← Фикх малики

Фикх малики · id 14249

الدر الثمين والمورد المعين

ميارة

Полный текст (614 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكالصراط ذي الكلاليب ومن أنفذ منه فهو بالفوز قول جسر على متن جهنم التي يهوي بها من رجله قد زلت ومايقال إنه تاق من شعر صدقه فهو حق وفى صحيح مسلم ماأرشدا إليه والضرير فيه أنشدا والرب لايعجزه إمشاؤهم عليه إذالم يعيه إنشاؤهم وللقرافي هنا كلام نيط به من أجله ملام ثم قال وحوضه ممابه النص ورد وفيه خلف هل به الهادي انفرد وهل الأصح أولكل مرسل حوض من العذاب الرحيق المسلسل وكونه بعد الصراط مختلف فيه وبعض بالتعدد اعترف قلت وقد أجاد شيخنا ﵀ فى النظم المذكور فى هذا الفصل فعليك به ولولا خوف السآمة لأثبته بجملته (قلت) وشيخنا هذا كان إماماً عالماً متفنناً حافظاً مستحضراً للفقه والنوازل غاية فى الحفظ والفهم وفصاحة اللسان له ولوع بالأدب وطريقته ولي الفتوى والخطابة والإمامة بجامع القرويين بعد وفاة الفقيه سيدي محمد الهواري وذلك فى جمادى الأولى من عام اثنين وعشرين وألف إلى أن خرج للحج وذلك أواخر رمضان من عام سبعة وعشرين وألف فحج واستوطن مصر وكملت حجاته خمساً والله أعلم وألف تآليف منها حاشية مفيدة على مختصر الشيخ خليل ومنها كتاب فى التعريف بالقاضي أبي الفضل عياض ومنها نظم مفيد في علم الجدل ومنها هذه المنظومة في العقائد فقد اشتملت على فوائد وجواهر فريدة مع سلاسة النظم وحسن المساق نظمها بمكة المشرفة حسبما ذكر فيها ورواها عنه ثمة من الخلق من لايحصى كثرة من أقطار مختلفة* وممن رواها عنه وأعطاه منها نسخة بخطه الفقيه الأجل الحاج الأبر سيدي أبوعبدالله محمد بن الإمام العالم العلامة المتفتن الفهامة الولي الصالح الورع الزاهد العابد المشمر عن ساعد الجد والثبت ومعظم العلماء وأهل البيت الحاج الأبر سيدي أبي عبدالله محمد بن الولي الصالح العابد الزاهد ذي الكرامات العديدة والمآثر الحميدة الشهير شرقا وغربا سيدي أبي بكر المجاصي أبقى الله بركته وعظم حرمته وكبت عدوه وذلك لما حج سنة أربعين وألف وعنه انتشرت عندنا بفاس فجزاه الله خيرا

стр. 72

وأعظم له أجرا ماهي بأول بركاتكم ياآل أبي بكر (قلت) ولشيخنا المذكور مقطعات في الأدب وغير ذلك توفي ﵀ بمصر منتصف رجب أوشعبان سنة إحدى وأربعين وألف* وإلى سنة وفاته أشرت بالشين والألف والميم مع إفادة كونه كان عازما على استيطان الشام فاخترمته المنية من قولنا في جملة أبيات في تاريخ وفيات جملة من شيوخنا رحمهم الله تعالى وجامع أشتات العلوم بأسرها* وذا أحمد المقري شامالمنزل* قوله كانت لذا علامة الإيمان أشار به والله أعلم إلى قول الشيخ في الصغرى ولعلها لاختصارها مع اشتمالها على ماذكرناه جعلها الشرع ترجمة على مافي القلب من الإسلام ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بها قال في الشرح لاشك أنه ﵊ قد خص بجوامع الكلم فتحت كل كلمة من كلماته من الفوائد مالا ينحصر فاختار لأمته في ترجمة الإيمان هذه الكلمة المشرفة السهلة حفظاً وذكرا الكثيرة الفوائد علماً وحساً فماتعبوا فيه من تعلم عقائد الإيمان الكثيرة المفضلة جمع لهم ذلك كله فى حرز هذه الكلمة المنيع وتمكنوا من ذكر عقائد الإيمان كلها بذكر واحد خفيف على اللسان ثقيل في الميزان ثم تنبه أيها المؤمن العظيم إلى رحمة الله تعالى وإنعامه علينا بهذه الكلمة الشريفة وهو أن المكلف إنما ينجو من الخلود في النار إذا اتصف في آخر حياته بعقائد الإيمان التي تنطق بالله وبرسله عليهم الصلاة والسلام والغالب عليه في ذلك الوقت الهائل الضعيف عن استحضار جميع عقائد الإيمان مفصلة فعلمه الشرع بمقتضى الفضل العظيم هذه الكلمة السهلة العظيمة القدر حتى يذكر بها من غير مشقة تناله جميع عقائد الإيمان بلسانه أوبقلبه واكتفى منه في هذا الوقت الضيق بذكرها مجملة إذ طالما أداها قبل ذلك على لسانه وقلبه مفصلة ولهذا قال (من كان آخر كلامه لاإله إلاالله دخل الجنة) وقال أيضا (من مات وهو يعلم لاإله إلاالله دخل الجنة) فالأول فيمن يستطيع النطق والثاني فيمن لايستطيعه والله أعلم وقد ورد أن الملكين الكريمين يجتزيان منه بمجرد ذكرها حيث يمنعه مانع الهيبة والخوف من ذكر عقائد الإيمان لهما مفصلة اهـ باختصار وإذا كان ذكر هذه الكلمة المشرفة علامة للإيمان وترجمة

стр. 73

عليه فلايقبل من أحد الإيمان إلابذكرها كماصرح به في الصغرى وهذا يستدعي الكلام على حكم ذكرها قال في الشرح اعلم أن الناس على ضربين مؤمن وكافر أماالمؤمن بالأصالة فيجب أن يذكرها مرة في العمر ينوي في تلك المرة بذكرها الوجوب وإن ترك ذلك فهو عاص وإيمانه صحيح والله أعلم ثم ينبغي له أن يكثر من ذكرها بعد أداء الواجب كماأشرنا إلى ذلك بقولنا في أصل العقيدة فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها وليعرف معناها أولاً لينتفع بذكرها دنيا وأخرى وأماالكافر فذكره لهذه الكلمة واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة وإن عجز عن ذكرها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب هذا هو المشهور من مذهب علماء أهل السنة وقيل لايصح الإيمان إلابها مطلقا ولافرق في ذلك بين المختار والعاجز وقيل يصح الإيمان بدونها مطلقاً وإن كان التارك لها اختياراً عاصيا كمافى حق المؤمن بالأصالة إذا نطق بها ولم ينو الوجوب ومنشأ هذه الأقوال الثلاثة الخلاف في هذه الكلمة المشرفة هل هي شرط في الايمان أوجزء منه أوليست بشرط فيه ولاجزء منه والأول هو المختار اهـ انظر المسلم الذي يولد في الاسلام إذا اتفق له لم ينطق بالشهادتين قط فان كان ذلك لعجز كالأخرس فهو كمن نطق وإن كان ذلك إباية وامتناعاً فهو كافر بلاشك وإن كان لغفلة فقط فهل هو كمن امتنع فهو كافر أيضا أوهو كمن نطق فهو مؤمن ونسب للجمهور قولان وإلى هذا كله أشار الإمام العالم المتفتن صاحب العلم الفصيح والقلم المؤيد الصحيح سيدي أبوعبدالله محمد المدعو العربي بن الإمام الشهير العالم العلامة الولي الصالح سيدي يوسف الفاسي نفعنا الله به في نظمه المسمى بمراصد المعتمد في مقاصد المعتمد بقوله: ومن يكن ذا النطق منه مااتفق فان يكن عجزا يكن كمن نطق وإن يكن ذلك عن إباء فحكمه الكفر بلاامتراء وإن يكن لغفلة فكالإبا وذا لسنة عياض نسبا وقيل كالنطق وللجمهور نسب والشيخ أبي منصور انتهى وهذا هو الفصل الأوّل من الفصول السبعة المتعلقة بهذه الكلمة المشرفة وهو بيان حكمها (من كان آخر كلامه لاإله إلاالله دخل الجنة) وقال أيضا (من مات وهو يعلم لاإله إلاالله دخل الجنة) فالأول فيمن يستطيع النطق والثاني فيمن لايستطيعه والله أعلم وقد ورد أن الملكين الكريمين يجتزيان منه بمجرد ذكرها حيث يمنعه مانع الهيبة والخوف من ذكر عقائد الإيمان لهما مفصلة اهـ باختصار وإذا كان ذكر هذه الكلمة المشرفة علامة للإيمان وترجمة عليه فلايقبل من أحد الإيمان إلابذكرها كماصرح به في الصغرى وهذا يستدعي الكلام على حكم ذكرها قال في الشرح اعلم أن الناس على ضربين مؤمن وكافر أماالمؤمن بالأصالة فيجب أن يذكرها مرة في العمر ينوي في تلك المرة بذكرها الوجوب وإن ترك ذلك فهو عاص وإيمانه صحيح والله أعلم ثم ينبغي له أن يكثر من ذكرها بعد أداء الواجب كماأشرنا إلى ذلك بقولنا في أصل العقيدة فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها وليعرف معناها أولاً لينتفع بذكرها دنيا وأخرى وأماالكافر فذكره لهذه الكلمة واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة وإن عجز عن ذكرها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب هذا هو المشهور من مذهب علماء أهل السنة وقيل لايصح الإيمان إلابها مطلقا ولافرق في ذلك بين المختار والعاجز وقيل يصح الإيمان بدونها مطلقاً وإن كان التارك لها اختياراً عاصيا كمافى حق المؤمن بالأصالة إذا نطق بها ولم ينو الوجوب ومنشأ هذه الأقوال الثلاثة الخلاف في هذه الكلمة المشرفة هل هي شرط في الايمان أوجزء منه أوليست بشرط فيه ولاجزء منه والأول هو المختار اهـ انظر المسلم الذي يولد في الاسلام إذا اتفق له لم ينطق بالشهادتين قط فان كان ذلك لعجز كالأخرس فهو كمن نطق وإن كان ذلك إباية وامتناعاً فهو كافر بلاشك وإن كان لغفلة فقط فهل هو كمن امتنع فهو كافر أيضا أوهو كمن نطق فهو مؤمن ونسب للجمهور قولان وإلى هذا كله أشار الإمام العالم المتفتن صاحب العلم الفصيح والقلم المؤيد الصحيح سيدي أبوعبدالله محمد المدعو العربي بن الإمام الشهير العالم العلامة الولي الصالح سيدي يوسف الفاسي نفعنا الله به في نظمه المسمى بمراصد المعتمد في مقاصد المعتمد بقوله: ومن يكن ذا النطق منه مااتفق فان يكن عجزا يكن كمن نطق وإن يكن ذلك عن إباء فحكمه الكفر بلاامتراء وإن يكن لغفلة فكالإبا وذا لسنة عياض نسبا وقيل كالنطق وللجمهور نسب والشيخ أبي منصور انتهى وهذا هو الفصل الأوّل من الفصول السبعة المتعلقة بهذه الكلمة المشرفة وهو بيان حكمها الفصل الثاني في ضبطها قال ينبغي لذاكرها أن لايطيل مد ألف لاجداً وأن يقطع الهمزة من إله إذ كثيراً مايلحن بعض الناس فيردها ياء وكذا ينبغي أن يفصح بالهمزة لأن بعضهم يرد الهمزة أيضاً ياء أويخفف اللام وأما كلمة الجلالة فإن وقف عليها تعين

стр. 74

السكون وإن وصلها كأن يقول لاإله إلاالله وحده لاشريك له فله وجهان الرفع وهو الأرجح والنصب وهو مرجوح ويأتي توجيهها فى فصل الإعراب وينبغي أن ينون اسم سيدنا ومولانا محمد ويدغم تنوينه في الراء اهـ واستحباب عدم إطالة مد ألف (لا) هو أحد أقوال ثلاثة مد (إلا) ويشدد اللام بعدها إذ كثيراً مايلحن ثلاثة قال القشلاني اختلف هل الأفضل للمكلف المد في لاالنافية ليستشعر المتلفظ بها نفي الألوهية عن كل موجود سوى الله تعالى أوالقصر لئلا تخترمه المنية قبل التلفظ بذكر الله وفرق الفخر بين أول كلمة فيقصر أولا فيمد اهـ وفي التوضيح في تعداد مايغلط فيه المؤذنون ومنها الوقوف على (لاإله) وهو خطأ ومنها أن بعضهم لايدغم تنوين محمد في الراء بعدها وهو لحن خفي عند القراء الفصل الثالث فى إعرابها اعلم أن هذه الكلمة قد احتوت على صدر وعجز فعجزها ظاهر الإعراب إذهو جملة من مبتدأ وخبر ومضاف إليه وأماصدرها ف (لا) فيه نافية و (إله) مبني معها لتضمنها معنى من إذ التقدير لامن إله ولهذا كانت نصاً في العموم كأنه نفى كل إله غيره جل وعز من بدء مايقدر منها إلى مالا نهاية له ممايقدر وقيل بنى الاسم معها للتركيب وذهب الزجاج إلى أن اسمها معرب منصوب بهاوإذ فرعنا على المشهور من البناء فموضع الاسم نصب بلاالعاملة عمل إن والمجموع من لاإله في موضع رفع بالابتداء والخبر المقدر هو لهذا المبتدأ ولم تعمل فيه لاعند سيبويه وقال الأخفش لاهي العاملة فيه وأما اسم الجلالة وهو الله فيرفع وهو الكثير ولم يأت في القرآن إلامرفوعاً وقد ينصب فالرفع إما على البدلية وهو المشهور والجاري على ألسنة المعربين وهو رأي ابن مالك وعليه فالأقرب أن يكون بدلا من الضمير المستتر في الخبر المقدر وقيل إنه بدل من اسم لاقبل دخولها وإنما كان القول بالبدل من الضمير المستتر أولى لأن البدل من الأقرب أولى من الأبعد ولأن كونه بدلا من اسم لاقبل دخولها داع إلى الاتباع باعتبار المحل مع إمكان الاتباع باعتبار اللفظ وأما أنه مرفوع على الخبرية قال ناظر الجيش وأماالقول بالخبرية في الاسم المعظم فقد قال به جماعة ويظهر لي أنه أرجع من القول بالبدلية وهذان القولان بالبدلية والخبرية في الاسم المعظم هما المعتبران وفي المسألة ثلاثة أقوال أخر قال ناظر الجيش لاعمل عليها أحدها أن إلا ليست أداة استثناء وإنما هي بمعنى غير وهي مع الاسم المعظم صفة لاسم باعتبار المحل والتقدير لاإله غير الله في الوجود ولامانع لهذا القول من جهة الصناعة النحوية وإنما يمتنع من جهة المعنى لأن المقصود من هذه الكلمة أمران نفي الألوهية عن غيره تعالى وإثبات ألوهيته تعالى وهذا الأمر الثاني لايفيده منطوق هذا

