← Акыда

Акыда · id 14248

فقه أشراط الساعة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (363 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فقه أشراطِ السَّاعَة تأليف محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدَّم عفا الله عنه الدار العالمية للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

فقه أشْراط السَّاعَة

стр. 4

فقه أشراط الساعة كُل الحقوق محفوظة الدار العالمية للنشر والتوزيع الطبعة السادسة ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م رقم الإيداع: ٤٧٢١/ ٢٠٠٦

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عن أبي قتادة ﵁ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إِيَّاكُمْ وَكثْرَةَ الحدِيثِ عَنِّي، مَنْ قَالَ عَلَيَّ فَلَا يَقُولَنَّ إِلَّا حَقًّا أَوْ صِدْقًا، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (*).

стр. 6

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وليِّ المتقين والحمد لله رب العالمين، لا يهدي كيد الخائنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، قاصمُ ظهر الماكرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيدُ ولدِ آدمَ أجمعين. اللهم صَلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. في عالم الأفكار-كما في عالم الأزياء- "صيحات"، و"تقاليع" تُفْرَضُ -بفعل فاعل- لتستلفت أنظار الناس بعيدًا عن خطر حقيقي، وتستقطب اهتمام الطليعة الفعالة في الأمة بعيدًا عما ينبغي أن يشتغلوا به من واجب الوقت، أو تَفْرِضُ نفسها على الساحة الفكرية، التي صارت في كثير من البلدان خاوية إلا من الصحف المسمومة، أو المطبوعات التي لا تخضع لرقابة "فقهية شرعية"؛ فتفجر قضايا يتابعها الناس بنهم، وتشغل الحاضر والبادي، ومع غياب العلماء، أو تغييبهم يُفتقد الانضباط، ويكثر اللغط، ويُدلي كلٌّ بدلوه، وتُبْتَذَل القضايا الكبرى حين ينطق فيها الرويبضة (١)، ويتصدر للخوض فيها من ليس للكلام أهلًا، ويُكْثِر اللغطَ من كان يحبس لسانه في فمه وَجَلًا.

стр. 7

نُبِّئْتُ أنَّ النارَ بعدك أُوقِدتْ ... وأستبَّ بعدك يا كُلَيبُ المجلسُ وتحدثوا في أمرِ كلِّ عظيمةٍ ... لو كنتَ حاضِرَهُمْ بها لم ينبسوا ولعل أحدث هذه "الصيحات"، وآخر "التقاليع" ما نسميه "ظاهرة العبث بأشراط الساعة"، فقد قذفت المطابع -ولا تزال- بعشرات الكتب والمقالات -بَلْهَ الخطب والمحاضرات- تُفيض في الحديث عن أشراط الساعة، بمنهج مبتدَع دخيل، وأسلوب عجيب غريب، وتهافَتَ الناس على اقتنائها، والتعويل على ما فيها، الأمر الذي يشي بمدى تفشي "الأمية الدينية" بين عامة المثقفين فضلًا عمن دونهم. ولعل أبرز ما يميز "رءوس" هذه الظاهرة ومقلِّديهم فشو داء التعالم، والقول على الله بغير علم، والجرأة على الخوض بالظن في التوقعات المستقبلة، والاعتماد في الاستدلال على مرويات شاذة غريبة، وآثار مطمورة مهجورة، بَلْهَ الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والإسرائيليات، وفيهم يصدق ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» (١). لقد صار الخوض في أشراط الساعة -وهي غيب- كلأً مباحًا يتناوله كل من هبَّ ودَبَّ، فأفرز مجازفات وشطحات تقشعر منها الجلود، وها

стр. 8

هو ذا واقع الأحداث يأتي على بنيانها من القواعد، ويهدمها هدمًا، ويكشف زيفها للناظرين. وفي هذه الدراسة نسلِّطُ الضوء على ظاهرة "العبث بأشراط الساعة" وصفًا وتحليلًا، ونحاول أن نستخلص منها ضوابط التعامل مع نصوص أشراط الساعة، مع ربط ذلك بواقع الأمة في هذا العصر، والله تعالى من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. محمد بن أحمد إسماعيل المقدَّم الإسكندرية في السبت ١٠ ذي القعدة ١٤٢٤ هـ الموافق ٣ يناير ٢٠٠٤ م

стр. 9

الباب الأول الفصل الأول في التحذير من التعالم الكاذب، والولع بالغرائب قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. إن التعالم الكاذب هو عتبة الدخول على جريمة القول على الله بغير علم، المحرمة لذاتها تحريمًا أبديًّا في جميع الشرائع، وهذا مما عُلِم من الدين بالضرورة، وهو مما حَذَّرَناه رسولُ الله ﷺ أشد التحذير. عن عبد الله وأبي موسى ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا، يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ» وَالهَرْجُ: القَتْلُ (١) الحديث. وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : " مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، " (٢).

