← Фикх малики

Фикх малики · id 14249

الدر الثمين والمورد المعين

ميارة

Полный текст (614 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تبارك وتعالى مع ذلك فيمالايزال ذوات الكائنات كلهاوجميع صفاتها الوجودية كانت من قبيل الأصوات أومن غيرها أجساماً كانت أوألواناً وأكواناً أوغيرها. الثالثة عشرة وهي في ترتيب النظم الثانية عشرة الكلام قال في المقدمات والكلام الأزلي هوالمعنى القائم بالذات المعبر عنه بالعبارات المختلفات المبان لجنس الحروف والأصوات المنزه عن البعض والكل والتقديم والتأخير والسكوت واللحن والإعراب وسائر أنواع التغيرات المتعلق بمايتعلق به العلم من المتعلقات قال في شرحها لاشك أن الكتاب والسنة والإجماع مصرحة بإثبات الكلام لمولانا ﵎ من أمر ونهي ووعد ووعيد وتبشير وتحذير وأخبار ودليل العقل أيضاً يدل بالطريق القطعي أن كل عالم بأمر يصح أن يتكلم به ومولانا ﵎ عالم بجميع المعلومات فصح أن له كلاماً مايتعلق بها وكل مايصح أن يتصف به جل وعلا وجب له استحالة اتصافه تعالى بصفة جائزة فالكلام إذاً واجب له تعالى ثم قال وقداتضح أن الحق ماأجمع عليه أهل السنة من ثبوت كلام المولى ﵎ ليس من جنس الحروف والأصوات منزهاً عن التقديم والتأخيروالجزء والكل واللحن والإعراب والسكوت ونحوهامن خواص كلامنا الحادث لسانياً كان أونفسانياً لاستلزام ذلك كله النقص والبكم والحدوث وإنما كلامه جل وعلا صفة واجبة القدم والبقاء متعلقة بجميع ماتعلق به علمه وكنهه محجوب عن العقل إذ لامثل له عقلياً ولاوهمياً ولاخيالياً ولاموجوداً ولامقدراً وذلك كذاته العلية وسائر صفاته اهـ. وحاصلة إثبات الكلام القديم وأنه يستحيل أن توجدفيه صفة من صفات الكلام الحادث من حروف وأصوات وماذكر بعدها وإنما هوصفة معنى موجود قائم بذاته العلية ويعبرعنه بالعبارات المختلفات كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وليست هذه العبارات هي عين كلامه تعالى لأنهابالحروف والأصوات بل هذه دالة على كلام الله تعالى القديم ولم يحل كلامه تعالى في شيء من الكتب بل هو قائم بذاته العلية لايفارقه ولايتصف به غيره لكن لما كانت حروف القرآن دالةً على كلامه تعالى أطلق على القرآن أنه كلام الله من باب تسمية الدال باسم المدلول وذلك كقول عائشة ﵂ (مابين دفتي المصحف كلام الله) ثم قال في شرح المقدمات بعدما تقدم عنه وإذاعرفت مذهب أهل الحق في كلام الله تعالى عرفت أن إطلاق السلف ﵃ على كلام الله تعالى أنه مقروء بالألسنة،

стр. 37

مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور هوبطريق الحقيقة لاالمجاز وليس يعنون بذلك حلول كلام الله تعالى القديم في هذه الأجرام تعالى الله عن ذلك وإنما يريدون أن كلامه تعالى مذكورمدلول عليه بتلاوة اللسان وكلام الجنان وكتابة البنان فهو موجود فيها فهماً وعلماً لاحلولا لأن الشيء له وجودات أربع وجود في الأعيان ووجودفي الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان أي بالكتابة بالأصابع فالوجود الأول هوالوجودالذاتي الحقيقي وسائر الوجودات إنماهي باعتبار الدلالة والفهم وبهذا تعرف أن التلاوة غيرالمتلو والقراءة غير المقروء والكتابة غيرالمكتوب لأن الأول من كل قسمٍ من هذه الأقسام حادث والثاني منها قديم لانهاية له اهـ. قوله ذي واجبات جملة إسمية تتميم للبيت لاستفادة وجوب الصفات من قوله يجب لله (تنبيهات) الأول قوله في شرح المقدمات هو بطريق الحقيقة لاالمجاز صريح في أن إطلاق كلام الله تعالى على المقروء والمحفوظ والمكتوب حقيقة لامجازاً وكذاصرح به في جمع الجوامع وبأن إطلاق القرآن على كلام الله تعالى هوأيضاً حقيقة لامجاز وظاهر قوله آخراً فالوجودالأول هوالوجود الحقيقي إلخ أن إطلاقه على ماعدا الوجودالأول مجاز لا حقيقةً وبهذا الثاني صرح غير واحد من المحققين قال الإمام ناصر الدين اللقاني في حاشيته على المحلى واعلم أن الاتصاف بهذه الثلاثة في حق القديم مجاز قطعاً وماذكر من الوجودات الثلاثة غيرالخارجي بيان للعلاقة المصححة للتجوز نبه عليه في حاشيته وبعد فلايخفى عليك مافي قول المصنف والشارح على الحقيقة لاالمجاز كيف وقد صرح في شرح المقاصد بالتجوز وأن وصفه بالمقروء والمسوع والمكتوب من وصف المدلول بصفة الدال مجاز لاحقيقة اهـ وفي شرح جمع الجوامع للعراقي بعد كلام له وحاصل هذا إطلاق الكلام على النفسي القديم حقيقةً فقط عقليةً وإطلاقه أيضاً على المكتوب والمحفوظ والمقروء حقيقة شرعية وعرفية وليس حقيقةً عقليةً اهـ. (الثاني) تكلم الناظم على صفات المعاني وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ولم يتكلم على المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً والله أعلم بناءً على مذهب الإمام الأشعري من نفي الحال وأنه لاواسطة بين الوجود والعدم فالثابت من الصفات التي تقوم بالذات إنما هو صفات المعاني أما المعنوية فعبارة عن قيام تلك بالذات إنماهو صفات المعاني أماالمعنوية فعبارة عن قيام تلك بالذات لاأن لها ثبوتاً في الخارج عن الذهن وأما على مذهب غيره من القول بثبوت الأحوال وهي صفات ثبوتية ليست بموجودة ولا معدومة تقوم بموجود فتكون هذه الصفات المعنوية صفات ثابتة قائمة بذاته تعالى فلابد من ذكرهاإلا أنه لوحظ فيها كونها ملازمةً للسبع الأولى وكون الأولى عللا

стр. 38

لهذه أي ملزومةً لها إذ لايصح اتصاف محل بكونه قادراً أوعالماً مثلاً إلا إذا قامت به القدرة أوالعلم وكذا الباقي ولذلك كانت سبعاً مثل الأولى ولذلك أيضاً نسبت هذه إلى تلك فقيل فيها صفات معنوية والياء في لفظ المعنوية ياء النسب إلى المعنى والواو فيه بدل من الألف التي في ذلك مالايخفي إذاً في المعنى وفي المقام مقام البسط والبيان والاكتفاء بالملزوم عن الملازم ذريعة إلى جهل اللازم لخائه غالباً وخطرالجهل في هذا العلم عظيم فينبغي الاعتناء فيه بمزيد الايضاح على قدرالإمكان (الثالث) مما لايتضح في مذهب الأشعري ماوجدته بخط شيخنا الإمام العلامة الحافظ المتفنن الحاج الأبر سيدي أبي العباس أحمدالمقري القرشي التلمساني نزيل فاس المحروسة ﵀ مانصه سئل الإمام سيدي محمد بن يوسف السنوسي سيدي ﵁ جوابكم عن معنى قولهم الصفة المعنوية هي وجه واعتبار نريد بيان الوجه والاعتبار فأجاب معنى قول الأستاذ في الصفات المعنوية ونحوها من كل مايسمى حالاً أنه وجه واعتبار التنبيه على نفي الحال وأن مايتخيل من ثبوت الحال في الخارج ليس بصحيح وإنما هو وجه يعتبره الذهن لاأمر وجودي فالعلم مثلاً إذاقام بمحل فله أوجه يعتبرها الذهن فإن اعتبره من حيث حقيقته فهو صفة معنى وجودية وإن اعتبره من حيث صار محله عالماً فهو المعنى الذي يعبرون عنه بالعالمية وليس له ثبوت في الخارج وإنما هو وجه اعتبره العقل من أوجه العلم وإن اعتبرالعقل العلم من حيث انكشاف المعلوم به سمي هذا الوجه تعلقاً وإن اعتبره العقل من حيث وجوده في محل سمي هذا الوجه قياماً فرجعت الأحوال كلها في هذا القدر إلى وجوه يعتبرها العقل للأمور الوجودية اهـ. (الرابع) أنكرت المعتزلة صفات المعاني التي أثبتها جماعة أهل السنة ووافقوهم على اتصافه تعالى بأحكامها المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً وقالوا يجب أن تكون هذه هي الأحكام واجبة لذاته تعالى ولاتعلل بصفات المعاني كماهو في الشاهد ويلزم من إنكار صفات المعاني إنكارأحكامها التي هي المعنوية وإنكارها كفر فإن قلنا لازم القول قول كفروا وإلا فلا ولمالكٍ والشافعي والقاضي فيهم قولان وقد كنت قلت في هذا المعنى مبيناً للخلاف في لازم القول هل هو قول أولا وماينبني عليه بيتين وهما: هل لازم القول يعد قولا عليه كفر ذي هوى تجلى كمثبت الأحكام للصفات مع إنكاره لها فبئس ما ابتدع

стр. 39

(الخامس) صفات المعاني باعتبار متعلقها على أربعة أقسام قسم لايتعلق بشيء وهو الحياة وقسم يتعلق بالممكنات فقط وهو القدرة والإرادة وقسم يتعلق بجميع الموجودات وهو السمع والبصر وقسم يتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي وهو العلم والكلام فأعمها في التعلق العلم والكلام وبين متعلق القدرة والإرادة ومتعلق السمع والبصر عموم وخصوص من وجه فتزيد القدرة والإرادة بتعلقها بالمعدوم والممكن. ويزيد السمع والبصر بتعلقهما بالموجود الواجب كذاته تعالى وصفاته ويشترك القسمان في تعلقهما بالموجود الممكن (السادس) قال في شرح المقدمات صفاته ﵎ على أقسام. الأول مايعبربه عن نفس الذات وهو الوجود. الثاني مايرجع في المعنى إلى سلب نقص مستحيل عليه تعالى وذلك خمس صفات القدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية. الثالثة صفات المعاني وهي عبارة عن الصفات الوجودية القائمة بالذات العلياوهي سبع القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام واختلف في زيادة صفةٍ واحدةٍ وهي إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات واللذائذ والآلام فقيل بثبوتها زائدة على الصفات السبع وعليه فتتعلق بكل موجود بغير اتصال بالأجسام ولا تكييف بالذات والآلام وقيل ترجع في حقه تعالى إلى العلم وقيل بالوقف وهوأحسنها. الرابع الصفات المعنوية وهي صفات الذات اللازمة لصفات المعاني وهي كونه تعالى قادراً ومريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً. الخامس زاد بعضهم صفات الأفعال وهي عبارة عن التعلق التنجيزي للقدرة والإرادة بالممكنات كخلقه ورزقه وإماتته وإحيائه وتحريكه وتسكينه وإن شئت قلت هي عبارة عن صدور الممكنات عن القدرة والإرادة وهي على قسمين. فعليه وجودية كالأمثلة وفعلية سلبية كعفوه تعالى عمن شاء من أهل المعاصي فإنه عبارة عن ترك العقوبة لمن يستحقها وهذاالترك متأخر عن المعصية، والحادثة هوفعل بناء على أن الترك فعل أوسلب فعل العقوبة لمن يستحقها بناءً على أنه ليس بفعل. (السادس) زاده بعضهم أيضاً وهوالصفات الجامعة لسائر الصفات كالألوهية والكبرياء والعظمة (التنبيه السابع) حاصل الأقسام الأربعة الأول أن نقول كل صفة موجودة في نفسها

стр. 40

فهي صفة معنى سواء كانت قديمة كعلمه تعالى وقدرته وإرادته وحياته وسمعه وبصره وكلامه إوحادثة كبياض الجرم وسواده وإن كانت غير موجودة في نفسها فإن سلبت أمراً لايليق به تعالى فهي سلبية وذلك كالقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والوحدانية وإن لم تسلب مع كونها غيرموجودة وكانت واجبة للذات مادامت الذات فينظر فيها فإن كانت غيرمعللة بعلةٍ فهي صفة نفسية أوحال نفسية سواء كانت قديمة كالوجود لمولانا جل وعز أوحادثة كالتحيز للجرم مثلاً وإن كانت معللة فهي صفة معنوية أوحال معنوية ككون الذات عالمة أوقادرة فإنها معللة بقيام العلم والقدرة بالذات النفسية والمعنوية أحوال ليست بموجودة في نفسها ولابمعدومة كمامر في التنبيه الثاني والثالث. قوله ويستحيل ضد هذه الصفات إلخ هذا هو القسم الثاني وهومايستحيل وصفه تعالى به وذلك ثلاثة عشرة صفةً أيضاً كعددالواجبات لأنها أضدادها كما مر ورتب الناظم ﵀ هذا القسم على الأول الواجب، فالعدم ضد الوجود والحدوث ضد القدم والفناء ضد البقاء واستحالة العدم عليه تعالى تستلزم استحالة الحدوث والفناء لأنه إذا استحال العدم عليه تعالى لم يتصورلاسابقاً ولا لاحقاً وكذلك وجوب الوجود له تعالى يستلزم وجوب القدم والبقاء فعطف ثاني الصفات وثالثها في قسم الواجب والمستحيل على الأول من القسمين من عطف خاص على عام أواللازم على الملزوم ولم يكتف بالأول في الموضعين لأن المقصود عد الصفات الواجبة والمستحيلة على التفصيل والاستغناء عن الخاص وبالملزوم عن اللازم ذريعةً إلى جهل كثير منها لخفاء اللوازم وعسرادخال الجزئيات تحت كلياتها والجهل في هذا العلم عظيم فينبغي الاعتناء به والايضاح والبيان والافتقار ضد الغنى والمماثلة للحوادث ضد مخالفته لها فأوجه المماثلة كثيرة وفي الصغرى بأن يكون جرماً أي تأخذ ذاته العلية قدراً من الفراغ أو يكون عرضاً يقوم بالجرم أويكون في جهة للجرم أوله هوجهة أويتقيد بزمان أومكان أوتتصف ذاته العلية بالحوادث أويتصف بالصغر أوالكبر أو يتصف بالأغراض في الأفعال أوالأحكام اهـ والجرم أعم من الجوهر الفرد والجسم لأن الجرم عبارة عماعمر قدر ذاته من الفراغ مركباً كان أم لا والجوهر الفرد عبارة عمالم يتركب وهو الذي يبلغ في الدقة إلى حد لايقبل معه القسمة عقلاً والجسم عبارة عما تركب من جوهرين فأكثر ونفي الوحدة ضد وحدانية الذات والصفات والأفعال والعجز ضد القدرة والكراهة ضد الإرادة وليس المراد بها الكراهة التي هي من أقسام الحكم الشرعي وهي طلب الكف عن الفعل طلباً جازماً أوغير جازمٍ فإن تلك يصح أن تجمع مع

