← Фикх малики

Фикх малики · id 14249

الدر الثمين والمورد المعين

ميارة

Полный текст (614 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي شرح بفضله صدور المرشدين للعباد وضيق بعدله قلوب الجهلة ذوي الفسق والعناد وتصرف تعالى في خلقه بحكمته كيف شاء وأراد ويسر الكل لما خلق فلا يصرف عنه ولا يذاد فأهل الجهل لطلب معيشة النفس والأهل والأولاد متحرياً لدنياه الصلاح والسداد غافلاً عن دينه وماينجيه في المعاد وقيض لحمل الشريعة السمحة عدول كل خلف ورثة الأنبياء والزهاد فهجروا في تبيين مسائلها الراحة والرقاد وهاجروا وإن جاوروا الأهلين والأولاد فبذل كل مجهوده وإستفاد وأفاد وأنفق بقدر وسعه وما فتح الكريم الجواد وجمع أصولها وفروعها ودون وبين وحصل وأتقن وأجاد وجمع الفروق ونظم الجواهر فبرزت متوجة مكللة على أحسن مراد تبصرة للجاهل بمقدمات سهلة التناول قريبة التناد فسبحان حاجبها عن غير خليلٍ ممن إتصف بكفرٍ أوعنادٍ وموضحها رسالة لمن سبقت له العناية والرشاد فما أعد له من مضلٍ وأكرمه من هادٍ نحمده سبحانه ونشكره على سابق العناية والفضل والإمداد ونستعينه ونستغفره عن آثامنا المانعة لنا اللحوق بمن علم وساد. ونشهد أن لاإله إلآ الله وحده لاشريك له شهادةً لاشك فيها ولاخفاء وإيمان من وصف بيعبدوا الله مخلصين له الدين حنفا ونشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبده ورسوله من الله يتلو صحفاً وعلى آله وأصحابه أهل الكرم والوفا المنزل فيهم قل الحمد لله وسلام على عبده الذين اصطفى. (وبعد) فيقول أحوج الخلق إلى مولاه وأقل العبيد محمد بن أحمد بن محمد الشهير بميارة طالباً من الله التوفيق والتسديد إن بعض الأصحاب والإخوان من الطلبة المقربين والخلان طلب مني وضع شرح على النظم المسمى بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين تأليف شيخنا الإمام العالم العلامة الحاج الأبر سيدي أبي محمد عبد الواحد بن عاشر رحمه الله تعالى ونفع به لإختصاره وكثرة مااشتمل عليه من الفوائد من الفقه والتصوف والتوحيد والعقائد وقصور الهمة عن المطولات للاشتغال بالدنيا والعوائد ولم يزل يتردد إلي كثيراً في ذلك وأنا أجول بفكري في صعوبة الخوض في تلك المسالك وأتعلل بالعجز والتقصير وعدم الفراغ ومجيء النذير فلم يزل يذكرني في ثواب من علم وعلم وإنتفع ففهم وفهم وإن الفراغ من الدنيا قد غبن فيه

стр. 2

كثير ووجوده نادر عسير حتى استخرت الله في إسعافه وموافقته على ماطلب أوخلافه ثم شرعت فيه راجياً ثواب النفع به إن شاء الله تعالى للبادي والحاضر ملتمساً صالح الدعاء من كل قارىء له وناظر معترفاً أن ليس فيه إلا النسخ والترتيب وإني فيهما بين خوف التخطئة ورجاء التصويب طالباً من الله الدخول في زمرة الأئمة المهتدين والإندراج في خبر «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» وسميته بالدرالثمين والمورد المعين في شرح المرشد المعين على الضروري من علوم الدين نفع الله به النفع العميم وجعله خالصاً لوجهه العظيم إنه متفضل محسن كريم ومن الله أستمد العون والتوفيق والهداية إلى أقوم طريق إنه على مايشاء قدير والإجابة جدير ولاحول ولاقوة إلآ بالله العلي العظيم قال رحمه الله تعالى: يَقُولُ عَبْدُ الْوَاحِد بِنُ عَاشِرِ مُبْتَدِئاً بِاسْمِ الإِلَهِ الْقَاِدِر أَلْحَمْدُ لله الَّذِي عَلّمَنَا مِنِ الْعُلُومِ مَا بِهِ كَلّفَنَا صَلّى وَسَلّمَ عَلَى مُحَمَّدِ وَاآلِه وَصَحْبِهِ وَالْمُقْتَدِي بدأ ﵀ بتسمية نفسه لأنه في هذا المقام من أعظم المهمات لما علم أن العمل أو الفتوى من الكتب التي جهل مؤلفوها ولم يعلم صحة مافيها لايجوز قال الإمام شهاب الدين القرافي ﵀ في كتاب الإحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام تحرم الفتوى من الكتب الحديثة التصنيف إذالم يشتهر إعزاء مافيها من النقول إلى الكتب المشهورة إلا أن يعلم أن مصنفها ممن يعتمد لصحة علمه والوثوق بعدالته وكذا تحرم الفتوى من الكتب الغريبة التي تشتهر حتى تتظافر عليها الخواطر ويعلم صحة مافيها وكذا تحرم من حواشي الكتب لعدم الوثوق بمافيها قال ابن فرحون مراده إذا كانت الحواشي غريبة النقل أما إذا كان مافيها موجوداً في الأمهات أومنسوباً إلى محله وهو بخط من يوثق به فلا فرق بينها وبين التصانيف اه. وإذا تأكدت من معرفة مؤلف الكتاب كماذكر فلا بد من التعريف بالناظم وذكر نبذة من أحواله ﵀ فأقول ناظم هذه القصيدة هو شيخنا الإمام العالم العلامة،

стр. 3

المتفنن الحاج الأبر المجاهد سيدي أبو محمد عبد الواحد ابن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري نسباً الأندلسي أصلاً الفاسي منشأ وداراً كان رحمه الله تعالى عالماً عاملاً ورعاً عابداً مفتياً في علوم شتى قرأ القرآن على الإمام الشهير الأستاذ المحقق أبي العباس أحمد بن الفقيه الأستاذ سيدي عثمان اللمطي وعلى غيره وأخذ قراءات الأئمة السبعة على الأستاذ المحقق أبي العباس أحمد الكفيف ثم عن العالم الشهير مفتي فاس وخطيب حضرتها أبي عبد الله محمد الشريف المري التلمساني وغيرهما ولاشك أنه فاق أشياخه في التفنن في التوجيهات والتعليلات ـ رحم الله جميعهم ـ وأخذ النحو وغيره من العلوم عن جماعة من الأئمة كالإمام العالم المتفنن مفتي فاس وخطيب حضرتها أبي عبد الله محمد بن قاسم القصار القيسي وكالإمام النحوي الأستاذ أبي الفضل قاسم بن أبي العافية الشهير بابن القاضي وكشيخنا الفقيه المحدث المسند الرواية الأديب الحاج الأبر أبي العباس أحمد ابن محمد بن أبي العافية الشهير بابن القاضي ابن عم أبي الفضل المذكور قبله وكالإمام العالم المحقق قاضي الجماعة بفاس أبي الحسن علي بن عمران وكالإمام العالم مفتي فاس وخطيب حضرتها أبي عبد الله محمدالهواري وكالشيخ العامل الورع الزاهد أبي عبد الله محمد بن أحمد النجيبي شهر بابن عزيزبفتح العين المهملة وكسر الزاي كان الناظم رحمه الله تعالى يذكر لنا عنه كرامات نفعناالله به وكشيخناالإمام العالم المتفنن المفسر المسن قاضي الجماعة بفاس وخطيب حضرتها ومفتيها أبي الفضل قاسم بن محمد أبي نعيم الغساني وغيرهم من الأئمة وأخذ الحديث على بعض من تقد من الشيوخ الفاسيين كابن عزيز والقصار وشيخنا ابن القاضي وغيرهم من المشارقة لماحج وذلك سنة ثمانية وألف وهو الإمام المحدث المعمر صفي الدين أبو عبد الله محمد بن يحيى العزي ـ بكسر العين المهملة وكسر الزاي المشددة ـ الشافعي وقرأ موطأ الإمام مالك بن أنس على الفقيه العالم المسن سيدي أبي عبد الله محمد بن الجنان وشمائل الترمذي على شيخنا الإمام العالم المحدث سيدي أبي الحسن علي البطيوي رحمة الله علينا وعليهم أجمعين وكان الناظم ﵀ ذا معرفةٍ بالقراءة وتوجيهها وبالنحو والتفسير والإعراب والرسم والضبط وعلم الكلام يحفظ نظم ابن زكرى عن ظهر قلب ويعلم الأصول والفقه والتوقيت والتعديل والحساب والفرائض وعلم المنطق والبيان والعروض والطب وغيرذلك وحج وجاهد واعتكف وكان يقوم من الليل ماشاء الله تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته ألف تآليف عديدة منها هذه المنظومة العديمة المثال في الاختصار وكثرة الفوائد والتحقيق ومحاذاة مختصر الشيخ خليل والجمع بين أصول الدين وفروعه بحيث أن من قرأها وفهم

стр. 4

مسائلها خرج قطعاً من ربقة التقليد والمختلف في صحة إيمان صاحبه وأدى ماأوجب الله عليه تعلمه من العلم الواجب على الأعيان ولذا قال فيها الفقيه الأجل الأديب النحوي اللغوي سيدي أبو محمد عبدالله ابن الشيخ الأجل الولي الصالح المجاهد الرابط بالثغور ذي الفتوحات العديدة والمآثر الحميدة سيدي أبي عبد الله محمد إبن أحمد العياشي أبقى الله وجوده كهفاً للإسلام وجلاءً لغياهب الظلام وأعانه على ماهو بصدد من إخماد الكفرة ونصرة الإسلام وكبت أعدائه بجاه سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ما نصه: عليك إذا رمت الهدى وطريقه وبالدين للمولى الكريم تدين بحفظ لنظم كالجمان فصوله وماهو إلا مرشدٍ ومعين كأن المعاني تحت ألفاظه وقد بدت سلسبيلاً بالرياض معين وكيف وقد أبداه فكر بن عاشر إمام هدى للمشكلات يبين تضلع من كل العلوم فما له شبيه ولا في المعلومات قرين وأبرز ربات الحجال بفهمه فها هي أبكار لديه وعين وأعمل فكراً في جميعها فذل له صعب ولان حرون وأنهى إلى أقطاب الوجود تحية علينا بها كل الأمور تهون وهذا شرحه العجيب على مورد الظمآن في علم رسم القرآن فقد أجاد فيه ماشاء وليس الخبر كالعيان وقد كان شرحه ديناً على العلماء الأعيان وأدرج فيه تأليفاً آخر سماه الإعلان بتكميل مورد الظمآن في كيفية رسم قراءة غيرنافعٍ من بقية السبعة في نحو خمسين بيتاً وشرحه وإبتدأ شرحاً عجيباً على مختصر الشيخ خليل ملتزماً فيه نقل لفظ ابن الحاجب ثم لفظ التوضيح وأضاف إلى ذلك فوائدعجيبة ونكتا غريبة كتب منه من قوله في النكاح والكفاءة والدين الحال إلى باب السلم والله أعلم وله طرر عجيبةً مفيدةً على المختصر المذكور بعضها يتلعق بلفظ المختصر وبعضها بلفظ شارحه الإمام التتائي في شرحه الصغيروله رسالة عجيبة في عمل لربع المجيب في نحو مائةٍ وثلاثين بيتاً من الرجز وله تقاييد على العقيدة الكبرى للإمام السنوسي وله طرر عجيبةً على شرح الإمام أبي عبد الله محمد التنسي لذيل مورد الظمآن في الضبط وله مقطعات في جمع نظائر ومسائل مهمة من الفقه والنحو وغيرهما ومن نظمه ﵀ وكان يكثر من

стр. 5

ذكره عندما تكثر عنده الأسئلة الفقيهة ومن إملائه نقلت: يزهدني في الفقه أني لاأرى. يسائل عنه غير صنفين في الورى. فزوجان راما رجعة بعدبته. وذئبان راما جيفةً فتعسرا ومنه في مدح مختصر ابن الحاجب وشرحه. خليلي خليل قد شغفت بحسنه. وتوضيحه صبحاً بزينة حاجبه. واليت آلوه شرحاً لغامض. من الودير ضاه خليل وحاجبه ومنه في الكتابة على طريق اللغز: لله في خلقه من صنعه عجب. حقائق كادت في الوجوه تنقلب. كلهم بعين ترى لا الأذن تسمعها. خطابها حاضر وأهلها ذهبوا أصيب بالداء المسمى على لسان العامة بالنقطة ضحى يوم الخميس ثالث ذي الحجة الحرام من عام أربعين وألف ومات عند الاصغرار من ذلك اليوم رحمة الله ونفع به وإلى سنة وفاته أشرت بالشين والميم بحساب الجملة من قولنا في جملة أبيات في تواريخ وفاة جملة من شيوخنا والإشارة إلى بعض صفاتهم: وعاشرالمبرور غزوا وحجة إمام التقى والعلم شم قرنفل (قوله يقول) القول وفروعه يتعدى إلى مفعول واحد فإن وقعت بعده جملة محكية فهي في موضع مفعول والمحكي به هنا قوله (الحمد لله) إلى آخر النظم وابن عاشر بالرفع نعت لعبدٍ ويكتب ابن هنا بغير ألف الوصل على قاعدة كتبه إذا وقع بين علمين لكن قال بعضهم مالم يكن أول سطر فيكتب حينئذٍ بالألف وكذا إن أعرب بدلا وعليه خرج إثباتها في عيسى ابن مريم فإن كان العلم الذي قبله منوناحذف تنويه كزيد بن عمرو ومبتدئا حال مقدرة من عبد الواحد ولما كان نظم الكتاب وتأليفه أمراً ذا بال ـ أي شأن يهتم به ـ وكل ماهو كذلك يطلب فيه البداءة بالبسملة لقوله كل أمر ذي بال لايبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر بدأ الناظم بها فقال (مبتدئا بإسم