стр. 10

وعن مالك قال: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ " أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَوَجَدَهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ وَارْتَاعَ لِبُكَائِهِ فَقَالَ لَهُ: أَمُصِيبَةٌ دَخَلَتْ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَظَهَرَ فِي الْإِسْلَامِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ رَبِيعَةُ: وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَا هُنَا أَحَقُّ بِالسَّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ " (١). وقال القاسم بن محمد: "لَأن يعيش الرجل جاهلًا؛ خير من أن يقول على الله ما لايعلم". وأفضح ما يكون للمرء: دعواه بما لا يقوم به، وقد عاب العلماء ذلك قديمًا وحديثًا: قال الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون، ويظنون أنهم يعلمون، ويُفسِدون، ويُقَدِّرون أنهم يصلحون". وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "إذا تكلم المرء في غير فنه، أتى بهذه العجائب". خلق الله للحروب رجالًا ... ورجالًا لقصعةٍ وثريدِ قال بعض المصنفين: "والانفراد عن أهل العلم برأي في الشرع والقول بما لم يقل به أحد فيه، ينبئان عن خلل في العقل". قال زُفَرُ بن الهذيل: "إني لا أناظر أحدًا حتى يسكت، بل أناظره حتى يُجَنَّ"، قالوا: كيف ذلك؟ قال: "يقول بما لم يقل به أحد".

стр. 11

وقال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: "ليس ما لا يُعْرف من العلم، إنما العلم ما عُرِف، وتواطأت عليه الألسن". وقال إبراهيم بن أبي عبلة -رحمه الله تعالى-: "من حمل شاذَّ العلم حمل شرًّا كثيرًا". وقال الشاطبي -رحمه الله تعالى-: "قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غَلَطًا أو مغالطة". وقال الأمير شكيب أرسلان: "ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، والذي هو أشد خطرًا من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشدًا عالمًا أطاعه، ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري، ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: (ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون)، وأقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم" (١).

стр. 12

فقه أشراط الساعة

стр. 13

الفصل الثاني مَن المُجتهد الذي يؤجر على اجتهاده وإن أخطأ ؟ عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (١). ورد هذا الحديث في شأن القاضي، إلا أن المفتيَ ملحق به، بجامع أن كلًّا منهما مأمور بأن يَصْدُرَ عن حكم شرعي، ولذا يُعذر كلاهما في الخطأ. والمفتي إن كان من أهل العلم، ممن اجتمعت فيه شرائط الفتيا، وبذل وُسْعَه للوصول إلى الحق، ثم أفتى بما غلب على ظنه. أنه الحق بمقتضى الأدلة؛ فأخطأ، فلا إثم عليه في الخطأ؛ لدخوله في القاعدة الذهبية التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الاحزاب:٥] , ولدخوله في هذا الحديث الشريف المشار إليه. وأجر اجتهاده باقٍ محفوظٌ لا يبطل بخطئه؛ لأن الشرع يأمره بأن يفتيَ لوجوب الإفتاء، وقد فعل ما أُمِرَ به، فاستحق بذلك الأجر "على العمل

стр. 14

الذي قام به، ولكن لا يكون أجره بقدر أجر المصيب، إذ إن المصيب دلَّ على الحق، وهذا -أي: المخطئ- لم يدل عليه. أما إذا أفتى مَن ليس بأهلٍ للفُتيا فأخطأ، أو كان أهلًا ولم يبذل جهده لإحقاق الحق فأخطأ؛ فإنه لا يكون معذورًا بذلك، بل يكون آثمًا؛ لأنه أضلَّ عن سبيل الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] (١). وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢). قال ابن المنذر -رحمه الله تعالى-: "وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالمًا بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالمًا فلا". واستدل بحديث: "الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ"، وفيه: "وقَاضٍ قَضَى بِغَيرِ حَق، فَهوَ في النَّارِ، وقَاضٍ قَضَى وهو لا يَعْلمُ؛ فَهو في النَّارِ". وقال الخطابي -رحمه الله تعالى- في "معالم السنن": "إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بألخطأ، بخلاف المتكلِّفِ، فيُخاف عليه ". اهـ.

