الْفَصْل الخَامِس
سُوءُ فَهْمِ الْعَوَامِّ لاَ يُسَوِّغُ إِنْكَارَ النصوص وتَأوِيلَهَا
ذلك أن بعض الناس يجعلون تصديقهم بأمر المهدي مُسَوِّغَا لإعراضهم عن الدعوة إلى الإسلام، وإنكارِ المنكرات، ومنهم من يُسْقِطُ التكاليفَ ويهدرها مُدَّعين أنهم ينتظرون خروجَ المهدي؛ ليغير وجه العالم، نقول لهؤلاء: إن الأمور الكونية القدرية التي أخبر بها الوحي واقعة لا محالة، وغاية ما كلَّفنا الله به إزاءها التصديقُ بها قبل وقوعها (١)، والالتزام بما نصحنا به رسول الله ﷺ بعد وقوعها، ولم يأمرنا قطُّ بتكلُّف إيجادها، وهناك الكثير من العقائد الثابتة قد يسيء العوام فهمها؛ فيترتب على ذلك الانحرافُ عن الصراط المستقيم، وما مَثَلُ الاعتقاد في ظهور المهدي، ونزول عيسى ﵇، إلا كَمَثَلِ الاعتقاد في القضاء والقدر؛ فقد يسيء الكثيرون فَهم هذه العقيدةِ، وبدلَا من أن تكون حافزَا على الجد والاجتهاد، والتسابق إلى الطاعات، اتخذوها مَطِيَّةَ إلى التواكل، وإهدار التكاليف، بل منهم من استحلَّ بها المحرماتِ، فهل يُعالَج هذا بإنكار الاعتقاد في القضاء والقدر؟ كما زعمت القدرية؟ كيف وهو من أصول الإيمان الستة؟!
стр. 38
بل الصواب أن نؤمن بالقدر ونثبته؛ فلا يصح بحال أن نحتجَّ بالقدر في مخالفة الشرع الحنيف، وإبطال تكاليفه كما هو شأن المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]، والذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ الآية [يس: ٤٧] وقد رد الله ذلك عليهم وأبطله، ولم
يقبلْهُ منهم.
والحاصلُ أن العدل هو الوسط؛ فنصدِّقُ بما أخبر به الصادق المصدوق ﵌ على وجهه؛ فلا ننفي ما أثبته، ولا نثبت ما نفاه، ولا نفتري عليه الكذبَ بالأحاديث الموضوعة والأقوال المتهافتة، ولا نَعْرِض لسنته ﵌ بالشبهات المُغْرِضَةِ، ولا نحتج بأخباره على إبطال شرعه، ونقض أحكامه؛ فإن الله لم يجعل لعمل المؤمن منذ كُلِّف أجلًا دون الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩].
يتضح مما تقدم أن الإيمان بأشراط الساعة يُحَفِّزُ على الاجتهاد في الأخذ بأسباب النجاة، واستفراغ الوُسْعِ في الاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة، والسعي لتمكين دين الله في الأرض، وذلك بخلاف ما يحصل من بعض الناس الذين يتكئون على أشراط الساعة، ويتوقفون عن العمل والسعي؛ بحجة انتظار المهدي، ونزول عيسى مثلًا؛ تمامًا كما يحصل من الكسالى الذين يسيئون فهم قضية "القضاء والقدر"، ويتخذون منها وسيلة لتسويغ تواكلهم وتوانيهم وتقصيرهم.
стр. 39
ومن الأدلة الواضحة على أن التصديق بأشراط الساعة ينبغي أن يكون حافزًا للعمل والاجتهاد:
ما رواه أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ " (١)، وفي رواية: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ ".
وقوله ﷺ : "بَادِرُوا بِالْأعْمَالِ سِتًّا" أي: سابقوا ستَّ آيات دالة على وجود القيامة، وسارعوا بالأعمال الصالحة قبل وقوعها وحلولها؛ فإن العمل بعد وقوعها وحلولها لا يُقبل، ولا يُعتبر.
وقوله ﷺ : "أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ "، وفي رواية: "خُويصَةَ" تصغير خاصة الإنسان؛ وهي ما يَخُصُّهُ دون غيره، وأراد به الموتَ الذي يخصّه، ويمنعه من العمل، إن لم يبادر به قبله (٢).
وصُغِّرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم، من بعث وحساب، وغيرهما.
قال القاضي: "أمرهم أن يبادروا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات؛ فإنها إذا نزلت أدهشت، وأشغلت عن الأعمال، أو سُدَّ عليهم باب التوبة، وقبول العمل" (٣).
стр. 40
وقال العلائي: "مقصود هذه الأخبار الحث على البُداءة بالأعمال قبل حلول الآجال، واغتنام الأوقات قبل هجوم الآفات" (١).
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: "بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، إِذْ بَصُرَ بِجَمَاعَةٍ فَقَالَ: عَلَامَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ؟ قِيلَ: عَلَى قَبْرٍ يَحْفِرُونهُ، قَالَ: فَفَزعَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا، حَتَى انْتَهَى إِلَى الْقَبْر، فَجَثَا عَلَيْه، قَالَ: فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ؛ لِأَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَبَكَى حَتَى بَل الثَرَى مِنْ دُمُوعِهِ ثم أَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثم قَالَ: أَيْ إخْوَانِي لِمِثْلِ الْيَوْمِ فَأَعِدُّوا" (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (٣).
وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ» (٤).