стр. 75

التركيب وإنما يفيده مفهومه وأين دلالة المنطوق من دلالة المفهوم ثم هو إما مفهوم ولم يقل به إلا الدقاق وبعض الحنابلة أومفهوم صفة وهو غير مجمع عليه الثاني أن لاإله في موضع الخبر وإلاالله في موضع المبتدأ ولايخفى ضعفه ويلزم منه أن الخبر يبنى مع لا وهي لايبنى معها إلاالمبتدأ أوأنه لايجوز نصب الاسم المعظم في هذا التركيب وقد جوزه كماسيأتي الثالث أن الاسم المعظم مرفوع بإله كمايرفع الاسم بالصفة في قولنا قائم الزيدان فيكون المرفوع بمعنى أغنى عن الخبر على أن إلها مألوه من أله أي عبد فيكون مفعولا أقيم مقام الفاعل واستغنى به عن الخبر كقولنا مامضروب إلاالعمران وضعفه وأجاب عنه وأما النصب فقد ذكر وله وجهين أحدهما أن يكون على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر الثاني أن يكون إلاالله صفة لاسم لاأما كونه صفة فلايكون إلاإذا كانت بمعنى غير وقد مربيان ضعفه في القول الأول من الثلاثة الأخيرة من أوجه الرفع وأما التوجيه الأول فقد قالوا فيه إنه مرجوح وكان حقه أن يكون راجحاً لأن الكلام غير موجب ثم قال والذي يقتضيه النظر أن النصب لايجوز بل ولا البدل ثم بين وجه ذلك فقف عليه وعلى مايتعلق بجميع الأوجه المذكورة من الأبحاث والأجوبة في شرح الصغرى الفصل الرابع في بيان معناها قال في شرح الصغرى لاشك أنها مشتملة على نفي وإثبات فالمنفي كل فرد من أفراد حقيقة لاإله غير مولانا جل وعز والمثبت من تلك الحقيقة فرد واحد وهو مولانا جل وعز وأنى بالالقصر حقيقة الإله بمعنى أنه لايمكن أن توجد تلك الحقيقة لغيره تعالى لاعقلاً ولاشرعاً وحقيقة الإله هو الواجب الوجود المستحق للعبادة ولاشك أن هذا المعنى كلي أي يقبل بحسب مجرد إدراك معناه أن يصدق على كثيرين لكن البرهان القطعي دل على استحالة التعدد فيه وأن معناه خاص بمولانا جل وعز فقط والاسم المعظم المذكور بعد حرف الاستثناء ليس هو بمعنى الإله فيكون كليا بل هو جزئي علم على ذات مولانا جل وعز لايقبل معناه التعدد ذهنا ولاخارجا ولو كان معنى الله كمعنى الإله لزم استثناء الشيء من نفسه وأن لايحصل توحيد من هذه الكلمة ولو كان معنى الإله جزئياً مثل الاسم الأعظم لزم أيضاً استثناء الشيء من نفسه والتناقص في الكلام بإثبات الشيء ثم نفيه قال فإن كان المراد بالكلي الذي هو الإله مطلق المعبود لم يصح لما يلزم عليه من الكذب لكثرة المعبودات الباطلة وإن كان المراد بالإله المعبود بحق صح فإذا لايصح إلا أن يكون الإله كليا بمعنى المعبود بحق والاسم المعظم علم على الفرد الموجود منه أوالمعنى على هذا لامستحق للعبودية موجود أوفي الوجود إلاالفرد الذي هو خالق العالم جل وعز اهـ وهو صريح في أن

стр. 76

المنفي هو ماقد يتوهم من تعدد المعبود بحق وهذا المعنى أيضاً هو الذي عقد شيخ شيوخنا الإمام الشهير الحافظ الكبير الولى الصالح الحاج الرحال سيدى أبو القاسم ابن الامام الشهير الحافظ الأثير القاضى سيدى عبدالجبار بن أحمد بن موسى البزوري الفجيجي ﵀ بقوله (فصل) ومعنى لاإله إلا الله جل الرب نعم المولى مافي الوجود من إله يعبد بالحق إلاالله فرد صمد وهي رد خطأ المعتقد أن إله الحق ذو تعدد كمن يظن أن عند زيد من العبيد نحو ألف عبد وليس عنده سوى عبد فريد وذلك العبد يسمى بسعيد فأنت حقاً فى خطابك تقول لذاك لاعبد لزيد ياجهول إلا سعيد فنفيت كل ماكان مخاطباً له توهما مستثنياً سعيداً المحقق وجوده وربنا الموفق فصرح أيضا بأن المنفي هو ماقد يتوهم من تعدد المعبود بحق أما المعبود بباطل فلم يتعرض له إذهو موجود فلايصح نفيه وإلى هذا ذهب الشيخ الامام العالم سيدي أبومحمد عبدالله الهبطي الطنجي من تسلط النفي على أفراد الآلهة المعبودة بالحق على تقدير وجودها دون الباطل من الأصنام والأوثان قائلا إذ لاينفي الشيء إلا عما من شأنه أن يتصف به الأصنام لامشاركة بينها وبين الإله الحق سبحانه حتى يحتاج إلى نفيها وهو خلاف ماذهب إليه الإمام العالم سيدي أبوعبدالله محمد السبتيني النفي على المجموع من الأفراد المعبودة بالحق على تقدير وجودها والأصنام والأوثان المعبودة بالباطل قال بدليل قوله تعالى ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لاإله إلا الله يستكبرون﴾ فلولا أنهم فهموا من هذا النفي أنه أزال لهم ألوهية أصنامهم مااستكبروا وقالوا ماقال بعضهم وتحقيق ذلك لاإله إلا الله دلت على نفي الأفراد المعبودة بالحق على توهم وجودها بالمطابقة ودلت على نفي ألوهية الأصنام والأوثان المعبودة بالباطل بالالتزام قال والظاهر الأول فإن تعميم للنفي للأفراد المعبودة بحق على تقدير وجودها وتوهمه وللمعبودة بباطل من الأصنام ونحوها كماقال السبتيني يؤدي إلى عدم كفر الكافرين وأن لايوجد مشرك في الدنيا إذ المعنى حينئذ لامعبود بحق ولابباطل إلاالله تعالى وإذا لم يعبد إلاهو تعالى فمن عبده ليس بكافر (قلت) وفي الاستدلال بالآية نظر لاعتقادهم حقية عبادة أصنامهم ومن كلام الهبطى

стр. 77

المذكور من قصيدة له في ذلك. ومن قائل نفى الصليب وشبهه هو القصد بالتهليل تعدوك فتنة ولم يدر أن ماأريد بنفيه هو المستحيل مابذلك مرية فمعبود كل كافر بين عينيـ ـه عليه لأجله خضوع وذلك فلو نفسه ربي أراد بخبره لما كان صدقا لاتفتك شهادة كما مات خير الخلق مات دينه ومن شك في قولي غشته عماية ومن كلامه أيضا من قصيدة له أخرى في هذا المعنى. إن قلت لاإله إلاالله المثل قد نفيت لاسواه ومن يقل نفت وجود الصنم فليثبت أنه توهمى لكونه قطعاً لديه آلهة نفاها من نفى الإله قاطبة فإن أردت ثمرة الكلام ولاعليك فيه من ملام فخذ إليك لفظة بها اكتفى المثل ماقدرت منه منتف فكل ماأتى به التقدير فمنتف قليل أوكثر فشد كفك على هذا المقال وكف عن قول جميعه ضلال انتهى وقد ألف ﵀ هذه المسئلة تأليفا مفيداً ثم قال الشيخ ﵁ في شرح الصغرى وإن شئت قلت في معنى الإله هو المستغني عن كل ماسواه المفتقر إليه كل ماعداه وهو أظهر من المعنى الأول وأقرب منه وهو أيضاً أصل له لأنه لايستحق أن يعبد أي يدل له كل شيء إلامن كان مستغنيا عن كل ماسواه ومفتقراً إليه كل ماعداه فظهر أن العبارة الثانية أحسن من الأولى وبها ينجلي اندراج جميع عقائد الإيمان تحت هذه الكلمة ثم نقل عن المقترح مامعناه أنه لفظ الاستثناء في الحقيقة لايجري على ظاهره مايفهمه كل قاصر من أنه نفي وإثبات إذ يلزم منه هنا كفر وإيمان وإنما المقصود الإخبار بأن الإله الحقيقي واحد ثم يمكن أن يفاد هذا المعنى بعبارتين إحداهماالله واحد والثانية لاإله إلاالله فعدل إلى صيغة النفي لكونها أبلغ في إفادة معنى الوحدانية إذ يلزم منه نفي الكمية المتصلة والمنفصلة إذ مضمونها ليس كمثله شيء وليس هذا موجوداً في العبارة الأخرى وهي الله واحد فلاترتيب باعتبار المعنى حتى يلزم منه كفر ثم إيمان النفي والاثبات مقصودان دفعة واحدة ومدلوهما معا شيء

стр. 78

واحد وهو وحدانية الإله الحقيقي دل على ذلك مجموع قولنا لاإله إلاالله فلاإله إلاالله كقول القائل لفلان علي عشرة إلاثلاثة فقد قال الفقهاء إنه مقر بسبعة لاأنه أقر بعشرة ثم نفى منها ثلاثة إذ يلزم أن يقبل منه ذلك لأنه تعقب بالرافع لكن للسبعة عبارتان إحداهما بسيطة وهي سبعة والأخرى مركبة وهي مجموع قولنا عشرة إلاثلاثة فسبعة وعشرة إلاثلاثة مترادفان كماأن قولنا الله واحد ولاإله إلاالله مترادفان لكن عدل إلى العبارة المشتملة على النفي والإثبات لكونها أبلغ كمامر قال وهذا الذي اختاره المقترح هو قول القاضي أبي بكر قال وقال الأكثرون المراد بعشرة إنماهو السبعة وإلاثلاثة قرينة ذلك من إرادة الجزء باسم الكل وعلى هذا فاله المنفي أريد به غير الله وإلا الله قرينه إرادة ذلك ويندفع به التناقض أيضا قال وقيل المراد بعشرة جميع أفرادها السبعة والثلاثة معا ثم أخرجت الثلاثة بإلافبقيت السبعة ثم أسند إليها الحكم بعد الإخراج فلم يلزم تناقض في الحكم إذ ثبوته إنما هو للباقي بعد الإخراج والتقدير والعشرة المخرج منهاثلاثة له على ماقيل وهذا القول هو الصحيح على هذا فالمراد بإله كل أفراده ثم أخرج منها المعبود بحق ثم أسند الحكم بعد الإخراج والتقدير أفراد الإله المخرج منها الله معدومة (فرع) ومن خط شيخنا الإمام الحافظ الحجة سيدي أبي العباس أحمد المقري التلمساني نزيل فاس مانصه وقد سئل الشيخ سيدي محمد السنوس نفعناالله به هل يشرط في الإيمان أن يعرف المكلف معنى لاإله إلا الله محمد رسول الله على التفصيل الذي ذكرى في العقيدة الصغرى أم لا؟ فأجاب بأن ذلك لايشترط إلافي كمال الإيمان وإنمايشترط فى الصحة معرفة المعنى على الإجمال على وجه يتضمن التفصيل ولاشك أن الغالب على المؤمنين عامتهم وخاصتهم معرفة ذلك إذ كل أحد يعرف أن الإله هو الخالق وليس بمخلوق والرازق وليس بمرزوق وذلك هو معنى غناه جل وعز عن كل من سواه اليه وافتقار كل ماسواه إليه ويعرفون أن الإله لايصلى الاله ولايصام إلاله ولايحج ولايعبد سواه وافتقار كل ماسواه إليه وهو معنى قولهم إن الإله هو المستحق للعبادة ولايستحقها سواه وذلك الذي وقعت به الفتوى بعدم الإيمان نادر جداً وهو الذي لايدرى معنى لاإله إلاالله لاجملة ولاتفصيلاً ولايفرق بينه وبين الرسول بل يتوهم أنه متل ونظير لله تعالى وهذا النوع يقع في البادية البعيدة عن العمران جدا التي لاتخالط علما ولاخبرا والله تعالى أعلم اهـ وأشار بقوله وذلك الذي وقعت به الفتوى الخ لقوله في شرح الوسطى في باب الدليل على وجوب الوحدانية له تعالى وقد سئل فقهاء بجاية وغيرهم من الأئمة عن أول هذا القرن أو قبله