стр. 6

الإله) وإنما قالوا بسم الله ولم يقولوا بالله لأن التبرك والإستعانة بذكر اسمه تعالى وقيل للفرق بين اليمين الذي هو القسم والتيمن وهو التبرك (والقادر) من له القدرة وهو صفة الإله و (الحمدلله) لغة الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل وإن شئت قلت هو الوصف بجميل إختياري أوقديم على جهة التعظيم والتبجيل والمراد بالوصف الذكر باللسان دون غيره من سائر الأركان وإطلاق الحمد على ماليس باللسان إنما هو باعتبار تعبير اللسان عنه وشمل قوله الجميل أي الحسن ماكان في مقابلة إنعام وماليس في مقابلته كما شمل أيضاً على التعريف الأول وهو مصرح به في الثاني ماكان اختيارياً أو قديماً والمراد بالاختياري مافيه اختيار ولو بوجه ما فيدخل فيه الطبائع الغريزية المحمودة كالسجاعة والكرم وشمل القديم جميع أوصافه تعالى إذ كل منها جميل فخرج الوصف بغير الجميل وبجميل لاختيار فيه كحمرة الخد ورشاقة القدـ أي حسنه ـ وبجميل اختياري أوقديم لاعلى جهة التعظيم بل على جهة التهكم والسخرية فليست بحمد والوصف بجميل لااختيار فيه يسمى مدحاً لاحميداً والحمد مدحاً فبين الحمد والمدح عموم وخصوص مطلق إذ كل حمد مدح ولاعكس ومما استطردوه هنا تعريف الشكر وهو لغة فعل ينبىء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً والمراد بالفعل الحدث فيدخل فيه ماكان باللسان وبغيره من سائر الأركان فلايختص باللسان كالحمد وخرج بقولهم ينبىء عن تعظيم المنعم مالاينبىء تعظيمه وخرج بقولهم بسبب كونه منعماً ماينبىء عن تعظيمه لافي مقابلة إنعام فإنه حمد لاشكر وإذا فهمت هذا علمت أن بين الحمد والشكر عموماً وخصوصاً من وجه يصدقان على الوصف المساني بالجميل في مقابلة الإحسان وينفرد الحمد بصدقه على الوصف اللساني بالجميل لافي مقابلة إحسان وينفرد الشكر بصدقه على ماليس باللسان من الفعل المنبىء عن التعظيم إن كان في مقابلة إحسان وأما الحمد والشكر الشرعيان فقال في شرح المطالع تحقيق ماهيتهما أن الحمد ليس عبارة عن قول القائل (الحمدلله) بل هو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً وذلك الفعل إما فعل القلب أعني إعتقاد

стр. 7

إتصافه بصفات الكمال والجلال أوفصل اللسان أعني ذكر مايدل عليه أوفعل الجوارح وهو الاتيان بأفعال دالة على ذلك والشكر كذلك ليس قول القائل والشكر لله بل هو صرف العبد جميع ماأنعم الله به عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ماخلق له وأعطاه لأجله كصرفه النظر إلى مطالعة مصنوعاته والسمع إلى تلقي ماينبىء عن مرضاته والاجتناب عن منهياته وعلى هذا يكون الحمد أعم من الشكر مطلقاً لعموم النعمة الواصلة إلى الحامد وغيره واختصاص الشكر بمايصل إلى الشاكر اهـ قال السيد وذلك لأن المنعم المذكور في تعريف الحمد العرفي مطلق لم يقيد بكونه منعماً على الحامد أوغيره فيتنا ولها بخلاف الشكر إذ قد اعتبر فيه منعم مخصوص وهو الله سبحانه ونعمة واصلة إلى عبده الشاكر ولكون الحمد أعم من الشكر وجه ثان وهو أن فعل القلب واللسان وحده مثلاً قد يكون حمد وليس بشكر أصلا إذا قد اعتبر فيه شمول الآلات ووجه ثالث وهو أن الشكر بهذا المعنى لايعلق بغيره تعالى بخلاف الحمد اهـ وعبارة الشيخ خالد الأزهري في شرح التوضيح فالشكر أخص مطلقاً لاختصاص تعلقه بالباري تعالى ولتقييده بكون المنعم منعماً على الشاكر ولو جرب شمول الآلات فيه بخلاف الحمد اهـ وقال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء إن عمل الشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقى من الاستعانة بها على معصيته حتى أن شكر العينين أن يستر كل عيبٍ يراه لمسلم وشكر الأذنين أن يستر كل عيب يسمعه فيدخل هذا في جملة شكر نعمة هذه الأعضاء والشكر باللسان إظهار الرضا عن الله تعالى وماهو مأمور به اهـ والله الموفق والله قال البيضاوي أصله إله فحذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف ثم جعل علماً على الذات الواجب الوجود الخالق للعالم وإنما لم يقل الحمد للخالق أوللرازق أونحوهما لئلا يوهم ذلك أن استحقاقه اختصاص الحمد إنما هو لوصف دون وصف وقدم الحمد على اسم الجلالة لاقتضاء المقام مزيد اهتمام به وإن كان ذكر الله أهم في نفسه ومعنى جملة الحمد الخبر عن الله تعالى باستحقاقه الإنصاف بكل جميلٍ فهو حمد في المعنى وزادت بمزية التصريح بلفظ الحمد مع التعميم في أوصافه تعالى وإفادة اختصاصه به ولفظها خبر ومعناها الإنشاء قال الإمام الطبري في تفسير الفاتحة الحمد

стр. 8

لله ثناءً أثنى به تعالى على نفسه وفي ضمنه أمرعبيده أن يثنوا به عليه فكأنه قال قولوا الحمد لله اهـ وهل الألف واللام في الحمد لاستغراق الجنس قال الإمام القلشاني وهو أظهر أوللعهد قولان وجه الأول أن الحمد لما كان قديماً وحادثاً فالقديم حمده تعالى لنفسه ولمن شاء من عباده والحادث حمد المخلوقين لربهم فالقديم صفته ووصفه والحادث خلقه وملكه فالحمد كله لله فثبت كون أل للاستغراق وأيضاً لما كانت أصول النعم وفروعها منه تعالى استحق جميع المحامد ووجه الثاني ماقاله الشيخ أبو العباس المرسي ﵁ أن الله تعالى لما علم من خلقه العجز عن كنه حمده حمد نفسه في أزله فلما خلق الخلق اقتضى منهم أن يحمدوه بحمده اهـ ولاشتمالها على ماذكر بدأ بها الناظم كغيره مع الإقتداء بالكتاب العزيز والعمل بمقتضى قوله (كل أمرذي بال لايبدأ فيه بالحمد لله) وفي رواية (بحمدالله) فهو أجذم وفي رواية (أقطع) وفي رواية بزيادة (والصلاة) على (فهو أقطع أبت ممحوق من كل بركة) وقد جمع الناظم في الابتداء بين البسملة والحمدلة فيقال المقصود من الحمد هنا حصول البداءة به لتحصيل بركته كما مرفي الحديث وقد فات ذلك بالبداءة بالبسملة وبقوله يقول عبد الواحد بن عاشر والجواب عن تقديم البسملة على الحمد أنه ليس المراد بالحمد في الحديث لفظ الحمدلله فقط بل ماهوأعم ممايفيد وصفه تعالى بالجميل والبسملة لاسيما مع إضافة الوصف بالقادر صادقة بذلك فذكر الحمد بلفظه بعدها تأكيد فقط وأيضاً فإن البداءة إما حقيقية وهي ذكر الشيء أولا على الاطلاق وعليهاحمل الأمر بالبداءة بالبسملة وإما إضافية وهي ذكره أولاً بالإضافة إلى شيء دون شيء آخر وعليهم حمل الأمر بالإبتداء بالحمدلة وهي صادقة بذكر الحمد قبل المقصود بالذات وأما تقديم يقول عبد الواحد بن عاشر عليها فلامحذور فيه إذ المأمور به إبتداء التأليف بالثناء على الله تعالى وذلك حاصل لاتقديم الثناء على القول المحكي به التأليف وهذا المحل قابل لأكثر من هذا الكلام وفيماذكرناه كفاية إذالمطلوب إمام وقوله الذي علمنا إلخ الذي بدل من اسم الجلالة ومامن قوله مابه كلفنا

стр. 9

مفعول ثانٍ لعلم والذي كلفنا به من العلوم هوالعلم الواجب على الأعيان أي على كل مكلف وهو علم المكلف مالايتأتى له تأدية ما وجب عليه إلا به وذلك مثل كيفية الوضوء والصلاة والصيام والزكاة إن كان له مال والحج إن كان مستطيعا وكذا مايتعلق بالمعتقدات في حقه تعالى وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام وهل يكفي في ذلك التقليد وهو اتباع الغيرمن غير دليل أولايكفي إلا العلم وهو الجزم المطابق عن دليل في ذلك خلاف يأتي إن شاء الله تعالى وكذا حكم البيع لمن يتعاطاه والقراض والشركة والإجارة ونحوها لمن يتعاطى ذلك فيجب على كل أحد تعلم حكم مايريد أن يفعله من ذلك الاجماع أنه لايجوز لأحد أن يقدم على أمرٍ حتى يعلم حكم الله فيه لكن يكفيه في غير العبادات تعلم الحكم بوجه إجمالي فيبرئه من الجهل بأصل حكمه على قدر وسعه وكذا علم أمراض القلوب كالكبر والحسد والحقد ونحوها فقد قال الإمام أبو حامد الغزالي إن معرفة حدودها وأسبابها وعلاجها فرض عين وقال غيره إن رزق الإنسان قلباً سليماً من هذه الأمراض المحرمة كفاه ولايلزمه تعلم دوائها وماعدا ماذكر فهو فرض كفاية يحمله من قام به قال في الرسالة وكذلك طلب العلم فريضةً عامةً يحملهامن قام بهاإلا مايلزم الرجل في خاصة نفسه أي فهو فرض عين ونظر شرح الجزولي في هذا المحل فقد أجاد فيه على عادته وانظر شرح القلشاني قبل قوله وقد جاء أن يؤمروا بالصلاة لسبع سنين ويأتي الكلام في ذلك عند قوله في التصوف: ويوقف الأمور حتي يعلما ماالله فيهن به قد حكما وعلى العلم الواجب على الأعيان حمل خبر (طلب فريضة على كل مسلمٍ) قال الإمام محي الدين النووي هذا الحديث إن لم يكن ثابتاً فمعناه صحيح ويحتمل أن يريد الناظم الذي كلفنا من العلوم العلم الواجب على الأعيان والكفاية معاً فإن علم الكفاية يخاطب به أيضاً كل أحد على خلاف يأتي ذكره إلا أنه يسقط بقيام البعض به والناظم ﵀ ممن علمه الله علم الكفاية وعلم الأعيان وسيأتي الكلام على الواجب علماً أوعملاً وتقسيمه إلى كفاية وعين والسر في ذلك عند كلام الناظم عليه إن شاء الله قوله البيت فاعل صلى وسلم يعود على الله تعالى ولفظه وإن

стр. 10

كان خبراً فالمراد الطلب أي اللهم صل وسلم، وقال الإمام أبو عبدالله محمد بن مرزوق في قول الشيخ خليل والصلاة والسلام على محمد يحتمل أن يريد صلاة الله وسلامه أو الصلاة والسلام من الله على محمد وهومن الخبرالمراد به الإنشاء أي أسأل الله أن يصلي أي يرحم ويسلم أي يؤمن نبيه محمداً ﵌ فيكون طلب له صلوات الله وسلامه ويحتمل أن يريد صلاته هو وسلامه أي إنشاء الدعاء لمحمد بالرحمة والأمان والفرق بين الإحتمالين أنه طلب في الأول صلاة الله وسلامه وفي الثاني دعاء بهما وهما المعنيان المذكوران في الصلاة من الله تعالى ومن الخلق وأن الأول نفس الرحمة والثاني دعاء بها وعلى كلا التقديرين فهو دعاء من المصنف للنبي ﵌ إلا أنه طلب في الأول أن يتولى الله تعالى الصلاة والسلام عليه وفي الثاني صلى هو بنفسه والفرق بينهما كالفرق بين الصلاتين في قوله ﵌ من صلى على صلاة صلى الله عليه بها عشراً اهـ والاحتمال الأول هو المتعين في كلام الناظم والله أعلم وإنما نقلته بجملته لمااشتمل عليه من الفوائد ومعنى الصلاة في آية (إن الله وملائكته يصلون على النبي) على ماقرره صاحب المغنى في الباب الخامس العطف قال ثم العطف بالنسبة إلى الله تعالى الرحمة وإلى الملائكة إستغفار وإلى الآدميين دعاء بعضهم لبعض وشرح العقيدة الصغرى لمؤلفها نفعنا الله به والصلاة من الله على رسوله ﵌ زيادة تكرمه إنعام وسلامه عليه زيادة تأمين له وطيب تحية وإعظام اهـ. (فائدة) قال الرصاع ناقلاً عن الشيخ أبي محمد عبد العزيز ابن عبد السلام لايتوهم المصلي على النبي ﵌ أن صلاتناعليه شفاعةً منا له عند الله تعالى في زيادة رفعته وبلوغ أمنيته فإن مثلنا لايشفع لعظيم القدر عند ربه ولكن الله سبحانه أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا وأنعم علينا ولماأحسن إلينا رسول الله ﵌ إحساناً لم يحسن إلينا أحد كإحسانه ولاأكرمنا مخلوق مثل إكرامه وكنا عاجزين عن مكافأة سيدالمرسلين وحبيب رب العالمين أمرنا ربناسبحانه أن نرغب إليه بأن يصلي هو عليه لتكون صلاة مولانا عليه مكافأة له منه سبحانه لإحسانه إلينا وأفضاله عليناإذ لاإحسان أفضل من إحسانه إلا إحسان خالقه المنعم ببعثه رحمةً إلى خلقه ﵌ اهـ (فرع) قال الإمام أبوعبدالله الأبي في شرح مسلم وما يستعمل من لفظ السيد

