Полный текст (912 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
إذا أقام خصمه الحاضر البينة وسأل الحكم له، واستحسن مالك التوقف على الرباع، وقد قال: يحكم بها وهو النظر، وقال أبو حنيفة: يسمع دعوى الحاضر وبينته على الغائب، ولكن لا يحكم له عليه ولا على من هرب قبل الحكم أو بعد إقامة البينة، ولا يحكم عنده على الغائب إلا أن يتعلّق الحكم بحاضر، مثل أن يكون للغائب وكيل، أو وصي، أو تكون جماعة شركاء في شيء فيدّعى على أحدهم وهو حاضر فيحكم عليه وعلى الغائب.
ودليلنا حديث أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ إذا حضره الخصمان وتواعدا الحضور من الغد فوفى أحدهما ولم يف الآخر، قضى للذي وفى على الذي لم يف، وقد علم أنه لم يقض عليه بمجرد دعوى خصمه وإنّما كان يمضي بالبينة، ولأنها بينة مسموعة فإذا طلب صاحبها الحكم بها وجب أن يكون له، كما لو كان الخصم حاضرًا، ولأن كل من جاز أن يقضى عليه بالبينة مع حضوره جاز وإان لم يحضر، أصله الطفل والغائب إذا كان وكيله حاضراً، ولأنها دعوى مستحقة على غائب قامت بها بينة، فوجب أن يحكم به، أصله إذا ادعى عليه قتل خطأ، لا خلاف أنّه يحكم للمدّعي إذا أقام البينة بالدّية على العاقلة ولو كان غيباً، ولأنّ غيبة المدعى عليه لا تمنع الحكم عليه، أصله إذا ادعى على ميت دينًا فأقام البينة، أو ادعى على جماعة غيَّب وأحدهم حاضر، ولأن في ذلك ذريعة إلى إبطال حقوق الناس، لأنه لا يشاء أحد أن يأخذ أموال الناس ولا يؤديها إلا غاب فلا يمكن القضاء عليه، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحاكم يسمع البينة عليه، والفائدة في ذلك الحكم بها، وإلا لم ينتفع باستماعها، ولأنّ أبا حنيفة موافقنا أن المرأة إذا ادعت نفقة على زوجها وهو غائب، وذكرت أن له وديعة عند رجل، واعترف بها من هي عنده أنّه يقضى لها بنفقتها ويؤخذ لها منه، فكذلك سائر الحقوق.
[١٩٣٩] مسألة: إذا ثبت الحق للمدَّعِي عند الحاكم بشهود عرف عدالتهما حكم به، ولم يحيف المدعي مع شاهديه، وقال ابن أبي ليلى:
стр. 842
يحلِّفه مع البينة؛ فدليلنا قوله ﷺ : «شاهداك أو يمينه»، فلم يجعل عليه أكثر من الشهادة، وقوله: «اليمين على المدعى عليه»، ولأنّ البينة حجة تامة فلو احتجنا إلى اليمين معها لكانت ناقصة غير تامة.
[١٩٤٠] مسألة: إذا ادعى رجل على رجل حقاً وذكر أن بينته غائبة وسأل القاضي أن يلزمه له إلى أن يقيم له كفيلاً بنفسه إلى أن يحضر البينة لم يكن له ذلك، بل يقول له الحاكم: إن أردت إحلافه لك وإلا فأطلقه إلى أن تحضر بينتك، وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يقيم كفيلاً عليه ببدنه ثلاثة أيام إلى أن يقيم البينة، فإذا مضت ثلاثة أيام برئت ذمة الكفيل من الكفالة، وقال أبو يوسف يقيم كفيله أبدًا إلى أن يقيم البينة.
فدليلنا أنّه لم يتوجه عليه حق فلا معنى للكفيل، لأن فائدة الكفالة بالبدن إحضاره المستحق عليه وأداء الحق الذي قد ثبت عليه، وكل ذلك معدوم، ولأن كل حال أمكن القاضي فصل الحكم لم يجز إنفاذه كما لو حضرت البينتان.
[١٩٤١] مسألة: إذا حكَّم الخصمان بينهما رجلاً من أهل الاجتهاد لزمهما ما يحكم به بينهما إذا كان مما يجوز في الشرع، وافق رأي قاضي البلد أو خالفه، وقال أبو حنيفة: إن وافق رأي قاضي البلد لزم، وللشافعي قولان: أحدهما لا يلزم، وتكون فتوى لا حكماً؛ فدليلنا قوله ﷺ : «لكل مسلم شرطه»، ولأنه حكم بما يجوز في الشرع ممّن يجوز الحكم به، فجاز أن يلزمهما كحكم قاضي البلد، ودليلنا على أنّه لا يعتبر وفاق رأي الحاكم أنّه إذا ثبت تراضيهما به فقد صار حاكماً ينفذ حكمه عليهما وصار
стр. 843
بمنزلة حاكم آخر في البلد، لأن تراضيهما به يقوم مقام نصب السلطان له.
[١٩٤٢] مسألة: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شيء أصلاً، لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها، لا في مجلس الحكم، ولا في غيره، لا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين، وقال عبد الملك: يحكم بعلمه في مجلس حكمه إذا حضر عنده الخصم فاعترف بحق خصمه، وقال أبو حنيفة: يحكم في حقوق الآدميين فيما علمه بعد القضاء، ولا يحكم فيما علمه قبله، وعند الشافعي أنه يحكم بعلمه على الإطلاق إلا في الحدود، فلهم فيها وجهان.
فدليلنا ما روي أنه ﷺ بعث أبا جهم مصدقًا فلاجَّه رجلان فشجهما، فأتيا النبي ﷺ يطلبان القصاص، فبذل لهما مائة فرضيا، فقال: «إني أخطب الناس وأذكر لهم ذلك، أفريضتما؟» قالا: نعم، قال: فخطب الناس، ثم قال: أرضيتما، بعد أن ذكر القصة فقالا: لا، فهم بهم المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبي ﷺ ، ثم نزل فزادهما، فرضيا، فصعد المنبر، فقال: «أرضيتما؟» قالا: نعم، موضع التعلّق أنه لم يحكم عليهما بعلمه لمّا جحدا أن يكونا رضيا، ولأنه ﷺ امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم، وقال: «لئلا يتحدث الناس أن محمّدًا يقتل أصحابه»، وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا كفرهم كما علمه، ولأن الحاكم لما لم يكن معصومًا، وقد يلحقه الظنة والتهمة، ويمكن وقوع ذلك منهم، فحسم الباب في منع حكمه بعلمه لئلا يدعى عليه أنه حكم على عدوه.
ونفرض الكلام في الحدود، ودليلنا قوله تعالى: "والذين يرمون
стр. 844
المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة"، فأمر بجلد القاذف متى لم يقم البينة، وقوله ﷺ في حديث هلال بن أمية لمّا لاعن امرأته: «إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ : «لو كنت راجماً أحدًا بغير بينة لرجمتها» موضع الدليل: أنه ﷺ علم أنّها زنت، لإخباره أنها إن جاءت به على نعت كذا فهو من غير زوجها، ثم لم يحكم بالحدّ لعدم البينة، وعند المخالف يجب أن يرجمها إذا علم بذلك، وقال أبو بكر الصدّيق ﵁: لو رأيت رجلاً على حدّ من حدود الله ما أقمته عليه حتى يشهد على ذلك أربعة، ولا مخالف له نعلمه، وإن سلّموا ذلك قسنا عليه سائر الحقوق، فقلنا: إنّه لا يحكم بعلمه فلم يجز، أصله الحدود، واعتبارًا بما علمه قبل الولاية، وفي غير مجلس الحكم.
стр. 845
[١٩٤٣] مسألة: إذا حكم الحاكم بما هو في الباطن على خلاف ما حكم به لم ينفذ حكمه في الباطن ولم يتغير الشيء المحكوم فيه عمّا هو عليه بحكمه، كان ذلك في مال أو نكاح أو طلاق مما يملك الحاكم ابتداءه، وممّا لا يملكه، وقال أبو حنيفة: إن كان المحكوم فيه مالاً لم يتغير الحكم في الباطن، وإنما ينفذ في الظاهر، وإن كان عقدًا أو فسخًا فإن الحكم ينفذ فيه ظاهرًا وباطناً؛ فدليلنا قوله تعالى: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فحرَّم المحصنة، وهي ذات الزوج، وعند المخالف أنها تحل متى حكم الحاكم بشهادة زور أنها قد طلّقت، أو بأن يقيم شهادة زور بتزويجه إياها، وقوله: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا"، وعندهم أنها تحل له [أن] يراجع نكاحها وإن لم يطلّقها إذا حكم الحاكم بشاهدي زور أنه طلّقها، وقوله ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النار»، وهذا صريحٌ في أن حكمه بما ليس بجائز للمحكوم له لا يحلّه له، ولأنه حكم بسبب غير صحيح في الباطن، فلم ينفذ الحكم به في الباطن كادعاء زوجية ذات المحارم، ولأنه حكم بشهادة زور فلم ينفذ في الباطن كالمال، ولأن كل شاهدين لو علم الحاكم بحالهما لم يجز له الحكم بشهادتهما، فإذا حكم بهما مع الجهل بحالهما لم ينفذ حكمه في الباطن كالكافرين والعبدين.