стр. 15

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "لا يلزم من رد حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وُسْعَه أُجِر، فإن أصاب ضُوعف أجرُه، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير، علم لحقه الإثمُ" (١). وقال محيي السنة البغوي -رحمه الله تعالى-: (٢) وقوله في الحديث: "وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" لم يُرد به أنه يؤجر على الخطأ، بل يؤجر في اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يألُ جهدَه، وهذا فيمن كان جامعًا لآلة الاجتهاد، فأما من لم يكن محلًّا للاجتهاد، فهو متكلِّفٌ لا يُعْذَرُ بالخطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظم الوزر، رُويَ عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ " (٣).

стр. 16

فارغ

стр. 17

الفصل الثالث في معنى "أشراط الساعة " الشَرَطُ -بفتحتين-: هو العلامة، جمعه: أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شُرَط السلطان، وهم نُخْبَةُ أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الذي يشترطه الناس بعضهم على بعض، فالشرط علامة على المشروط (١). الساعة لغةً جزء من أجزاء الليل والنهار، جمعها: ساعات، وساع، والليل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة. وأشراط الساعة: علاماتها (٢)، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]. قال الحافظ ابن حجر: "هي العلامات التي يعقبها قيام الساعة" (٣). وقد أطلق بعض العلماء على "الأشراط" اسم "الآيات"؛ و"الآيات" هي الأمارات الدالة على الشيء، كالأمارات التي تُنصبُ في الصحراء؛ دالة على الطريق، أو توضع على الشاطئ؛ لتهديَ السفن، أو توضع في طريق المسافرين؛ لتدلهم على ما يقصدون من الأماكن.

стр. 18

قال الطيبي: "الآيات: أماراتٌ للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس" (١). معنى "الساعة" اصطلاحًا الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وسُمّيَتْ بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحةٍ واحدة (٢). وقال الراغب في "المفردات": [الساعة: جزء من أجزاء الزمان، وُيعبَّر به عن القيامة، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١]، وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال : ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]. تشبيهًا بذلك لسرعة حسابه، كما قال : ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، أو لِما نبَّه عليه بقوله ﵎: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، فالأولى: هي القيامة، والثانية: الوقت القليل من الزمان. وقيل: الساعات -التي هي القيامة- ثلاث:

стр. 19

الساعة الكبرى (١): هي بعث الناس للمحاسبة، وهي التي أشار إليها بقوله ﵇: "ولا تقوم الساعة حتِى يظهرَ الفُحش والتفاحُش" (٢) إلى غير ذلك، وذكر أمورًا لم تحدث في زمانه ولا بعده. والساعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، وذلك نحو ما رُويَ أنه رأى عبد الله بن أُنَيْس (٣)، فقال: "إن يَطُلْ عُمرُ هَذَا الغُلَامِ لم يمُتْ حتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (٤). والساعة الصغري: وهي موت الإنسان، فساعةُ كلِّ إنسانٍ موتُه، وهي المشارُ إليها بقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٣١]، ومعلوم أن هذه الحسرة تنال الإنسانَ عند موته، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ

стр. 20

الْمَوْتُ فَيَقُولَ﴾ الآية [المنافقون: ١٠]، وعلى هذا قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠]. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: " لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ (١) [الأحقاف: ٢٤] اهـ (٢) وقال القرطبي -رحمه الله تعالى-: "قال علماؤنا: واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته (٣)، ولكنها قيامة صغرى وكبرى، فالصغرى: هي ما يقوم كل (٤) إنسان في خاصته من خروج روحه، وفراق أهله، وانقطاع سعيه، وحصوله على عمله إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة" (٥). وقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة؛ فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى، فقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ [الواقعة: ١ - ٧].