стр. 79

بيسير عن شخص ينطق بكلمتي الشهادة ويصلي ويصوم ويحج ويفعل كذا وكذا لكن إنما يأتي بمجرد الأقوال والأعمال فقط على حسب مايرى الناس يقولون ويعملون حتى أنه لينطق بكلمتي الشهادة ولايفهم لهما معنى ولايدرك معنى الإله ولامعنى الرسول وبالجملة فلايدرى من كلمتي الشهادة ماأثبت ولامانفى وربما توهم أن رسول الله نظير الإله لمارآه لازم الذكر معه في كلمتي الشهادة وفي كثير من المواضع فهل ينتفع هذا الشخص بماصدر منه من صورة القول والفعل ويصدق عليه حقيقة الإيمان فيمابينه وبين ربه أم لا فأجابوا كلهم بأن مثل هذا لايضرب له في الإسلام بنصيب وإن صدر منه من صور أقوال الإيمان وأفعاله وماوقع (قلت) وهذا الذي أفتوا به في حق هذا الشخص ومن كان على حالته جلي في غاية الجلاء لايمكن أن يختلف فيه اثنان وإنما نزاع العلماء واختلافهم فيمن عرف مدلول الشهادتين وجزم بماتضمنه من عقائد التوحيد من غير تردد إلاأن موجب جزمه بذلك التقليد ومجرد النشأة بين قوم مؤمنين من غير أن يعرف برهانا على ذلك أصلا والخلاف في صحة إيمان هذا هو الخلاف المعروف في صحة التقليد وقد قدمنا مافي ذلك في شرح مقدمة هذه العقيدة اهـ (الفصل الخامس فى بيان فضلها) قال ﵁ اعلم أنه لولم يكن في بيان فضلها إلاكونها علماً عن الإيمان في الشرع تعصم الدماء والأموال بحقها وكون إيمان الكافر موقوفا على النطق بها لكان كافياً للعقلاء كيف وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرا فمنها قول رسول الله «أفضل ماقلته أناوالنبيون من قبلي لاإله الاالله وحده لاشريك له» رواه مالك فى الموطأ زاد الترمذي في روايته له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير وروى هو والنسائي أنه قال (أفضل الذكر لااله الاالله وأفضل الدعاء الحمدلله) وروى النسائي أنه قال «قال موسى ﵊ يارب علمني ماأذكرك به وأدعوك به فقال ياموسى قل لاإله الاالله قال موسى ﵇ يارب كل عبادك يقولون هذا قال قل لاإله إلاالله قال موسى: لا

стр. 80

إله إلاأنت إنماأريد شيئا تخصني به قال ياموسى لوأن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع فى كفة ولاإله إلا الله في كفة لمالت بهن لاإله إلا الله وقال يؤتى برجل إلى الميزان ويؤتى بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم تخرج بطاقة مقدار الأنملة فيها شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله فتوضع في الكفة الأخرى فترجح بخطاياه وذنوبه» إلى غير ذلك مماورد في فضلها ففي الشرح من ذلك جملة صالحة فراجعه إن شئت الفصل السادس فى كيفية ذكرها على الوجه الأكمل قال ﵁ اعلم أن ذكر هذه الكلمة على كل حال بقصد القربة يحصل به الثواب لكن الأكمل الذي ترد به على القلب المواهب الإلهية والفتوحات الربانية التي يقصر عنها الوصف أن يعظم الذاكر ماعظم الله تعالى وأن يحسن أدبه مع ماشرف مولانا جل وعز وقد علمت أن هذه الكلمة من أفضل الأذكار وأشرفها عند مولانا جل وعز فينبغي للمؤمن أن يعتني بشأنها فيتوضأ لها ويلبس ثيابا طاهرة ويقصد موضعا طاهرا كمايقصده للصلاة وليتحر الخلوة والإنفراد عن الناس مااستطاع ويقصد الأزمنة المشرفة كمابعد الفجر إلى طلوع الشمس وبعد العصر إلى غروبها أومايتمكن منه من بعض ذلك وبين العشاء والسحر ثم ليستقبل القبلة وليفتتح ورده أولا بالاستغفار ولو مائة مرة ليغسل باطنه من أدران المعاصي ليتهيأ لتحليته بمايرد عليه بعد ذلك من أنوار بقية أوراده ثم يتبع أثر ذلك صلاة على النبى ولوخمسمائة مرة ليستنير بها باطنه ويتهيأ لحمل مايرد عليه من سر التهليل ويقصد بذلك كله امتثال أمر الله سبحانه وطلب رضاه والذي يعينه على احضار قلبه وقصد القربة في هذه الأذكار أن يذكر على قلبه أمر مولانا جل وعلا بكل واحد منها ليستشعر قلبه هيئة الأمر بمعرفة من صدر منه اهـ ماتعلق به الغرض ولابد وراجع بقية الفصل في الشرح إن شئت فقد أجاد فيه رضي الله تعالى عنه ماشاء الفصل السابع في الفوائد التي تحصل لذاكر الكلمة المشرفة على الوجه الأكمل قال ﵁ اعلم أن المواظبة على ذكر الكلمة المشرفة على الوجه الذي ذكرناه أولا

стр. 81

تحصل فوائد كثيرة منها مايرجع إلى محاسن الأخلاق الدينية ومنها مايرجع إلى الكرامات التي هي خوارق أماالأولى فمنها اتصافه بالزهد وهو خلو الباطن من الميل إلى فان وإن كانت اليد معمورة بمتاع حلال فعلى سبيل العارية فيتصرف فيه بالاذن الشرعى تصرف الوكيل الخاص ينتظر العزل عنه في كل نفس ومنها التوكل وهو ثقة القلب بالوكيل الحق ولايقدح في ذلك تلبس ظاهره بالأسباب إذا كان قلبه فارغا منها يستوي عند وجودها وعدمها ومنها الحياء بتعظيم الله بدوام ذكره والتزام امتثال أمره ونهيه والإمساك عن الشكوى به إلى العجزة الفقراء غيره ومنها غنى القلب بسلامته من فتن الأسباب فلايعترض على الأحكام بلو أوبلعل لعلمه بمن صدرت منه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير ومنها الفقر وهو نفض يد القلب من الدنيا حرصاً وإكثاراً ومنها الإيثار على نفسه بمالايذمه الشرع ومنها الفتوة وهي التجافي عن مطالبة الخلق بالإحسان إليه ولوأحسن إليهم لعلمه بأن إحسانه إليهم وإساءتهم إليه كل ذلك مخلوق لله تعالى فلايرى لنفسه إحسانا حتى يطلب عليه جزاء ولايرى لهم إساءة حتى يذمهم عليها إلاأن يكون الشرع هو الذي أمر بذمهم أومعاقبتهم فيفعل ماأمر به الشرع ليقوم بوظيفة العبادة فقط وهذه الفتوة فوق المسألة ومنها النظر وهو إفراد القلب بالثناء على الله تعالى ورؤية النعم منه في طي النقم قال ﵁ والفوائد كثيرة ومن أرادها فليجتهد في أسبابها فسيعرفها بالذوق وأماالنوع الثاني من الفوائد وهو مايرجع إلى الكرامات فمنها وضع البركة في الطعام ونحوه حتى يكثر القليل ويكفي اليسير وهذا مشاهد لأولياء الله تعالى كثيرا ومنها تيسير دنانير أودراهم أوكليهما أوغير ذلك مما تدعوا إليه الحاجة وقد كان بعض المشايخ في أول أمره جزارا فتعذر عليه شغل الجزارة تعذرا شرعيا فكان إذا كان قضى وظيفة ذكره برفع رأسه فيجد في حجره درهما يشتري به قوت ذلك اليوم ومنها مسألة سقة الشيخ أبي عبد الله التاودي نفعنا الله به وغير ذلك مما لايحصى كثرة قال ﵁ وكرامات هذا الباب كثيرة لاتنحصر إلا أن المؤمن لاينبغي له أن يقصدها بشيء من طاعته وإلادخل عليه الشرك الخفي ومكر به والعياذ بالله إذ هذه من جملة مايجب أن يصفي منها قلبه عند ذكر كلمة التوحيد ويقطع التفافه إليها بالكلية وليكن مقصوده رضا مولاه وكشف الحجاب عن قلبه فيواجه مولاه بالعجائب والأسرار. وهذا آخر الفصول السبعة المتعلقة بكلمة التوحيد باختصار جلها على حسب ماظهر في الوقت قوله وهي أفضل وجوه الذكر ظاهر وراجع الفصل الخامس في بيان فضلها قوله فاشغل به العمر تفز بالذخر أمر بالاشتغال والإكثار وعمارة الأوقات بذكر كلمة التوحيد لفضلها وثوابها قال في شرح الصغرى روى أن بعض السادات كان لايفتر عن ذكرها ليلا ولانهارا

стр. 82

ومنهم من يذكرها بين اليوم والليلة سبعين ألف مرة وأهل السبب والمشتغلون بالخدمة والصنائع اثني عشر ألفا وروي أن من قالها سبعين ألف مرة كانت فداءه من النار قوله تفز بالذخر جواب اشغل والذخر بالمعجمة المضمونة مصدر ذخر كمنع قال في القاموس ذخره كمنعه ذخرا بالضم وادخره اختاره أوأتخذه والذخيرة ماادخر كالذخر والجمع أذخار فَصْلٌ وَطَاعَةُ الْجَوارِحِ الْجَمِيعُ قَوْلاً وَفِعْلاً هُو الإِسْلامُ الرَّفِيعْ قَوَاعِدُ الاسْلاَمِ خَمْسٌ وَاجِبَاتِ وَهِىَ الشَّهادَتَانِ شَرْطُ البَاقيِاتِ ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاَةُ فِي الْقطِاعْ والصَّوْمُ والحْجُّ عَلَى مَنِ اسْتَطاعْ لاِيمانُ جَزْمٌ بِالإلهِ والْكُتُبْ والرُّسلِ والأَمْلاك مَعَ بَعْث قَرُبْ وقَدْرٌ كَذَا الصِّرَاطُ فالميزانْ حَوْضُ النَّبيِّ جَنَّةٌ نيرانُ وأمَّا الإحسانُ فَقالَ مَنْ درَاهْ أَنْ تَعْبُدَ الله كأَنَكَ تَرَاهْ إنْ لَمْ تَكُنْ ترَاهُ إنَّهُ يَرَاكْ والدِّينُ ذِي الثّلاَثِ خُذْ أَقْوَى عُرَاكْ نعرض في هذا الفصل لبيان الإسلام وقواعده ولبيان الإيمان والإحسان والدين فأخبر أن طاعة جميع الجوارح أي السبعة من اللسان الموافق للاعتقاد وغير اللسان أي الانقياد بها إلى فعل المأمور به وترك المنهي قولا كان أوفعلا هو الإسلام أي في عرف الشرع ووصفه بالرفعة لكماله بسبب انقياد الجوارح كلها وفهم منه أن الانقياد ببعض الجوارح فقط ليس اسلاما كاملا بل إسلام ناقص أوكفر وهو كذلك إن كان هذا البعض المنقاد به النطق بالشهادتين وحده أومع غيره كماهو مشاهد في الناس كثيرا من فعل المأمور به غالباً وعدم ترك المنهي عنه فهو إسلام ناقص إذ يثبت حكم الإسلام في الظاهر بالنطق بالشهادتين وحده فأحرى إن انضاف له غيره وأما إن لم ينطق بالشهادتين فلايصح إسلامه رأساً كماسيأتي فالمنفي في الوجه الأول الكمال مع ثبوت أصل الإسلام والمنفي في الثاني أصل الإسلام هذا معنى الاسلام في عرف الشرع وأما الإسلام لغة فهو مطلق الطاعة والانقياد والجوارح الكواسب أي الأعضاء السبعة التي

стр. 83

يكسب بها الخير والشر وهي السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والفرج والبطن روي أن من عصى الله تعالى بجارحة من هذه فتح له باب من أبواب جهنم ومن أطاعه بواحدة منه غلق عنه باب فإن أطاعه بالجميع غلقت عنه أبوابها كلها* وقوله الجميع نعت للجوارح ويحتمل كونه تأكيداً لها وأل فيه خلف عن الضمير على المذهب الكوفي أي جميعها وقوله قولا وفعلا منصوب على إسقاط الخافض أي في القول والفعل نبه به على أن الإسلام الكامل هو ماحصل عن الانقياد في القول بالنطق بمايجب النطق به وفي الفعل يفعل المأمور به يزيد كماترك المنهي عنه كمامر ثم أخبر أن قواعد الإسلام أي أصوله التي بني عليها خمس خصال كل منها واجب ومعنى كونها أصولا له أنها أعظم خصاله وآكدها الأولى الشهادتان أي النطق بهما مع اعتقاد معناهما ولو على جهة الإجمال كمامر في الفرع قبل الفصل الخامس وقوله شرط الباقيات صفة الشهادتين وكونهما شرطاً في الخصال الباقية صحيح أماالنطق بهما فهو شرط في صحة الخصال الأربعة الباقية كماذكر يريد وشرط صحة أيضاً في غيرها من بقية خصال الإسلام لكن هذا بالنسبة للكافر فلاتصح منه صلاة ولاغيرها إلابعد النطق بهما إن كان قادراً عليه وأمكنه ذلك وأمابالنسبة لمن ولد في الإسلام ففي كون نطقه بهما شرط صحة في إسلامه فلايصح دونه أوشرط كمال فيه قولان لكن محل الخلاف إن كان عدم نطقه بهما في غفلة فقط أماإن كان إباية وإمتناعا فالاتفاق على عدم صحة إسلامه وقد تقدم هذا في الفصل الاول من الفصول السبعة المتعلقة بكلمة التوحيد وأمااعتقاد معناهما فهو نفس الإيمان الذي يصح الإسلام الشرعي دونه (الخصلة الثانية) الصلاة (الثالثة) الزكاة فيماتجب فيه من الأنواع وهي الماشية والعين والحرث وبعض الثمار ومن الأخرين تخرج زكاة الفطر وهذه الأنواع هي مراد الناظم والله أعلم بالقطاع القاموس قطاع ككتاب الدرهم وقطيع كأمير الطائفة من الغنم والنعم وجمعه القطاع بالكسر اهـ وحاصله إطلاق القطاع على الدراهم والماشية وقد أطلقه الناظم على ماهو أعم من ذلك من جميع ماتجب فيه الزكاة (الرابعة) صوم رمضان (الخامسة) حج البيت من استطاع إليه سبيلا.