стр. 11

والمولى حسن وإن لم يرد والمستند فيه ماصح من قوله ﵌ (أناسيد ولد آدم) وانظر لو قال (اللهم صلي على سيدنا محمد عدد كذا) هل يثاب بعدد تلك الأعداد وكان الشيخ يقول يحصل له ثواب أكثر من ثواب من صلى مرةً واحدةً لاثواب من صلى ذلك العدد اهـ. وقوله (وإن لم يرد) أي في لفظ الصلاة بدليل قوله والمستند فيه إلخ ويعني بالشيخ الإمام الشهير أبا عبدالله محمدبن عرفة التونسي ومحمد منقول من اسم مفعول حمد المضعف للتكثير سمي نبينا وآله وسلم بإلهام من الله تعالى تفاؤلاً بأنه بكثرة حمدالخلق له لكثر خصاله المحمودة (فرع) في حكم الصلاة على النبي ﵌ ثلاثة أقوال قال القاضي أبو الحسن بن القصار المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان وفرض عليه أن يأتي بها مرة من دهره مع القدرة على ذلك وقال القاضي ابن عطية الصلاة على النبي ﵌ في كل حال واجبة وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلا من لا خير فيه وقال غيره تجب كلما ذكر ﵌ واختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية قال الفاكهاني في الباب الأول من الفجر المنير في فضل الصلاة على البشير النذيرالطاهر من الأدلة تساوي حكم الصلاة والسلام في الوجوب وأن الواجب من ذلك المرة الواحدة في العمر على المختار الذي عليه الجمهور اهـ (فرع) في جواز التسمية باسمه ﵌ خلاف قال الإمام أبوعبدالله محمد بن مرزوق التلمساني في شرح قول الإمام البوصيري رضي الله تعالى عنه فإن لي ذمةً منه بتسميتي محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم في كلام الناظم دليل على الترغيب في التسمية باسمه ﵌ لأنها من الذمم التي يمت بها إليه في رجاء شفاعته ﵌ وذلك يستلزم جواز التسمية باسمه ﵌ وقد اختلف العلماء في ذلك فمن مجيزالتسمية باسمه والتكنية بكنيته ومن مانع لهما ومن مجيز للتسمية دون التكنية والثاني هوالظاهر من مذهب عمر ﵁ فإنه قال لمن تسمى بمحمد لاأسمع محمداً يسب بك أبداً وقالت الأنصار للذي سمى ولده أبا القاسم لانكنيك أبا القاسم ولانلقبك بذلك عيناً والأول هو الذي ذهب إليه الأكثر لتسمية كثير من

стр. 12

السلف بذلك والتكني به ووجه القول الثالث قوله ﵌ للذي نادى يا أبا القاسم فإلتفت إليه ﵌ فقال لم أعنك يارسول الله فقال صلى الله عليه واله وسلم (تسموا بإسمي ولاتكنوا بكنيتي) ومنهم من أجاز ذلك بعد موته لافي حياته ﵌ لرفع هذاالمحذور والخلاف في المسألة أكثر من هذا وممن استوفى الكلام فيها القاضي أبوالفضل عياض في الأول وقد وردت آثار في فضل التسمية بمحمد ﵌ منها ما ذكر القاضي عياض عن شريح بن يونس أنه قال (إن لله ملائكة سياحين يكتبون عبادة كل دارٍ فيها أحمد ومحمد إكراماً لمحمد ﵌ قال وروي عن جعفر بن محمد (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ألاليقم من إسمه محمد فيدخل الجنة) الكرامة اسمه ﵌ وفي لفظ آخر (ينادي يوم القيامة يامحمد فيرفع رأسه في الموقف كل من اسمه محمد فيقول الله جلا جلاله أشهدكم أني قد غفرت لكل من اسمه على اسم محمد نبيي وروى ابن وهب في جامعه عن مالك سمعت أهل مكة يقولون (مامن بيتٍ فيه إسم محمد إلا ورزقوا) وعن مالك أيضاً قال قال ﵌ (ماضر أحدكم أن يكون في بيته محمدان أوثلاثة) وجاء (خيرالأسماء ماعبد أوحمد) وفي حمل خبر (تسموا باسمي ولاتكنوا بكنيتي) على الندب أو الإباحة تأويلان اهـ وفي المدخل عن الحسن البصري إن الله تعالى ليوقف العبد بين يديه اسمه أحمد أو محمد فيقول عبدى أما ستحييت أن تعصيني واسمك اسم حبيبي محمد قال فينكس العبد رأسه حياءً من الله تعالى ويقول اللهم إني قد فعلت فيقول الله تعالى ياجبريل خذ

стр. 13

بيد عبدي وأدخله الجنة فإني أستحي أن أعذب بالنار من اسمه اسم حبيبي اهـ وعلى جواز التسمية باسمه ﵌ فهل يقال بضم الميم الأولى أوبفتحها قال في جامع المعيار عن بعضهم إن التسمية بمحمد إنما هي بضم الميم الأولى وفتح الثانية على الموافقة للاشتقاق من الحمد قال وأما التسمية بمحمد بضم الميمين أوبفتحهما فلعله من باب التغيير صوناً للاسم الشريف أن يسمى به غيره وقوله وآله وصحبه والمقتدى معطوفات على محمد وفي الصلاة على غير الأنبياء ثلاثة أقوال بالجواز والمنع والكراهة قال: الإمام أبو عبد الله الأبي قال بعضهم الخلاف في الصلاة على غير الأنبياء إنما هو في الاستقلال نحو اللهم صل على فلان وأما بالتبع نحو اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته فجائز وعلى الجواز فإنما يقصد بها الدعاء لأنها بمعنى التعظيم خاصة بالأنبياء كخصوص بالله تعالى فلايقال محمد وإن كان عزيزاً جليلاً وكذاالسلام هوخاص به فلايقال أبوبكر ﵇ اهـ (فائدة) قال الإمام جلال الدين السيوطي قال ابن عبدالبر في الاستذكار لايجوز لأحدٍ إذا ذكر النبي أن يقول ﵀ لأنه قال (من صلى علي) ولم يقل (من ترحم علي) ولا (من دعا لي) وإن كان معنى الصلاة الرحمة ولكنه خص بهذا اللفظ تعظيماً له فلا يعدل إلى غيره ويؤيده قوله تعالى (لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) اهـ وفي العلقمي ماحاصله إنه يجوز الدعاء بالرحمة على سبيل التبعية لذكرالصلاة والسلام كمافي التشهد على وجه الإطناب والخطابة وأما على وجه الافراد كمايقال قال النبي ﵀ فلا شك في منعه وهو خلاف الأدب وخلاف المأمور به عند ذكره من الصلاة عليه ولاورد مايدل عليه البتة ورب شيء يجوزتبعاً ولايجوز استقلالاً قال وقول الأعرابي ارحمني ومحمداً قد يجاب عنه بأن الدعاء فيه بالرحمة على سبيل التبعية لماقبلها وأما حديث اللهم اغفر لي وارحمني ونحوه فذلك على سبيل التواضع منه لربه مع كونه سيق مساق التشريع للأمة ويجب علينا نحن أن نخصه بما يشير إلى تفخيمه وتعظيمه اللائق بمنصبه الشريف اهـ وآله أقاربه المؤمنون من بني هاشم وهو قول ابن القاسم ومالك وأكثر أصحابه،

стр. 14

وفيمن فوقهم إلى بني غالب قولان أما مافوق غالب فليسوا بآل وهو سيدنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب واسمه شيبة بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب وابن لؤي بن غالب بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عامر بن الياس بن مضر بن نزاربن معد ابن عدنان كذافي الصحيح وهو متفق عليه ومابعد عدنان إلى آدم مختلف فيه إلا أنهم اتفقوا على أن النسب يرفع إلى إسماعيل بن إبراهيم خليل الله تعالى وقد نظم الإمام ابن مرزوق بيتين رمز فيهما بالحرف الأول من كل كلمة إلى واحد من الآباء الكرام على ترتيبهم فقال: علقت شفيعاً هال عقلي قرانه كتاب مبين كسب لبي غرائبه فذا معشر نفسي كرام خلاصتي على الفهم مذنبل مجد عواقبه فالشين من شفيعاً لعبدالمطلب لأن اسمه شيبة والعين من عقلي لمدركة لأن اسمه عامر كما مر (فائدة) أخرج الطبراني في الأوسط عن أنس أن النبي قال (آل محمد كل تقي) وصحب اسم جمع وقيل جمع لصاحب كراكب وركب والمراد الصحابي وهو من اجتمع مؤمناً بمحمد سواء رآه أو لا كابن أم مكتوم الأعمى وهذا هو سرالتعبير بالاجتماع دون الرؤية قال بعضهم ولابدمن زيادة ومات على ذلك ليخرج من اجتمع به مؤمناً ثم ارتد ومات على ردته وردهذا بأن زيادة ذلك تقضي أن لاتتحقق الصحبة لأحدٍ في حياته وهو خلاف الإجماع بل عدم وصف المرتد بالصحبة بعد الردة لأن الردة أحبطتها بعدم وجودها له بالإيمان وعطف الصحب على الآل لتشمل الصلاة والسلام من اجتمعت له الصحبة والآلية كعلي ومن انفرد بالصحبة فقط وليس من الآل كعثمان ومن انفرد بالآلية دون الصحبة كزين العابدين وبين الآل والصحب عموم وخصوص من وجه يجتمعان وينفردان كمامثل والمقتدي والمتبع أي النبي ولشريعته. وَبَعْدُ فَالْعَونُ مِنْ الله الْمَجِيْد فِي نَظْمِ أَبْيَاٍت لِلاُمِّيِّ تُفِيدُ فِي عَقْدِ الآشْعَرِي وفِقْهِ مَالِكِ وَفِي طَرِيقِةِ الْجُنَيْدِ السَّالِكِ بعد ظرف قطع عما يستحقه من الإضافة فبني على الضم والمضاف إليه هنا ضمير

стр. 15

ما تقدم من الحمد والصلاة والسلام أواسم ظاهر والتقدير وبعد الحمد والصلاة المتقدمين أوبعد هذه الخطبة ولماعلم هذاالمضاف بقرينة ذكره أو لاحذفه اختصاراً وبني بعد على الضم لقطعه عن الإضافة لفظاً مع نيتها معنى فأشبهت الحروف لنقصها عن الدلالة وحدها وكذا يفعل بقبل ومنه لله الأمر من قبل ومن بعد وبنيتا على حركة لالتقاء الساكنين وكانت ضمة لأنها حركة لاتكون لهما حالة الاعراب لأنهما إما منصوبان على الظرفية وإمامجروران بمن قاله ابن مرزوق والعون والإعانة الظهور على الأمر والتقوي عليه وأتى بالفاء إما على توهم أماوإماعلى تقديرها في الكلام والمجيد صفة لله وهو الذي انتهى في الشرف وكمال الملك وإتساعه إلى غاية لايمكن المزيد عليها ولاالوصول إلى شيء منها (وقوله في نظم أبيات) أي على نظم لأن الاستعانة وماتصرف منها إنماتتعدى بعلى، والنظم لغة الجمع من نظمت العقدإذا جمعت جواهره على وجه يستحسن واصطلاحا الكلام الموزون الذي قصد وزنه فإرتبط لمعنى وقافية ووضع جمع القلة في قوله أبيات موضع جمع الكثرة وذلك كثير والأمي منسوب إلى الأمة الأمية التي هي أصل ولادة أمهاتها ولم تتعلم الكتابة ولاقراءتها وجملة تفيد للأمي صفة أبيات وقوله في عقد يحتمل الصفة لأبيات أوالحالية لوصفه بجملة تفيده فيتعلق بمحذوف واجب الحذف والأشعري بنقل حركة الهمزة للساكن قبلها للوزن وكذا للأمي وحاصل البيتين أن الناظم طلب من الله العون على نظم أبيات تنفع الأمي قراءتها وتفهم معانيها لاشتمالها على مايجب عليه تعلمه ولايسعه تركه من العقائد والفقه والتصوف وهومراده بطريقة الجنيد ﵁ ويأتي تفسير السالك في شرح قول الناظم في التصوف وحاصل التقوى اجتناب وامتثال البيتين وعقد مصدر عقديعقد إذا جزم وأضاف العقد إلى الأشعري لأنه واضع علم العقائد وهوالإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل بن بشر بن إسحق بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله وهو مالكي المذهب إليه تنسب جماعة أهل السنة ويلقبون بالأشاعرة والأشعرية وكانواقبل ظهوه يقلبون بالمثبتة إذ أثبتوامانفت المعتزلة وكان مذهب المعتزلة في وقت الأشعري شائعاً وكلمتهم عالية فكان الأشعري ﵀ يقصدهم للمناظرة في مجالسهم بنفسه فقيل له كيف تفعل ذلك وقدأمرت بهجرانهم فقال هم أولو الرئاسة منهم الولاة والقضاة فهم لرئاستهم لاينزلون إلي فإن لم أسر إليهم فكيف يظهر الحق ويعلم

стр. 16

أن لأهله ناصراً بالحجة وقدألف التصانيف لأهل السنة وأقام الحجج على إثبات السنن ومانفاه أهل البدع في صفاته تعالى ورؤيته وغيرذلك مماأنكروه من أمرالمعاد فلما كثرت تآليفه وانتفع بقوله وظهر لأهل العلم ذبه عن الدين تعلق أهل السنة بكتبه وكثرت أتباعه فنسبواإليه وسموا باسمه مولده سنة سبعين وقيل ستين ومائتين بالبصرة وتوفي سنة نيف وثلاثين وثلثمائة ببغداد ودفن بين الكوخ وباب البصرة وقد صنف الحافظ أبوالقاسم بن عساكر في مناقبه مجلداً اهـ من شرح نظم الإمام ابن زكرى لشيخ شيوخنا الإمام العالم العلامة المشهور ذي التآليف المفيدة العديدة والذكرالمنشور بالمشرق والمغرب بل وجميع المعمور سيدي أبي العباس أحمد بن علي الشهير بالمنجور وقدرأيت في آخر كتاب لحن العوام لأبي علي بن عمر بن خليل الأصولي الاشبيلي ثم التنسي أن الإمام أباالحسن الأشعري ﵁ ألف كتاب المحترق في التفسير في أربعمائة سفر قال وقد بلغت تآليفه ثلثمائةٍ وثمانين تأليفاً اهـ. ومراد الناظم بفقه مالك ماقاله مالك ﵁ أوقاله أحدمن أصحابه أومن بعدهم ممن يوثق به مما كان جارياًعلى قواعده وضوابطه وهو الإمام أبو عبدالله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي إمام دارهجرة رسول الله ومهبط الوحي وهو المعني في قول جمهور العلماء بقوله (يوشك أن يضرب للناس أكباد الإبل في طلب العلم فلايجدون عالماً أعلم من عالم المدينة) وإعتماده ﵁ على الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة وهم أعلم الناس بالناسخ والمنسوخ إذ كانت الأحكام تتجدد إلى وفاة رسول الله كان ﵁ موصوفاًبالعلم والديانة والاتباع والعقل والفضل وكمال الإدراك والفهم والإتقان أجمعت الأمة على إمامته وجلالته وعظيم سيادته وتبجيله وتوقيره والإذعان له في الحفظ والتثبيت وتعظيم حديث رسول الله لازم ابن هرمز خمس عشرة سنة من الغدو إلى الزوال مع ملازمته لغيره ومن كلامه ﵁ (العلم نفور لايأنس إلا بقلب تقي خاشع) وقال ليس العلم بكثرة الرواة وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب وقال (ينبغي للعالم إذاكان يشارإليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه ويعاتب نفسه إذا خلابها ولايفرح بالرئاسة فإنه إذاإضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله) ومن كلامه ﵁ (عليك بمجالسة من يزيد في علمك قوله ويدعوك إلى الآخرة فعله) أخذ عن تسعمائة شيخ