стр. 21

ثم في آخرها ذكر القيامة الصغرى، وهي الموت، فقال: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]. وذكر القيامتين - أيضًا- في سورة القيامة، فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١]، وهذه القيامة الكبرى. ثم ذكر الموت، فقال: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦)﴾ [القيامة: ٢٦]، وهو القيامة الصغرى.

стр. 22

فارغ

стр. 23

الْفَصْل الرَّابعُ ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ إن قيامَ الساعةِ الذي يعني نِهَايَةَ نِظَامِ هذا العالم، هو من أعظم الأحداث بعد خلق العالم، بل إن تغيير النظام الكوني وإيجاد نظامٍ آخر حَدَثٌ يَعْدِلُ خلق العالم أول مرة؛ ولذلك تسبقه أحداثٌ كبرى خارقةٌ للعادة، تكون كالمقدمة له. والإيمان بأشراط الساعة داخلٌ ضمن الإيمان باليوم الآخر؛ فهو من الإيمان بالغيب؛ ولهذا الإيمان ثمرات وفوائِدُ نحاول أن نُجْمِلَهَا فيما يلي: أولًا: تحقيق ركن من أركان الإيمان الستة، وهو الإيمان باليوم الآخر ، باعتبار أن أشراط الساعة من مقدماته، كما أنه من الإيمان بالغيب الذي قال فيه : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] , وقال رسول الله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (١). وفي الصحيح أن جبريل ﵇ سأل رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وأمارات الساعة، وأن

стр. 24

النبي ﷺ قال في آخره: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» (١) والشاهد أنه عدَّ ما يتعلق بأمارات الساعة من الدين. ثانيًا: إشباع الرغبة الفطريه (٢) في الإنسان التي تتطلع لاستكشاف ما غاب عنه (٣)، واستطلاع ما يحدث في المستقبل من وقائع وكائنات، وإذا

стр. 25

كان الإسلام سَدَّ طُرُقَ الدجالين الذين يدَّعون الاطلاع عليها؛ كالمنجمين، والعرَّافين، والكُهَّان، ونحوهم، إلا أنه -استجابة لأشواق الفطرة- أطلعنا -من خلال نافذة الوحي- على كثير من هذه الأحداث (١). إن إخفاء وقت الساعة له أثر بليغ في إصلاح النفس البشرية، فالأمر العظيم الذي يستيقن المرء وقوعه، ولكنه لا يدري متى يفجؤه؛ يجعل المرء مترقبًا له، متشوفًا إليه؛ لأن المجهول عنصر أساسٌ في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء مكشوفًا لهم -وهم بهذه الفطرة- لَوَقَفَ نشاطهم، وأسنت حياتهم. ثَالِثًا: أن الإخبار عن الغيوب المستقبلة -باعتبار ما فيها من خرقٍ للعادة- من أهم دلائل النبوة ؛ حيث إنها تتضمن تَحَدِّيا لعقول البشر أجمعين، فهذه أمور غيبية لا تُدْرَكُ بالعقل، ولا يمكن معرفة كُنْهِها على الحقيقية إلا من خلال الوحي الصادق من الله تعالى إلى رسوله ﷺ ، وقد صدرت منه لا على أنها توقعات تعتمد على مقدمات تؤدي إلى نتائجها، وإنما هي حديث دقيق قاطع عن تفاصيل المستقبل المجهولِ، حديث لا يَخْرِمُهُ المستقبل، ولا في جزء

стр. 26

من أجزائه، وحينئذٍ فلا شَكَّ أنها النبوة، وأن صاحبها مُتَّصلٌ بالله تعالى عالم الغيب والشهادة؛ كما قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الآيتان: [الجن: ٢٦ - ٢٧]. وقال -سبحانه وتعالي-: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ [المؤمنون: ٩٢]. ومن ثمرات وقوع تلك الْمغُيَّبَاتِ -على كثرتها- مُطَابِقَةً لخبر الصادق المصدوق ﷺ أن يثبت إيمان المؤمن، ويطمئن قلبه، ويزداد يقينه، ويقول كما قص الله عن المؤمنين: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢]. ومن ثمرات ذلك أيضًا: إقامة الحجة على الكافرين، وإقناعهم بصدق نبوة ورسالة محمد ﷺ إلى العالمين. رَابِعًا: تَعَلُّمُ الكيفية الصحيحة التي دَلَّنَا عليها رسول الله ﷺ ؛ كي نتعامل بها مع بعض الأحداث المقبلة التي قد يلتبس علينا وجه الحق فيها. قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا منزلَّا ... " الحديث، وفيه: "إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: " إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ

стр. 27

لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ... " الحديث (١). لقد نصح رسولُ الله ﷺ أصحابَه الذين عاصروه نصائحَ انتفعوا بها كثيرًا: - فقد بَشَّرَ عثمان ﵁ بالجنة، على بلوَى تصيبه. - وأخبر عمَّارًا ﵁ أنه تقتله الفئة الباغية. - وأمر أبا ذزّ ﵁ بأن يعتزلَ الفتنة، وأن لا يقاتل، ولو قُتِلَ. - وكان حذيفَةُ ﵁ يسأله عن الشر؛ مخافَةَ أن يدرِكَهُ، ودلَّه ﷺ كيف يفعل في الفتن. - ونهى المسلمين عن أخذ شيء من جبل الذهب الذي سوف ينحسر عنه الفرات. - وبصَّر أمته بفتنة الدجال، وأفاض في وصفها، وبَيَّنَ لهم ما يعصمهم منها؛ ومِن ثَمَّ قال عبد الرحمن المحاربي: "يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ (٢) إِلَى الْمُؤَدِّبِ، حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ." (٣).

стр. 28

وقال السفاريني -رحمه الله تعالى-: "مما ينبغي لكل عالم: أن يبث أحاديث الدجَّال بين الأولاد، والنساء، والرجال، ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن" (١). اهـ. وامتدت شفقته ﷺ لتشمل إخوانه الذين يأتون من بعده، ولم يروه؛ فبذل لهم النصحَ، ودلَّهم على ما فيه نجاتهم، وحسنُ عاقبتهم (٢). فمن ذلك قوله ﷺ : " ... وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ» (٣) الحديث. فمن ثم أمسك المسلمون عن استفزاز واستثارة الترك، فَسَلِمُوا من غائلتهم، إلى أن خالفوا التوجيه النبوي، قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقد قَتَلَ جنكيز خان من الخلائق ما لا يَعْلَمُ عددَهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البُداءة من خوارزم شاه، فإنه لما أرسل جنكيز خان تُجَّارًا من جهته معهم بضائعُ كثيرةٌ من بلاده، فانتهوا إلى إيرانَ، فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وأخذ جميعَ ما كان معهم، فأرسل جنكيز خان إلى خوارزم شاه يستعلمه: هل وقع هذا الأمر عن رضًى

стр. 29

منه، أو أنه لا يعلم به، فأنكره؟ وقال فيما أرسل إليه من المعهود من الملوك أن التجار لا يُقتلون؛ لأنهم عمارةُ الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التُّجَّار كانوا على دينك، فقتلهم نائبك، فإن كان أمرًا أمرتَ به، طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تُنْكِرُهُ، وتقتصُّ من نائبك. فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيز خان، لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عُنُقِهِ، فأساء التدبيرَ، وقد كان خَرَّفَ وكَبُرَتْ سِنُه، وقد ورد الحديث: "اتْرُكُوا الترْكَ مَا تَرَكوكمْ ... "، فلما بلغ ذلك جنكيز خان، تجهز لقتاله، وأَخْذِ بِلادِهِ، فكان بِقَدَرِ الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يُسْمَعْ بأغرَبَ منها، ولا أبشعَ" (١). فهنا نرى أن المسلمين لما خالفوا أمر النبي ﷺ بترك التُّرك؛ جاءت العاقبةُ عنيفةً مريرةً، حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ (٢). وفي أكثر من موضع ذكر الحافظ ابن كثير وقائع القتال بين المسلمين والتتار، وبيَّن أن المسلمين لم يكونوا يتعقبون التتار إذا فروا هاربين أمامهم، ولو كانت الرماحُ تنالهم؛ ومثال ذلك ما ذكره في حوادث سنة ثلاث وأربعين وستمائة: "وفي هذه السنة كانت وقعةٌ عظيمةٌ بين جيش الخليفة وبين التتار -لعنهم الله-؛ فكسرهم المسلمون كسرةً عظيمةً،