[١٩٤٤] مسألة: الإشهاد في عقد البيع مستحب وليس بواجب، خلافاً لداود؛ لأنه عقد من العقود فأشبه سائرها، ولأنه وثيقة كالرهن والكفالة.
стр. 846
[١٩٤٥] مسألة: تقبل شهادة الصبيان في الجراح في الجملة على شروط وأوصاف، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقبل على وجه؛ فدليلنا أن ذلك إجماع الصحابة، لأنه مروي عن علي، وابن الزبير، ومعاوية، ولا مخالف لهم، وروي أن عليًا ﵇ كان يأخذ بأول شهادة الصبيان، وروي عن ابن الزبير مثله، وعن معاوية وأنه كان يجيزها بعضهم على بعض ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا، ولأن الضرورة تدعو إلى قبولها لأنا لو لم نقبلها لأدى إلى أمور ممنوعة، إما أن نمنعهم ما ندبنا إلى تعليمهم إياه وتدريبهم عليه من الحرب والصراع، وما جرى مجرى ذلك، لأنّهم لا بد أن يخلوا بأنفسهم لما يتعاطونه من ذلك، وقد يكون بينهم الجراح، وذلك غير صحيح، لأن أحدًا لا يمنعه؛ أو أن يجيزه فتنهدر دماؤهم، فذلك أيضاً غير صحيح، وأن يحضر معهم رجال يحفظونهم، وفي ذلك ضيق ومشقة، وأن يؤخذوا بأن يفعلوا من ذلك ما لا يؤدي إلى جراح ولا قتل فذلك ما لا ينضبط للبالغين فضلاً عن الصبيان، فلما بطل كل هذا وجب قبول شهادتهم، ولا يلزم على هذا تخريق الثياب ولا غيره، لأن الأموال أخفض رتبة من الدماء، كما لم يحكم فيها بالقسامة مع اللّوث، ولأنه إذا تفرقوا خببوا، لأنا عللنا للجملة دون التفصيل.
[١٩٤٦] مسألة: يحكم بالشاهد واليمين في الأموال أو حقوقها، خلافاً لأبي حنيفة في منعه ذلك جملة؛ لما روي أن النبي ﷺ قضى باليمين
стр. 847
مع الشاهد، ولأن كل حجة يسقط بها المدّعى عليه عن نفسه المطالبة جاز أن يكون في جنبة المدَّعي أصله البينة، ولأن موضوع الأصول أن اليمين يكون في جنبة أقوى المتداعيين سبباً، والمدّعي قد قوَّى سببه بالشاهد فكانت اليمين في جنبته، ولأنه أحد المتداعيين فجاز أن يثبت اليمين في جنبته كالمدعى عليه.
[١٩٤٧] مسألة: تقبل شهادة امرأتين مع اليمين، خلافاً للشافعي؛ لأنهما قد أقيما في الشرع مقام شهادة رجل في الأموال لقوله تعالى: "فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان"، فإذا جاز أن يحكم بشهادة الرجل مع اليمين جاز أن يحكم بشهادة المرأتين مع اليمين، ولأنهما أجريتا في مجرى شهادة المال كالشاهد الواحد، ولأنه سبب مؤثر في الحكم قويت به حجة المدّعي، فجاز أن يحلف معه، أصله الشاهد الواحد.
[١٩٤٨] مسألة: يحكم بالشاهد ونكول المدعى عليه، خلافًا للشافعي؛ لأن النكول سبب مؤثر في الحكم، فوجب إذا انضاف إلى الشاهد الواحد أن يحكم به، أصله يمين المدّعي، ويبين تأثيره في الحكم أنّه إذا نكل المدّعى عليه انقلبت اليمين إلى جنبة المدّعي فحلف، ولأن نكوله كشهادة المدَّعي، ولأن الشاهد أقوى من يمين المدّعي بدليل أنه إنّما يحتاج إلى اليمين عند عدم الشاهد، وأن اليمين مختلف في دخولها في بينة المدّعي، والشاهد مجمع على دخوله في البينة، وأنه مجمع عليه في كل
стр. 848
الحقوق، وأن اليمين مضافة إليه، وهو غير مضاف إليها، فإذا ثبت تأكده على اليمين، ثم كان النكول إذا اجتمع مع أضعف الشيئين يحكم به، إذا انضاف إلى الأقوى والآكد أولى.
[١٩٤٩] مسألة: لا يحكم بمجرد النكول إلا بأن ترد اليمين على المدّعي فيما يرد، فإذا حلف حكم له على المدعى عليه، وقال أبو حنيفة: إذا نكل المدّعى عليه عن اليمين كررت عليه ثلاثاً، فإن حلف وإلا حكم عليه بنفس نكوله، ولا ترد اليمين على المدعي، هذا إذا كانت الدعوى في المال، فإن كانت في قتل العمد وجراحه فقال أبو حنيفة: يحبس حتى يحلف أو يعترف، وقال أبو يوسف: يحكم عليه بالدية.
فدليلنا على أنّه لا يحكم عليه بمجرد النكول أنه يكون عن يمين توجهت على مدعى عليه كالدعوى في دم العمد، ولأنه نكول لا يحكم به في دم العمد، فكذلك في غيره، كالأول والثاني، ولأن إمساك المدعى عليه عن الاعتراف يتضمّن النكول، ثم لا يحكم عليه به، فإمساكه عن اليمين وحدها أولى.
ودليلنا على وجوب رد اليمين مع النكول قوله ﷺ في القسامة: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم»، قالوا: لم نحضر، قال: «فتبريكم يهود بخمسين يمينًا»، ولأن ذلك مروي عن عمر، وعثمان، وعلي،
стр. 849
وأبي رضوان الله عليهم، ولا مخالف لهم، ولأن الأصول موضوعة على أنّه لا يحكم بسبب واحد مع الإنكار كالشاهد الواحد، وإذا ثبت ذلك فليس إلا يمين المدعي، ولأنّ اليمين في الأصول تتوجه على أقوى المتداعيين سبباً، وفي هذا الموضع أقواهما سبباً المدّعي، لأنّه قوي سببه بنكول المدّعى [عليه]، فوجب اليمين من جهته.
[١٩٥٠] مسألة: إذا أقام شاهدًا، ولم يحلف معه، وردَّ اليمين على المذعى عليه، ثم رام أن يحلف مع شاهده قبل أن يحلف المدّعى عليه، لم يكن له ذلك، ويحلف المدعى عليه ويبرأ، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما أن له أن يحلف.
فدليلنا أن النكول قد حصل منه فلم يكن له أن يحلف بعده، أصله إذا شرع المدّعى عليه في اليمين، ولأنه إذا نقل اليمين إلى جنبة المدّعى عليه فقد تعلّق بذلك حق له فليس له أن ينقله عنه بغير رضاه، كما لو نكل المدّعى عليه.
[١٩٥١] مسألة: كل دعوى لا يقبل فيها شاهد وامرأتان، ولا شاهد ويمين، ولا يقبل فيها إلا شاهدان، فلا يجب اليمين فيها على المدعى عليه بمجرد الدعوى، وذلك مثل دعوى النكاح والطلاق والرجعة والقتل العمد، وما أشبه ذلك، وقال الشافعي: في كل هذا يلزم المدّعى عليه اليمين، فإن نكل رد على المدعي وحكم له إن حلف.
فدليلنا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبي ﷺ قال: «إذا ادعت المرأة أن زوجها طلّقها لم يحلف بدعواها إلا أن تأتي بشاهد، فإن كان معها شاهد حلف»، وهذا نص. ولأن في ذلك ذريعة إلى
стр. 850
الإضرار بالأزواج وامتهان أنسابهن، فوجب حسم الباب فيه بمنع ذلك.
[١٩٥٢] فصل: إذا ثبت ما قلناه فلا ترد اليمين إلا فيما يقبل فيه شاهد وامرأتان، أو شاهد ويمين، فأما ما لا يقبل فيه إلا شاهدان فلا ترد، خلافًا للشافعي في قوله: إنها ترد في ذلك كلّه؛ لأنّا وجدنا الشاهد وامرأتين أقوى من النكول واليمين، لأن النكول حجة من غير جنبة المدّعي، ولأنه لا يحتاج إليها مع المرأتين، فإذا ثبت ذلك ثم كان الطلاق والنكاح لا يحكم فيه بالشاهد والمرأتين كان بأن لا يحكم فيه باليمين والنكول أولى.
[١٩٥٣] مسألة: إذا كانت له بينة حاضرة، وكان عالماً بها قادراً على إقامتها فعدل إلى يمين المدعى عليه، ثم أراد إقامتها من بعد ففيه روايتان: إحداهما: أن له ذلك، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى: ليس له ذلك.