стр. 41
فقوله ﷺ : "مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحجُرَاتِ؟ ... " إلخ، يفهم منه إيقاظهن للصلاة والتهجد؛ لمدافعة الفتن، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥].
وبلغ حرصُ رسول الله ﷺ على حث المسلمين على العمل المثمر ما أمكن العمل إلى حد قوله ﷺ : "إنْ قَامَتِ السَّاعَة وَفي يَدِ أَحَدِكُم فَسِيلَةٌ (١) فَإِن اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ (٢) حَتَّى يَغْرِسَهَا فَليَغْرِسْهَا" (٣)، فإذا كان هذا والحياةُ تَلْفِظُ أنفاسها الأخيرة، فكيف إذا كان بيننا وبين الساعة آمادٌ مجهولةٌ لا يعلمها إلا الله تعالى؟
فالمسلمُ يَغْتَنِمُ لحظته الحاضرةَ بقطع النظر عن ماضٍ تولَّى، ومستقبلٍ
هو غيبٌ، قال الشاعر:
إِنَّمَا هذِهِ الحَيَاةُ مَتَاعٌ ... فالجهُولُ المغرُورُ مَنْ يَصْطَفِيهَا
مَا مَضَى فَاتَ وَالؤُمَّلُ غَيبٌ ... وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
وعن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: "إن سمعت بالدجَّال قد خرج وأنت على وَدِيَّةِ (٤) تغرسها، فلا تعجل أن تصلحه؛ فإن للناس بعد ذلك عيشًا" (٥).
стр. 42
وروى ابن جرير عن عُمارة بن خزيمة بن ثابت ﵁ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي: "ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ " فقال له أبي: "أنا شيخ كبير أموت غدًا"، فقال له عمر: "أَعزِمُ عَلَيْكَ لَتَغْرِسَنَّهَا"، فلقد رأيت عمرَ بن الخطاب- ﵁ يغرسها بيده مع أبي (١).
وعن الحارث قال: كان الرجل منا تُنْتَجُ (٢) فرسُه فينحرها، فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذا؟! فجاءنا كتاب عمر ﵁: "أن أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر تنفسًا" (٣).
стр. 43
تَنْبِيهٌ
لا شك أنه كلما تقدم الزمن فإنا نصير أقربَ إلى الأشراط التي لَمَّا تقع ، وهذا يستوجب مزيدًا من الحذر والاستعداد، ولعل أخطرَ هذه الأشراط طلوعُ الشمس من مغربها، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٨٥]، وقال رسول الله ﷺ : " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فَيَوْمَئِذٍ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١).
وقال ﷺ : "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَة مَا تقُبّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن المغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبعَ عَلَى كللّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ" (٢).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يُقْبَلُ منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله، فهو بخير عظيم، وإن كان مُخَلِّطًا فأحدث توبةً حينئذٍ، لم تُقبل منه توبة" (٣).
стр. 44
فهذا غاية أجل التوبة في حق عمر الدنيا، أما غايته في حق كل إنسان فَبَيَّنهُ قول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» (١)، أي: ما لم تبلغ رُوْحُهُ حُلْقُومَهُ.
وعليه فإن الواجب على المؤمن أن يميز بين ما يَعْنيْه، وما لا يَعْنيْه ، وقد قال رسول الله ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (٢).
ومن صور اشتغال المرء بما لا يعنيه أن يديمَ البحث: متى الساعة؟ مع أنه غيب استأثر الله بعلمه، وإنما اشتغالُهُ بما يعنيه في هذا الباب أن يجتهدَ في الإعداد للساعة والتهيؤ لها، وبخاصة الساعة الخاصة به (٣)؛ وهي لحظة موته؛ ولذلك لما سأل رجل النبي ﷺ : "يا نبي الله متى الساعة؟ " لم يلتفت إلى سؤاله، وأرشده إلى الاشتغال بما يعنيه، وهو قوله ﷺ : "مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ ... " (٤) الحديث.
стр. 45
لقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]، فلم يجعل الله تعالى لعمل المؤمن أجلًا دون الموت، فما دام في المؤمن عرقٌ ينبض بالحياة فهو مكلف بالعمل الصالح، بغض النظر عما يتوقعه من أشراط الساعة، والله تعالى أعلم.
стр. 46
فارغ
стр. 47
الْفَصْلُ السَّادِسُ
أَسْبَابُ ظَاهِرَةِ الْعَبَثِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ
لقد شاع في السنوات الأخيرة ظاهرة الإلحاح في محاولة المطابقة بين النصوص الواردة في أحداث آخر الزمان وبين الوقائع المعاصرة والمتوقعة، وقذفت المطابع بعشرات الكتب، وعشرات النشرات، والمقالات، والأشرطة، فيها خَوضٌ في "أشراط الساعة"، مرة بحق ومرات بالظن، والقول على الله بغير علم، واختلط الحق بالباطل، والتبست الأمور على الجمهور حتى صار المناخ مهيًا لتفريخ مهدي موهوم، أو مسيحٍ كذاب، أو منقذ دجَّال، وفيما يلي نحاول رصد بعض أسباب تلك الظاهرة:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ:
شيوعُ الفتن، وظهورُ المنكرات، وَتَحَقُّقُ كثير من أشراط الساعة الصغرى.