стр. 30

وفَرَّقُوا شملهم، وهُزِمُوا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم؛ ولم يتبعوهم، خوفًا من غائلة مكرهم، وعملًا بقوله ﷺ : "اتْرُكوا الترْكَ مَا تَرَكوكم ...... " (١). خامسًا: فتح باب الأمل، والاستبشار بحسن العاقبة لأهل الإيمان ، إذا ادْلَهَمَّتِ الخطوب، وضاقت الصدور، مما يعطي المسلمين طاقة يصارعون بها ما يسميه المتخاذلون "الأمر الواقع"؛ ليصبح عزهم ومجدهم هو الأمر الواقع؛ وذلك بناءً على البشارات النبوية بالتمكين للدين، وظهوره على الدين كله، ولو كره الكافرون. سادسًا: قد تمرُّ بالمسلمين وقائع في مقبل الأيام تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها ، ولو تُرِكَ المسلمون إلى اجتهادهم؛ فإنهم قد يختلفون، وربما يكون بيان الحكم الشرعي في تلك الأحداث واجبًا لا بد منه، وعدم البيان يكون نقصًا تُنَزَّهُ الشريعة عنه. فمن ذلك: أن رسول الله ﷺ أخبر أن الدجَّال يمكث في الأرض أربعين يومًا؛ يوم من أيامه كسَنَة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وبقية أيامه كأيامنا، وقد سأل الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ عن تلك الأيام الطويلة: أتكفي في الواحد منها صلاةُ يوم؟ فقال ﷺ : "لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"، ولو وُكِّل العباد إلى اجتهادهم؛ لاقتصروا على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غير هذه الأيام.

стр. 31

وأخبر الرسول ﷺ أن عيسى ﵇ بعد نزوله لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإيمان، وهذا البيان من الرسول ﷺ ضروري؛ لأن عيسى يحكم بهذا الشرع، وهذا الشرع فيه قبولُ الجزية ممن بَذَلَها إلى حين نزول عيسى ابن مريم، وحين ذاك تُوضَعُ الجزية، ويُقتل كل من رفض الإيمان، ولو بَذَلَ الجزيةَ (١). كما أن نص رسول الله ﷺ على صفاتٍ معينةٍ لأشخاصٍ معينين، كالمهدي مثلا، يمدنا بالمعيار اللازم للحكم على الدجَّالين المدعين المهديةَ؛ حتى لا نتورَّطَ في فِتَنِهِمْ. لاَ يَعْلَمُ مَتَى السَّاعَةُ إِلَّا الله وَحْدَهُ قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ [الأعراف: ١٨٧]. فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، وقوله : ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ , (فيه إيذان بأن ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد؛ فهو تعالى قد رباه ليكون منذرَا ومبشرًا، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها

стр. 32

وأوقاتها، والإنذارُ إنما يُنَاطُ بالإعلام بالساعة وأهوالها، والنار وسلاسلها وأغلالها، ولا تتم الفائدة منه إلا بإبهام وقتها؛ ليخشى أهل كل زمن إتيانَها فيه، والإعلامُ بوقت إتيانها، وتحديدُ تاريخها ينافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسدُ أخرى؛ فلو قال الرسول ﷺ للناس: إن الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا مثلًا -وألفا سنة في تاريخ العالم، وآلاف السنين تُعَدّ أجلًا قريبًا- لرَأَينا المكذبين يستهزئون بهذا الخبر، ويلحون في تكذيبه، والمرتابين يزدادون ارتيابًا، حتى إذا ما قَرُبَ الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم يُنَغّصُ عليهم حياتهم، ويوقع الشلل في أعضائهم، والتشنجَ في أعصابهم؛ حتى لا يستطيعون عملًا، ولا يسيغون طعامًا ولا شرابًا، ومنهم من يخْرجُ من ماله وما يملكه، في حين يكون الكافرون آمنين، ويسخرون من المؤمنين. فالحكمة البالغة -إذن- في إبهام أمر الساعة للعالم، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس، أو بالأمم والأجيال، أو جعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به) (١) اهـ. وقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ معناه: لا يكشف حجابَ الخفاء عنها، ولا يظهرها في وقتها المحدد عند الرب تعالى إلا هو، فلا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها ولا في الإعلام بميقاتها وإنما وساطة الرسل ﵈ في الإنذار بها (٢)؛ فمِن ثَمَّ قال تعالى:

