Полный текст (912 стр.). Показаны 876–912 · переход к 881.
стр. 876
[٢٠١٦] مسألة: ويثبت جر الولاء للجد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه؛ لأن النسب يرجع إليه فصحّ جره للولاء كالأب.
[٢٠١٧ - مسألة]: إذا جر الأب أو الجد الولاء للولد غير موالي الأم ثم عدم هو وعصبته، لم يعد الولاء إلى موالي الأم، وحكي عن ابن عباس: أنّه يعود إليهم؛ فدليلنا أن الولاء يثبت لموالي الأب، والولاء إذا ثبت لم ينتقل إلا إلى عصبة هي أولى ممّن ثبت له، وموالي الأم ليسوا بأولى من موالي الأب، فلم ينتقل الولاء عنهم إليهم.
[٢٠١٨ - مسألة]: إذا تزوج حر لا ولاء عليه بمعتقة فأولدها ولدًا
فإن الولد يكون حرًا لا ولاء عليه، وقال أبو حنيفة: إن كان الأب عربي الأصل لم يثبت على الولد ولاء، وإن كان أعجميًا ثبت على الولد الولاء لموالي أمه؛ فدليلنا أن حرية الأب لو طرأت على الولاء الثابت لموالي الأم لأزالته فلأن يمنع أن يثبت لهم الولاء في الابتداء أولى.
[٢٠١٩ - مسألة]: وقال الشافعى: الميراث لبيت المال، إذا عدم الموالي وعصباتهم، ورث بموالي الأب؛ فدليلنا أن موالي الأب قد ثبت لهم الولاء على الأب فجر ذلك إلى ثبوته على ولده كالجد.
[٢٠٢٠] مسألة: مولى الموالاة لا يرث، خلافاً لأبي حنيفة في قوله:
إنهما يتوارثان ويتعاقلان، وإن لهما فسخ الموالاة ما لم يعقل أحدهما عن الآخر؛ لقوله ﷺ : «إنّما الولاء لمن أعتق»، ولأن الموالاة سبب لا يورث به مع وجود النسب، فكذلك مع فقده، أصله إذا أسلم على يده رجل،
стр. 877
عكسه الزوجية، ولأنّ المسلمين يعقلون عنه فلم يكن له نقل ميراثهم عنه بالموالاة كالعصبة من النسب.
[٢٠٢١] مسألة: من أسلم على يد رجل فلا ولاء له عليه، خلافاً لأحمد وإسحاق؛ للخبر، ولأن الولاء يستحق بالإنعام بالعتق، وهو معدوم ها هنا.
[٢٠٢٢] مسألة: الأخ وابن الأخ يقدمون في الإرث بالولاء على الجدّ، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن بعضهم أقوى وأقرب إليهم، لأنهم يدلون ببنوة الأب والجدّ يدلي بالأبوة، والإدلاء بالنبوة أقوى من الإدلاء بالتعصيب بالأبوة.
***
стр. 878
كتاب المدبر
[٢٠٢٣] مسألة: لا يجوز بيع المدبر، ولا نقض تدبيره، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "أوفوا بالعقود"، وقوله ﷺ : «المدبر لا يباع ولا يوهب»، ولأن عتقه معلّق بموت سيده على الإطلاق كأم الولد.
[٢٠٢٤] مسألة: يعتق المدبر في الثلث، خلافاً لمسروق وداود؛ لما روى أبو قلابة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «المدبر من الثلث»، ولأن كل عتق بعد الموت بالقول من الثلث كالموصى بعتقه، ولأن العتق بتلاً في المرض آكد من التدبير تم اعتبارها من الثلث، فالتدبير أولى، ولأنّه عطية تتنجَّز بعد الموت، فكانت من الثلث كالوصية.
[٢٠٢٥] مسألة: إذا مات السيد، وعليه دين يباع جميع المدبر إن استغرفه، وإلا فبقدر ما يحيط به منه، وقال أبو حنيفة: لا يباع في الدين، ولكن يسعى للغرماء، فإذا أوفى عتق؛ فدليلنا أن التدبير لا ينفي الوصية،
стр. 879
والدين مقدّم عليها، وفي تقديم العتق على الدين تقديم للوصية، لأنّ العبد يستعجل العتق ويحصل الغرماء على سعاية متأخرة وانتزاع العبد منهم وإحالتهم على سعاية لا يدرى أتحصل أم لا بغير رضاهم وإلزام العبد الاستسعاء بغير جناية كانت منه، وذلك باطل فلم يبق إلا ما قلناه.
[٢٠٢٦] مسألة: ولد المدبرة إذا حدثوا بعد التدبير تبع لها، خلافاً للشافعي؛ لأنّ ذلك مبني على أن التدبير لا يفسخ، وكل عقد ثبت للأم لا سبيل إلى فسخه، فإن الولد يتبعها فيه، أصله الكتابة.
***
стр. 880
كتاب المكاتب
[٢٠٢٧] مسألة: الكتابة مستحبة غير واجبة، وقال بعض التابعين: يلزم السيد إجابة العبد إليها إذا سألها بقيمته، وهو قول داود؛ فدليلنا أن الأصل فيها المنع والحظر، لأنها غرر، لانّ العبد يسعى ويؤدي المال على أنّه إن كمل له الأداء عتق، وإن عجز عاد رقًا فزال ملكه عمّا كان أداه ولأنها بيع من السيد لماله بماله وذلك إتلافه، لكن جوزت في الشرع رفقاً بالعبد، وبحرمة العتق، والأمر بعد الحظر يبيح ولا يجب، واعتبارًا به إذا سأله أن يكاتب بدون قيمته، وبه إذا سأله بيعه من غيره، ولأنه عقد إذا تم أفضى إلى الحرية، فلم يكن على السيد إجابة العبد إليه، كالتدبير وشراء الأقارب.
[٢٠٢٨] مسألة: يجوز مكاتبة العبد القن الذي هو غير مكتسب، ويكره في الأمة إذا لم تكن مكتسبة، خلافاً للشافعي في قوله: لا يكره؛ لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: لا تكلّفوا الأمة الكسب، فإنها تكسب بفرجها، روي ذلك مرفوعاً.
стр. 881
[٢٠٢٩] مسألة: تجوز الكتابة على عبد مطلق غير موصوف، خلافاً للشافعي؛ للظاهر، وهو عام، ولأن المقصود منها الرفق وحصول حرمة الحرية دون محض العوض، كالمهر في النكاح.
[٢٠٣٠] مسألة: الذي نص عليه مالك ﵀ بتنجم الكتابة، وليس له نص في الكتابة الحالة، وأصحابنا يقولون: إنّها جائزة ويسمّونها قطاعة، والشافعي يقول: لا تجوز إلا منجمة وأقلها نجمان؛ فدليلنا أنّها عتق بعوض فجاز مع تعجيله وتأجيله، كبيع العبد من نفسه، ولأن الأجل غير مستحق في عقد الكتابة كالثالث والرابع، ولأنّه عتق بعوض فجاز كالمنجم.
[٢٠٣١] مسألة: إذا قال لعبده: كاتبتك على كذا وكذا، كان ذلك صريحاً في الكتابة وإن لم يقل: فإذا أديت ذلك عتقت، هكذا يجيء على المذهب، وقال الشافعي: لا يكون صريحاً في الكتابة، ولا يعتق العبد حتى يقول: فإذا أديت عتقت؛ فدليلنا أن كتابة العبد معنى مقرر المقصود به بالعرف في الشرع، فكان ذلك صريحاً وإن لم يلفظ بموجبه كالخلع إذا قال: خالعتك على كذا ولم يقل: فإذا دفعته إلي بنت به.
[٢٠٣٢] مسألة: يجوز أن يجمع السيد بين جماعة من عبيده في كتابة واحدة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز ذلك؛ فدليلنا قوله تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا"، وهو عام، ولأنه ألزم نفسه عتقهم بشرط أدائهم المال كما لو أفردهم، ولأن البدل معلوم في الجملة وإن لم يعلم بقسطه في الحال كما لو باع عدة أعبد له بألف درهم لجازوا، وإن لم يعلم قسط كل واحد.
[٢٠٣٣] مسألة: ولا يعتقون إلا بأداء جميع مال الكتابة، وقال الشافعي: يعتق من أدى بقدر نصيبه؛ فدليلنا أن عقد الكتابة وقع عقدًا
стр. 882
واحداً، فلم ينفرد به بعضهم دون بعض، أصله كتابة العبد الواحد.
