنيفة، والشافعي. لأنه تحلل مأذون له فيه غير منسوب فيه إلى تفريط، ولا إدخال نقص، فلم يلزمه هدي اعتباراً به إذا أكمل حجه، ولأنه لما خفف عنه بجواز التحلل من إحرام قد عقده كان بأن يخفف عنه من إيجاب هدي أولى. ولأن هذا الحج لم يجب عليه المضي فيه، ولا بد له من تحليل في غيره لم يلزمه هدي التحلل منه، كإحرام المرأة بغير إذن زوجها أو العبد بغير إذن سيده.
[٨٣٣] مسألة: ولا قضاء عليه لما يحلل منه إذا لم يكن صَرورة عليه. خلافاً لأبي
حنيفة. لأن النبي ﷺ لما صُدّ تحلل عنه وأصحابه، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء ولا نقل عن أحد منهم أنهم قضوا. ولأنه ممنوع من الوصول إلى فعل المناسك بيد غالبة، فلم يلزمه قضاء، ما أصله إحرام العبد بغير إذن سيده.
[٨٣٤] مسألة: إذا أحصر بمرض أو بأي شيء كان، سوى العدو فإنه لا يجوز له التحلل إلا بعمل العمرة. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يجوز. لقوله : ﴿أوفوا بالعقود﴾. وقوله : ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾. ولأنه متلبس بالحج لم يصده عنه يد غالبة، فكان كمخطئ الوقت، ولأنه معنى لا يمنع وجوب الحج في الابتداء، فلم يمنع التحلل منه كالضلال عن الطريق؛ لأن كل من لا يستفيد بالتحلل تخليصه من الأذى، فلا يجوز له التحلل كالضلال عن الطريق عكسه المحصور بعدو.
[٨٣٥] مسألة: محل هدي الإحصار كله مكة، وقال الشافعي ينحره
стр. 400
حيث أحصر. فدليلنا قوله : ﴿ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. ولأن موضوع تحللها يجب أن يكون محل هديه كالمحصور بعدو.
[٨٣٦] مسألة: إذا شرط أن له التحلل بالمرض لم يؤثر ذلك الشرط، خلافاً للشافعي. لأن كل معنى لم يجز التحلل منه إذا لم يشترط، لم يجز وإن شرط، أصله ضلال الطريق عكسه العدو.
[الهدي]
[٨٣٧] مسألة: إذا أهدى بدنة أو بقرة أشعرها مع التقليد. وقال أبو حنيفة لا
يشعرها. ودليلنا ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ أشعر بدنته وسلت الدم عنها.
[٨٣٨] مسألة: لا تقلد الغنم ولا تشعر. وقال الشافعي تقلد ولا تشعر. فدليلنا ما روت عائشة ﵁ أن النبي ﷺ (أهدى غنماً غير مقلدة). ولأنه نوع من الحيوان يجوز في الهدي، فاستوى حكمه في التقليد والإشعار كالإبل والبقر؛ ولانه لو كان من سنتها التقليد لكان من سنتها الإشعار.
[٨٣٩] مسألة: لا يصير بتقليد الهدي وإشعاره محرماً. خلافاً لما يحكى عن ابن عباس. لما روي عن عائشة أنها قالت: (كنت أَظْفُر قلائد
стр. 401
هدي رسول الله ﷺ وكان يبعث بها، وهو مقيم ولم يكن يحرّم على نفسه شيئاً كان يحل له قبل ذلك). ولأن الإحرام هو الاعتقاد والدخول في الحج، وذلك لا يوجب مع التقليد والإشعار.
[٨٤٠] مسألة: لا يجوز الاشتراك في الهدي الواجب. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن البقرة والبدنة يجزيان عن سبعة، إلا أن أبا حنيفة يقول: إن قصد بعضهم القربة وبعضهم إباحة الأكل فلا يجوز الاشتراك. ودليلنا ما روى ابن عباس قال: (ما كنت أرى دماً يقضي عن أكثر من واحد). وعن ابن عمر أنه قال: (لا يشترك في شيء من النسك). ولا مخالف لهما. ولأن الاشتراك في الثمن يوجب أن يكون لكل واحد قسط من اللحم، وذلك يوجب القسمة وهي بيع. ولأنه اشتراك في دم، فلم يجز في الهدي، أصله إذا قصد بعضهم الإباحة. ولأنه حيوان يجزئ فيه الهدي كالشاة. ولأنه حصل مخرجاً لِلَحْمِ بعض بدنه كما لو اشترى لحماً،
стр. 402
ولأنه إزالة ملك عن حيوان على وجه الحتم والوجوب فلم يصح الاشتراك فيه، أصله كفّارة العتق في القتل والظّهار. ولأنه حيوان وجب عن جناية لحق عبادة، فلم يجز الواحد فيه عن سبعة، أصله الوطء في رمضان. ولأنه اشتراك في دم واجب كالعشرة في بدنة.
٨٤١. مسألة: يؤكل من الهدايا كلها إلا من جزاء الصيد، ونسك الأذى، وما نذر للمساكين. وقال الشافعي: لا يؤكل من شيء من ذلك. وقال أبو حنيفة يؤكل من هدي التمتع والقران. فدليلنا قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا﴾، وقوله : ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا﴾، ولأنه هدي لم يسم للمساكين، ولا مدخل فيه لإطعام التطوع وهدي القران والتمتع، واعتباراً بالضحايا والعقائق.