стр. 17

ثلثمائةٍ من التابعين وستمائةٍ من تابعيهم ممن إختاره وإرتضاه لدينه وفقهه وقيامه بحق الرواية ولد رضي الله سنة ثلاثٍ وقيل إحدى وقيل أربعٍ وقيل سبعٍ وتسعين من الهجرة وتوفي صبيحة يوم الأحد رابع عشرٍ ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائةٍ قال الإمام الشافعي ﵁ قالت لي عمتي ونحن بمكةً رأيت في هذه الليلة عجباً) فقلت (وماهو) قالت: كأن قائلاً يقول مات الليلة أعلم أهل الأرض (فحسبناتلك الليلة فإذا هي وفاة مالك وقال ابراهيم بن أبي يحيى) (نمت فرأيت الشمس قد كسفت وقد علت الأرض ظلمةٍ حتى أن الناس لاينظر بعضهم إلى بعض فقلت لرجل بجنبي أقامت القيامة فقال ولم لاتقوم وقد مات عالم الإسلام فقلت ومن هوقال مالك بن أنس فإنتبهت فزعاً فإذا به قد مات ﵁. ونقل الشيخ الجزولي في شرح الرسالة عن القنازعي أن بعض المحدثين أعمل فكرته فيماينبغي أن يتعلق به من الكتب المؤلفة في الحديث فالتزم الروضة المشرفة بكثرة الذكر والصلاة طمعاً في أن يرى النبي ﵌ فيسأله عن ذلك فكان يرغب إلى الله بأنواع الرغبة عندانقضاء كل ورد التزمه لذلك ودام على ذلك مدة ثلاثين شهراً فلماكانت ليلة عرفة وكانت ليلة جمعة ختم القرآن وإنضم إلى الروضة ووقف بإزاء رأس القبر الشريف وقال ياخير من أرسل بخير كتاب أنزل أقسمت عليك بمن اصطفاك وهدى الخلق بهداك إلا ماجمعت بين مرادي منك فرأى فيمايرى النائم الروضة قدرجعت على صورة الخباء وتعالت في الهواء مرفوعة الأطناب وقائلاً يقول أين المقسم على أنه يجمع له بين معرفةٍ وعرفة فدنوت من الروضة فإذا بثلاثة أشخاص فغلب علي الخجل والوجل مماعلاهم من النور والبهاء فههمت بالدنو منهم فأشار علي أحدهم أن تكلم مكانك وأشار إلى المتوسط وكان أبهاهم فقلت يارسول الله قد إختلفت على رواة حديثك فدلني فقال عليك بكتب مالك بن أنس فقلت واختلف علي الفقهاء فدلني فقال عليك بفقه مالك فقلت قد إختلفت على أصحابه فدلني عليك بما رواه عبدالرحمن بن القاسم فقلت يارسول الله إدع الله أن يرزقني شفاعتك فقال أغناك الله عنهابعملٍ يرضاه منك فدفعني دافع وقال لاتشغله بأكثرمن هذا فقمت وخرجت إلى عرفة فأدركتها قبل طلوع الفجر فكمل الله حجي اهـ وفضائله أكثر من أن تستقصى وإنماأشرنا إلى اليسير من ذلك على وجه التبرك به وقام بمذهبه بعد وفاته جماعة من أصحابه أشهرهم عبدالرحمن بن القاسم العتق المصري. وتوفي أبن القاسم عام إحدى وتسعين ومائةٍ وعمره ستون سنةً وأخذ عن إبن

стр. 18

القاسم جماعة منهم سحنون مؤلف المدونة واسمه عبدالسلام بن سعيد التنوخي توفي ﵀ سنة أربعين ومائتين رحم الله الجميع ونفعنا ببركاتهم. والجنيد ﵁ هو الإمام الشهير الجليل أبوالقاسم الجنيد بن محمد سيدالصوفية علماً وعملاً وإمامهم وأصله من نهاوند مثلث النون الأولى مفتوح الهاء بعدها ألف ثم واومفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة قال في القاموس بلد من بلاد الجبل جنوبي همذان وكان فقيهاً على مذهب أبي ثور، صحب السري والمحاسبي ومحمد بن علي القصاب ويحكى أن أباالعباس بن سريج اجتاز بمجلسه فسمع كلامه فقل له ماتقول في هذا فقال لاأدري ماأقول ولكن أرى لهذا الكلام صولةً ليست بصولة مبطل ثم صاحبه ولازمه وكان إذا تكلم في الأصول والفروع أذهل العقول ويقول هذا ببركةٍ مجالسة أبي القاسم الجنيد وقيل لعبدالله بن سعيد ابن كلاب إنك تتكلم على كلام كل أحد وهنارجل يقال له الجنيد فإنظر هل تعترض عليه أم لافحضر حلقته يوماً فسأل الجنيد عن التوحيد فأجابه فتحير عبدالله وقال له أعد علي ماقلت فأعاده ولكن لابتلك العبارة فقال عبد الله هذا شيء ملم أحفظه أعده علي مرةً أخرى فأعاده بعبارةٍ أخرى فقال له ليس يمكنني حفظ ماتقول ولكن أمله علي فقال له إن كنت أجزته فأناأمليه عليك فقام عبد الله وقال بفضله واعترف بعلو شأنه ومن كلامه ﵁ الطريق إلى الله تعالى مسدود على خلقه إلا على المقتفين آثار رسول الله ﵌ ومن لم يحفظ القرآن وكتب الحديث لم يقتد به في هذاالأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة وقال إني لتخطر ببالي النكتة فلا أقبلها إلا بشاهدي عدلٍ من الكتاب والسنة وقال ﵁ رأيت في المنام أني أتكلم على الناس فوقف علي ملك فقال ماأقرب ماتقرب به المتقربون إلى الله تعالى فقلت عمل خفي بميزان وفي قولي وهويقول كلام موفق والله توفي ﵁ سنة سبعٍ وتسعين ومائتين. *****

стр. 19

مقدمة لكتاب الاعتقاد معينة لقارئها على المراد ذكرفي هذه الترجمة الحكم العقلي وأقسامه وأول مايجب على المكلف وشروط التكليف وجعل ذلك مقدمة لكتاب الاعتقاد لأن مدار الاعتقادات على الحكم العقلي بأقسامه الثلاث وهي أول واجب في الجملة ولايخاطب بواجب ولاغيره إلا البالغ العاقل كماذكر في الترجمة الثالثة الحكم الشرعي وأقسامه وجعله مقدمة لمابعده من فروع الفقه لإنقسامها إلى واجب غيره من أقسام الحكم الشرعي فتأكدت لذلك معرفة الحكم الشرعي وأقسامه وترك الكلام على الحكم العادي لما لم يتوقف على معرفته شيء مماذكر بعد ومقدمة بكسرالدال بمعنى متقدمة من قدم اللازم بمعنى تقدم وبفتحها من قدم المتعدي بمعنى أن الغير قدمها وفي مختصرالسعد والمقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه من قدم بمعنى تقدم يقال مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع في مسائله ومقدمة الكتاب لطائفة من كلامه قدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بهافيه والفرق بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب مماهوخفي على كثيرٍ من الناس اهـ ومقدمة خبر مبتدأ محذوف أي هذه مقدمة ومعينة صفة لها والله أعلم. وَحكْمُنا العَقْلِى قَضِيَّةٌ بِلاَ وَقْفٍ عَلَى عَادَةٍ أَوْ وضْعٍ جَلاَ اعلم أن من أدرك أمراً من الأمور فإن تصور معناه فقط ولم يحكم بثبوته لأمرٍ ولابنفيه عن أمرسمى هذا الإدراك في الاصطلاح تصوراً كإدراكنا مثلاً أن معنى الحدوث الوجود بعد العدم من غير أن نثبته لأمرٍ ولاأن ننفيه عنه وإن تصورمع ذلك ثبوت ذلك المعنى لأمرٍ أونفيه عنه فهذاالإدراك يسمى في الاصطلاح حكماً ويسمى تصديقاً كإثباتناالحدوث مثلاً بعد تصورنا لمعناه للعوالم وهي ماسوى المولى ﵎ فنقول العوالم حادثةً أونفيناله عمن وجب قدمه وهو مولانا جل وعز فنقول مولانا تعالى ليس بحادثٍ فإثبات أمر لأمرٍ أونفيه عنه هو المسمى حكماً وهومراد الناظم بالقضية والله أعلم. ثم اعلم أن الحكم ينقسم إلى ثلاثة أقسام شرعي وعادي وعقلي وذلك أن الثبوت أوالنفي اللذين في الحكم إن أسنداإلى الشرع بحيث لايمكن أن يعلما إلا منه فهو الحكم الشرعي ولذا نسب إلى الشرع كقولنا في الإثبات الصلوات الخمس واجبة وقولنافي النفي صوم يوم عاشوراء ليس بواجب وإن لم يستند إلى الشرع فإن كفى العقل في إدراكه من غير أن يحتاج إلى تكرر ولا اختبار فهو الحكم العقلي ولماتوصل إليه العقل من غير أن يتوقف على شيء آخر نسب إلى العقل وذلك كقولنا في الإثبات (العشرة زوج) وفي النفي (السبعة ليست بزوج) وإن لم يستند النفي أوالإثبات اللذان في الحكم

стр. 20

إلى شرع ولاكفى العقل في التوصل إليهما بل احتاج إلى تكرر واختيار وعادةً فهوالحكم العادي نسب إلى العادة لأن بهاتول إليه لابشرعٍ ولابعقلٍ وذلك كقولنا في الإثبات شراب السكنجبين مسكن للصفراء وفي النفي الخبز الفطيرليس بسريع الإنهضام ثم ينقسم هذا العادي إلى قسمين عادي قولي كرفع الفاعل ونصب المفعول ونحو ذلك من الأحكام النحوية أواللغوية وعادي فعلى كالمثالين المذكورين فقول الناظم قضية كالجنس يشمل جميع أقسام الحكم وقوله بلا وقفٍ على عادة فصل أخرج به الحكم العادي فإنه لم يثبت إلا بواسطة التكرير والتجربة حتى عرف أنه ليس باتفاق. قال في شرح المقدمات فإن قلت هانحن نثبت لشراب السكنجبين تسكين الصفراء تقليداً للأطباء وإن لم يتكررعندنا ولاجربناه قلت إنما أثبتنا له هذا الحكم بواسطة التجربة التي صدقنا فيها الأطباء وليس من شرط التكرروالتجربة في الحكم العادي أن يكون من كل أحدٍ بل هو المستند لثبوت الحكم العادي وإن حصل من البعض الموثوق بتجربته وقوله أو وضع أي جعل عطف على عادة وهو فصل أخرج به الحكم الشرعي قال في شرح المقدمات فإن قلت كيف يصح أن يقال في الحكم الشرعي أنه حصل بالوضع والجعل وهو خطاب الله تعالى وكلامه القديم والقديم ليس بوضع ومجعول قلت المراد بالحكم الشرعي هنا التعلق التنجيزي لخطاب الله القديم بأفعال المكلفين بعد وجودهم وتوفر شروط التكليف فيهم وهذا التعلق ليس بقديم والقديم إنما هوكلام الله تعالى وتعلقه العقلي الصلاحي بالمكلفين في الأزل وإطلاق الحكم الشرعي على التعلق التنجيزي الحادث مشهورعند الفقهاء والأصوليين اهـ. أَقْسامُ مُقْتَضاهُ بِالْحَصْرِ تُمازْ وهِيَ الْوجُوبُ اِلاستِحالَةُ الْجَوازْ فَوَاجِبٌ لاَ يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحالْ ومَا أبَى الثّبُوتَ عَقْلاً الْمُحَالْ وجَائِزاً مَاقَبْلَ الأَمْرَيْنِ سِمْ ولِلضَّرورِيْ والنَّظَرِي كُلُّ قُسِمْ أخبر أن أقسام مقتضى الحكم العقلي تتميز وتتبين بالحصر وتلك الأقسام هي الوجوب والإستحالة والجواز وبيان الحصر في الثلاثة أن كل مايحكم به العقل إماأن يقبل الثبوت والانتفاء معاًأويقبل الثبوت فقط أو يقبل الانتفاء فقط فالأول هوالجائز ويسمى الممكن أيضاً والثاني الواجب والثالث المستحيل وإنما قال أقسام مقتضاه أي متعلقه ولم يقل أقسامه لأن الحكم العقلي ليس نفس هذه الثلاثة المذكورة فلاتكون أقساماً له لأن من شرط القسمة صدق اسم المقسوم على كل واحدٍ من

стр. 21

أقسامه ولايصدق على الوجوب أوالاستحالة أوالجواز اسم الحكم وإنما يصدق عليهاأنهامحكوم بها قوله فواجب إلخ أخبرأن الواجب هومالايقبل النفي أصلاً بحيث لايدرك العقل عدمه وأن المحال هو ماامتنع ثبوته في العقل بحيث لايدرك العقل ثبوته ووجوده وأن الجائز ماقبل النفي والثبوت بحيث لايدرك العقل وجوده وعدمه فاللام في الأمرين للعهد والمعهود النفي والثبوت وجائزاً مفعول أول لسم وهوفعل أمرمن وسم بسم سمة من السمة وهي العلامة وماقبل مفعول ثانٍ لسم على حذف الباء أي علم الجائز بماقبل الأمرين معاً النفي والثبوت قوله للضروري والنظري كل قسمٍ يعني أن كل قسمٍ من الثلاثة المتقدمة ينقسم إلى ضروري وهومايدرك ثبوته أونفيه إبتداءً بلا تأمل وإلى نظري وهو مايدرك بعدالتأمل فمثال الواجب الضروري التحيز للجرم وهوأخذه قدر ذاته من الفراغ فإن ثبوت هذا المعنى له لايفتقرإلى تأمل وكذا كون الاثنين أكثر من واحدومثال الواجب النظري ثبوت القدم لمولانا جل وعز فإنه لايتصور في العقل نفيه عنه تعالى ولكن لايدرك ذلك إبتداءً من غير تأملٍ بل بعد التأمل فيمايترتب على نفيه من المستحيلات كالدور والتسلل وتعدد الإله وتخصيص كل واحدٍ منهم بنوع من الممكنات بلامخصص ونظيره في الوجوب النظري كون الواحد ربع عشر الأربعين ومثال المستحيل الضروري تعري الجسم عن الحركة والسكون معاً أي تجرده عنهما بحيث لايوجد فيه واحدٍ منهمافإن العقل إبتداءً لا يتصور ثبوت هذاالمعنى للجرم ومثال المستحيل النظري كون الذات العلية جرماً تعالى الله عن ذلك فإن استحالة هذا المعنى عليه جل وعز إنما يدركه العقل بعد أن يسبق له النظر فيمايترتب على ذلك من المستحيل وهوالجمع بين النقيضين وذلك أنه قد وجب لمولانا جل وعز القدم والبقاء لئلا يلزم الدور والتسلسل لوكان تعالى حادثاً فلوكان جرماً لوجب له الحدوث لماتقرر من وجوب الحدوث لكل جرمٍ فلزم إذن لوكان تعالى جرماً أن يكون واجب القدم لألوهيته واجب الحدوث لجرميته تعالى عن ذلك وذلك جمع بين النقيضين لامحالة ومثل الجائز الضروري إنصاف الجرم بخصوص الحركة مثلاً فإن العقل يدرك إبتداء صحة وجودها للجرم وصحة عدمها له ومثال الجائز النظري تعذيب المطيع الذي لم يعص الله قط فإن ذلك