السبب الثاني:
ذَهاب العلماء، وقعود المتأهلين عن التحمل والبلاغ، وبالتالي غياب أو ضعف المرجعية الشرعية التي يفزع الناس إليها -لا إلى غيرها- في النوازل بحثًا عمن يضبط لهم الأمور، إعمالا، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
стр. 48
في الوقت الذي نبغت فيه طوائف "متطفلة" من "أنصاف، وأرباع" المتعلمين، فضلا عن المبتدعة، والغوغاء الجاهلين الذين فرضوا أنفسهم فرضا على الساحة الفكرية، وشكلوا "مراكز قوى" تبادر من تلقاء نفسها إلى أن تدلي بدلوها في كل نازلة عبر وسائل الإعلام، وتفتئت على المرجعية الشرعية؛ إن لم تسفه أقوالها، وتَفْرِ أعراضها، وتضغط عليها.
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ضَافَ ضَيْفٌ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وفي دَارِهِ كَلْبَةٌ مُجِحّ (١)، فَقَالَتِ الْكَلْبَةُ: "وَاللهِ لَا أَنْبَحُ ضَيْفَ أَهْلِي"، قَالَ: فَعَوَى جِرَاؤُهَا (٢) فِي بَطْنِهَا، قَالَ: قِيلَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَى رَجُل مِنْهُمْ: "هَذَا مَثَلُ أُمَّة تكونُ مِنْ بَعْدِكُمْ يَقْهَرُ سُفَهَاؤُهَا أَحْلَامَهَا" (٣)(٤).
وقال ﷺ للأعرابي الذي سأله: متى الساعة؟: "إذَا ضُيِّعَتِ إلأمَانةُ؛ فانْتَظِر السَّاعَةَ"، قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذَا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غَيرِ أَهْلِهِ؛ فانْتَظِر السَّاعَةَ" (٥).
стр. 49
السبب الثَّالثُ
الاضطهاد العالمي للإسلام وأهله، في مقابلة ضعف الأمة، وهذا واضح لكل ذي عينين، فقد دقَّ الغرب بقيادة أمريكا طبول الحرب ضد الإسلام حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات، وبدأ المفكرون والساسة -الغربيون- بمجرد انهيار وتفكك "الاتحاد السوفيتي" في البحث عن "عدو"، ورُشِّحَ الإسلام لذلك، وتعالت صيحاتُ مفكريهم؛ مثل "هنتنجتون" وغيره بحتمية الصراع بين الحضارات، وكتب منظروهم مثل: "نيكسون"، وغيره، مُحَذِّرِينَ من الخطر الإسلامي، وجزم بعضهم بأن "القرن القادم هو قرن الحروب الدينية"، وشاع في الغرب ما سمي ب "رُهاب الإسلام" Islamophobia، وكان لأحداث البلقان والمذابح الوحشية المتتالية للمسلمين هناك، وكذا انفجار الانتفاضة في فلسطين المباركة، وأحداث الجزائر، والشيشان، والخليج الإسلامي، وإندونيسيا، والسودان، ثم أفغانستان، والعراق، والصومال، وغيرها أثر عميق في نفوس المسلمين؛ إذ رأوا الانحياز الظالم للغرب ضدهم، وعاينوا نفاق الغرب المدعي حماية حقوق الإنسان، وكيف أن الغرب كان يأكل -تحت وطأة الشَّرَهِ الصليبي- "صنم العجوة" (١) الذي يعبده باسم الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، كل هذا وغيره ولَّد شعورًا بالمرارة، والظلم، والقهر، ضاعفه الحملاتُ القمعية الشرسة داخل بعض بلاد المسلمين ضد الدعاة إلى الله، ورموز الإسلام،
стр. 50
وأطلقت يد وسائل الإعلام العالمانية التي عاثت في الأرض فسادًا، وصدَّت الناس عن سبيل الله بدعوى محاربة ما أسموه "التطرف، والإرهاب، والأصولية " ... إلخ.
لقد تراكم الشعور بالظلم في النفوس المكبوتة، واقترن ذلك بتدهور حال الأمة، وتداعي الكفارِ عليها تداعِيَ الأكلة إلى القصعة، ففزع البعض إلى مواجهة هذه الأوضاع "بالفِرَار" إلى التطلع إلى ظهور المهدي، ونزول المسيح ﵇، وهذا -في الجملة- لا يُنكر، كما سنبين إن شاء الله تعالى (١).
لكن المنكر أن بعضهم حاد عن الضوابط العلمية، وقفز فوق السنن الكونية، وتقوَّل على الله بغير علم، حين حَّدد بعض الشخصيات المعاصرة على أنها المقصودة في بعض الأحاديث، أو زعم أن المهدي موجود الآن في مكان كذا، أو رسم صورة تفصيلية لأحداث المستقبل -وهو غيب لا يعلمه إلا الله- بمجرد الظن والتخمين.
ومن هنا نشأت ظاهرة "العبث بأشراط الساعة"، التي راجت في السنوات الأخيرة.
السَّبَبُ الرَّابع:
انفتاح المسلمين على "الإسرائيليات" القديمة والمعاصرة (٢)، وتأثر البعض ب"هَوَسِ"، أو "حُمَّى" الألفية الجديدة الرائجة في العالم الغربي،
стр. 51
والمسيطرة على صُنَّاع القرار هناك، وهذا ما نبينه في الباب التالي إن شاء الله.
تنبيه
ينبغي التفريق بين "تقبل" و"تصديق" هذه الإسرائيليات بنوعيها، وبين "رصد" أفكار الخصم من باب "اعرف عدوك "، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]، وليفهم أولو الرأي من المسلمين مقاصد الأعداء بهم، وكيف يفكرون؟ وماذا يخططون؟ على أن ينحصر الاشتغال بها في المختصين بذلك ما أمكن؛ حماية للعوام من الوقوع في حبائل تلك الإسرائيليات وتقبلها، والتسليم لها، والبناء عليها؛ كأنها وحي منزل.