فوجه قوله: إن له ذلك، أنها حال لو أقر فيها المدعى عليه لثبت الحق عليه، فإذا أقام المدعي فيها البينة وجب قبولها، أصله قبل أن يحلف، ولأن حق المدّعي يثبت بالبينة تارة، وبالاعتراف أخرى، وقد ثبت أنّه لا فرق بين أن يعترف قبل أن يحلف وبعده في ثبوت الحق، فكذلك في إقامة البينة، لا فرق بين قبل اليمين أو بعدها، ولأن حق المدعي لا يسقط باليمين، وإنّما الدعوى تنقطع بها، وإذا لم تسقط باليمين صحّ إثباته بالبينة، ولأنها بينة لو أراد إقامتها قبل اليمين لكان له ذلك، فوجب أن لا يقطعها اليمين، كما لو كانت غالبة أو لا يعلمها.
ووجه قوله: إنه ليس له ذلك قوله ﷺ : «شاهداك أو يمينه» فجعل
стр. 851
له أحدهما، فوجب إذا استوفى أحدهما أن لا يكون له الأخرى، ولأنه لو قال للحاكم: أريد أن تجمع لي بين الأمرين، بين يمينه وبينتي لم يكن له ذلك، فدلَّ على ما قلناه، ولأنه إذا كانت له بينة وهو قادر على إقامتها فذلك ترك لها ورضا منه بيمينه، وقد علم أنّها تسقط مطالبته فلم يكن له الرجوع فيما رضي به.
[١٩٥٤] مسألة: تقبل شهادة النساء على الانفراد في الرضاع، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنّه ممّا لا يطلع عليه الرجال في الغالب ولا يحضرونه كالولادة والاستهلال، ولأنها شهادة على عورة لشهادة النساء مدخل فيها، فجاز أن يقبلن فيها منفردات كالولادة.
[١٩٥٥] مسألة: لا يقبلن على الانفراد ولا مع غيرهن في حقوق الأبدان مما يطلع عليه الرجال في غالب الحال، كالنكاح والطلاق والعتاق وغير ذلك، وقال أبو حنيفة: يقبلن في كل ذلك إلا فيما أوجب قتلاً أو حدًّا؛ فدليلنا أنّه من حقوق الأبدان ليس بمال ولا مقصود به المال كالقتل والزنا، ولأن كل ما ليس بمال ولا يقصد به المال فلا يقبلن فيه منفردات لم يقبلن مع غيرهن كالقصاص والحدود.
[١٩٥٦] مسألة: إذا قبلن منفردات أجزأ من عددهن امرأتان، وقال الشافعي: لا يجزىء أقل من أربع نسوة، وقال أبو حنيفة: إن كانت الشهادة فيما بين السرة والركبة قبل فيه امرأة واحدة، وقال قوم: لا يقبل أقل من ثلاث نسوة؛ فدليلنا أنه لا يعتبر فيه ثلاث نسوة أنه حق مشهود فيه فلم يقف على ثلاثة أشخاص من جنس كسائر الحقوق، ولأنّ النساء جنس له مدخل في الشهادة، فوجب أن لا يقف ما يشهدن فيه على ثلاثة أشخاص منه، كالرجال.
ودليلنا على أنه لا يحتاج إلى أربع، أن كل جنس قبلت شهادته في شيء على الانفراد كفى فيه شخصان كالرجال، ولأن شهادة النساء تكون على أحد وجهين: إما أصلاً، وإما بدلاً يقمن مقام غيرهن؛ فإن كن في هذا الموضع أصلاً كفى منهن اثنان كالرجال، ولا يجوز أن يكن بدلاً، لأنّ
стр. 852
قبولهن على الانفراد يوجب أن يكون لهن حكم أنفسهن كالرِّجال.
ودليلنا على أبي حنيفة أنها شهادة في حق فلم يثبت لشخص كالحقوق كلّها، ولأنه لا يثبت ولادة بشهادة فلم يثبت بامرأة واحدة، كولادة المطلقة ولأن شهادة الرجال أقوى وآكد، ثم لا يقبل عنهم واحد فالأضعف أولى.
[١٩٥٧] مسألة: إذا تاب القاذف قبلت شهادته، تاب قبل الجلد أو بعده، وقال أبو حنيفة: إن تاب بعد الجلد لم تقبل شهادته؛ فدليلنا قوله تعالى:"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء" إلى قوله: "إلا الذين تابوا"، والاستثناء إذا تعقب جملاً يصلح أن يكون عائدًا إلى كل واحد منها على الانفراد، فإنه يعود إلى جميعها، ونحن ندل على ذلك فيما بعد، ولأن كل من ردت شهادته بمعنى فسق به، جاز قبولها فيما بعد كالزاني والسارق، ولأنّه محدود في قذف فوجب أن تقبل شهادته إذا تاب كالكافر إذا أسلم، ولأن إقامة الحد استيفاء حق فلم يتعلّق به رد الشهادة كالقصاص.
[١٩٥٨] مسألة - فصل: ودليلنا على الاستثناء إذا تعقب جملاً يصلح عوده إلى كل واحد منها فإنه يعود إلى جميعها، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة في قولهم: إنّه يعود إلى ما يليه فقط؛ هو أن لواحق الكلام المؤثر فيه يجب تعليقها فيه ما أمكن، ولم يمنع مانع منه، وقد ثبت أن هذا الاستثناء يصحّ أن يعود إلى كل واحد مما ذكر قبله، وليس في اللّفظ ما يقتضي [عوده] على ما يليه، فيجب عوده إلى جميعه، ولأن الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى من حقهما أن يتعلّقا بجميع ما تقدمهما لكونهما من اللّواحق المؤثرة فيه فكذلك الاستثناء، ولأن هذه الجمل إذا جمع بينها
стр. 853
بحرف الواو صارت في حكم الجملة الواحدة، لأن الواو للجمع والاشتراك، وإذا صارت كذلك وجب في الاستثناء المتعقب لها أن يرجع إلى جميعها كرجوعه إليها لو كانت بلفظ واحد.
[١٩٥٩] مسألة: لا تقبل شهادة العبد، خلافاً لداود؛ لقوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم"، وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإسلام، لأن غير المسلم ليس بعدل، ولأنه نوع ينقص بمنع الميراث بينه وبين الأحرار، فوجب أن يمنع قبول الشهادات كالكفر، ولأنّ الشهادة مبنية على التفاضل والكمال، فلم يكن للعبد مدخل فيه كالرجم.
[١٩٦٠] مسألة: شهادة الأعمى تقبل فيما طريقه الصوت، سواء تحملها أعمى أو بصيرًا ثم عمي، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الصوت طريق لمعرفة الأشخاص والتمييز بين الأعيان شرعًا وعادة، أما الشرع فرواية الصحابة والتابعين عن أزواج النبي ﷺ ، ومعلوم أنهم سمعوا منهن من وراء حجاب، وإنّما كانوا يميزون بين أسمائهن بالصوت، وكذلك قوله ﷺ : «لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، فإنه يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وقد علم أنهم لم يكونوا يفرِّقون بينهما إلا بالصوت، ولأن الإقدام على الفروج أغلظ من الشهادة عليه بالحقوق، وللأعمى أن يطأ زوجته مع العلم بأنّه لا يفرق بينها وبين غيرها إلا بالصوت، فكل هذا يدل على أن الصوت طريق للتمييز بين الأشخاص، ولأن العادة أن الأعمى إذا تكرر عليه سماع صوت زوجته وولده وصديقه وطال اجتماعه معهم وكثر إلفه وطروق صوتهم لسمعه، ومع العلم له بعينه وانتفاء اللّبس عنه بغيره، وميز بين شخصه بسماع كلامه وبين من سواه، وصار ذلك طريقًا مستمرا وإلفاً معتادًا لا يتخلله شك فيه، ولا ريب، ولا معتبر بأنّه قد يخفى عليه
стр. 854
بعض الأوقات وتتشابه به النغم والأصوات، لأنّ ذلك يزول مع إحكام التأمل ومع قوة العادة واستمرارها، كالبصير الذي إذا رأى الشخص الذي قد طالت غيبته عنه وبعد عهده به فإنه يشتبه عليه في أولى لقائه، فإذا أنعم ذلك وأدام التأمل زال اللّبس عنه، وإذا صحّ أنّ الصوت طريق يميز به بين الأشخاص صحّ أنّ العلم به واقع للأعمى، وجازت شهادته معه.
[١٩٦١] مسألة: تقبل شهادة الأخرس إذا فهمت إشارته، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنّ الشهادة علم يؤديه الشاهد إلى الحاكم، فإذا فهم منه بطريق يفهم من مثله قبلت، كالناطق إذا أداها بالصوت، ولأنه معنى يحتاج إلى النطق فيقع الفهم، فإذا تعذر النطق جاز أن تقوم الإشارة مقامه إذا وقع الفهم بها، أصله الإقرار والطلاق.
[١٩٦٢] مسألة: لا تقبل شهادة كافر على وجه، وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة أهل الذمة على سائر ملل الكفر إذا كانوا عدولاً في دينهم؛ ودليلنا أن كل من لم تقبل شهادته على المسلمين لم تقبل على غيرهم كالفاسق المسلم، ولأنها شهادة من فاسق كالشهادة على المسلم، ولأنه قد ساوى المسلم الفاسق في الفسوق وزاد عليه بالكفر، ولأنه نقص مؤثر في الشهادة كالرق.