стр. 84

ثم أخبر أيضا أن الايمان هو الجزم أي القطع بوجود الإله وباتصافه بصفات الجلال والكمال وبالكتب أي المنزلة على الرسل وبالرسل والملائكة والبعث والقدر والصراط والميزان والحوض والجنة والنيران وسيأتي مزيد بيان لذلك عند التعرض لشرح الحديث الذي عقده الناظم في هذه الأبيات إن شاء الله تعالى وقوله الإيمان ابتداء اللام مكسورة مجردة من همزة الوصول لأن همزة الوصل إنما جيء بها للتوصل إلى الابتداء بالساكن والساكن هنا هو اللام تحرك بحركة الهمزة المنقولة إليه فاعتد بها وأسقط الهمزة وقد ارتكب الناظم هذا الوجه في مواضع من هذا الرجز ثم إن الإحسان عند من دراه أي علمه هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله ثم أخبر أيضا أن الدين مجموع هذه الثلاث وهي الإسلام والإيمان والإحسان وقوله ذي الثلاث ذي اسم إشارة خبر الدين والثلاث بالرفع نعت له أوعطف بيان وقوله خذ أقوى عراك إشارة إلى أن الدين أقوى وأوثق عروة يستمسك بها وذلك إشارة إلى قوله تعالى (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) وقوله (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) وفى ذلك تلويح إلى تعبيره العروة فى رؤيا عبدالله بن سلام ﵁ بالإسلام الكامل المرادف للدين ففي صحيح البخاري ﵁ عن قيس بن عباد قال «كنت جالساً في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع فقال هذا رجل من أهل الجنة فصلى ركعتين تجوز فيهما ثم خرج وتبعته فقلت إنك حين دخلت إلى المسجد قالوا هذا رجل من أهل الجنة قال والله ماينبغي لأحد أن يقول مالايعلم فسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي فقصصتها عليه رأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي ارق فقلت لاأستطيع فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت العروة فقال لي استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي فقصصتها على النبي فقال تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام وتلك العروة الوثقى فأنت على الإسلام حتى تموت وذلك الرجل عبدالله بن سلام» اهـ.

стр. 85

والأصل فيماذكره الناظم في هذا الفصل ماأخرجه الامام أبوعبدالله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله تعالى عنه في صحيحه عن أبي هريرة قال كان النبي بارزاً يوما للناس فأتاه رجل فقال ما الإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث قال ماالإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال ماالإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك قال متى الساعة قال ماالمسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربتها وإذاتطاول رعاة الإبل إليهم في البنيان فى خمس لايعلمهن إلاالله ثم تلاالنبى (إن الله عنده علم الساعة) الآية ثم أدبر فقال ردوه فلم يروا شيئاً فقال هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم قال أبوعبدالله فجعل ذلك كله ديناً وماأخرجه الامام أبوالحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري رضي الله تعالى عنه في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه «قال بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لايرى عليه أثر السفر ولايعرفه مناأحد حتى جلس إلى النبي فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يامحمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله الإسلام أن تشهد أن لاإله إلاالله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فاخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت قال فاخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فانه يراك قال فأخبرني عن الساعة قال ماالمسؤول عنها بأعلم من المسائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت ملياً ثم قال ياعمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» قال الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في شرح الأربعين للنووي بعد شرحه لحديث عمر مانصه وهو حديث متفق على عظم موقعه وكثرة أحكامه لاشتماله على جميع وظائف العبادات

стр. 86

الظاهرة والباطنة من عقائد الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه فهو جامع لطاعات الجوارح والقلب أصولا وفروعا حقيق بأن يسمى أم السنة كماسميت الفاتحة أم القرآن لتضمنها جل معانيه ومن ثم قيل لولم يكن في هذه الأربعين بل في السنة جميعها غيره لكان وافيا بأحكام الشريعة لاشتماله على جملتها مطابقة وعلى تفصيلها فهو جامع لها علما ومعرفة وأدبا ونطقا ومرجعه من القرآن والسنة كل آية أوحديث تضمن ذكر الإسلام أوالإيمان أوالإحسان أوالإخلاص أوالمراقبة أونحو ذلك اهـ قال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري في شرح حديث أبي هريرة المتقدم ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام وجوابه يقتضي تغايرهما وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة والإسلام إظهار أعمال مخصوصة وتقدم أن المصنف يرى الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد وقد نقل أبو عوانة الاسفرايني في صحيحه عن المزني صاحب الشافعي الجزم بترادفهما سمع ذلك منه وعن الإمام أحمد بتغايرهما ولكل من القولين أدلة متعارضة وقال أبومحمد البغوي في الكلام على حديث جبريل هذا جعل النبى الإسلام هنا اسما لماظهر من الأعمال والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان ولا أن التصديق ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة كلها شىء واحد وجماعها الدين ولهذا قال (أتاكم ليعلمكم دينكم) وقال تعالى (ورضيت لكم الإسلام دينا) وقال (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه) ولايكون الدين فى محل الرضا والقبول الا بانضمام التصديق اهـ كلام البغوي قال ابن حجر والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية كما أن لكل منهما حقيقة لغوية لكن كل منهما يستلزم الآخر بمعنى التكملة له فكما أن العامل لايكون مسلما كاملا الا إذا اعتقد فكذلك أن العامل لايكون مسلما كاملا إلاإذا اعتقد فكذلك المعتقد لايكون مؤمنا كاملا إلا إذا عمل وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو بالعكس أويطلق أحدهما على إرادتهما معا فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق فإن ورد في مقام السؤال حملا على الحقيقة وإن لم يردا معا أولم يكونا في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة وعلى المجاز بسبب مايظهر من القرائن اهـ ومن إطلاق الإسلام على إرادتهما معا قوله تعالى ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾.

стр. 87

﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه﴾ كما تقدم بيانه في نقل ابن حجر عن البغوي ومن إطلاق اسم الإيمان عليهما قوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أى صلاتكم فأطلق الإيمان على التصديق والعمل إذ من المعلوم أن الصلاة التي لايضيعها الله متى صدرت من مؤمن ونقل الامام سيدي أحمد القلشاني في شرح الرسالة عن ابن الصلاح مانصه قال ابن الصلاح في كلامه على حديث سؤال جبريل هذا بيان لأصل الإيمان وهو التصديق بالباطن وبيان لأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والصيام والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لهايشعر بانحلال قيد انقياده واختلافه ثم إن اسم الإيمان يتناول مافهم به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ومقومات ومتممات وحافظات له ولهذا فسره النبي في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وأداء الخمس من المغنم ولكون الإيمان يطلق الأعمال لكونها ثمرات له ومقومات ومتممات له لايقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أوترك فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولايستعمل في الناقص إلابقيد ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله «لايسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» واسم الإسلام أيضا يتناول ماهو أصل الإيمان وهو التصديق بالباطن ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام فخرج بما ذكرنا وحققنا أن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان فإذا اجتمع التصديق بالقلب بمايجب التصديق به شرعا من وحدانية الله تعالى وغير ذلك وانقاد بلسانه أوجوارحه وبالإقرار والعمل كان مسلما مؤمنا فان لم يكن تصديق في الباطن يريد وهو منقاد فى الظاهر فلا يصدق على هذا الظاهر إيمان يريد بل إسلام فقط قال تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ فبين تعالى أن

стр. 88

محله القلب وكذلك فسره ﵇ في حديث جبريل كماسبق اهـ وهذا هو المسمى الآن بالزنديق وقد كان فى الصدر الأول يسمى بالمنافق فان وجد التصديق بالقلب ولم يحصل في الظاهر انقياد فإن كان عدم حصوله حتى بلسانه فيمايجب عليه النطق به من الشهادتين لغير عذر فمؤمن لغة لاشرعاً غير مسلم ومؤمن لغة وشرعا على أحد القولين إن كان عدم نطقه غفلة راجع الفصل الأول من الفصول السبعة المتعلقة بكلمة التوحيد وإن انقاد بلسانه فيماذكر ولم ينقد بغيره من سائر الأركان فهو مؤمن لتصديقه مسلم لأن حكم الإسلام يثبت في الظاهر بالشهادتين كماتقدم في كلام ابن الصلاح إلاأن إسلامه ناقص كمامر أيضا ولاخفاء أن هذا كله مبني على القول بتغايرهما لاعلى القول بترادفهما فاعلمه وتغايرهما إنما هو باعتبار اللغة وأماباعتبار الشرع فمتلازمان لايصح إيمان إلا بإسلام ولا إسلام إلابإيمان واللهأعلم (تنبيه) مما يتأكد ذكره والتنبيه عليه فى هذا المحل مسائل مهمة ممالاغنى للفقيه عنها* المسألة الأولى في زيادة الإيمان ونقصانه وفي ذلك ثلاثة أقوال (الأول) يزيد وينقص (والثانى) لايزيد ولاينقص (والثالث) يزيد ولاينقص والأول والثالث رويا عن مالك فالأول باعتبار الأعمال وتسميتها إيمانا ومن قال بالثاني اعتبر حقيقة التصديق القائم بالمحل وهو عرض فلا يزيد ولاينقص إلا أن يقال زيادته باعتبار كثرة متعلقاته وكثرة أدلته وانتفاء الغفلات وتوالي ذلك من غير فتور وأماالثالث فمراعاة للإطلاق الشرعي فزادتهم إيمانا ولم يرد بنقصه وقال محققو المتكلمين نفس التصديق لايزيد ولاينقص ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى والإيمان الشرعي يزيد وينقص فزيادة بكثرة ثمراته وهي الأعمال ونقصه بنقصانها قالوا وفي هذا توفيق بين ظاهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وهو ظاهر وقيل الأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة وبهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لايعتريهم الشبه أولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لاتزال قلوبهم منشرحة منيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال وغيرهم ليسوا كذلك ولاشك أن نفس تصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه لايساويه تصديق آحاد الناس والله أعلم المسألة الثانية اختلف العلماء في إطلاق الإنسان أنا مؤمن أوتقييدها بالمشيئة فيقول انا مؤمن إن شاء الله تعالى وبالأول قال المحققون وبالثاني قالت جماعة وذهب الأوزاعي إلى التخيير فمن أطلق نظر إلى الحال ومن قيد بالمشيئة قال إما على وجه التبرك أونظر إلى العاقبة وهي مجهولة لايدري هل يثبت على إيمانه الآن أولا والعياذ بالله تعالى والكافر في التقييد بإن شاء الله كالمسلم.

стр. 89

المسألة الثالثة قال ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين قال جمع من الحنفية الإيمان مخلوق وكلام أبي حنيفة صريح فيه وقال آخرون منهم غير مخلوق وهما متفقان على أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى وبالغ جمع منهم فكفروا من قال بخلقه لما يلزم عليه من خلق كلامه تعالى لأنه تعالى قال (فاعلم أنه لاإله إلاالله) فالتكلم بها قاطع بكلامه بما ليس بمخلوق كما أن قارىء آية قارئا لكلامه تعالى حقيقة ورد بأن هذا جهل وغباوة إذ الإيمان وفاقا التصديق بالجنان أومع الإقرار باللسان وكل منهما فعل العبد وهو مخلوق لله تعالى وأيضا فقد قال الفقهاء لايكون المقروء إلابالقصد وأيضا يلزمهم أن كل ذاكر بل كل متكلم وافق كلامه أجزاء من القرآن قد قام به ماليس بمخلوق من معاني كلامه تعالى وذلك مما لايقوله ذو لب وأيضا المتلفظ بالشهادتين لم يقصد به قراءة بل الإقرار بالتصديق والحاصل أن الواجب اعتقاده أن كل ماقام بقارىء القرآن حادث لأنه إن قام به مجرد التلفظ والملفوظ لعدم فهمه لمايقرؤه فظاهر إذ التلفظ أمر اعتبارى وهو حادث لأنه مسبوق بمايعتبر به والملفوظ سبقه العدم فيستحيل قدمه وإن قام به مع ذلك الفهم والتدبر فهو إنما يحدث في نفسه صورة معاني نظم القرآن وغايتها أن تدل على المعنى القائم بذاته تعالى وليست هو للقطع بحدوثها وبعدم انفكاكه عن الذات الواجب الوجود ولتغايرهما إذ هو مدلول لفعل القارىء وصفة للكلام النفسي والقائم بنفس القارىء هو صفة العلم بتلك المعاني النظيمة لاللكلام بدليل أن القائم بقارى (أقيموا الصلاة) ليس طلب إقامتها بل العلم بأنه تعالى طلب ذلك قيل وهذا ينافيه قولهم القراءة وهي أصوات القارىء حادثة لوجودها تارة وعدمها أخرى والمقروء بالألسنة المكتوب بالمصاحف المسموع بالأسماع المحفوظ في الصدور قديم لاقتضائه قيام المعنى القديم بنفس الإنسان لأن المحفوظ مودع في قلبه ورد بأنهم لم يريدوا بهذ اللفظ ظاهره لتصريحهم بمايدل على أنهم تساهلوا فيه إذ قالوا عقبه ليس المقروء المذكور حالا في قلب ولالسان ولامصحف فأرادوا بالمقروء المعلوم بالقراءة والمكتوب المفهوم من الخط والمسموع المفهوم من الألفاظ المسموعة فالحال في القلب هو نفس فهمه والعلم به لامتعلقهما إذ هو المعنى القديم القائم بذاته تعالى وقد نقل بعض أهل السنة أنهم منعوا من إطلاق القول بحلول كلامه تعالى في لسان أوقلب أومصحف ولو مع اللفظ لئلا يسبق الوهم إلى إرادة النفسي القديم ثم مامر من القول بعدم خلق الإيمان لم ينفرد به الحنفية بل نقله

