Полный текст (912 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
والتمر بالتمر وجب أن لا يكون مع أحدهما غيره؛ لأن ذلك يمنع المماثلة، لأنا نعلم أن الذهب المنفرد ليس في مقابلته ذهب مثله، وإنما في مقابلته ذهب وشيء آخر ولأن الصفقة إذا تناولت أشياء فإن جملة الثمن في مقابلة جملة المبيع ويقسط على المبيع بالقيمة، وإذا تبايعا صاعين تمراً بصاع وثوب، فقد حصل أن الصاعين في مقابلة جملة الصاع والثوب، ولا يؤمن أن يكون قيمة الثوب صاعين أو أكثر من صاع فيؤدي ذلك إلى أن يكون صاعاً في مقابلة أقل من صاع، وذلك رباً؛ لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ولأنه جنس فيه الربا فإذا بيع شيء منه مع غير جنسه بشيء من جنسهلم يصح، أصله إذا كان المفرد مثل الذي معه غيره كصاع تمر وثوب بصاع تمر منفرد.
[٨٧٣] مسألة: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه الذي لا يجوز بيع لحم بعضه ببعض متفاضلاً إذا كان الحي كبيرا ليس يصلح إلا للذبح، ويجوز بغير نوعه، فالأول مثل لحم غنم بجمل حي والثاني لحم شاة بطير حي، وقال أبو حنيفة: يجوز على كل وجه، وقال الشافعي: لا يجوز على كل وجه. فدليلنا على أبي حنيفة نهيه ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان، وروي أنه نهى عن بيع الحي بالميت؛ ولأن اللحم نوع يدخله الربا، ولا يجوز بيعه بأصله من غير صناعة مؤثرة كالشيرج بالسمسم، ولأن ذلك على أصلنا مزابنة وهو بيع معلوم بمجهول من جنسه.
[٨٧٤] فصل: ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. ولأنه لحم بيع بجنس مخالف له كالعبيد والحمير، ولأن
стр. 422
الأغراض مختلفة فيه فأشبه ما ذكرناه.
[٨٧٥] مسألة: لا يجوز بيع الحنطة بالشعير متفاضلاً. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لما روي أن معمر بن عبدالله أرسل غلامه بصاع من قمح فقال بعه واشتر شعيراً فأخذ صاعاً وزيادة، فقال: رده ولا تأخذن إلا مثلاً بمثل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلاً بمثل، وكان طعامنا يؤمئذ الشعير، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر، وسعد، ومعمر بن عبدالله، وعبدالرحمن بن عوف، ولا مخالف لهم. ولأنهما يتقاربان في المنافع ويتفقان في المنبت والحصاد، وأحدهما لا يخلو من الآخر، فكانا كالجنس الواحد، واعتباراً بالعلس مع الحنطة والمشمس مع الزبيب.
стр. 423
[٨٧٦] مسألة: التفاضل جائز في الماء، وروى ابن نافع منع بيعه إلى أجل بالطعام. قال القاضي فعلى هذا يجب أن يحرم التفاضل فيه، وهو قول الشافعي. فوجه الأول: أن الربا إنما حرم حراسة للأموال. وحفظاً لها ومصلحة للناس، ولذلك خص ما تمس الحاجة إليه، والماء أصله مباح غير متشاح فيه، فكان منافياً لموضوع المقصود بالربا. ووجه الثاني: أنه مما يقوم الأبدان بتناوله كالقوت، ولأنه أولى بذلك من جميع الأقوات؛ لأنه ليس فيه ما يقوم مقامه والأول أظهر.
[٨٧٧] مسألة: الربا ثابت بين المسلمين في دار الحرب كثبوته في دار الإسلام، وقال أبو حنيفة إذا أسلم فيها رجلان أو دخلها رجلان مسلمان فتبايعا بالربا جاز. ودليلنا قوله : ﴿وحرم الربا﴾. وسائر الظواهر، ولأن كل مبيع لم يصح في دار الإسلام لم يصح في دار الحرب كسائر البيوع الفاسدة. ولأن كل ما كان محظوراً على المسلمين في دار الإسلام كان محظوراً عليهم في دار الحرب كالزنا، وشرب الخمر، ولأن المسلم متى حصل في دار الحرب بأمان فأموالهم عليه محظورة، فلم يجز مبايعتهم بالربا كالحربي إذا دخل إلينا بأمان فماله علينا محظور، ولا يجوز لنا مبايعته بالربا، ولأنه مال مأخوذ بعقد، فلم يجز أخذه بعقد فاسد كالنكاح الفاسد إذا أمهر فيه.
[بيع الأصول وثمرها]
[٨٧٨] مسألة: إذا بيع أصل حائط وفي نخله ثمر فلا يخلو أن يكون أبر أو لم يؤبر فإن كان لم يؤبر فهو للمبتاع وإن كان قد أبر فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وقال أبو حنيفة الثمرة في الحالتين للبائع، وقال ابن أبي ليلى: الثمرة في الحالتين للمبتاع. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : من باع نخلاً قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، فشرط في
стр. 424
كونها للبائع أن تؤبر، فدل على أنها قبل التأبير ليست له، ولأنه كامن في أصل خلقته فوجب أن يتبعه في المبيع بمقتضى العقد، كالحمل في البطن واللبن في الضرع، ودليلنا على ابن أبي ليلى الخبر، ولأنه بعد الأبار له حكم نفسه فلم يتبع أصله كالجنين إذا ظهر.
[٨٧٩] مسألة: إذا كانت الثمرة قد أبرت فليس للمشتري إجبار البائع على نقل ثمرته من النخل قبل أوان الجذاذ. خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن من ابتاع شيئاً مشغولاً بحق للبائع فإن البائع يكلف نقله على ما جرت العادة به. ألا ترى أنه لو ابتاع داراً وفيها أكرار طعام لم يكلف نقله في جوف الليل ولا في جملة واحدة، بل على مهل بحسب العادة؛ كذلك في مسألتنا العادة أن الناس لا ينقلون ثمارهم إلا بعد أن تبلغ ويستحكم صلاحها، فكلف المبتاع تبقيتها على النخل ليأخذها البائع على العادة، ولأن من باع شيئاً وكانت منفعة المبيع مستثناة للبائع أو غيره بالعقد، فإن له استيفاء تلك المنفعة المستثناة له بالعقد على كمالها كمن ابتاع أمة ولها زوج فإن منفعة البضع مستثناة للزوج بنفس العقد، وله استيفاؤها على كمالها كذلك في مسألتنا.
[بيع الثمرة قبل بدو صلاحها]
[٨٨٠] مسألة: لا يجوز بيع ثمرة قبل بدو صلاحها على الإطلاق من غير شرط القطع. خلافاً لأبي حنيفة في قوله يجوز ذلك ويؤخذ المبتاع بقطعها في الحال. والكلام في فصلين: أحدها: أن البيع فاسد. والآخر: أن الإطلاق عندنا يقتضي التبقية، وعنده القطع،
стр. 425
فدليلنا على فساد البيع ما روي أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وروي حتى تزهى أو قال حتى تحمر أو تصفر. والنهي يقتضي الفساد، ولأنه عقد على ثمرة منفردة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع، فلم يصح، أصله إذا باعاها بشرط التبقية. ودليلنا على أن الإطلاق يقتضي التبقية قوله ﷺ : أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحكم مال أخيه، ومنع الثمرة إنما يكون بجائحة، وذلك إنما يخاف منه على ثمرة مبقاة، ولأن الإطلاع محمول على العادة، والعادة التبقية على ما بيناه، فوجب حمل الإطلاق عليها.
[٨٨١] مسألة: يجوز بيع الثمرة بعد بدو صلاحها على شرط التبقية، خلافاً لأبي حنيفة، لنهيه ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. فدل على أن الصلاح إذا بدا جاز بيعها على الإطلاق. ولأنا قد بينا أن الإطلاق يقتضي التبقية، فإذا شرط التبقية فقد شرط موجب العقد فلم يمنع.
[٨٨٢] مسألة: بدو الصلاح في النخل أن تحمر أو تصفر، وفي العنب
стр. 426
أن يطعم، وحكي عن قوم قالوا: هو طلوع الثريا. فدليلنا نهيه ﷺ عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل يا رسول الله: وما تزهى قال حتى تحمر وتصفر. وروي أنه ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود والتمر حتى يزهى.
[٨٨٣] مسألة: إذا بدا الصلاح في نخلة واحدة جاز بيع ذلك القراح وما جاوره، إذا كان ذلك الصلاح المعهود، لا المبكر في غير وقته، وقال الشافعي: لا يجوز إلا بيع القراح التي فيه تلك النخلة ولا يباع حائط يبدو صلاح غيره. فدليلنا أن المعتبر في ذلك هو الأمن من الآفة على الثمرة دون الحيازة، ألا ترى أنها لو كانت حائطاً واحداً لجاز بيع باقيه. ولأن مجاورة الأقرحة لهذه القراح كمجاورة نخل القراح لهذه النخلة، فيجب تساويهما، ولأن كون الحدين بين القراحين لا يؤثر في منع المبيع إذا بدا الصلاح كما أن وجودهما لا يؤثر في جوازه قبل مجيء الوقت.