стр. 41

الإيجاد فيوجد الله الفعل مع كراهته له أي نهيه عنه كما أضل الله كثيراً من الخلق مع نهيه لهم عن ذلك الضلال أما الكراهة بمعنى عدم إرادة الله تعالى للفعل فيستحيل إجتماعها مع الإيجاد إذ يستحيل أن يقع في ملك مولانا جل وعز ما لايريد وقوعه والجهل ضد العلم ويدخل في الجهل الظن والشك والوهم والنسيان والنوم وكون العلم نظرياً ونحوذلك لمنافاتها العلم كمنافاة الجهل له والممات ضد الحياة والصمم ضد السمع والبكم ضد الكلام والعمى ضد البصر والمراد بالصمم والعمى في هذا الموضع عدم السمع والبصر بوجود ماينافيهما أوغيبة موجود مامن الموجودات عن صفتي السمع والبصر لماسبق من وجوب تعلقهمابكل موجود والمراد بالبكم عدم الكلام أصلاً بوجود آفة تمنع من وجوده وإليه أشار بقوله وبكم وفي معناه السكوت وكونه بالحرف والصوت لاستحالة إجتماع حرفين في آن واحد فضلاً عن الكلمتين فقد تبكم المتكلم بالحرف والصوت واحتبس عن أن يدل على معلومات له في آن واحد بصفة الكلام المركب من الحروف والأصوات وإلى ذلك أشار بقوله صمات وهو لغة في الصمت فالكلام الذي يكون بالحروف والأصوات وإن بلغ غاية الفصاحة والبلاغة وكان كمالاً بالنسبة إلى الحوادث الناقصة فهوبالنسبة إلى مقام الألوهية الأعلى نقيصة عظيمة (مسئلة) سئل الإمام العالم أبو عبد الله سيدي محمدبن جلال هل يقال المولى ﵎ لاداخل العلم ولاخارج العالم فأجاب السائل. هكذا نسمعه من بعض شيوخنا واعترضه بعضهم بأن هذا رفع للنقيضين وقال بعض فقهائنا في هذه المسألة هو الكل أي الذي قام به كل شيء وزعم أنه للإمام الغزالي وأجاب بعضهم أن هذا السؤال معضل ولايجوز السؤال عنه وزعم أن ابن مقلاش هكذا أجاب عنه في شرحه على الرسالة فأجاب بأن نقول ذلك ونجزم به ونعتقد أنه لاداخل العالم ولاخارج العالم والعجز عن الإدراك لقيام الدلائل الواضحة على ذلك عقلاً ونقلاً أما النقل فالكتاب والسنة والإجماع أماالكتاب فقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير﴾ فلوكان في العالم أوخارجاً عنه لكان مماثلاً وبيان الملازمة واضح أمافي الأول فلأنه إن كان فيه صار من جنسه فيجب له ماوجب له. وأمافي الثاني فلأنه إن كان خارجاً لزم إما إتصاله وإماإنفصاله وإنفصاله إمابمسافة متناهية أوغير متناهية وذلك كله يؤدي لافتقاره إلى مخصص. وأما السنة فقوله (كان الله لاشيء معه

стр. 42

وهو الآن على ماكان عليه) وأماالإجماع فأجمع أهل الحق قاطبة على أن الله تعالى لاجهة له فلافوق ولاتحت ولايمين ولاشمال ولاأمام ولاخلف. وأما العقل فقد اتضح لك اتضاحاً كلياً مما مر في بيان الملازمة في قوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ والاعتراض بأنه رفع للنقيضين ساقط لأن التناقض إنما يعتبر حيث يتصف المحل بأحد النقيضين ويتواردان عليه وأماحيث لايصح تواردهما على المحل ولايمكن الاتصاف بأحدهما فلاتناقض كمايقال مثلاً الحائط لاأعمى ولابصير فلاتناقض لصدق النقيضين فيه لعدم قبوله لهما على البدلية وكمايقال في الباري أيضاً لافوق ولاتحت وقس على ذلك. وقول من قال إنه الكل زاعماً أنه للغزالي فقضية تنحو منحى الفلسفة أخذ بها بعض المتصوفة وذلك بعيد من اللفظ وماأجاب به بعضهم أنه معضل لايجوز السؤال عنه ليس كما زعم لوضوح الدليل على ذلك وإن صح ذلك عن ابن مقلاش فلايلتفت إليه في هذا لعدم إتقانه طريق المتكلمين إذكثير من الفقهاء ليس له خبرة به فضلاً عن إتقانه. قوله يجوز في حقه فعل الممكنات البيت هذا هو القسم الثالث الجائز في حقه تعالى وهو فعل كل ممكن أوتركه في العدم وذلك كالثواب والعقاب وبعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصلاح والأصلح للخلق لايجب من ذلك شيء على الله تعالى ولايستحيل إذ لو وجب عليه تعالى فعل الصلاح والأصلح للخلق كماتقوله المعتزلة لما وقعت محنة دنيا وأخرى ولما وقع تكليف بأمر ولانهي وذلك باطل بالمشاهدة (فرع) اختلف المتكلمون هل تدرك حقيقة الذات العلية وصفاتها السنية أم لا على قولين قال الإمام أبو العباس أحمد القلشاني قال بعض الشراح يفهم من قوله ولايبلغ كنه صفته الواصفون نفي العلم بالحقيقة واختاره جماعة من المتقدمين وقال الجنيد لايعرف الله إلا الله واختاره أكثر المتأخرين وإليه ذهب الضرير وكان من المحققين وأنكر القاضي أبوبكر هذا القول ورده وتبعه الإمام أبو المعالي في طائفةٍ. وقال: الباري تعالى يعلم والعلم يتعلق بالمعلوم على ماهو به فلو تعلق العلم به على خلاف ما

стр. 43

هوبه لكان العلم جهلاً وقد أجمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى ولو كانت مستحيلةً لما أجمعت عليه قيل وهو خلاف في حالٍ فإن من أثبت العلم بالحقيقة مقر بأنه تعالى لايحاط به ومن نفى مقر بأنه تعالى عرفه العارفون بدلالة الآيات وتحققوا أوصافه تعالى بواجب الصفات وتيقنوا تنزهه عن التشبيه بالمحدثات وتقدسه عن الحدوث والكيفيات قال الأستاذ أبوالحجاج الضرير مقرراً لنفي العلم بالحقيقة مثبتاً للعلم به تعالى من هذه الطريقة ولايحيط عارف بذاته علما كماقال ولاصفاته ولو رآه خلقه تعالى لأكثروا الإعظام والإجلالا فدل ذلك أنه على صفه من الجلال لم تنله معرفة انتهى وظاهر أن هذا الخلاف في الدنيا والآخرة وفي جمع الجوامع للإمام السبكي مانصه. حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق قال المحققون ليست معلومة الآن واختلفوا هل يمكن علمها في الأخرة قال العراقي بعد أن حكى الخلاف في صحة العلم بحقيقته تعالى للبشر الآن في الدنيا وأن جمهور المحققين على عدم صحة ذلك وحكوا عن الشافعي أنه قال (من انتهض لطلب مدبره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبه وإن اطمأن إلى العدم الصرف فهو معطل وإن إطمأن إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد) وهو معنى قول الصديق ﵁ (العجز عن الإدراك إدراك) وقد قيل حقيقة المرء ليس يدركها فكيف كيفية الجبارفي القدم واحتج على ذلك أنه يمتنع أن يكون الكلي معلوماً للجزئي لأن الجزئي متناه والكلي غير متناه ثم من ذهب إلى تجويز ذلك في الدنيا فهو في الآخرة أشد تجويزاً ومن منعه في الدنيا اختلفوا هل يمكن إدراكه في الآخرة اهـ وفي شرح الكبرى وبالجملة فالمقطوع به بشهادة البراهين العقلية والقواطع السمعية أنه جل وعلا ذات قائم بنفسه أي مستغنٍ عن المحل والمؤثر لوجوب وجوده موصوف بما لايحاط به من صفات الجمال والجلال ليس بصفة من الصفات ولاجرماتجري عليه الحوادث والتغيرات ولاتمر عليه الأزمنة ولايتخصص بالجهات لايقبل اجتماعاً ولاافتراقاً ولاصغراً ولاكبراً لامثل له ولانظير ولاضد ولا وزير كل الممكنات مفتقرة إليه وهو الغني عن جميعها في الأزل وفيما لايزال وهو على كل شيء قدير كل ذلك شهدت به البراهين المنتهية إلى ضرورات العقول وطابق فيها المعقول المنقول ثم عجزت العقول بعد عن

стр. 44

الإدراك وانقطع تشوفها للخوض فيماخرج عن دائرة التوهمات والتخيلات وقصارى أمرها أنهاصارت من أجل اللمحة التي لحظت والرمزة التي بهاغابت عن العوالم كلها وفيها تأهب وبهاولهت تطايرمن وراء حجب الكبرياء وإرادية العز تشوفاً إلى مالايكيف من جميل اللقاء وتتنسم من مواهب الزيادة لكشف الغطاء ماتروح به عن القلب المحترق الأحشاء وربماعظم الشوق بلطف نسيم المزيد فشطحت الذوات شطحاً طارت به الروح عن سحب الجد وإتصلت بما لانهاية لزيادة نعيمه على طول الأبد. وللمولى القطب الجامع أبي مدين ﵁ في هذا المعنى. فقل للذي ينهى عن الوجد أهله إذا لم تذق معنى شراب الهوى دعنا إذا اهتزت الأرواح شوقاً إلى اللقا ترقصت الأشباح ياجاهل المعنى أما تنظر الطير المقفص يافتى إذا ذكرالأوطان حن إلى المغنى ففرج بالتغريد مابفؤاده فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى ويرقص في الأقفاص شوقاً إلى اللقا فيهتز أرباب العقول إذا غنى كذلك أرواح المحبين يافتى تهززهاالأشواق للعالم الأسنى أتلزمها بالصبر وهي مشوقة وهل يستطيع الصبر من شاهد المغنى فيا حادي العشاق قم واحد قائما وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا وصن سرنا في سكرنا عن حسودنا وإن أنكرت عيناك شيئاً فسامحنا فأنا إذا طبنا وطابت عقولنا وخامرنا خمر الغرام تهتكنا فلا تلم السكران في حال سكره فقد رفع التكليف في سكرنا عنا. وقدأنشدني بعض الأصحاب بيتاً قبل البيت الأول من هذه القصيدة ولفظه. يحركنا ذكر الأحاديث عنكم ولولا هواكم في الحشا ماتحركنا ولم يشرح عليه شارح هذه القصيدة وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الهبطي ﵀ ونفع به وُجُودُهُ لَهُ دَلِيلٌ قَاطِعْ حَاجَةُ كُل مُحدِثٍ لِلصَّانِعْ لَوْ حَدَثَتْ لِنَفْسِهَا الأَكُوَانُ لاَجْتَمَعَ التَّساوي وَالرُّجْحَانُ وَذَا مَحَالٌ وَحُدُوثُ العَالَمِ مِنْ حَدَثِ الأعْرَاضِ مَعْ تَلاَزُمِ

стр. 45

لما فرغ من تعداد الصفات الواجبة والمستحيلة والجائزة في حقه تعالى أخذ يذكر براهينها ودلائلها ليخرج المكلف بمعرفتها عن ربقة التقليد المختلف في إيمان صاحبه فأخبر أن لوجوده تعالى دليلاً قاطعاً أي لكل شبهة وهو افتقار كل محدث بفتح الدال اسم مفعول إلى صانع أي محدث بكسرها وافتقار كل حادث إلى محدث منهم من قال إنه أمر ضروري لايفتقر إلى دليل حتى قال الإمام الفخر في المعالم إن العلم بذلك مركوز في فطرة طباع الصبيان فإنك إذا لطمت وجه الصبي من حيث لايراك وقلت إنه حصلت هذه اللطمة من غير فاعل البتة لايصدقك بل في فطرة البهائم فإن الحمار إذا أحس بصوت الخشبة فزع لأنه تقرر في فطرته أن حصول صوت الخشبة بدون الخشبة محال وعلى كونه ضرورياً لو اكتفى الناظم بالبيت الأول لكفى ومنهم من قال أن العلم بذلك نظري وهو الصحيح إلا أنه يحصل بنظر قريب ولأجل قربه ظن بعضهم أن ذلك العلم ضروري وإلى بيان النظر أشار الناظم بقوله لوحدثت إلى قوله وذامحال ومعنى ذلك أن الحادث إذا حدث في الوقت المعين فالعقل لايمنع استمرار عدمه ولايمنع صحة تقدمه على الوقت الذي وجد فيه بأوقات أوتأخره عنه بساعات فاختصاصه بالوجود بدلاً عن العدم المجوز عليه وبكونه في ذلك الوقت لاقبله ولابعده يفتقر قطعاً إلى محدث يخصصه بماذكر بدلاً عن مقابله ولو حدث لنفسه لاجتمع التساوي والرجحان وإجتماعهما محال لأنهما متنافيان وبيانه أن العالم يصح وجوده ويصح عدمه على السواء كمامر فلو حدث بنفسه ولم يفتقر إلى محدث لزم أن يكون وجوده الذي فرض مساواته لعدمه راجحاً بلا سبب على عدمه الذي فرض أيضاً مساواته لوجوده وهو محال فتعين أن يكون المرجح لوجوده على عدمه ولكون وجوده في الوقت دون وقت آخر غيره هو الفاعل المختار جل وعلا وهذامعنى قولهم لزم أن يكون أحد الأمرين المتساويين مساوياً لذاته راجحاً وهومحال ضرورة هذاإن قلنا الوجود والعدم بالنسبة إلى الممكن متساويات وهو المختار أما إن قلنا إن العدم أولى به من الوجود لقبوله إياه بلا سبب فهو أصل في كل حادث فأظهر في الاحتياج إلى الصانع لئلا يلزم ترجيح الوجود المرجوح على العدم الراجح بلا مرجح فقد ظهر استحالة المخصوص دون سائر الأمكنة وفي تخصيصه بالزمان المخصوص دون سائر الأزمنة وفي تخصيصه بالمقدار المخصوص دون سائر المقادير وفي تخصيصه بالصفة المخصوصة دون سائر الصفات فهذه الأشياء كلها متساوية فاختصاصها وترجيحها على مقابلها يدل على أن المرجح غيرها وهو الله تعالى.