стр. 52
فارغ
стр. 53
الباب الثَّاني
مَجَالاتُ العَبَثِ باَشْرَاطِ الساعَةِ
стр. 54
فارغ
стр. 55
الباب الثّاني
مَجَالَاتُ الْعَبَثِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ
نعرض في هذا الباب بعض المجالات التي كانت مَسْرَحًا لخوض الخائضين -بغير علم- في بعض أشراط الساعة، وإن مطالعة هذا الباب لتحتاج من القارئ أن يستجمع صبره على ما سوف نورده من مزاعم فجَّة، وأكاذيب مفضوحة.
لقد أذاع ممثل سينمائي عالمي يدعى "أورسون ويلز" يوم أول أبريل قبل نحو خمسة وأربعين عامًا من محطة إذاعة "لندن" خبر تعرض الأرض لهجوم ساحق من سكان المريخ، وراح يصف الهجوم وأحداثه لحظة بلحظة، وكأنها تقع فعلًا، حتى أشاع الذعر والرعب والهلع بين الناس لمدة ساعتين قبل أن يعترف بأنها مجرد "كذبة أبريل" (١).
وإن العابثين بأشراط الساعة مِن بني جلدتنا ليريدون أن يجعلوا كل أيامنا أول أبريل، ويجعلوا منا -إذا صدقناهم- حمقى ومغفلين (٢).
стр. 56
وقد يتعجب القارئ المكرَّم لهذه المقدمة، ولكن سرعان ما سيزول العجب إذا عُرفَ السبب!!
стр. 57
الفَصلُ الْأَوّلُ
عَبَثُهُم بِعَلَامَةِ خُرُوجِ المَهدِيِّ
وهذه من أكثر الظواهر تكْرَارًا كما بيَّنتُه مفصلًا في كتاب "المهدي"، حتى اشتكى ابن خلدون -رحمه الله تعالى- من كثرة مُدَّعي المهدية، وتوقعاتِ الذين يَرْجُمُونَ بالغيب فقال: "إلى كلام من أمثال هذا، يُعَيِّنون فيه الوقتَ، والرجلَ، والمكانَ، بأدلة واهية، وتحكمات مختلفة، فينقضي الزمانُ، ولا أثرَ لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخرَ مُنْتَحَلٍ كما تراه من مفهومات لغوية، وأشياء تخيلية، وأحكام نجومية، في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخِر" (١). اهـ.
ومن ذلك قول "محمد عيسى داود" (٢): إن المهدي "إسرائيلي الجسم"، ويشرحها بأن المقصود أنه ليس من البدو، ثم يضيف: "فهي لمسة لطيفة تعني: لا تلتفتوا لمن يدعي المهدية لنفسه، خاصة من البلاد التي ترتدي الجلباب والعقال" (٣)!!
بل تراه يحدد -بدقة- زي المهدي، فيقول:
"المهدي يلبس الزيَّ الرومي؛ يعني لبسه الأساسي هو الزي المدني الحالي بجميع أشكاله الحضارية المدنية الحالية، فهو ليس غريبًا في
стр. 58
هيئته عن الحضارة الغربية، وأحيانًا يرتدي العباءة والجلباب كما يرتديها أحدنا، وفي البرودة له "بالطو" مثل بالطو الإسكيندناف الروس، ولكن زَّيه الرسمي البدلة والكرافت" (١).
ويقول "محمد عيسى داود" وهو يفتري ملابسات خروج المهدي، وما يعقبه: "يعلن تلفاز المهدي وإذاعاته على العالم كلِّه أن سلطات الأمن قبضت على جواسيس ومخربين من روما والفاتيكان، واعترفوا بأن "البابا" الجالس على عرش الفاتيكان يومئذٍ بدأ يجهز خطة سرية للقضاء على المهدي اغتيالًا، وأن الحكومة الإيطالية اشتركت معه بشبكات من المافيا (٢)، ثم يعترف الجواسيس بالصوت والصورة على الهواء مباشرة، ثم تتحرك جيوش المهدي قاصدة روما والفاتيكان ... " وهكذا -على نفس المنوال- يسبح في بحر من الكذب والافتراء، وفي غيبوبة هذا الدجل لا يجد غضاضة من أن يتبجح بقوله: "هذه الأحداث نبوءات ليست من تأليفي، إنها واردة في المخطوطات العربية والإسلامية لدى شرق وغرب" (٣).
وفي موضع آخر يصف لحظة وقوف المهدي أمام الركن اليماني: "فإذا برجل يهجم عليه، ويصيح: "أنت المهدي المنتظر"، صرخ في الملأ بالحرم المكي الشريف: "إن خير البشر (؟) قد ظهر، إنه المهدي المنتظر"، وهنا يتقدم جمع من علماء المسلمين الذين يحجون البيت في
стр. 59
هذا العام المبارك، ومنهم من كان يرقب توقيته، أشجعهم عالم من مصر يواجهه بقوله: أنت بإذن الله هو المهدي" (١)!
ومن غرائب الصفات المزعومة للمهدي قول بعضهم: "في لسانه ثِقَلٌ، إذا أبطأ عليه الكلام ضرب فخذه اليسرى بيده اليمنى فينطلق، هذا ما وردت به الآثار، وفي كثير من الأسفار، ولا داعي للإطالة بإيراد نصوصها، فإن الاختصار من صفات البيانات العاجله.