стр. 22

في الإبتداء قد ينكرالعقل جوازه بل يتوهمه مستحيلاً كماتوهمته المعتزلة وأمابعدالنظر في وحدانيته تعالى وإنفراده بخلق جميع الممكنات وإرادتها بلا واسطة خيراً كان أوشراً وأن الأفعال كلها بالنسبة إليه تعالى سواء لانفع له في طاعةٍ ولاضرر ولانقص يلحقه جل وعلا بكفر كافرٍ أومعصية عاصٍ ولاحرج عليه ولاحكم لأحد عليه فتعلم حينئذٍ على القطع إنمايترتب منه سبحانه على الكفر من العذاب الأليم وعلى الطاعة من النعيم المقيم لوعكس تعالى في ذلك أولم يرتب جل وعلا عليهما شيئاً أصلاً لم يلزم على ذلك بالنظر إلى حقيقة الطاعة والكفر والمعصية نقص ولامحال أصلاً قال في شرح الصغرى واعلم إن الحركة والسكون للجرم يصح أن يمثل بهمالأقسام الحكم العقلي الثلاثة فالواجب العقلي ثبوت أحدهما لابعينه للجرم والمستحيل نفيهما معاً عن الجرم والجائز ثبوت أحدهما بالخصوص للجرم واعلم أن معرفة هذه الأقسام الثلاثة وتكريرها وتأنيس القلب بأمثلتها حتى لايحتاج الفكر في إستحضارمعانيهاإلى كلفةٍ أصلاً مماهو ضروري على كل عاقلٍ يريدأن يفوز بمعرفة الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام بل قال إمام الحرمين وجماعة إن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل فمن لم يعرف معانيها فليس بعاقل اهـ (تنبيهان) الأول المراد بالواجب المذكورهوالواجب الذاتي وأما الواجب العرضي وهومايجب لتعلق علم الله تعالى به كتعذيب أبي جهل فإنه بالنظرإلى ذاته جائزيصح في العقل وجوده وعدمه وبالنظر إلى ماأخبربه الصادق المصدوق صلاة الله وسلامه عليه من إرادة الله تعالى لعذابه هو واجب لايتصورفي العقل عدمه وإنما لم يقيد الناظم الواجب بكونه ذاتياً لأنه عند الإطلاق لايحمل إلا على الذاتي ولايحمل على العرضي إلا بالتقييد على أنه لايبعدأن يكون تساهل في حذف مايدل عليه من هذا القسم إعتماداً على ماأثبته في الثاني حيث قال وماأبى الثبوت عقلاً فيكون معنى قوله هنافواجب أي عقلاً ولاإشكال بعد هذا في حذفه من قسم الجائز لاسيماوالتقسيم إنماهوفي الحكم العقلي وماوجب أواستحال أوجازعقلاً فهوالذاتي وكذلك المستحيل المذكورهوأيضاً الذاتي وأماالمستحيل لعارضٍ منفصلٍ عنه فهومن قبيل الجائز كاستحالة إيمان أبي لهب فإنهالماعرض لإيمانه من إرادة الله تعالى لعدمه والمراد بالجائز أيضاً مايصح في العقل وجوده وعدمه أي لايلزم من هذين التقديرين فيه محال لذاته ويدخل فيه ثلاثة أقسام الأول الجائز المقطوع بوجوده كاتصاف الجرم المطلق بخصوص البياض وخصوص الحركة ونحوها وكالبعث والثواب والعقاب ونحو ذلك وهذا هو الواجب العرضي.

стр. 23

الثاني الجائزالمقطوع بعدمه كإيمان أبي لهب وأبي جهل ودخول الكافرين الجنة ونحوذلك وهذاهوالمستحيل العرضي. الثالث المحتمل للوجود والعدم كقبول الطاعات وفوزنا بحسن الخاتمة وسلامتنا من عذاب الآخرة ونحوذلك وإنماقالوا لايترتب على تقديروجوده ولاعلى تقديرعدمه محال لذاته أي بالنظر إلى ذات ذلك الجائز أي حقيقته ليدخل فيه القسمان الأولان وهما المقطوع بوجوده والمقطوع بعدمه فإن كل واحدٍ منهمابالنظر إلى ذاته لايلزم محال في وجوده ولاعدمه ولونظرناإلى ماتعلق بهما من أخبارالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام لترتب حينئذٍ على عدم الأول ووجود الثاني أمرمحال وهوالكذب والخلف في خبرمن يستحيل عليه ذلك وليس المرادبالجائزهنا ماأذن الشرع في فعله وتركه فيكون مرادفاً للمباح كالبيع والنكاح ونحوهما ولاماأذن في فعله وإن لم يأذن في تركه فيكون أعم من المباح لصدقه على الواجب والمندوب وحاصل هذا التنبيه أن المراد بالواجب الواجب لذاته لالعارضٍ وبالمستحيل المستحيل لذاته لالعارضٍ وبالجائزالجائز لذاته وإن عرض وجوبه بإخبارالشارع بوقوعه وهوالواجب العرضي أوعرضت إستحالته بإخبارالشارع بعدم وقوعه وهوالمستحيل العرضي وليس المرادبالجائز المباح أوالمأذون في فعله (التنبيه الثاني) قدتقدم في تقسيم الحكم بعض الكلام على الحكم العادي وأن الناظم لم تدعه حاجةٍ لذكره ولابدمن زيادة بعض الكلام فيه لتشوف النفس عندالتقسيم إلى معرفة جميع الأقسام فأقول قال في المقدمات وأماالحكم العادي فهوإثبات الربط بين أمرٍ وأمرٍ وجوداً أوعدماً بواسطة التكررمع صحة التخلف وعدم تأثير أحدهما في الآخر ألبتة قال في شرحها يعني أن الحكم العادي هوإثبات الربط بين وجودأمرٍ وعدمه وبين وجود أمرٍ آخر فقولنا وجوداً أوعدماً راجع لكل واحدٍ من الأمرين لا لأحدهما فقط إذ لوكان كذلك مادخل تحت هذاالكلام جميع الأقسام الأربعة الآتية وإحترز بقوله التكرر من الربط بين أمرين عقلاً أوشرعاً كالربط العقلي بين قيام العلم بمحل وبين كون ذلك المحل عالماً وكالربط الشرعي بين زوال الشمس ووجوب صلاة الظهر مثلاً فهذان الربطان لايسمى واحد منهما عادياً لعدم توقفه على تكرروأماقولنا مع صحة التخلف وعدم تأثير أحدهما في الآخر ألبته فلم نذكره لبيان حقيقة الحكم العادي بل التنبيه على تحقيق علم ودفع جهالةٍ ابتلى بها الأكثر في الأحكام العادية حتى توهموا أنه لامعنى للربط الذي حصل في الحكم العادي إلا ربط اللزوم الذي لايمكن

стр. 24

معه الانفكاك كاللزوم العقلي أوربط التأثير من أحدهما في الآخرر فنبهنا بهذه الجملة على أن الربط الذي حصل في الحكم العادي إنماهوربط اقتران ودلالة جعلية لاربط لزوم عقلي ولاربط تأثيرمن أحدهما في الآخر فأشرنا إلى عدم الربط فيه بطريق اللزوم الذي يشبه اللزوم العقلي بقولنامع صحة التخلف وفيه تنبيه على جهالة من فهم أن الربط في العاديات بطريق اللزوم الذي لايصح معه التخلف فأنكربسبب هذه الجهالة البعث وإحياء الميت في القبروالخلودفي النارمع استمرارالحياة لأن ذلك كله على خلاف العادة المستمرة في الشاهد والربط المقترن فيها لايصح فيه التخلف عندهم وأشرنا إلى عدم الربط فيه بطريق التأثيربقولناوعدم تأثيرأحدهما في الآخر ألبته وقديقال إن ذكرهذين القيدين في تعريف الحكم العادي إنماهولإفادة معرفته بناءً على أن الجهل بصفة حقيقية، وإثبات ضدها لتلك الحقيقة موجب للجهل بها وهومذهب الشيخ أبي عمران الفارسي ﵁ في المسألة المشهورة بالخلاف وهي الجهل بصفات المولى ﵎ وإثبات ضدهابمالايليق به جل وعلا كإثبات الجسمية له والجهة ونحوذلك مماهومستحيل عليه تعالى هل يصدق على معتقدذلك أنه جاهل بالمولى ﵎ أم لا والأظهر أنه جاهل به جل وعلا كماإختار أبوعمران ﵀ فعلى هذامن جهلٍ صفة الحكم العادي بأنه ربط اقتران جعلى يصح فيه التخلف واعتقد لجهله أن الربط فيه ربط تأثيرأولزوم ولايمكن فيه التخلف فإنه يصدق عليه أنه جاهل بالحكم العادي بناءً على هذا القول الأظهر أن الجهل بالصفة جهلٍ بالموصوف فإسقاط هذين القيدين إذاً من تعريف الحكم العادي قديخل بمعرفته قال في المقدمات أيضاً وأقسامه أربعة ربط وجود بوجود كربط وجودالشبع بوجود الأكل وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل قال وربط وجودبعدم كربط وجود الجوع بعدم الأكل وربط عدم بوجود كربط عدم الجوع بوجود الأكل في الشرح قد عرفت أن الربط بين أمرين في الحكم العادي يصح في وجود كل واحدٍ منهماوعدمه فلزم انقسام الربط إلى أربعة أقسام من ضرب إثنين وهماوجود أحدالأمرين وعدمه في اثنين وهماوجود الأمرالآخر وعدمه اهـ. محل الحاجة (تتمه) كما إنقسم الحكم العقلي إلى ضروري ونظري فكذلك الحكم العادي فمثال الضروري من الحكم العادي حكمنا بأن النار محرقةٍ وأن الثوب ساترونحوذلك ومثال النظري منه كون شراب السكنجبين مسكناً للصفراء والخبزالفطير ليس بسريع الإنهضام ونحوذلك وأكثر أحكام أهل الطب عادية نظرية وكذلك الشرعي ينقسم إلى ضروري ونظري وسيأتي

стр. 25

أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ كُلِّفَا مُمْكِّناً مِنْ نَطَرٍ أنْ يَعْرِفَا الله وَالرُّسُلَ بِالصِّفَاتِ مِمَّا عَلَيْهَا نَصَبَ الآيَاِت أخبرأن أول مايجب على المكلف وهوالعاقل البالغ حالة كونه ممكناً من النظرمعرفة الله تعالى ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام بالصفات التي نصب الله تعالى عليها الآيات أي أقام عليها البراهين والأدلة إذ الجهل بالصفة جهل بالموصوف كمامر قريباً وإنما قال ممكناً من نظرٍ ليتحرز به عن المكلف إذالم يتمكن من النظر لمفاجأة الموت له عقب البلوغ فلاتجب عليه المعرفة إذ لايتوصل لهاإلا بالنظروالفرض أنه لم يتمكن منه وكون المعرفة أول واجبٍ هو أحد أقوال في المسألة قال في شرح الكبرى مامررناعليه في هذه العقيدة من أن أول واجب النظر هومذهب جماعةٍ منهم الشيخ الأشعري وذهب الأستاذ وإمام الحرمين إلى أن أول واجبٍ القصد إلى النظر أي توجيه القلب إليه بقطع العلائق المنافية لهاومنها الكبروالحسد والبغض للعلماء الداعين إلى الله سبحانه، وتطهيرالقلب من هذه الأخلاق أول هداية الله للعبد وقال القاضي أول واجب أول جزءٍ من النظروقيل أول واجب المعرفة ويعزى للشيخ أيضاً وهوفي الحقيقة غير مخالفٍ لماقبله لأنه نظر إلى أول مايجب مقصداً وغيره نظر إلى أول مايجب إمتثالاً وأداء وإنمااخترنا من هذه الأقوال القول بأن أول واجب النظر لتكررالحث على النظر في الكتاب والسنة حتى كأنه مقصد بخلاف ماقبله من الوسائل فإنماأخذ من قاعدة أن الأمر بالشيء أمربمايتوقف عليه من فعل المكلف وفي تلك القاعدة نزاع اهـ قوله ممكناً من نظرالنظرقال ابن العربي هوالفكرالمرتب في النفس على الطريقة تفضى إلى العلم يطلب به من قام به علماً في العلميات أوغلبة ظنٍ في المظنونات وقال البيضاوي حقيقة النظر ترتيب أمورمعلومة على وجه يؤدي إلى إستعلام ماليس بمعلوم وقيل غيرذلك وهل الربط بين الدليل والنتيجة عادي فيمكن تخلفه أوعقلي