стр. 46

قوله وحدوث العالم إلخ لماقدم في برهان الوجود حدوث العالم ذكر هنا برهان ذلك وهو ملازمته للأعراض الحادثة فإن أجرام العالم يستحيل انفكاكها عن الأعراض كالحركة والسكون وهذه الأعراض حادثة بدليل مشاهدة تغيرها فلوكانت قديمة لزم أن لاتنعدم لأن ماثبت قدمه استحال عدمه وإذا ثبت حدوثها واستحال وجودها في الأول لزم حدوث الأجرام واستحال وجودها في الأول قطعاً لاستحالة انفكاكها عن الأعراض إذ حدوث أحد المتلازمين يستلزم حدوث الآخر ضرورة ولم يذكر الناظم دليلي حدوث العرض لوضوحه والأكوان أعراض مخصوصة وهي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق قاله في شرح الكبرى والمراد به كلام الناظم والله أعلم ماهو أعم من الجوهر والعرض من سائر الموجودات الحادثة ويحتمل أن يريد الأعراض المخصوصة كماذكر ويدخل غيرها من الأعراض وسائر الجواهر من باب لافارق والتساوي في كلام الناظم بحذف الياء للوزن والعالم بفتح اللام كل ماسوى الله تعالى والعرض بفتحتين عند المتكلمين اسم لمالادوام له وهو مايقوم بغيره قاله في القاموس وفي شرح الكبرى العرض ماكانت ذاته لاتشغل فراغاً ولا له قيام بنفسه وإنما يكون وجوده تابعاً لوجود الجوهر كالعلم الذي يقوم بالجوهر وكالحركة واللون فإنها لاتشغل فراغاً بل الفراغ الذي شغله الجوهر قبل اتصافه بها هو الفراغ الذي أشغله مع إنصافه بها من غير زيادة اهـ. لَوْ لَمْ يَكُ الْقِدَمُ وَصْفَهُ لَزِمَ حُدُوثُهُ دَرْرٌ تَسَلْسُلٌ حُتمْ لَوْ أمْكنَ الْفَنَاءُ لاَنْتَفَى الْقِدَمُ لَوْ مَاثَلَ الْخَلْقِ حُدُوثُهُ انْحَتَمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَصْفُ الْغِنَى افْتَقَرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ لَمَا قَدَرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيَّاً مُرِيداً عَالِماً وَقَادِرَاً لَمَا رَأَيْتُ عَالِماً وَالتَّالِ فِي السِّتِّ الْقَضايَا بَاطِلُ قَطْعاً مُقَدَّمٌ إِذاً مُماثِلُ ذكر الناظم في هذه الأبيات براهين تسع صفات قائلاً في كل برهان منها لو لم يكن كذا للزم كذا أولوكان كذا لكان كذا وتبع ﵀ اصطلاح أهل المنطق في تسمية مجموع قولنا لوكان كذا لكان كذا ونحوه قضية وتسميته الجزء الأول منها وهو قولنا لوكان كذا مقدماً وتسمية الجزء الثاني وهو قولنا لكان كذا تالياً باللازم كما يؤخذ

стр. 47

ذلك كله من قوله والتالي في الست القضايا البيت ولو أسقط هذه العبارة المستعملة عند أهل فن لايخالطه قارىء هذه المنظومة غالباً لكان أنسب بالمقام ولكنه لما كان يتفجر علماً نفعنا الله به صار وإن تنازل مااستطاع لابد أن تسرقه الطباع فهو كماقيل. وكل إناءبالذي فيه يرشح. الصفة الأولى القدم فذكر أنه تعالى لو لم يكن موصوفاً بالقدم لزم حدوثه فيفتقر إلى محدث ويلزم الدور أو التسلسل وكل منهما محال لكن حدوثه تعالى محال باطل قطعاً فعدم وصفه تعالى بالقدم محال بل هو تعالى واجب القدم فالتالي لزوم حدوثه تعالى والمقدم كونه تعالى غير قديم وكل منهما باطل فلزوم الدور أو التسلسل مسبب عن التالي الذي هو الحدوث إذ كل حادث مفتقر إلى محدث فيلزم ماذكر فجملة حتم بالبناء للمجهول خبر دور وما عطف عليه وحذف أو العاطفة وهوقليل ومنه قوله (رجل في إزار ورداء في إزار وقميص) أي ليصل رجل في إزار ورداء أوفي إزار وقميص والمسوغ للابتداء به التقسيم وفي الكلام حذف متعلق إذ به ترتبط الجملة بماقبلها تقديره عليه ودور أو تسلسل حتم أي تحتم على الحدوث وبيان البرهان الذي ذكرأنه لو لم يكن تعالى قديماً لكان حادثاً لوجوب انحصار كل موجود في القدم والحدوث فمهما انتفى أحدهما تعين الآخر والحدوث على مولانا جل وعز مستحيل ويلزم أيضاً في هذا المحدث مالزم في الذي قبله من الافتقار إلى محدث آخر وهكذا فإن انتهى العدد وانحصر لزوم الدور فيلزم أن يكون الأول الذي انتهى إليه العدد إنما أوجده بعض من بعده ممن تأخر وجوده عنه فيكون سابقاً عليه في الوجود متأخراً عنه وذلك لايعقل وإن لم ينته العدد بل تسلسل إلى غير أول لزم وجود مالا نهاية له عدداً والفراغ من ذلك فيمامضى وذلك لايعقل إذ مالانهاية له من الأعداد كأنفاس أهل الجنة وأزمنتهم ونعيمهم مثلاً لايسعه إلا المستقبل بأن يوجد فيه شيئاً بعد شيء أبداً وإما أن يوجد في الحال والمضي فلايعقل (تنبيه) وكما يجب وصف ذاته العلية بالقدم فكذلك صفاته السنية قال في شرح الكبرى لوكان الشيء من صفاته تعالى حادثاً لزم أن لايعرى عنه أوعن ضده الحادث لما عرفت من أن القابل للشيء لايخلو عنه أوعن ضده وما لا يعرى عن الحوادث لا

стр. 48

يسبقها ومالايسبقها كان حادثاً مثلها وهو معنى قولي في أصل العقيدة ومالا تتحقق ذاته بدون حادث يلزمه حدوثه ضرورة أي مالايمكن مفارقة ذاته للحوادث يلزم حدوثه ضرورة إذ لو كان هوقديماً ووصفه اللازم له حادثاً لكان مفارقاً لوصفه اللازم كيف وقد تحقق أنه لا يفارقه اهـ. الثانية البقاء فذكر أنه لوأمكن أن يلحقه الفناء لانتفى عنه القدم وانتفاء القدم عنه تعالى مستحيل لمامر قريباً فإمكان الفناء محال أيضاً بل هو تعالى الباقي الذي لا يفنى فالتالي انتفاء القدم عنه تعالى والمقدم إمكان الفناء وكلاهما باطل وبيان ذلك أنه لو جاز أن يلحقه العدم تعالى عن ذلك لكان وجوده جائزاً لاواجباً لصدق حقيقة الجائز حينئذ على ذاته تعالى وهو مايصح وجوده وعدمه وهذا التقدير الفاسد يستلزم صحة الوجود والعدم للذات فيكون جائز الوجود وذلك يستلزم حدوثه تعالى عن ذلك لما عرفت من استحالة ترجيح الوجود الجائز على العدم مقابلة المساوي له في القبول من غير فاعل مرجح كيف وقد سبق قريباً برهان وجوب قدمه تعالى فثبت وجوب البقاء له تعالى كالقدم ولهذا يقولون ماثبت قدمه استحال عدمه. الثالثة مخالفته للحوادث فذكر أنه تعالى لو ماثل خلقه لتحتم حدوثه وتحتم حدوثه تعالى محال لمامر من وجوب القدم فمماثلته لخلقه مستحيلة أيضاً بل هو تعالى مخالف لخلقه فالتالي تحتم حدوثه تعالى والمقدم المماثلة للخلق وكلاهما لايصح أيضاً وبيان ذلك أن كل مثلين لابد وأن يجب لأحدهما مايجب للآخر ويستحيل عليه مااستحال على الآخر ويجوز له ماجاز عليه وقد عرفت بالبرهان القاطع أن كل ماسوى مولانا جل وعز يجب له الحدوث فلو ماثل شيئاً مماسواه لوجب له تعالى من الحدوث ماوجب لذلك الشيء وذلك باطل لما عرفت بالبرهان القاطع من وجوب قدمه وبقائه وبالجملة لوماثل تعالى شيئاً من الحوادث لوجب له القدم لألوهيته والحدوث لفرض مماثلته للحوادث وذلك جمع بين متنافين ضرورة. الرابعة استغناؤه تعالى عن كل ماسواه فذكر أنه لو لم يجب وصفه تعالى بالغنى لكان مفتقراً لكن افتقاره تعالى محال فانتفاء وجوب الغنى عنه تعالى محال أيضاً بل هو تعالى الغني عن كل ماسواه المفتقر إليه كل ماعداه فالتالي افتقاره تعالى عن ذلك والمقدم عدم وجوب الغنى له تعالى وكلاهما لايصح وبيان ذلك أنه قد تقدم أن قيامه تعالى بنفسه عبارة عن استغنائه جل وعلا عن كل ماسواه من محل أومخصص أما برهان استغنائه تعالى عن المحل أي عن ذات يقوم بها فهو أنه لو احتاج إلى ذات أخرى

стр. 49

يقوم بها لزم أن يكون صفة لتلك الذات إذ لايقوم بالذات إلا صفاتها ومولانا جل وعز يستحيل أن يكون صفة حتى يحتاج إلى محل يقوم به إذ لوكان صفةً لزم أن لايتصف بصفات المعاني وهي القدرة والإرادة إلى آخرها ولا بالصفات المعنوية وهي كونه تعالى قادراً ومريداً إلى آخرها إذ لو قبلت الصفة صفةً أخرى لزم أن لاتعرى عنها أوعن مثلها أوعن ضدها ويلزم مثل ذلك في الصفة الأخرى التي قامت بها وهلم جرا إذ القبول نفسي فلابد أن يتحد بين المماثلات وهو محال لما يلزم عليه من التسلسل ودخول مالا نهاية له من الصفات في الوجود وهو محال فإذاً الصفة لاتقبل أن تتصف بصفة ثبوتية تقوم بها من صفات المعاني ولاالمعنوية بخلاف الصفة النفسية والسلبية فتتصف بهما الذوات والمعاني ومولانا جل وعز قام البرهان القاطع على وجوب اتصافه بصفات المعاني والمعنوية فيلزم أن يكون ذاتاً موصوفاً بالصفات وليس هو في نفسه صفةً لغيره وأما برهان وجوب استغنائه تعالى على المخصص أي الفاعل فهو أنه لو احتاج إلى الفاعل لكان حادثاً وذلك محال لما عرفت بالبرهان القاطع من وجوب قدمه تعالى وبقائه فتبين بهذين البرهانين وجوب الغنى المطلق لمولانا جل وعز عن كل ماسواه وهو قيامه تعالى بنفسه. الخامسة الوحدانية فأخبر أنه تعالى لو لم يكن واحداً بل متعدداً بأن كان معه في الوجود إله أو أكثر ماقدر على إيجاد أي ممكن أوإعدامه بل يكون عاجزاً والعجز عليه تعالى محال فكونه غير واحد محال أيضاً بل هوتعالى الواحد الأحد فالتالي كونه غير قادر تعالى عن ذلك والمقدم كونه تعالى غير واحد بل متعدداً وكلاهما لايصح. ثم اعلم أنه يدخل في كونه غير واحد خمسة أقسام كمامر في الوحدانية الأولى كون ذاته مركبة من أجزاء الثاني أن يكون لها نظيريماثلها ويدخل هذان القسمان في عدم وحدانية الذات الثالث تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذاتها العليا الرابع تعددها مع قيامها بذات أخرى ويدخل هذان القسمان في عدم وحدانية الصفات الخامس أن يكون معه في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال وهو عدم وحدانية الأفعال فدليل استحالة القسم الأول وهو كونه الذات العلية مركبة من أجزاء أن أوصاف الألوهية إما أن تقوم بكل جزء أو بالمجموع أو بالبعض والأقسام كلها مستلزمة للعجز نفياً أما الأول فلأن كل جزء يكون إلهاً فيلزم التمانع كما في تعدد

стр. 50

الإلهين الآتي وذلك مؤد للعجز وأما الثاني فلأنه يلزم منه عجز كل جزء على الانفراد وعجزه يوجب عجز سائر الأجزاء المماثلة وذلك مستلزم لنفينا وأما الثالث فلأنه لاأولوية لبعض الأجزاء على بعض وحينئذ لاتقوم بها وذلك يستلزم عجز جميعها ودليل استحالة القسم الثاني وهو أن يكون للذات العلية نظير يماثلها أن النظير إما أن يخالف في الإرادة تضاداً أو يوافق والقسمان مستلزمان العجز المستلزم لنفينا أما الأول فلأن الإرادتين إماأن تنفذا أم لا فإن نفذتا لزم اجتماع متنافيين وهو لايعقل فإذاً يجب عدم نفوذهما معاً وحينئذ فإما أن تتعطلا معاً أو إحداهما فإن كان الأول لزم عجزهماوإن كان الثاني لزم عجز من تعطلت إرادته ويلزم منه عجز الآخر للمماثلة وأما الثاني فلأن الإرادتين قد تتوجهان إلى مالايقبل الانقسام من عرض أوجوهر فرد فلا يمكن أن تنفذفيه إلا إرادة واحدة وحينئذ فإما أن تنفذ إرادة أحدهما أولا فإن نفذت لزم عجز من لم تنفذ إرادته ويلزم منه عجز الآخر للمماثلة وإن لم تنفذا فيه لزم عجزهما ودليل استحالة القسم الثالث وهو تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذاته العلية فهو أن يقال لو كانت من صفاته متعددة لم يخل إما إن تتعدد بحسب تعدد متعلقاتها التي قام بها البرهان على أنها غيرمتناهية وإما أن تختص بعدد متناه ويلزم على الأول وجود صفات لانهاية لها عدداً وهو محال إذ كل مايدخل تحت الوجود فلا بد من صحة تمييزه وتمييز مالا يتناهى محال فوجود مالايتناهى محال ولايلزم على الثاني وهواختصاصها بعدم متناه افتقارها إلى مخصص يخصصها بعد دون آخرإذ لارجحان لبعض الأعداد على بعض وذلك يستلزم حدوثهاوأيضاً يلزم توزيع مالا يتناهي من المتعلقات على مالايتناهي من الصفات وهو محال ضرورة وإذا لزم من تعددها غيرمتناهية وجودصفات لانهاية لها عدداً وهو محال ولزم من تعددها متناهية حدوثها وهو محال أيضاً كما مرالتنبيه عليه في صفة القدم ومن جملة الصفات القدرة لزوم من تقدير التعدد بقسمية فيها عجزه تعالى عن ذلك إذ مايلزم عليه المحال وهو تعدد القدرة مثلاً محال وإذا استحال الوصف بالقدرة متعددة كان إما عاجزاً وهو محال أوموصوفاً بقدرة واحدة وهوالمطلوب ودليل استحالة القسم الرابع وهو تعدد صفة من صفاته تعالى مع قيامها بذات أخرى هو دليل إستحالة القسم الثاني وهو وجود نظير لذاته تعالى يماثلها ودليل استحالة القسم الخامس وهو أن يكون مع الإله تعالى في الوجود مؤثر في فعل من الأفعال أنه لوصح أن يكون لغير المولى تأثير لوجب أن يكون ذلك الأثر مقدوراً له تعالى لعموم قدرته وحينئذ إما أن يحصل اتفاق أواختلاف ويأتي ماسبق فإن كان المؤثر غير المولى سبحانه لزم عجزه ويلزم عجزه عن سائر الممكنات لتساويها وقد ظهر مما مر