[٢٠٣٤] مسألة: يلزم كل واحد منهم بقدر قوته في السعي، ويكون بعضهم حملاء بعض، خلافاً للشافعي؛ لأن العقد واحد فكان حكم الجميع فيه حكماً واحدًا، كما لو كاتب عبدًا واحدًا.
[٢٠٣٥] مسألة: لا يعتق المكاتب إلا بأداء جميع الكتابة، خلافاً لما ذكر عن بعض السلف أنّه يعتق منه بقدر ما أداه؛ لقوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، ولأنها عتق بصفة الأداء، فما لم يحصل الأداء لم يحصل العتق، ولأنه لا يخلو أن يكون بمنزلة العتق المطلق أو المعلّق بصفة المعاوضة، ولا يجوز أن يكون كالمطلق لأنّ العتق فيها يقف على الأداء وإن كانت بمنزلة المعتق بصفة لم يقع قبل وجودها، وهي أداء جميع المال، وإن كانت كالمعاوضات فالملك لا يستقر في المعاوضات إلا بعد توفية جميع العوض، ولأن عتق الإنسان جزءًا من عبده باختياره مبتدئاً يجب عليه تكميله وتتميم الحرية من باقيه، ولو قلنا: إنه يعتق بقدر ما أداه لوجب أن يعتق الباقي بالسراية أو بالحكم، سواء أدَّى في الكتابة أم لا، وذلك فاسد.
[٢٠٣٦] مسألة: ليس للمكاتب تعجيز نفسه مع القدرة على الأداء، وقال الشافعي: له ذلك؛ فدليلنا أن الكتابة عقد يتضمن تسمية العوض، فإذا رضي به العبد والتزمه لم يكن له أن يرجع عنه من غير عذر كسائر العقود، ولأنّ ذلك يؤدي إلى إبطال حق الله تعالى من العتاقة التي قد التزما عقدها، وليس لأحد أن يرد نفسه إلى الرق بعد ثبوته أو ثبوت عقد له.
[٢٠٣٧] مسألة: إذا مات المكاتب وقد بقي عليه بعض مال الكتابة وترك ولدًا معه في الكتابة بالشرط أو بالولادة لم تنفسخ الكتابة، خلافاً للشافعي؛ لأن عقد الكتابة قد تضمّن إلزام السيد نفسه عتق المكاتب وولده الدّاخلين معه في العقد بصفة أداء المال، فلم يكن للسيد فسخ العقد في حقهم كما لم يكن له ذلك في حق العبد نفسه، ولم يكن له أيضاً فعل ما يؤدي إلى ذلك من انتزاع المال منهم.
стр. 883
[٢٠٣٨] مسألة: وإن ترك أولاداً أحراراً أو عبيداً ليسوا معه في كتابته، فإن العقد يبطل ويكون ما ترك للسيد، وقال أبو حنيفة: يقوم ولده الأحرار مقامه ويرثونه؛ فدليلنا أن المواريث موضوعة على تساوي الحرم، وهذا مات مكاتباً لا عبداً على الإطلاق، ولا حرًا، بل مكاتباً، له حكم مخالف لحكم العبد ولحكم الحر فلم يرثه ولده الأحرار ولا العبيد، وورثه من شركه في عقد كتابته.
[٢٠٣٩] مسألة: الإيتاء مستحب غير واجب، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه»، ولأنه عقد معاوضة على رقبة العبد كبيعه من أجنبي، ولأن الواجبات ضربان مقدّر بالنص، وموكول إلى الاجتهاد في الكتابة، وما تنازعناه خارج عن هذين، ولأنه موكول إلى الإرادة والاختيار وليس ذلك في الأصول.
[٢٠٤٠] مسألة: إذا اختلف السيد والعبد في قدر مال الكتابة، فالقول قول العبد، وقال الشافعي: القول قول السيد؛ فدليلنا أنه عتق على مال، فأشبه قوله: إن جئتني بألف درهم فأنت حر، أن القول قول العبد.
[٢٠٤١] مسألة: إذا زوج ابنته من مكاتبه، ثم مات وكانت ابنته وارثة له فان النكاح ينفسخ، وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ؛ ودليلنا أن حكم الملك إذا منع ابتداء النكاح منع استدامته كالعبد القن، وقد ثبت أنّها لو أرادت أن تتزوجه ابتداء في هذه الحال لم يصحّ العقد عليه، كذلك إذا طرأ حكم الملك على نكاحها.
[٢٠٤٢] مسألة: قال ابن القاسم: إذا كاتبه على قيمته جاز، ويكون عليه الوسط من ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ فدليلنا أن مقدار القيمة معروف في الغالب فكان كالكتابة على الوصف.
[٢٠٤٣] مسألة: العبد بين شريكين لا يجوز لأحدهما أن يكاتب على
стр. 884
قدر حصته منه، أذن شريكه أم لم يأذن، وقال ابن أبي ليلى: يصحّ، ولا يعتبر بإذن الشريك، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: إن أذن الشريك جاز، وإن لم يأذن لم يجز؛ فدليلنا أن ذلك بمنزلة ابتداء تبعيض الحرية، وذلك غير جائز، وإذا ثبت منعه بغير إذن السيد ثبت منعه مع إذنه، لأن تبعيض العتق ممنوع لحق الله تعالى، فلا يسقط بإذن الشريك فيه.
[٢٠٤٤] مسألة: إذا وطىء مكاتبته فلا حدَّ عليه، كان عالماً بتحريم ذلك أو جاهلاً به، وحكي عن الحسن: أنَّ عليه الحدّ إن كان عالماً؛ فدليلنا أن بالكتابة لم تخرج عن ملكه، بدليل أنه لو اعتقها لنفذ عتقه فيها، وإنما ضعف ملكه، وضعف الملك شبهة في سقوط الحدّ.
[٢٠٤٥] مسألة: إذا كاتبها بشرط أن يطأها فالكتابة صحيحة، والشرط باطل، وقال أبو حنيفة والشافعي: الكتابة فاسدة؛ فدليلنا أن ذلك اشتراط منفعة من منافعها لا تؤدي إلى منع المقصود بالعقد، فإذا بطل لم يؤد إلى إبطال أصل الكتابة، أصله لو كاتبها على أن يستخدمها أو يزوجها من غلامه.
***
стр. 885
كتاب أمهات الأولاد
[٢٠٤٦] مسألة: لا يجوز للحر بيع أم ولده، خلافاً لداود وغيره ممن يراه كابن حبيب، ولا عمل عليه؛ لقوله ﷺ : «أيما رجل ولدت منه أمته فهي معتقة عن دبر»، وروي: «أيما أمة ولدت من سيدها فإنّها حرة إذا مات إلا أن يعتقها قبل موته»، وقوله في مارية: «أعتقها ولدها»، وفي حديث أبي سعيد: أنهم أصابوا سبياً فأرادوا الوطء، وأرادوا الثمن، فقالوا: نعزل، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «لا عليكم ألا تفعلوا، فإنه ما من نسمة قدر الله أن تكون إلا كانت»، فلولا أنّ الحمل يبطل الثمن وإلا لم يكن ليقرهم عن هذا الاعتقاد ويكلّف الجملة له، ولأنّه قد ثبت لها بالولادة حرمة تمنع بمعها، وهي أيضاً لها بالولد الثابت الحرمة بالحرية الحاصلة له بحرية أبيه، فكانت في معنى المعتقة، وهذا هو اعتلال
стр. 886
عمر ﵁ بقوله: خالطت لحومنا لحومهن، ودماؤنا دماءهن، لأنها حملت في ملك واطئها بولد حرّ على أبيه، فوجب أن يمنع ذلك من بيعها كحال حملها.
[٢٠٢٧] مسألة: إذا أولدها بعقد نكاح، ثم ابتاعها لم تكن بذلك الولد أم ولد، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : «أيما أمة ولدت من سيدها فهي معتقة عن دبر»، وهذه لم تلد من سيدها، وإنّما ولدت من زوج، ولأن الحرمة ثبتت لأم الولد من جهة الولد، فإذا كان الولد لا حرمة له في نفسه لم يسر إلى أمه، ولأنها وضعت ولداً مملوكا، فأشبه الزنا، ولأنها لا تكون أم ولد به قبل الابتياع فكذلك بعده.
[٢٠٤٨] مسألة: إذا ابتاعها حاملاً ففيها روايتان؛ فوجه قوله: إنها تكون أم ولد قوله: «أيَّما أمة ولدت من سيِّدها» فعم، ولأنه قد ثبت له حرمة الحرية من جهة أبيه حال الحمل، فسرى ذلك إلى أمه، أصله لو ابتدأ الحمل في ملكه، ووجه قوله لا تكون أم ولد: أنه حمل خلق رقيقاً كمن ابتاعها بعد الوضع.