стр. 26

فلا يمكن عند نفي الآفات العامة كالموت ونحوه التخلف أوبالتولدأوبالإيجاب أربعة أقوال الأول مذهب الأشعري والثاني إمام الحرمين وهو الصحيح وللقاضي القولان والثالث مذهب المعتزلة والرابع مذهب الحكماء. قوله أن يعرفاالمعرفة هي الجزم المطابق عن دليل وللشيخ في شرح الكبرى تقسيم عجيب لابد من إيراده لمسيس الحاجة إليه وإشتماله على فوائدٍ قال ﵀ أعلم أن الحكم الحادث ينشأ عن أمورٍ خمسةٍ علم وإعتقاد وظن وشك ووهم لأن الحاكم بأمرٍ على أمرٍ ثبوتاً أونفياً إماأن يجدفي نفسه الجزم بذلك الحكم أولا والأول إماأن يكون لسببٍ وأعني به ضرورةً أوبرهاناً أولا وغيرالجزم إماأن يكون راجحاً على مقابله أومرجوحاً أومساوياً فأقسام الجزم إثنان وأقسام غيرالجزم ثلاثةً ويسمى الأول من قسمي الجزم علماً ومعرفةً ويقيناً والثاني اعتقاداً ويسمى الأول من أقسام غير الجزم ظناً والثاني وهماً والثالث شكاً فإذا عرفت هذافالإيمان إن حصل عن أقسام غيرالجزم الثلاثة فالاجماع على بطلانه وإن حصل عن القسم الأول من قسمي الجزم وهو العلم فالإجماع على صحته وأما القسم الثاني وهو الاعتقاد فينقسم قسمين مطابق في نفس الأمر ويسمى الاعتقاد الصحيح كاعتقاد عامة المؤمنين المقلدين وغير مطابق يسمى الإعتقاد الفاسد والجهل المركب كاعتقادالكافرين فالفاسد أجمعوا على كفرصاحبه وأنه اثم غير معذور مخلدفي الناراجتهد أو قلد ولايعتدبه بخلاف من خالف في ذلك من المبتدعة واختلفوا في الاعتقاد الصحيح الذي حصل بمحض التقليد فالذي عليه الجمهور والمحققون من أهل السنة كالشيخ الأشعري والقاضي والإستاذ وإمام الحرمين وغيرهم من الأئمة أنه لايصح الإكتفاء به في العقائد الدينية وهو الحق الذي لاشك فيه وقدحكى غيرواحدٍ الإجماع عليه وكأنه لم يعتدبه بخلاف الحشوية وبعض أهل الظاهرإما لظهورفساده وعدم متانة علم صاحبه أو لإنعقادإجماع السلف قبله على ضده وقد حصل ابن عرفة في المقلد ثلاثة أقوال الأول أنه مأمن غيرعاصٍ بترك النظر الثاني أنه مؤمن لكنه عاصٍ إن ترك النظرمع القدرة.

стр. 27

الثالث إنه كافر، ثم قال وبالجملة فالذي حكاه غير واحدٍ عن جمهورأهل السنة ومحققيهم أن التقليد لايكفي في العقائد ولهذا قال ابن الحاجب في العقيدة المنسوبة له بعد قوله إن الإيمان هوالتصديق وهو حديث النفس التابع للمعرفة على الأصح قال ولايكفي التقليد في ذلك على الأصح اهـ وإلى القسم الأول من قسمي الجزم وهو الجزم المطابق عن دليل أشارالناظم بقوله أن يعرف الله والرسل إذ هوالمسمى معرفةً كمامر وسيب الخلاف في الاكتفاء بالتقليد وعدمه هوهل المعرفة واجبة على الكفاية أوعلى الأعيان فالمعرفة واجبة في الجملة بإجماع وهل على الكفاية بحملهامن قام بها وغيره يكفيه التقليد أوهي واجبة على الأعيان فتجب المعرفة على كل واحدٍ ولايكفي التقليد في المسألة قولان وكل من يقول يقول ادعى الإجماع لنقض ماادعاه مخالفةً وإلى ذلك أشارالإمام ابن زكرى بقوله فصل وقد وجب بالإجماع معرفة الله بلا نزاع وفي وجوبها على الأعيان أوالكفاية لهم قولان لا يكتفي الأول بالتقليد ويكتفي الثاني بلا ترديد كل حكى الإجماع في نقيض ما قد ادعاه خصمه ملتزما قوله بالصفات وهو جمع صفة والصفة والوصف بمعنى واحد عند أهل العربية وأما عند المتكلمين فالوصف قول الواصف والصفة المعنى القائم بالموصوف وهوالمرادهنا. قوله مماعليه نصب الآيات. يتعلق بمحذوف صفة أوحال للصفات ومفهومه أنه لايجب المعرفة بمالم ينصب عليه دليل من الصفات وهوكذلك وهذاالمفهوم كقول الإمام السنوسي في شرح الصغرى صفات مولانا جل وعز الواجبة له لاتنحصرفي العشرين إذ كمالاته لانهاية لهالكن العجزعن معرفة مالم ينصب عليه دليل عقلي ولانقلي لانؤاخذبه بفضل الله تعالى. وَكُلُّ تكْليفٍ بِشرْطِ الْعَقْلِ مَعَ الْبُلُوغِ بِدمٍ أوْ حَمْلِ أَوْ بِمَني أو بِإِنْباتِ الشّعْرِ أَوْ بِثَمانِ عَشْرَةٍ حَوْلاً ظَهَرْ اعلم أنه اختلف في التكليف فقيل هوإلزام مافيه كلفة وقيل طلب مافيه كلفة ويجري على القولين الندب فهوتكليف على الثاني دون الأول وللتكليف ثلاثة شروط. الأول العقل وهو قوة مهيئة لقبول العلم وقيل قوة يكون بها التمييز بين الحسن

стр. 28

والقبيح. وقال صاحب القاموس الحق أنه نور روحاني به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية وابتداء وجوده عند اختتان الولد ثم لايزال ينموإلى أن يكمل عند البلوغ اهـ وقال بعضهم اختلف الناس في العقل من جهاتٍ شتى هل له حقيقة تدرك أم لا وعلى أن له حقيقة تدرك هل هو جوهر أوعرض قولان وهل محله الرأس أوالقلب قولان وهل العقول متفاوته أو متساوية قولان وهل هو اسم جنس أوجنس أونوع أقوال ثلاثة فهذه أحد عشر قولاً ثم القائلون بالجوهرية والعرضية اختلفوا في رسمه على أقوال شتى أعد لها قولان قال أصحاب العرض هو ملكة النفس بها يستعد للعلوم والإدراكات وقال أصحاب الجوهر جوهر لطيف تدرك به الغائبات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدات خلفه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب. الثاني من شروط التكاليف البلوغ وهوكما قال الإمام أبوعبدالله المازري قوة تحدث في الصبي يخرج بها عن حالة الطفولية إلى حال الرجولية وتلك القوة لايكاد يعرفها أحد فجعل الشارع لها علامات يستدل بها على حصولها اهـ والعلامات خمس ثلاث يشترك فيها الذكروالأنثى أولها الاحتلام وهو خروج المني ابن شاس ويثبت الاحتلام بقوله إن كان ممكناً إلا أن تعارضه ريبةً والثانية إنبات الشعر أي شعر الوسط والمراد به الخشن لاالزغب ابن العربي ويثبت بالنظر إلى مراة تسامت محل الإنبات ابن عرفة أنكر هذاعزالدين وقال هو كالنظر إلى عين العورة وكذا ابن القطان المحدث. والثالثة السن واختلف في حده والمشهور وعليه اقتصر الناظم ثمان عشرة سنة وقيل سبع عشرة وقيل خمس عشرة واثنتان تختص بهما الأنثى وهما الحيض والحمل ابن ناجي في عد الحمل نطر لأنه لايكون إلا بعد سبقية الإنزال من المرأة فهوراجع إلى الاحتلام وزاد الشهاب القرافي في العلامات رائحة الإبطين وزاد غيره فرق الأرنبة من الأنف وبعض الطبائعيين غلظ الصوت البرزلي ومن ذلك أن يأخذ خيطاً ويثنيه ويديره برقبته ويجمع طرفيه في أسنانه فإن دخل رأسه فإن دخل رأسه منه فقد بلغ وإلا فلا ولاإشكال في العلامات المذكورة بالنسبة إلى الشخص الذي تمخضت ذكورته أوأنوثته وأما الخنثى فإن غلبت ذكورته فله حكم الذكر أوأنوثته فله حكم الأنثى وإن كان مشكلاً فله حكم الاحتياط فتجري فيه العلامات الخمس. الثالث من شروط التكليف بلوغ دعوة النبي وأسقط الناظم هذا الشرط لعدم الحاجة إليه بسبب دعوته لكل أحد والله تعالى أعلم.

стр. 29

أم القواعد، وماانطوت عليه من العقائد ذكر الناظم في هذه الترجمة القاعدة الأولى من قواعدالإسلام الخمس وهي الشهادتان ومااشتملت عليه من العقائد فبدأ بذكرالعقائد وبراهينها ثم ذكرأن جميعها مندرج في كلمة التوحيد ولماكانت بقية القواعدالأربعة المذكورة بعدهامبنية عليها ولايصح شيء منها إلا بعدوجودها كمايصرح به في قوله بعد وهي الشهادتان شرط الباقيات سماها أم القواعد أي شرطاً شرعياً لصحة بقية القواعد كماأن وجود الأم شرط عادي في وجودالولد والكتاب مصدركتب يكتب كتابة وكتاباً ومادة كتب تدل على الجمع والضم ومنه الكتيبة استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء ومسائل والضم فيه بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة بالنسبة إلى المعاني المرادمنها مجاز وكتاب خبرمبتدأ محذوف أي هذا كتاب والمشار إليه بالمبتدء المحذوف هو الكلام المذكور في الترجمة من أولها إلى آخرها أي هذاالكلام بجمع القاعدة الأولى وماانطوت عليه أي اشتملت عليه من عقائد الإيمان فقوله وماانطوت عطف على أم وسيأتي إن شاء الله بيان اشتمال الشهادتين على جميع العقائد حيث تعرض له الناظم بقوله وقوله لاإله إلا الله محمدأرسله الإله يجمع كل هذه المعاني يُجِبُ لله الْوُجُودُ وَالْقِدَمْ كَذَا الْبَقَاء وَالْغِنَى الْمُطْلَقُ عَمْ وَخُلُفُهُ لِخَلْقِهِ بِلاَ مِثَالْ وَوَحْدَةُ الذَّاتِ وَوَصْفٍ وَالْفِعَالْ وَقُدْرَةٌ إِرَادَةٌ عِلْمٌ حَيَاةْ سَمْعٌ كَلاَمٌ بَصَرٌ ذِي وَاجبِاتْ وَيَسْتَحِيلُ ضِدُّ هَذِهِ الصِّفاتْ بَعَدمُ الْحُدُوثُ ذَا لِلْحادِثَاتِ كذَاَ الْفَنَا وَالاِفْتِقَاُر عُدَّهْ وَأنْ يُمَاثِلُ وَنَفْىُ الْوحْدَهْ عَجْزٌ كَرَاهَةٌ وَجَهْلٌ وممَات وَصَمَمٌ وَبَكَمٌ عَمَي صُمات يَجُوزُ فِي حَقِّهِ فِعْلُ الْمُمْكِناتِ بأَسْرِهَا وَتَرْكهَا فِي الْعَدَمَاتِ لما ذكرالناظم في مقدمة كتاب الاعتقاد أن معرفة الله تعالى بالصفات التي قام الدليل عليها واجبة شرع هنا في ذكرتلك الصفات وقسمها كغيره إلى ثلاث أقسام قسم واجب في حقه تعالى بمعنى أن وصفه تعالى به واجب عقلاً لايتصور في العقل عدمه

стр. 30

وقسم مستحيل عليه تعالى بمعنى أن وصفه تعالى به محال عقلاً لايتصورفي العقل وجوده وقسم جائز في حقه تعالى بمعنى أن وصفه تعالى به جائز عقلاً أي بحيث أن العقل يجوز أن يوصف به تعالى وأن لا ولاينبني محال على كل منهما فالقسم الأول ثلاث عشرة صفة وكذاالثاني لأن كل صفةٍ واجبةٍ يستحيل ضدها. الأولى الوجود قال في شرح الصغرى وفي عد الوجود صفة على مذهب الأشعري تسامح لأنه عنده عين الذات ليس بزائدٍ عليها والذات ليست بصفة لكن لما كان الوجود توصف به الذات في اللفظ فيقال ذات مولاناموجودة صح أن يعد صفة على الجملة وأما على مذهب من جعل الوجود زائداً على الذات كالإمام الرازي فعده من الصفات صحيح لاتسامح فيه وعلى من جعله زائداً على الذات في الحادث دون القديم وهومذهب الفلاسفة أهل الثانية القدم وهو عبارة عن سلب العدم السابق على الوجود وإن شئت قلت هوعبارة عن عدم الأولية للوجود وهذامعنى القدم باعتبار ذاته تعالى وصفاته وأماإذا أطلق في حق الحادث كقوله هذا بناء قديم فهو عبارة عن طول مدة وجوده وإن كان حادثاً مسبوقاً بعدم ويستحيل إطلاقه بهذا المعنى على الله تعالى لأن وجوده تعالى لايتقيد بزمان ولامكان لحدوث كل منهما فلايتقيد بواحدٍ إلا ماهو حادث ويجوز أن يقال الله تعالى قديم لأن معناه واجب له جل وعلا وهو الصحيح لوروده في حديث أبي هريرة في التسعة والتسعين أخرجه ابن ماجه في سننه أويقال إنما يجب له تعالى القدم لأن أسماءه تعالى توقيفية تردد في ذلك بعض الشيوخ. الثالثة البقاء وهو عبارة عن سلب العدم اللاحق للوجود وهذا التفسير وكذا تفسير القدم المتقدم بناء على أن القدم والبقاء صفتان سلبيتان وقال بعض الأئمة في تفسيرالقدم هو استمرار الوجود في الماضي إلى غير نهاية وقال في تفسيرالبقاء هو استمرار الوجود في المستقبل إلى غير نهاية قال في شرح الصغرى وكان صاحب هذه العبارة يجنح إلى أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان لأنهما عنده الوجود المستمر في الماضي والمستقبل والوجود نفسي لعدم تحقق الذات بدونه وهذا المذهب ضعيف لأنهما لو كانا نفسيين لزم أن لاتعقل الذات بدونهما وذلك باطل بدليل أن الذات يعقل