стр. 51

أن قول الناظم لما قدر دليل الوحدانية بجميع وجوهها كماظهر من القسم الخامس أن لاتأثير لقدرتنا الحادثة في فعل من الأفعال قال في شرح الصغرى إثر ذكره برهان الوحدانية وبهذا تعرف أن لاأثر لقدرتنا في شيء من أفعالنا الاختيارية كحركاتنا وسكناتنا وقيامنا وقعودنا ومشينا ونحوها بل جميع ذلك مخلوق لمولانا جل وعز بلا واسطة وقدرتنا أيضاً مثل ذلك عرض مخلوق لمولانا جل وعز يقارن تلك الأفعال ويتعلق بها من غير تأثير لها في شيء من ذلك أصلاً وإنما أجرى الله تعالى العادة أن يخلق عند تلك القدرة لابها ماشاء من الأفعال وجعل سبحانه بمحض اختياره وجود تلك القدرة فينا مقترنةً بتلك الأفعال شرطاً في التكليف وهذا الاقتران والتعلق لهذه القدرة الحادثة بتلك الأفعال من غير تأثير لها أصلاً هو المسمى في الاصطلاح وفي الشرع بالكسب والاكتساب وبحسبه تضاف الأفعال للعبد كقوله تعالى ﴿لها ماكسبت وعليهامااكتسبت﴾ أما الاختراع والايجاد فهو من خواص مولانا جل وعز لايشاركه فيه شيء سواه ﵎ ويسمى العبد عند خلق الله تعالى فيه القدرة المقارنة للفعل مختاراً وعندما يخلق الله فيه الفعل مجرداً عن تلك القدرة الحادثة مجبوراً ومضطراً كالمرتعش مثلاً وعلامة مقارنة القدرة الحادثة لمايوجد في محلها تيسره بحسب العادة فعلاً وتركاً وعلامة الجبر عدم تلك القدرة وعدم التيسر وإدراك الفرق بين هاتين الحالتين ضروري لكل عاقل كما أن الشرع جاء بإثبات الحالتين وتفضل بإسقاط التكليف في الحالة الثانية وهي حالة الجبر دون الأولى قال تعالى ﴿لايكلف الله نفساًإلا وسعها﴾ بحسب العادة وأما بحسب العقل وما في نفس الأمر فليس في وسعها أي طاقتها اختراع شيء ماوبهذا تعرف بطلان مذهب الجبرية القائلين باستواء الأفعال كلها وأنه لاقدرة تقارن شيئاً منهاعموماً ولاشك في أنهم في هذه المقالة مبتدعة بل يكذبهم الشرع والعقل وبطلان مذهب القدرية مجوس هذه الأمة القائلين بتأثيرتلك القدرة الحادثة في الأفعال على حسب إرادة العبد ولاشك أنهم مبتدعة أشركوا مع الله تعالى غيره فتحقق مذهب أهل السنة بين هذين المذهبين الفاسدين فهو وقد خرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين وكما أن هذه القدرة الحادثة لاأثر لهاأصلاً في شيء من الأفعال كذلك لاأثر للنار في شيء من الإحتراق أو الطبخ أو التسخين أوغير ذلك لابطبعها ولابقوة وضعت فيها بل الله تعالى أجرى العادة اختياراً منه جل وعز بإيجاد تلك الأمور عندها لابها وقس على هذا مايوجد مع القطع للسكين والألم عند الجرح والشبع عند الطعام والري عند الشرب والنبات عند الماء والضوء عند الشمس والسراج ونحوهما والظل عند الجدار

стр. 52

والشجرة ونحوهما وبرد الماء الساخن عند صب ماء بارد فيه وبالعكس ونحو ذلك مما لاينحصر فاقطع في ذلك كله بأنه مخلوق الله تعالى بلا واسطة ألبتة وأنه لاأثر فيه أصلاً لتلك الأشياء التي جرت العادة بوجودها معه وبالجملة فلتعلم أن الكائنات كلها يستحيل منها الاختراع لأثر ما بل جميعها مخلوق لمولانا ابتداءً ودواماً بلا واسطة بهذا شهد البرهان العقلي ودل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح قبل ظهور البدع ولاتصغ بأذنيك لما ينقله بعض من أولع بنقل الغث والسمين عن مذهب بعض أهل السنة مما يخالف ماذكرناه فشد يدك على ماذكرناه فهو الحق الذي لاشك فيه ولايصح غيره واقطع تشوقك عن سماع الباطل تعش سعيداً وتمت كذلك والله المستعان اهـ. السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة الحياة والإرادة والعلم والقدرة فذكر أنه لو لم يكن تعالى موصوفاً بجميعها مارأيت عالماً بفتح اللام وهو ماسوى الله تعالى والعالم موجود مرئي فهو تعالى موصوف بماذكر فالتالي عدم رؤية العالم والمقدم عدم وصفه تعالى بالصفات الأربع وكلاهما لايصح والدليل على تصافه تعالى بماذكر أنه قد تقدم أن تأثير القدرة الأزلية موقوف على إرادته تعالى ذلك الأثر وإرادته تعالى لذلك الأثر موقوفة على العلم به والاتصاف بالقدرة والارادة والعلم موقوف على الاتصاف بالحياة إذ هي شروط فيها ووجود المشروط بدون شرطه مستحيل فإذاً وجود حادث أي حادث كان موقوفاً على اتصاف محدثه بهذه الصفات الأربع فلو انتفى شيء منها لماوجد شيء من الحوادث قال في شرح الصغرى وبهذا يتبين وجوب اتصافه تعالى بهذه الصفات في الأزل إذ لو كانت حادثة لزوم توقف إحداثها على اتصافه تعالى بأمثالها قبلها ثم تنقل الكلام إلى أمثالها ويلزم التسلسل وهو محال فيكون وجود تلك الصفات على هذا التقدير محالاً وذلك مؤد إلى المحذور المذكور وهو أن لايوجد شيء من الحوادث وبهذا تعرف أيضاً وجوب عموم التعلق للمتعلق منها كالعلم والقدرة والإرادة إذ لو اختصت ببعض المتعلقات دون بعض لزم الافتقار إلى المخصص فتكون حادثةً ولايمكن أن يكون المحدث لها غير الموصوف بها لماعرفت من وجوب الوحدانية له تعالى وانفراده بالاختراع وإحداثه تعالى لها فرع عن اتصافه بأمثالها قبلها ثم تنقل الكلام إلى تلك الأمثال ويجيء ماقد سبق فقد بان لك بهذا أن البرهان الذى ذكرناه في أصل العقيدة يؤخذ منه ثلاثة أمور وجوب هذه الصفات ووجوب القدم والبقاء لها ووجوب عموم التعلق بالمتعلق اهـ والبرهان الذي ذكرناه في أصل هذه العقيدة هو قوله وأما برهان وجوب اتصافه تعالى بالقدرة والإرادة والعلم والحياة فلأنه لو انتفى شيء

стр. 53

منها لما وجد شيء من الحوادث وهو معنى قول الناظم لو لم يكن حياً البيت فيؤخذ منه الثلاثة الأمور كما قال في شرح صغرى الصغرى قوله والتالي في الست القضايا البيت معناه أن التالي من القضايا الست المتقدمة باطل فالمقدم منها الثاني في البطلان وقد تقدم بيانها عند ذكر البراهين الست فراجعه إن شئت. وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْكَلاَمْ بِالنَّقْلِ مَعْ كَمَالِهِ تُرَامْ أخبر أن لوجوب إتصافه تعالى بالسمع والبصر والكلام دليلين شرعي ويقال فيه نقلي وسمعي وهو المراد بقوله بالنقل وعقلي وإليه أشار بقوله مع كماله فالسمعي كقوله تعالى ﴿وهوالسميع البصير﴾ وكقوله ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ والأحاديث بذلك كثيرة وانعقد الإجماع على وجوب اتصافه تعالى بذلك والعقلي هو أن نفي هذه الصفات يدل على اتصافه تعالى بضدها وهي نقائص والنقص عليه تعالى محال قال في شرح الصغرى لأنه يستلزم أن يحتاج حينئذ إلى من يكلمه بأن يدفع عنه ذلك النقص ويخلق له الكمال وذلك يستلزم حدوثه وافتقاره إلى إله آخر كيف وقد تقرر بالدليل وجوب الوحدانية له تعالى وأيضاً لو اتصف بتلك النقائص لزم أن يكون بعض مخلوقاته أكمل منه تعالى عن ذلك لسلامة كثير من المخلوقات من تلك النقائص والمخلوق يستحيل أن يكون أشرف من خالقه وهذا الدليل العقلي وإن كان لايسلم من الاعتراض فذكره عن سبيل التبعية والتقوية لما هو مستقل بنفسه ولايرد عليه شيء وهو الدليل النقلي حسن وقد لوحنا إلى ذلك بتأخيره في أصل العقيدة اهـ قلت وكذا لوح الناظم لذلك أيضاً بتأخيره (تنبيه) قال في شرح صغرى الصغرى اعلم أن عقائد الإيمان تنقسم على ثلاثة أقسام مالايصح أن يعلم إلا بالدليل العقلي وهو كل ماتتوقف عليه دلالة المعجزة كوجوده تعالى وقدرته وإرادته وعلمه وحياته فإنه لو استدلوا على هذا القسم بالدليل الشرعي وهو متوقف على صدق الرسل المتوقف على دلالة المعجزة لزوم الدور. الثاني مايصح أن يستدل عليه بالدليل الشرعي وهو كل مالاتتوقف عليه دلالة المعجزة كالسمع والبصر والكلام والبعث وأحوال الآخرة جملةً وتفصيلاً. الثالث مااختلف فيه للتردد فيه هل هو من القسم الأول أومن القسم الثاني كالوحدانية فإنه اختلف فيها

стр. 54

هل يكفي فيها الدليل السمعي بناءً على عدم توقف دلالة المعجزة عليها في علم الناظر وأن توقف وجود المعجزة عليها في نفس الأمر لإستحالة وجود الفعل مع وجود الشريك أو لابد فيها من الدليل العقلي نظراً إلى توقف دلالة المعجزة على صحة وجود المعجزة أيضاً المتوقف على الوحدانية لأن المعجزة فعل والفعل يستحيل وجوده على تقدير الأثنينية في الألوهية والمتوقف على المتوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء اهـ ومعنى كلامه أن دلالة المعجزة على صدق الرسول المتحدي بها متوقفةً على إتصاف مصدقه وهو الله تعالى بماذكر في القسم الأول فلايصح أن يستدل عليه بقول الرسول المتوقف على صدقه على دلالة المعجزة للدور وهو توقف دلالة المعجزة على إتصافه تعالى بتلك الأوصاف وإتصافه بتلك الأوصاف متوقف على دلالة المعجزة بخلاف ماذكر في القسم الثاني فلا تتوقف دلالة المعجزة على الصدق على إتصافه تعالى بها فصح الإستدلال عليها بقول الرسول وأما القسم الثالث فذو نظرين كما ذكر وكونه من القسم اوول أظهر والله أعلم وزاد في شرح الكبرى في القسم الأول القدم والبقاء وجعل كل مايرجع إلى وقوع جائز كالبعث وأحوال الآخررة مما لايصح الإستدلال عليه إلآ بالسمع عكس القسم اوول قال لأن غاية مايدرك العقل وحده من هذه الأمور جوازها أما وقوعها فلاطريق له إلآ السمع لَوْ إسْتَحَالَ مُمْكِنٌ أَوْ وَجَبَا قَلْبُ الْحَقَائِقِ لُزُوماً أَوْجَبَا ذكر في هذا البيت دليل القسم الثالث الجائز في حقه تعالى المشار إليه بقوله يجوز في حقه فعل الممكنات البيت فأخبرأنه لو وجب عقلاً عليه تعالى وجود ممكن أواستحال عقلاً لزم قلب الحقائق وذلك لايعقل إذ حقيقة الممكن مغايرة لحقيقة الواجب والمستحيل كما مر بيانه فقوله ممكن على حذف مضاف أي فعل ممكن أو وجود ممكن وقلب مفعول وجبا قال في صغرى الصغرى وأما الجائز في حقه تعالى ففعل كل ممكن أو تركه صلاحاً كان أوضده لما عرفت قبل وجوب عموم قدرته تعالى وإرادته لجميع الممكنات، ويدخل في ذلك جواز خلق الله تعالى الرؤية لذاته العلية والسمع لكلامه القديم والثواب في دار النعيم والبعث لرسله الأكرمين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قال في الشرح: لاشك أن الجواز لايتطرق للذات العلية ولالشيء من صفاتها المرتفعة لوجوب الوجود لجميع ذلك وإنما يرجع الجواز للتعلق التنجيري لقدرته تعالى وإرادته وهذا التعلق ليس بقديم مرجعه إلى صدور الكائنات عن قدرته تعالى وإرادته ولما عرفت فيما سبق عموم تعلق قدرته تعالى وإرادته لجميع الممكنات،

стр. 55

وعرفت وجوب وحدانيته ﵎ عرفت أن كل ممكن فهو جائز بأن يكون بقدرة الله تعالى وإرادته وليس فيه ماهو واجب عقلاً كالصلاح والأصلح كما قال بعض من ضل لأنه يلزم عليه قلب حقيقة الصلاح والأصلح الجائزة بأن ترجع واجبة وذلك يمنع وقوع ضدها وهو الفساد كيف وهو موجود بالمشاهدة ومن الممكنات الجائزة عند أهل الحق رؤية المخلوق لمولانا جل وعلا على مايليق به ﵎ من غير وجهة ولاجرمية ولاتحيز لأنه تعالى موجود وكل موجود يصح أن يرى بالبصر واستدعاء الرؤية المقابلة للمرئي والجهة له والتوسط بين القرب جداً والبعد جداً إنماهو عادي يقبل التخلف وكما صح أن يعلم مولانا جل وعلا على مايليق بجلاله وعظمته من إحاطة فكذا يصح أن يرى جل وعلا بالبصر على ممايليق به تعالى وليست الرؤية بإثبات شعاع يتصل بالمرئي حتى تستحيل رؤيته جل وعلا لاستحالة اتصال الشعاع به ﵎ إذ لوكانت الرؤية باتصال شعاع بالمرئي لزم أن لايرى الرائي إلا مقدار حدقته كيف وهو ينكشف للرائي في نظرة واحدة أضعاف ذاته أضعافاً لاحصر لها بحيث يقطع أنه لايمكن أن ينفصل منه شعاع يتصل بأدنى شيء منها وكذا من الجائزات إثابة الله تعالى المطيع إذ لاحق لأحد عليه تعالى إذ لانفع له بطاعة أحد وأيضاً فالطاعة خلق له ﵎ وليس للعبد فيها إلا الاكتساب والاتصاف ولاأثر له فيها أصلاً وكذا من الجائزات بعث الله تعالى لرسله عليهم الصلاة والسلام لأن ماقدر الله معهم من المصالح الدينية والدنيوية فبمحض فضله ولاأثر للرسل عليهم الصلاة والسلام في شيء من المصالح ولاحق لأحد على مولانا جل وعلا في هداية ولا مصلحة دنيوية ولا أخروية وأوجبت المعتزلة عقلاً على الله تعالى بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام على أصلهم الفاسد في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح على الله تعالى ولايخفى فساده وأما البراهمة فجعلوا بعث الرسل مستحيلاً ورأوا أن العقل يصل وحده بتحسينه وتقبيحه إلى أحكام الله تعالى ولاتخفى سخافة عقولهم إلى الغاية لماعرفت أن مرجع أحكام الله تعالى الشرعية إلى نصب أفعال خلقها الله تعالى وجعلها بمحض اختياره أمارات على ماشاء من ثواب أوعقاب أوغيرهما ولاحسن في فعل ولاقبح يوجب له حكماً من الأحكام ومن عرف انفراده تعالى بإيجاب جميع الكائنات ونفذ إرادته فيها مع التنزه عن الأغراض لايخفى عليه فساد تلك المقالة الشنيعة اهـ. يَجِبُ لِلرُّسْلِ الْكِرامِ الصِّدْقُ أَمانَةٌ تَبْلِيغُهُمْ يَحِقُّ مُحالٌ الْكَذِبُ وَالمَنْهِىُّ كَعَدَمِ التَّبْلِيغِ يا ذَكِيُّ