[١٩٦٣] مسألة: لا تجوز شهادة الوالدين للمولودين، ولا المولودين لآبائهم الذكور والإناث، بعدوا أم قربوا، من الطرفين، وذهب داود وغيره إلى جوازها؛ فدليلنا قوله ﷺ : «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين»، فعم، ولأنه معلوم من طباع الناس أن الأب يحب نفع ابنه وإيصال النفع ودفع الضرر عنه، ويؤثر ذلك على نفسه حتى إنه ربما دعاه أن يشهد له بالزور ويركب في أمره كل محضور فيوصله إلى النفع الذي يبغي وصوله إليه، أو يخلّصه من الضرر الذي يريد دفعه عنه، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله
стр. 855
تعالى: "إنما أموالكم وأولادكم فتنة"، وقال ﷺ : «فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها»، وإذا ثبت ذلك ثبتت التهمة فيه، فكانت كشهادته لنفسه.
[١٩٦٤] مسألة: لا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر، خلافاً للشافعي؛ لقوله: «لا تقبلى شهادة خصم ولا ظنين»، والظنين المتهم، وذلك موجود في الزوجين في غالب الطباع، بدليل الشرع والعادة، أما الشرع فقوله تعالى: "خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"، وأخبر أن سبب الزوجية لسكون نفس كل واحد من الزوجين إلى الآخر، وأنه طبعهم على التحاب والتوادد والحن والرأفة، ومثله قوله تعالى: "إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فأحذروهم"، فجعل هذين الجنسين غاية ومثلاً في المحبة والعطف التي لا زيادة فوقها يستطرق وقوع العداوة من مثلها، وذلك يدل على قوة التهمة وتأكدها؛ وأما العادة فالعلم المتصور في النفوس بأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها ويكره ضررها، حتى إنه يُغضب لها أهله وأقاربه، وينتفع بما لها وينبسط فيه، ويتحمّل به وإذا صح ذلك؛ كانت هذه التهمة مانعة من قبول شهادة أحدهما للآخر كالأب والابن، وتحريره قياساً أن يقال لأنّها شهادة تقوى التهمة فيها وأسبابها من الشاهد والمشهود له فكانت مردودة، أصله شهادة الأب لابنه، ولأنها شهادة يجريها الشاهد نفعاً إلى نفسه فلم تقبل كشهادته لغريمه ولنفسه معه.
[١٩٦٥] مسألة: تقبل شهادة الأخ لأخيه إلا فيما يتهم له فيه، من
стр. 856
دفع عار أو ما أشبه ذلك، خلافاً لمن منعها؛ لأنه ليس بين الأخوين من الحقوق من قوة التهمة ما يقتضي رد الشهادة، فجازت شهادته كالعم، ولأنها رحم لا يستحق بها الإرث مع الأب كالعم.
[١٩٦٦] مسألة: لا تقبل شهادة الصديق الملاطف لصديقه إذا كان في بره وصلته، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين»، ولأن التهمة بينهما متقررة في العادة، لأنه معلوم أن الإنسان إذا كانت بينه وبين إنسان صداقة ومودة يبره ويصله فإنه يحب جر النفع إليه ودفع الضرر عنه قياساً فنقول لأنها تهمة في العادة غالبة متقررة بالطباع في محبة النفع ودفع الضرر كشهادة الأب والابن، ولأن التهمة بالصداقة على الوصف الذي ذكرناه في مقابلة التهمة بالعداوة، فلمّا كانت العداوة مؤثرة في منع الشهادة فكذلك الصداقة، هذا على الشافعي.
[١٩٦٧] مسألة: لا تقبل شهادة عدو على عدوه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقول النبي ﷺ : «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، وروي: «ولا ذي غمر على أخيه»، ويروى: «لا تقبل شهادة ذي الظنة ولا الإحنة»، ولأن التهمة بينهما غالباً في الطباع، فكانت مؤثرة في رد الشهادة كالتهمة بين الأب والابن.
стр. 857
[١٩٦٨] مسألة: لا تقبل شهادة البدوي على القروي في الحقوق التي يمكن التوثق فيها بإشهاد الحاضر، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله: «لا تقبل شهادة بدوي على قروي»، وروي: «على صاحب قرية»، لأن التهمة تقوى في هذه الشهادة، لأن الناس لا يتركون التوثق بإشهاد جيرانهم وأهل بلادهم ويشهدون الأباعد وأهل البلد إلا لريبة يعلمون معها أن الشهود من أهل الحضر لا يشهدون في ذلك الشيء فيعدلون إلى من لا يعرفه.
[١٩٦٩] مسألة: لا تقبل شهادة ولد الزنا في الزنا وشبهه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : «ولا ظنين»، والظنة ها هنا موجودة لأنه يحبُّ! أن يكون غيره مشاركاً له في المعرة لئلا ينفرد بها، هذه قضية العادة، وما جبلت عليه الطباع أن كل من حصل في معرة لازمة أحبَّ أن يكون غيره مثله، ويود أنه لا يبقى أحد إلا صار في مثل حاله، وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: "ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون"، فمفهومه: أن ما يعتقدونه من الاشتراك في البلية يتم [به] السلوى لا يحصل لكم في العذاب، وروي عن عثمان ﵁ أنه قال: ودت الزانية أن النساء زنين، فأخبر أن التهمة بذلك غالبة في الطباع فصحّ ما قلناه.
[١٩٧٠] مسألة: إذا شهد العبد بشهادة حال رقه، أو الكافر قبل إسلامه، والصبي قبل بلوغه، فردت، ثم أداها بعد زوال الموانع لم تقبل،
стр. 858
خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله: «ولا ظنين» وهؤلاء متهمون أن يحبوا تنفيذ شهاداتهم التي ردت، ولأنه موصوف بنقص يؤثر في منع الشهادة كالفاسق إذا أعاد شهادته بعد التوبة.
[١٩٧١] مسألة: الشهادة على الشهادة تقبل في الجملة، خلافاً لداود؛ لقوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم"، وقوله: "فاستشهدوا شهيدين من رجالكم"، فعم كل أمر يصحّ الإشهاد عليه، وروي عن علي ﵇ أنه أجاز الشهادة على الشهادة (٤،) ولم يخالفه أحد، ولأنه نقلٌ طريقته الأمانة كالشهادة على الإقرار.
[١٩٧٢] مسألة: تجوز الشهادة على الشهادة في كل الأحكام من حقوق الله ، وحقوق الآدميين، والقصاص، والحدود، خلافاً لأبي حنيفة ولأحد قولي الشافعي؛ لأن كل حكم جاز أن يثبت بالشهادة جاز أن يثبت بالشهادة على الشهادة، أصله الأموال كالنكاح والطلاق.
[١٩٧٣] مسألة: إذا زكى شهود الفرع شهود الأصل ولم يسمّوهم للقاضي فإنّه لا تقبل الشهادة على شهادتهم، خلافاً لمن قال: تقبل؛ لأنّهم إذا لم يسمّوهم أمكن أن يكونوا فسقة عند القاضي، أو ممن لا تجوز شهادتهم في ذلك الشيء كالعدو والصديق، ولأن القاضي لا يقبل إلا شهادة من يمكن الخصم من جرحهم، وذلك لا يمكن إلا مع التسمية، ولهذا ما وجب عندنا أن تسمّى الشهود في السجلات.
[١٩٧٤] مسألة: إذا شهد اثنان على كل واحد من شاهدي الأصل،
стр. 859
جازت شهادتهما، وقال عبد الملك: لا يقبل على شهادة كل واحد إلا اثنان آخران، وهو أحد قولي الشافعي؛ فدليلنا أنه نقل قول اثنين إلى الحاكم بشهادة شاهدين فيما يثبت بشهادة شاهدين فجاز ذلك، أصله إذا شهد عند الحاكم اثنان على إقرار اثنين بدين، ولأن كل واحد من شهود الأصل قد شهد على شهادته اثنان، فأشبه إذا كانا آخرين.
[١٩٧٥] مسألة: إذا رجع الشهود قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم، وقال أبو ثور وداود: يحكم بها ولا يؤثر رجوعهم شيئاً؛ فدليلنا أن قبول الشهادة مشروط بغلبة ظن الحاكم على صدقهم، ورجوعهم يزيل هذا المعنى، ولأنهم إذا رجعوا بطل الأول، وصار الحكم للثاني الذي رجعوا إليه، لأن ذلك هو الموجود وقت الحكم، كالحاكم إذا اجتهد في شيء فأداه اجتهاده إلى أمر ما ثم بأن له فساده قبل الحكم فإنه يرجع عنه، ويحكم بما أداه إليه اجتهاده في الثاني.
[١٩٧٦] مسألة: إذا رجعوا بعد أن حكم بشهادتهم فلا ينقض الحكم، خلافاً لمن قال: ينقض؛ لأنه يحتمل أن يكونوا صادقين في ذلك الوقت، ويحتمل كذبهم، فاستوى الحالان، للأول مزية وهو الحكم به فلم يجز نقضه.
[١٩٧٧] مسألة: إذا شهدوا بقتل واحد ثم رجعوا بعد أن استوفى ذلك، وقالوا: تعمّدنا الكذب، ففيها روايتان؛ إحداهما: أنهم يقتلون، وهو قول الشافعي؛ والأخرى: لا يقتلون وتلزمهم الدّية، وهو قول أبي حنيفة.