[٢٠٤٩] مسألة: إذا جنت أم الولد فعلى السيد أن يفديها، خلافاً لأبي ثور؛ لأنّه منع من بيعها بسبب لا يتعلّق الأرش به بذمتها، فوجب أن يلزمه الضمان، كما لو كان له عبد فجنى ومنع من بيعه، ولأنّه سبب يمنع إسلامها، فوجب أن يفديها كما لو قتلها.
[٢٠٥٠] مسألة: ليس للسيد إجارتها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي: لأن الحرمة المانعة من بيعها مانعة من إجارتها، لأنه لم يبق له فيها إلا الوطء، ولولاه لعتقت، ولأنه نوع من المعاوضة فيما كان يملكه فيها قبل
стр. 887
ثبوت حرمة الاستيلاد، فلم يملكه منها بعده كالبيع.
[٢٠٥١] مسألة: إذا أسلمت أم ولد الكافر، وأبى أن يسلم، ففيها روايتان؛ إحداهما: أنَّها تعتق عليه، والأخرى: تباع عليه.
فوجه الأولى: أنّه لم يكن له منها إلا الوطء، وقد حرم بالإسلام، فوجب عتقها، لأنه لا يجوز بقاء ملك على ملك لا ينتفع به بشيء من وجوه الانتفاع.
ووجه الثانية: أن النصراني غير متعبد بفروع الدين فلم يلزمه حكمه، لأنّه لما لم يمتنع من بيعها قبل إسلامها كذلك بعده، كالعبد القن إذا أسلم.
***
стр. 888
كتاب الوصايا
[٢٠٥٢] مسألة: لا تجب الوصية للأقارب الذين لا يرثون، وذكر عن بعض التابعين وجوبها لمن لا يرث من الأقارب، للوالدين إذا لم يكونا وارثين وهو قول داود؛ فدليلنا قوله ﷺ لسعد وسأله بالتصدق بثلثي ماله، قال: «لا»، فال: فالشطر، قال: «لا»، قال: فبالثلث، قال: «الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس»، فعلل المنع بأن فيه إبقاء على الورثة، ولو كان ما تنازعناه واجباً لم يعتبر فيه بقاء الورثة بعده أغنياء أو عالة، ولأن كل من لا تجب عطيته في الحياة لم تجب بعد الوفاة، كالأجانب، ولأنها هبة كحال الحياة، ولأن كل من لا يجب علمه إخراج ماله إلى شخص حال حياته، فكذلك بعد وفاته، أصله من لا قرابة له.
[٢٠٥٣] مسألة: إذا أوصى بمثل نصيب ابنه، وله ابن واحد، كان موصيًا بماله كله، وقال أبو حنيفة والشافعي: يكون موصياً بنصف ماله؛ فدليلنا أنّه لما أحال في معرفة القدر الموصى به على نصيب ابنه متقرراً قبل الوصية وأن لا يكون مفتقراً في العلم بقدره إلى ربط الوصية به، وإذا كان نصيب ابنه قبل الوصية الكل، كان كأنه قال: قد وصيت لك بالكل فأشبه أن يقول لزيد دينار، وقد وصيت لعمرو بمثل نصيب زيد، فيقتضي أن يكون
стр. 889
له دينار، ومتى ربطنا نصيب الابن بالوصية تناقض، لأنه لا يحتاج أن يعلم مقدار نصيب الابن من مقدار الوصية، والموصي قصد أن يعلم قدر الوصية من نصيب الابن، فلمّا أدى إلى هذا التناقض وجب سقوطه، وصحّ ما قلناه.
[٢٠٥٤] مسألة: لا فرق بين أن يقول وصيت لك بنصيب ابني أو بمثل نصيبه، وقال الشافعي: إذا أوصى بنصيب ابنه بطلت الوصية؛ فدليلنا أن نصيب الابن هو كل المال، فإذا لم يوص فالابن يستحقه كله، وإذا أوصى الأب به فللأب منه الثلث فينفذ للموصى، ويكون الباقي موقوفاً على إجازة الابن، فإن أجازه فقد أجاز نصيبه في الحقيقة فلم يمنع.
[٢٠٥٥] مسألة: إذا أجاز الورثة الوصية للوارث جازت له، خلافاً لمن قال: لا تصحّ له على وجه؛ لأن المنع هو حق للورثة، ولأنه محجور عليه لأجلهم لئلا يفضل بعضهم على بعض، فإذا أجازوا فقد تركوا حقوقهم فجاز ذلك لهم، لأن المنع إنما تعلّق بحقهم فجاز بإجازتهم، ولأنها وصية لمباح، فجاز أن تصحّ كالوصية للأجنبي أو بزيادة على الثلث.
[٢٠٥٦] مسألة: إذا أجاز الورثة ما زاد على الثلث، والوصية للوارث، كان ذلك تنفيذًا منهم لفعل الموصي، ولم يكن ابتداء عطية منهم للموصى له، وللشافعي قول: إنه يكون ابتداء عطية منهم؛ ودليلنا أن المنع هو لحق الورثة، فإذا أجازوه فإنما تركوا ما كان لهم من حق الفسخ فصحّ بتركهم الفسخ فعل الميت، وصاروا كأنهم أذنوا له أن يوصي بأكثر من ثلثه، وصار الميت كأنه أوصى بما له أن يوصي، وهو الثلث الذي لا اعتراض لهم فيه.
[٢٠٥٧] مسألة: إذا أذنوا له في المرض المخوف الذي يمنع فيه التصرف في ماله أن يوصي لوارث وبزيادة على الثلث، لم يكن لهم الرجوع فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي: لهم الرجوع، ولا يلزمهم الإذن إلا بعد
стр. 890
الموت وحكي عن قوم لزوم ذلك لهم في الصحة والمرض؛ فدليلنا أنها حال يملكون عليه الحجر فيها، فإذا أذنوا له فيما لهم منعه منه لزمهم، كالسّيد إذا أذن لعبده، والزوج لامرأته في الحج، ولأنّه حال يعتبر عطيته فيها من الثلث كبعد الموت.
[٢٠٥٨] مسألة: هبات المريض وعطاياه وعتقه وكل ما يخرجه من ماله على غير معاوضة موقوف غير متنجز، فإن صحّ لزمه، وإن مات كان من الثلث، وقال داود: كل ذلك جائز من رأس المال؛ فدليلنا قوله ﷺ : «إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند موتكم»، فأخبر أنّه ليس له إلا الثلث، فلم يجز زيادة عليه، ولحديث عمران بن حصين: أن رجلاً أعتق في مرضه ستة أعبد له لا مال له غيرهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فتغيظ لذلك غيظاً شديدًا ثم دعا بهم فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين وأرق أربعة، ولأن حضور سبب الموت جار في ذلك مجرى حضور نفس الموت، فإن منعوا ذلك دل عليه باجماع الصحابة، لأن أبا بكر ﵁ قال لعائشة ﵂: إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً، ولو كنت حزتيه لكان ذلك، وإنما هو اليوم مال الوارث، فبين أن حق الورثة متعلّق به في هذه الحال وإن ذلك هو المانع من تسليمه إليها ولم يخالف عليه أحد، ولأنه ابتداء عطية في المرض كالوصية.
[٢٠٥٩] مسألة: إذا أوصى بسهم من ماله، وجزء، أو بنصيب، فلأصحابنا فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن له الثمن، والآخر: السدس، والثالث: أنه ينظر مقدار ما
стр. 891
انقسمت عليه الفريضة بالأصل أو بالضرب فيعطي سهماً منها، واتفقوا على أنه لا يبلغ به زيادة على السدس. وقال أبو حنيفة: يكون له مثل أقل سهام الورثة ما لم يزد على السدس، فإن زاد كان له السدس، وقال الشافعي: لا حدّ في ذلك، ويدفع إليه الورثة ما شاؤوا من غير مقدار.