أما عن سبب تلقيبه بالمهدي؛ فلأنه يهدي لأمر خفي، ويستخرج التوارة والإنجيل" (٢).
ولقد قرأت مقالا، في إحدى الساحات الحوارية (٣) لكاتب أفاض في الأحداث التي خَمَّنَ وقوعها بين أمريكا والصين عمَّا قريب، والتي ستنتهي في زعمه بخروج المهدي من تايوان، إي والله ... حتى المهدي "تايواني " في نظر أولئك العابثين!!
стр. 60
فارغ
стр. 61
الفَصلُ الثَّاني
عَبَثُهم بِعَلَامةِ المْسِيح الدَّجَّالِ
وإذ أتينا إلى ذكر الدجال فإنه يتحتم أن نقول مقدما: إن وجود العابثين اللاعبين بأشراط الساعة، وبالهيئة التي سنراها، هو في حد ذاته من أشراط الساعة التي أخبر بها الصادق المصدوق فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ» (١).
وأخص بالذكر منهم: الصحافي المتلبس بجريمة القول على الله بغير علم.
وسأقتصر على ذكر كلام بعضهم دون تعليق؛ لأن مجرد سرده وثيقة إدانة تُوجبُ الحَجْرَ عليهم استصلاحا للديانة؛ ولأن فساد كلامهم يُغني عن إفساده، وبطلانه يغني عن إبطاله.
ينقل "محمد عيسى داود" عن "دان شمرون" في خطبته أمام الخريجين الجدد اليهود لإحدى الكليات الحربية بتل أبيب قولَه: "إن سنة ٢٠٠٠ سوف تشهد نشوء قيادة جديدة"، ثم يقول -أي: محمد عيسى- "يقصد
стр. 62
المسيخ الدجَّال" ثم يقول: "والحقيقة أن ما صرح به (دان شمرون) معتمدًا على معلومات أكيدة من رجال المسيخ بالكنيست الإسرائيلي، أو مستنبطًا من وثائق سرية لنبوءات حقيقية بالتوراة "المخبوءة"، وهو مطابق أو قريب جدًّا لحساباتي، وحَدْسي، واستبصاري الذي استلهمت فيه إيماني بالله، واستقرأت ما بين السطور في أحاديثَ عن النبي ﷺ نبي البشرية الأمين، ولو كره ذلك الأغبياء والضالون" (١).
ويدعي أن كتابه المسمى "احذروا: المسيخ الدجَّال يغزو العالم من مثلث برمودا" (٢) سيصدم المسيخ الدجَّال؛ فيقول: "والصدمة هنا
стр. 63
للمسيخ (١)؛ لأن هذا الكتاب بلا شك -وإن شاء الله- هو أول كتاب يعرض المسيخ عاريًا في كل شيء؛ في فكره، في تصوراته، في تحركاته، في أماكنه الخفية وعلاقاته" (٢).
ويقول "سعيد أيوب" بعد ما ذكر بعض صفات والدَيْ الدجال: "وفي هذا إشارة إلى ضرورة رصد الدجَّال بالبحث وراءه في شهادة ميلاده، وشهادة توثيق زواج أمه من أبيه؛ لتحديد متى ولد بعد زواج أمه من أبيه" (٣)!
أما " السندباد المصري" محمد عيسى داود فقد جعل من سيرة الدجال المطولة بالأكاذيب سيرة شعبية مثل سيرة عنترة بن شداد، وسيرة تغريبة بني هلال، فهو يزعم أن ميلاد المسيح الدجَّال "تم منذ أربعة قرون تقريبًا، وهو ميلاد عجيب؛ لأن النطفة التي تخلَّق منها شارك فيها
стр. 64
الشيطان، فهو مُهَجَّنٌ، أو خليط بين الإنس والشيطان، فهو من مواليد الحيض، أبوه أتى أمه في الحيض، وحدث الحمل الشيطاني، ويحتمل جدًّا أن يكون أباه (كذا!) ابن أمه، فهو في النهاية مولَّد عن زنًا خطير" (١). هـ.
ويقول أيضًا: "والمسيخ صديق شخصي لإبليس، والعكس صحيح، وهما الآن ملكان يجلسان على عرش واحد أحدهما مرئي، والآخر لا مرئي إلا لجنسه من الأبالسة والجن" (٢).
وتأمل تخبطه في العبارة التالية:
"وربما -والله أعلم- يكون عمره يزيد على ١٥٠٠ سنة، فهو الشبيه البشري بإبليس، أو هو النسخة البشرية من إبليس، ولو شبهنا إبليس بمادة، فالمسيخ الدخال هو القنينة، فما هو إلا جسد يؤدي مهمة المسيخ، وإن كنت أرجِّح أنه من مواليد القرن السابع عشر الميلادي، وعلى أقصى تقدير السادس عشر، والله تعالى أعلم " (٣). اهـ.
نقول: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ الآية، [الأنعام: ١٤٨].