فوجه القول الأول بأنهم يقتلون، ما روي أن علياً ﵇ جاءه شاهدان فقالا له: نشهد أن هذا سرق، فقطعه، ثم جاءا بآخر فقالا: غلطنا، إنما هو ذا، فردَّ قولهما الثاني؛ وقال: لو أعلمكما تعمَّدتما قطعه
стр. 860
لقطعتكما، ولم نحفظ عن أحد خلافاً عليه، ولأنهما ألجآ الحاكم إلى القتل والقطع، فلزمهما القود، كالمكره لغيره.
ووجه نفيه أن السبب والمباشرة إذا اجتمعا سقط حكم السبب، وشهادة الشهود سبب وليست بمباشرة، ولأنّ الشهادة لا يتعلّق بها حكم ما لم ينضم إليها حكم الحاكم، فصار وجوب القصاص موقوفاً على حكم الحاكم من غير فعلهما.
[١٩٧٨] مسألة: إذا شهدا على رجل أنه طلّق بعد الدّخول، وحكم الحاكم بالفرقة، ثم رجعا، لم يغرما من المهر شيئاً، وقال الشافعي: يغرمان مهر المثل؛ فدليلنا أن المهر كان مستحقاً على الزوج بالدخول فلم يتلفا عليه شيئاً بشهادتهما، وإنما أخرجا عنه الاستمتاع، وخروج البضع عن ملك الزوج لا قيمة له، بدليل أن المطلق في المرض لا سبيل لورثته عليها، ولو كان لخروج البضع من يد الزوج قيمة لضمنته للورثة، ألا ترى أن خروج الرق من ملك الزوج لما كان له قيمة كان من أعتق عبده حال مرضه لزمه أن يخدم ويسعى لأجل الورثة التي ترث السيد واعتبر من الثلث، واعتباراً بمن له زوجتان كبرى وصغرى فأرضعت الكبرى الصغرى فإنهما يحرمان عليه، ثم لا يرجع على الكبيرة بشيء من مهرها، لأنها كانت مستحقة له بالدخول كذلك ها هنا.
[١٩٧٩] مسألة: إذا شهدا بالنكاح أو بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا غرما نصف المهر، خلافاً للشافعي في قوله: يغرمان الجميع؛ لأنهما لم يتلفا عليه الجميع، لأنّه إنما يستحق عليه قبل الدخول إذا طلّق النصف، فلا يلزمهما غرم ما لم يتلفاه.
[١٩٨٠] مسألة: إذا رجعا عن الشهادة بمال بعد الحكم غرما
стр. 861
للمشهود عليه، خلافاً للشافعي؛ لأنهما أتلفاه عليه بشهادتهما ما له قيمة فلذلك غرماه.
[١٩٨١] مسألة: إذا حكم بشهادة من ظاهره العدالة، ثم بان له بعد الحكم فسقهم ببينة لم ينقض الحكم، خلافاً للشافعي؛ لأنّ العدالة والفسق طريقهما الاجتهاد، وإن انعقد الحكم باجتهاد لم ينقض باجتهاد مثله، وذلك بخلاف الحكم بشهادة العبيد والكفار، لأن ذلك لا اجتهاد فيه، لأنّه أمر ظاهر فالحكم مع ذلك تقصير في اختبار حال الشهود.
[١٩٨٢] مسألة: إذا ادعت امرأة لقيطاً قُبِلَ قولها على إحدى الروايتين؛ خلافأ لأبي حنيفة في قوله: إنها لا تقبل؛ ودليلنا على أن إقرارها يقبل [أنه] من قبل الإقرار بالولد، فوجب أن يقبل إقرارها بالولد أصله الرجل، وأيضا نقول [لما كان] أحد الوالدين يقبل إقراره في جميع الأموال، قبل إقراره في النسب. ولأن ولادة الأم حقيقة، ومن جهة الأب مظنونة، ثم ثبت وتقرر أن بإقرار الأب يثبت نسبه فبإقرار الأم أولى أن يثبت.
[١٩٨٣] مسألة: ثغلَّظ الأيمان بالمكان والزمان، وقال أبو حنيفة: لا تغلّظ بالمكان؛ فدليلنا قوله ﷺ : «من حلف عند منبري هذا على يمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار»، قيل: وإن كان شيئًا يسيرا؟ قال: «ولو كان على سواك من أراك».
стр. 862
[١٩٨٤] مسألة: تغلّظ على ربع دينار فما زاد، وقال الشافعي: لا تغلّظ إلا في مائتي درهم أو عشرين دينارًا فما زاد، وقال قوم في القليل والكثير؛ فدليلنا أنّه لا تغلظ في القليل ما روي أن عبد الرحمن بن عوف رأى رجلاً يحلف عند المنبر، فقال: أعلى دم؟ فقالوا: لا، فقال: أعلى عظيم من المال؟ قالوا: لا، قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المكان، فلم ينكر عليه أحد. ودليلنا على أنه تغلّظ في ربع دينار أنه مال يثبت له حرمة في الشرع بدليل أنه يقطع فيه اليد، وأقل ما يستباح به البضع، كالنصاب في الزكاة.
[١٩٨٥] مسألة - فصل: و [لا] تغلَّظ بالألفاظ، خلافاً للشافعي في قوله: تغلّظ بزيادة الصفات؛ لأن هذه الصفات لا غاية لألفاظها ولا حصر، ولأنّ ما ذكروه ليس بأولى من غيره.
[١٩٨٦] فصل: ولا يزاد على اليهودي أن يقال: الذي أنزل التوراة على موسى، وعلى النصراني: الذي أنزل الإنجيل على عيسى، خلافاً للشافعي؛ لأن ذلك مبني على أنه لا يغلظ بالصفات على المسلم، فنقول: إنها يمين وجبت في حق فلم يزد فيها على لفظ الإخلاص كيمين المسلم،
стр. 863
ولأنّ كل صفة لم تلزم المسلم لم يغلّظ بها على الكافر كسائر الصفات. [١٩٨٧] مسألة: إذا حلف على فعل نفسه حلف على البت والقطع في النفي والإثبات، وإن حلف على فعل غيره ففي النفي على العلم، وفي الإثبات على القطع، وحكي عن الشعبي والنخعي: أنّه يحلف على البت في كل الأيمان، وعن ابن أبي ليلى: يحلف على العلم في الكل؛ ودليلنا أن الإنسان يمكنه معرفة فعل نفسه فلم يحلف إلا على ما يعلمه ويتحققه، فكلف اليمين على البت، فإذا كانت اليمين على فعل غيره يمكنه في الإثبات القطع ولا يمكنه في النفي فلم يكلف إلا ما يمكنه.
[١٩٨٨] مسألة: إذا رأى إنساناً يتصرف في داره مدة يسيرة ويده عليها جاز له أن يشهد باليد ولم يجز له أن يشهد بالملك، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الشهادة بالملك هي شهادة باليد مع طول التصرف دون يسيره، ولأن اليد تكون بملك وبغير ملك، ولأنها لو كانت ملكاً في الحقيقة لم يجز سماع الدعوى بعد الإقرار.
[١٩٨٩] مسألة: إذا مات رجل وترك ابنين، وأقر أحدهما أن عليه ألفي درهم ديناً، وأنكر الآخر، لزم المقر نصف الدين وهو ألف، وقال أبو حنيفة: يلزمه جميع الألفين؛ فدليلنا أن إقرار الابن يتضمن ثبوت الألفين على أبيه، وتعلق ذلك بكل التركة، بدليل أن البينة لو قامت بذلك لقضي الدين من جميع التركة، فإذا كان هذا يتضمّن إقراره لم يلزمه إلا بقدر ما حصل له من التركة وهو النصف، فصار كما لو أقر أن أباه أوصى بثلثه وأكذبه أخوه فإنّه لا يلزمه إلا ثلث ما في يده.
[١٩٩٠] مسألة: إذا تداعيا شيئاً وهو في يد أحدهما، وأقام كل واحد البينة رجح بالعدالة، فأيهما كانت بينته أعدل حكم له ببينته وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يرجح بالعدالة. ودليلنا أن الترجيح معنى مطلوب في التداعي
стр. 864
والغرض به [أن] يقدم سبب أحد المتداعيين لكون ما يدّعيه أقرب إلى الصدق، ووجدنا العدالة صفة مراعاة في الشهادة موكولة إلى اجتهادنا، وهي في نفسها متزايدة مختلفة، فوجب أن يقع الترجيح بكثرتها، لأنَّ من ثبت له بذلك أقرب إلى أن يكون ما شهد به هو الحق، ولأن الشهادة أقوى من الخبر، لأنه قد نص فيها على العدد ولم يقبل فيها قول العبد أصلاً، ولا المرأة الواحدة بانفرادها، وفي الخبر: لم ينص على عدد ولم يمنع قبول المرأة والعبد فيه، ثم كانت صفة العدالة يقع بها الترجيح في الخبر فكانت بذلك في الشهادة أولى.