[٨٨٤] مسألة: لا يباع صنف من الثمر بطيب غيره كالعنب والتين والرطب. خلافاً لما يحكى عن الليث إن صح ذلك؛ لأن بدو الصلاح في صنف لا يمنع لحوق الآفة لغيره مما لم يبد صلاحه، ولأنها ثمرة لم يبد صلاحها فلم يجز بيعها، كما لو لم يبد الصلاح في غيرها.
[٨٨٥] مسألة: يجوز بيع المقاثي والمباطخ إذا بدا أولها، وإن لم يظهر ما بعده، وكذلك الأصول المغيبة في الأرض كالجزر والفجل والبصل وما أشبه ذلك. وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز إلا بيع ما ظهر دون ما لم يظهر.
стр. 427
ودليلنا قوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك مع كونه الغرر فيه، لأنا لو منعناه لأدى إلى أحد أمرين: إما أن ينفرد الموجود بالبيع وهو إنما يوجد أولاً فأولاً، وذلك يؤدي إلى اختلاط ما ظهر بما لم يظهر؛ لأن خروجه متتابع فليس يؤخذ الأول إلا وقد خرج الثاني ويشق التمييز بين الثمرتين، أو أن لا يباع إلا بعد ظهور جميعه، وفي ذلك إضاعته وإفساده، فدعت الحاجة إليه مع قلة الغرر فيه، ولأنه قد ثبت جواز بيع ما لم يبد صلاحه من التمر تبعاً لما قد بدا صلاحه، وكذلك يجوز بيع ما لم يخلق تبعاً لما خلق، ولنا فيه استدلال واعتلال، فالاستدلال أن نقول، لأن ظهور الثمرة مع عدم الصلاح جار في منع البيع مجرى عدم ظهور المقاثي والمباطخ في مسألتنا، ثم كان بدو الصلاح في بعض الثمرة كبدوه في جميعها، فيجب أن يكون كذلك ظهور بعضها في مسألتنا بمنزلة ظهور جميعها. والاعتلال، أن تقول: لأنه شرط في جواز بيعها فوجب إذا وجد في بعضها أن يكون كوجوده في جميعها مع التتابع في قوته، أصله بدو الصلاح في الثمر.
[بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره]
[٨٨٦] مسألة: يجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره الأعلى، خلافاً للشافعي، لقوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. ولأنه كامن مأكول في أكمام من أصل الخلقة، فجاز بيعه كالرمان والموز؛ لأن الناس يأكلونه رطباً وبهم حاجة إلى بيعه كذلك؛ لأنه ليس كل أحد يمكنه أن يجفف ثمرته، فلو قلنا إن الباقلاء لا يباع وعليه القشرة الخضراء لأدى
стр. 428
إلى أن يقال: إنه تنزع قشرته، وفي ذلك فساده، أو إلى أن لا يباع رطبا، ً وفي ذلك مشقة.
[بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء]
[٨٨٧] مسألة: يجوز بيع السنبل إذا يبس واستغنى عن الماء، وقال الشافعي لا يجوز. ودليلنا الظاهر، وروى أنس أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض. وروي أنه نهى عن بيع الطعام حتى يفرك،. ولأنه مأكول دون حائل من أصل الخلقة، فجاز بيعه معه، أصله الباقلاء في قشرته السفلى، والجوز واللوز؛ ولأن بيع الأرز جائز في قشرته الحمراء كذلك السنبل.
[بيع الثمرة جزافاً مع الاستثناء]
[٨٨٨] مسألة: يجوز أن يبيع ثمره جزافاً، ويستثني كيلاً معلوماً، وقدره ما بينه وبين الثلث، وقال أبو حنيفة، والشافعي لا يجوز. لأن ذلك إجماع أهل المدينة عملاً متواتراً بينهم. ولأنه استثنى قدراً معلوماً، فجاز كاستثناء الجزء.
[وضع الجائحة]
[٨٨٩] مسألة: توضع الجائحة إذا أتت على ثلث الثمرة فأكثر. وقال أبو حنيفة لا يوضع منها شيء، وهو الأظهر من قول الشافعي. ودليلنا ما روى جابر أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. وروي أنه ﷺ قال: لم
стр. 429
يأخذ أحدهم مال أخيه من ابتاع مال أخيه بغير حق. ولأن بيع الثمار على رؤوس النخل يجري مجرى الإجارة؛ لأن الثمار تؤخذ حالاً فحالاً، كالمنافع إنما تستوفى أولاً فأولاً، ثم إن المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت ضمان المكري، فكذلك الثمار يجب أن تكون من ضمان البائع، ودليلنا على أن مجرد التخلية في بيع الثمار لا يكون قبضاً بمجرد التخلية اتفاقنا على أنها لو تلفت بعطش لكانت من البائع، فلو كانت مقبوضة بنفس التخلية لم يكن ضمانها من البائع بوجه كالعبد والثوب، وتحريره أن يقال: لأنها ثمرة مبيعة محتاجة إلى تبقيتها في النخل تلفت بآفة سماوية، فوجب أن تكون من البائع، أصله إذا تلفت بعطش. لأنه لما لم يكن للبائع مطالبة المبتاع بقطعها دل على أنها غير مقبوضة، ولم ينفع وجود التخلية كمن ابتاع طعاماً من رجل فكاله ليلاً، وخلى بينه وبينه، لم يلزمه نقله حتى يصبح، ولم يكن ملك التخلية قبضاً له.
[بيع المشتري السلعة قبل قبضها]
[٨٩٠] مسألة: كل مبيع متعين لا يتعلق به حق توفية فبيعه قبل قبضه جائز، من أي الأصناف كان من العروض والحيوان والرقيق والمكيل والموزون، سوى الطعام والشراب. وقال أبو حنيفة ما ينقل ويحول لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما لا ينقل ولا يحول كالعقار وشبهه يجوز. وقال الشافعي لا يجوز بيع مبيع بيع قبل قبضه على وجه. فدليلنا قوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. وقوله ﷺ : من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه فدل أن غيره بخلافه. ولأنه أحد العوضين في عقد البيع، فجاز
стр. 430
التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره كالثمن. ولأنه إزاله ملك عن عبد أو حيوان كالعتق. ولأن البيع أحد أسباب التمليك فجاز بيعه قبل قبضه كالميراث والوصية. وعلى أصحاب أبي حنيفة؛ لأنه مبيع غير مأكول فأشبه ما لا ينقل ولا يحول.
[٨٩١] مسألة: إذا ابتاع صبرة طعام جزافاً، وخلى البائع بينه وبينها جاز له بيعها قبل نقلها. خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي. للظاهر، وروى القاسم بن محمد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ
نهى أن يبيع أحد طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه فدل أن الجزاف بخلافه. ولأن الجزاف إذا رفع البائع يده عنه فقد استقر ملك المشتري عليه، ولم يبق حق التوفية بدليل أنّ تلفه يكون من المشتري، وإذا سقط حق التوفية منه واستقر ملك المبتاع عليه، جاز بيعه كالمقبوض.
[التصرية]
[٨٩٢] مسألة: التصرية عيب يثبت به الخيار للمبتاع. خلافاً لأبي حنيفة في قوله ليست بعيب، ولا يثبت بها حق الرد ولا أثر لها في البيع، لقوله ﷺ : لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر ففيه أدلة: أحدها: نهيه عنها، وذلك يفيد كونه عيباً وتدليساً. والثاني: إثباته الخيار لمبتاعها. الثالث: إيجابه صاعاً من تمر بردها بعد الحلب، وعندهم لا يجب؛ ولأن الشاة التي تحلب عشرة أرطال تأخذ من الثمن أكثر مما تأخذ التي تحلب رطلين أو ثلاثة، والاختلاف في قيمتها،
стр. 431
وفي الرغبة فيها متفاوت، وإذا حصلت التصرية فقد دلس البائع على المبتاع ليأخذ ماله بغير حق، كما يسود شعر الأمة التي قد شابت فكان ذلك عيباً موجباً للرد.
[أخذ الأرش مقابل العيب]
[٨٩٣] مسألة: إذا وجد المشتري بالسلعة عيباً، فأراد إمساكها وأخذ الأرش وأجابه البائع إلى ذلك، جاز. خلافاً لمن منعه من أصحاب الشافعي؛ لأن الرد حق للمشتري فله أن يستوفيه، وله أن يعاوض على تركه.
[اطلاع المشتري على عيب في المبيع بعد التصرف فيه]
[٨٩٤] مسألة: إذا تصرف المشتري في المبيع أو حدث عنده عيب ثم ظهر على عيب كان عند البائع، فهو بالخيار، إن شاء دفع أرش العيب الحادث، وإن شاء أمسك ورجع بأرش العيب الذي كان عند البائع. وقال أبو حنيفة له الأرش وليس له الرد. ودليلنا قوله ﷺ في المصراة: إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر ولم يفرق بين أن يحدث بها عيب أو لا يحدث. ولأن في منع المبتاع الرد بحدوث العيب عنده إلزامه قبول سلعة معيبة من غير رضا منه بالعيب ولا تعد منه فلم يلزمه ذلك، أصله لو لم يحدث بها عيب. ولأن الحقين إذا تعارضا كان تقديم حق المشتري أولى؛ لأن البائع لا يخلو أن يكون علم بالعيب فقد دلس، ودخل على أن المبيع مردود عليه، أو أن يكون لم يعلم به فذلك تفريط منه وتقصير، فلم يلزم المشتري منه شيء وكان البائع أولى بالحمل عليه.