стр. 403
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما
كتاب البيوع
[البيع على الصفة]
[٨٤٢] مسألة: بيع الأعيان الغائبة بالصفة جائز، وكذلك الحاضرة التي تشق رؤيتها كالأعدال تباع على البرنامج، وشبهه. خلافاً للشافعي في أظهر قوليه: إن الأعيان لا يجوز بيعها إلا على الرؤية. لقوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾. ولأنه بيع معلوم للمتبايعين مقدور على تسليمه غالباً، فصح بيعه كالمرئي؛ ولأنه أحد حالات العين فجاز بيعها معها كحال المشاهدة، ولأن الصفة تقوم مقام الرؤية عند تعذرها كالسّلَم، ولأنها أحد نوعي المبيعات، فجاز أن تباع على الصفقة كالذي يباع على الذمة. ولأن الرؤية لو كانت شرطاً في بيوع الأعيان لم يجز ألا يوجد في المقصود من المبيع وأن يشترط فيما ليس بمقصود منه كالصفة في السلم. وقد ثبت أن بيع الجوز واللوز في قشرهما جائز وإن اشترى المقصود بالبيع على الرؤية، فدل على أنها ليست
стр. 404
شرطاً فيه؛ ولأن ما كان شرطاً في صحة عقد وجب مقارنته له، ولا يكتفي برؤيته له إذا لم يوجد في ذلك معنى العقد على التسليم، فلما اتفقنا على جواز بيع العين الغائبة إذا تقدمتها الرؤية دلّ على أنها ليست بشرط فيه، ولأنه عقد معاوضة فلم يبطله عدم رؤية المعقود عليه كالنكاح.
[٨٤٣] مسألة: ولا يجوز بيع شيء بغير صفة ولا رؤية، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه ذلك وإثباته للمبتاع خيار الرؤية، لنهيه ﷺ عن بيع الغرر وهذا منه؛ لأن المشتري يعقد على مجهول لم يعرفه برؤية ولا صفة، ولأن الجهل بصفة المبيع حال العقد يوجب بطلانه، أصله السلم بغير صفة.
[٨٤٤] مسألة: إذا وُجِدَ المبيع بالصفة المشترطة لزم، ولم يكن للمبتاع خيار الرؤية إلا أن يكون اشترطه. خلافاً لبعض الشافعية. لأنه عقد صحيح على مبيع موصوف لم يشترط فيه خيار وجد على صفته، فلم يكن فيه خيار الرؤية، أصله السلم. ولأنه مبيع سليم لم يشترط فيه خيار، ولا هناك عرف يوجبه فأشبه سائر المبيعات. ولأن الصفة في بيوع الأعيان قد أقيمت مقام الرؤية، فيجب إذا وجد المبيع عليها ألا يثبت فيها خيار كما لو بيع على رؤيته.
[الخيار]
[٨٤٥] مسألة: خيار المجلس غير ثابت. خلافاً للشافعي. لأنه عقد معاوضة فلم يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح والكتابة؛ ولأن كل خيار كان من مقتضى العقد جاز أن يبقى بعد الافتراق كخيار العيب وكل خيار لا يثبت بعد الافتراق فليس من مقتضى العقد كالخيار في غلاء الثمن وإرخاصه، ولأن خياره مجهول المدة كقدوم زيد. فإن اعترضوا بأنه يثبت
стр. 405
بالشرط فلا أحفظ فيه نصاً، وفيه نظر. ولأنه لو كان من مقتضى العقد لأمتنع بحيث يتعذر ولا يتصور، وذلك في شراء الأب لابنه من نفسه، والمخالف بين أمرين: إما أن يقول: إنه لا يثبت فيه خيار المجلس فتقيس عليه غيره من العقود، أو يقول: لو كان من مقتضاه لم يثبت العقد بحيث يتعذر كالسلم، وإما أن يقول: إنه يثبت فيه وذلك إحالة.
[٨٤٦] مسألة: إذا اشترطا الخيار، أو أحدهما، فالمبيع على ملك البائع، ولا يزول إلا باختيار من له الاختيار، وبأن يحكم بانقطاعه، إن كان الخيار للمشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري. وقال الشافعي ينتقل بنفس العقد، وله قول آخر: إنه يراعى. ودليلنا أن الملك إنما ينتقل بحصول التبايع المحقق، وذلك بالإيجاب المحقق والقبول المحقق، فإذا شرط فيه الخيار، فالإيجاب غير محقق؛ لأنه مشروط بشرط يقع في المستقبل وهو الرضا به أو فسخه. ولأنه إيجاب لا يلزم البائع الثبوت عليه، فلم ينتقل الملك به على التحديد، أصله إذا أوجبه ولم يقل المشتري قبلت.
[٨٤٧] مسألة: خيار الشرط موروث خلافاً لأبي حنيفة، لقوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾. وقوله ﷺ : (من ترك مالاً أو حقاً فلورثته). فعم؛ ولأنه خيار ثابت في عقد بيع فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام الموروث، أصله خيار الرد بعيب وإن شئت قلت في عقد معاوضة محضة. ولأن كل من ورث شيئاً ورثه بحقوقه كالدين والرهن وغيره،
стр. 406
كذلك هاهنا، وقيل: لأن الموت معنى يزيل التكليف فلم ينقطع به الخيار كالجنون.
[٨٤٨] مسألة: يجوز اشتراط الخيار زيادة على الثلاثة الأيام إذا احتيج إلى ذلك في اختبار المبيع. وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز، ودليلنا قوله ﷺ : (لكل مسلم شرطه). ولأنها مدة يحتاج إليها في اختبار المبيع كالثلاثة. ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن يزيد على ثلاثة أيام كالآجال، ولأنه خيار يستحق به الرد فلم يقف على ثلاثة أيام كالرد بالعيب، ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع واختباره، ويجب أن تختلف مدته باختلاف أحوال المبيعات واختبارها، وأن لا تقف على مدة محصورة. بل تعلق بما يمكن هذا فيه؛ لأنه لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى ومستثنى من الغرر لأجله، ثم يكون مدة لا يستفاد بها ما أريدت لأجله.