[١٩٩١] فصل: وإذا تساوت البينتان في العدالة حكم بها لصاحب اليد، وقال أبو حنيفة: يحكم بها للخارج إذا كان في حكم مطلق، أو مضاف إلى سبب يتكرر، وحكي عن أحمد وإسحاق أن بينة الخارج أولى على كل حال؛ فدليلنا ما روي أن رجلين تداعيا عند النبي ﷺ بعيرًا، فجاء هذا ببينة، وهذا ببينة، فقضى به لمن هو في يده، ولأنهما مدعيان تساويا في إقامة البينة وانفراد أحدهما باليد، فوجب أن يقدم ببينته لأجل اليد، أصله الدعوى في الملك المضاف إلى سبب لا يتكرر كالولادة والنتاج، ولأن كل واحد منهما مساو لصاحبه في الدعوى قبل البينة، إلا أن صاحب اليد أقوى وأثبت بثبوت يده على الشيء المدّعى فلمّا انفرد بذلك قوي أمره، فقدم على المدّعي لرجوعه باليد، وهذه كلها بعد البينة، لأنّهما قد تساويا فسقطتا، وصارا كأنّهما لم يكونا، وانفرد صاحب اليد بيده، كما كان قبل البينة.
[١٩٩٢] مسألة: لا يقع الترجيح بزيادة العدد، خلافاً لما يحكى عن
стр. 865
الأوزاعي؛ لأنه معنى مقدّر بالشرع بالنص فلم يكن للاجتهاد مدخل فيه كدية الأحرار.
[١٩٩٣] مسأله: إذا تداعيا دارًا في يد غيرهما، وتعارضت بيناتهما قسمت الدار بينهما بعد أيمانهما على الظاهر الصحيح من المذهب، وللشافعي قول: إنه يقرع بينهما فيحكم لمن خرجت له القرعة؛ فدليلنا ما روى تميم بن طرفة الطائي أن رجلين تنازعا شيئاً، وأقام كل واحد بينته، فجعله النبي ﷺ بينهما نصفين، ولأنهما حجتان تعارضتا، لو انفرد أحد المتداعيين بها لحكم له بالملك، فوجب إذا تعارضتا أن يقسم الشيء بينهما، أصله اليد، ولأنهما قد تساويا في سبب الاستحقاق، والشيء ممّا يصحّ فيه الاشتراك، فوجب القضاء به لهما كالأخوين الشقيقين.
[١٩٩٤] مسألة: إذا تداعى رجلان دارًا في يد غيرهما ممن لا يدّعيها لنفسه، وأقام أحدهما البينة أنها ملك له منذ سنة، والآخر أنها ملكه منذ سنتين، حكم بها لصاحب الملك المتقدم، وللشافعي قول: إنّه يحكم بها لهما بالسوية؛ فدليلنا أن البينة إذا شهدت بالملك منذ سنين فإنا نحكم بالملك منذ ذلك الوقت، بدليل أن النتاج يكون للمشهود له، فإذا كان كذلك فقد تساوت البينتان في الظاهر بالشيء بالشهادة بالملك المتقدّم فكان لها مزية، فوجب تقديمها على البينة التي قامت بالشهادة بالملك المتأخر.
[١٩٩٥] مسألة: إذا اختلف الزوجان في صاع البيت فادعى كل واحد منهما أنّه له، ولا بينة لهما، ولا لأحدهما، نظر فما كان من متاع النساء فهو للمرأة مع يمينها، وما كان من متاع الرجل فهو له مع يمينه، وما كان يصلح لهما فاختلفا فيه، فقال مالك: هو للرجل مع يمينه، وقال المغيرة:
стр. 866
هو بينهما بعد أيمانهما، سواء كان اختلافهما قبل الطلاق، أو بعده، وقال الشافعي: من أقام البينة على شيء فهو له، وإلا كان الجميع بينهما بعد أيمانهما؛ فدليلنا أنّ اليد لما كانت مؤثرة في الملك ودالة عليه، وكان لكل واحد منهما يد في الدّار وجب عند تنازعهما أن يعتبر أظهرهما في الدّعوى ومن يشهد له العرف بقوة دعواه، لقوله تعالى: "وأمر بالعرف"، وقوله في قصة يوسف: "إن كان قميصه قد من قبل" الآية، فجعل قوة دعوى كل واحد منهما معلّقة على ما يشهد الغالب، فكذلك في مسألتنا، والعرف أنّ النساء يتخذن ما يصلح لهن، والرجال يتخذون ما يصلح لهم، فيثبت ما قلناه، ودليلنا [على] أن ما يصلح لهما يكون للرجل، خلافاً للمغيرة، أن جنبته أرجح بكون البيت له، وهي تابعة له فيه، والظاهر فيما يكون في بيت الإنسان أنّه له إلا ما شهد العرف بأن الأغلب كونه للمرأة، ووجه قول المغيرة، أن البيت مضاف إليهما وأيديهما متساوية، فإذا لم يكن الأغلب كون الشيء يصلح لأحدهما، وجب أن يكون بينهما.
[١٩٩٦] مسألة: إذا كان لرجل على إنسان دين فجحد فحصل له عنده وديعة، أو عارية، أو غصب، أو غير ذلك من وجوه الحيازة، من جنس حقه أو من غير جنسه، فأراد أن يأخذ حقه منه، ففيه روايتان: إحداهما: أن له ذلك إن لم يكن عليه دين لغيره، وإن كان عليه دين أخذ بمقدار ما يصيبه من المحاصة، سواء كان من جنس حقه أو من غير جنسه، وهو قول الشافعي، والأخرى: أنه ليس له ذلك بوجه، ولكن يرد ما عنده ثم يطالبه بحقه، وقال أبو حنيفة: إن كان الذي حصل في يده جنس حقه فله أخذه، وإن كان من غير جنسه فليس له أخذه.
فدليلنا على الجواز حديث هند أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، أفآخذ منه سرًا؟
стр. 867
فقال النبي ﷺ : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، ولأنه مال يستحقه عليه، فإذا منعه الغريم كان له أخذه بغير إذنه، أصله إذا دفعه إليه الحاكم.
ووجه المنع، قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وقوله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»، ولأنه [لا] ولاية له على من له الحق، والتصرف في مال الغير لا يملك إلا بولاية.
ودليلنا [على] أنه لا فرق بين أن يكون من جنسه، أو من غير جنسه، حديث هند، وهو عام، ولأنه ممتنع من مال يستحقه عليه، فجاز له أخذه ممّا يحصل تحت يده، أصله الجنس، ولأنه مال حصل لغريمه تحت يده وهو ممتنع من أداء ما عليه، فله أخذه من تحت يده من جنسه وغير جنسه، أصله إذا كان له عليه ذهب فحصل له عنده فضة، ولأن كل من له الأخذ إذا وجد من الجنس فكذلك من غيره، أصله الحاكم.
[١٩٩٧] مسألة: ومن ادعى أنه تزوج امرأة تزويجاً صحيحاً سمعت دعواه، ولم يكلف أن يذكر شروط الصحة، لأنها دعوى عقد صحيح فوجب استماعها كما لو ذكر شروط الصحة، لأنها عقد معاوضة فوجب أن تسمع الدّعوى فيه على الصحة بجملة من غير اعتبار ذكر شرائط الصحة، أصله البيع.
[١٩٩٨] مسألة: اذا مات رجل وعليه دين، وله دين فيه شاهد، فللورثة أن يحلفوا مع شاهد ميتهم ويستحقوا المال، ويدفعوا إلى الغرماء حقوقهم، فإن لم يحلفوا حلف الغرماء واستحقوا قدر ديونهم، خلافاً
стр. 868
للشافعي؛ لأن الدين متعلّق بالتركة، فجاز لمستحقه أن يحلف مع شاهد الميت، أصله حق الإرث.
[١٩٩٩] مسألة: إذا وطىء السيدان الأمة في طهر واحد، أو وطىء رجل أمته، ثم باعها قبل أن يستبريها، فوطئها الثاني، فأتت بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء الأول والثاني، نظر القافة فبأيهما ألحقاه لحق، وقال أبو حنيفة: الحكم بالقافة باطل، ولا يراعى الشبه، قال: فإذا تنازع الولد رجلان لحق بهما وكان ابناً لهما، وكذلك خمسة رجال وعشرة وأكثر إن أمكن ذلك.
فدليلنا على وجوب الحكم بالقافة حديث عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري إلى مجزز المدلجي نظر إلى أسامة وزيد وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، موضع الدليل أنَّ المشركين كانوا يطعنون في نسبِ أسامة، لأنه كان، أسود، وكان زيد أبيض، وكان ذلك يشق على النبي ﷺ ، فسرَّ بقول مجزز لكونه قائفاً عارفاً بالأنساب، ولو كان ذلك ظناً وخرصاً لا يتعلق به حكم لم يسر به، ولأنكر على مجزز إخباره، كما ينكر كل ما كان من أمر الجاهلية وأحكامها ليس في شرعه إقراره.