فدليلنا على الشافعي أنه لا بد من حدّ بين الوصية بالسهم والجزء والنصيب وبين الوصية بالشيء، لأنّ السهم والجزء اسم لمقدّر، يقال هذا المال سهم على كذا وكذا بينهما، فيفاد بذلك الإبانة عن مبلغ مقدار ما لكل واحد منهم، وإذا ثبت ذلك ثم وصَّى بسهم من ماله صار كأنه قال قد وصيت لك بمقدار ولم يبينه، فيفارق ذلك قوله وصيت بشيء إلى أن يطلب ذلك المقدار، فإذا ثبت ذلك فوجه اعتبار الثمن أنه أقل السّهام؛ ووجه اعتبار السدس أنه أقل السهام المستحقة بأصل الميراث بخلاف الثمن، لأنه ليس بأصل، وإنما ينصرف إليه بالحجب؛ ووجه اعتبار سهام الفريضة أن قوله سهم من مال لا ينصرف إلى الفرائض المتحددة دون سهام الفريضة بدليل أنه لو كان ورثته عصبة لم ينصرف إلى ذلك فيهم فصحّ ما قلناه.
[٢٠٦٠] مسألة: إذا أوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم يجز الورثة الزيادة على الثلث تضارب الموصى لهم في الثلث على خمسة أسهم، للموصى له بالنصف ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهمان، وقال أبو حنيفة: يقسمان الثلث نصفين؛ فدليلنا أنّهما وصيتان يقتسمان لو كانتا مرسلتين على التفصيل، فكذلك إذا كانتا مقيدتين، أصله إذا أوصى بالسدس والثمن، ولأنها وصايا تتفاضل إذا قصرت عن الثلث بحسابها، فوجب أن تتفاضل في قسمة الثلث عليها إذا زادت عليه كالمرسله.
[٢٠٦١] مسألة: إذا أوصى لرجلٍ بجميع ماله، ولآخر بثلثه، قسم الثلث بينهما على أربعة أسهم إذا لم يجز الورثة، وقال أبو حنيفة في إحدى
стр. 892
روايتيه: للموصى له بجميع المال خمسة أسداسه، وللموصى له بالثلث سدسه؛ فدليلنا أن السهام المستحقة إذا ضاق عنها قدر ما حصل من المال وجب قسمتها بين المستحقين على قدر ما حصل لكل واحد منهم من غير تخصيص بعضهم بزيادة كسهام الورثة في العول.
[٢٠٦٢] مسألة: تصحّ وصية الصبي المميز الذي يعقل وجوه القرب، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا تصحّ وصية لدون البالغ؛ فدليلنا إجماع الصحابة، لأنه مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ولا مخالف لهم، ولأنه عاقل عارف بوجوه القرب كالبالغ، ولأن الفقر مأمون عليه بعد الموت، فلا يبقى موضع يمنع الوصية.
[٢٠٦٣] مسألة: تصحّ الوصية إلى المرأة والعبد، كان له أو لغيره، خلافاً للشافعي؛ لأنها وصية إلى عاقل مأمون في نفسه يتأتى منه تنفيذها فأشبه الحر الذكر.
[٢٠٦٤] مسألة: إذا وصى له بثلث شيء بعينه فتلف ثلثاه، كان للموصى له بالثلث الباقي إذا احتمله ثلث المال، وحكي عن أبي ثور أنه قال: يكون له ثلث الثلث الباقي، وللورثة ثلثاه؛ ودليلنا أن الثلث يحتمل ما وصى به وما بقي منه، فوجب أن يستحقه كما لو أوصى له بعبد أو بثوب واحتمله الثلث.
[٢٠٦٥] مسألة: إذا أوصى له بأبيه أو بابنه فأبى أن يقبله لم يلزمه قبوله، وحكي عن قوم أنّهم أوجبوا عليه قبوله؛ فدليلنا أنها وصية فلم يلزم قبولها كالوصية بالمال، ولأنه استجلاب مال فلم يجب، أصله الابتياع.
стр. 893
[٢٠٦٦] مسألة: إذا أوصى بشيء من ماله بعينه ناضّ، وله عروض وديون وعقار وأموال غائبة، والناض يكون ثلث جميع ماله، فقال الورثة: لا نجيز، فهم بالخيار بين أن يجيزوا الناض كلّه أو يفرجوا له عن ثلث الميت كلّه، فيكون للموصى له ثلث جميع التركة، وقال أبو حنيفة والشافعي: للموصى له ثلث ذلك الشيء، لا يزاد عليه، ويكون بقيمة باقيه شريكاً في باقي تركة الميت حتى يستوفي قيمة الثلث، لا يزاد عليه؛ فدليلنا أن الورثة يتعدّى عليهم، لأنّ الميت لم يكن له أن يوصي من شيء بعينه، لأنّه لا يؤمن عليه أن يتلف باقي المال فتصل الوصية إلى الموصى له قبل وصول الميراث إلى الورثة، فإذا ثبت ذلك فالمتعدّى عليه مخير في الأصول، فيقال للورثة: أنتم بالخيار؛ بين أن يجيزوا للميت ما وصى له أو يفرجوا عنه عن الثلث الذي كان مستحقاً له، لأنه إنما تركه إلى ما فعله فإذا لم ينجزوه له عادت الوصية إلى ما كانت متعلقة به في الأصل، وذلك كالعبد إذا جنى، فإن الجناية متعلّقة برقبته، فإما فداه السيد وإما أسلمه، فإن فداه والا أفرج عنه، كذلك في مسألتنا.
[٢٠٦٧] مسألة: إذا أوصى بعبد، أو بثوب، أو بشيء بعينه لرجل، ثم وصى به لآخر، ولم يذكر رجوعاً عن الأول، فإنه يكون بينهما نصفين، قال عطاء وطاوس فيما حكي عنهما: أنه يكون للآخر، ويكون رجوعاً عن الأول؛ فدليلنا أنه إذا لم يذكر رجوعاً عن الأول لم يجز أن يكون جميع العبد لكل واحد منهما، ولا كان أحدهما أولى به من الآخر، لم يبق إلا أن يكون بينهما لتساويهما في سبب الاستحقاق، وهو الوصية به.
[٢٠٦٨] مسألة: إذا أوصى لبني فلان، وهم قبيلة لا يحصون، كبني تميم وتغلب، فالوصية صحيحة، وقال أبو حنيفة: الوصية باطلة؛ فدليلنا قوله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أو دين"، ولأنها وصية لفرقة غير معينة ولا محصية، كالفقراء، ولأنّ النسب معنى يتعرف به الجنس الموصى له، فإذا حصلت معرفته لم يضر الجهل بعددهم وأعيانهم في صحة
стр. 894
الوصية لهم، كالصفات، مثل قوله: العلماء والفقراء.
[٢٠٦٩] مسألة: إذا قال ثلث مالي لفلان، وللفقراء والمساكين، أعطي فلان على قدر الاجتهاد، وقال أبو حنيفة لفلان الثلث، وللفقراء الثلث، وللمساكين الثلث؛ فدليلنا أنه لمّا قرن فلان بالفقراء والمساكين علمنا أنّه أراد إجراءه مجراهم وإعطاءه على حسب إعطائهم، وأنه إنما نص عليه ليجعل كنصيب آخر، وقد ثبت أن ما يصيب الفقراء مصروف فيهم على الاجتهاد، فكذلك يجب أن يكون حضهم مع فلان ومع المساكين، ولأنها عطية على وجه القربة للفقراء والمساكين مرسلة في اللفظ، فيجوز أن يعطى أحد الصنفين الموصى لهم بزيادة على الآخر كالزكاة.
[٢٠٧٠] مسألة: إذا أوصى لرجل بخدمة عبده، أو سكنى داره، فللموصى له أن يؤاجر الدار والعبد، إلا أن يعلم أن الموصي أراد أن يسكنها بنفسه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس له ذلك؛ ودليلنا أن الموصى له قد ملك هذه المنافع فجاز له أخذ البدل عليها كالمستأجرة، ولأنها وصية بما يصحّ أن يملك فجاز أخذ العوض عليها كالأعيان.
[٢٠٧١] مسألة: تصحّ الوصية بسكنى دار وخدمة عبد وغلّة أرض وبستان، وقال ابن أبي ليلى: لا يصحّ، قال الطحاوي: وهو القياس؛ فدليلنا أن المانع يصحح إفرادها بالعقد، بدليل جواز الإجارة عليها، فصحت الوصية بها، كالأعيان، ولأنه تمليك منافع بغير بدل، كالعارية.
[٢٠٧٢] مسألة: إذا أوصى لعبد وارثه بشيء، فإن كان يسيرًا جاز، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في منعهما ذلك في القليل والكثير؛ لأن العبد يملك، وملكه منفرد عن ملك سيده إلا أن ينتزعه سيده فيصير حينئذ مالكاً له، فإذا أوصى له بالشيء اليسير علمنا أنه أراد به عين العبد لا السيد، لأنّه يتهم في ذلك القدر للسيد فخرج أن يكون وصية لوارث.