стр. 31

وجودها ثم يطلب البرهان على وجود قدمهاوبقائها. الرابعة الغنى المطلق وهوقيامه تعالى بنفسه أي بذاته فلايفتقر لشيء من الأشياء فلايفتقر إلى محلٍ أي ذات سوى ذاته يوجد فيها كماتوجد الصفة في الموصوف لأن ذلك لايكون إلا للصفات وهو تعالى ذات موصوف بالصفات وليس هو تعالى بصفةٍ كما تدعيه النصارى ولا يفتقر تعالى إلى مخصص أي فاعل يخصه بالوجود لا في ذاته ولافي صفة من صفاته لوجود القدم والبقاء لذاته تعالى ولجميع صفاته وإنمايحتاج إلى المخصص من يقبل العدم ومولانا جل وعز لا يقبله فبعدم افتقاره إلى محل أي ذاتٍ أخرى لزم كونه تعالى ذاتاً لاصفة وبعدم افتقاره تعالى إلى مخصص أي فاعل لزم أن داته تعالى ليست كسائر الدوات المفتقرة إلى الفاعل وإن كانت لاتفتقر إلى محل أيضاً فإذا القيام بالنفس عبارة عن الغنى المطلق كما عبر به الناظم وذلك لايمكن إلا لمولانا جل وعز وقال تعالى (ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هوالغني الحميد) وعم آخر البيت الأول أصله عاماً حال مؤكدة من الغنى فحذفت الألف الأولى كماحذفت في بر والأصل بار حذفت الثانية ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويوقف عليه بتخفيف الميم للوزن. الخامسة مخالفته تعالى للحوادث أي لايماثله تعالى شيء منها مطلقاً لافي الذات ولافي الصفات ولافي الأفعال، قال تعالى (ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير). فأول هذه الآية تنزيه واخرها إثبات فصدرها يرد على المجسمة وأضرابهم وعجزها يرد على المعطلة النافين لجميع الصفات. السادسة الوحدانية أي لاثاني له في ذاته ولافي صفاته ولافي أفعاله فأوجه الوحدانية ثلاثة وحدانية الذات ووحدانية الصفات ووحدانية الأفعال فوحدانية الذات تنفي التركيب في ذاته تعالى ووجود ذاتٍ أخرى تماثل الذات العلية فتنفي التعدد في حقيقتها متصلاً كان أومنفصلاً ووحدانية الصفات تنفي التعدد في حقيقة كل واحدٍ منهامتصلاً كان أومنفصلاً فعلم مولانا جل وعز ليس له ثانٍ يماثله لامتصلاً أي قائماً بالذات العلية ولامنفصلاً أي قائماً بذاتٍ أخرى بل هو تعالى يعلم المعلومات التي لا

стр. 32

نهاية لها بعلم واحدٍ لاعددٍ له ولاثاني له أصلاً وقس على هذا سائر صفات مولانا جل وعز ووحدانية الأفعال تنفي أن يكون ثم إختراع لكل ماسوى مولانا جل وعز في فعل مامن الأفعال بل مولانا جل وعز هوالمنفرد باختراع جميع الكائنات بلا واسطة وحاصل وحدانية الأفعال نفي نظيرله تعالى في ألوهيته ونفي شريك معه في جميع الممكنات فلا مؤثر في جميعها سواه وليست الوحدة الثابتة لذاته تعالى بمعنى تناهيه في الدقة والصغر إلى حدلاينقسم وإلا لزم أن يكون جوهراً فرداً ولابمعنى من المعاني لأن المعاني لاتقبل الانقسام وإلا لزم أن يكون صفة غير قائم بنفسه وذلك محال. السابعة القدرة وهي صفة يتأتى بهاإيجادالممكن وإعدامه على وفق الإرادة أي يتيسر بها إخراج كل ممكن من العدم إلى الوجود وإخراجه عن الوجود إلى العدم سواء كان الممكن جرماً أوعرضاً مكتسباً أوغير مكتسب حيواناً أوغيره ففيه تنبيه على فساد مذهب القدرية الذين أخرجوا أفعال الحيوانات الاختيارية عن تعلق قدرة الله تعالى وعلى فساد مذهب الطبائعيين الذين أسندوا بعض الممكنات لقوى الطبائع العلوية والسفلية وقولهم على وفق الإرادة إشارة إلى أن فعله تعالى للكائنات إنماهو بطريق الاختيار لا بطريق اللزوم كفعل العلة والطبيعة عندالفلاسفة والطبائعيين. الثامنة الإرادة وهي صفة يتأتى بهاتخصيص الممكن ببعض مايجوز عليه ومعنى ذلك أن الممكنات نسبتها إلى قدرة الله تعالى على حدٍ سواء فلو اختصت بوجودبعضها دون بعض لزم العجز فإذا لابد لتخصيص بعض الممكنات بالوقوع دون مقابلة من صفة أخرى وليس إلا صفة الإرادة إذ لايلزم نقص في قولنا أراد الله وجود هذا الممكن ولم يرد هذا الممكن الآخر بل أراد عدمه بل ذلك دليل على غاية الكمال فإن تصرفه تعالى في الممكنات إنما هو بمحض الإرادة والاختيار ولاباعث له على ممكن منهاولاإكراه ولاإجبار كما قال تعالى (وربك يخلق مايشاء ويختار). ولوقلت قدر الله تعالى على هذا الممكن الموجود ولم يقدرعلى مقابله لكان فاسداً لمافيه

стр. 33

من لزوم نقيصة العجز. وأماسائر الصفات كالعلم والكلام والسمع والبصرفلايصح التخصيص بهالأن التخصيص تأثيروهذه الصفات ليست مأثرة في متعلقاتها وأشار بالعموم في قول الممكن إلى فساد مذهب المعتزلة الذين خصصوا تعلق الإرادة بالخير دون الشر وبالصلاح والأصلح دون مقابليهما والله تعالى أعلم اهـ من شرح المقدمات (تتمة) قال في شرح الصغرى متعلق القدرة والإرادة واحدوهوالممكنات دون الواجبات والمستحيلات إلا أن جهة تعلقهما بالممكنات مختلفة فالقدرة صفة تؤثر في إيجاد الممكن وإعدامه والإرادة صفة تؤثر في إختصاص أحد طرفي الممكن من وجود وعدم أوطول وقصر ونحوها بالوقوع بدلاً عن مقابله فصار تأثير القدرة فرع تأثير الإرادة إذ لايوجد مولانا جل وعز من الممكنات أويعدم بقدرته إلا ماأراد وجوده أوإعدامه وتأثير الإرادة عند أهل الحق على وفق العلم فكل ماعلم الله ﵎ أنه يكون من الممكنات أولايكون فذلك مراده جل وعز والمعتزلة قبحهم الله جعلوا تعلق الإرادة تابعاً للأمر فلايريد عندهم مولانا جل وعزإلا ماأمربه من الإيمان والطاعة سواء وقع ذلك أم لا فعندنا إيمان أبي جهل مأموربه غير مراد له تعالى لأنه تعالى علم عدم وقوعه وكفر أبي جهل منهي عنه وهو واقع بإرادة الله تعالى وقدرته وعند المعتزلة قبح الله رأيهم إيمانه هوالمراد لله تعالى لاكفره فلزمهم أنه وقع نقص في ملك مولانا جل وعز إذ وقع فيه على قولهم مالايريده تعالى من له ملك السموات والأرض ومابينهما عن ذلك علواً كبيراً. وبالجملة فالتعلقات عند أهل الحق ثلاثة مرتبة تعلق القدرة وتعلق الإرادة وتعلق العلم بالممكنات فالأول مرتب على الثاني والثاني مرتب على الثالث وإنما لم تتعلق القدرة والإرادة بالواجب والمستحيل لأن القدرة والإرادة لماكانتا صفتين مؤثرتين ومن لازم الأثر أن يكون موجوداً بعد عدم لزم أن مالايقبل العدم أصلاً كالواجب لايقبل أن يكون أثراً لهما وإلا لزم تحصيل الحاصل ومالا يقبل الوجودأصلاً كالمستحيل لايقبل أيضاً أن يكون أثراً لهماوإلا لزم قلب الحقيقة برجوع المستحيل عين الجائز فلا قصور أصلاً في عدم تعلق القدرة والإرادة القديمتين بالواجب والمستحيل بل لوتعلقتا بهما لزم حينئذٍ القصور لأنه يلزم على هذا التقدير الفاسد أن يجوز تعلقهما بإعدام أنفسهما بل وبإعدام الذات العلية وبإثبات الألوهية لمالايقبلها من الحوادث وسلبها عمن تجب له هو ومولانا جل وعز وأي

стр. 34

نقصٍ وفساد أعظم من هذا وبالجملة فذلك التقدير الفاسد يؤدي إلى تخليط عظيم لايبقى معه شيء من الإيمان ولاشيء من المعقولات أصلاً اهـ (فرع) قال الإمام أبوالعباس أحمد القلشاني في شرح اختلف العلماء هل يجوز إطلاق القول بأن الله تعالى أراد الكفرو المعصية أم لافقال ابن سعيد والقلانسي لايجوز إطلاق ذلك وإن صح في الاعتقاد لأن الطلاق يلزم فيه الأدب مع الله تعالى وأن ذلك يوهم أن المعصية حسنة مأمور بهاوقيل بالجواز قال ابن العربي قال شيخنا والصحيح الجواز حيث لاإيهام قلت الأظهر الأول مع اعتقاد أن لاخالق إلا الله وأن جميع الكائنات بمراده وانظر قوله تعالى (وأنالاندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً) اهـ. التاسعة العلم وهوصفة ينكشف بها المعلوم على ماهوبه انكشافاً لايحتمل النقيض بوجه من الوجوه قال في شرح المقدمات يعنى بالمعلوم كل مايصح أن يعلم وهوكل واجبٍ وكل مستحيلٍ وكل جائز ومعنى ينكشف أنه يتضح ذلك المعلوم لمن قامت به تلك الصفة ويتميز عن غيره اتضاحاً لاخفاء معه وهذامخرج للظن والشك والوهم فإن الاحتمال القائم فيها يمنع من انكشاف ذلك المظنون والمشكوك والموهوم ويوجب له تعالى خفاء والتعبير بالمضارع في الانكشاف يقتضي دوام الانكشاف واستمراره بحيث لايحتمل النقيض بوجه وذلك لإستناد هذه الصفات إلى ضرورة أوبرهان ويخرج أيضاًالاعتقاد الجازم مطابقاً كان أوغير مطابق لأنه يحتمل النقيض بتشكيك مشكك فلايستمر معه الانكشاف وقوله على ماهو به زيادة في البيان وتصريح على سبيل التوكيد بإخراج الجهل المركب وهواعتقاد أمر على خلاف ماهو به والمقصود من هذا التعريف التقريب على سبيل الاختصار لعسر تعريف العلم بما يسلم من كل مناقشة ويدخل في العلم على مقتضى هذا التعريف إدراك السمع والبصر وسائر الادراكات فهي إذاً أنواع للعلم وهذا مذهب الشيخ الأشعري ﵁ اهـ. وقد اتضح من قوله يعني بالمعلوم كل مايصح أن يعلم وهو كل واجبٍ وكل جائز

стр. 35

وكل مايستحيل أن متعلق العلم الأقسام الثلاثة. العاشر الحياة وهي صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بالادراك قال في شرح المقدمات يعني أن الحياة ليست من الصفات المتعلقة وهي مايقتضي بذاته أمراً زائداً على القيام بمحله كالقدرة فإنها تقتضي زائداً على القيام بمحلها وهوالمقدور الذي يتأتى بها إيجاده وإعدامه والارادة تقتضي لذاتها مراداً يتخصص بها والعلم يقتضي معلوماً ينكشف به والكلام يقتضي معنى يدل عليه والكلام يقتضي معنى يدل عليه والسمع يقتضي مسموعاً والبصر يقتضي مبصراً والحياة لاتقتضي زائداً على القيام بمحلها وإنما هي صفة مصححة للادراك بمعنى أنهاشرط عقلي له يلزم من عدمها عدم الادراك ولايلزم من وجودها وجودالادراك ولاعدمه اهـ زاد في شرح الصغرى مانصه وبالجملة فجميع صفات المعاني متعلقة أي طالبه لزائد على القيام بمحلها سوى الحياة وهذاالتعلق نفسي لتلك الصفات كما أن قيامها بالذات نفسي لهاأيضاً. الحادية عشرة والثانية عشرة السمع والبصرقال في المقدمات والسمع الأزلي صفة ينكشف بها كل موجودٍ على ماهوبه إنكشافاً يباين سواه ضرورة والبصر مثله والإدراك على القول به مثلهما قال في شرحها هذه الصفات مشتركة في تعلقها بالموجودقديماً كان أوحادثاً إلا أنها في الشاهد مختصة ببعض الموجودات لتخصيصه تعالى بذلك ولوخرق الله سبحانه العادة في ذلك لصح أن تتعلق بسائر الموجودات ولهذا جازت رؤية المخلوقات لمولانا ﵎ على مذهب أهل الحق وجاز سماعهم لكلامه القائم بذاته العلية مع أن الرؤية في الشاهد إنما جرت العادة بتعليقها بالأجرام وألوانها وأكوانها والسمع في الشاهد إنماجرت العادة بتعلقه بالحروف والأصوات ولما استحال دخول التخصيص في صفات المولى ﵎ لاستلزامه الافتقار إلى المخصص المستلزم للحدوث وجب تعميم تعلق صفاته تعالى بكل ماتصلح له لأنها واجبة فلا يمكن أن تتصف بمايقتضي حدوثها والقاعدة أن كل مايقبله مولانا ﵎ من الصفات الذاتية وكمالاتها فهو واجب لاستحالة اتصافه جل وعلا بالجائزات اهـ وفي شرح الصغرى ونبه بقوله المتعلقان بجميع الموجودات على أن سمعه تعالى وبصره مخالفان لسمعنا وبصرنا في التعلق لأن سمعنا إنما يتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأصوات على وجه مخصوص من عدم البعد والسر جداً وبصرنا إنمايتعلق عادة ببعض الموجودات وهي الأجسام وألوانها وكونها في جهة مخصوصة على صفة مخصوصة وأما سمع مولانا جل وعز وبصره فيتعلقان بكل موجود قديماً كان أوحادثاً فيسمع جل وعز ويرى في أزله ذاته العلية وجميع صفاته الوجودية ويسمع ويرى