ودليلنا في اعتبار الشبه في اضطراب النسب حديث سعد وعبد بن زمعة لما تنازعا ابن الوليدة، فادعى سعد لأخيه، وادعى عبد بن زمعة لأبيه، فحكم النبي ﷺ لصاحب الفراش، وهو زمعة، ثم قال لسودة: احتجبي منه، لما رأى من شدة شبهه بعتبة مع ثبوت الأخوة بينهما وبين هذا
стр. 869
الولد، وقوله ﷺ في قصة المتلاعنين: «إن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، وروي عن عمر، وأنس الحكم بالقافة، ولأن حقيقة النسب لا يعلمها إلا الله تعالى، ومن أطلعه عليه، وإنّما يثبت بالاستدلال والفراش من جهة الظاهر، ووجدنا لهذا القوم اختصاصاً بهذا العلم من طريق معرفة الشبه لا يدفع أحد ذلك، فجاز أن يكون لهم مدخل فيه كما جاز أن يكون للتجار مدخل في تقويم المتلفات، ولأهل الحزر مدخل في الخرص في الزكاة وغيرها.
[٢٠٠٠] فصل: ودليلنا على أن الولد لا يكون لأكثر من أب واحد قوله تعالى: "وورثه أبواه"، وقوله: "أشكر لي ولوالديك"، وقوله: "ووصينا الإنسان بوالديه حسناً"، ولأن استحالة ذلك في الشرع جارية مجرى الأمين من طريق المشاهدة.
[٢٠٠١] فصل: ولا يحكم بالقافة في ولد الحرة، وذكر الشيخ أبو بكر الأبهري عن أبي يعقوب الرازي أنه وجد لابن وهب عن مالك أنّه يحكم فيه بالقافة، وهو قول الشافعي؛ ودليلنا أنّ في الحرة لا يتساوى الواطئان في الفراش، لأنها لا تكون فراشاً إلا لواحد، فيلحق الولد لصاحب الفراش، وليس كذلك الأمة، لأنه قد يستوي حكم الواطئين فيه من
стр. 870
جهة الملك، لأنّها إذا كانت بين شريكين فإنهما يتساويان في الملك، ومشتريها واحد بعد واحد، فيقع العقد له صحيح، فاحتجنا إلى الترجيح واعتباره من الطريق التي يعتبر منها.
[٢٠٠٢] مسألة: المسلم والذمي والحر والعبد في دعوى النسب سواء، وقال أبو حنيفة: المسلم أولى من الكافر، والحر أولى من العبد؛ فدليلنا أنهما اشتركا في ادعاء نسبٍ لو انفرد به كل واحد منهما لحقه فوجب أن يستوي فيهما كالحر بين المسلمين، ولأن الحر والعبد يتساويان في الأسباب التي تلحق بها الأنساب، وهو الوطء بالنكاح الصحيح والفاسد والشبهة، فيتساويان في دعواهم، كما أن المسلم والكافر لمّا تساويا في أسباب ملك المال تساويا في دعواه، كذلك في مسألتنا.
***
стр. 871
كتاب العتق
[٢٠٠٣] مسألة: إذا كان عبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه وهو موسر، لم يعتق حصة شريكه بالسراية، ويقوم عليه وبدفع القيمة إلى الشريك، ثم يعتق، وأظهر أقاويل الشافعي أنه يعتق بالسّراية؛ فدليلنا قوله ﷺ : «من أعتق شركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد»، فشرط في عتقه أن يقوم عليه وأن يدفع إلى الشريك، ولأن تصرف الإنسان في ملكه لا يسري إلى ملك غيره كالبيع، ولأن التقويم لإزالة الضرر عن الشريك كالشفعة، وقد ثبت أن ملك المشتري لا يزول عن الشقص إلا بعد قبض الثمن، فكذلك في العتق، ولأنه عتق بعوض مفتقر إلى القدرة على العوض، فوجب أن يقف تنجزه على بدله، أصله عتق المكاتب، ولا يلزم عليه إذا قال: إن أديت ألفاً فأنت حز، لأنّ هذا العتق لا يقف على القدرة على العوض.
[٢٠٠٤] مسألة: إذا كان المعتق معسرًا لم يكن للشريك استسعاء العبد في قيمة نصيبه منه، وعتق من العبد ما عتق، وقال أبو حنيفة: له ذلك، موسرًا كان المعتق أو معسرًا؛ فدليلنا الحديث الذي رويناه، ولأنّه عتق من غير جهة من كانت منه الجناية فلم يكن واجباً كالكتابة، ولأن العبد
стр. 872
لم يكن منه جناية ولا إتلاف، وكذلك الشريك الذي لم يعتق، وسبب الإتلاف هو المعتق، فإذا لم يلزمه تقويمه فالعبد أولى.
[٢٠٠٥] مسألة: للقرعة مدخل في تمييز نصيب الحرية من العتق في مواضع، منها أن يعتق ستة أعبد له لا مال له غيرهم في مرضه فيجزؤون ثلاثة أجزاء ويقرع بينهم، فيعتق اثنان ويرق أربع، وقال أبو حنيمة: لا مدخل لإقراع بين العبيد بحال، ولكن يعتق منهم الثلث من كل عبد ويستسعى في قيمة نفسه، فإذا أداها إلى الورثة عتق؛ فدليلنا حديث عمران بن حصين: أن رجلاً أعتق ستة أعبد له في مرضه، ولا مال له غيرهم، فبلغ ذلك النبى ﷺ ، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق الأربعة، ففيه أدلة:
أحدها: أنّه ﷺ أقرع، وعند المخالف أنّه لا يقرع.
والثاني: أنّه أعتق اثنين كاملين، وعندهم أنه قال: لا يعتق رأس كامل.
والثالث: أنه نقل الحكم والسبب، ولم ينقل الاستسعاء، فدل على أنّه
غير واجب. ولأن المريض ممنوع من جميع ماله، فلم يكن له أن يعتق كل عبيده إذا كان لا يملك غيرهم، فإذا فعل ذلك أعتق منهم الثلث الذي كان يملك التصرف فيه، ورق الباقي، ولم يكن بعضهم بأولى من بعض، إذ لا مزية لبعضهم على بعض، واحتيج إلى تمييز من يعتق من نصيب الورثة فلم يكن إلى ذلك طريق إلا الإقراع، ولأن ما نقوله أولى لأنا نسوي بين العبد وبين الورثة لأنّا نعتق الثلث ونقر الثلثين، وعلى قوله: يكون الحظ كلّه للعبيد، لأنّه يعتق منهم الثلث، ويكون الثلثان في حكم المعتق، لأنه لا
стр. 873
يمكن الورثة التصرف فيها فيتعجل حق العبيد في الثلث ويتأخر حق الورثة في الثلثين إلى أداء القيمة، وذلك ما لا سبيل إليه.
[٢٠٠٦] مسألة: يعتق بالنسب عموداه، من العلو والسّفل، من بعد ومن قرب، والأخوة، والأخوات، ولا يستقر ملكه عليهم، وقال داود: لا يعتق بالنسب أحد إلا أن يعتقه المشتري مبتدأ، وقال الشافعي: يعتق عمود النسب فقط، ولا يعتق الأخوة والأخوات، وقال أبو حنيفة: يعتق عليه كل ذي رحم محرم بالنسب، وهو كل من يجري بينه وبينه تحريم الزوجية؛ فدليلنا على وقوع العتق بنفس الملك قوله تعالى: "وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا" الآية، فنفى عن نفسه تعالى اتخاذ الولد، وعلل ذلك بأن الكل عبيد له فأقتضى هذا استحالة ملك الولد، فإذا ثبت ذلك في الولد [ثبت] في الأب والجد، لأنه لا أحد يفرق، وقوله ﷺ : «من ملك ذا رحم محرم فهو حر»، فعم.
[٢٠٠٧] فصل: ودليلنا على وجوب عتق الأخوة والأخوات عموم الخبر، ولأن الأخوة سبب له مدخل في حجب الأم عن الثلث إلى السدس، كالولادة، ولأن التعصيب يكون من ذكورهم لإناثهم كالولد.
[٢٠٠٨] فصل: فدليلنا على أن العم والخال وغيرهما لا يعتقون، أن كل من حلت لشخص ابنته بالنكاح والملك لم يعتق عليه بالملك، أصله ابن العم، ولأن كل جنس يرث ذكورهم دون إناثهم لم يعتقوا بالملك كبني العم.
стр. 874
[٢٠٠٩] مسألة: إذا أعتق المسلم عبداً له نصرانياً فالولاء مراعى، فإن
أسلم كان ميراثه للمسلم إن مات، وإن مات النصراني قبل أن يسلم فلا ولاء للمسلم عليه، وقالى الشافعي: يثبت له عليه الولاء ويرثه؛ فدليلنا أن الإرث بالنسب مقدم على الإرث بالولاء، وآكد منه، لأن الولاء مشبه به، وقد ثبت أنّه لا توارث بين المسلم والكافر بالنسب، فكذلك الولاء.
[٢٠١٠] مسألة: إذا أعتق عبده عن رجل، فالولاء للمعتق عنه، أعتقه بإذنه أو بغير إذنه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه إذا أعتق عبده عن غيره فقد ملّكه إياه بشرط العتق عنه، فكان كالوكيل، ولأنّ الولاء جار مجرى النسب، فلا يفتقر حصوله لمن لم يحصل له الإذن منه، ولأنه أعتقه عنه من مال نفسه فكان الولاء للمعتق عنه كما لو استأذنه.