[٨٩٥] مسألة: إذا نما المبيع في يد المبتاع بولادة الأمة، أو نتاج الماشية، أوإثمار النخل والشجر، ثم وجد بالأصل عيبا فله الرد. خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن كان ذلك يبطل حقه من الرد؛ لأنه نماء حدث في
стр. 432
يد المشتري بعد العقد، فلم يمنع الرد بالعيب كالغلة والكسب. ولأن الرد لا يسقط إلا بالفوات، والفوات هاهنا هو تلف المبيع، أو تلف منافعه. وإن كان العين قائمة، أو شيء يؤثر في الملك، فما عدا هذا فليس بفوات؛ ولأنهم قد وافقونا على أن العبد إذا أفاد عند المشتري مالاً بوصية أو هبة أو وجد ركازاً، أو التقط لقطة، ثم وجد به عيباً أنه يرده به، ولا يمنعه ذلك من رده، فنقول في مسألتنا بأنه نماء لو كان منفعة لم يمنع الرد، وكذلك إذا كان عيباً، أصله نماء العبد. ولأن أكثر ما في الولادة والنتاج أن يكون عيباً، وقد ثبت أن حدوث عيب عند المشتري لا يمنع الرد.
[٨٩٦] مسألة: إذا ردّ المبيع بعد الولادة والنتاج وإثمار النخل فإنه يرده بالولادة، ولا ترد الثمرة. خلافاً للشافعي في قوله يرد الأصل ولا يرد شيئاً من النماء الذي هو عين. لأن حق الرد لزم في الأمهات قبل الولادة وليس بمعاوضة على منافع، فكان الولد الحادث تبعاً لها فيه كالزكاة؛ ولأنه حكم ثبت في رقبة الأم لسبب عقد، فوجب أن يكون ما حدث لها من ولد في حكمها، أصله ولد المكاتبة، والفرق بينه وبين الثمر خراج فهي للمشتري بالضمان، والولد في حكم الأم فليس بخراج.
[هل يفتقر الفسخ إلى حكم الحاكم]
[٨٩٧] مسألة: الفسخ بالعيب غير مفتقر إلى حكم الحاكم ولا رضى البائع، قبل القبض وبعده. ووافقنا أبو حنيفة فيه قبل القبض، وخالفنا فيه بعد القبض، فقال لا يثبت الفسخ إلا بأحد أمرين: إما بحضورهما، أو حكم الحاكم. فدليلنا قوله ﷺ في المصراة إن سخطها ردها فأطلق؛ ولأنه فسخ عقد بعيب اعتباراً به قبل القبض؛ ولأنه معنى يقطع استدامة العقد، فإذا لم يكن رضى المتعاقدين شرطا فيه لم يكن حضورهما شرطاً فيه، أصل الطلاق.
стр. 433
[رد الأمة بالعيب]
[٨٩٨] مسالة: إذا وطئ الأمة المبتاعة ثم وجد بها عيباً، فله أن يردها بكراً كانت أو ثيباً، ويرد مع البكر ما نقص الافتضاض، ولا يرد في الثيب شيئاً. وقال أبو حنيفة: لا يردهما بعد الوطء،. وقال ابن أبي ليلى: يردهما ويرد معهما العقر وهو مهر المثل. وعند الشافعي، لا يرد البكر، فإن ذلك عيب، وحدوث العيب عند المبتاع يمنع الرد عنه. فدليلنا أنه نوع من الاستخدام، فلم يمنع الرد كالخدمة. ولأنه ضرب من الاستمتاع كالقبلة واللمس للذة؛ ولأن الأمة لو كان لها زوج لم يكن وطِئَها قبل الشراء ثم وطئها بعده لم يمنع ذلك الرد، وكذلك وطء المشتري نفسه، وكذلك لو زنت أو غصبت. ودليلنا على أنه لا يرد معها مهراً أنه وطئ ملكه على وجه لم يتلف شيئاً منه، فلم يلزمه عوض كما لو استخدمها. ودليلنا على أن وطء الثيب ليس بنقص أن كل ما لو وجد من الزوج لم يكن نقصاً فكذلك إذا وجد من المبتاع لم يكن نقصاً، أصله الخدمة.
[٨٩٩] مسألة: إذا ابتاع رجلان سلعة صفقة واحدة، فوجدا بها عيباً وأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك ففيها روايتان: إحداهما: أن لمن أراد الرد أن يرد. وهو قول الشافعي، والأخرى: أن ليس له ذلك، ويأخذ الأرش، وهو قول أبي حنيفة فوجه الأولى أنه بيع اجتمع في أحد طرفيه عاقدان جاز أن ينفرد أحدهما بالرد على الآخر، أصله إذا ابتاع واحد عبداً من اثنين؛ ولأن المشتري يرد جميع ما لزمه منه بالعقد، فأشبه إذا اشتراه بصفقة منفردة؛ ولأن هذا العقد في حكم العقدين، اعتباراً به إذا كان المبتاع واحداً والبائع اثنين. ولأن العقد إذا تناول شيئاً بثمن معلوم فالثمن مقابل الجملة وأجزاؤه تقسط على أجزاء المبيع، فيصير كأن كل واحد مشتر بقدر حصته منفرد بها.
стр. 434
ووجه الثانية أن في ذلك تبعيض الصفقة على البائع، فلم يلزمه كما لو كان المشتري واحداً فأراد رد بعض المبيع.
[حق العبد في الملك]
[٩٠٠] مسألة: والعبد يملك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. لقوله : ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾. والفقر والغنى في الآدميين من صفات الملك. وقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون﴾. وقد ثبت أن هذا التنبيه عام في الأحرار والعبيد، وكذلك الوصف بالملك. وقوله ﷺ : من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع فأثبت أنه للعبد مالاً. ومثل قوله: من أعتق عبداً وله مال فماله له إلا أن يستثنيه سيده. وقياساً على الحر بِعِلَلِ، إما أن نقول: لأنه آدمي حي، فجاز أن يملك كالحر، أو لأنه من جنس يصح تكليفه فيجوز تمليكه كالحر. ولأن الرق حال من حال الآدمي الحي، فجاز أن يملك معها كحال الحرية؛ لأن تغيير الأحوال على الشخص لا يؤثر فيما تعلق بالملك من صحة واستحالة، أصله الحر والبهائم؛ لأن كل حال صح أن يملك بعد زوالها صح أن يملك مع وجودها كالصحة والمرض وسائر الأحوال. ولأن ملك الأمة أحد طرفي استباحة البضع
стр. 435
فصح في العبد كالنكاح. ولأن الوصية للعبد جائزة، فلو كان لا يصح أن يملك لم تصح الوصية له كالبهيمة، أو نقول: لأنه يفيد سبب الملك فصح أن يملك كالحر. ولأن حكم سبب الملك في الأصول حكم الملك في الصحة والامتناع، ألا ترى أنه لا يصح أن يرث ولا يهب ولا يتصدق إلا على من يصح أن يملك، فلما صح في العبد سبب الملك علم أنه يصح ملكه. ولأن كل من ملك شيئاً ملك بدله، فلما ثبت أن العبد يملك استباحة البضع وجب أن يملك ما يخالع به عليه؛ ولأن الدين يصح في العبد ويلحق ذمته، وهو من فروع الملك بدليل استحالته في البهائم استحالة الملك عليها، فدل على أن العبد يملك.
[ضمان المشتري، متى ؟]
[٩٠١] مسألة: سائر المبيعات التي ليس القبض من شروط صحة بيعها، كالعبيد والعروض وغيرهما مما يكال أو يوزن، إذا كانت متعينة ومتميزة ليس فيها حق توفية فضمانها من المشتري قبل القبض. وقال أبو حنيفة، والشافعي ضمانها من البائع حتى يقبضها فدليلنا قوله ﷺ : الخراج بالضمان فجعل الخراج لمن يكون منه، وقد ثبت أن خراج هذا المبيع قبل القبض يكون للمشتري فيجب أن يكون ضمانه منه؛ ولأنه مبيع متعين لا يتعين به حق توفية خراجه للمشتري فكان تلفه منه، أصله إذا قبض؛ لأن الملك لا يخلو أن يكون استقر بنفس البيع الذي هو الإيجاب والقبول المطلق فذلك قولنا، أو بمعنى زائد عليه وهو القبض. والقبض فرع على الملك وتابع له. ألا ترى أنه يجبر البائع على إقباضه للمشتري، وذلك يدل على أن الملك مستقر قبل القبض، ولولا ذلك لم يكن يجبر على الإقباض.