стр. 90

الأشعري عن أحمد وجماعة من أهل الحديث ومال إليه لكن وجهه بغير مامر وهو أن المراد بالإيمان حينئذ مادل عليه وصفه لله تعالى بالمؤمن فايمانه هو تصديقه فى الأزل بكلامه القديم لإخباره بوحدانيته وليس تصديقه هذا محدثا ولامخلوقا أن يقوم به حادث بخلاف تصديقه لرسله بإظهار المعجزة فإنه من صفات الأفعال وهي حادثة عند الأشاعرة قديمة عند الماتردية وبذلك علم أنه لاخلاف في الحقيقة لأنه إن أريد بالإيمان المكلف به فهو مخلوق قطعا أومادل عليه وصفه تعالى بالمؤمن فهو غير مخلوق قطعا اهـ وإنما نقلته بكماله وإن كان يمكن اختصاره لما اشتمل عليه من الفوائد ولست فى عهد مافيه من التحصيف إذ لم أجد فى الوقت ماأصله منه وإذ فرغنا من حل كلام الناظم وبعض مايتعلق بالإيمان والإسلام فلنرجع إلى الحديثين المتقدمين اللذين عقدهما الناظم في هذه الأبيات فأنقل عليهما مالابد منه من كلام بعض من شرحهما لأنهما أصل الدين ومداره ويفهم معناهما بفهم كلام الناظم فأقول قال الإمام ابن حجر قوله في حديث أبي هريرة كان النبي بارزا يوما للناس أي ظاهرا لهم غير محتجب ولاملتبس بغيره والبروز الظهور وقد وقع في رواية أبي فروة بيان ذلك قال كان رسول الله يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلايدري أيهم هو فطلبنا إليه أن يجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه قال فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه واستنبط منه القاطبى استحباب جلوس العالم بمكان يختص به ويكون مرتفعا إذا احتاج لذلك لضرورة تعليم ونحوه قوله فأتاه رجل أي ملك في صورة رجل قوله فقال ماالإيمان فإن قيل كيف بدأ بالسؤال قيل السلام أجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغ في التعمية لأمره أوليبين أن ذلك غير واجب أوعلم فلم ينقله الراوي وهذا الثالث هو المعتمد قوله ماالإيمان قدم السؤال على الإيمان لأنه الأصل وثنى بالإسلام لأنه يظهر مصداق الدعوى وثلث بالإحسان لأنه متعلن بهما وفي رواية عمارة بن القعقاع بدأ بالإسلام لأنه الأمر الظاهر وثنى بالإيمان لأنه الأمر الباطن ورجح هذا الطيبي لمافيه من الترقي قلت وإياها تبع الناظم ابن حجر قوله (أن تؤمن بالله) دل هذا الجواب على أنه علم أنه سأله متعلقاته لاعن معنى

стр. 91

لفظه وإلا لكان الجواب الإيمان التصديق وأعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيما لأمره منه قوله تعالى ﴿قل يحيها الذي أنشأها أول مرة﴾ في جواب من يحيي العظام وهي رميم قوله (وملائكته) الإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم وأنهم كماوصفهم الله عباد مكرمون وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب الواقع لأنه أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسل * قوله (وكتبه) الإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله وأن ماتضمنه حتى قوله وبلقائه قيل إنه مكرر مع الإيمان بالبعث والحق أنه غير مكرر فقيل المراد بالبعث القيام من القبر والمراد باللقاء مابعد ذلك وقيل اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدنيا والبعث بعد ذلك وقيل المراد باللقاء رؤية الله تعالى في الآخرة إذ جعلت من قواعد الايمان* قوله (ورسله) الإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ودل الإجماع في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل إلامن ثبت تسميته فيجب الايمان على التعين قوله (وتؤمن بالبعث) زاد في التفسير (الآخر) ولمسلم في حديث عمرو (اليوم الآخرة) فأما البعث الآخر فقيل ذكر الآخر تأكيدا كقولهم أمس الذاهب وقيل لأن البعث وقع مرتين الأولى الإخراج من العدم إلى الوجود أومن بطون الأمهات بعد النطفة والعلقة إلى الحياة الدنيا والثانية البعث من بطون القبور إلى محال الاستقرار وأما اليوم الآخر فقيل له ذلك لأنه آخر أيام الدنيا أو آخر الأزمنة المحدودة والمراد بالإيمان به التصديق وبما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار (فائدة) زاد الاسماعيلي (وتؤمن بالقدر) ولمسلم (كله) وفي رواية (خيره وشره) وكان الحكمة فى إعادة لفظ وتؤمن عند ذكر البعث الإشارة إلى أي نوع آخر مما يؤمن به لأن البعث سيوجد بعد وماذكر قبله موجود الآن أوالتنويه بذكره لكثرة من كان ينكره من الكفار ولهذا كثرة تكرار في القرآن وهكذا الحكمة في إعادة لفظ وتؤمن عند ذكر القدر كأنها إشارة إلى ماسيقع فيه من الاختلاف فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة تؤمن وتأكيده بقوله كله ثم قرره بالإبدال بقوله خيره وشره حلوه ومره والقدر مصدر

стр. 92

قدرت الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقدره بالكسر والضم قدرا إذا أحطت بمقدار والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ماسبق في علمه أنه يوجد فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطيعة وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة وقد روى مسلم القصة في ذلك ثم قال ابن حجر وقد حكى المصنفون عن طوائف من القدرية إنكار كون البادىء عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم وإنما يعلمها بعد كونها قال القرطبي وغيره وقد انقرض هذا المذهب ولايعرف أحد انتسب إليه من المتأخرين قال والقدرية اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال ثم قال (تنبيه) ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لايطلق إلاعلى من صدق بجميع ماذكر وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسله ولااختلاف لأن الإيمان برسول الله المراد به الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه فيدخل جميع ماذكر تحت ذلك والله أعلم* قوله في تفسير الإسلام أن تعبد الله قال النووي يحتمل أن يكون المراد بالعبادة معرفة الله تعالى ويحتمل أن يكون المراد الطاعة مطلقا فعطف الصلاة وغيرها من عطف الخاص على العام ابن حجر يبعد الأول أن المعرفة من متعلقات الإيمان وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله أن تشهد أن لاإله إلاالله وأن محمداً رسول الله فدل على أن المراد بالعبادة في حديث الباب النطق بالشهادتين وبهذا يتبين دفع الاحتمال الثاني ولماعبر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضحها بقوله ولاتشرك به شيئا ولم يحتج إليها فى رواية عمر لاستلزامها ذلك وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك بل المراد تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين وقد بين ذلك بقوله في آخره يعلم الناس دينهم ولم يذكر الحج لكون بعض الرواة ذهل عنه ونسيه وفي رواية كهمس وتحج البيت إن استطعت ءليه سبيلا

стр. 93

قوله الإحسان الإحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا ويتعدى بنفسه وبغيره تقول أحسنت كذا إذا أتقنه وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا يحسن بإخلاصه إلى نفسه وإحسان العبادة والإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس ومراقبة المعبود وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعها أن تغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله (كأنك تراه) أي وهو يراك والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل مايعمل وهو قوله (فإنه يراك) وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله وخشيته قال النووي معناه إنك إنما تراعي الاداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك لكونه يراك لا كونك تراه فهو دائماً يراك فأحسن عبادته وإن لم تره فتقدير الحديث فإن لم تكن تراه فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك قوله (متى الساعة) أي متى تقوم الساعة واللام للعهد والمراد يوم القيامة قوله (بأعلم من السائل) الباء زائدة لتأكيد النفي وهذا وإن كان مشعراً بالتساوي في العلم لكن المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلمها لقوله بعد في خمس لايعلمهن إلا الله قالالنووي يستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه ولايكون في ذلك نقص من مرتبته بل يكون دليلا على مزيد ورعه قوله (وسأخبرك عن أشراطها) الأشراط جمع وأقله ثلاثة والمذكور هنا اثنان والجواب المرضي عن ذلك أن الأشراط المذكورة ثلاثة ولكن اقتصر بعض الرواة على اثنين منها فذكر هنا الولادة والتطاول وذكر في التفسير الولادة أيضاً وترؤس الحفاة فقال وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذلك من أشراطها قوله إذا ولدت الأمة ربها وفى التفسير ربتها بتاء التأنيث وكذا في حديث عمر واختلف في معنى ذلك فقيل المراد السراري فمن أولد أمة كان ولده منها بمنزلة ربها لأنه ولد سيدها وقيل المراد كثر السبى فقد يسبى الولد أولاً وهو صغير ثم يعتق ويكبر ويصير رئيساً بل ملكا ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفا بها أو وهو لايشعر أنها أمه فيستخدمها أويتخذها موطوءه أويعتقها ويتزوجها وقد جاء في بعض الروايات أن تلد الأمة بعلمها فحمل على هذه الصورة وقيل المراد كثرة العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الاهانة والسب والضرب والاستخدام.

стр. 94

قوله (يتطاولون) أي يتفاخرون في تطويل البنيان قوله (رعاة الابل) بضم الراء جمع راع كقاض وقضاة والبهم بضم الموحدة ووقع في رواية الأصيلى بفتحها ولا يتجه مع ذكر الابل وإنما يتجه مع ذكر الشاة أوعدم الاضافة وميم البهم يجوز كسرها صفة للإبل يعني الإبل السود فقد قيل إنها شر الألوان عندهم وخيرها الحمر التي ضرب بها المثل فقيل (خير من حمر النعم) ويجوز ضمها صفة للرعاة لأنهم مجهولوا الأنساب ومنه أبهم الأمر فهي مبهم إذا لم تعرف حقيقته وقالالقرطبي الأولى أن يحمل على أنهم سود الألوان لأن الأدمة غالب ألوانهم وقيل معناه أنه لاشيء لهم لقوله (تحشر الناس حفاة عراة بهما) والإضافة للإبل للاختصاص لا للملك وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره بالأجرة وأما المالك فقل أن يباشر الرعي لنفسه والمراد بهم أهل البادية قال القرطبي المقصود الأخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويملك البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به وقد شاهدنا ذلك فى هذه الأزمان ومنه الحديث الآخر (لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس لكع بن لكع) ومنه (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة) وكلاهما في الصحيح قوله (في خمس) أى علم وقت الساعة داخل فى جملة خمس قال القرطبي لامطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث وقد فسر النبي قول الله تعالى (وعنده مفاتح الغيب لايعلمها إلاهو) بهذه الخمس وهو في الصحيح قال (فمن ادعى علم شيء منها غير مستند إلى رسول الله كان كاذبا في دعواه) قال وأما ظن الغيب فقد يجوز من المنجم وغيره إذا كان عن أمر عادي وليس ذلك بعلم وقد نقل ابن عبدالبر الاجماع على تحريم أخذ الأجرة وإعطائها في ذاك قال القرطبي علامات الساعة على قسمين معتاد وغيره والمذكور هنا الأول وأما الغير المعتاد مثل طلوع الشمس من مغربها فتلك مقارنة لها أومقاربة والمراد هنا العلامات السابقة على

стр. 95

ذلك ثم قال ابن حجر (تنبيهات) الأول دلت الروايات على أن النبي ماعرف أن السائل جبريل إلا في آخر الحال (الثاني) قال ابن المنير في قوله (يعلمكم دينكم) دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما لأن جبريل لم يصدر منه سوى السؤال ومع ذلك سماه معلما وقد اشتهر قولهم حسن السؤال نصف العلم ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث لأن الفائدة فيه مبنية على السؤال والجواب معا (الثالث) قال القرطبي هذا الحديث يصلح أن يقال له أم السنة لماتضمنه من حمل السنة وقالالقاضي عياض اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود كلها راجعة إليه ومتشعبة منه قال ابن حجر ولذلك أشبعت القول في الكلام عليه مع أن الذي ذكرته وإن كان كثيراً ولكنه بالنسبة لمايتضمنه قليل فلم أخالف طريقة الاختصار والله الموفق اهـ ماتعلق به الغرض من كلام ابن حجر على هذا الحديث الكريم باختصار وتقدير وتأخير في بعض المسائل وقد رأيت أن أنقل هنا بعض الفوائد ممايتعلق بالحديث المتقدم وجلها يتعلق بحديث مسلم عن عمر من كلام الإمام شهاب الدين أحمد بن جعفر الهيتمى في شرح الأربعين للنووي تكميلا للفائدة قال ﵀ في قوله في حديث عمر قال (يامحمد) قد يستشكل بحرمة ندائه به لقوله تعالى ﴿لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ مع أن المقام مقام تعليم ويجاب بأنا لا نسلم حرمة ذلك على الملائكة فكأن في ندائه بذلك مع ماسيعلم به الصحابة رضي الله تعالى عنهم من أنه جبريل إعلام له بأن الملائكة لايدخلون فى هذا الخطاب على أنه يحتمل أن حرمة ذلك إنما عرضت بعد فلا إشكال أصلا ثم رأيت بعضهم أجاب بأنه قصد مزيد التعمية عليهم فناداه بما كان يناديه به أجلاف الأعراب وفيه أيضا جواز نداء العالم والكبير باسمه ولو من المتعلم ومحله إن لم يعلم كراهته لذلك وإلاكان على سبيل الوضع على قدره لمخالفته ما اعتيد من النداء لأولئك بالألقاب المعظمة وقال في قوله في حديث عمر أيضاً أن تشهد أن لاإله إلاالله وأن محمداً رسول الله مامعنا ظاهره أنه لابد في الإسلام من لفظ أشهد فلو قال أعلم بدل أشهد أوأسقطهما فقال لاإله إلاالله محمد رسول الله لم يكن مسلما ويوافقه رواية أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا وهو ما اعتمده بعض