стр. 895
[٢٠٧٣] مسألة: إذا قال ضع ثلثي حيث شئت، أو اجعله حيث أحببت، أو أعطه من أحببت، فذلك كلّه سواء لا يأخذ لنفسه شيئاً ولا لولده، إلا أن يكون لذلك وجه، وقال أبو حنيفة: إذا قال اجعله حيث شئت أو ضعه حيث أحببت فله أن يأخذه لنفسه أو بعض ولده، ولو قال أعطه من أحببت لم يكن له أن يأخذه لنفسه، فالكلام في موضعين: أحدهما: أنه ليس له أن يأخذ لنفسه شيئاً إلا أن يكون لذلك وجه، والآخر: أنه لا فرق بين اللّفظين.
فدليلنا على الأول مفهوم هذه الألفاظ في الشرع أنها عبارة عن الاجتهاد بقدر فعل الإمام فيه ما رأى، وقد وضعه حيث أراه الله، مفهومه أنه قد وكل ذلك إلى رأيه، وجعله إلى اجتهاده، وقد علم أن الموصي بالثلث غرضه وضعه في وجوه القرب، وأنه إنما وكله إلى الموصى لينظر أنفع الوجوه له فيجعله فيه، فلو أراد أن يأخذ هو منه لقال له: أو لك منه كذا، وما أشبه ذلك من ألفاظ التمليك، وقياساً على قوله: أعطه من شئت.
ودليلنا على الثاني قوله: ضعه بمنزلة قوله: أعطه من شئت، لأن مفهوم اللفظين واحد، ولأنه جعل صرفها موكولاً إلى مشيئته، كما لو قال: أعطه من شئت.
[٢٠٧٤] مسألة: إذا قال غلامي: يخدم فلاناً سنة ثم هو حر، فقال فلان: قد وهبت له خدمته، عتق العبد للوقت، ولو قال: لست أريد خدمته خدم ورثة السيد ثم عتق، وقال أبو حنيفة: العتق باطل والعبد رقيق للورثة كما لم يرض بخدمته؛ فدليلنا أن السيد علق العتق في وصيته بأجل لا بد أن يأتي فلم يبطل ذلك، أصله لو أطلق ولم يشترط خدمة فلان، بأن يقول: أنت حرٌّ بعد موتي بسنة، ولأن تعليق العتق بالأجل حاصل، وإنّما المنع من تنجيزه لحق الموصى له بالخدمة، وإذا وهبها له فقد زال المانع من العتق فوجب تنجيزه، كالاستيلاد أنه يوجب عتق أم الولد، وإنّما المانع من تنجيزه ثبوت حق السيد في الوطء، فإذا زال بموته تنجز عتقها، ولأن هبة الموصى له بالخدمة للعبد خدمته يجري مجرى استيفائه إياها، وقد ثبت أنه يعتق بعد الاستيفاء، كذلك بالهبة.
стр. 896
[٢٠٧٥] مسألة: إذا مات الموصي فهل تدخل الوصية في ملك الموصى له بنفس موته أو حتى يقبلها؟، قال شيوخنا: يكون الأمر مراعى، فإن قبلها تبينا أنها دخلت في ملكه بموت الموصي، وإن ردها تبينا أنها لم تزل على ملك الموصي، ومن أصحابنا من يقول: إن الوصية باقية على حكم ملك الميت، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها أنه مراعى، والآخر أنه يدخل في ملك الموصى له بنفس موت الموصي، والثالث بالموت وقبول الموصى له.
فدليلنا أنه قد ثبت أن الشيء الموصى به باق على ملك مالك، لأنه لا يجوز أن يكون مملوكاً لا مالك له، ولا يجوز أن يقال على ملك الميت لأنّ ملكه قد زال عنها إلى الموصى له أو الورثة، ولا يجوز أن يقال على حكم ملكه لأنّ ذلك فيما يخصه كالكفن، فأما فيما لا حق له فيه فلا يجب، فلم يبق إلا ما قلناه من أنه يكون للورثة وللموصى له، ولا يجوز أن يكون لأحدهما قطعاً، لأنه لو كان كذلك لم يكن للآخر أن يملكه، فثبت أنه مراعى، وأن الميت جعل له أن يتملّكه، فإن تملّكه تبينا أنه حصل ملكاً له بالموت، وكان قبوله دالاً على ذلك.
فوجه قول صاحبنا، إنّه تمليك غير مفتقرٍ إلى إيجاب وقبول، فلما لم يحصل قبول الملك فإن الملك لا ينتقل كالعطايا والهبات.
[٢٠٧٦] مسألة: إذا لم يكن له وارث معين لم يكن له أن يوصي إلا بالثلث، فإن زاد كان ما زاد لبيت المال ميراثاً، وقال أبو حنيفة: له أن يوصي بكل ماله؛ فدليلنا قوله ﷺ : «إن الله تعالى جعل لكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم»، وهذا نهي أن يكون للمريض حق تصرف فيما زاد على الثلث، ولأنها عطية تلزم بالموت فكانت في الثلث، أصله إذا كان له وارث معين، ولأن له من يعقل عنه فلم يكن له أن يوصي بزيادة
стр. 897
على الثلث كما لو كان له أموال، ولأن أسباب التوارث مختلفة في القوة والضعف، والنسب أولى من الولاء، والولاء أقوى من موالاة الدّين، ثم قد ثبت أن مع بعض هذه الأسباب ليس له أن يزيد على الثلث فكان مع ما ضعف عنها أولى، فإن قيل هذا مبني على أنّ المال ينتقل إلى المسلمين إرثاً فدلوا على ذلك، قلنا: لأنهم يعقلون عنه فجاز أن يرثوه كالمولى، ولأنه ميت من أهل الإسلام فلم ينفك عن وارث كالذي له نسب معين.
[٢٠٧٧] مسألة: الجد كسائر العصبات لا ولاية له على الأيتام إلا بوصية من أب أو تولية من سلطان، وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا لم يكن له أب ولا وصي فالجدّ ولي كالأب؛ فدليلنا أن كل من لم يكن له ولي حال وجود الأب، لم يكن ولياً بنفسه بعده، كسائر العصبات.
[٢٠٧٨] مسألة: الوصية للعبد جائزة، سواء كان عبد الموصي أو عبد غيره، فإذا أوصى لعبده بثلث ماله جاز وعتق العبد من الثلث إن حمله، فإن بقي شيء منه أعطي، وقال الأوزاعي: لا تجوز الوصية، ويكون العبد للورثة؛ فدليلنا أن الوصية بالثلث تشتمل على رقبة العبد، لأنها مال للموصي كسائر أمواله فكانت الوصية له بالثلث كالوصية له برقبته، ولو وصى له برقبته أو تصدق بها عليه، أو وهبها له لعتق، فكذلك الوصية بالثلث الذي يدخل فيه.
[٢٠٧٩] مسألة: الوصية للمشركين جائزة، كانوا أهل حرب أو ذمة، وقال أبو حنيفة: لا تصحّ لأهل الحرب؛ فدليلنا قوله تعالى: "من بعد وصية يوصي بها أو دين"، ولأنّ كل من جازت عطيته في الحياة جازت بعد الوفاة كالذمي ولأنَّ كل من صحّ تمليكه بغير الوصية صحّ أن يملك بالوصية كالمعاهد والمستامن، ولأنّ اختلاف الأديان أو الدّار لا يؤثر في التمليك بالوصية، أصله وصية الذمي للمسلم.
[٢٠٨٠] مسألة: إذا أوصى إليه بشيء خاص لم يكن وصياً في غيره،
стр. 898
ولو وصى إلى أحدهما بقضاء دينه، وإلى الآخر بالنظر في أمر ولده لم يكن لأحدهما النظر فيما رده إلى الآخر، وقال أبو حنيفة: يكون كل واحد منهما وصياً فيما رده إليه وفيما يرده إلى الآخر، ويصير كالوكيل المفوض إليه.
فدليلنا قوله تعالى: "فمن بدلة بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه"، وليس في التبديل أكثر من أن يوصي إليه في شيء مخصوص، فجعل إليه غيره مما لم يوص إليه به، ولأنه ملك التصرف بتفويض غيره إليه، فوجب أن يكون مقصورًا على قدر ما فوضه إليه كالوكيل، ولأنه يلي بتوليته، فلم يملك النظر إلا بما تناولته الولاية كالحاكم والأمير، ولأن الموصي له غرض في إفراد كل واحد بما جعله إليه، لعلمه بأنّه يقوم به ولا يقوم بما جعله إلى غيره، ففي إشراكنا بينهما بعض إبطال غرضه، فلم يجز.