стр. 33

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٥]. ونقل الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى- عن الألوسي -رحمه الله تعالى- قوله: "وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك؛ فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك، ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك -أيضًا- لم يبعد، وتدلُّ الآيات على أنه ﷺ لم يَعْلَمْ وقت قيامها، نَعَم علم ﷺ قربها على الإجمال، وأخبر- ﷺ به" (١). وقال صاحب المنار -رحمه الله تعالى- أيضًا: "فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليومَ، وأن يحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى في أعمالهم؛ فيلتزموا فيها الحقَّ، ويتحروا الخيرَ، ويتقوا الشرور والمعاصي، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدالَ، والقيل والقالَ، وإننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة، وهو أن النبي ﷺ لم يَبْقَ طولَ عمره لا يعلم متى تقوم الساعة؟ كما تدلُّ عليه آيات القرآن الكثيرة؛ بل أعلمه الله تعالى به، بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه، فصار علمه كعلم ربِّه (٢)، أي صار نِدًّا وشريكًا لله تعالى في صفة

стр. 34

العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها، ومن أصول التوحيد أنه تعالى لا شريكَ له في ذاته ولا في صفة من صفاته، والرسول ﷺ عبدُ الله، لا يعلم من الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليه، لأداء وظيفة التبليغ. ولكن الغلاةَ يرون من التقصير في مدح النبي ﷺ وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه، وخالق الخلق أجمعين، فكذَّبوا كلام الله تعالى، وشبَّهوا به بعض عبيده؛ إرضاءً لغلوهم، ومثل هذا الغلو لم يُعْرَفْ عن أحد من سلف هذه الأمة، ولو أراد الله تعالى أن يُعْلِمَ رسوله ﷺ بوقت قيام الساعة، بعد كل ما أنزله عليه في إخفائها، واستئثاره بعلمه، لما أكَّده كلَّ هذا التأكيد في هذه السورة وغيرها؛ كقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (١) ". اهـ. الْحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَدِلاَلَةِ النَّاسِ عَلَيهَا ثبت في حديث جبريلَ المشهورِ أنه قال لرسول الله ﷺ : "فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ"، فقال ﷺ : "مَا المسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قال: "فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا" (٢)، وفي رواية قال: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِاَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا ... " الحديث (٣).

стр. 35

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "والحكمة في تقدم الأشراط إيقاظُ الغافلين، وحثُّهم على التوبةِ والاستعداد" (١). ونقل القرطبي -رحمه الله تعالى- عن العلماء قولهم: "والحكمة في تقديم الأشراط ودلالة الناس عليها: تنبيهُ الناس عن رقدتهم، وحثُّهم على الاحتياط لأنفسهم بالتوبة والإنابة؛ كي لا يُباَغَتُوا بالْحَوْلِ بينهم وبين تدارك العوارض منهم، فينبغي للناس أن يكونوا بعد ظهور أشراط الساعة قد نظروا لأنفسهم، وانقطعوا عن الدنيا، واستعدوا للساعة الموعود بها، والله أعلم، وتلك الأشراط علامة لانتهاء الدنيا وانقضائها" (٢).

стр. 36

فارغ

стр. 37

الْفَصْل الخَامِس سُوءُ فَهْمِ الْعَوَامِّ لاَ يُسَوِّغُ إِنْكَارَ النصوص وتَأوِيلَهَا ذلك أن بعض الناس يجعلون تصديقهم بأمر المهدي مُسَوِّغَا لإعراضهم عن الدعوة إلى الإسلام، وإنكارِ المنكرات، ومنهم من يُسْقِطُ التكاليفَ ويهدرها مُدَّعين أنهم ينتظرون خروجَ المهدي؛ ليغير وجه العالم، نقول لهؤلاء: إن الأمور الكونية القدرية التي أخبر بها الوحي واقعة لا محالة، وغاية ما كلَّفنا الله به إزاءها التصديقُ بها قبل وقوعها (١)، والالتزام بما نصحنا به رسول الله ﷺ بعد وقوعها، ولم يأمرنا قطُّ بتكلُّف إيجادها، وهناك الكثير من العقائد الثابتة قد يسيء العوام فهمها؛ فيترتب على ذلك الانحرافُ عن الصراط المستقيم، وما مَثَلُ الاعتقاد في ظهور المهدي، ونزول عيسى ﵇، إلا كَمَثَلِ الاعتقاد في القضاء والقدر؛ فقد يسيء الكثيرون فَهم هذه العقيدةِ، وبدلَا من أن تكون حافزَا على الجد والاجتهاد، والتسابق إلى الطاعات، اتخذوها مَطِيَّةَ إلى التواكل، وإهدار التكاليف، بل منهم من استحلَّ بها المحرماتِ، فهل يُعالَج هذا بإنكار الاعتقاد في القضاء والقدر؟ كما زعمت القدرية؟ كيف وهو من أصول الإيمان الستة؟!