стр. 96

المتأخرين منا وهذا إن لم يحمل تشهد على تعلم ويؤيده حمله عليه قوله تعالى ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ ثم قال وكلام الروضة في الإيمان يقتضي عدم الاشتراط ويؤيده اكتفاؤهم في حق من لم يدن بشيء بآمنت وكذا أؤمن بالله إن لم يرد به الوعد أوالله خالقي أوربي مع الشهادة الأخرى فإذا اكتفوا بذلك نظراً للمعنى دون اللفظ فالأولى الاكتفاء بلا إله إلا الله لأنه وجد فيه اللفظ الوارد نظراً لرواية يقولوا ومعناه وعلى هذا فيكفى بدل إله بارىء أو رحمن أو رزاق وبدل الله محيي أومميت إن لم يكن طبائعيا وبدل محمد أحمد ووأبوالقاسم وبدل إلا غير وسوى وعدا وسوى وعدا وبدل رسول الله نبي ولبعض أئمتنا رأي ثالث وهو اشتراط أشهد أومرادفها كأعلم وأنه يشترط ترتيبها وإن لم تقتضه الواو إذ لا يصح الإيمان بالنبي قبل الإيمان بالله نعم لا تشترط الموالاة ببنهما ولا العربية وإن أحسنها وأنه لابد من مجموعها في الإسلام فلا يكفي أحدهما خلافا لما شذ به بعض أصحابنا من أنه يكفي لا إله إلا الله وحدها وأنه لايشترط زيادة عليهما وهي البراءة من كل دين يخالف دين الإسلام ومحله إن أنكر أصل رسالة نبينا فإن خصها بالعرب اشترط زيادة إقراره بعمومها ويزيد حتما من كفر بإنكار معلوم من الدين بالضرورة اعترافه بما كفر بإنكاره أوالتبري من كل ما خلف الإسلام والشرك والمشبه البراءة من التشبيه وقال عند قوله وتقيم الصلاة معطوف على تشهد خلافا لمن زعم رفع هذا وما بعده استئنافا وكأنه نظر إلى أنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان وحدهما وجوابه أن الانقياد له أقل وهو هذا وأكمل وهو ما ذكر في الحديث فكان عطف ما بعد تشهد عليه ليفيد هذا الأكمل أولى ومعنى إقامة الصلاة أن يأتي بها محافظا على أركانها وشروطها أوعلى مكملاتها أو يداوم عليها فيقيم معناه التعديل أومن الاقامة أي الملازمة والاستمرار والتشمير والنهوض وحمله على يقوم إليها أويقيم لها من الإقامة أخت الأذان بعيد لغة ومعنى ثم قال عند قوله (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) وإنما قيد بالاستطاعة في الحج مع أن مامر مقيد بها أيضا اتباعا للنظم القرآني فإنه لم يقيد بهذا اللفظ غيره أو إشارة إلى أن فيه من المشاق ما ليس في غيره أقوال وأيضاً فعدمها في نحو الصلاة والصوم لا يسقط فرضهما بالكلية وإنما يسقط وجوب أدائه بخلافها في الحج فإن عدمها يسقط وجوبه بالكلية ثم قال عند قوله قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه ما معناه فاعل قال الأول جبريل وفاعل قال الثاني عمر ووجه التعجب أن سؤاله يقتضي عدم علمه وأن كلامه دال على خبرته بالمسؤول عنه مع أنه لم يكن إذ ذاك

стр. 97

من يعرف هذا غير رسول الله فساغ التعجب منه ثم زال بإعلامهم أنه جبريل لأنه تبين أنه عالم في صورة متعلم ليعلمهم ثم قال عند قوله أن تؤمن بالله أى بأنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له في الألوهية وهي استحقاق العبادة منفرد بخلق الذوات بصفاتها وأفعالها وبقدم ذاته وصفاته الذاتية تعالى لها صفات حياة منزهة عن الروح وعلم بلا ارتسام لصورة في قلب ولا دماغ وإنما هو صفة تتميز بها الأشياء يتعلق بكل ما كان وما هو كائن بعلم واحد وكل من صفاته لا تكثر فيه التكثير في المتعلقات وقدرة على الممكنات وإرادة لجميع الكائنات لم تجدد له إرادة بتجدد المرادات وبأن الطاعات بإرادته ومحبته ورضاه وأمره والكل بقضائه وقدره وسمع بلا صماخ وبصر بلا حدقة وكلام بلا حرف ولا صوت منزه عما يعتري كلامنا النفسي من الخرس الباطن منزه عن قيام حادث به من حركة وسكون أوتحيز فصفاته ليست أعراضا ولا عين ذاته ولا غيرها وبأنه أحدث العالم باختياره من غير أن يحصل له به كمال لم يكن قبله ولم يتجدد له بإيجاد اسم ولا صفة لم يزل بأسمائه وصفات ذاته لا شبيه له في ذاته ولا يصفاته ولا في أفعاله منزه عن الجهة والجسمية وصفاتهما ولوازمهما وكل سمة نقص أولا كمال فيها وبأنه لا يكون في ملكه إلا ما شاء من خير وشر ونفع وضر بل لا تقع لمحة ناظرة ولا فلتة خاطر إلا بإرادته تعالى وبأنه الغنى المطلق فكل موجود مفتقر إليه في وجوده وبقائه وسائر ما يمده ويجمع ذلك كله أنه تعالى متصف بكل كمال منزه عن كل وصف لا كمال فيه ثم قال عند قوله (وملائكته) جمع ملك على غير قياس أوجمع ملاك على وزن مفعل إذ هو من الألوكة وهي الرسالة ثم خفف بنقل الحركة والحذف فصار ملكا وقيل فيه غير ذلك وتاؤه لتأنيث الجمع وقيل للمبالغة غلب فى الأجسام النورانية المبرأة من الكدورات الجسمانية القادرة على التشكل بالأشكال المختلفة أي بأنهم عباد له كما زعم المشركون من تألهم مكرمون لا كما زعم اليهود من نقصهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وبأنهم سفراء الله بينه وبين خلقه متصرفون فيهم كما أذن صادقون فيما أخبروا به عنه وأنهم بالغون من الكثرة مالا يعلمه إلا الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أوراكع (وكتبه) أي كلام الله الأزلي القديم القائم بذاته المنزه عن الحرف والصوت وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أوعن لسان الملك وبأن كل ما تضمنته حق وصدق وبأن بعض أحكامها نسخ وبعضها لم ينسخ قال الزمخشري وغيره وهي

стр. 98

مائة كتاب وأربعة كتب أنزل منها خمسون على شيث وثلاثون على إدريس وعشرة على آدم وعشرة على إبراهيم والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ورسله أي بأنه أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم فبلغوا عنه رسالته وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه وأنه يجب احترام جميعهم ولا نفرق بين أحد منهم كما في الإيمان به وأنه تعالى نزههم عن وصمة ونقص فهم معصومون من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها على المختار بل هو الصواب وما وقع في قصص يذكرها المفسرون وفي كتب قصص الأنبياء مما يخالف ذلك لا يعتمد عليه ولا يلتفت إليه وإن جل كالبغوي والواحدي وما جاء في القرآن من إثبات العصيان لآدم ومن معاتبة جماعة منهم على أمور فعلوها فإنما هو من باب إن للسيد أن يخاطب عبده بما شاء وأن يعاتبه على خلاف الأولى معاتبة غيره على المعصية وقدمنا أنهم أفضل من سائر الملائكة بدليله فإذا فضلوا المعصومين لزم كونهم معصومين بالأولى اهـ ثم قال عند قوله وبالقدر خيره وشره أي بأن ما قدره الله في أزله لابد من وقوعه ومالم يقدره يستحيل وقوعه وبأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته لقوله تعالى (خلق كل شيء) (والله خلقكم وما تعملون) (انا كل شىء خلقناه بقدر) بنصب كل كما أجمع عليه السبعة وحينئذ يكون نصا في عموم الخلق إذ تقديره إن خلقنا كل شيء خلقناه بقدر وبرفعها يزول هذا المعنى إذ تقديره حينئذ إنا كل مخلوق لنا بقدر وما تشاءون إلا أنا يشاء الله ولاجماع السلف والخلف على صحة قول القائل: (ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن) ولخبر (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) والقضاء عند الأشعرية إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال والقدر إيجاده اياها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها أوأفعالها أوالقضاء علمه أزلاً بالأشياء على ما هي عليه والقدر إيجاده إياها على ما يطابق العلم اهـ ما تعلق به الغرض من كلام هذا الرجل على حديث عمر (تنبيه) تقدم في كلام ابن حجر العسقلاني ومثله نقل ابن حجر الهيتمي عن بعضهم أنه يجب الإيمان بجميع الملائكة والكتب والرسل إيمانا كليا فمن ثبت بعينه وباسمه كجبريل والإنجيل وموسى وجب الإيمان به عينا حتى أن من لم يصدق بمعين من ذلك فهو كافر ومن لم يعرف اسمه آمنا به إجمالا وإذا كان كذلك فينبغي ويتأكد أو يجب الاعتناء بمن

стр. 99

سمي من ذلك ليؤمن بعينه فأما الكتب فالمسمى منها أربعة التوراة والانجيل والزبور والفرقان وقد جمعتها في قولنا وفي الذكر من أسماء كتب نزلت لأربعة فاعلم هديت مبجلا فالإنجيل والتوراة ثم زبورها ومن بعد فرقان لأحمد كملا وأما الأنبياء والرسل والملائكة فقد ذكر الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن في النوع التاسع والستين أنه وقع في القرآن من أسماء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام خمس وعشرون من أسماء الملائكة اثناعشر على خلاف في بعضهم. وقد رأيت أن آتى بكلامه مختصراً وإن كان المتأكد من ذلك إنما هو مجرد تعداد أسمائهم لكن تبعناه في التعريف بهم لغرابته والتبرك بهم قال ﵀ (آدم أبوالبشر) سمي بذلك لأنه خلق من أديم الأرض وقيل وصف مشتق من الأدمة ولذلك منع من الصرف عاش تسعمائة وستين سنة واشتهر في كتب التاريخ أنه عاش ألف سنة (نوح) أعجمي معرب ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف ابن متوشلخ بفتح الميم وتشديد المثناة فوق المضمومة بعدها واو ساكنة وفتح الشين المعجمة واللام بعدها خاء معجمة ابن أخنوخ بفتحتين ثم نون مضمومة مخففة واو ساكنة ثم خاء معجمة وهو إدريس فيما يقال سمي نوحا لكثرة بكائه على نفسه وأكثر الصحابة أنه قبل إدريس روى الطبراني عن أبي ذر قلت يارسول الله من أول الأنبياء «قال آدم قلت ثم من قال نوح بينهما عشرة قرون» وفي المستدرك عن ابن عباس مرفوعا بعث الله نوحا على رأس أربعين سنة فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا وذكر ابن جرير أن مولد نوح كان بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عاما وفي التهذيب للنووي أنه أطول الأنبياء عمراً.

стр. 100

(إدريس) قيل إنه قبل نوح وهو أخنوخ وإدريس اسم سرياني وقيل عربي مشتق من الدراسة لكثرة درسه الصحف وفي المستدرك بسند واه عن الحسن عن سمرة قال كان نبي الله إدريس أبيض طويلا ضخم البطن عريض الصدر قليل شعر الجسد كثير شعر الرأس وكانت إحدى عينيه أعظم من الأخرى وفى صدره نكتة بياض من غير برص فلما رأى الله من أهل الأرض ما رأى من جورهم واعتدائهم فى أمر الله تعالى رفعه إلى السماء السادسة فهو حيث يقول ﴿ورفعناه مكانا عليا﴾ وذكر ابن قتيبة أنه رفع وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة وفي صحيح ابن حبان أنه كان نبياً ورسولا وأنه أول من خط بالقلم وفي المستدرك عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال كان فيما بين نوح وإدريس ألف سنة (ابراهيم) اسم قديم ليس بعربي بل سرياني ومعناه أب رحيم وقيل مشتق من البرهمة وهي شدة النظر وهو ابن آزر قال الواقدي ولد إبراهيم على رأس ألفي سنة من خلق آدم وفي المستدرك من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة قال اختتن إبراهيم بعد عشرين ومائة سنة وقيل عاش مائة وخمسة وسبعين سنة (إسمعيل) ويقال بالنون آخره قال النووي وغيره هو أكبر ولد ابراهيم (إسحق) ولد بعد إسمعيل بأربع عشرة سنة وعاش مائة وثمانين سنة ومعناه بالعبرانية الضحاك (يعقوب) عاش مائة وسبعا وأربعين سنة (يوسف) عاش مائة وعشرين سنة وهو اسم أعجمي لا اشتقاق له (لوط) هو ابن هاران بن آزر وفي المستدرك قال لوط ابن أخي إبراهيم (هود) كان أشبه الناس بآدم كان رجلا جلداً واسمه عاير بن أرفخشذ بن سام بن نوح (صالح) هو ابن عبيد بن حاير ابن ثمود بن حاير بن سام بن نوح بعث إلى قومه حين