стр. 436
ولأنه قد ثبت أن المشتري لو طلب البائع بالإقباض فلم يقبضه فإنه يأثم ويجبر على إقباضه ويصير في حكم الغاصب، وإذا ثبت ذلك وكان الغاصب متى تلف الشيء المغصوب في يده يلزمه قيمته دون ثمنه، فكذلك في مسألتنا، ولأن الثمن في البيع كالمهر في النكاح؛ لأن كل واحدٍ منهما عوضٌ مستحقٌ بقدر معاوضته، فإذا كان متعيناً وتلف قبل القبض لم يتلف من بائعه كالمهر. قال أصحابنا: ولأن المشتري إذا تلف المبيع وهو في يد البائع قبل قبضه لكان تلفه منه، فدل ذلك على أن ضمانه منه قبل القبض، وكذلك إذا أتلفه غيره، أو أتلف بأمر من الله .
[تعيين الدنانير والدراهم في العقد]
[٩٠٢] مسألة: الظاهر من مذهب أصحابنا في الدنانير والدراهم أنهما لا يتعينان في العقد، وهو قول أبي حنيفة. ولأبن القاسم قول أنها تتعين، وهو قول الشافعي، فوجه نفي التعيين، أنها لو كانت مما يتعين لم يجز إطلاق العقد عليها كالثياب والطعام وسائر ما يتعين؛ ولأنه بدل مستحقٌ على وجه الثمن، فوجب أن يثبت في الذمة؛ أصله إذا أطلقاه ولم يعيّناه؛ ولأن الدارهم والدنانير لا يرادان لأعيانهما وإنما تراد للانتفاع بهما، إذ الأغراض فيهما واحدةٌ، ولا مزية لعين منها على عينٍ؛ لأنه لا شيء تراد له إحدى العينين إلا وهو موجودٌ في الأخرى، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون تعينهما وعدم تعنيهما بمنزلةٍ واحدةٍ. ووجه إثباته أن ما تعين بالقبض جاز أن يتعين بالعقد كغير النقود؛ ولأنه لا خلاف أن القبض طريق للتعيين في كل المقبوض بنفس العقد عليه، بعلة أن كل معنى تعين به غير الأثمان جاز أن يتعين به الأثمان كالقبض، عكسه العقد على شيء في الذمة لما لم يتعين به غير الأثمان لم يتعين به الأثمان؛ ولأن كل جنسٍ يتعين مصوغه بالعقد جاز أن يتعين غير
стр. 437
مصوغه كالحديد. ولأنها متعينةٌ في الودائع والغصوب، وكذلك في الأثمان.
[البيع بشرط البراءة]
[٩٠٣] مسألة: البيع بشرط البراءة جائزٌ في الرقيق دون غيره، ويبرأ البائع مما لا يعلم، ولا يبرأ مما علمه وكتمه، هذا هو المعمول عليه في المذهب. وفيه روايةٌ أخرى، أنه يبرأ من الرقيق وغيره، وروايةٌ ثالثةٌ، أن بيع البراءة لا ينفع ولا يقع به البراءة. وللشافعي فيه اختلاف أقوال كثيرةٍ. فدليلنا على جوازه وبراءة البائع مما لا يعلمه، حديث ابن عمر لما باع عبداً له بالبراءة، فلم ينكر عثمان ولا غيره. ولأنه شرط البراءة من عيبٍ لم يدلس به ولا كتمه في جنسٍ يقدرون على كتمان عيوبهم، فأشبه إذا أراه إياه ووقف عليه.
[٩٠٤] مسألة: إذا علم عيباً فكتمه وتبرأ منه لم يبرأ منه، خلافاً لأبي حنيفة: لقوله ﷺ : إذا بعت فقل لا خلابة. وقوله: من غشنا فليس منا. وروى واثلة" إذا كان بسلعة أحدكم عيبٌ فليره مشتريها
стр. 438
هذا معناه ولحديث ابن عمر لما باع عبده بشرط البراءة فرد عليه بعيبٍ فقال له عثمان تحلف أنك بعته وما به عيبٌ تعلمه، قال: أحلف لقد بعته بالبراءة، فقال عثمان: لا، بل تحلف ما كان به داءٌ. فأبى واسترجع عبده؛ ولأن المشتري دخل على أن البائع مثله في أنه لا يعلم بالمبيع عيباً، والبراءة وقعت على هذا الوجه وإن لم يلفظ فيها. فوجب متى بان له خلافه أن يستحق الرد؛ لأنه قد غره ولبس عليه؛ ولأنه عيبٌ وجد بالمبيع لم يوجد رضى به، ولا أبرأه منه بشرطٍ علم البائع به فلم يلزم المشتري، أصله إذا لم يشترط البراءة منه.
[بيع العبد وعليه دين]
[٩٠٥] مسألة: الدين على العبد عيبٌ يوجب الخيار خلافاً للشافعي؛ لأن صاحب الدين يأخذ ما يكون للعبد من فائدةٍ وهبةٍ وصدقةٍ، فيقطع بذلك حق السيد في انتزاعه.
[تصرف الأعمى بالبيع والشراء]
[٩٠٦] مسألة: بيع الأعمى وشراؤه جائزٌ إذا كان يعرف ما يوصف له، سواءٌ ولد أعمى أو كان بصيراً. خلافاً للشافعي في قوله: لا. يجوز إلا أن يكون بصيراً فعمي، فشاهد شيئاً ثم عمي، فيجوز له بيع ذلك الشيء الذي قد شاهده. لقوله : ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾. وقياساً على البصير بعللٍ، إما لأن كل من جاز نكاحه جاز بيعه وابتياعه كالبصير، ولأن كل من صح سَلَمُه صح بيعه للأعيان كالبصير؛ ولأن كل عقدٍ صح من البصير صح من الأعمى كالسلم؛ ولأنه عقد معاوضةٍ فصح من الأعمى
стр. 439
كالنكاح. وقياساً على ما شاهده قبل ذهاب بصره.
[استبراء الأمة من البائع والمشتري]
[٩٠٧] مسألة: إذا وطئ أمةً فأراد بيعها فعليه أن يستبرئ قبل البيع، وكذلك المشتري يلزمه الاستبراء، فإن اتفقا على استبراءٍ واحدٍ جاز. وقال أبو حنيفة والشافعي: يجب الاستبراء على المشتري دون البائع. وحكي عن قومٍ أنه يجب على البائع دون المشتري. فدليلنا على وجوبه على البائع، أنه إذا وطئها جاز أن تكون حاملاً من ذلك الوطء. فيكون بائعاً لولده ومدخلاً للشبهة في النسب، وقياساً على المشتري بعلة أنه أحد المتابيعين؛ ولأن المشتري إنما لزمه الاستبراء لحفظ مائه، لئلا يدخل ماؤه على ماء غيره، والبائع يلزمه حفظ مائه كما يلزم المشتري فيلزمه الاستبراء؛ ولأنه عقد يبيح وطأها فوجب على مالكها استبراؤها، أصله إذا أراد أن يزوجها، ودليلنا على وجوبه على المشتري، قوله ﷺ : لا توطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلً حتى تحيض. وقوله ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقينَّ ماءه زرع غيره، ولأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً فيكون بوطئه مدخلاً للشبهة في النسب فلزمه الاستبراء.
[٩٠٨] مسألة: إذا ابتاع حائضاً في أول حيضتها أجزأ من الاستبراء،
стр. 440
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لابد من حيضة مستأنفة؛ لأن الحيض أمارةٌ دالةٌ على براءة الرحم، وذلك يحصل بتوالي الدم في أيامها ولا يؤثر فيه فوات ساعةٍ أو يومٍ، ولا يزيل المعنى المقصود منه.
[العلم بالعيب بعد بيع السلعة]
[٩٠٩] مسألة: إذا لم يعلم بالعيب حتى باع السلعة فالصحيح من المذهب أن له الرجوع بالأرش على البائع، خلافاً للشافعي؛ لأن البيع قد ثبت والبائع لم يوفه ما أوجبه له العقد، فكان له الرجوع عليه بالأرش كالعتق والكتابة.
[استبراء الأمة في الإقالة وهي في يد البائع]
[٩١٠] مسألة: إذا تقايلا وهي في يد البائع، أو كانت وديعةً عنده فورثها وكانت قد حاضت عنده لم يحتج إلى استبراء. خلافاً للشافعي في قوله: لا بد لتجدد الملك من الاستبراء؛ لأن العلم ببراءة رحمها حاصلٌ فجاز وطؤها كما لو استبرأها؛ ولأن الاستبراء إنما جعل ليفصل بين الماءين مع إمكان أن يكون هناك ماءٌ، فأما مع تحقق عدمه فلا معنى له.
[بيع الأمة ولها زوج]
[٩١١] مسألة: الزوج للأمة، والزوجة للعبد، عيب يوجب الرد، خلافاً للشافعي؛ لأن منافع البضع مستحقةٌ على السيد كما لو كان فيها شركٌ؛ ولأن عيب الفرج يوجب الرد مع أنه لا يعوق كثيراً من الاستمتاع فالزوج الذي يعوق جميعه أولى؛ ولأن العبد يلزمه النفقة والصداق ويتشاغل عن خدمة سيده.