[٨٤٩] مسألة: إذا أراد من شرط الخيار لنفسه من المتبايعين أن يختار أو يفسح بغير محضر من صاحبه فله ذلك. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: ليس له الفسخ إلا بمحضر منه. لقوله ﷺ في تصرية الإبل والغنم (إن ابتاعها فهو بخيار النظرين إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر). ولم يشترط حضور البائع. ولأنه اختار الفسخ مع بقاء وقت الاختيار فجاز ذلك، أصله إذا كان بمحضر من صاحبه. ولأنه معنى ينقطع به خياره كالإمضاء، ولأنه أحد موجبي الخيار كالإمضاء. ولأن العقد إذا لم يفتقر في
стр. 407
حله إلى رضى صاحبه لم يفتقر إلى حضوره كالطلاق.
[٨٥٠] مسألة: إذا تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة، وكان أحدهما مما لا يخبر سعر ذلك المبيع، فاختلف أصحابنا، فمنهم من يقول: لا خيار له. ومنهم من يقول: له الخيار إذا زاد الغبن على الثلث، أو خرج عن العادة والتعارف. وعند أبي حنيفة، والشافعي لا خيار له. ودليلنا على أن له الخيار، قوله : ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. وهذا منه، ونهيه ﷺ عن إضاعة المال. ومن اشترى باذنجة أو بصلة بدينار فقد أضاع ماله، وقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) وفي إلزامنا المشتري فيما يساوي درهماً بمائة الثبوت على المشتري إضرار به، ولنهيه ﷺ عن تلقي الركبان للمبيع،. وقوله ﷺ : (من تلقى سلعة فصاحبها بالخيار إذا دخل السوق). وذلك يفيد أن الغبن يؤثر في الخيار؛ لأنه لا معنى له سواه، ولأنه
стр. 408
نوع من الغبن في الأثمان، فكان مؤثراً في ثبوت الخيار، أصله تلقي الركبان. ولأنه نقص بتغيير الثمن فكان جديراً بالخيار أصله العيب.
[٨٥١] مسألة: إذا قال المشتري بعني هذه السلعة بكذا، فقال البائع: بعتك، انعقد البيع، وأغنى عن الاستدعاء عن أن يقول المبتاع بعده: قبلت. وقال أبو حنيفة لا ينعقد البيع حتى يقول المبتاع: قد قبلت بعد قول البائع بعت، ووافقنا في النكاح. فدليلنا أن استدعاء الإيجاب في عقد المعاوضة يغني عن ذكر القبول بعده، أصله النكاح.
[٨٥٢] مسألة: يجوز أن يشترط رضا أجنبي أو خياره. خلافاً لأحد قولي الشافعي. لقوله: (ويشترط الخيار ثلاثاً) ولم يفرق. ولأن الخيار وضع لتأمل المبيع واختباره، وقد لا يعرف هو ذلك فيشترط خيار غيره له.
[٨٥٣] مسألة: إذا اشترط الخيار وسكتا عن ضرب مدة، لم يبطل البيع وضرب للسلعة من المدة قدر ما يختبر في مثله في العادة،
خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، في قولهما: إن العقد فاسد؛ لأن قدر ما يحتاج إليه يتقدر في العرف فإذا سكتا عنه فقد دخلا على العرف فيه.
[٨٥٤] مسألة: إذا مضت مدة الخيار ولم يكن ممن اشترطه، رد ولا إجازة، لم يحكم عليه بنفس مضي المدة. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. لأن مدة الخيار إنما ضربت لحقه لا لحق غيره فلم يلزمه الحكم بنفس مرورها، كمضي الأجل في الإيلاء أنها لا تطلق به على المولي بنفس مضيه.
стр. 409
[الربا]
[٨٥٥] مسألة: المصوغ من الذهب والفضة لا يجوز بيعه بشيء من جنسه إلا مثلاً بمثل، وزناً بوزن. خلافاً لمن أجاز المفاضلة بينهما قدر قيمة الصنعة. وبعض شيوخ المخالفين يحكي هذا عنا، فإذا وافقنا أصحابهم عليه وقد دفنوه في كتبهم ومسائلهم في الخلاف. قالوا: أنتم تجحدون مذهبكم وإلى الله الشكوى من غلبة الجهل. ودليلنا قوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب الذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض). وحديث ابن عمر لما قال له: إني أصوغ الذهب وأبيعه بأكثر من وزنه فأستفضل قدر عمل يدي فيها، وقال: (الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم). ولأنه ذهب بذهب كالمسبوك بالمسبوك، والمصوغ بالمصوغ. ولأن زيادة قيمة الصنعة إنما يراعى في الإتلاف لا في المعاوضات كجودة الجنس.
[٨٥٦] مسألة: تحريم الربا في المسميات الستة يتعلق بمعانيها دون أسمائها. خلافاً لنفاة القياس في قولهم: إنه يتعلق بأعيانها، وهذا مبني على ثبوت القياس، ولكنا نتكلم هاهنا من طريق الظاهر. فدليلنا قوله ﴿وحرم الربا﴾ والربا الزيادة وقال ﷺ : (الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وإذا اختلف الجنسان فيعوا كيف شئتم)، فدل على أن اتفاق الجنس مؤثر في منع التفاضل.