[٢٠١١] مسألة: ولاء السائبة لجماعة المسلمين، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لما قدمناه، ولأن قوله: أنت سائبة مأخوذ من التسيُّب وإخراج اليد عنه جملة، كالجمل المسيب الذي لا يعرض له كما كانت العرب تفعله، وما دام الولاء ثابتاً له عليه فلم يحصل المعنى المقصود.
[٢٠١٢] مسألة: لا مدخل للنساء في الإرث بالولاء، فإذا ترك ابناً ومولى وابنته فالميراث للابن دون البنت، وقال طاوس وشريح: الولاء بينهما كوراثة المال؛ فدليلنا أن الميراث بالنسب أقوى من الميراث بالولاء، بدليل أنّه مشبه به، وأنه لا يورث بالولاء إلا مع عدم ما يورث به من النسب، وإذا ثبت ذلك، ثم لم يكن للنساء مدخل في التوريث بما تراخى من النسب، كان بأن لا يكون لهن مدخل في التوريث بما تراخى من النسب أولى.
[٢٠١٣] مسألة: الولاء مستحق بالقرب، والابن أولى به من ابن الابن، ولا يستحق البطن الثاني شيئاً ما بقي أحد من البطن الأعلى، وقال
стр. 875
شريح: يشتركان فيه كإرث المال؛ فدليلنا أن الولاء مع اختصاصه بالتعصيب يختص بمن قوي تعصيبه وقرب دون من بعد عنه، بخلاف الميراث، لأن الجد لا يرث بالولاء مع الابن ويرث معه في المال فثبت أن الولاء طريقه طريق الولايات فهو للأقرب فالأقرب، ولأن ما يستحق بالتعصيب شيئان ميراث وولاية، إما في نكاح أو قصاص، وفي كل ذلك لا يدخل أبناء الأبناء مع وجود آبائهم وعمومتهم، فكذلك الإرث به.
[٢٠١٤] مسألة: المولى الأسفل لا يرث، وقال طاوس: يرث؛ فدليلنا أن الإرث بالولاء يستحق بالإنعام، والمولى من أسفل لا إنعام له، بل هو منعم عليه، فلم يستحق الميراث.
[٢٠١٥] مسألة: جر الولاء ثابت للأب، خلافاً لما يحكى عن رافع بن خديج وعكرمة ومجاهد؛ لأن ذلك إجماع حكم عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وفي حديث الزبير: أنه مر بقنية فسأل عنهم فقيل: هم موالي رافع وأبوهم عبد للحرة، فاشترى الزبير أباهم فأعتقه، وقال لهم: انتسبوا إلي فأنا مولاكم، فقال رافع: بل هم موالي أنا أعتقت أمهم، فاختصما إلى عثمان فقضى بالولاء للزبير، ولم يخالف عليه أحد، ولأن انتساب الولد إلى قبيلة أمه وجهتها لعدم ذلك من جهة الأب، بدليل أنه لو أمكن ذلك في الابتداء لم ينتسب إلى الأم، وأنّه إذا عاد إمكانه في ولد الملاعنة عاد الانتساب إلى الأب، وإذا ثبت ذلك ثم كان غير ممكن في هذا الموضع لرق الأب، فيجب إذا زال المعنى المانع، أن يزول ما امتنع لأجله ويعود النسب إلى الأب.
стр. 876
[٢٠١٦] مسألة: ويثبت جر الولاء للجد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه؛ لأن النسب يرجع إليه فصحّ جره للولاء كالأب.
[٢٠١٧ - مسألة]: إذا جر الأب أو الجد الولاء للولد غير موالي الأم ثم عدم هو وعصبته، لم يعد الولاء إلى موالي الأم، وحكي عن ابن عباس: أنّه يعود إليهم؛ فدليلنا أن الولاء يثبت لموالي الأب، والولاء إذا ثبت لم ينتقل إلا إلى عصبة هي أولى ممّن ثبت له، وموالي الأم ليسوا بأولى من موالي الأب، فلم ينتقل الولاء عنهم إليهم.
[٢٠١٨ - مسألة]: إذا تزوج حر لا ولاء عليه بمعتقة فأولدها ولدًا
فإن الولد يكون حرًا لا ولاء عليه، وقال أبو حنيفة: إن كان الأب عربي الأصل لم يثبت على الولد ولاء، وإن كان أعجميًا ثبت على الولد الولاء لموالي أمه؛ فدليلنا أن حرية الأب لو طرأت على الولاء الثابت لموالي الأم لأزالته فلأن يمنع أن يثبت لهم الولاء في الابتداء أولى.
[٢٠١٩ - مسألة]: وقال الشافعى: الميراث لبيت المال، إذا عدم الموالي وعصباتهم، ورث بموالي الأب؛ فدليلنا أن موالي الأب قد ثبت لهم الولاء على الأب فجر ذلك إلى ثبوته على ولده كالجد.
[٢٠٢٠] مسألة: مولى الموالاة لا يرث، خلافاً لأبي حنيفة في قوله:
إنهما يتوارثان ويتعاقلان، وإن لهما فسخ الموالاة ما لم يعقل أحدهما عن الآخر؛ لقوله ﷺ : «إنّما الولاء لمن أعتق»، ولأن الموالاة سبب لا يورث به مع وجود النسب، فكذلك مع فقده، أصله إذا أسلم على يده رجل،
стр. 877
عكسه الزوجية، ولأنّ المسلمين يعقلون عنه فلم يكن له نقل ميراثهم عنه بالموالاة كالعصبة من النسب.
[٢٠٢١] مسألة: من أسلم على يد رجل فلا ولاء له عليه، خلافاً لأحمد وإسحاق؛ للخبر، ولأن الولاء يستحق بالإنعام بالعتق، وهو معدوم ها هنا.
[٢٠٢٢] مسألة: الأخ وابن الأخ يقدمون في الإرث بالولاء على الجدّ، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن بعضهم أقوى وأقرب إليهم، لأنهم يدلون ببنوة الأب والجدّ يدلي بالأبوة، والإدلاء بالنبوة أقوى من الإدلاء بالتعصيب بالأبوة.
***
стр. 878
كتاب المدبر
[٢٠٢٣] مسألة: لا يجوز بيع المدبر، ولا نقض تدبيره، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "أوفوا بالعقود"، وقوله ﷺ : «المدبر لا يباع ولا يوهب»، ولأن عتقه معلّق بموت سيده على الإطلاق كأم الولد.
[٢٠٢٤] مسألة: يعتق المدبر في الثلث، خلافاً لمسروق وداود؛ لما روى أبو قلابة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «المدبر من الثلث»، ولأن كل عتق بعد الموت بالقول من الثلث كالموصى بعتقه، ولأن العتق بتلاً في المرض آكد من التدبير تم اعتبارها من الثلث، فالتدبير أولى، ولأنّه عطية تتنجَّز بعد الموت، فكانت من الثلث كالوصية.
[٢٠٢٥] مسألة: إذا مات السيد، وعليه دين يباع جميع المدبر إن استغرفه، وإلا فبقدر ما يحيط به منه، وقال أبو حنيفة: لا يباع في الدين، ولكن يسعى للغرماء، فإذا أوفى عتق؛ فدليلنا أن التدبير لا ينفي الوصية،
стр. 879
والدين مقدّم عليها، وفي تقديم العتق على الدين تقديم للوصية، لأنّ العبد يستعجل العتق ويحصل الغرماء على سعاية متأخرة وانتزاع العبد منهم وإحالتهم على سعاية لا يدرى أتحصل أم لا بغير رضاهم وإلزام العبد الاستسعاء بغير جناية كانت منه، وذلك باطل فلم يبق إلا ما قلناه.
[٢٠٢٦] مسألة: ولد المدبرة إذا حدثوا بعد التدبير تبع لها، خلافاً للشافعي؛ لأنّ ذلك مبني على أن التدبير لا يفسخ، وكل عقد ثبت للأم لا سبيل إلى فسخه، فإن الولد يتبعها فيه، أصله الكتابة.
***
стр. 880
كتاب المكاتب
[٢٠٢٧] مسألة: الكتابة مستحبة غير واجبة، وقال بعض التابعين: يلزم السيد إجابة العبد إليها إذا سألها بقيمته، وهو قول داود؛ فدليلنا أن الأصل فيها المنع والحظر، لأنها غرر، لانّ العبد يسعى ويؤدي المال على أنّه إن كمل له الأداء عتق، وإن عجز عاد رقًا فزال ملكه عمّا كان أداه ولأنها بيع من السيد لماله بماله وذلك إتلافه، لكن جوزت في الشرع رفقاً بالعبد، وبحرمة العتق، والأمر بعد الحظر يبيح ولا يجب، واعتبارًا به إذا سأله أن يكاتب بدون قيمته، وبه إذا سأله بيعه من غيره، ولأنه عقد إذا تم أفضى إلى الحرية، فلم يكن على السيد إجابة العبد إليه، كالتدبير وشراء الأقارب.
[٢٠٢٨] مسألة: يجوز مكاتبة العبد القن الذي هو غير مكتسب، ويكره في الأمة إذا لم تكن مكتسبة، خلافاً للشافعي في قوله: لا يكره؛ لما روي عن عثمان ﵁ أنه قال: لا تكلّفوا الأمة الكسب، فإنها تكسب بفرجها، روي ذلك مرفوعاً.
следующие страницы →