وهو يجزم بأن المسيح الدجال "من مواليد اليمن، فهم أذكى أجناس اليهود" (٤)، ثم يضيف: "وربما -والله أعلم- يكون من مواليد سوريا،
стр. 65
لكنني أرجِّحُ أنه يمني المولد" (١)، غير أنه عاد في موضع آخر ليقول: "كذلك هداني الله إلى أنه من مواليد الشام ... وبالذات من السامرة بفلسطين، وكنت أحسبه -مجتهدًا في هذا الحسبان- من مواليد اليمن، لظني أنهم أذكى اليهود" (٢)، وقال: إنه أورد في كتابه "الخيوط الخفية" معلومات عن بداية نشأة الدجال من مخطوطات شديدة الندرة، ثم قال: "وعليه: فإن صح ما أتيت به من معلومات عن نشأة المسيخ الدجَّال؛ فهذا يُلغي ما ذكرته في كتابي "احذروا المسيخ" من أنه من مواليد اليمن -وإن كان عاش في اليمن، ونهل من معين بعض علمائها- وقد حدست من قبل أنه من مواليد سوريا، لكنه من مواليد السامرة، وعلى أي حال كلتاهما بالشام" (٣). اهـ.
ويستمر مسلسل الدجل والكذب، فيفتري قصة طويلة مملة عن نشأة الدجال وأسرته والقوم الذين نشأ فيهم، وكيف أن الله تعالى أمر جبريل الأمين أن يخسف بهم الأرض إلا طفلًا صغيرًا في قصر الحاكم -وهو الدجال- عليه أن يحمله إلى جزيرة في بحر كبير يسمى "بحر اليمن" (٤).
ويحلق بنا "السندباد المصري" في آفاق الدجل والدجالين، فيدعي أن الدجال رحل إلى مصر بعد سنوات من حياته في "السامرة"، حيث الفراعنة يحكمون، وبدأ يتقرب إلى أحد كهنة مصر الكبار، ويُغريه
стр. 66
بمعسول الكلام المهذب أنه سيكون الخادم الأمين له، والابن المطيع على أن يعلمه الحكمة والعلم، ويقربه إلى الفرعون الحاكم (١).
ويدعي "السندباد المصري" أن الدجال هو السامري ذلك الرجل الكافر في عهد الرسول موسى ﵇، وطرده موسى ﵇ من مصر فهو يخرج في آخر الزمن؛ لينتقم من شعب مصر لأنهم طردوه ... (٢)
ويدافع عن خيالاته في شأن السامري قائلًا: "إنني لم أجتهد في أصل تام من أصول الشريعة أو العقيدة، أو في معلوم من الدين بالضرورة، فهذه ثوابت لا نقاش فيها، إنما اجتهدت في مجال مفتوح، لا أؤاخذ به إن أخطأت، بل لي أجر، فما البال إن أصبت، وأجرى الله على يدي ما لم يسبقني فيه أحد؟ " (٣).
"والمسيخ الدجال رجل تعلم في "مصر الفراعنة"، وبرع في علوم الكهانة، والنجوم، والسحر، والهندسة بكل فروعها، والطب بكل فروعه، وحتى علوم النبات، والحيوان، والمعادن، والفيزياء، والكيمياء، والرسم .. وإن كان لم يظفر ببغيته من علوم الكهنة، فقد ضنُّوا عليه بها، وأعطوه القشور والفتات الذي نماه مع الزمن!! " (٤).
стр. 67
بيد أنه يقول في موضع آخر: "والمسيخ الدجال رجل تعلم في إنجلترا، وبرع في علوم الهندسة بكل فروعها، والطب بكل فروعه، وحتى علوم النبات، والحيوان، والمعا دن، والفيزياء، والكيمياء، والرسم" (١).
ويدعي أنه مضى في رحلته إلى بلاد العرب، فنزل اليمن والشام والعراق، ثم أفريقيا الجنوبية، ثم إلى بلاد المغرب، ثم توجه إلى الأمريكتين (٢).
ويدعي أن الريح أخذته إلى بلاد الإنجليز والأيرلنديين والأسكتلنديين، ثم بلاد الفرنسيين، ولم يطب له المقام فيها، فعاد إلى أمريكا الجنوبية، ورسا هذه المرة على شاطئ "بورتريكو" (٣).
ويدعي أن المسيح الدجال طاف بلاد "الغال" (؟!)، ثم البلغار، ثم الأورال، ثم الغز، ثم جورجان، ثم عاد إلى جزيرته الخضراء ببحر اليمن، وادعى أنه: أحاط علمًا بعدة لغات من الهيروغليفية إلى لغات شعوب ما وراء النهرين (٤)، ويدعي في موضع آخر أن الدجال رحل إلى بلاد الهند والبوذا، واليابان والصين (٥).
ويزعم أيضًا أن المسيح الدجال قد "تولاه أكثر من شخص بالتبني من اليهود ... إلى أن تبنته شخصية يهودية في إنجلترا، ونقلته من أرض
стр. 68
العرب إلى بلاد الغرب؛ لينشأ هناك، ويدرس كل العلوم الحديثة، ويحتل عقولا بالهيمنة، ويتفق معهم على بناء قلعة خارج العالم" (١).
ويقول في موضع آخر: "وهيمن المسيخ على شخصيات يهودية في إنجلترا، وأقام شبكات على شتى الأنواع في بلاد الغرب، وبث فكره العلماني في كل العلوم الحديثة، ويحتل عقولا بالهيمنة، واتفق معهم على بناء قلعة خارج العالم" (٢).
- ويذكر أن به الآن "بعض الصلع في مقدم رأسه" (٣).
- أما عيناه فهو أعور العين اليسرى، وهي بشعة المنظر؛ لذا يداريها بدائرة سوداء، كما كان يفعل "موشي ديان" (٤).
- ويدعي أنه أحاط بأسرار ومفاتيح علوم عديدة؛ منها: الطب، وأنه استعان حتى بخبراء في طب أعصاب العيون من الجن والشياطين فعجزوا عن معالجته (٥).