стр. 56

يَجُوزُ فِي حَقِّهِمْ كُلُّ عَرَضْ لَيْسَ مُؤَدِّياً لِنَقْصٍ كالْمَرَضْ هذا هو الجزء الثاني من جزأي الإيمان لأن الإيمان مركب من جزأين أحدهما الإيمان بالله تعالى وهو حديث النفس التابع للمعرفة بمايجب له تعالى ومايستحيل ومايجوز، الثاني الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أيضاً حديث النفس التابع للمعرفة بمايجب لهم ومايستحيل ومايجوز ولماكان الجزء الثاني موقوفاً على الأول لأنه إنما يعرف ويحصل بعد معرفته قدم علماؤنا الكلام على الجزء الأول قبل الكلام على الجزء الثاني والرسل في النظم بسكون السين تخفيفاً عن ضم جمع رسول وهوإنسان ذكر بعثه الله سبحانه إلى عبيده وإمائهم ليبلغهم عنه أحكامه التكليفية الوضعية ومايتبعهما من وعد ووعيد ونحوهما وهل شرطه أن يكون له شرع جديد أوكتاب مخصوص أونسخ لشرع من قبله أولايشترط فيه شيء من ذلك أقوال وقد تقرر أنا مكلفون بمعرفة الرسل عليهم الصلاة والسلام ولايتم إيماننا إلا بمعرفة مايجب لهم ومايستحيل عليهم ومايجوز في حقهم وذكرالناظم كغيره أنه يجب في حقهم عليهم الصلاة والسلام ثلاثة أشياء (أولها) الصدق في كل مايبلغون عن المولى ﵎ أن لايكون خبرهم في ذلك إلا مطابقاً لمافي نفس الأمر ولايقع منهم الكذب في شيء من ذلك لاعمداً ولاسهواً إجماعاً عند المحققين (الثاني) الأمانة وهي حفظ جميع الجوارح الظاهرة والباطنة من التلبس بمنهي عنه نهي تحريم أوكراهة ويسمى صاحبها أميناً للأمن في جهته من المخالفة لماحد له وأوصى به لأنه الذي يترك كل أمر على الوجه الذي أوصى به مالكه أن يترك عليه ولايخون بأن ينقله بسبب الشهوة من الموضع الذي ينبغي أن يكون بوصية مالكه الذي يجب طاعته (الثالث) تبليغ كل ماأمرهم الله سبحانه بتبليغه ولم يتركوا شيئاً منه لانسياناً ولاعمداً أما عمداً فلماتقدم من وجوب الأمانة وأما نسياناً فللإجماع وأنه يستحيل في حقهم عليهم الصلاة والسلام أضداد هذه الصفات وهي الكذب الذي هو عدم مطابقة الخبر لمافي نفس الأمر فقوله الكذب على حذف مضاف أي وقوع الكذب والخيانة بفعل شيء مما نهوا عنه نهي تحريم أوكراهة وقول الناظم والمنهي هو على حذف مضاف وجار ومجرور أي وفعل المنهي عنه أي غير الكتمان لتنصيصه على استحالة عدم التبليغ فالكاف في

стр. 57

كعدم التبليغ للتشبيه في إفادة الحكم وهو الاستحالة ويحتمل أن يريد بالمنهي عنه جميع المعاصي كتماناً أو غيره فالكاف للتمثيل والأول أظهر والله تعالى أعلم وعدم التبليغ هو كتمان شيء مما أمروا بتبليغه للخلق وأنه يجوز في حقهم عليهم الصلاة والسلام الأعراض البشرية التي لاتنافي علو رتبتهم كالمرض والفقر من الأعراض الدنيوية مع الغنى عنها بالله تعالى وكالأكل والشرب والنكاح والنسيان بعد التبليغ أو فيما لم يؤمروا بتبليغه والنوم إلا أنه تنام أعينهم ولاتنام قلوبهم فاحترزوا بالأعراض وهي الصفات الحادثة المتجددة من الصفات القديمة التي هي صفات الإله تعالى فلا يصح أن يتصف بهاغيره وقد كفرت النصارى بمخالفتهم هذا القيد وإفراطهم في حق عيسى ﵊ فجعلوا صفة العلم القديم قائماً بجسم عيسى وجعلوه لذلك إلهاً على خبط لهم وتخليط عظيم لايفوه به عاقل واحترزوا بقيد البشرية كالأكل والشرب والمرض ونحوها عن صفات الملائكة ﵈ وهي غناهم عن هذه الأعراض التي وضعها الله في البشر فلا يشترط ذلك في الرسل عليهم الصلاة والسلام لعدم توقف الرسالة عليها وقد كفرت الجاهلية بمخالفتهم هذا القيد وإفراطهم فزعموا أن هذه الصفات البشرية ناقصةً لاتليق برتبة الرسالة وإنما يليق بها صفات الملائكة فكفروا وكذبوا بسبب ذلك الرسل وقالوا ماأخبر الله به عنهم (أبشر يهدوننا). (إن أنتم إلا بشر مثلنا). (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) ولو كشفت الحجاب عن قلوبهم لعلموا أن وقوع هذه الأعراض البشرية بالرسل عليهم الصلاة والسلام كمالات لهم في أنفسهم وتكميلات متكاثرة لأممهم بحيث يغتبطها الملائكة الكرام ويتمنون وجود مثلها لهم لما فيها من الآداب الرفيعة والعبادات الدقيقة وأسقط الناظم هذا القيد للعلم بأنه المراد في هذا المحل والله أعلم واحترزوا بقولهم التي لاتنافي علو رتبتهم عن الغفلة عن جنابهم الرفيع والتفريط بسبب مشاهدة ظواهرهم البشرية في مراعاة قدرهم العلي وقد ضلت اليهود لعنهم الله فأساؤا الأدب ووصفوا أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام بمساوٍ لايليق أن يوصف بها من هو أدنى منهم في غاية وبهذا يعلم أن كل ماأوهم في حقهم وفي حق الملائكة نقصاً من الكتاب والسنة وجب تأويله انظر لآخر شرح صغرى الصغرى فقد أطال في المسألة جداً قلت وفي تمثيلهم للأعراض التي لانقص فيها بالمرض إجمال فقد سئل شيخنا

стр. 58

الإمام العالم العلامة المتفنن الفهامة المحدث المتصوف سيدي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الفاسي ﵀ في مسألة تظهر من جوابه ولفظ الجواب لايجوز الصمم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفاقاً لأن السمع طريق إلى الوحي وباب له فلايقع بهم لأنه لامعنى للنبوة إلا الوحي فكيف تعطل حاسته وينسد بابه هذا لايعقل وكذا البكم لايجوز عليهم لأنه مانع من التبليغ وآفة بالغة ونقضية ظاهرة يتنزهون عن مثلها وكذلك يمنع في حقهم العمى على الصحيح قيل ولم يعم نبي قط ومايذكر عن شعيب لم يثبت وأما يعقوب فحصل ضعف في نور عينيه ولم تكونا عميتا وأزيل ذلك الضعف بعد ذلك فكان عارضاً هذا هو الحق الراجح وقيل غير ذلك مع الإتفاق على عدم استمرار ذلك العارض وكذا يمتنع في حقهم الجنون قليله وكثيره لأنه نقص بل يجب في حقهم كمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي والسلامة من كل ماينفر مما يوجب ثلماً في النسب والخلق والخلق كالفظاظة والعيوب المنفرة كالبرص والجذام والأدرة لأنهم على غاية الكمال في خلقهم وخلقهم ومن نسب أحداً منهم إلى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر وقدقال تعالى ﴿لاتكونوا كالذين آذوا موسى﴾ يعني في وصفهم له بالأدرة فبرأه الله من ذلك كماقدعلم ونص في صحيح الأحاديث وأما أيوب ﵇ فروي أنه أول من أصابه الجدري ولم يكن مرضه جذاماً لتنزه الأنبياء عن ذلك كما تقرر وعلم وكذا تجب سلامة الأنبياء من كل مايخل بالمروءة كالحجامة وكذا من كل مايخل بحكمة البعثة من البكم والفهاهة والخيانة والخور والبخل والضعف والمهانة لأنهم سيوف الله الماضية وحججه البالغة والسلام وكتبه عبدالرحمن بن محمد الفاسي كان الله له ولياً وبه حفياً اهـ والفهاهة عدم الفصاحة وفي بعض نسخ الجواب بدل والخور والنمر وهو الغضب وسوء الخلق والخور الضعف قلت شيخنا هذا كان إماماً عالماً متفنناً دراكةً شهد له

стр. 59

بذلك شيوخه زاهداً لم يتعاط قط أسباب الدنيا له معرفة بالنحو وباللغة والفقه والأصول والمنطق والبيان وعلم الكلام وغير ذلك وأما التفسير والحديث والتصوف المؤيد بالكتاب والسنة فلايجارى في ذلك أصلاً يستحضر جميع ذلك بلاتأمل تصحح من فيه نسخ البخاري ومسلم يستحضر حل مسائل مشارق عياض على الصحيحين والموطأويستحضر معارضات الآيات ومعارضات الأحاديث وأجوبتها وماقيل فيها من صحيح وسقيم ومأخذ المتصوفة من الكتاب والسنة له حاشية مقيدة على الكتاب المبارك المتداول بأيدي العامة والخاصة المسمى بدلائل الخيرات وله حاشية عجيبة على صحيح البخاري وله حاشية عجيبة على تفسير الجلالين وحاشية على العقيدة الصغرى للسنوسي وله تعليق عجيب على الحزب الكبير للشاذلي ﵁ وله تقاييد كثيرة في التفسير والحديث والتوحيد وغير ذلك توفي ﵀ آخر ليلة الأربعاء السابع والعشرين من ربيع النبوي من عام ستة وثلاثين وألف وإلى سنة وفاته رمز صاحبنا الأديب الشهير سيدي محمد المكلاتي ﵀ بالشين واللام والواو من قوله أبو زيد الفاسي شلو معظم رثاه حديث المصطفى خير مرسل ﵀ ونفع به (تنبيهان) الأول اعلم أن بين الواجبات الثلاث وهي الصدق والأمانة والتبليغ عموماً وخصوصاً من وجه فلايمكن الاستغناء ببعضها عن بعض لأن كل واحد يزيد على صاحبه بزيادة لاتفهم إلا منه فأما الواجب الأول وهو الصدق فيزيد على الأمانة بمنع الكذب سهواً بمعنى أن هذه النقيصة إنما يفهم امتناعها في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام من وجوب الصدق لعمومه في كل قول ولايفهم امتناعه من الأمانة لأنها تمنع من وقوع المعصية أوالمكروه وأما الكذب سهواً فليس بحرام ولامكروه فلا منافاة بينه وبين الأمانة ويزيد الصدق أيضاً على التبليغ بمنع الزيادة على ماأمروا بتبليغه عمداً أونسياناً فلايفهم امتناع هذه النقيصة من التبليغ لأنها وقعت بعد التبليغ العام فلا تنافيه وإنما تفهم من الصدق لأن هذه الزيادة كذب ووجوب الصدق العام ينفعه وأما الواجب الثاني وهو الأمانة فتزيد على الصدق بمنع المعصية أوالمكروه في غير كذب اللسان كالغيبة مثلاً والنظر العمد للأجنبية في غير ضرورة فيفهم امتناع هذه النقيصة من وجوب الأمانة لمنافاتها لها لا من وجوب الصدق لأنها ليست بكذب

стр. 60

حتى يدفعها الصدق وتزيد الأمانة أيضاً على التبليغ العام بمنع المعصية التي لاتتعلق بالتبليغ كالسرقة والخديعة وأما الواجب الثالث وهو التبليغ العام فيزيد على الصدق بمنع ترك شيء مماأمروا بتبليغه عمداً أونسياناً مع إلتزامهم الصدق فيما بلغوا من ذلك فيفهم امتناع هذه النقيصة من وجوب التبليغ العام لأن النقص عمداً أونسياناً مناف لوجوب عموم التبليغ وليس بمناف لوجوب الصدق لأنه يصدق فيما يبلغ ويترك شيئاً آخر أجنبياً عنه يترك تبليغه ليس بكذب ويزيد أيضاً وجوب التبليغ العام على الأمانة بمنع ترك شيء مما أمروا بتبليغه نسياناً فهذه النقيصة إنما يفهم نفيها عنهم عليهم الصلاة والسلام من وجوب التبليغ العام لمنافاتها له لأن السلب الجزئي مناف للثبوت الكلي لايفهم نفيها من وجوب الأمانة لأنها إنما تدفع المعصية والمكروه ومايفعل نسياناً لاتحريم فيه ولاكراهة وإذا علمت هذا ظهر لك معرفة النقيصة التي تشترك الصفات الثلاثة الواجبة في نفيها عن الرسل عليهم الصلاة والسلام والتي تشترك اثنان في نفيها عنهم دون الثالث ومايزيد به كل واحد على مجموع الباقين فتشترك الواجبات الثلاث في نفي تبديل شيء مماأمر الله تعالى بتبليغه أوتغير معناه عمداً لأنه كذب فيدفعه وجوب الصدق ومعصية فيدفعه وجوب الأمانة وكتمان فيدفعه وجوب التبليغ لكل ماأمروا بتبليغه فهذه النقيصة تشترك الواجبات الثلاث في نفيها عن الرسل عليهم الصلاة والسلام وهذا هو المطلب الأول. المطلب الثاني معرفة النقيصة التي يشترك في نفيها عن الرسل عليهم الصلاة والسلام اثنان من الواجبات الثلاث دون الثالث فيشترك الصدق والأمانة في منع الكذب عمداً في الزائد على المأمور بتبليغه ولايمنعه التبليغ العام لأن هذه النقيصة إنما وقعت بعد التبليغ العام ويشترك الصدق والتبليغ العام في منع التبديل نسياناً لبعض المأمور بتبليغه فإنه مناف للصدق لأنه كذب ومناف لتبليغ المأمور بتبليغه ولايمنع هذه النقيصة وجوب الأمانة لأنها إنما تمنع المعصية والمكروه والتبديل نسياناً لاتكليف فيه فليس بمعصية ولامكروه وتشترك الأمانة والتبليغ العام في منع نقص شيء من المأمور بتبليغه عمداً فإنه معصية وترك للتبليغ العام فينفيه كل واحد من هذين الواجبين ولاينفيه الصدق لأن الترك من غير تبديل ليس بكذب. المطلب الثالث مايزيده كل واحد من الواجبات الثلاث على مجموع الواجبين الباقيين فالصدق يزيد على مجموع الأمانة والتبليغ العام يمنع الكذب نسياناً من غير

стр. 61

المأمور بتبليغه لأنه مناف للصدق وليس منافياً للأمانة ولا للتبليغ العام فلا يفهم نفيه إلا من الصدق والأمانة تزيد على مجموع الصدق والتبليغ العام بمنع المعصية في غير الكذب وبعدم التبليغ العام كالسرقة مثلاً والتبليغ العام تزيد على مجموع الصدق والأمانة بمنع نقص شيء من المأمور بتبليغه نسياناً من غير تبديل ولا إخلال فيما بلغ فهو مناف للتبليغ ولاينافي الواجبين إذ ليس بكذب ولاخيانة. المطلب الرابع مايزيده كل واحد منها على كل واحد من صاحبيه وهو المتقدم أول التنبيه والفرق بينه وبين الثالث أن الثالث في معرفة مايزيده كل واحد منها على كل واحد من صاحبيه وهو المتقدم أول التنبيه والفرق بينه وبين الثالث أن الثالث في معرفة مايزيده كل واحد على مجموع الآخرين والمتقدم في معرفة مايزيده كل واحد على كل واحد واحد من الباقين والله تعالى أعلم اهـ. من شرح صغر الصغرى (التنبيه الثاني) قال في شرح الكبرى الكلام في عصمة الأنبياء في موضعين أحدهما قبل النبوة والثاني بعدها أما حكمهم قبل النبوة فالذي ذهب إليه أكثر الأشاعرة وطائفة كثيرة من المعتزلة أنه لايمتنع عقلاً على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل البعثة معصية كبيرة كانت أوصغيرة وذهب بعض أصحابنا إلى أنه يمتنع ذلك وهو مختار القاضي عياض على أنه قال تصور المسئلة كالممتنع فإن المعاصي إنما تكون بعد تقدير الشرع إذ لايعلم كون الفعل معصية إلا من الشرع وقال بعض أصحابنا يحصل الامتناع بالسمع إذ لامجال للعقل لكن دال السمع بعد ورود الشرع على أنهم كانوا معصومين قبل البعثة وذهب الروافض إلى امتناع ذلك كله عليهم عقلاً ووافقهم أكثر المعتزلة في امتناع وقوع الكبائر منهم عقلاً قبل البعثة ومعتمد الفريقين التقبيح العقلي لأن صدورالمعصية منهم ممايحقرهم في النفوس وينفر الطباع عن إتباعهم وهو اختلاف مااقتضته الحكمة من بعثة المرسل فيكون قبيحاً عقلاً وقد سبق الكلام على فساد أصل التحسين والتقبيح العقليين وأما بعد النبوة فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام لأن المعجزة دلت على صدقهم فيما يبلغونه عن الله تعالى فلو جاز تعمد الكذب عليهم لبطلت دلالة المعجزة على الصدق وأما جواز صدور الكذب منهم في الأحكام غلطاً أونسياناً فمنعه الأستاذ وطائفة كثيرة من أصحابنا لمافيه من منافضه دلالة المعجزة القاطعة وجوزه القاضي وقال إن المعجزة إنما دلت على صدقهم فيما يصدر عنهم قصداً واعتقاداً قال القاضي عياض لاخلاف في امتناعه سهواً وغلطا لكن عند الأستاذ بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى صدق عبدي وعند القاضي بدليل الشرع وأما غير المذكور من المعاصي القولية والفعلية فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكبائر وصغائر الخسة خلافاً لبعض الخوارج وأما إتيان ذلك نسياناً أوغلطاً فقال