стр. 101

راهق الحلم وكان رجلا أحمر إلى البياض سبط الشعر فلبث فيهم أربعين عاما وهو من العرب ولما أهلك الله عاداً عمرت ثمود بعدها فبعث الله إليهم صالحاً غلاما شاباً فدعاهم إلى الله حين شمط وكبر ولم يكن بين نوح وإبراهيم إلا هود وصالح مات بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة (شعيب) هو ابن ميكيل بن يشجن بن مدين بن إبراهيم الخليل وكان يقال له خطيب الأنبياء وبعث رسولا إلى أمتين مدين وأصحاب الأيكة وكان كثير الصلاة وعمي في آخر عمره (موسى) هو ابن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب لا خلاف في نسبه وهو سرياني وأخرج أبوالشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال إنما سمي موسى لأنه ألقي بين شجر وماء فالماذ بالقبطية مو والشجر سىء والصحيح وصفه بأنه آدم طوال جعد كأنه من رجال شنوءة قال الثعلبي عاش مائة وعشرين سنة (هرون) أخوه شقيقه وقيل لأمه فقط وقيل لأبيه فقط كان أطول منه فصيحاً جدا مات قبل موسى وكان ولد قبله بسنة وفي بعض أحاديث الإسراء صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته أبيض ونصفها أسود تكاد لحيته تضرب سرته من طولها فقلت ياجبريل من هذا قال المحبب في قومه هرون بن عمران ومعنى هرون بالعبرانية المحبب (داود) هو ابن إيشا بكسر الهمزة وسكون التحية وبالشين المعجمة ابن عوبد بوزن جعفر الترمذي أنه كان أعبد البشر وقال كعب كان أحمر الوجه سبط الشعر أبيض الجسم طويل اللحية فيها جعودة حسن الصوت والخلق وجمع له النبوة والملك قال النووي قال أهل التاريخ عاش مائة سنة ومدة ملكه منها أربعون سنة وكان له اثنا عشر ابنا (سليمان) ولده كان أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا وكان أبوه يشوره فى كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله وعلمه أخرج ابن جبير عن ابن عباس قال ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمروذ وبخنتصر قال

стр. 102

أهل التاريخ ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وابتدأ بناء بيت المقدس بعد ملكه بأربع سنين ومات وله ثلاثة وخمسون سنة (أيوب) الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء إلا اسم أبيه وكان أبيض كان بعد شعيب وقيل بعد سليمان ابتلي وهو ابن سبعين وكانت مدة بلائه سبع سنين وقيل ثلاث عشرة وقيل ثلاث سنين وروى الطبراني أن مدة عمره ثلاث وتسعون سنة (ذو الكفل) قيل هو ابن أيوب وفي المستدرك عن ابن وهب أن الله بعث بعد أيوب ابنه بشير بن أيوب نبيا وسماه ذا الكفل وأمره بالدعاء إلى توحيده وكان مقيما بالشام عمره حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة وقيل هو اليسع وأن له اسمين (يونس) هو ابن متى بفتح الميم وتشديد التاء الفوقية مقصور ومتى اسم أبيه كما في الصحيح ونسبه إلى أبيه وقيل اسم أمه وهو مردود بما ذكر قال ابن حجر ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه روي أنه لبث في بطن الحوت أربعين يوما وقيل أقل من ذلك (إلياس) هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هرون أخي موسى بن عمران قال وهب إنه عمر كما عمر الخضر وأنه يبقى إلى آخر الدنيا وعن ابن مسعود أن إلياس هو إدريس وقد زيد في آخره ياء ونون في قوله تعالى ﴿سلام على آل ياسين﴾ (اليسع) هو ابن أخطوب بن العجوز وهو بياء واحدة مخففة عجمي وقيل عربي منقول من وسع يسع (زكريا) كان من ذرية سليمان بن داود وقتل بعد قتل ولده كان له يوم بشر بولده اثنتان وتسعون سنة وقيل تسعة وتسعون وقيل عشرون ومائة وزكريا اسم عجمي (يحيى) ولده أول من سمي يحيى بنص القرآن ولد قبل عيسى بستة أشهر ونبىء صغيرا وقتل ظلما وسلط الله على قاتله بخنتصر وجيوشه ويحيى اسم عجمي وقيل عربي ولا ينصرف على القولين وعلى الثاني سمي بيحيى لأنه أحياء الله بالإيمان وقيل لأنه حيى به رحم أمه وقيل لأنه استشهد والشهداء أحياء وقيل معناه يموت

стр. 103

كالمفازة للمهلكة والسليم للديغ (عيسى) بن مريم بنت عمران خلقه الله بلا أب وكانت مدة حملة ساعة وقيل ثلاث ساعات وقيل غير ذلك ورفع وله ثلاث وثلاثون سنة وفي الحديث أنه ينزل ويقتل الدجال ويتزوج ويولد له ويحج ويمكث في الأرض سبع سنين ويدفن عند النبي وأنه ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني حماما وعيسى اسم عبراني أوسرياني اهـ باختصار (ونبينا ومولانا محمد) قال ناظم الإتقان وهو الشيخ الإمام الفقيه المشارك عبد العزيز بن عبد الواحد اللمطي أخو سيدي عثمان اللمطي المشهور ولد سيدي عثمان هذا وهو سيدي أحمد بن عثمان اللمطي أحد أشياخ الناطم رحم الله جميعهم وفي الذكر من أسمائهم قدر ستة وعشرين إجمالا وأما مفصلا فآدم نوح ثم إدريس بعده ومن بعد إبراهيم وابناه بجلا ويعقوب أيضا ثم يوسف نجله وهود ولوط صالح كل أرسلا وجاء شعيب ثم موسى وصنوه وداود فاعلم مع سليمان فضلا وأيوب أيضا ثم ذو الكفل منهم ويونس مع الياس واليسع انجلا كذا زكريا وابنه وابن مريم وخاتم رسل الله جاء مكملا انتهى إلا أن قوله قدر ستة لعله سبق قلم أوتصحيف وصوابه قدر خمسة إذ لم يذكر في النظم ولا في الإتقان ولا أصله إلا خمسة وعشرين ولو قال عوض البيت الأول وفي الذكر من أسماء رسل وأنبيا لخمسة مع عشرين خذها مفصلا لكان أصرح وإن كان ضمير أسمائهم في كلامه عائدا على الأنبياء لتقديم ذكرهم في الترجمة قيل هذه الأبيات ثم قال في الإتقان وفيه من أسماء الملائكة (جبريل وميكائيل) وفيها لغات ومعنى جبريل عبدالله وكذا ميكائيل وكل اسم فيه إبل فهو عبدالله (وهاروت وماروت) ملكان من ملائكة السماء وقد أفردت في قصتهما جزأ (الرعد) ملك موكل بالسحاب يسبح (البرق) ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذلك البرق (ومالك) خازن جهنم (السجل) ملك كان هاروت وماروت من

стр. 104

أعوانه وهو موكل بالصحف (وقعيد) اسم كاتب السيئات (ذو القرنين) قيل إنه ملك من الملائكة (الروح) في قوله تعالى ﴿يوم يقوم الروح﴾ قال ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقه (السكينة) في قوله تعالى ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين﴾ قيل إنه ملك يسكن قلب كل مؤمن ومؤمنة كما روي أن السكينة تنطق على لسان عمر اهـ باختصار وجملتهم اثناعشر اسما قال ناظم الإتقان المذكور آنفا وفي الذكر من أسمائهم قد تنزلا ثمانية جبريل ميكال حملا وهاروت مع ماروت منهم ومالك قعيد بالرعد السجل تكملا انتهى إلا أنه أسقط ذكر البرق وذي القرنين والروح والسكينة وقد عززت البيتين بثالث يجمع الأربعة البواقي وهو قولنا: كذلك ذو القرنين في البرق ضف له سكينة مع روح فلاتك مهملا. ولو قال عوض الشطر الأول من البيتين. وفي الذكر من أسما ملائك ربنا لكان أصرح وهنا انتهى ﵁ على ما يتعلق بالقاعدة الأولى من قواعد الإسلام وهي الشهادتان. ثم شرع فيما يتعلق بالقاعدة الثانية وهي الصلاة مصدراً له بمقدمة تتأكد الحاجة إليها فقال.

стр. 105

(مقدمة من الأصول معينة فى فروعها على الوصول) ذكر الناظم فى هذه الترجمة الحكم الشرعى وأقسامه وأفاد أن هذه المقدمة مأخوذة من الأصول أي من أصول الفقه وأنها معينة أي يستعان بمعرفتها في فروع الأصول التى تذكر بعد هذه الترجمة على الوصول إلى معرفة حقيقة حكم تلك الفروع الآتية فإذا خاض فيها وقيل له هذا واجب مثلا أومندوب علم من هذه الترجمة حقيقة الواجب المندوب وأن الأول ما طلب طلبا جازما والثانى ما طلب غير جازم وهكذا فى المحرم والمباح وكفى بذلك إعانة هذا مقصوده والله أعلم فقوله مقدمة خبر مبتدأ محذوف أي هذه مقدمة ومن الأصول صفة لمقدمة فيتعلق بمحذوف أى مأخوذه أي منقوله ومن الأصول على حذف مضاف أي من فن الأصول ومعينة وصف ثان لمقدمة وبه يتعلق المجروران بعده وتقدم ضبط لفظ مقدمة كتاب الاعتقاد وأصول الفقه لفظ مؤلف من جزأين مفردين أحدهما أصول والآخر الفقه فالأصل ما يبنى عليه غيره كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي طرفها الثابت في الأرض والفرع ما يبنى على غيره كفروع الشجرة لأصولها وفروع الفقه لأصوله. والفقه معناه لغة الفهم وشرعا معرفة الأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد كالعلم بأن النية فى الوضوء واجبة وأن الوتر مندوب وأن تبييت النية شرط فى الصوم وأن الزكاة واجبة فى مال الصبي وغير واجبة فى الحلى المباح وأن القتل بمثقل موجب القصاص ونحو ذلك من مسائل الخلاف بخلاف ماليس الاجتهاد كالعلم بأن الصلوات الخمس فريضة وأن الزنا محرم كالأحكام الاعتقادية كالعلم بالله سبحانه وصفاته ونحو ذلك من المسائل القطعية فلا يسمى معرفة ذلك فقها لأن معرفة ذلك يشترك فيها الخاص والعام فالفقه بهذا التعريف لا يتناول إلا علم المجتهد ولا يضر فى ذلك عدم اختصاص التحبيس على الفقهاء بالمجتهدين فقط لأن المرجع فى ذلك للعرف وهذا اصطلاح خاص والمراد بالمعرفة هنا العلم بالمعرفة بمعنى الظن وأطلعت المعرفة التى هى بمعنى العلم على الظن لأن المراد بذلك ظن المجتهد الذى لقوته قريب من العلم وخرج بقولهم الأحكام الشرعية الأحكام العقلية كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين والحسية كالعلم بأن النار محرقة والمراد بالاحكام في قولهم الأحكام الشرعية جميع الأحكام فالألف واللام للاستغراق والمراد بمعرفة جميع الاحكام التهيؤ لذلك فلا ينافى ذلك قول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وهو من أعظم الفقهاء المجتهدين فى اثنين وثلاثين مسئلة من ثمان وأربعين مسئلة سئل عنها لا أدري لأنه متهيء للعلم بأحكامها

стр. 106

بمعاودة النظر وإطلاق العلم على مثل هذا التهيؤ جائز عرفا تقول فلان يعلم النحو ولا تريد أن جميع مسائله حاضرة عنده على التفصيل بل إنه متهيء لذلك هذا معنى الفقه. (تنكيت) الذى فى أصل النظم واستيعاب مسح الأذنين وهو شامل للصماخين كما قال الناظم فيدخله الخلاف وهو كذلك لكن فيه نظر لما ذكرناه عن شارح الجلاب من الاتفاق على سنية مسح الصماخين هذا وقد عد فى أصل النظم من المتفق عليه مسح الأذنين ثم ذكر هنا أن المختلف فيه استيعاب مسحهما فجعلهما فى الأصل مسئلتين والله أعلم (تكميل) اختلف فى ظاهرهما وباطنهما فقيل ظاهرهما مما يلى الرأس وباطنهما مما يلي الوجه وقيل ظاهرهما ما يواجه قال في الذخيرة ابتدأ خلقتهما منغلقتين كزر الورد فإذا كمل خلقهما انفتحا على الرأس فالظاهر للحس الآن كان باطنا أولا والباطن كان ظاهرا فهل يعتبر حال الابتداء عملا بالاستصحاب أوحال الانتهاء لأنه الواقع حال ورود الخطاب وصفة مسحهما أن يجعل باطن الإبهامين على ظاهر الشحمتين ويمرهما للآخر وآخر السبابتين فى الصماخين ووسطهما ملاقيا للباطن دائرين مع الإبهامين قال ابن شاس وأما أصوله فهى دلائله الإجمالية أي غير المعينة كمطلق الأمر والنهى وفعل النبى والإجماع والقياس والاستصحاب المبحوث عن أولها بأنه للوجوب حقيقة والثانى بأنه للمحرمة كذلك والبواقى بأنها حجج وغير ذلك مما ذكر فى الفن وأما الدلائل التفصيلية نحو (أقيموا الصلاة) (ولا تقربوا الزنا) وصلاته في الكعبة كما أخرجه الشيخان والإجماع على أن لبنت الابن السدس مع بنت الصلب حيث لا عاصب لهما وقياس «الأرز على البر فى امتناع بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل يدا بيد» كما رواه مسلم واستصحاب الطهارة لمن شك فى بقائها فليست بأصول الفقه وإنما يذكر بعضها فى كتبه للتمثيل وقد ظهر مما مر أن الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية كالعلم بوجوب النية فى الصلاة وأن الوتر مستحب ونحو ذلك المستدعي لمعرفة حقائق تلك الأحكام ووجه ذكر ما ذكره الناظم فى هذه الترجمة فى فن أصول الفقه الُحْكْمُ فِى الشَّرْعِ خِطابُ رَبِّنا المُقْتَضِي فِعْلَ الْمُكلَّفِ افْطُنا بِطَلَبٍ أَوْإِذْنٍ أَوْبِوَضْعِ لِسَببٍ أَوْشَرْطٍ أَوْذِي مَنْعِ أخبر أن الحكم الشرعي المستند إلى الشرع وهو الذي لا يعلم إلا منه ولا يتوصل إليه بعقل ولا بعادة هو خطاب الله تعالى المقتضى أى المتعلق بفعل المكلف يريد من حيث أنه مكلف ثم تعلق الخطاب بفعل المكلف إما أن يكون بطلب أى يطلب فيه طلبا وإما أن يكون بإذن أى فى الفعل والترك بأن يبيحه وإما أن يكون بوضع بأن يضع أى بنصب أمارة أى على الطلب أوعلى الإذن وتلك الأمارة إما سبب أوشرط أومانع ثم اعلم أن الطلب إما يكون طلب الفعل أوطلب الكف عن الفعل وكل منهما إما أن يكون طلبا جازما أوغير جازم فجاءت الأقسام أربعة فطلب الخطاب الفعل من المكلف طلبا جازما بحيث لا يجوز له تركه كالإيمان بالله ورسله وكقواعد الإسلام الخمس هو الإيجاب وطلبه منه الفعل طلبا غير جازم بأن يجوز تركه كصلاة الفجر ونحوها هو الندب وطلب منه الكف عن الفعل طلبا جازما بحيث لم يجوز فعله كشرب الخمر والزنا ونحوهما هو التحريم وطلبه منه الكف عن الفعل طلبا غير جازم بأن يجوز له فعله كالقراءة فى الركوع والسجود مثلا هو الكراهة فبضم أقسام الطلب هذه إلى الإذن الذي هو إباحة الفعل والترك من غير ترجيح لأحدهما عن الآخر كالبيع ونحوه تكمل أقسام الحكم الشرعى الخمسة ويسمى هذا القسم خطاب التكليف وتعلق الخطاب