[رد المبيع بالعيب الباطن]
[٩١٢] مسألة: ما يكون عيبه باطناً لا يوقف عليه إلا بعد إفساده
стр. 441
كالقثاء والبطيخ والجوز والخشب وغيره، على روايتين. والصحيح أنه لا يوجب الرد؛ لأنه يعلم أن البائع لم يكن عالماً به فكان بمنزلة بيع البراءة.
[البيع بشرط البراءة من الحمل]
[٩١٣] مسألة: البيع بشرط البراءة من الحمل غير جائزٌ في المرتفعات كالسراري وشبهها، وجائزٌ في الوخش والتي تراد للخدمة، خلافاً للشافعي في إجازته ذلك في الموضعين؛ لأنه غرر في الرفيعة؛ لأن الأمة المتخذة للوطء والمرادة للتسري يرغب فيها للحسن والجمال، والحمل ينقصها، ويؤثر في نقصان ثمنها تأثيراً بيناً، ويقل الراغب فيها، فإذا تيقن فقد دخل كل واحدٍ على بصيرةٍ وزال الغرر، وصار عيباً ظاهراً رضي به والوخش بخلاف ذلك، بل ربما زاد في ثمنها ويرغب لأجله فيها.
[بيع المرابحة]
[٩١٤] مسألة: بيع المرابحة جائزٌ، خلافاً لمن منعه أو كرهه؛ لأن الثمن معلومٌ للمتبايعين كما لو فصله.
[٩١٥] مسألة: إذا اشترى سلعةً بثمنٍ، ثم باعه بربحٍ، ثم عاد فاشتراها شراءً صحيحاً بالثمن الأول كان له أن يبيعها مرابحةً، ولا يلزمه إسقاط الربح وقال أبو حنيفة: لا يجوز له بيعها مرابحةً إلا بعد إسقاط الربح، فدليلنا أن السلعة ملكت في العقد الثاني بالثمن الذي عقد به، فتعلق الحكم به ولم يعتبر الربح قبله، بدليل لو خسر فيها ثم اشتراها لم يضم الخسران إلى رأس المال.
[تحريم بيوع الآجال]
٩١٦. مسألة: إذا اشترى سلعةً بمائةٍ إلى أجلٍ لم يجز له أن
стр. 442
يبيعها من بائعها نقداً بثمانين، وكذلك لو ابتاعها إلى أجلٍ لم يجز له أن يبيعها من بائعها إلى أجل بزيادة على المائة وأجاز الشافعي كل ذلك، ودليلنا أن هذه المسألة مبنيةٌ على الذرائع وهو الأمر الذي ظاهره الجواز إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، ووجه ذلك أن البائع دفع مائةً نقداً ليأخذ مائةً وخمسين إلى أجلٍ، فذكر السلعة والبيع لغوٌ، وهذا ذريعة إلى العينة. والقرض الجار نفعاً، فلم يجز، ويدل عليه حديث عائشة لما ذكرت لها أم ولد زيد بن أرقم أنها باعته جاريةً بثمانمائة درهمٍ إلى العطاء وأنها اشترتها بعد ذلك بستمائةٍ نقداً، فقالت بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقمٍ أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إن لم يتب فقالت: ماذا أصنع؟ فقالت: قال الله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ ففيه، أدلة أحدها: أن القياس لا يدل على المنع فلم يبق إلا أن تكون صارت إليه توقيفاً أو للذريعة على ما قلناه. والثانية: أنها عدته رباً، وقد علم أنه ليس بربا، فلم يبق إلا أن يكون شرعاً. والثالث: إنها غلظت الأمر فيه تغليظاً لا يبلغ إلى مثله في مسائل الاجتهاد فكان الأغلب أن يكون للتوقيف عندها فيه.
стр. 443
[بيع ملك الغير]
[٩١٧] مسألة: إذا باع ملك غيره من غير إذنه، انعقد البيع ووقف ذلك على إجازة المالك، وكذلك الشراء، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع ولا ينعقد الشراء، وقال الشافعي: لا ينعقد في الموضعين، ودليلنا حديث حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ "أعطاه ديناراً ليبتاع له شاةً، فابتاع له شاةً ثم باعها بدينارين ثم ابتاع بأحدهما شاةً وجاء بالشاة إلى النبي ﷺ ودينارٍ"، ومثله في حديث عروة البارقي، فأخذها ودعا له بالبركة في صفقته، ولأنه عقد تمليكٍ يفتقر إلى إجازةٍ، فجاز أن يوقف كالوصية؛ ولأنه عقد على عينٍ لو وقع من المالك لجاز، فجاز أن يقع موقوفاً على إذنه، أصله التصدق باللقطة؛ ولأن الإجازة أحد موجبي الخيار فصح أن يقف العقد عليها كالفسخ؛ ولأن الإيجاب والقبول قد وجد بين اثنين في عقدٍ له مالكٌ فصح أن ينعقد، أصله إذا وقع من المالك؛ ولأن أحد طرفي العقد يقف على الإجازة فجميعه أولى،
стр. 444
ودليلنا على أبي حنيفة، اعتباراً بالبيع بعلة أنها معاوضةٌ له بغير أمره.
[اجتماع الحلال والحرام في صفقة واحدة]
[٩١٨] مسألة: إذا جمعت الصفقة حلالاً وحراماً، لم يجز شيءً منها أصلاً إذا كان المنع لحق الله ، فإن جمعت ما يجوز وما لا يجوز لحق الغير، جاز منها الجائز، ووقف حق الغير على إجازته، ودليلنا أنه عقد معاوضةٍ جمعت صفقةً جائزاً ومحرماً لحق الله فلم يصح، أصله إذا عقد عقداً واحداً لنكاح أمةٍ أو أجنبيةٍ أو امرأةٍ وبنتها.
[بيع ما لا يمكن أخذه]
[٩١٩] مسألة: السمك في غديرٍ أو بركةٍ، لا يجوز بيعه إذا كان لا يمكن أخذه إلا بكلفةٍ وصيدٍ، خلافاً لأبي حنيفة لنهيه ﷺ عن بيع الغرر، وهذا منه، ولأنه لا يمكن تسليمه بعد العقد؛ لأنه إذا كان في غديرٍ أو بركةٍ فإنه يتوارى في زواياها حيث يتعذر الوصول إليه، ولا يعرف قدره؛ ولأنه باع ما يصاد قبل أخذه ونقله عن حاله، فأشبه الطائر إذا خلاه عن برجه.
[بيع الكلب]
[٩٢٠] مسألة: اختلف أصحابنا في بيع الكلب المأذون في اتخاذه والانتفاع به، فمنهم من قال مكروه ويصح، ومنهم من قال لا يجوز، فوجه الجواز ما روي أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيدٍ أو زرعٍ أو ماشية"؛ ولأنه جارحٌ يصاد به كالبازي؛ ولأنه حيوانٌ
стр. 445
يملك بالأخذ، فجاز أن يملك بالبيع كالصيد؛ ولأنه حيوانٌ يملك بالوصية كسائر الحيوان. ووجه المنع نهيه ﷺ عن ثمن الكلب؛ ولأنه حيوانٌ منهيٌ عن اتخاذه في الجملة كالسباع والأول أظهر.
[٩٢١] مسألة: ومن قتل لرجلٍ كلباً لصيدٍ أو لزرعٍِ أو ماشية فعليه قيمته على الوجهين جميعاً في بيعه، خلافاً للشافعي؛ لأنه عينٌ مأذونٌ في اتخاذها للانتفاع بها، فوجب إذا تلف على صاحبها أن يلزم القيمة متلفها كسائر الأعيان؛ ولأنه حيوانٌ تصح الوصية به، كالخيل والبغال؛ ولأنه حيوانٌ مأذون في الانتفاع به كسائر الحيوان؛ ولأنها بهيمةٌ يجوز الاصطياد بها كالبازي؛ ولأن إجارته جائزةً على أصح وجهي أصحاب الشافعي، وما صحت إجارته جاز وجوب القيمة على متلفه كسائر البهائم.
[بيع الآبق]
[٩٢٢] مسألة: بيع الآبق غير جائز خلافاً لقومٍ؛ لأنه غرر لا يدري هل هو سالمٌ أم تالفٌ؟ وهل هو على صفته أو قد تغيرت؟ ولأنه لا يقدر على تسليمه.
стр. 446
[٩٢٣] فصل: فإذا حصل عند إنسانٍ وعرف صفته وعلم بذلك سيده جاز بيعه منه، خلافاً للشافعي؛ لأنه باع ملكاً له عارفاً بصفته مقدوراً على تسليمه لا حق لغيره فيه، فجاز ذلك كما لو باعه بعد قبضه.
[عهدة الرقيق]
[٩٢٤] مسألة: عهدة الرقيق ثلاثة أيامٍ، وبعدها عهدة السنة، من الجنون والجذام والبرص، وهذا كان بالمدينة، وأما الخلاف فيه اليوم فعلى تقدير أنه إن اتفق عليه أهل بلدٍ وتصالحوا عليه هل يلزم بينهم من لم يشترطه ودخل على البيع المطلق أم لا، هاهنا يتصور الخلاف، فعندنا يلزمه، وعند أبي حنيفة والشافعي، لا يلزم، ودليلنا حديث الحسن عن عقبة أن النبي ﷺ قال:" عهدة الرقيق ثلاثة أيامٍ"؛ ولأن ذلك إجماع أهل المدينة من طريق النقل.