стр. 62

الآمدي اتفق الكل على جوازه سوى الروافض وهذا الذي ذكره لايصح بل اتفقوا على إمتناعه فقال القاضي والمحققون بدليل السمع وقال الأستاذ وظائفة كبيرة منا ومن المعتزلة وبدليل العقل أيضاً وأما الصغائر التي لاخسة فيها فجوزها عمداً وسهواً الأكثرون وبه قال أبو جعفر الطبري من أصحابنا ومنعته طائفة من المحققين من الفقهاء والمتكلمين عمداً أوسهواً قالوا لاختلاف الناس في الصغائر ولأن جماعة ذهبوا إلى أن كل ماعصي الله به فهو كبيرة ولأن الله تعالى أمرنا باتباعهم وأفعالهم يجب الإقتداء بهاعند أكثر المالكية وبعض الشافعية والحنفية فلو جازت منهم المعصية لكنها مأمورين باتباعهم فيها (قلت) وبهذا تعرف عدم جوز وقوع المكروه منهم فالحق أن أفعالهم دائرة بين الوجوب والندب والإباحة وليس وقوع المباح منهم كوقوعه من غيرهم وهوأن يقع بحسب مقتضى الشهوة بل لعظيم معرفتهم بالله تعالى وخوفهم منه واطلاعهم على مالم يطلع عليه غيرهم لايصدر منهم المباح إلا على وجه يصير في حقهم طاعةً وقربةً كقصدهم تشريعه أو التقوي به على طاعة الله تعالى ونحو ذلك مما يليق بمقاماتهم الرفيعة وإذا كان أهل المراقبة من أولياء الله تعالى بلغوا في الخوف منه تعالى ورسوخ المعرفة مامنعهم أن تصدر منهم حركة وسكون في غير رضاه تعالى فكيف بأنبيائه تعالى ورسله صلوات الله وسلامه على جميعهم اهـ لَوْ لَمْ يَكُونُوا صَادِقِينَ لَلَزِمْ أنْ يَكْذِبَ الإِلَهُ فِي تَصْدِيقهِمْ إذْ مُعْجِزَاتُهُمْ كَقَوْلِهِ وَبَرْ صَدَقَ هَذَا الْعَبْدُ فِي كُلِّ خَبَرْ لَوِ أنْتَفَى التَّبْلِيغُ أَو خَانُوا حُتِمْ أَنْ يُقْلَبَ الْمَنْهىُّ طَاعَةً لَهُمْ جوَّازُ الأَغْرَّاضِ عَلِيْهِمْ حُجَّتُهْ وُقُوعُها بِهِمْ تَسَلٍ حِكْمَتُهْ تعرض الناظم في هذه الإبيات لبراهين الواجبات وغيرها ممايتعلق بجانب الرسل عليهم الصلاة والسلام فذكر أنهم عليهم الصلاة والسلام لولم يصدقوا للزم كذب الإله تعالى عن ذلك حيث صدقهم بإظهار المعجزات على أيديهم لتنزل المعجزة منزلة قوله تعالى صدق هذا العبد في كل ماأخبر به عني إذ تصديق الكاذب كذب والكذب عليه تعالى محال إذ خبره تعالى على وفق علمه والخبرعلى وفق العلم لايكون إلا صدقاً فخبره تعالى لايكون إلآ صدقاً قال في الكبرى فإن قلت قد وجدنا العالم منا بالشيء يخبرعنه بالكذب قلنا كلامنا

стр. 63

في الخبرالنفسي لافي الألفاظ لاستحالة اتصاف الباري تعالى بها والعالم منا بالشيء يستحيل أن يخبر الجزء من قلبه الذي قام به العلم بخبركذب على غير وفق علمه غايته أن يجد في نفسه تقدير الكذب لاالكذب قال في الشرح مامعناه إن العالم بالشيء يمتنع أن يخبرالمحل الذي قام به العلم منه بالكذب والكذب الذي يوجد للعالم منا إنماهو في خبر لسانه اللفظي أما كلامه النفسي فلايكون أبداً إلا على وفق عقده وغاية مايجد في نفسه تقدير أخبار ووسوسة بالكذب لاالخبر بالكذب والإله جل وعلا يستحيل عليه التركيب حتى يقوم العلم والصدق بمحل والكذب بمحل آخر ويستحيل عليه الوسواس والتقادير الحادثة اهـ زاد في الكبرى وأيضاً لو اتصف الباري تعالى بالكذب لاتكون صفته الأقدمية لاستحالة اتصافه بالصدق مع صحة اتصافه به لأجل وجوب العلم له تعالى ففيه استحالة ماعلمت صحته اهـ والمعجزة اسم فاعل مأخوذ من الإعجاز مصدر أعجز وهي لفظ أطلق على الآية الدالة على صدق النبي وهي أمر خارق للعادة مقارن لدعوى الرسالة متحدى به قبل وقوعه غير مكذب بعجز من يبغي معارضته على الإتيان بمثله قال في شرح الصغرى وقولنا في تعريف المعجزة أمر أحسن من قول بعضهم فعل لأن الأمر يتناول الفعل كانفجار الماء مثلاً بين الأصابع ويتناول عدم الفعل كعدم إحراق النار مثلاً لإبراهيم ﵊ اهـ وخرج بقيد كون الأمر خارقاً للعادة فإنه يستوي فيه الصادق والكاذب قال في الكبرى ومن المعتاد السحر ونحوه وإن كان سببه العادي نادراً إختلافاً لمن جعل السحر خارقاً لكن لسبب خاص به ومن المعتادأيضاً مايوجد في بعض الأجسام من الخواص كجذب الحديد بحجر المغناطيس واحترز بقوله مقارن لدعوى الرسالة مما وقع بدون دعوى أوبدعوى غير دعوى الرسالة كدعوى الولاية بقوله متحدى به قيل وقوعه أي يقول آية صدقي كذا مما لو وقع بدون تحديه كالإرهاص ونحوه أو تحدى به لكن بعد وجوده وهل يجوز تأخير المعجزة عن موته قولان وبقوله غير مكذب مما إذا قال آية صدقى أن ينطق الله تعالى يدي فنقطعت بتكذيبه وفي تكذيب الميت المتحدى بإحيائه قولان للقاضي وإمام الحرمين واختار بعض المتأخرين عدم القدح في تكذيب اليد وشيهها لهدم التحدي بتصديقها وهل دلالة المعجزة على صدق الرسل دلالة عقلية أو وضعية أو عادية بحسب القرائن أقوال اهـ قال في شرح الصغرى وقد ضرب العلماء لدعوى الرسالة وطلبه المعجزة من الله تعالى دليلاً على صدقه مثالاً لتتضح به دلالتها على صدق الرسل ويعلم ذلك على الضرورة فقالوا مثال ذلك ماإذا قام رجل في مجلس ملك بمرأى منه ومسمع بحضور

стр. 64

جماعة وادعى أنه رسول هذا الملك فطالبوه بالحجة فقال هي أن يخالف الملك عادته ويقوم عن سريره ويقعد ثلاث مرات مثلاً ففعل ولاشك أن هذا الفعل من الملك على سبيل الإجابة للرسول تصديق له ومفيد للعلم الضروري بصدقه بلاارتياب ونازل منزلة قوله صدق هذا الإنسان في كل مايبلغ عني ولافرق في حصول العلم الضروري بصدق ذلك الرسول بين من شاهد ذلك الفعل من الملك أو لم يشاهده إلا أنه يبلغه بالتواتر خبر ذلك الفعل ولاشك في مطابقة هذا المثال لحال الرسل عليهم الصلاة والسلام فلايرتاب في صدقهم إلا من طبع على قلبه اهـ وقد أطال في العقيدة الوسطى في هذا المثال جداً وساقه مساقاً حسناً فراجعه إن شئت. وقول الناظم صدق هذا العبد إلخ هو محكي القول وبر بتشديد الراء أي صدق ويوقف عليه في النظم بالتخفيف للوزن وفاعله يعود على الله تعالى والجملة خالية من الضمير المضاف إليه القول لاقتضاء المضاف عمله على تقدير قد أي صدق تعالى في تصديقه لهم بالمعجزة إذ تصديقهم خبر على وفق العلم فلايكون إلا صدقاً كما مر وفي المشارق بعدأن ذكر أن بر بمعنى صدق وسمي الله تعالى نفسه براً قيل معناه خالق البر وقيل العطوف على عباده المحسن إليهم اهـ وظاهر قوله في كل خبر أن المعجزة دليل على صدقهم عليهم الصلاة والسلام فيما أخبروا به عن الله تعالى وغيره وهو كذلك لكن ماأخبروا به عن الله تعالى دلالة المعجزة على الصدق فيه بالمطابقة وأماغيره فبالالتزام كذا قيل وعبارة الشيخ في الوسطى والصغرى وصغراها ظاهرة في أن دلالة المعجزة على الصدق خاصة بماأخبروا به عن الله تعالى وعليه فدليل صدقهم في غير ماأخبروا به عن الله تعالى إنما يؤخذ من وجوب الأمانة لاغير. قوله لو انتفى التبليغ أو خانوا البيت أي لو انتفى عن الرسل عليهم الصلاة والسلام وصف التبليغ بأن كتموا شيئاً مماأمروا بتبليغه لصار الكتمان طاعةً فنكون مأمورين بأن نقتدي بهم في ذلك لأن الله تعالى أمر بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم فنكتم نحن أيضاً بعض ماأوجب الله علينا تبليغه من العلم النافع لمن اضطر إليه وهذا معنى انقلاب المنهي عنه الذي هو الكتمان طاعة كيف وهو محرم ملعون فاعله. قال الله تعالى ﴿إن الذين يكتمون ماأنزلنا من البينات والهدى من بعد مابيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ وكيف يتصور وقوع ذلك منهم ﵊ ومولانا جل وعز يقول لسيدنا ومولانا محمد (ياأيها الرسول بلغ ماأنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت

стр. 65

رسالته) أي إن لم تبلغ بعض ماأمرت بتبليغه من الرسالة فحكمك حكم من لم يبلغ شيئاً منها فانظر هذا التخويف العظيم لأشرف خلقه وأكملهم معرفةً به فكان خوفه على قدر معرفته ولهذا كان يسمع لصدره ﵊ أزيز أي غليان كأزيز المرجل من خوف الله وقد شهد مولانا جلا وعلا لسيدنا ومولانا محمد بكمال التبليغ فقال تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). وقال تعالى ﴿لاإكراه في الدين قد تبين الرضد من الغي﴾ وقال تعالى ﴿فتول عنهم فماأنت بملوم﴾ إلى غير ماآية قوله أوخانوا إلخ: أشار به إلى برهان الوصف الثالث وهو وجوب الأمانة لهم عليهم الصلاة والسلام فذكر أنهم لو إنتفى عنهم وصف الأمانة فوصفوا بضدها وهو الخيانة بفعل محرم أومكروه لانقلب ذلك طاعةً فنؤمن نحن بفعل ذلك لوجوب الاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم ولايأمر الله تعالى بمحرم ولامكروه فقوله أوخانوا عطف على انتفى وقوله حتم إلخ جواب عن المسألتين والمنهي عنه في المسألة الأولى خصوص معصية الكتمان وفي الثانية محرم ومكروه وإنما قال طاعةً لهم ولم يقل طاعةً ومباحاً بل اقتصر على الطاعة إشارةً إلى أن أفعالهم عليهم الصلاة والسلام وإن كانت دائرة بين الواجب والمندوب والمباح بحسب النظر إلى الفعل من حيث ذاته فهي بحسب العارض من حيث النية دائرة بين الواجب والمندوب لاغير لأن المباح لايقع منهم عليهم الصلاة والسلام بمقتضى الشهوة ونحوها كما يقع من غيرهم بل لايقع منهم إلا مصاحباً لنية يضير بها قربة وأقل ذلك أن يقصدوا به التشريع للغير وذلك من باب التعليم وناهيك بمنزلة قربه التعليم وعظيم فضلها وإذا كان أدنى الأولياء يصل إلى رتبة تصير معها مباحاته كلها طاعات بحسن النية في تناولها فمابالك بخيرة الله من خلقه وهم أنبياؤه ورسله عليهم الصلاة والسلام فلذا اقتصر الناظم على مايقتضي الاختصاص بالواجب والمندوب وهو الطاعة. قال في الكبرى فصل وإذا علم صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام بدلالة المعجزة وجب تصديقهم في كل ماأتوا به عن الله تعالى ويستحيل عليهم الكذب عقلاً والمعاصي شرعاً لأنا مأمورون بالإقتداء بهم فلو جازت عليهم المعصية لكنا مأمورين بها (قل إن الله لايأمر بالفحشاء) وبهذا تعرف عدم وقوع المكروه منهم أيضاً بل والمباح على الوجه الذي يقع من غيرهم وبالله التوفيق.