стр. 410
[٨٥٧] مسألة: العلة في تحريم التفاضل في الأعيان الأربعة أنها جنس مأكول على وجه تمس إليه الحاجة من القوت وما يصلحه من المدخرات. وقال أبو حنيفة: العلة أنه جنس مكيل أو موزون، وقال الشافعي جنس مطعوم. فدليلنا على صحة علتنا أن الغرض بالنص على الأربعة المسميات أن يستفاد به معنى لا يعلم مع عدمه ولا مع نصه على غيره، فلو أراد مجرد الطعم على ما يقول الشافعي لاقتصر على واحد منها لتساوي الأكل في جميعها إذ لا اعتبار عنده باختلاف صفاته، وكذلك لو أراد مجرد الكيل والوزن لاقتصر على واحد منهما، ولا يصح أن يعكس علينا في القوت؛ لأنا نستفيد بنصه ﷺ على كل واحد من الأعيان الأربعة ما لا نستفيده بنصه على أحدها، وهو أنه نبه بالبر على كل مقتات تعم الحاجة إليه وتقوم الأبدان بتناوله، ونص على الشعير منبهاً به على مساواته للبر، وكل ما في معناه مما يقتات حال الضرورة كالذرة والدخن وغيرهما، وإن انفراد كونه علفاً للبهائم لا يخرجه عن حكم القوت، وأن الربا لا يتعلق بما يقتات حال الرفاهة والسعة دون حال الضرورة والشدة، وذكر التمر منبهاً به على العسل والزبيب والسكر وكل حلاوة مدخرة غالباً للاقتيات، وأن الربا يتعلق بنوع الحلاوات وذكر الملح تنبيهاً على الأبازير وما يتبع الاقتيات ويصلح المقتات، وأن الربا ليس بمقصور على نفس القوت دون ما يصلحه ويتبعه. فقد بان بما ذكرناه أن نصه على كل واحد منها أفاد ما لا يفيده اقتصاره على واحدها. وليس هذا مستفاداً مع التعليل بمجرد الأكل والكيل لأن ذلك يختلف
стр. 411
باختلاف أنواع المكيلات والمأكولات؛ ولأنه قال في بعض الأخبار (حتى الملح) فجعله غاية لما حرم التفاضل فيه منبهاً به على أن بينه وبين ما نص عليه في حكمه اشتراكاً ولا يصلح أن يكون غاية لأدنى المقتات؛ لأن هاهنا ما ليس من جنسه مما يكال، والشيء لا يكون غاية لغير جنسه ولا أدنى المأكولات؛ لأنه ليس بما دون الحشائش وغيرها مما يؤكل على وجه التداوي، فلا يجوز أن يقال: إنها دونه ولا أنه دونها؛ لأن كل واحد منها نوع مختص بالمنفعة التي يراد لها، فلم يبق إلا أنه غاية للمقتات، وما في معناه مما تبعه، وهذا الدليل يخص مذهبنا، ويعم مخالفينا. فأما ما يخص كل فريق، فدليلنا على أهل العراق أن الطعام لابد أن يكون معتبراً في العلة، بدليل قوله ﷺ : (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)، والحكم المعلق على اسم مشتق تعلق به. واستفيد منه وجوب لأجله، كقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما﴾، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وما أشبه ذلك؛ ولأن من قولنا أن التفاضل يحرم في قليل البر والتمر الذي لا يتأتى كيله بانفراد، وعندهم لا يحرم إلا فيما يتأتى كيله، ولا يحرم في الكف بالكفين والتمر بالتمرتين. فدليلنا قوله : ﴿وحرم الربا﴾ والربا الفضل في أحد المبيعين، وقوله ﷺ : (لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلاً بمثل، كيلاً بكيل، سواء بسواء)، والكيل مشروط للتخلص من
стр. 412
الربا؛ لأن التحريم يفتقر إليه، وقيل لأن كل جنس حرم التفاضل في كثيره حرم في قليله كالذهب والفضة، وفي هذه الطريقة نظر على الأصول. ولأن العلة فرع الأصل المنتزعة منه فإذا عادت بمخالفته دل على بطلانها؛ لأنا إنما نستخرجها لنرد بها ما سكت عنه إلى ما نطق به لا لنخرج بها بعض المنطوق وهذه صفة علة؛ لأن الخبر عام في كل طعام وعلتهم تخصه، فيقصر تحريم التفاضل على بعضه، وهو قدر ما يتأتى كيله، وإذا عادت العلة بمخالفة أصلها بطلت. ولأن الكيل قد ثبت كونه علماً على التحليل بقوله: "إلا كيلاً بكيل" فلا يجوز أن يكون جالباً لضده الذي هو التحريم؛ لأن الشيء إذا كان علماً على حكم لم يكن علماً على ضده، ألا ترى أن الحيض لما كان علماً على سقوط فرض الصلاة لم يكن علماً على وجوبها، وكذلك الجنون. ولأن الجنس إذا كان فيه الربا بعلة، لم ينتقل عنها بتنقل أحواله وتغيرها، كالذهب والفضة لما كانت علتها عند المخالف الوزن لم ينتقل حكم الربا عن النقار والتبر بالسكة والصياغة، بل كان ثابتاً فيها بتلك العلة، فإذا ثبت ذلك فلا تخلو الحنطة إذا طحنت أو خبزت أن يكون الربا ثابتاً؛ فيها أو غير ثابت فإن كان زائلاً عنها حصل في ذلك أن اختلاف الصفات على ما فيه الربا يغير الحكم. وذلك خلاف الأصول، وإن كان ثابتاً فيها كان بعلة أخرى وهو الوزن، وقد بينا أن
стр. 413