- ويصفه بأنه حاكم "ديمقراطي"، بدليل أنه يمشي في الأسواق (٦).
- وهو رجل شاء الله له اشتعال غدته الصنوبرية (٧).
стр. 69
ويدعي أن المسيح الدجال "رجل سيظهر في ثوب حاكم، أو رئيس دولة، وغالبًا ستكون الولايات المتحدة الأمريكية" (١)، ثم يقول: "ولا أستبعد أن يكون آدم وايزهاوبت (٢) يهودي الأصل، بل لا أستبعد أن يكون هو نفسه المسيخ الدجال، لو كان أعور العينين، ولو كان معي صورة له لحددت ذلك الأمر (٣)، وإن كنت أغلِّب أنه حلقة الوصل، أو الصديق المخلص جدًّا للمسيخ الدجَّال، أو ممثله الشخصي أمام الروتشيلديين الأثرياء اليهود، ثم من يختارهم لتكوين المنظمة السرية" (٤) اهـ.
ويدعي أنه "تحالف مع إبليس ووقَّعَا عقدًا كتابيًّا بينهما، واتفقا على إنشاء قصر مركزي لإبليس قرب برمودة، على أن يكون مقرًّا مؤقتًا للدجال، يدير منه شئون الكرة الأرضية ... " (٥).
ويقول: "كان المسيخ الدجَّال يحلم بتأسيس قلعة رهيبة؛ لتكون قاعدة لمدينة تعتبر في هذه الأرض، ولكنها خارجها أيضًا، وانتقى إبليس له
стр. 70
المكان بالمحيط الأطلسي، حيث عرش إبليس، وذهب بمن اتفق معهم، وفعلوا ما فعلوا، وأسسوا ما أسسوا، قاعدة رهيبة، عبارة عن قلعة هائلة منيعة في مثلث برمودا، واستوحى التصميم المعماري لها من الهرم الأكبر، والنجمة السداسية الإسرائيلية.
وهذه القلعة الرهيبة يتواصل اتساعها وتمددها وبناء جدرانها؛ أجزاء من الفولاذ؛ وأخرى من الزجاج غير قابل للكسر ولا للتحطيم" (١).
"ومنظر القلعة المسيخية الخاصة بأسراره هو الشخصية فريد للغاية، وبها قطاعات على هيئة أهرامات متداخلة، بعضها يمكن تنقله في أي لحظة من اللحظات كأنها غواصة هائلة.
وجزء من قلعته ظاهر للعيون فوق الماء، ولكن حوله مجال مغناطيسي قوي "شافطة" "خاطفة" يمكنها اقتناص أي شيء مهما كان حجمه، فهو يخشى دخول مركبة أو طائرة إلى مجال الرؤية فترى شيئًا ما بسهولة، ومن ثم كانت خطوطه الدفاعية الرهيبة، والقاعدة عنده: "من رأى لا يخرج".
.. وفي هذه القلعة غرفة تحكم خاصة يمكنه من خلالها تدمير الأجزاء الأخرى من القلعة في حالة الاستيلاء عليها من قوى مجهولة ... " (٢).
"وقد نظم الدجال مع مجموعة علماء صوتيات لغة خاصة بشعبه بوحي اللغة السنسكريتية، كما أنها لغة شفرة، لو التقى رجلان لا يعرف
стр. 71
كلاهما الآخر من رجاله أو شعبه، فهي علامة امتياز خاصة ... وهنالك تُفتح الأبواب" (١).
"وقد استغل الدجَّال وأعوانه وشعبه الذي يعيش في قلاعه ثروات ومعادن "أطلانطس"، القارة الغارقة تحت المحيط الأطلنطي" (٢).
ويدعي أن المسيح الدجَّال يربي جيشًا ضخمًا تحت الأرض، تحت المسجد الأقصى، وقريبًا منه، ثم يتمادى بمحاولة تعليل اختياره هذا الموقع الفريد ..
ويصل به خياله الواسع إلى حد زعم أن مهندسي المسيح الدجَّال راحوا يصنعون مع الحفريات أنفاقًا مكيفة، ومجهزة للحياة تحت الأرض؛ لتجميع الأطفال بها، وعمل كتائب من الأطفال اليهود؛ كرؤساء وقوَّاد ... إلخ (٣).
ثم يدعي أن المسيح الدجَّال قد "تحكم في سرعة الرياح بأجهزة إشعاعية، وتحكم في الذبذبات، واخترع أجهزة إشعاعية تلون الهواء باللون الذي يريد، بل أجهزة أخرى تصنع حوائط هلامية في الهواء؛ كألواح من زجاج.
واخترع طواحين هوائية ذات أجهزة شافطة وجاذبة، لدرجة إمكانية جذب عدة طائرات، أو سفن ضخمة للاستيلاء عليها (٤).
стр. 72
وللرجل بقلعته الهائلة إدارات، ومعامل، ومصالح، حتى الجوازات، وعنده أجهزة إرسال، وتشويش، وبث، وشل، فلو أراد أن يوقف الإرسال في تلفزيونات الأرض كلها لأوقفها" (١).
وقلاعه أو مدنه أماكن مترفة جدًّا، لدرجة أن من يعيش هناك قد لا يتمنى مغادرة المكان (٢).