стр. 36

تبارك وتعالى مع ذلك فيمالايزال ذوات الكائنات كلهاوجميع صفاتها الوجودية كانت من قبيل الأصوات أومن غيرها أجساماً كانت أوألواناً وأكواناً أوغيرها. الثالثة عشرة وهي في ترتيب النظم الثانية عشرة الكلام قال في المقدمات والكلام الأزلي هوالمعنى القائم بالذات المعبر عنه بالعبارات المختلفات المبان لجنس الحروف والأصوات المنزه عن البعض والكل والتقديم والتأخير والسكوت واللحن والإعراب وسائر أنواع التغيرات المتعلق بمايتعلق به العلم من المتعلقات قال في شرحها لاشك أن الكتاب والسنة والإجماع مصرحة بإثبات الكلام لمولانا ﵎ من أمر ونهي ووعد ووعيد وتبشير وتحذير وأخبار ودليل العقل أيضاً يدل بالطريق القطعي أن كل عالم بأمر يصح أن يتكلم به ومولانا ﵎ عالم بجميع المعلومات فصح أن له كلاماً مايتعلق بها وكل مايصح أن يتصف به جل وعلا وجب له استحالة اتصافه تعالى بصفة جائزة فالكلام إذاً واجب له تعالى ثم قال وقداتضح أن الحق ماأجمع عليه أهل السنة من ثبوت كلام المولى ﵎ ليس من جنس الحروف والأصوات منزهاً عن التقديم والتأخيروالجزء والكل واللحن والإعراب والسكوت ونحوهامن خواص كلامنا الحادث لسانياً كان أونفسانياً لاستلزام ذلك كله النقص والبكم والحدوث وإنما كلامه جل وعلا صفة واجبة القدم والبقاء متعلقة بجميع ماتعلق به علمه وكنهه محجوب عن العقل إذ لامثل له عقلياً ولاوهمياً ولاخيالياً ولاموجوداً ولامقدراً وذلك كذاته العلية وسائر صفاته اهـ. وحاصلة إثبات الكلام القديم وأنه يستحيل أن توجدفيه صفة من صفات الكلام الحادث من حروف وأصوات وماذكر بعدها وإنما هوصفة معنى موجود قائم بذاته العلية ويعبرعنه بالعبارات المختلفات كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وليست هذه العبارات هي عين كلامه تعالى لأنهابالحروف والأصوات بل هذه دالة على كلام الله تعالى القديم ولم يحل كلامه تعالى في شيء من الكتب بل هو قائم بذاته العلية لايفارقه ولايتصف به غيره لكن لما كانت حروف القرآن دالةً على كلامه تعالى أطلق على القرآن أنه كلام الله من باب تسمية الدال باسم المدلول وذلك كقول عائشة ﵂ (مابين دفتي المصحف كلام الله) ثم قال في شرح المقدمات بعدما تقدم عنه وإذاعرفت مذهب أهل الحق في كلام الله تعالى عرفت أن إطلاق السلف ﵃ على كلام الله تعالى أنه مقروء بالألسنة،

стр. 37

مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور هوبطريق الحقيقة لاالمجاز وليس يعنون بذلك حلول كلام الله تعالى القديم في هذه الأجرام تعالى الله عن ذلك وإنما يريدون أن كلامه تعالى مذكورمدلول عليه بتلاوة اللسان وكلام الجنان وكتابة البنان فهو موجود فيها فهماً وعلماً لاحلولا لأن الشيء له وجودات أربع وجود في الأعيان ووجودفي الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان أي بالكتابة بالأصابع فالوجود الأول هوالوجودالذاتي الحقيقي وسائر الوجودات إنماهي باعتبار الدلالة والفهم وبهذا تعرف أن التلاوة غيرالمتلو والقراءة غير المقروء والكتابة غيرالمكتوب لأن الأول من كل قسمٍ من هذه الأقسام حادث والثاني منها قديم لانهاية له اهـ. قوله ذي واجبات جملة إسمية تتميم للبيت لاستفادة وجوب الصفات من قوله يجب لله (تنبيهات) الأول قوله في شرح المقدمات هو بطريق الحقيقة لاالمجاز صريح في أن إطلاق كلام الله تعالى على المقروء والمحفوظ والمكتوب حقيقة لامجازاً وكذاصرح به في جمع الجوامع وبأن إطلاق القرآن على كلام الله تعالى هوأيضاً حقيقة لامجاز وظاهر قوله آخراً فالوجودالأول هوالوجود الحقيقي إلخ أن إطلاقه على ماعدا الوجودالأول مجاز لا حقيقةً وبهذا الثاني صرح غير واحد من المحققين قال الإمام ناصر الدين اللقاني في حاشيته على المحلى واعلم أن الاتصاف بهذه الثلاثة في حق القديم مجاز قطعاً وماذكر من الوجودات الثلاثة غيرالخارجي بيان للعلاقة المصححة للتجوز نبه عليه في حاشيته وبعد فلايخفى عليك مافي قول المصنف والشارح على الحقيقة لاالمجاز كيف وقد صرح في شرح المقاصد بالتجوز وأن وصفه بالمقروء والمسوع والمكتوب من وصف المدلول بصفة الدال مجاز لاحقيقة اهـ وفي شرح جمع الجوامع للعراقي بعد كلام له وحاصل هذا إطلاق الكلام على النفسي القديم حقيقةً فقط عقليةً وإطلاقه أيضاً على المكتوب والمحفوظ والمقروء حقيقة شرعية وعرفية وليس حقيقةً عقليةً اهـ. (الثاني) تكلم الناظم على صفات المعاني وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ولم يتكلم على المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً والله أعلم بناءً على مذهب الإمام الأشعري من نفي الحال وأنه لاواسطة بين الوجود والعدم فالثابت من الصفات التي تقوم بالذات إنما هو صفات المعاني أما المعنوية فعبارة عن قيام تلك بالذات إنماهو صفات المعاني أماالمعنوية فعبارة عن قيام تلك بالذات لاأن لها ثبوتاً في الخارج عن الذهن وأما على مذهب غيره من القول بثبوت الأحوال وهي صفات ثبوتية ليست بموجودة ولا معدومة تقوم بموجود فتكون هذه الصفات المعنوية صفات ثابتة قائمة بذاته تعالى فلابد من ذكرهاإلا أنه لوحظ فيها كونها ملازمةً للسبع الأولى وكون الأولى عللا

стр. 38

لهذه أي ملزومةً لها إذ لايصح اتصاف محل بكونه قادراً أوعالماً مثلاً إلا إذا قامت به القدرة أوالعلم وكذا الباقي ولذلك كانت سبعاً مثل الأولى ولذلك أيضاً نسبت هذه إلى تلك فقيل فيها صفات معنوية والياء في لفظ المعنوية ياء النسب إلى المعنى والواو فيه بدل من الألف التي في ذلك مالايخفي إذاً في المعنى وفي المقام مقام البسط والبيان والاكتفاء بالملزوم عن الملازم ذريعة إلى جهل اللازم لخائه غالباً وخطرالجهل في هذا العلم عظيم فينبغي الاعتناء فيه بمزيد الايضاح على قدرالإمكان (الثالث) مما لايتضح في مذهب الأشعري ماوجدته بخط شيخنا الإمام العلامة الحافظ المتفنن الحاج الأبر سيدي أبي العباس أحمدالمقري القرشي التلمساني نزيل فاس المحروسة ﵀ مانصه سئل الإمام سيدي محمد بن يوسف السنوسي سيدي ﵁ جوابكم عن معنى قولهم الصفة المعنوية هي وجه واعتبار نريد بيان الوجه والاعتبار فأجاب معنى قول الأستاذ في الصفات المعنوية ونحوها من كل مايسمى حالاً أنه وجه واعتبار التنبيه على نفي الحال وأن مايتخيل من ثبوت الحال في الخارج ليس بصحيح وإنما هو وجه يعتبره الذهن لاأمر وجودي فالعلم مثلاً إذاقام بمحل فله أوجه يعتبرها الذهن فإن اعتبره من حيث حقيقته فهو صفة معنى وجودية وإن اعتبره من حيث صار محله عالماً فهو المعنى الذي يعبرون عنه بالعالمية وليس له ثبوت في الخارج وإنما هو وجه اعتبره العقل من أوجه العلم وإن اعتبرالعقل العلم من حيث انكشاف المعلوم به سمي هذا الوجه تعلقاً وإن اعتبره العقل من حيث وجوده في محل سمي هذا الوجه قياماً فرجعت الأحوال كلها في هذا القدر إلى وجوه يعتبرها العقل للأمور الوجودية اهـ. (الرابع) أنكرت المعتزلة صفات المعاني التي أثبتها جماعة أهل السنة ووافقوهم على اتصافه تعالى بأحكامها المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً وقالوا يجب أن تكون هذه هي الأحكام واجبة لذاته تعالى ولاتعلل بصفات المعاني كماهو في الشاهد ويلزم من إنكار صفات المعاني إنكارأحكامها التي هي المعنوية وإنكارها كفر فإن قلنا لازم القول قول كفروا وإلا فلا ولمالكٍ والشافعي والقاضي فيهم قولان وقد كنت قلت في هذا المعنى مبيناً للخلاف في لازم القول هل هو قول أولا وماينبني عليه بيتين وهما: هل لازم القول يعد قولا عليه كفر ذي هوى تجلى كمثبت الأحكام للصفات مع إنكاره لها فبئس ما ابتدع

стр. 39

(الخامس) صفات المعاني باعتبار متعلقها على أربعة أقسام قسم لايتعلق بشيء وهو الحياة وقسم يتعلق بالممكنات فقط وهو القدرة والإرادة وقسم يتعلق بجميع الموجودات وهو السمع والبصر وقسم يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي وهو العلم والكلام فأعمها في التعلق العلم والكلام وبين متعلق القدرة والإرادة ومتعلق السمع والبصر عموم وخصوص من وجه فتزيد القدرة والإرادة بتعلقها بالمعدوم والممكن. ويزيد السمع والبصر بتعلقهما بالموجود الواجب كذاته تعالى وصفاته ويشترك القسمان في تعلقهما بالموجود الممكن (السادس) قال في شرح المقدمات صفاته ﵎ على أقسام. الأول مايعبربه عن نفس الذات وهو الوجود. الثاني مايرجع في المعنى إلى سلب نقص مستحيل عليه تعالى وذلك خمس صفات القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية. الثالثة صفات المعاني وهي عبارة عن الصفات الوجودية القائمة بالذات العلياوهي سبع القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام واختلف في زيادة صفةٍ واحدةٍ وهي إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات واللذائذ والآلام فقيل بثبوتها زائدة على الصفات السبع وعليه فتتعلق بكل موجود بغير اتصال بالأجسام ولا تكييف بالذات والآلام وقيل ترجع في حقه تعالى إلى العلم وقيل بالوقف وهوأحسنها. الرابع الصفات المعنوية وهي صفات الذات اللازمة لصفات المعاني وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً. الخامس زاد بعضهم صفات الأفعال وهي عبارة عن التعلق التنجيزي للقدرة والإرادة بالممكنات كخلقه ورزقه وإماتته وإحيائه وتحريكه وتسكينه وإن شئت قلت هي عبارة عن صدور الممكنات عن القدرة والإرادة وهي على قسمين. فعليه وجودية كالأمثلة وفعلية سلبية كعفوه تعالى عمن شاء من أهل المعاصي فإنه عبارة عن ترك العقوبة لمن يستحقها وهذاالترك متأخر عن المعصية، والحادثة هوفعل بناء على أن الترك فعل أوسلب فعل العقوبة لمن يستحقها بناءً على أنه ليس بفعل. (السادس) زاده بعضهم أيضاً وهوالصفات الجامعة لسائر الصفات كالألوهية والكبرياء والعظمة (التنبيه السابع) حاصل الأقسام الأربعة الأول أن نقول كل صفة موجودة في نفسها

стр. 40

فهي صفة معنى سواء كانت قديمة كعلمه تعالى وقدرته وإرادته وحياته وسمعه وبصره وكلامه إوحادثة كبياض الجرم وسواده وإن كانت غير موجودة في نفسها فإن سلبت أمراً لايليق به تعالى فهي سلبية وذلك كالقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية وإن لم تسلب مع كونها غيرموجودة وكانت واجبة للذات مادامت الذات فينظر فيها فإن كانت غيرمعللة بعلةٍ فهي صفة نفسية أوحال نفسية سواء كانت قديمة كالوجود لمولانا جل وعز أوحادثة كالتحيز للجرم مثلاً وإن كانت معللة فهي صفة معنوية أوحال معنوية ككون الذات عالمة أوقادرة فإنها معللة بقيام العلم والقدرة بالذات النفسية والمعنوية أحوال ليست بموجودة في نفسها ولابمعدومة كمامر في التنبيه الثاني والثالث. قوله ويستحيل ضد هذه الصفات إلخ هذا هو القسم الثاني وهومايستحيل وصفه تعالى به وذلك ثلاثة عشرة صفةً أيضاً كعددالواجبات لأنها أضدادها كما مر ورتب الناظم ﵀ هذا القسم على الأول الواجب، فالعدم ضد الوجود والحدوث ضد القدم والفناء ضد البقاء واستحالة العدم عليه تعالى تستلزم استحالة الحدوث والفناء لأنه إذا استحال العدم عليه تعالى لم يتصورلاسابقاً ولا لاحقاً وكذلك وجوب الوجود له تعالى يستلزم وجوب القدم والبقاء فعطف ثاني الصفات وثالثها في قسم الواجب والمستحيل على الأول من القسمين من عطف خاص على عام أواللازم على الملزوم ولم يكتف بالأول في الموضعين لأن المقصود عد الصفات الواجبة والمستحيلة على التفصيل والاستغناء عن الخاص وبالملزوم عن اللازم ذريعةً إلى جهل كثير منها لخفاء اللوازم وعسرادخال الجزئيات تحت كلياتها والجهل في هذا العلم عظيم فينبغي الاعتناء به والايضاح والبيان والافتقار ضد الغنى والمماثلة للحوادث ضد مخالفته لها فأوجه المماثلة كثيرة وفي الصغرى بأن يكون جرماً أي تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ أو يكون عرضاً يقوم بالجرم أويكون في جهة للجرم أوله هوجهة أويتقيد بزمان أومكان أوتتصف ذاته العلية بالحوادث أويتصف بالصغر أوالكبر أو يتصف بالأغراض في الأفعال أوالأحكام اهـ والجرم أعم من الجوهر الفرد والجسم لأن الجرم عبارة عماعمر قدر ذاته من الفراغ مركباً كان أم لا والجوهر الفرد عبارة عمالم يتركب وهو الذي يبلغ في الدقة إلى حد لايقبل معه القسمة عقلاً والجسم عبارة عما تركب من جوهرين فأكثر ونفي الوحدة ضد وحدانية الذات والصفات والأفعال والعجز ضد القدرة والكراهة ضد الإرادة وليس المراد بها الكراهة التي هي من أقسام الحكم الشرعي وهي طلب الكف عن الفعل طلباً جازماً أوغير جازمٍ فإن تلك يصح أن تجمع مع
следующие страницы →