اختلاف الصفات على الجنس الذي يحرم التفاضل فيه لا ينقله عن الحكم. ودليلنا من طريق الترجيح أن علتنا يتعلق تأثيرها بكل واحد من المنصوص عليه، لأنه لولم يذكر لم يستفد تعلق الربا بنوعه، ولا يوجد ذلك في علل مخالفنا؛ لأنه يستوي فيه نفصه علة واجد منها وعلى جميعها؛ لأن الأكل والكيل واحد فيها ولا عبرة عندهم في اختلافها، فكانت علتنا أولى به؛ لأن علتنا تستوفي أصلها ولا تنفرد بتخصيصه، فكانت أولى من علة أبي حنيفة العائدة بمخالفة أصلها ورفع بعضه؛ لأن علتنا وهي الاقتيات والادخار معنى ثابت لازم في الأشياء المعللة به، وليس كذلك الكيل والوزن. ولأن نظير علتهم في الأصول لا تؤثر في الربا وهو الذرع والعدد فإنهما يرادان ليعرف بهما مقدار الأشياء كما يراد الكيل والوزن لذلك، ثم ثبت أنهما لا يجوز أن يكونا علة في الربا فالأشبه أن يكون كذلك الكيل والوزن، وعلتنا سليمة من كل هذه الاعتراضات فكانت أولى؛ ولأن الربا شرع تحريمه حراسة للأموال وحفظاً لها، ولا نتفاء الضرر عن الناس فيها، وقد ثبت أنه ليس بعام عندنا وعندهم في كل المثمونات، فوجب أن يكون فيما تمس الحاجة إليه وتشتد الضرورة إلى حفظه، وهو في المأكولات، الأقوات وما في معناها، وفي الموزونات، الأثمان وما في بابها، وقد دخل الكلام على الشافعي في هذه الجملة والله أعلم.
[٨٥٨] فصل: وعلة الربا في الذهب والفضة كونهما أثماناً وقيماً للمتلفات، فهي مقصورة عليهما غير متعدية. وعند أبي حنيفة أن العلة فيهما كونهما جنسين موزونين فيتعدى ذلك إلى الحديد والرصاص وإلى كل جنس موزون، والكلام معهم في موضعين: أحدهما: أن تدل على صحة علتنا. والأخرى: أن العلة المقصورة تصح عندنا، وهذا موضعه في كتب الأصول إلا أنا نذكر ههنا جملة منه.
стр. 414
ودليلنا أولا على نفس المسألة أنه قد ثبت جواز إسلام الذهب والفضة في الحديد والرصاص وغيرهما من الموزونات، وتحرير العلة أن نقول: كل شيئين جاز إسلام أحدهما في الآخر لم يجمعهما علة واجدة في الربا، أصله الذهب والحنطة، وكل شيئين امتنع إسلام أحدهما في الآخر مما فيه الربا فإنهما يجتمعان في علة واحدة، أصله الذهب والفضة؛ ولأن كل جنس جاز التفاضل بين معموله ومهمله فلا ربا فيه، أصله التراب والقصب. وذلك أن أبا حنيفة يجيز التفاضل بين قطع الرصاص وبين الأواني المصوغة منه، وكذلك الصفر وغيره، ولو كان فيه الربا لم يفترق الحكم بين معموله ومهمله كالذهب والفضة.
[٨٥٩] فصل: ودليلنا على صحة العلة المقصورة أن عدم التعدي ليس فيه أكثر من تعذر القياس وذلك غير مانع من صحة العلة مع التعبد بالقياس؛ لأنه لو نص صاحب الشرع على أنها علة فيه ومنع القياس على المنطوق به لاستفدنا بذلك كونها علة وإن لم نستفد جواز القياس عليها، فكذلك تعذر القياس مع التعبد به ليس بأبلغ من تحريمه؛ ولأن تعديها إلى الفرع درجة تتأخر عن كونها علة؛ لأنا إذا علمناها عنه بطريقها الذي يعلم منه عديناها، وما يجب تقديمه على الشرط لا يصح اشتراطه فيه لأن ذلك إحالة.
[٨٦٠] مسألة: ولا يجوز في بيع مطعوم بمطعوم تأخير على وجه كان، مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه جنساً أو جنسين، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن القبض ليس من شرطه إلا أن يكون جزءاً من صبرة. لقوله ﷺ : إنما الربا في النسيئة. وقوله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب
стр. 415
والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير إلا عيناً بعين يداً بيد. وقوله: الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وها والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير إلا هاء وهاء. ولأن كل شيئين لا يجوز أن يسلم أحدهما في الآخر مع كونه مما يجوز السلم فيه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر إلا يداً بيد، أصله الذهب بالحلي، والذهب بالفضة. ولأنه بيع طعام بطعام كالجزء من الصبرة.
[٨٦١] مسألة: كل ما لا يحرم التفاضل في نقده كالثياب والحيوان وسائر العروض، يجوز بيع الجنس بعضه ببعض متماثلاً ومتفاضلاً نقداً، ولا يجوز متفاضلاً نساء بوجه، والاعتبار عندنا في الجنسية اتفاق الأغراض والمنافع واختلافها، وقال أبو حنيفة: الجنس بانفراده علة في منع بيع بعضه ببعض نساء متفاضلاً ومتماثلاً، وقال الشافعي: كل ما لا ربا في نقده فجائز بيع بعضه ببعض نساء متماثلاً ومتفاضلاً. والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في جواز بيع الواحد بالواحد من جنسه إلى أجل فجوزناه ومنعوه. ودليلنا قوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾، وفي حديث عبدالله بن عمر أنه ابتاع البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة بأمر رسول الله ﷺ . ولأنه
стр. 416
إجماع الصحابة لأن علياً ﵁ باع بعيراً له يد على عصيفير بعشرة أبعرة إلى أجل. وابن عمر باع بعيراً له بأربعة أبعرة إلى أجل، ولا مخالف لهما؛ ولأن الجنس بانفراده لا يكون علة في تحريم النساء، وإنما يكون ذلك متى تعلق به التفاضل إما في البيع وإما في الجنس المبيع، فأما جعله بانفراده علة فذلك مخالف للأصول.