[٢٠٨١] مسألة: إذا أوصى رجلين مطلقًا لم يملك أحدهما أن ينفرد بالتصرف بحال إلا برضى الآخر وإذنه، وقال أبو يوسف: لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف فيما جعل إليهما، وقال أصحاب أبي حنيفة: إنّه ليس لأحدهما أن يتصرف في شيء دون صاحبه إلا في سبعة أشياء، شراء كفن الميت، وقضاء ديونه عنه، وإنفاذ وصيته، ورد الوديعة المعينة، وشراء ما لا بد للصغير منه، وقبول الهبة للصغير، والخصومة عن الميت فيما يدّعى عليه وفيما يدعيه له من الحقوق.
فدليلنا أن الموصي شرك بينهما في النظر ولم يرض بانفراد أحدهما بالنظر دون أن ينضم إليه الآخر فوجب أن لا يملك أحدهما الانفراد به، أصله إذا وكلهما وكالة مطلقة، ولأن في انفراد أحدهما بالنظر إسقاط حق الآخر من الشركة له، وذلك تبديل الوصية، وقال تعالى: "فمن بدله بعدما
стр. 899
سمعه" الآية، ولأنه تصرف لم يرض به الموصي فلم يجز، أصله تصرف الأجنبي.
وعلى أبي حنيفة خاصة، لأن الجهة التي يملك بها التصرف في هذه السبعة يملك بها التصرف فيما عداها، وقوله: أوصيته إليكما، فوجب أن يكون الحكم في كل ذلك واحدًا.
[٢٠٨٢] مسألة: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته، وله ورثة متفاضلون في الميراث، نظر إلى عدد رؤوسهم فأعطي سهماً من عددهم، وقال الشافعي: يكون له نصيب أقلهم، لأنه يقين، وما زاد عليه مشكوك فيه؛ فدليلنا أنه لا يخلو أن يكون الاعتبار بأنصبائهم لأنه يجوز أن يكون أراد الأكثر، ويجوز أن يكون أراد الأقل فلم يبق إلا اعتبار الرؤوس. [٢٠٨٣] مسألة: إذا أوصى لأجنبي [و] وارث، فلم يجز الورثة الوصية، فإن الوارث يحاص بوصيته الأجنبي، فما حصل له رجع ميراثاً، وما بقي بعد ذلك رجع لأهل الوصايا، خلافاً للشافعي في قوله: يكون كالموصى له الأجنبي؛ لأن الميت لم يرد إفراد الأجنبي حين أدخل معه غيره فكأنّه أعطاه الفاضل عن عطية الوارث، ألا ترى الورثة لو أجازوا لم يستحق الأجنبي إلا نصف الوصية، وإنما يؤثر منعهم في غير من يأخذ الفاضل من مقدار نصيبه.
[٢٠٨٤] مسألة: إذا أوصى له مطلقاً جاز له أن يوصي إلى غيره، خلافاً للشافعي؛ لأن الموصي لما أطلق ولم يقيد كان ذلك في عموم أحواله ولأنها حال يصحّ استثناوها وتقييد الوصية بها، فإذا أطلقت الوصية عارية منها وجب أن يتضمنها كحال السفر والغيبة، ولأن الوصية ولاية فجاز لواليها أن يستخلف إذا لم يكن على يده يداً، أصله الأمانة الكبرى.
[٢٠٨٥] مسألة: إذا وصى لميت وهو يعلم أنه ميت فالوصية صحيحة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "فمن بدله بعدما
стр. 900
سمعه" فعم، ولأنّه آدمي فصحت الوصية له كالحي، ولأنها أحد أحوال الآدمي فجازت الوصية فيها كحال الحياة، ولأن الغرض بالوصية نفع الموصى له على وجه يصحّ من العقلاء قصده، وذلك يختلف باختلاف حال من يوصى له، تارة يكون بالتمليك للحي، وتارة يكون بغيره كالوصية للمسجد والقنطرة والجسور وما أشبه ذلك، والغرض من الوصية للميت أن يكون كماله الذي يتركه فيتصدّق بها عنه ويقضي منها ديونه، ويرثها ورثته.
[٢٠٨٦] مسألة: الوصية فيما علم به الميت في ماله دون ما لم يعلم به، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن ما لم يعلم به فقد علمنا أنّه لم يرده ولا قصده بالوصية فكان في حكم المستثنى ممّا وصى به.
[٢٠٨٧] مسألة: تصحّ الوصية للقاتل عمدًا أو خطأ، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه"، فعم، ولأنها هبة فالقتل لا يمنعها اعتبارًا بحال الحياة، ولأنه تملك فصحّ في القاتل كإسقاط الحقوق.
[٢٠٨٨] مسألة: إذا وصى له بعبد من عبيده أو شاة من غنمه، فله جزء منهم بالقيمة، وإن كانوا أربعة فله الربع أو عشرة فله العشر، خلافاً للشافعي في قوله: إن الورثة يدفعون إليه رأساً منها أي شيء اختار؛ لأن في ذلك تعارض الدعاوى، ولأن الورثة يدعون أنه يستحق أدناها قيمة، والموصى له يدّعي أنه يستحق أعلاها قيمة، وليس أحدهما أولى من الآخر بقوله، فلم يبق إلا اعتبار الجزء، لأن ذلك هو العدل بينهم.
[٢٠٨٩] مسألة: الحامل إذا بلغت ستة أشهر، والمحبوس للقتل في قود واحد، والزاحف في الصف، كل هؤلاء حكمهم حكم المريض المخوف عليه في قصر تصرفهم على الثلث، وقال أبو حنيفة والشافعي: حكمهم حكم
стр. 901
الصحيح ما لم يضرب الحامل الطلق، ويقرب المحبوس للقتل، ويتقدّم الزاحف إلى البراز؛ فدليلنا أن الأحوال التي ذكرناها حال خوف شديد على من انتهى إليه، بدليل قوله تعالى: "فلما أثقلث دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً"، قيل في التفسير: بلغت ستة أشهر، ولأنها بلغت حال الوضع فكانت كحال الطلق، ولأن الله تعالى جعل حضور سبب الموت كحضور الموت بنفسه فقال تعالى: "ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه"، يريد رأيتم أسبابه وعلاماته، وهذا موجود في المحبوس للقتل والزاحف في الصف، ولأن تجويز الموت عليهم مع حضور سببه، كتجويزه على المريض مع اختلاف الأمراض المخوفة في بقاء زيادة المرض وسرعة تلفه، فإذا كان ذلك لا اعتبار به، فكذلك في مسألتنا.
[٢٠٩٠] مسألة: إذا فرط في زكاة فإنه إن أوصى لزم الورثة إخراجها من الثلث، خلافاً للشافعي في قوله: تكون من رأس المال؛ لأنه يتهم أنه أراد الانتفاع بالمال حياته وصرفه عن ورثته بعده، فكانت كالوصايا، وفارقت الديون.
[٢٠٩١] مسألة: إذا لم يوص بها ولم يعلم صحة دعواه بغير قوله، لم يلزم الورثة إخراجها عنه، خلافاً للشافعي؛ لأن إخراجها موكول إلى أمانته، فيجوز أن يكون قد أخرجها من حيث لا يعلم غيره.
[٢٠٩٢] مسألة: إذا زاحمتها الوصايا قدمت على ما هو أضعف منها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها وسائر الوصايا سواء؛ لأنها آكد من غيرها، لأنه لولا التهمة لكانت من رأس المال.
***
стр. 902
كتاب المواريث والفرائض
[٢٠٩٣] مسألة: لا يرث ذو الأرحام بحال، خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي أنّ رسول الله ﷺ دعي لجنازة، فقالوا: هذا ترك عمّة وخالة فأفتنا، فقال: «اللهم عمّة وخالة»، ثم قال: «هذا جبريل يخبرني أنّه لا شيء لهما»، ولأن كل أنثى لا ترث مع أخيها فلا ترث إذا انفردت، أصله بنت المولى، ولأن المولى المنعم لما قدم على ذوي الأرحام دل أنّه لا حق لهم في الإرث، لأن الولاء لا يتقدم على النسب.
[٢٠٩٤] مسألة: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، لقوله: «لا يتوارث أهل ملّتين»، واعتبارًا بالكفر بعلة اختلاف الدينين.
[٢٠٩٥] مسألة: لا يرث من فيه بقية رق، خلافاً لبعض الشافعية؛ لوجود الرق فيه كما لو استغرقه، ولأن أحكام الرق أغلب عليه بدليل أن حكمه حكم العبيد في منع القصاص من الحر، ورد الشهادة، ونقصان
стр. 903
الحدّ، وسقوط الحدّ عن قاذفه، فكذلك في الميراث.