[بيع العبد بشرط العتق]
[٩٢٥] مسألة: يجوز بيع العبد بشرط العتق، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن البيع باطلٌ؛ لأن عائشة ﵂، ابتاعت بريرة بشرط أن تعتق ويكون الولاء لهم قال النبي ﷺ : إنما الولاء لمن أعتق، فجاز البيع بشرط العتق، ومنع اشتراط الولاء فقط؛ ولأنها قربةٌ مبينةٌ على التغليظ بدليل أن البيع يجب لأجله في بعض المواضع فجاز اشتراطه لحرمته.
[قرض الحيوان]
[٩٢٦] مسألة: قرض الحيوان سوى الإماء جائزٌ، خلافاً لأبي حنيفة؛
стр. 447
لأن رسول الله ﷺ استقرض بكراً فقضى رباعياً فقال خياركم أحسنكم قضاء؛ ولأن كل عينٍ صح أن تثبت في الذمة مهراً صح أن تثبت في الذمة قرضاً كالثياب.
[قرض الإماء]
[٩٢٧] مسألة: وقرض الإماء غير جائزٍ، خلافاً لمن أجازه؛ لأنه استمتاع كالعارية فلم تستبح بالقرض كالاستمتاع بأمهات الأولاد؛ ولأنها متعةٌ لا تستباح بالعارية فلم تستبح بالقرض كوطء الزوجة؛ ولأن الاقتراض عقد إرفاقٍ لا يقطع حق المرفق به، فلم يستبح به الوطء كالعارية؛ ولأن الوطء إنما يستباح بملكٍ تامٍ بدليل أن الأمة بين شريكين لا يستبيح كل واحدٍ منهما وطأها، وملك المقترض غير تامٍ؛ لأن للمقترض الرجوع عليه في أخذها، ونكتة المسألة أن المقترض يطؤها ثم يردها فيكون في ذلك ذريعةً إلى إعارة الفرج وإلى استباحتها بغير عقد نكاحٍ ولا ملك يمينٍ وذلك غير جائزٍ.
[تعلق دين بالعبد]
[٩٢٨] مسألة: إذا اتجر العبد بغير إذن سيده، أو بإذنه فلحقه دينٌ، تعلق في ذمته دون رقبته، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه حقٌ لزمه لرضا صاحبه، فلم يتعلق برقبته كما لو كان بغير إذن سيده؛ ولأنه حقٌ لزم العبد فكان محله من المأذون محله من غير المأذون كأرش الجناية.
стр. 448
[إقرار العبد على نفسه]
[٩٢٩] مسألة: إقرار العبد على نفسه بما يلحقه به عقوبةٌ في بدنه كالقتل والقصاص وغير ذلك يقبل، خلافاً لمحمد بن الحسن وداود لقوله ﷺ :من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله . ولم يفرق؛ ولأنه مكلفٌ أقر على نفسه بعقوبةٍ تلحقه في بدنه فقبل منه إقراره كالحر.
[٩٣٠] مسألة: وإذا أقر بسرقة عينٍ في يده وادعاها السيد قطع، وكان عليه غرمها يتبع بها إذا عتق، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يلزمه تسليم العين إلى المقر له؛ لأن العبد ملك للسيد وما معه ملكٌ له إذا ادعاه، أصله الدابة إذا كان عليها سرج فقال العبد هو لأجنبيٍ.
[الكافر يشتري عبدًا مسلماً]
[٩٣١] مسألة: إذا ابتاع الكافر عبداً مسلماً ففيه روايتان: إحداهما: أن العقد لا يصح، والأخر: أنه يصح ويجبر على بيعه فوجه الأولى قوله : ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾. وهذا ينفي ملكهم له؛ ولأن كل عقدٍ منع الكافر من استدامته بحرمة الإسلام منع ابتداء، أصله نكاح المسلمة. ووجه الثانية: هو أن المنع من ذلك لخوف الإذلال والامتهان، وذلك لا ينفي الابتداء، وإنما ينفي الاستدامة، بدليل طريان الإسلام على ملك الذمي للعبد، وأنه قد يرتد، وإنما قلنا: يجبر على إزالة ملكه متى اشتراه لهذا المعنى.
стр. 449
[بيع السلم]
[٩٣٢] مسألة: يجوز السلم في معدوم حال العقد إذا كان يوجد عند المحل، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا بد أن يكون موجوداً حال العقد، لقوله ﷺ : من أسلم فليسلم في كيل معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ ولم يفرق؛ ولأن كل وقت لم يجعل وقتاً للقبض المُسْلَم فيه لم يكن وجوده شرطاً في صحة العقد، أصله ما بعد المحل؛ ولأنه يضبط بالصفة ويوجد عند المحل فجاز السلم فيه، أصله إذا اتصل وجوده من حين العقد إلى حين المحل.
[٩٣٣] مسألة: الصحيح من المذهب أنه لا يجوز السلم الحال، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﵇: في كيل معلومٍ ووزن معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ؛ ولأن السلم إنما جوز ارتفاقاً للمتعاقدين؛ لأن المسلم يقدم الثمن للارتخاص، والمسلم إليه يرغب في ارتخاص الثمن للرفق الذي له في استعجال الانتفاع به وفي الصبر والتأخير، وإذا زال الرفق زال الجواز فكان كالقرض لما كان للرفق بالمقترض كان ما أخرجه عن ذلك يبطله؛ ولأن السلم مشتقٌ من اسمه الذي هو السلف، وهو أن يتقدم رأس المال ويتأخر المسلم فيه، فوجب منع ما أخرجه عن ذلك؛ ولأنه بدل في السلم فوجب أن يقع على وجهٍ واحدٍ اعتباراً برأس المال.
[٩٣٤] مسألة: يجوز أن يسلم في شيءٍ واحدٍ إلى أجلين، وفي شيئين إلى أجلٍ واحدٍ، خلافاً للشافعي في أحد قوليه. لقوله ﷺ : إلى أجلٍ
стр. 450
معلومٍ ولم يفرق؛ ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة إلى أجلٍ جاز أن يكون إلى أجلين كالأثمان؛ ولأنه سلم فيما يضبط صفته مما يجوز أن يسلم فيه إلى وقتٍ معلومٍ يوجد فيه، فأشبه السلم في الشيء الواحد إلى الأجل الواحد.
[٩٣٥] مسألة: يجوز السلم إلى الحصاد والجذاذ والموسم، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لقوله: إلى أجلٍ معلومٍ؛ ولأنه أجلٌ معلومٌ بوقتٍ من الزمان يعرف في العادة لايتفاوت اختلافه اختلافاً شديداً، كما لو قال النيروز والمهرجان.
[٩٣٦] مسألة: إذا تأخر قبض رأس مال السلم يومين وثلاثة وأكثر جاز ما لم يكن عن شرطٍ، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لعموم الخبر؛ ولأنه عقد معاوضةٍ لا يخرج بتأخيره عن أن يكون سلماً فأشبه التأخير للتشاغل بالقبض.
[٩٣٧] مسألة: معرفة مقدار رأس المال شرطٌ في السلم فيما يتعلق علمه على مقدار، خلافاً لأبي يوسف ومحمد؛ لأنه أحد بدلي السلم كالمسلم فيه؛ ولأن ما يطرأ على السلم مما يوجب جهالةً في نفس المعقود عليه معتبرٌ في العقد بدليل منع السلم في ملء إناءٍ بعينه لجواز هلاك الإناء وحصول السلم في مجهولٍ، ولا نأمن أن يطرأ على عقد السلم ما يوجب فسخه فيحصل رأس المال مجهولاً لا يمكن رده، فيجب أن يكون ذلك معتبراً في العقد.
[٩٣٨] مسألة: يجوز السلم في الحيوان، خلافاً لأبي حنيفة. والكلام في ذلك في ثلاثة فصولٍ: أحدها: جواز السلم فيه، والثاني: كونه مما يضبط بالصفة، والثالث: كونه يثبت في الذمة.
стр. 451
فأما جواز السلم فيه فلما روي عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ جهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين والأبعرة إلى خروج المصدق بأمر رسول الله ﷺ وهذا سلم وليس بقرضٍ. ولنهيه ﷺ عن صفة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها" فأقام الصفة مقام الرؤية في الحيوان؛ ولأن الإبل تثبت على قاتل العمد في الذمة أرباعاً، وعلى عاقلة الخطأ أخماساً، حتى لو أتى بها خلاف الصفة لم يلزم قبولها؛ ولأن حكم العبيد والحيوان والدواب وحكم سائر العروض واحدٌ في ضبطه بالصفة والسن والهيئة والقدر والبياض والسمرة والسمن والرقة وتصوير العينين والأنف والطول والقصر وغير ذلك، وأما ثبوته في الذمة، فلأنه ﷺ استقرض بكراً فقضى رباعياً؛ ولأن ما جاز أن يثبت في الذمة ثمناً جاز أن يثبت فيها سلماً كالثياب؛ ولأن كل نوعٍ من الأعيان صح أن يكون بدلاً في النكاح والخلع والكتابة صح أن يثبت في الذمة سلما كسائر العروض؛ ولأنه عقد معاوضةٍ فجاز أن يكون الحيوان فيه عوضاً في الذمة أصله في النكاح؛ ولأنه قد ثبت أن الحيوان يكون بدلاً عن متلفٍ في الشرع، أعني الصيد، فجاز أن يثبت في الذمة كالطعام في الكفارة.