ثم يفشي "السندباد المصري" سِرًّا خطيرًا فيقول: "وقد تكون مفاجأة لقرائي الأحباء أن أقول: إن الدجال كتب بعض مذكراته، وكتب بعض القصص التي تُحوَّل إلى أفلام هوليوودية، أما مذكراته السرية وقصص مغامراته وخططه الظلامية فهو يحفظها بقلعته الهائلة في مكتبة سرية، ويسجلها على جهاز كمبيوتر بعدما يكتبها بيده.
وقد كتب هذا المتجبر المتألِّه المزوِّر حوالي (١٠ مجلدات) كل مجلد يقع في (٢٠٠٠ صفحة) من القطع الكبير، ووضع على كل مجلد (خاتمة) وعنونه بعنوان:
- الخمس مجلدات الأولى عنوانها: "عندما أملك الدنيا"!!
- والخمس الأخرى: "يوم يكون الكون في قبضتي والكرة الأرضية مكتبي " .. إن الرجل أسرف في أمانيه التي ناوشت الكون كله" (٣). اهـ.
стр. 73
خرافة الأطباق الطائرة
ثم انتقل بعقليته "السندبادية" الطوَّافة إلى الحديث عن "الأطباق الطائرة" قائلًا: "وأقسم لكم بالله غير حانث أنهم من هذه الأرض، ومن أبنائها، ولكنهم رجال المسيخ الدجَّال، وتلك الأطباق من اختراعه الذي سبق به زماننا بقرون" (١). اهـ.
أقول لهذا الظالم لنفسه: "حنثت يمينك يا سندبادُ فَكَفِّرِ! ".
إن ما سُمِّي بظاهرة الأطباق الطائرة، وشغل الناس رَدَحًا من الزمان؛ قد بان لنا الآن أنه لا يخرج عن كونه "سرابًا" أو "تكلفًا" أو "دجلًا سياسيًّا ".
أما كونه "سرابًا":
فما حكاه بعض الطيارين من أنهم رأوا تلك الأطباق الطائرة؛ لا يعدو أن يكون سرابًا خادعًا يظهر نتيجة لما يسمى "الانعكاس الحراري" Temperature Inversion حيث تؤثر حرارة الشمس في الكتل الهوائية الساكنة، فتجعل منها طبقات فوق طبقات، لكل منها حرارتها وكثافتها، فيحدث انكسار ضوئي أو انعكاس ضوئي خلال تلك الطبقات بصورة أشياء في الهواء أو على الأرض (٢).
ولما أطلقت روسيا سِرًّا صاروخ "سويوز" حاملًا قمر التجسس "كوزموس ٩٥٥" من قاعدة سرية، ساعدت الأحوال الجوية السائدة في
стр. 74
فجر ٢٠ سبتمبر ١٩٧٧ م على تشكيل صورة جسم غريب من عوادم الاحتراق الناشئة من النفاثات الخمس الضخمة للصاروخ، فبقيت معلقة ومنتشرة على هيئة قنديل البحر الهلامي الضخم، فحسبه الناس طبقًا طائرًا، وأطلقوا لخيالهم العِنان في تفسير ما رأوه (١).
وأما كونه "تكلفًا وتلفيقًا":
ففي عام ١٩٦٨ م شهد ثلاثون أمريكيًّا في جنوب "دنفر" بأنهم رصدوا طبقًا طائرًا، وبعدما أثار هذا ضجَّة أوضحت "مسز ديتريش" أن هذا الشيء هو من صنع وَلَديْها "توم" (١٤ سنة)، و "جاك" (١٦ سنة) اللذين أحضرا كيسًا كبيرًا من البلاستيك الرقيق الشفاف، وعددًا قليلًا من الشموع الصغيرة، ووضعاها داخل الكيس بطريقة خاصة، فارتفع إلى أعلى بفعل الحرارة المنبعثة من الشموع.
وهذا صبي يعلق جسمًا مستديرًا على أغصان شجرة، ثم يلتقط لها صورًا ويذيعها على أنه رأى هذا "الطبق" يطير متنقلًا بين الأشجار، بسرعة ٢٠ ميلًا في الساعة.
وهذا آخر يعلق عَصَّارة ليمون، وآخر يلتقط صورة لمصباح نيون مستدير، وآخر يلصق رأس ماكينة كهربائية على زجاج نافذة ثم يصورها، وينشر صورها على أنها "طبق طائر" (٢).
стр. 75
وأما كونه "دجلًا" سياسيّا:
فلأن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) اعترفت بعد انتهاء ما سُمِّي بالحرب الباردة أنها كانت وراء إشغال الناس بهذا الموضوع (١) لتحقيق مآرب سياسية.
والذي يلفت النظر أن الموضوع الآن خمد، وهمد، ولا يكاد يذكره أحد، فهل انقرض أهل الفضاء الخارجي الذين كانوا - في زعمهم- يأتون لغزو الأرض واستكشافها، أم أنه حقًّا الدجل السياسي؟! أما "هشام كمال" صاحب كتاب "اقترب خروج المسيخ الدجال" فيدلي بدلوه في هذا الحديث تحت عنوان: "الأطباق الطائرة هي السلاح الجوي للمسيح الدجال".
ثم يذهب إلى أن "الحمار الذي سيمتطيه الدجال ما هو إلا طبق طائر
صنعته له الشياطين" (٢).
ولم يكتفِ بهذا حتى قال في موضع آخر: "تفاصيل ما كشفت عنه الشياطين في جلسات تحضير الأرواح عن مجيء المسيح الدجال على طبق طائر" (٣)، فهل صارت جلسات "تحضير الأرواح" وما تلقيه فيها الشياطين بزعمكم مصدرًا معتمدًا لديكم للإطلاع على الغيب؟!