[٢٠٩٦] مسألة: من بعضه رق فماله لمن فيه الرق، خلافاً لأصحاب الشافعي في قولهم: إن ورثته يرثون نصيبه الحر، وقول بعضهم: إنّه لبيت المال؛ لأن كل من لم يرث لمعنى لولاه لورث فإنّه لا يورث، أصله العبد والكافر، ولأن قدر ما فيه من الحرية إذا لم يوجب له أن يورث لم يوجب له أن يرث ألا ترى أنّه لم ينقله عن الأحكام التي ذكرناها.
[٢٠٩٧] فصل: ودليلنا على أن جميع ماله لمن له فيه الرق أنه لا يخلو أن يكون حكمه حكم العبيد أو المنعم عليهم، فإن كان حكمه حكم العبد وجب أن يكون جميع ما ترك للسيد، وهذا ما نقوله، وإن كان حكم المنعم عليهم كان المال بين من له الرق وبين المعتق بقدر الحرية والرق، فكل ذلك مقدّم على بيت المال.
[٢٠٩٨] مسألة: قاتل الخطأ يرث، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم"، فعم، وروى هشام بن عروة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «قاتل الخطأ يرث من المال ولا يرث من الدية»، ولأن كل معنى لا يمنع التساوي في الحرمة والدين لا يوجب القود ولا يزيل جهة التوارث فلا يمنع الميراث، أصله غير القتل، ولا يدخل عليه الطلاق في الصحة لأنه قد أزال جهة التوارث.
[٢٠٩٩] فصل: ولا يرث من الدية، خلافاً لأهل البصرة؛ لأن الدية
стр. 904
واجبة عليه بجنايته، والعاقلة تحملها عنه تخفيفاً، ولا يجوز أن يجني جناية يستحق بها مالاً، لأن الجناية إن لم يلزمه بها شيء، فلا أقل من ألا يفيده استجلاب مال.
[٢١٠٠] مسألة: الغرقى ومن جرى مجراهم يرثهم ورثتهم الأحياء، ولا يرث بعضهم من بعض، خلافاً في ذلك لمن خالف من الصحابة؛ لأن المواريث لا تجب بالشكوك، ولو شككنا في أيهم مات أولاً لم يجز أن يورث وارث مشكوك في استحقاقه الميراث.
[٢١٠١] مسألة: اذا استهل الجنين صارخاً ورث وورث، وإن تحرك قليلاً ثم مات لم يرث ولا يورث، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الاستهلال أو ما يقوم مقامه علامة حياته، فإذا عدم الاستهلال ولم يطل مكثه لم يعلم أنه كان حياً، ولا اعتبار بحركته، لأن المذبوح يتحرك ولا يدل ذلك على حياته.
[٢١٠٢] مسألة: إذا كان النسب فيه علّة تمنع الميراث فزالت بعد الموت وقبل القسمة لم يرث، خلافاً لمن قال: إنه يرث إذا زالت، لأنّ كل من لم يكن وارثاً حال الموت لوجود معنى، فزواله بعد الموت لا يجعله وارثاً، أصله بعد القسمة.
[٢١٠٣] مسألة: إذا احتمع في الشخص الواحد سببان يرث بهما فرضاً مقدّرًا فإنه يرث بأقواهما، ويسقط الأضعف، وسواء اتفق ذلك في المسلمين أو المجوس، وذلك في الأم تكون أختاً والبنت تكون أختاً، وقال أبو حنيفة: يرث بالسببين معاً؛ فدليلنا أنهما سببان يورث بهما من جنس واحد، فإذا اجتمعا لم يرث بهما كالأخ يكون مولى، ولأنهما سببان يورث بكل واحد منهما فرضاً مقدّرا، فإذا اجتمعا لم يورث بهما، كالأخت للأب
стр. 905
وللأم، لأن كونها أختاً لأب يوجب النصف، وللأم يوجب السدس ثم إذا اجتمعا ورثت بالأقوى.
[٢١٠٤] مسألة: فرض الابنتين الثلثان، خلافاً لما يحكى عن ابن عباس إن صحّ من أن لهما النصف؛ لقوله تعالى: "فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك"، فبين حكم الواحدة وحكم ما زاد على الاثنتين فكان مفهومه فإن كن نساء فوق اثنتين فما فوقهما، ولأن لابنة الابن مع ابنة الصلب السدس تكملة الثلثين، وفائدة ذلك أنّها تقوم معها مقام ابنة أخرى في استغراق الثلثين، ولأن كل إناث كان فرض الثلاث منهن الثلثين فكذلك فرض الاثنتين، أصله الأخوات.
[٢١٠٥] مسألة: يحجب الأم من الثلث إلى السدس من الإخوة أو الأخوات اثنان، وقال ابن عباس: لا يحجبها أقل من ثلاث؛ فدليلنا أنه فرض يتغير بعدد من الإخوة أو الأخوات، فوجب أن يتغير بالاثنين فما زاد، أصله شركة الأم في الثلث إذا ترك امرأة وأبوين، أو تركت زوجاً وأبوين، فللأم بعد أخذ الزوج أو الزوجة ثلث ما بقي، خلافاً لقول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن علي من أن لها الثلث كاملاً، لأنا لو أكملنا لها
стр. 906
الثلث لكنا قد فضلناها على الأب، وذلك غير جائز، أصله حال الإفراد، ولأن اجتماعهما في الولادة المباشرة يمنع تفضيلها عليه، أصله مع الإخوة، ولأنهما أبوان دخل بينهما ذو سهم، فوجب أن يكون ثلث ما بقي بعد السهم، أصله إذا كان مع الأبوين بنت.
[٢١٠٦] مسألة: إذا كان مع بنت الصلب ذكور وإناث من ولد الابن أخذوا ما بقي بالتعصيب على الإطلاق، ولم يعتبر الإناث بالسدس، خلافاً لابن مسعود في قوله: إنه يعطى للإناث ما هو الأفضل لهن من السدس أو المقاسمة، لأن كل ذكور عصبوا إناثهم في موضع، عصبوهن في كل موضع، أصله البنون والبنات، والإخوة والأخوات، ولأنها مقاسمة بين بني الابن وبنات الابن بعد أخذ ذي الفرض فرضه، فوجب أن يكون على الإطلاق ومن غير اعتبار لضرر، أصله إذا كان ذو الفرض غير البنت ولأنه لا وجه لاعتبار الإضرار بهن، بل لا فصل بين معتبر ذلك ومعتبر ألا يقع لهن.
[٢١٠٧] مسألة: إذا استكمل بنات الصلب الثلثين فلا شيء لبنات الابن، إلا أن يكون معهن ذكر فيعصبهن، خلافاً لابن مسعود في قوله: يكون الباقي للذكر وحده؛ لأنه اجتمع بنو ابن وبنات ابن متساوين في الدرجة، فوجب إذا ورث الذكور أن يرث الإناث، أصله حال الانفراد، ولأن كل جنس عصب ذكورهم إناثهم في حوز المال، فكذلك في بقيته،
стр. 907
أصله ولد الصلب، ولأن كل حال ورث ابن الابن فيها بالتعصيب، شركه من في درجته من الإناث، أصله إذا كان مع زوج أو أم.
[٢١٠٨] مسألة: وإن كان مع بنات الابن ذكر أنزل من درجهتهن عصبهن، خلافاً لابن مسعود؛ لأن أصول المواريث موضوعة على أنه لا يجوز أن يرث الميت من أولاده الأبعد ويسقط الأقرب، ولأنهما بطنان من الولادة فلم يرث الأسفل وورث الأعلى، أصله ولد الابن مع بنات الصلب.
[٢١٠٩] مسألة: الأخوات مع البنات عصبة يأخذن ما بقي، خلافاً لابن عباس في منعه ميراثهن وميراث الأخوة جملة مع البنات؛ لقوله تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون" فعم، ولحديث أبي موسى وسليمان بن ربيعة لما سألهما السائل عن بنت، وبنت ابن، وأخت، فقالا: للبنت النصف ولابنة الابن السدس، وما بقي للأخت، وإيت ابن مسعود فاسأله، فأتاه فأخبره، فقال: سأقضي فيها بقضاء رسول الله ﷺ ، للبنت النصف. ولأن الأخت مع ابن العم إذا اجتمعا لم يجز أن يخلص الإرث لابن العم وتسقط الأخت، أصله إذا انفرد.