стр. 452
[٩٣٩] مسألة: يجوز السلم في الدنانير والدراهم، خلافاً لأبي حنيفة لقوله ﷺ : في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ؛ ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمناً جاز أن يكون سلماً أصله الثياب. ولأن ضبطها بالصفة ممكنٌ بذكر نوع فضتها وسكتها ووزنها.
[٩٤٠] مسألة: السَّلم في اللحم جائزٌ، خلافاً لأبي حنيفة لعموم الخبر؛ ولأنه يضبط بالصفة من جنس الحيوان ونوعه وسماته ومواضع أخذه فهو كسائر العروض؛ ولأنه طعامٌ فأشبه البر.
[٩٤١] مسألة: السلم في الرؤوس والأكارع جائزٌ، وقال أبو حنيفة لا يجوز ولأصحاب الشافعي وجهان فدليلنا الخبر؛ ولأنه يمكنه ضبطه بالصفة بذكر نوع الحيوان والسمن والكبر واللطافة وغير ذلك.
[٩٤٢] مسألة: لا يجوز أن يقيل من بعض ما أسلم فيه فيأخذ بعضه وبعض رأس ماله، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه ذريعةٌ إلى البيع والسلف، وإلى بيع الطعام قبل قبضه. والذرائع على أصلنا ممنوعةٌ.
[الإقالة]
[٩٤٣] مسألة: الإقالة بيعٌ وليست بفسخٍ على ظاهر المذهب وقال الشافعي هي فسخٌ، فدليلنا أن البائع قام مقام المشتري في نقل الملك الذي نقله إليه مختاراً على وجه البدل فوجب أن يقضى للعقد الثاني بما يقتضيه العقد الأول؛ ولأن الفسخ في العقود ما كان عن غلبة دون ما وقع من اختيارٍ وتراضٍ دليله سائر العقود؛ ولأن الفسخ لا يستحق معه الدلال الأجرة فعلم أنها بيعٌ.
[بيع النجس]
[٩٤٤] مسألة: لا يجوز بيع الزيت النجس، ولا السمن النجس، خلافاً
стр. 453
لأبي حنيفة؛ لأنه مائع نجس كالخمر والدم؛ ولأنه مائعٌ لا يحل شربه فلم يجز بيعه كالخل النجس واللبن.
[بيع شاة من غنم بدون تعيين]
[٩٤٥] مسألة: إذا باعه عبداً من جملة أعبدٍ، وثوباً من جملة أثوابٍ، وشاةٍ من جملة غنم وكلها صنفٌ متقاربُ الصفة غير متفاوتٍ جاز إذا كان الخيار للمشتري. وقال أبو حنيفة ذلك في العبدين والثوبين والثلاثة، ولا يجوز في الأربعة وقال الشافعي لا يجوز جملةً فدلينا سائر الظواهر في إباحة البيع؛ ولأن الثياب إذا كانت صفاته متقاربةً غير متفاوتةٍ وكانت جنساً واحداً، فالغرر يسير يغفرُ عن مثله؛ ولأن البائع قد علم أن المشتري إنما يختار أعلاها. وأجودها، فقد دخلا في أمر معلومٍ بالعادة.
[بيع الصوف على ظهور الغنم]
[٩٤٦] مسألة: يجوز بيع الصوف على ظهور الغنم. خلافاً لأبي حنيفة والشافعي للظاهر؛ ولأنه مبيعٌ مملوكٌ مرئيٌ يجوز بيعه قبل تناوله كالثمار؛ ولأنه ثابتٌ ظاهرٌ مملوكٌ يمكن تناوله من منبته كالقطع، فجاز بيعه في منبته كالقصيل والبقول؛ ولأن كل ما جاز بيعه مع أصله أو مقطوعاً منه جاز بيعه في منبته كسائر المبيعات.
[بيع لبن الغنم أياماً معلومة]
[٩٤٧] مسألة: يجوز بيع لبن الغنم أياماً معلومةً إذا عرف قدر حلابها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن قدره إذا علم بالعادة، وصفته، جاز كسائر المبيعات؛ ولأن ذلك مبنيٌ على بيع اللبن في الأضراع فنقول: لأنه لبنٌ موصوفٌ بصفته وقدره، فجاز بيعه في الضرع مدةً معلومةً كلبن الظئر.
стр. 454
[بيع النجش]
[٩٤٨] مسألة: بيع النجش مفسوخٌ خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لنهيه ﷺ عن بيع النجش؛ ولأنه بيع تدليسٍ وغررٍ؛ لأن العادة من الناس الركون إلى مزايدة التجار وأنهم لا يعطون بالسلعة إلا ما تساوي، فإذا كان على وجه النجش ليغتر به المشتري لم يلزم؛ ولأن في منع ذلك مصلحةٌ عامةٌ، وما يتعلق بالمصلحة العامة جاز أن يحكم بفساده كتلقي السلع وغيره.
[بيع الدراهم والدنانير جزافاً]
[٩٤٩] مسألة: الظاهر من المذهب منع بيع الدراهم والدنانير جزافاً تحريماً، ومن شيوخنا من يقول إنه كراهيةٌ. وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ودليلينا نهيه عن بيع الغرر، وأصل الجزاف غررٌ؛ ولأن ماله بالٍ وخطرٌ لا يشق عدده ولا وزنه فإن بيعه لا يجوز جزافاً، كالرقيق والثياب، ولا ينتقض بالحلي؛ لأن المشقة في كسره، وقد يكون في الحشو والجوهر، ولا بالنقار والتبر؛ لأن التشاح فيهما ليس كالمضروب.
[بيع الصبرة كيلاً]
[٩٥٠] مسألة: إذا قال بعتك هذه الصبرة كل قفيزٍ بدرهمٍ، فالبيع
стр. 455
صحيحٌ، ويلزم في جميعها، وقال أبو حنيفة: يلزم في قفيزٍ واحدٍ. ودليلنا أن الثمن والمثمن معلومان؛ لأن المبيع معلومٌ بالمشاهدة، والثمن معلومٌ بمقدارٍ فأشبه أن يقول: بعتك هذه الصبرة بعشرة دنانير، وليس يضر أن لا يعلم في الحال جملة الثمن؛ لأنه معلومٌ في الجملة؛ لأنه بحساب التقسيط. إذا قال بعتك هذه الصبرة كل قفيزٍ بدرهم، أو هذه الثياب كل ثوبين بدرهمٍ، أو هؤلاء العبيد كل عبدين بدينارٍ صح، ولزم في الجميع، وأجازه أبو حنيفة في الصبرة ومنعه في الثياب والعبيد، ودليلنا أنه مثمنٌ معلومٌ بثمنٍ معلومٍ فجاز، أصله إذا قال كل ثوبٍ بدرهمٍ، واعتباراً بالصبرة.
[٩٥١] مسألة: إذا كان البائع يعلم كيل الصبرة فباعها جزافاً لم يجز إلا بعد أن يعلم المبتاع بكيلها، فإن لم يبين له كان للمبتاع الرد. وقال أبو حنيفة، والشافعي البيع جائزٌ ولا يلزم إعلام المشتري، فدليلنا قوله ﷺ :" من غشنا فليس منا ". وهذا غش؛ لأن المبتاع دخل على أن البائع بمثابته في الجهل بمقدار المبيع. وروى الأوزاعي أن رسول الله ﷺ قال:" من علم كيل طعامٍ فلا يبعه جزافاً حتى يبين"؛ ولأنه باع جزافاً ما يعلم قدر كيله فلم يجز، أصله إذا قال بعتك ملء هذه الغرارة والبائع يعلم قدر ما تسعه.