[٨٦٢] فصل: والخلاف بيننا وبين الشافعي في العبد بالعبدين من جنسه والبعير بالبعيرين من جنسه فمنعناه وجوزه، ودليلنا قوله: إنما الربا في النسيئة. ولأن في ذلك ذريعة إلى القرض الذي يجر نفعاً؛ لأنه كأنه أقرضه، بعيراً ببعيرين إلى أجل؛ لأنه ليس هناك اختلاف أغراض وتباين منافع يحمل التفاضل عليه، فلم يبق إلا ما قلناه. وإذا قويت التهمة فيه منعناه، لكون فيه ذريعة إلى الأمر الممنوع.
[٨٦٣] مسألة: اختلف أصحابنا في تخريج قول مالك في بيع الحنطة بالدقيق فمنهم من يقول: المسألة على روايتين إحداهما: الجواز، والأخرى: المنع. ومنهم من يقول: إنها على اختلاف حالين: إن كان كيلاً بكيل فلا يجوز، وإن كان وزناً بوزن جاز. وعند أبي حنيفة والشافعي، لا يجوز بوجه. ودليلنا على جوازه كيلاً بكيل أنه ليس في كونه دقيقاً أكثر من تفريق أجزاء الحنطة، وذلك لا يمنع الكيل، ولا ينافي المماثلة؛ لأن الجنس إذا أتى عليه في المكيال أخذ من الدقيق كما يأخذ من الحنطة.
стр. 417
[٨٦٤] مسألة: ويجوز بيع الدقيق بالدقيق كيلاً خلافاً للشافعي. للظاهر، ولأن التساوي موجود فيهما في الحال كالحنطة بالحنطة. ولأنه نوع فيه الربا فإذا افترقت أجزاؤه جاز بيع بعضها ببعض إذا تماثلا فيما يتماثل فيه أصله، كالعصير بالعصير والشيرج بالشيرج.
[٨٦٥] مسألة: بيع السويق بالحنطة وبالدقيق جائز مع التفاضل والتماثل، خلافاً للشافعي. لأن الصنعة قد غيرت حكم السويق وجعلته جنساً منفرداً عن الحنطة، وللتغيير بالصنعة تأثير في اختلاف الجنسية، ألا ترى أن لحم الضان والمعز لا يجوز متفاضلاً ثم بيع الشيء بالمطبوخ متفاضلاً جائز لاختلاف الأغراض فيها، كذلك السويق والدقيق.
[٨٦٦] مسألة: يجوز بيع اللحم باللحم والخبز بالخبز والبيض بالبيض على التحري، ومن أصحابنا من أجازه على الإطلاق. ومنهم من شرط فيه تعذر الموازين كالبوادي والأسفار. وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز بوجه. فدليلنا أن النقل مستفيض عن الصحابة أنهم كانوا يقتسمون اللحوم على التحري. والقسمة إما بيع أو في حكم البيع، كل واحد من المقتسمين،، حظه بخظ أخيه. ولأن الحزر في الشرع قد جعل طريقاً إلى جواز البيع فيما شرط فيه الكيل والوزن عند تعذرهما، كالزكاة والعرايا فكذلك في مسألتنا للضرورة، وهي أن الموازين تتعذر وتشق، فلو قلنا إنهم لا يقسمون اللحم في الأسفار إلا بميزان كشف ذلك وأدى إلى ضياعه، وإلى فوات الانتفاع به، فجاز لهذه الضرورة اقتسامه على التحري، فإذا جاز في القسمة جاز في البيع لأنه لا أحد يندم.
[٨٦٧] مسألة: اللحوم ثلاثة أصناف: لحم الأنعام، والوحش صنف، ولحوم الطير صنف، ولحوم ذوات الماء صنف، يجوز بيع كل جنس منه بخلافه متفاضلاً، ولا يجوز بصنفه إلا متماثلاً. وقال أبو حنيفة: كلها أصناف لاختلاف أصولها. وقال الشافعي كلها صنف واحد. والخلاف بيننا
стр. 418
وبين أبي حنيفة في بيع لحم الغنم بغيره من ذوات الأربع متفاضلاً، فجوزوه ومنعناه. فدليلنا قوله : ﴿وحرم الربا﴾. وقوله ﷺ : الطعام بالطعام مثلاً بمثل. ولأنه من بهيمة الأنعام فلم يجز بيعه بما شاركه في هذا الوصف متفاضلاً، أصله إذا بيع بنوعه، ولأن جنس ذوات الأربع لا يجوز التفاضل في لحمه بعضه ببعض كما لو كان من نوعه. ودليلنا على بطلان القول بأنه صنف، قوله ﷺ : إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم. والجنسية هاهنا المراد بها تباين المنافع والأغراض، وقد ثبت أن لحم السمك ليس من جنس لحم الإبل، لأنهما لا يتفقان في غرض ولا منفعة، ولا يؤكل أحدهما على الوجه الذي يؤكل عليه الآخر، فيجب أن يكونا جنسين؛ ولأن لحوم السمك طعام لا يحتاج إلى ذكاته، فوجب أن يكون جنساً يفارق ما يحتاج إلى ذكاته كالعسل والخل.