стр. 107

بفعل المكلف لكن بواسطة وضع أمارة من سبب أوشرط أومانع على حكم من تلك الأحكام الخمسة هو المسمى فى الاصطلاح بخطاب الوضع وسيأتى بيان السبب والشرط والمانع فقوله الحكم فى الشرع فيه بمعنى الباء كقوله ويركب يوم الروع منا فوارس بصيرون في طعن الأباهر والكلى أي بطعن أي الحكم بإثبات أمر لأمر أونفى أمر عن أمر بالشرع لا بالعقل ولا بالعادة هو خطاب ربنا الخ وافطنا بضم الطاء وفتحها كذا ضبطه الناظم ﵀ بخطه فعل أمر من فطن تكميل للبيت وبطلب يتعلق بخطاب قال فى شرح المقدمات وفيه وصف المصدر قبل إكماله ويسهله أن المجرور يعمل فيه العامل القوى والضعيف وكون الخطاب هنا بمعنى المخاطب به اهـ نسخه بخط الناظم أيضا حكم إلهنا خطابه المفيد فعل المكلف وفى التعريف زيد بطلب إلخ فقوله وفى التعريف يتعلق بزيد وهو فعل ماض مبنى للمفعول ونائبه المجرور بعده وأل فى التعريف بدل عن الضمير أي وزيد فى تعريف الحكم الشرعى أن هذا الخطاب بطلب إلخ قال في شرح المقدمات قوله في حد الحكم الشرعي خطاب الله تعالى كالجنس فى الحد وحقيقة الخطاب الكلام الذى يقصد به من هو أهل للفهم واختلف هل من شرط التسمية به وجود المخاطب أم لا وعلى ذلك جرى الخلاف في كلام الله تعالى هل يسمى فى الأزل خطابا قبل وجود المخاطبين أم لا والمراد بالخطاب هو المخاطب به من إطلاق المصدر على اسم المفعول وإضافة الخطاب إلى الله تعالى تخرج خطاب غيره كالملوك والآباء والأمهات والمشايخ وبالجملة يخرج بهذا القيد خطاب من سوى الله تعالى من الملائكة والإنس والجن فلا يسمى خطاب هؤلاء كلهم حكماً شرعياً وإنما سمى خطاب الرسل بالتكاليف حكما شرعيا لأنهم مبلغون عن الله تعالى معصومون فى تبليغهم من الكذب عمدا وسهوا وقوله المتعلق بأفعال المكلفين يخرج أربعة أشياء (الأول) خطابه تعالى المتعلق بذاته العلية نحو (لا إله إلا الله) و (الثانى) الخطاب المتعلق بفعله نحو (الله خالق كل شىء) و (الثالث) الخطاب المتعلق بالجمادات نحو ﴿ويوم نسير الجبال﴾ (الرابع) الخطاب المتعلق بذوات المكلفين نحو ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾ والمراد بفعل المكلف ما يصدر منه ليشمل القول والنية اهـ زاد في جمع الجوامع بعد قوله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف قال المحلى

стр. 108

أخرج به مدلول وما تعملون من قوله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فإنه متعلق بفعل المكلف من حيث إنه مخلوق لله تعالى وقال قبله وتعلق خطابه تعالى بفعل المكلف إما تعلقا معنويا قبل وجوده وتنجيزيا بعد وجوده بعد البعثة إذ لا حكم قبلها اهـ ثم قال في شرح المقدمات والمكلف هو البالغ العاقل ومن هنا يعلم أن الصبى لا يتعلق به حكم هكذا قيل وانظر هذا ما ذكر فى الأصول من الخلاف فى الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أم لا؟ فإن قيل ليس أمرا به يبقى الصبيان لم يأمرهم الشرع فالمتعلق بهم ليس حكم الشرع بل حكم أوليائهم وإن قلنا إنه أمر به فالأقرب أن الصبيان مكلفون من الشرع بمثل هذا الأمر وإذا كان الندب تكليفا فى حق البالغين على قول مع أنه لايلحق بتركه عقوبة شرعية لا فى الدنيا ولا فى الآخرة فأمر الصبيان بالصلاة أقرب لأن يكون تكليفا لاستحقاقهم بتركها عقوبة الشرع فى الدنيا هذا فيمن بلغ منهم عشر سنين ولم يبلغها كان طلب الصلاة منه كالمندوب فى حق من بلغ وهو تكليف اللهم إلا أن يوجد إجماع على أن البلوغ شرط التكليف انظر ذلك اهـ وقال المحلى فى شرح جمع الجوامع ولا يتعلق خطاب بفعل غير البالغ العاقل وولى الصبى والمجنون بأداء ما وجب فى ما لهما منه كالزكاة وضمان المتلف كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما أتلفته حيث فرط فى حفظها لتنزل فعلها فى هذه الحالة منزلة فعله وصحة عبادة الصبى كصلاته وصومه المثاب عليهما ليس لأنه مأمور بها كما فى البالغ بل ليعتادها فلا يتركها بعد بلوغه إن شاء الله ذلك ولا يتعلق الخطاب بفعل كل بالغ عاقل كما يعلم مما سيأتي من امتناع تكليف العاقل والملجأ والمكره ويرجع ذلك في التحقيق إلى انتفاء تكليف العاقل البالغ فى بعض أحواله اهـ. قوله بطلب إلخ أي تعلق الخطاب بالأفعال إما بأن يطلب فيها طلبا أوبأن يبيحها وهذا هو المسمى بخطاب التكليف وإما بأن يضع لها سببا أوشرطا أومانعا ويسمى خطاب الوضع وتخصيص هذا النوع من الأحكام باسم الوضع محض اصطلاح وإلا فالأحكام كلها أعني المتعلقات بالأفعال التنجيزية بوضع الشرع لا مجال للعقل وللعادة في شيء منها قاله فى شرح المقدمات وقال ابن رشد سمي خطاب وضع لأن الشرع جعل السبب والشرط والمانع والتقديرات والحجج علامة موضوعة على الأحكام فكأنه يقول إن وجد السبب وجد الحكم وإن عدم عدم وذلك خاصيته وإن عدم الشرط عدم الحكم وذلك خاصية وإن وجد المانع عدم الحكم وذلك خاصيته والتقديرات الشرعية إعطاء الموجود حكم المعدوم وعكسه والحجج جمع حجة وهي التي يستند إليها القضاة كالبينة والإقرار فإذا نهضت الحجة عند القاضي وجب عليه

стр. 109

الحكم وهي عندي راجحة إلى السبب اهـ ومثال إعطاء الموجود حكم المعدوم تقدير الماء الموجود بالنسبة إلى مسافر يحتاجه لشربه معدوما فيتيمم ومثال تقدير المعدوم موجودا تقدير الربح الحاصل آخر الحول كامنا في أصله من أول الحول فيزكى لحول أصله وفي شرح جمع الجوامع للعراقي ما نصه خطاب الوضع وضعه الله تعالى في شرائعه لإضافة الحكم إليه تعرف به الأحكام تيسيرا لنا فإن الأحكام مغيبة عنا والفرق بينه وبين خطاب التكليف من حيث الحقيقة أن الحكم فى الوضع هو قضاء الشرع على الوصف بكونه سببا أوشرطا أومانعا وخطاب التكليف لطلب أداء ما تقرر بالأسباب والشروط والموانع ثم قال ظاهر عبارة المصنف أنه أخرج خطاب الوضع عن خطاب التكليف وجعله قسيما له وكذا فعل ابن الحاجب فى قوله فى تعريف الحكم بالاقتضاء أوالتخيير أوالوضع ورأى الإمام فخر الدين إدخاله في خطاب التكليف لأن معنى كون الشىء شرطا حرمة المشروط بدون شرطه اه. واعلم أن خطاب التكليف يشترط فيه علم المكلف وقدرته كالصلاة وخطاب الوضع لا يشترط فيه ذلك كتضمين الصبى والمجنون ولذا يقول الفقهاء العمد والخطأ فى أموال الناس سواء وقد يشترط فى بعض الأسباب العلم كإيجاب الزنا الرجم والقتل والقصاص. قوله أوبوضع لسبب معطوف على بطلب والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته كزوال الشمس لوجوب الظهر مثلا قال في شرح المقدمات قوله ما كالجنس وقوله يلزم من وجوده الوجود فصل يخرج الشرط والمانع وقوله ومن عدمه العدم يخرج الدليل على الحكم من الكتاب والسنة والإجماع والقياس فإن الدليل يلزم طرده أي يلزم من وجوده الوجود ولا يلزم عكسه أى يلزم من عدمه العدم أما السبب فإنه يلزم طرده وعكسه وقوله لذاته يدخل السبب الذى لم يلزم من وجوده الوجود لمقارنته انتفاء شرط كالعقل والبلوغ أووجود مانع لوجود السبب كالحيض الذي يقارن دخول الوقت ونحوه فإن السبب في ذاته يقتضى وجود المسبب وإنما انتفى المسبب لما عرض له من وجود المانع أونفى الشرط ويدخل أيضا هذا القيد السبب الذى لم يلزم من عدمه العدم لمقارنة عدمه وجود سبب آخر كوجود البول المقارن لعدم الغائط الذى هو أحد أسباب الطهارة. قوله أوشرط معطوف على سبب والشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجود وجود ولا عدم لذاته كتمان الحول لوجوب الزكاة قال فى شرح المقدمات الشرط فى اللغة هو العلامة ومنه أشراط الساعة أى علامتها وأما فى الاصطلاح فمعناه ما ذكر وهو ينقسم إلى شرط عقلى وشرط عادي وشرط شرعي مثال الشرط

стр. 110

العقلى الحياة للإدراك فانه يلزم من عدم الحياة عدم الإدراك ولا يلزم من وجود الحياة وجود الإدراك ولا عدمه لأنه قد توجد الحياة ويكون معها غيبة بنوم أوإغماء أوجنون حتى لا يدرك الحى مع هذه الآفات شيئاً أصلا ومثال الشرط العادي النطفة في الرحم الولادة فإنه يلزم من نفى النطفة في الرحم نفي الولادة ولا يلزم من وجود النطفة في الرحم ولادة ولا عدمها لأنها بعد أن توجد في الرحم قد يكون الله تعالى منها ولادة وقد لا يكون مثال الشرط الشرعي الطهارة لصحة الصلاة وتمام الحول لوجوب الزكاة في العين والماشية مثلا فإنه يلزم من نفي الطهارة مع القدرة على تحصيلها عدم صحة الصلاة ولا يلزم من حصول الطهارة صحة الصلاة ولا عدمها لإمكان فسادها بعد حصول الطهارة باختلال ركن من أركانها ونحو ذلك وكذا يلزم من عدم تمام الحول عدم وجوب الزكاة في العين والماشية ولا يلزم من حصول تمام الحول وجوب الزكاة فيهما لتوقفه على سبب وهو ملك النصاب ملكا كاملا وزيادة مجيء الساعي في الماشية إن جرت العادة بمجيئه ونفي مانع الدين في العين دون الماشية ونفي مانع الرق والكفر فيهما وقولنا لذاته راجع للجملة الأخيرة وهو قولنا ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لأن وجود الشرط هو الذي قد يتفق فيه أن يصحبه وجود مانع فيلزم عدم المشروط حينئذ لكن لا بالنظر إلى ذات الشرط بل للنظر إلى ذات المانع وقد يصحب وجوده وجود السبب ونفي المانع فيلزم حينئذ من وجوده وجود المشروط كما لو صحب تمام الحول وجود السبب وهو ملك النصاب ملكا كاملا ونفي المانع الذي هو الدين فيلزم وجوب الزكاة لكن لم تجب بالنظر إلى ذات الشرط الذي هو تمام الحول وإنما وجبت بسبب ما قارنه من وجود سبب الزكاة ونفي مانعها ولو صحب تمام وجود المانع الذي هو الدين مثلا لزم معه عدم الزكاة لكن ليس بالنظر إليه لزم عدمها بل بالنظر إلى المانع الذي هو الدين وأما الجملة الأولى وهي قولنا ما يلزم من عدمه العدم فمعناه لازم للشرط على كل حال فلو قيدناه بذات الشرط لأوهم أنه قد لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط لمصاحبة عدمه أمرا يقتضي ذلك وذلك باطل قوله أو ذي منع معطوف على لسبب صفة لمحذوف أي أو بوضع لأمر ذي منع أي مانع والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته كالحيض لوجوب الصلاة قال في شرح المقدمات المانع من الشيء على ضربين أحدهما أن يمنع منه لمنافاته للسبب. الثاني أن يمنع منه لمنافاته له في نفسه. مثال الأول الدين في زكاة العين فإنه يمنع من وجوبها لسببها الذي هو الملك الكامل للنصاب ومثله الرق فإن كل واحد من الدين والرق مانع من كمال التصرف في المال فلم يثبت معهما الغني بذلك
следующие страницы →