стр. 38

بل الصواب أن نؤمن بالقدر ونثبته؛ فلا يصح بحال أن نحتجَّ بالقدر في مخالفة الشرع الحنيف، وإبطال تكاليفه كما هو شأن المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، والذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ الآية [يس: ٤٧] وقد رد الله ذلك عليهم وأبطله، ولم يقبلْهُ منهم. والحاصلُ أن العدل هو الوسط؛ فنصدِّقُ بما أخبر به الصادق المصدوق ﵌ على وجهه؛ فلا ننفي ما أثبته، ولا نثبت ما نفاه، ولا نفتري عليه الكذبَ بالأحاديث الموضوعة والأقوال المتهافتة، ولا نَعْرِض لسنته ﵌ بالشبهات المُغْرِضَةِ، ولا نحتج بأخباره على إبطال شرعه، ونقض أحكامه؛ فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن منذ كُلِّف أجلًا دون الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]. يتضح مما تقدم أن الإيمان بأشراط الساعة يُحَفِّزُ على الاجتهاد في الأخذ بأسباب النجاة، واستفراغ الوُسْعِ في الاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة، والسعي لتمكين دين الله في الأرض، وذلك بخلاف ما يحصل من بعض الناس الذين يتكئون على أشراط الساعة، ويتوقفون عن العمل والسعي؛ بحجة انتظار المهدي، ونزول عيسى مثلًا؛ تمامًا كما يحصل من الكسالى الذين يسيئون فهم قضية "القضاء والقدر"، ويتخذون منها وسيلة لتسويغ تواكلهم وتوانيهم وتقصيرهم.

стр. 39

ومن الأدلة الواضحة على أن التصديق بأشراط الساعة ينبغي أن يكون حافزًا للعمل والاجتهاد: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ " (١)، وفي رواية: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ ". وقوله ﷺ : "بَادِرُوا بِالْأعْمَالِ سِتًّا" أي: سابقوا ستَّ آيات دالة على وجود القيامة، وسارعوا بالأعمال الصالحة قبل وقوعها وحلولها؛ فإن العمل بعد وقوعها وحلولها لا يُقبل، ولا يُعتبر. وقوله ﷺ : "أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ "، وفي رواية: "خُويصَةَ" تصغير خاصة الإنسان؛ وهي ما يَخُصُّهُ دون غيره، وأراد به الموتَ الذي يخصّه، ويمنعه من العمل، إن لم يبادر به قبله (٢). وصُغِّرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم، من بعث وحساب، وغيرهما. قال القاضي: "أمرهم أن يبادروا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات؛ فإنها إذا نزلت أدهشت، وأشغلت عن الأعمال، أو سُدَّ عليهم باب التوبة، وقبول العمل" (٣).

стр. 40

وقال العلائي: "مقصود هذه الأخبار الحث على البُداءة بالأعمال قبل حلول الآجال، واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات" (١). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، إِذْ بَصُرَ بِجَمَاعَةٍ فَقَالَ: عَلَامَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: عَلَى قَبْرٍ يَحْفِرُونهُ، قَالَ: فَفَزعَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا، حَتَى انْتَهَى إِلَى الْقَبْر، فَجَثَا عَلَيْه، قَالَ: فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ؛ لِأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَبَكَى حَتَى بَل الثَرَى مِنْ دُمُوعِهِ ثم أَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثم قَالَ: أَيْ إخْوَانِي لِمِثْلِ الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا" (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (٣). وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» (٤).
следующие страницы →