[الاختلاف في مقدار الثمن]
[٩٥٢] مسألة: إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن. فعن مالكٍ رحمة الله عليه ثلاث روايات:
إحداها: أنهما يتحالفان ويتفاسخان على أي وجهٍ كان، سواءٌ كانت في يد البائع أو المشتري باقيةً أو تالفةً. وهو قول أشهب والشافعي. والثانية: أن السلعة إن كانت لم تقبض تحالفا وتفاسخا،
стр. 456
وإن كانت قد قبضت فالقول قول المشتري مع يمينه. والثالثة: اعتبار البقاء والفوات وهو قول أبي حنيفة. فوجه الأولى قوله ﷺ : (إذا اختلف المتبائعان فالقول قول البائع أو يترادان) وروي: ........ " يتحالفان ويتفاسخان" وروي:"فالقول قول البائع"؛ ولأن حصول الاختلاف في ثمن المبيع يوجب التحالف، أصله قبل القبض وبعده مع بقاء السلعة؛ ولأن الاختلاف إذا وقع في كيفية زوال الملك بين المتعاقدين لم يجعل القول قول مدعي الملك عند تلف السلعة كما لو اختلفا فقال أحدهما: بعتكها وقال الآخر: وهبتنيها. ووجه اعتبار التلف قوله ﷺ :" إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع فإن استهلكت فالقول قول المشتري" وروي:" والسلعة قائمة تحالفا وترادا"؛ ولأنا وجدنا التحالف يوجب الفسخ بينهما إذا لم يتصادقا
стр. 457
بعد التحالف، والسلعة بعد التلف لا يتأتى فيها الفسخ ولا معنى للتحالف؛ ولأن التحالف سببٌ يثبت به الفسخ، فسقط بتلف المبيع، أصله الإقالة؛ ولأن العقد على الاعيان كالعقد على منافعها، وقد ثبت أن مدة الإجارة إذا انقضت، ثم تنازعا فيما عقدا به من المقدار، لم يتحالفا لتعذر الفسخ بعد تلف المنافع كذلك في المبيع؛ ولأن هلاك العين المستحق بذلها على الضمان يكون القول قول من تلف في يده لا مقدار ما يستحق بها، أصله الغصب؛ ولأنا لو أوجبنا التحالف لكنا قد أوجبنا على المشتري القيمة وربما كانت أضعافاً مما يدعيه البائع. ووجه اعتبار القبض وهو الصحيح أن اليمين في الأموال تجب على أقوى المتداعيين سبباً، والمشتري قد صار بالقبض أقوى سبباً من البائع؛ لأنه لما دفع إليه السلعة ائتمنه عليها إذا لم يتوثق منه، فوجب أن يكون القول قوله.
[بيع الحر على أنه عبد]
[٩٥٣] مسألة: إذا جاء رجلٌ بعبدٍ إلى رجل فقال: اشتره مني فإنه رقيقٌ لي، وأقر العبد بذلك، ثم بان له أنه حرٌ، فالضمان على البائع. وقال أبو حنيفة إن كان البائع حاضراً أو غائباً غيبةً يرجى عوده منها، فالضمان عليه وإن كان غائباً لا يرجى عوده فالضمان على العبد. فدليلنا أن ما وجد منه إن كان يتعلق به الضمان لم يفرق في الحكم بين الغيبة والحضور اعتباراً بسائر ما يضمن.
تم الباب والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمدٍ وسلم تسليما.
стр. 458
كتاب الرهن
[٩٥٤] مسألة: يجوز الرهن في السفر والحضر. خلافاً لمجاهد في قوله: لا يجوز إلا في السفر؛ لأن كل وثيقةٌ جازت في السفر جازت في الحضر كالضمان؛ ولأنها حال ٌ يجوز أن يتوثق فيها بالضمين فجاز بالرهن كالحضر.
[٩٥٥] مسألة: يلزم الرهن بمجرد القول، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما لا يلزم إلا بالقبض لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾. ففيه دليلان. أحدهما: أنه شرط فيه القبض بعد أن أثبتها رهناً، وذلك يفيد أنها قد تكون رهناً وإن لم تقبض، والآخر: أنه لا يخلو أن يكون خبراً أو أمراً، ولا يجوز أن يكون خبراً؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز وجود رهنٍ غير مقبوضٍ، ومن قولهم أن الراهن لو جُنّ أو أغمي عليه، ثم أفاق، فسلمه، يصح، فثبت أنه أمر؛ ولأنه عقدٌ لازمٌ فوجب أن يلزم بنفس القول كالنكاح والبيع؛ ولأنه عقد وثيقةٍ فوجب أن يلزم بنفس القول كالكفالة.
[٩٥٦] مسألة: استدامة القبض من شرط صحة الرهن، خلافاً للشافعي. لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم أحواله؛ ولأنها حالات من أحوال الرهن فوجب أن يكون القبض شرطاً فيها كالابتداء؛ ولأن المعنى الذي لأجله استحق قبض الرهن في الابتداء هو لأن يحصل وثيقةً للمرتهن
стр. 459
بقبضه إياه، وهذا المعنى يحتاج إليه في كل حالٍ كان فيها رهناً فكان القبض شرطاً فيها.
[٩٥٧] مسألة: ويصح رهن المشاع كما يصح بيعه، خلافاً لأبي حنيفة، لقوله : ﴿فرهان مقبوضة﴾ فعم؛ ولأنه يصح قبضه بالبيع فصح ارتهانه كالمقسوم؛ ولأن إشاعته لا تمنع صحة الرهن، أصله إذا رهن داراً من رجلين؛ ولأن كل ما لو رهنه مع غيره لصح فكذلك إذا رهنه منفرداً، أصله. الداران إذا رهنهما من رجلٍ؛ ولأنها حال للرهن فجاز أن يتناول المشاع، أصله ثاني حالٍ. وهو أن يرهنه داراً تم يبيع نصفها؛ ولأن كل عقدٍ جاز أن يعقد على بعض الجملة مقسوماً جاز أن يعقد على ذلك البعض مشاعاً، أصله البيع؛ ولأن كل عقدٍ جاز على عينٍ لنفسين جاز على نصفها لأحدهما، أصله البيع.
[٩٥٨] مسألة: إذا رهن عنده عيناً كان غصبها قبل قبضها جاز، وسقط ضمان الغصب، خلافاً للشافعي؛ لأن ابتداء إمساك العين بإذن مالكها يمنع أن تكون مضمونةً ضمان الغصب، أصله الرهن المبتدأ، أو إذا رهنها إياه قبل قبضها؛ ولأن الرهن عقدٌ يتعلق به الضمان فيجب إذا طرأ على الغصب أن يسقط ضمان الغصب كالبيع؛ ولأنه عقدٌ يقتضي إمساك العين بإذن المالك، فوجب أن ينتفي الغصب حال حصوله كالوديعة؛ ولأن الرهن ينافي الغصب في الابتداء، فوجب أن ينتفي ضمانه؛ لأن الضمان بالغصب إنما يثبت مع ثبوت الغصب، فإذا زال الغصب فيجب زواله؛ ولأنها عينٌ ارتهنها بعد أن كان غاصباً لها وصار قابضاً لها بالرهن، فوجب أن يزول ضمان الغصب عنه، أصله إذا قبضها وأعادها إليه.
[٩٥٩] مسألة: الرهن يتعلق بجملة الحق وبأبعاضه، وكذلك تعلق الحق بالرهن، فلو رهنه عبدين بمائةٍ فتلف أحدهما كان الثاني رهناً بجميع المائة، وكذلك لو أسلم أحد العبدين ولم يقبضه الآخر ورضي المرتهن
стр. 460
بذلك كان المقبوض رهناً بجميع المائة، وحكي عن أبي حنيفة أن المقبوض يكون رهناً بقدر ما بقي من مقابلته من الدين. فدليلنا أنه مالٌ محبوسٌ بحقٍ فوجب أن يكون محبوساً بكل حقٍ منه، أصله إذا مات وخلف تركة وعليه دينٌ فإن جميع التركة محبوسةٌ على الدين؛ ولأنها وثيقةٌ بحقٍ فوجب أن تكون وثيقةٌ به وبكل جزءٍ منه؛ ولأن تعلق الرهن بالحق كتعلق الحق بالرهن، وقد ثبت أن الرهن يتعلق بجملة الحق وبكل جزءٍ منه، وكذلك يجب أن يكون تعلق الحق به؛ ولأنه لو كان يتقسط على أجزاء الحق لوجب مثله فيمن رهن جاريةً حاملاً.
[٩٦٠] مسألة: إذا رهن عبداً له ثم أعتقه فإن كان موسراً نفذ عتقه وعجل الحق للمرتهن أو رهنه غيره، وإن كان معسراً لم ينفذ وبقي رهناً، فإن أفاد مالاً قبل الأجل نفذ العتق، وإن بقي على إعساره بيع عند الأجل، وقال أبو حنيفة ينفذ عتقه موسراً كان أو معسراً وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول أبي حنيفة والآخر: أن العتق لا ينفذ موسراً كان أو معسراً. فدليلنا على أبي حنيفة في أنه لا ينفذ عتقه مع الإعسار. قوله : ﴿أوفوا بالعقود﴾؛ ولأنه معنًى يبطل به حق الوثيقة من الرهن فلم ينفذ مع الإعسار بغير رضا المرتهن كالبيع، وإن شئت جعلت حكم العلة أن الراهن لا يملك عتقه، كما لا يملك بيعه، فقلت فجاز أن يزول ملك الراهن عنه بلزوم الرهن كالبيع؛ ولأن الراهن محجورٌ عليه في الرهن بحق المرتهن بدليل أنه لا يجوز تصرفه فيه ببيعٍ ولا هبةٍ فلم يجز إعتاقه كالمفلس؛ ولأن العتق لو نفذ لم يخل الحق أن يتعلق بذمة الراهن فقط أو إلى السعايه والسعاية باطلةٌ على أصلنا، وتعلقه بذمته بغير رهن إلزامٍ له أن يسقط حقه من الوثيقة. وذلك غير جائزٍ، فلم يبق إلا ما قلناه. ودليلنا على الشافعي: أنه إذا أعتقه وهو موسرٌ لم يؤد إلا بطلان
следующие страницы →