[٨٦٨] مسألة: لا يجوز بيع الرطب بالتمر. خلافاً لأبي حنيفة لما روى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ سئل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا نعم فنهى عنه، وروي فلا إذا وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا التمر بالرطب وهذا نص. وروى سهل بن أبي حثمه أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر وأرخص في العرية أن تباع بخرصها فيأكلها أهلها
стр. 419
رطباً، ففيه دليلان: أحدها: العموم. والآخر: استثناء العرية تثبت أن ما عداها باق على أصل المنع. وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع التمر بالتمر، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، ونقل هذا التفسير، عن جابر، وأبي سعيد، وسهل بن أبي خثمة وليس يخلو أن تكون رواية عن رسول الله ﷺ ، فإن كان كذلك فهو غاية المراد، وإن كان من عند الصحابي، فهو أولى من تفسير غيره. ولأنه جنس فيه الربا بيع منه مجهول بمعلوم فلم يجز أصله بيع الشيرج بالسمم والزيتون بالزيت، ولأنه جنس فيه الربا بيع بعضه ببعض على صفة تنقص إحداهما عن الأخرى في المستقبل، فوجب أن لا يجوز، أصله بيع العجين بالدقيق، ولأن المماثلة معتبرة باختلاف حاليهما في رطوبة أحدهما وجفاف الآخر فمنع التماثل فلم يجز البيع.
[٨٦٩] مسألة: يجوز بيع الرطب بالرطب متماثلاً. خلافاً للشافعي. لقوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تبايعو الثمر بالتمر حتى يبدو صلاحها)، وما بعد
стр. 420
الغاية بخلاف ما قبلها، ولأنها ثمرة بيعت بجنسها وهما على حال متساويين فيها فجاز ذلك كالتمر بالتمر، ولأن كل جنس جاز بيعه بجنسه حال جفافهما جاز حال رطوبتهما كاللبن باللبن. ولأنها إحدى حالاته فكان مماثلاً لما ساواه فيها من جنسه كحال الجفاف، ولأن كل حال كانت طريقاً للمماثلة بين اليابسين فكذلك بين الرطبين كحال الجفاف.
[٨٧٠] مسألة: لبن الآدميات طاهر يجوز بيعه وشربه، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعه. فدليلنا قوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. ولأنه لبن طاهر فأشبه لبن الشاة، ولأن كل ما جاز شربه جاز بيعه أصله الماء.
[٨٧١] فصل: وهو طاهر، خلافاً لبعض الشافعية؛ لأنه مائع يجوز شربه كالماء، ولأنه لبن حيوان طاهر اللحم كالشاة.
[٨٧٢] مسألة: كل جنس فيه الربا إذا بيع بمثله فلا يجوز أن يكون مع أحد الجنسين شيء غيره، ولا معهما وسواء كان ذلك الغير مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع صاع تمر وثوب بصاعي تمر، فجعل أحد الصاعين في مقابلة صاع وجعل الثوب في مقابلة الصاع الآخر، وكذلك دينار ودرهم بدينارين. ودليلنا حديث فضالة بن عبيد قال: (أتي النبي ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، فقال: لا حتى يميز بينهما، فقال: ما أردت الحجارة، فقال: لا حتى يميز بينهما). ولأن المماثلة إذا كانت معتبرة في بيع الذهب بالذهب
стр. 421
والتمر بالتمر وجب أن لا يكون مع أحدهما غيره؛ لأن ذلك يمنع المماثلة، لأنا نعلم أن الذهب المنفرد ليس في مقابلته ذهب مثله، وإنما في مقابلته ذهب وشيء آخر ولأن الصفقة إذا تناولت أشياء فإن جملة الثمن في مقابلة جملة المبيع ويقسط على المبيع بالقيمة، وإذا تبايعا صاعين تمراً بصاع وثوب، فقد حصل أن الصاعين في مقابلة جملة الصاع والثوب، ولا يؤمن أن يكون قيمة الثوب صاعين أو أكثر من صاع فيؤدي ذلك إلى أن يكون صاعاً في مقابلة أقل من صاع، وذلك رباً؛ لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ولأنه جنس فيه الربا فإذا بيع شيء منه مع غير جنسه بشيء من جنسهلم يصح، أصله إذا كان المفرد مثل الذي معه غيره كصاع تمر وثوب بصاع تمر منفرد.
[٨٧٣] مسألة: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه الذي لا يجوز بيع لحم بعضه ببعض متفاضلاً إذا كان الحي كبيرا ليس يصلح إلا للذبح، ويجوز بغير نوعه، فالأول مثل لحم غنم بجمل حي والثاني لحم شاة بطير حي، وقال أبو حنيفة: يجوز على كل وجه، وقال الشافعي: لا يجوز على كل وجه. فدليلنا على أبي حنيفة نهيه ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان، وروي أنه نهى عن بيع الحي بالميت؛ ولأن اللحم نوع يدخله الربا، ولا يجوز بيعه بأصله من غير صناعة مؤثرة كالشيرج بالسمسم، ولأن ذلك على أصلنا مزابنة وهو بيع معلوم بمجهول من جنسه.
[٨٧٤] فصل: ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. ولأنه لحم بيع بجنس مخالف له كالعبيد والحمير، ولأن
стр. 422
الأغراض مختلفة فيه فأشبه ما ذكرناه.