стр. 66

قوله جواز الإعراض عليهم حجته. وقوعها بهم. أخبر أن دليل جواز الأعراض البشرية على الرسل عليهم الصلاة والسلام مشاهدة وقوعها بهم فقد شوهد مرضهم وجوعهم وإذاية الخلق لهم ولكن حد ذلك منهم البدن الظاهر أما قلوبهم باعتبار مافيها من المعارف والأنوار التي لايعرف قدرها إلا الله مولانا جل وعز الذي من عليهم بها فلا يخل المرض ونحوه بقلامة ظفر منها ويكدر شيئاً من صفوها ولايوجب لهم ضجراً ولاانحرافاً ولاضعفاً لقواهم الباطنة أصلا كما ذلك موجود في حق غيرهم عليهم الصلاة والسلام وكذاالجوع والنوم لايستولي على شيء من قلوبهم ولهذا تنام أعينهم ولاتنام قلوبهم وجواز الأعراض مبتدأ ومضاف إليه وعلمهم يتعلق بجواز وحجته مبتدأ ثان ووقوعها خبر الثاني وبهم يتعلق به والثاني وخبره خبر الأول وضمير حجته للجواز وهو الرابط لجملة الخبر بالمبتدأ وضمير وقوعها للأعراض، قوله تسل حكمته أشار إلى أن حكمة وقوع هذه الأعراض بهم عليهم الصلاة والسلام التسلي عن الدنيا أي التصبر ووجود الراحة عليها واللذات لفقدها والتنبه لخسة قدرها عند الله تعالى بما يراه العاقل من مقاساة هؤلاء السادات الكرام خيرة الله تعالى من خلقه لشدائدها وإعراضهم عنها وعن زخرفها الذي غر كثيراً من الحمقى إعراضهم العقلاء عن الجيف والنجاسات ولهذا قال (الدنيا جيفة قذرة) ولم يأخذوا عليهم الصلاة والسلام إلا شبه زاد المسافر المستعجل ولهذا قال (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وقال (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ماسقى الكافر منها جرعة ماء) فإذا نظر العاقل في أحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باعتبار زينة الدنيا وزخارفها علم علم اليقين أنها لاقدر لها عند الله تعالى فأعرض عنها بقلبه بالكلية وشد إزاره لعبادة مولانا جل وعلا وصبر هذه اللحظة من العمر وماأربح صفقة هذا الموفق إذ بذل شيئاً يسيراً لاقيمة له ليسارته وخسته فأخذ شيئاً كثيراً لاقيمة له لكثرته وعظيم رفعته وتزايد نعمه كل لحظة أبد الآباد،

стр. 67

ومن حكمة وقوعها بهم عليهم الصلاة والسلام تعظيم أجرهم كما في المرض والجوع وإذاية الخلق لهم ولهذا قال (أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل) ومولانا جل وعز قادر أن يوصل لهم ذلك الثواب بلامشقة تلحقهم لكن ذلك الذي اقتضت الحكمة التي لاتحصرها العقول يفعل مايشاء لايسأل عما يفعل ومن حكمة وقوعهابهم أيضاً تشريع الأحكام المتعلقة بها للخلق كما عرفنا أحكام السهو في الصلاة من سهو سيدنا ومولانا محمد وكيف تؤدى الصلاة في حال المرض والخوف من فعله عند ذلك وعرفنا أكل الطعام وشرب الشراب من أكله وشربه وإلا فهو غني عن ذلك لأنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه إلى غير ذلك اهـ من شرح الصغرى باختصار. وَقَوْل لاَ إلَهَ إلاّ الله مُحَمَّدٌ أَرْسَلَهُ الإِلَهُ يَجْمَعُ كُلَّ هَذِهِ الْمَعانِي كانَتْ لِذَا عَلاَمَةَ الإِيمان وَهِيَ أَفْضَلُ وُجُوهِ الذِّكْرِ فَاشْغَلْ بِها الْعُمْر تَفُزْ بِالذَّخْر لما فرغ ﵀ من ذكر مايجب على المكلف معرفته من عقائد الايمان في حق مولانا جل وعز وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام على سبيل التفصيل كمل هنا الفائدة ببيان اندراج جميع ذلك تحت هذه الكلمة المشرفة وهي قولنا لاإله إلا الله محمدرسول الله ليحصل العلم بعقائد الإيمان تفصيلاً وإجمالاً ويعرف بذلك شرف هذه الكلمة وماانطوت عليه من المحاسن وبيان اندراج ذلك تحتها أن المختار في تفسير الإله أنه المستغني عن كل ماسواه المفتقر إليه كل ماعداه كما سيأتي إن شاء الله فإذا وضعت هذا التفسير في موضع المفسر وهو الإله صار معنى لاإله إلا الله لامستغني عن كل ماسواه ومفتقراً إليه كل ماعداه إلا الله فوصفه تعالى بالاستغناء عن كل ماسواه يوجب له تعالى الوجود والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث وأحد جزأي معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المخصص إذ لو انتفى شيء من هذه الصفات لكان حادثاً فيفتقر إلى محدث ويلزم الدور أو التسلسل كيف وهو الغني عن كل ماسواه ويوجب أيضاً له تعالى الجزء الثاني من جزأي معنى القيام بالنفس وهو الاستغناء عن المحل وإلا كان

стр. 68

مفتقراً إليه كيف وهو الغني ويوجب أيضاً له التنزه عن النقائص فيدخل في ذلك وجوب السمع له تعالى والبصر والكلام إذ لو لم يجب له هذه الصفات لكان محتاجاً إلى من يدفع عنه هذه النقائص كيف وهو الغني ويوجب أيضاً له تعالى تنزهه عن الأغراض في أفعاله وأحكامه وإلا لزم افتقاره تعالى إلى مايحصل غرضه كيف وهو الغني عن كل ماسواه وقد يمكن الاستغناء عن هذا بالمخالفة للحوادث إذ هو من أوجهه ويؤخذ منه أيضاً أنه لايجب عليه تعالى فعل شيء من الممكنات ولاتركه إذ لووجب عليه تعالى شيء منها عقلاً كالثواب مثلاً لكان تعالى مفتقراً إلى ذلك الشيء ليتكمل به إذ لايجب في حقه تعالى إلا ماهو كمال له كيف وهو جل وعلا الغني عن كل ماسواه والغرض المنفي عنه تعالى عبارة عن وجود باعث يبعثه تعالى على إيجاد فعل من الأفعال أوعلى حكم الشرعية من الأحكام من مراعاة مصلحة تعود إليه تعالى أو إلى خلقه وكلا الوجهين مستحيل عليه لمايزم عليهما من احتياجه تعالى أن يتكمل بمخلوقه الذي يحصل غرضه ويؤخذ من استغنائه تعالى عن كل ماسواه أن لاتأثير لشيء من الكائنات في أثر مابقوة جعلها الله تعالى كالنار في الإحراق والماء في الري لأنه يصير حينئذ مولانا وجل عز مفتقراً في إيجاد بعض الأفعال إلى واسطة وذلك باطل لماعرفت قبل من وجوب استغنائه تعالى عن كل ماسواه ووصفه تعالى بافتقار كل ماسواه إليه يوجب له تعالى الحياة وعموم القدرة والإرادة والعلم إذ لو انتفى شيء من هذه لماأمكن أن يوجد تعالى شيئاً عن الحوادث فلايفتقر إليه شيء كيف وهو الذي يفتقر إليه كل ماسواه ويوجب أيضاً له تعالى الوحدانية إذ لو كان معه تعالى ثان في ألوهيته لما افتقر إليه جل وعلا شيء للزوم عجزهما حينئذ كيف وهو الذي يفتقر إليه كل ماسواه ويؤخذ منه أيضاً أن لاتأثير لشيء من الكائنات في أثر مابطبعه وإلا لزم أن يستغني ذلك الأثر عن مولانا جل وعز كيف وهوالذي يفتقر إليه كل ماسواه عموماً وعلى كل حال وبهذا يبطل مذهب القدرية القائلين بتأثير القدرة الحادثة في الأفعال مباشرة أوتولداً ويبطل مذهب الفلاسفة القائلين بتأثير الأفلاك والعلل ويبطل مذهب الطبائعيين القائلين بتأثير الطبائع والأمزجة ويؤخذ منه أيضاً حدوث العالم بأسره إذ لو كان شيء منه قديماً لكان ذلك الشيء مستغنياً عنه كيف وهو الذي يجب أن يفتقر إليه كل ماسواه هذا حاصل ماذكره الولي الصالح سيدي محمد بن يوسف السنوسي نفعناالله به في عقيدته الصغرى فجزاه الله عن المسلمين خيراً وملخصه بتقريب أن استغناءه تعالى عن كل ماسواه يوجب له ثمان صفات من الصفات الواجبة وهي الوجود والقدم والبقاء

стр. 69

والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والسمع والبصر والكلام ويؤخذ منه حكم القسم الثالث وهو كون فعل الممكنات أوتركها جائزاً في حقه تعالى لاأنه واجب أومستحيل وأن افتقاره كل ماسواه إليه يوجب له تعالى خمس صفات من الصفات الواجبة وهي الحياة والقدرة والإرادة والعلم والوحدانية فمجموع ذلك ثلاث عشرة صفةً كما ذكر الناظم قبل هذا ويلازم وصفه تعالى بالقدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام كونه تعالى قادراً مريداً وعالماً وحياً وسميعاً وبصيراً ومتكلماً فهذه عشرون صفةً واجبةً إذ وجب اتصافه تعالى بهذه العشرون استحال وصفه تعالى بأضدادها لاستحالة الجمع بينهما وتقدم قريباً أن حكم القسم الثالث وهو الجائز في حقه تعالى يؤخذ من وصف الاستغناء قال الشيخ ﵁ ونفعنا به فقد بان لك تضمن قول لاإله إلا الله للأقسام الثلاثة التي تجب على المكلف معرفتها في حق مولانا جل وعز وهي مايجب في حقه تعالى ومايستحيل ومايجوز وأما قولنا محمد رسول الله فيدخل فيه الإيمان بسائر الأنبياء والملائكة ﵈ والكتب السماوية واليوم الآخر لأنه ﵊ جاء بتصديق جميع ذلك ويؤخذ منه وجوب صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام واستحالة الكذب عليهم وإلا لم يكونوا رسلاً أمناء لمولانا العالم بالخفيات واستحالة فعل المنهيات كلها لأنهم عليهم الصلاة والسلام أرسلوا ليعلموا الخلق بأقوالهم وأفعالهم وسكوتهم فيلزم أن لايكونوا في جميعها مخالفين لأمر مولانا جل وعز الذي اختارهم على جميع خلقه وأمنهم على سر وحيه ويؤخذ منه جواز الأعراض البشرية عليهم إذ ذاك لايقدح في رسالتهم وعلو منزلتهم عند الله تعالى بل ذلك ممايزيد فيها فقد اتضح لك تضمن كلمتي الشهادة مع قلة حروفها لجميع مايجب على المكلف معرفته من عقائد إيمانية في حقة تعالى وفي حق رسله عليهم الصلاة والسلام اهـ ويدخل في استحالة فعل المنهيات الكتمان لشيء مماأمروا بتبليغه قال في الكبرى فصل وإذا وفقت لعلم هذا كله حصل لك العلم ضرورة بصدق رسالة نبينا ومولانا محمد فوجب الإيمان به في كل ماجاء به عن الله سبحانه جملةً وتفصيلاً كالحشر والنشر لعين هذا البدن لالمثله إجماعاً وفي كونه عن تفرق أو عدم محض تردد باعتبار مادل عليه الشرح أما الجواز العقلي فيهما فاتفاق وفي إعادة الأعراض بأعيانها طريقان الأولى تعاد بأعيانها باتفاق الثانية قولان الصحيح منهما إعادتها بأعيانها وفي إعادة عين الوقت قولان وكالصراط والميزان وفي كون الموزون صحف الأعمال أوأجساماً تخلق أمثلة لها تردد وكالجنة والنار وعذاب القبر وسؤاله ولايقدح فيه مشاهدتنا للميت على نحو ما وضع في قبره لأن في الموت وما بعده خوارق عادات أخبر بها الشرع وهي

стр. 70

جائزة فوجب الإيمان بها على ظاهرها أما مااستحال ظاهره نحو على العرش استوى فإنا نصرفه عن ظاهره إتفاقاً ثم إن كان له تأويل واحد تعين الحمل عليه وإلا وجب التفويض مع التنزيه وهو مذهب الأقدمين خلافاً لإمام الحرمين (فصل) ومماجاء به ويجب الإيمان به نفوذ الوعيد في طائفة من عصاة أمته ثم يخرجون بشفاعته والحوض وهل قبل الصراط أو بعده أوهما حوضان أحدهما قبل الصراط والآخر بعده وهو الصحيح أقوال وتطاير الصحف إلى غير ذلك مما علم من الدين ضرورةً وعلمه مفصل في الكتاب والسنة وكتب علماء الأمة اهـ. والحشر عبارة عن جمع الأجساد وإحيائها وسوقها إلى الموقف وغيره من مواطن الآخرة والنشر عبارة عن إحيائها بعد مماتها والقول بأن الحشر عن عدم محض مقيد بغير عجب الذنب وبغير من نص الشارع أن الأرض لاتأكل جسده قال شيخنا الإمام الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد القرشي في إضاءة الدجنة وإستثن من ذا الخلف عجب الذنب وماأتت به النصوص كالنبي وعجب الذنب بفتح العين المهملة ثم جيم ساكنة ثم باء موحدة ثانية الحروف وقد تبدل ميماً عظم صغير كالخردلة في أصل الصلب وهل بقاؤه دون سائر الجسد تعبد أو معلل جعله الله تعالى علامةً للملائكة على أنه يحي كل إنسان بجواهره بأعيانها قولان والذين لاتعدو عليهم الأرض خمسة نظمهم الإمام التتائي في شرح الرسالة فقال لاتأكل الأرض جسماً للنبي ولا لعالم وشهيد قتل معترك ولالقارىء قرآن ومحتسب أذانه لإله مجرى الفلك وقد حكى شيخنا ﵀ في النظم المذكور في المذنب العاصي هل يأخذ كتابه بيمينه أوشماله ثالثها الوقف وصحح مايذكر أن الصراط أرق من الشعر وأحد من السيف وحكي في إنفراده بالحوض أو لكل رسول حوض قولين وفي كون الحوض قبل الصراط أوبعده أو هما حوضان أحدهما قبل الصراط والآخر بعده ثلاثة أقوال فقال. والأخذ للكتب به النص أتى والخلف في العاصي لديهم ثبتا هل بيمين أو شمال يعطى كتابه ومن يقف ماأخطا إذ لم يرد فيه صريح يعول عليه والوارد فيه مجمل

стр. 71

وكالصراط ذي الكلاليب ومن أنفذ منه فهو بالفوز قول جسر على متن جهنم التي يهوي بها من رجله قد زلت ومايقال إنه تاق من شعر صدقه فهو حق وفى صحيح مسلم ماأرشدا إليه والضرير فيه أنشدا والرب لايعجزه إمشاؤهم عليه إذالم يعيه إنشاؤهم وللقرافي هنا كلام نيط به من أجله ملام ثم قال وحوضه ممابه النص ورد وفيه خلف هل به الهادي انفرد وهل الأصح أولكل مرسل حوض من العذاب الرحيق المسلسل وكونه بعد الصراط مختلف فيه وبعض بالتعدد اعترف قلت وقد أجاد شيخنا ﵀ فى النظم المذكور فى هذا الفصل فعليك به ولولا خوف السآمة لأثبته بجملته (قلت) وشيخنا هذا كان إماماً عالماً متفنناً حافظاً مستحضراً للفقه والنوازل غاية فى الحفظ والفهم وفصاحة اللسان له ولوع بالأدب وطريقته ولي الفتوى والخطابة والإمامة بجامع القرويين بعد وفاة الفقيه سيدي محمد الهواري وذلك فى جمادى الأولى من عام اثنين وعشرين وألف إلى أن خرج للحج وذلك أواخر رمضان من عام سبعة وعشرين وألف فحج واستوطن مصر وكملت حجاته خمساً والله أعلم وألف تآليف منها حاشية مفيدة على مختصر الشيخ خليل ومنها كتاب فى التعريف بالقاضي أبي الفضل عياض ومنها نظم مفيد في علم الجدل ومنها هذه المنظومة في العقائد فقد اشتملت على فوائد وجواهر فريدة مع سلاسة النظم وحسن المساق نظمها بمكة المشرفة حسبما ذكر فيها ورواها عنه ثمة من الخلق من لايحصى كثرة من أقطار مختلفة* وممن رواها عنه وأعطاه منها نسخة بخطه الفقيه الأجل الحاج الأبر سيدي أبوعبدالله محمد بن الإمام العالم العلامة المتفتن الفهامة الولي الصالح الورع الزاهد العابد المشمر عن ساعد الجد والثبت ومعظم العلماء وأهل البيت الحاج الأبر سيدي أبي عبدالله محمد بن الولي الصالح العابد الزاهد ذي الكرامات العديدة والمآثر الحميدة الشهير شرقا وغربا سيدي أبي بكر المجاصي أبقى الله بركته وعظم حرمته وكبت عدوه وذلك لما حج سنة أربعين وألف وعنه انتشرت عندنا بفاس فجزاه الله خيرا