стр. 908
[٢١١٠] مسألة: لا يحجب عبد ولا كافر، خلافاً لابن مسعود في حجبه بهما، ولأن كل من لا مدخل له في الإرث بحال فلا مدخل له في الحجب، أصله ذو الأرحام، ولا يدخل عليه الأخوة للأم مع الأبوين لأن لهم مدخلاً في الإرث، ولأنه أحد نوعي الحجب كالإسقاط.
[٢١١١] مسألة: إذا ترك ابني عم أحدهما أخ لأم، فللأخ السدس، والباقي بينهما، خلافاً لابن مسعود في قوله: إن الكل للأخ؛ لأن اختصاص العصبة بسبب يستحق به فرضاً لا يستحق به حجب من يساويه في الدرجة، اعتبارًا لو كان أحدهما زوجاً.
[٢١١٢] مسألة: الأخوة والأخوات للأب والأم، أو للأب يرثون مع الجد، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الأخ ذكر يعصب أخته فلم يسقطه الجد كالبنت، ولأن تعصيب الأخ أقوى من تعصيب الجد، لأنه تعصيب بنوة، وتعصيب الجد تعصيب أبوة، ولأنه يعصب أخته بخلاف الجد، فامتنع مع قوة تعصيبه عليه أن يسقط به، ولأن الأخت أنثى فرضها النصف، إذا انفردت لم يسقطها الجد كالابنة، ولأن الأخ والجد يدليان بشخص وهو الأب، فلم يحجب أحدهما الآخر كابني الابن والأخوين.
[٢١١٣] مسألة: إذا كان أخوة فقط مع جد بغير أخوات، فإنه يقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة عن الثلث، والظاهر عن علي رضوان الله عليه أنه ما لم تنقصه عن السدس، وروي عنه رواية أخرى شاذة أنه
стр. 909
يقاسمهم إلى نصف السدس؛ فدليلنا أن كل حجب انحصر بعدد استوى فيه الاثنان والثلاثة، أصله حجب الأم من الثلث إلى السدس، ولأن كل فرض تغير بعدد؛ وجب أن يستوي فيه الاثنان فما فوقهما، أصله فرض الأخت للأب، وبنت الابن، ولأن الجدة قائمة مقام الأم كقيام الجد مقام الأب، ثم قد ثبت أن الجدة لا تنقص عن نصف نصيب الأب إذا انفرد وهو الثلثان.
[٢١١٤] مسألة: الجد يقاسم الأخوات وإن انفردن عن الإخوة، خلافاً لما ذهب إليه علي، وابن مسعود ﵄ من منع ذلك؛ لأن كل شخص قاسم ذكرًا من أهل المواريث في الأخذ بالتعصيب، وجب أن يقاسم الأنثى التي في درجته، أصله الأخ للأب والأم والابن.
[٢١١٥] مسألة: وفي بنت وأخت وجد، يكون للبنت النصف، وما بقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، ويراعى فيه ما يراعى للجد مع ذوي السهام من السدس أو المقاسمة أو ثلث ما بقي، فيكون له الأحط من ذلك، وذكر عن علي رضوان الله عليه أن للبنت النصف، وللجد السدس، وما بقي للأخت؛ ودليلنا أنه قد ثبت قوة الأخ على الأخت، ثم للجد أن يقاسم الأخ لو كان في هذا الموضع، فكان بأن يقاسم الأخت أولى، ولأن كون الأخت عصبة لا يوجب إعطاء الجد السدس به لأن الجد أيضاً عصبة، وكل عصبة قاسم ذكرًا من أهل الميراث فإنه يقاسم كل أنثى في درجته، كالأخت والأخوات.
[٢١١٦] مسألة: إذا كان مع الأخوة والأخوات للأب والأم، إخوة أو
стр. 910
أخوات لأب، فإنهم يعادون الجد بهم في المقاسمة ثم يرجع ولد الأب والأم على ولد الأب فيأخذرن تمام حقوقهم فإن فضل شيء كان لهم، وإن لم يفضل شيء فلا شيء لهم، وذكر عن علي، وابن مسعود ﵄ منع المعادة؛ فدليلنا أن الجد له ولاية فإذا جاز حجبه بأخوين وارثين جاز حجبه بأخوين أحدهما وارث والآخر غير وارث، أصله الأم، ولأن كل أخ حجب شخصاً فيه ولادة إذا كان وارثاً، فإنه يحجبه وإن لم يكن وارثاً، أصله الإخوة مع الأبوين، يحجبون الأم وإن لم يرثوا، كما يحجبونها إذا ورثوا، ولأنه إذا جاز أن يحجب أخوان لا يرثان شخصاً فيه ولادة فلان يحجب شخصان أحدهما وارث والآخر غير وارث أولى.
[٢١١٧] مسألة: التشريك بين ولد الاب والأم، وولد الأم، في زوج، وأم، وأخت. لأب وأم، وأخت لأم ثابت، خلافاً لمن منعه؛ لقول الله تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون"، ولأن المعنى الذي استحق به ولد الأم الثلث هو ولادة الأم، وهذا يساويهم فيه ولد الأب والأم فوجب أن يشاركهم فيما يستحقونه، ولأن الأخ للأب والأم له تعصيب بالأب ورحم بالأم، كل واحد من هذين السببين يوجب الوراثة إذا انفرد، ووجدنا من حصل له هذان السببان إذا سقط تعصيبه في موضع؛ صار حكمه حكم المنفرد برحمه في استحقاق الإرث به، ألا ترى أن ابني العم إذا كان أحدهما أخًا من أم فإن تعصيب ابن العم يسقط، ويصير الأخ للأم كالمنفرد برحمه واستحق المشاركة به، ولأن ولد الأب والأم قد ساووا ولد الأم في قرابة الأم، وزادوا عليهم بقرابة الأب، فكانوا بذلك أقوى، وكان النظر يقتضي إسقاطهم بهم لولا الإجماع، وهذا فائدة قول
стр. 911
عمر ﵁: لم يزدهم الأب إلا قربى، فإذا كان كذلك امتنع أن يسقطوا بهم، ولأن الأخ للاب والأم جمع تعصيباً ورحماً، والأخ للأم ينفرد بالرحم، فكان الأخ للأب والأم مع الأخ للأم كالأب مع الأم، وقد ثبت أن الأب إذا اجتمع مع الأم ولا مانع من تعصيبه فإنه يرث بالتعصيب وإن كان هناك مانع من تعصيبه ورث بالرحم، فكذلك سبيل الأخ للأب والأم مع الأخ للأم.
[٢١١٨] مسألة: لا ترث جدة مع ابنها، خلافاً لابن مسعود وغيره، لأنها ترث بالأب، فلا ترث مع بقائه، لأن الأصول موضوعة على أن كل من أدلى إلى غيره بعصبة أو بولد لم يرث مع بقاء من يدلي به.
[٢١١٩] مسألة: الجدة أم [أب] الأب غير وارثة، خلافاً لأكثرهم؛ لأنها أم جد، كأم جدات الأم، ولأن جنبة الأم في الميراث أقوى من جنبة الأب، فإذا لم يرث من جهة الأم أكثر من جدتين فجنبة الأب أولى.
[٢١٢٠] مسألة: وإذا اجتمع جدتان قربى من جهة الأب وبعدى من جهة الأم ورثتا، خلافاً لمن قال: إن القربى تسقطها؛ لأن أم الأب تدلي بالأب، والأب لو اجتمع مع أم الأم لم يحجبها، فبأن لا يحجبها من يدلي با لأب أولى.
стр. 912
[٢١٢١] مسألة: إذا استغرق أهل الفرائض حقوقهم كان ما فضل لبيت المال، ولا يرد على ذوي السهام، خلافاً لما روي عن علي، وابن مسعود ﵄؛ لقوله تعالى: "وإن كانت واحدة فلها النصف"، ولأن من ورث مقداراً من فريضة لم يستحق زيادة عليه إلا بتعصيب كالزوج والزوجة، ولأن النسب أحد أسباب التوريث فلم يستحق به الرد كالنكاح.
[٢١٢٢] مسألة: ولد الملاعنة العربية يكون ما فضل عن حق أمه للمسلمين، وقال ابن مسعود: هي عصبة يكون الفاضل لها، فإن عدمت فلعصبتها؛ فدليلنا أن الأم لها رحم محض، فلا تكون عصبة بالنسب على وجه، كالإخوة للأم، ولأن عصبتها أخوال فلا تعصب فيهم كغير الملاعنة.
كمل الكتاب والحمد لله رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أفضل التسليم.
***