[٨٧٥] مسألة: لا يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلاً. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لما روي أن معمر بن عبدالله أرسل غلامه بصاع من قمح فقال بعه واشتر شعيراً فأخذ صاعاً وزيادة، فقال: رده ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وكان طعامنا يؤمئذ الشعير، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر، وسعد، ومعمر بن عبدالله، وعبدالرحمن بن عوف، ولا مخالف لهم. ولأنهما يتقاربان في المنافع ويتفقان في المنبت والحصاد، وأحدهما لا يخلو من الآخر، فكانا كالجنس الواحد، واعتباراً بالعلس مع الحنطة والمشمس مع الزبيب.
стр. 423
[٨٧٦] مسألة: التفاضل جائز في الماء، وروى ابن نافع منع بيعه إلى أجل بالطعام. قال القاضي فعلى هذا يجب أن يحرم التفاضل فيه، وهو قول الشافعي. فوجه الأول: أن الربا إنما حرم حراسة للأموال. وحفظاً لها ومصلحة للناس، ولذلك خص ما تمس الحاجة إليه، والماء أصله مباح غير متشاح فيه، فكان منافياً لموضوع المقصود بالربا. ووجه الثاني: أنه مما يقوم الأبدان بتناوله كالقوت، ولأنه أولى بذلك من جميع الأقوات؛ لأنه ليس فيه ما يقوم مقامه والأول أظهر.
[٨٧٧] مسألة: الربا ثابت بين المسلمين في دار الحرب كثبوته في دار الإسلام، وقال أبو حنيفة إذا أسلم فيها رجلان أو دخلها رجلان مسلمان فتبايعا بالربا جاز. ودليلنا قوله : ﴿وحرم الربا﴾. وسائر الظواهر، ولأن كل مبيع لم يصح في دار الإسلام لم يصح في دار الحرب كسائر البيوع الفاسدة. ولأن كل ما كان محظوراً على المسلمين في دار الإسلام كان محظوراً عليهم في دار الحرب كالزنا، وشرب الخمر، ولأن المسلم متى حصل في دار الحرب بأمان فأموالهم عليه محظورة، فلم يجز مبايعتهم بالربا كالحربي إذا دخل إلينا بأمان فماله علينا محظور، ولا يجوز لنا مبايعته بالربا، ولأنه مال مأخوذ بعقد، فلم يجز أخذه بعقد فاسد كالنكاح الفاسد إذا أمهر فيه.
[بيع الأصول وثمرها]
[٨٧٨] مسألة: إذا بيع أصل حائط وفي نخله ثمر فلا يخلو أن يكون أبر أو لم يؤبر فإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع وإن كان قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وقال أبو حنيفة الثمرة في الحالتين للبائع، وقال ابن أبي ليلى: الثمرة في الحالتين للمبتاع. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، فشرط في
стр. 424
كونها للبائع أن تؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل خلقته فوجب أن يتبعه في المبيع بمقتضى العقد، كالحمل في البطن واللبن في الضرع، ودليلنا على ابن أبي ليلى الخبر، ولأنه بعد الأبار له حكم نفسه فلم يتبع أصله كالجنين إذا ظهر.
[٨٧٩] مسألة: إذا كانت الثمرة قد أبرت فليس للمشتري إجبار البائع على نقل ثمرته من النخل قبل أوان الجذاذ. خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن من ابتاع شيئاً مشغولاً بحق للبائع فإن البائع يكلف نقله على ما جرت العادة به. ألا ترى أنه لو ابتاع داراً وفيها أكرار طعام لم يكلف نقله في جوف الليل ولا في جملة واحدة، بل على مهل بحسب العادة؛ كذلك في مسألتنا العادة أن الناس لا ينقلون ثمارهم إلا بعد أن تبلغ ويستحكم صلاحها، فكلف المبتاع تبقيتها على النخل ليأخذها البائع على العادة، ولأن من باع شيئاً وكانت منفعة المبيع مستثناة للبائع أو غيره بالعقد، فإن له استيفاء تلك المنفعة المستثناة له بالعقد على كمالها كمن ابتاع أمة ولها زوج فإن منفعة البضع مستثناة للزوج بنفس العقد، وله استيفاؤها على كمالها كذلك في مسألتنا.
[بيع الثمرة قبل بدو صلاحها]
[٨٨٠] مسألة: لا يجوز بيع ثمرة قبل بدو صلاحها على الإطلاق من غير شرط القطع. خلافاً لأبي حنيفة في قوله يجوز ذلك ويؤخذ المبتاع بقطعها في الحال. والكلام في فصلين: أحدها: أن البيع فاسد. والآخر: أن الإطلاق عندنا يقتضي التبقية، وعنده القطع،
стр. 425
فدليلنا على فساد البيع ما روي أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وروي حتى تزهى أو قال حتى تحمر أو تصفر. والنهي يقتضي الفساد، ولأنه عقد على ثمرة منفردة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع، فلم يصح، أصله إذا باعاها بشرط التبقية. ودليلنا على أن الإطلاق يقتضي التبقية قوله ﷺ : أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحكم مال أخيه، ومنع الثمرة إنما يكون بجائحة، وذلك إنما يخاف منه على ثمرة مبقاة، ولأن الإطلاع محمول على العادة، والعادة التبقية على ما بيناه، فوجب حمل الإطلاق عليها.
[٨٨١] مسألة: يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها على شرط التبقية، خلافاً لأبي حنيفة، لنهيه ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. فدل على أن الصلاح إذا بدا جاز بيعها على الإطلاق. ولأنا قد بينا أن الإطلاق يقتضي التبقية، فإذا شرط التبقية فقد شرط موجب العقد فلم يمنع.
[٨٨٢] مسألة: بدو الصلاح في النخل أن تحمر أو تصفر، وفي العنب
следующие страницы →