стр. 72

وأعظم له أجرا ماهي بأول بركاتكم ياآل أبي بكر (قلت) ولشيخنا المذكور مقطعات في الأدب وغير ذلك توفي ﵀ بمصر منتصف رجب أوشعبان سنة إحدى وأربعين وألف* وإلى سنة وفاته أشرت بالشين والألف والميم مع إفادة كونه كان عازما على استيطان الشام فاخترمته المنية من قولنا في جملة أبيات في تاريخ وفيات جملة من شيوخنا رحمهم الله تعالى وجامع أشتات العلوم بأسرها* وذا أحمد المقري شامالمنزل* قوله كانت لذا علامة الإيمان أشار به والله أعلم إلى قول الشيخ في الصغرى ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ماذكرناه جعلها الشرع ترجمة على مافي القلب من الإسلام ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بها قال في الشرح لاشك أنه ﵊ قد خص بجوامع الكلم فتحت كل كلمة من كلماته من الفوائد مالا ينحصر فاختار لأمته في ترجمة الإيمان هذه الكلمة المشرفة السهلة حفظاً وذكرا الكثيرة الفوائد علماً وحساً فماتعبوا فيه من تعلم عقائد الإيمان الكثيرة المفضلة جمع لهم ذلك كله فى حرز هذه الكلمة المنيع وتمكنوا من ذكر عقائد الإيمان كلها بذكر واحد خفيف على اللسان ثقيل في الميزان ثم تنبه أيها المؤمن العظيم إلى رحمة الله تعالى وإنعامه علينا بهذه الكلمة الشريفة وهو أن المكلف إنما ينجو من الخلود في النار إذا اتصف في آخر حياته بعقائد الإيمان التي تنطق بالله وبرسله عليهم الصلاة والسلام والغالب عليه في ذلك الوقت الهائل الضعيف عن استحضار جميع عقائد الإيمان مفصلة فعلمه الشرع بمقتضى الفضل العظيم هذه الكلمة السهلة العظيمة القدر حتى يذكر بها من غير مشقة تناله جميع عقائد الإيمان بلسانه أوبقلبه واكتفى منه في هذا الوقت الضيق بذكرها مجملة إذ طالما أداها قبل ذلك على لسانه وقلبه مفصلة ولهذا قال (من كان آخر كلامه لاإله إلاالله دخل الجنة) وقال أيضا (من مات وهو يعلم لاإله إلاالله دخل الجنة) فالأول فيمن يستطيع النطق والثاني فيمن لايستطيعه والله أعلم وقد ورد أن الملكين الكريمين يجتزيان منه بمجرد ذكرها حيث يمنعه مانع الهيبة والخوف من ذكر عقائد الإيمان لهما مفصلة اهـ باختصار وإذا كان ذكر هذه الكلمة المشرفة علامة للإيمان وترجمة

стр. 73

عليه فلايقبل من أحد الإيمان إلابذكرها كماصرح به في الصغرى وهذا يستدعي الكلام على حكم ذكرها قال في الشرح اعلم أن الناس على ضربين مؤمن وكافر أماالمؤمن بالأصالة فيجب أن يذكرها مرة في العمر ينوي في تلك المرة بذكرها الوجوب وإن ترك ذلك فهو عاص وإيمانه صحيح والله أعلم ثم ينبغي له أن يكثر من ذكرها بعد أداء الواجب كماأشرنا إلى ذلك بقولنا في أصل العقيدة فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها وليعرف معناها أولاً لينتفع بذكرها دنيا وأخرى وأماالكافر فذكره لهذه الكلمة واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة وإن عجز عن ذكرها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب هذا هو المشهور من مذهب علماء أهل السنة وقيل لايصح الإيمان إلابها مطلقا ولافرق في ذلك بين المختار والعاجز وقيل يصح الإيمان بدونها مطلقاً وإن كان التارك لها اختياراً عاصيا كمافى حق المؤمن بالأصالة إذا نطق بها ولم ينو الوجوب ومنشأ هذه الأقوال الثلاثة الخلاف في هذه الكلمة المشرفة هل هي شرط في الايمان أوجزء منه أوليست بشرط فيه ولاجزء منه والأول هو المختار اهـ انظر المسلم الذي يولد في الاسلام إذا اتفق له لم ينطق بالشهادتين قط فان كان ذلك لعجز كالأخرس فهو كمن نطق وإن كان ذلك إباية وامتناعاً فهو كافر بلاشك وإن كان لغفلة فقط فهل هو كمن امتنع فهو كافر أيضا أوهو كمن نطق فهو مؤمن ونسب للجمهور قولان وإلى هذا كله أشار الإمام العالم المتفتن صاحب العلم الفصيح والقلم المؤيد الصحيح سيدي أبوعبدالله محمد المدعو العربي بن الإمام الشهير العالم العلامة الولي الصالح سيدي يوسف الفاسي نفعنا الله به في نظمه المسمى بمراصد المعتمد في مقاصد المعتمد بقوله: ومن يكن ذا النطق منه مااتفق فان يكن عجزا يكن كمن نطق وإن يكن ذلك عن إباء فحكمه الكفر بلاامتراء وإن يكن لغفلة فكالإبا وذا لسنة عياض نسبا وقيل كالنطق وللجمهور نسب والشيخ أبي منصور انتهى وهذا هو الفصل الأوّل من الفصول السبعة المتعلقة بهذه الكلمة المشرفة وهو بيان حكمها (من كان آخر كلامه لاإله إلاالله دخل الجنة) وقال أيضا (من مات وهو يعلم لاإله إلاالله دخل الجنة) فالأول فيمن يستطيع النطق والثاني فيمن لايستطيعه والله أعلم وقد ورد أن الملكين الكريمين يجتزيان منه بمجرد ذكرها حيث يمنعه مانع الهيبة والخوف من ذكر عقائد الإيمان لهما مفصلة اهـ باختصار وإذا كان ذكر هذه الكلمة المشرفة علامة للإيمان وترجمة عليه فلايقبل من أحد الإيمان إلابذكرها كماصرح به في الصغرى وهذا يستدعي الكلام على حكم ذكرها قال في الشرح اعلم أن الناس على ضربين مؤمن وكافر أماالمؤمن بالأصالة فيجب أن يذكرها مرة في العمر ينوي في تلك المرة بذكرها الوجوب وإن ترك ذلك فهو عاص وإيمانه صحيح والله أعلم ثم ينبغي له أن يكثر من ذكرها بعد أداء الواجب كماأشرنا إلى ذلك بقولنا في أصل العقيدة فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها وليعرف معناها أولاً لينتفع بذكرها دنيا وأخرى وأماالكافر فذكره لهذه الكلمة واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة وإن عجز عن ذكرها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب هذا هو المشهور من مذهب علماء أهل السنة وقيل لايصح الإيمان إلابها مطلقا ولافرق في ذلك بين المختار والعاجز وقيل يصح الإيمان بدونها مطلقاً وإن كان التارك لها اختياراً عاصيا كمافى حق المؤمن بالأصالة إذا نطق بها ولم ينو الوجوب ومنشأ هذه الأقوال الثلاثة الخلاف في هذه الكلمة المشرفة هل هي شرط في الايمان أوجزء منه أوليست بشرط فيه ولاجزء منه والأول هو المختار اهـ انظر المسلم الذي يولد في الاسلام إذا اتفق له لم ينطق بالشهادتين قط فان كان ذلك لعجز كالأخرس فهو كمن نطق وإن كان ذلك إباية وامتناعاً فهو كافر بلاشك وإن كان لغفلة فقط فهل هو كمن امتنع فهو كافر أيضا أوهو كمن نطق فهو مؤمن ونسب للجمهور قولان وإلى هذا كله أشار الإمام العالم المتفتن صاحب العلم الفصيح والقلم المؤيد الصحيح سيدي أبوعبدالله محمد المدعو العربي بن الإمام الشهير العالم العلامة الولي الصالح سيدي يوسف الفاسي نفعنا الله به في نظمه المسمى بمراصد المعتمد في مقاصد المعتمد بقوله: ومن يكن ذا النطق منه مااتفق فان يكن عجزا يكن كمن نطق وإن يكن ذلك عن إباء فحكمه الكفر بلاامتراء وإن يكن لغفلة فكالإبا وذا لسنة عياض نسبا وقيل كالنطق وللجمهور نسب والشيخ أبي منصور انتهى وهذا هو الفصل الأوّل من الفصول السبعة المتعلقة بهذه الكلمة المشرفة وهو بيان حكمها الفصل الثاني في ضبطها قال ينبغي لذاكرها أن لايطيل مد ألف لاجداً وأن يقطع الهمزة من إله إذ كثيراً مايلحن بعض الناس فيردها ياء وكذا ينبغي أن يفصح بالهمزة لأن بعضهم يرد الهمزة أيضاً ياء أويخفف اللام وأما كلمة الجلالة فإن وقف عليها تعين

стр. 74

السكون وإن وصلها كأن يقول لاإله إلاالله وحده لاشريك له فله وجهان الرفع وهو الأرجح والنصب وهو مرجوح ويأتي توجيهها فى فصل الإعراب وينبغي أن ينون اسم سيدنا ومولانا محمد ويدغم تنوينه في الراء اهـ واستحباب عدم إطالة مد ألف (لا) هو أحد أقوال ثلاثة مد (إلا) ويشدد اللام بعدها إذ كثيراً مايلحن ثلاثة قال القشلاني اختلف هل الأفضل للمكلف المد في لاالنافية ليستشعر المتلفظ بها نفي الألوهية عن كل موجود سوى الله تعالى أوالقصر لئلا تخترمه المنية قبل التلفظ بذكر الله وفرق الفخر بين أول كلمة فيقصر أولا فيمد اهـ وفي التوضيح في تعداد مايغلط فيه المؤذنون ومنها الوقوف على (لاإله) وهو خطأ ومنها أن بعضهم لايدغم تنوين محمد في الراء بعدها وهو لحن خفي عند القراء الفصل الثالث فى إعرابها اعلم أن هذه الكلمة قد احتوت على صدر وعجز فعجزها ظاهر الإعراب إذهو جملة من مبتدأ وخبر ومضاف إليه وأماصدرها ف (لا) فيه نافية و (إله) مبني معها لتضمنها معنى من إذ التقدير لامن إله ولهذا كانت نصاً في العموم كأنه نفى كل إله غيره جل وعز من بدء مايقدر منها إلى مالا نهاية له ممايقدر وقيل بنى الاسم معها للتركيب وذهب الزجاج إلى أن اسمها معرب منصوب بهاوإذ فرعنا على المشهور من البناء فموضع الاسم نصب بلاالعاملة عمل إن والمجموع من لاإله في موضع رفع بالابتداء والخبر المقدر هو لهذا المبتدأ ولم تعمل فيه لاعند سيبويه وقال الأخفش لاهي العاملة فيه وأما اسم الجلالة وهو الله فيرفع وهو الكثير ولم يأت في القرآن إلامرفوعاً وقد ينصب فالرفع إما على البدلية وهو المشهور والجاري على ألسنة المعربين وهو رأي ابن مالك وعليه فالأقرب أن يكون بدلا من الضمير المستتر في الخبر المقدر وقيل إنه بدل من اسم لاقبل دخولها وإنما كان القول بالبدل من الضمير المستتر أولى لأن البدل من الأقرب أولى من الأبعد ولأن كونه بدلا من اسم لاقبل دخولها داع إلى الاتباع باعتبار المحل مع إمكان الاتباع باعتبار اللفظ وأما أنه مرفوع على الخبرية قال ناظر الجيش وأماالقول بالخبرية في الاسم المعظم فقد قال به جماعة ويظهر لي أنه أرجع من القول بالبدلية وهذان القولان بالبدلية والخبرية في الاسم المعظم هما المعتبران وفي المسألة ثلاثة أقوال أخر قال ناظر الجيش لاعمل عليها أحدها أن إلا ليست أداة استثناء وإنما هي بمعنى غير وهي مع الاسم المعظم صفة لاسم باعتبار المحل والتقدير لاإله غير الله في الوجود ولامانع لهذا القول من جهة الصناعة النحوية وإنما يمتنع من جهة المعنى لأن المقصود من هذه الكلمة أمران نفي الألوهية عن غيره تعالى وإثبات ألوهيته تعالى وهذا الأمر الثاني لايفيده منطوق هذا

стр. 75

التركيب وإنما يفيده مفهومه وأين دلالة المنطوق من دلالة المفهوم ثم هو إما مفهوم ولم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة أومفهوم صفة وهو غير مجمع عليه الثاني أن لاإله في موضع الخبر وإلاالله في موضع المبتدأ ولايخفى ضعفه ويلزم منه أن الخبر يبنى مع لا وهي لايبنى معها إلاالمبتدأ أوأنه لايجوز نصب الاسم المعظم في هذا التركيب وقد جوزه كماسيأتي الثالث أن الاسم المعظم مرفوع بإله كمايرفع الاسم بالصفة في قولنا قائم الزيدان فيكون المرفوع بمعنى أغنى عن الخبر على أن إلها مألوه من أله أي عبد فيكون مفعولا أقيم مقام الفاعل واستغنى به عن الخبر كقولنا مامضروب إلاالعمران وضعفه وأجاب عنه وأما النصب فقد ذكر وله وجهين أحدهما أن يكون على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر الثاني أن يكون إلاالله صفة لاسم لاأما كونه صفة فلايكون إلاإذا كانت بمعنى غير وقد مربيان ضعفه في القول الأول من الثلاثة الأخيرة من أوجه الرفع وأما التوجيه الأول فقد قالوا فيه إنه مرجوح وكان حقه أن يكون راجحاً لأن الكلام غير موجب ثم قال والذي يقتضيه النظر أن النصب لايجوز بل ولا البدل ثم بين وجه ذلك فقف عليه وعلى مايتعلق بجميع الأوجه المذكورة من الأبحاث والأجوبة في شرح الصغرى الفصل الرابع في بيان معناها قال في شرح الصغرى لاشك أنها مشتملة على نفي وإثبات فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة لاإله غير مولانا جل وعز والمثبت من تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا جل وعز وأنى بالالقصر حقيقة الإله بمعنى أنه لايمكن أن توجد تلك الحقيقة لغيره تعالى لاعقلاً ولاشرعاً وحقيقة الإله هو الواجب الوجود المستحق للعبادة ولاشك أن هذا المعنى كلي أي يقبل بحسب مجرد إدراك معناه أن يصدق على كثيرين لكن البرهان القطعي دل على استحالة التعدد فيه وأن معناه خاص بمولانا جل وعز فقط والاسم المعظم المذكور بعد حرف الاستثناء ليس هو بمعنى الإله فيكون كليا بل هو جزئي علم على ذات مولانا جل وعز لايقبل معناه التعدد ذهنا ولاخارجا ولو كان معنى الله كمعنى الإله لزم استثناء الشيء من نفسه وأن لايحصل توحيد من هذه الكلمة ولو كان معنى الإله جزئياً مثل الاسم الأعظم لزم أيضاً استثناء الشيء من نفسه والتناقص في الكلام بإثبات الشيء ثم نفيه قال فإن كان المراد بالكلي الذي هو الإله مطلق المعبود لم يصح لما يلزم عليه من الكذب لكثرة المعبودات الباطلة وإن كان المراد بالإله المعبود بحق صح فإذا لايصح إلا أن يكون الإله كليا بمعنى المعبود بحق والاسم المعظم علم على الفرد الموجود منه أوالمعنى على هذا لامستحق للعبودية موجود أوفي الوجود إلاالفرد الذي هو خالق العالم جل وعز اهـ وهو صريح في أن
следующие страницы →