Полный текст (614 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الثاني عن الأول إذا ظن الإباحة أو كانت نيته فعل الجميع ومنه نية التكرار وهو أن يلبس مثلا لعذر ثم يزول العذر فيخلع وينوي إن عاد إليه المرض عاد إلى اللبس ومحل النية من حين لبسه للعذر إلى حين نزعه وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره أو نزع ثوبه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال سند هذا فعل واحد متصل في العرف ولا يضر تفريقه في الحس وصرح في المدونة بأن فيه فدية واحدة وأما جزاء الصيد فهو ما وجب لقاتل الصيد وهو على التخيير أيضا وصفة ذلك أن يحكم القاتل حكمين سواء عدلين فقيهين بذلك فيخيرانه بين إخراج مثل الصيد أو مقاربه من النعم إن كان له مثل أو مقارب وبين إخراج قيمته طعاما بالموضع الذي قتله به إن كان له قيمته فيه وإلا فيقربه فتصدق به على المساكين لكل مسكين مد وبين عدل ذلك صياما أي وبين تعويض تلك القيمة صياما بأن يصوم عن كل مد يوما ولكسر المد يوما كاملا فيتخير بين ثلاثة أشياء وإن لم يكن للصيد مثل ولا مقارب فيخيرانه بين شيئين فقط بين إخراج قيمة الصيد طعاما وبين تعويض تلك القيمة بالصيام فيصوم لكل مد كما ذكر ولا بد من لفظ الحكم ولا يجزئه الاخراج بغير حكم الا حمام مكة والحرم ويمامه ففي كل واحد شاة بغير حكومة فإن لم يجدها صام عشرة أيام وفي الجنين والبيض عشر دية اوم ولو تحرك فان استهل ومات فكالكبير فإن ماتت الأم معه فجزاءان فإن تيقن موت الفرخ في البيضة قبل كسرها برائحة ونحوها فلا شيء عليه وإذا اختار المثل فحكمه كحكم الهدي إلا في جواز الأكل كما سيأتي وإن اختار الإطعام فيطعم في محل الإصابة فإن لم يكن فيه مساكين فيخرجه بقربه فإن أخرج بمحل آخر لم يجزه إلا أن يتساوى سعرهما فتأولان وإن اختار الصوم صام حيث شاء
وأما الهدي فهو ما وجب لنقص في حج أو عمرة بترك واجب من الواجبات المنجبرة المتقدمة قال الحطاب وجملتها اثنان وأربعون من المتفق عليه والمختلف فيه ويضاف لذلك أيضا الهدي الواجب في مقدمات الجماع مع المذي وفي القبلة وفي الانزال من غير إدامة فكر ونظر وفي الوطء قبل الحلاق وفي الوطء بعد طواف الإفاضة وقبل جمرة العقبة إذا خالف الترتيب وفي الفساد وفي الفوات وفي التمتع والقران وفي العمرة إذا وطىء قبل الحلاق وجزاء الصيد إذا كان من النعم والفدية وإذا جعل النسك هديا ويضاف الى ذلك على قول المغيرة الهدي الواجب على من طاف محدثا ورجع الى بلده وأما على المشهور فلا بد من رجوعه فتم جملة الخصال الموجبة للهدي خمساً وخمسين خصلة فقد صح ما ذكر ابن عرفة عن الطرطوشي أن الهدي يجب في الحج في نحو أربعين خصلة وسقط اعتراضه عليه حيث قال قلت إن أراد بالنوع لم يتجاوز الثلاثين وإن أراد بالشخص فهي الى الألف أقرب لإمكان بلوغ الألف بآحاد الصيد اهـ الحطاب بل
стр. 527
الخصال التي يجب بها الدم على المشهور تتجاوز الثلاثين وتقارب الأربعين اهـ المشارق الهدي والهدي وبالتثقيل والتخفيف ما يهدى إلى بيت الله من بدنة واختلف الفقهاء على ما يطلق عليه هذا الاسم فمذهبنا أنه لا يطلق إلا على ما سبق من الحج قال ابن المعذل وما لم يسبق من الحج فليس بهدي وقال الطبري سمي الهدي لأن صاحبه يتقرب به ويهديه إلى الله تعالى كالهدية يهديها الرجل لغيره فتأول بعضهم أن ظاهره عدم اشتراط الحج يقال منه هديت الهدي اهـ محل الحاجة منه وفي الغريب لالعزيزي أن الهدي ما أهدى إلى البيت الحرام واحدته هدية وهدية اهـ ويستحب في الهدي الإبل ثم البقر ثم الغنم فإن عجز عن جميع ذلك ولم يجد ما يشتري به الهدي ولا من يسلفه صام عشرة أيام فإن كان الهدي وجب لنقص في حج وكان ذلك النقص متقدما على الوقوف كالتمتع بالقران ومجاوزة الميقات صام ثلاثة أيام قبل عرفة وسبعة إذا رجع من منى وفي ابن الحاجب صام ثلاثة أيام الحج ومن حين يحرم بالحج إلى يوم النحر فإن أخرها اليه فأيام التشريق وقيل ما بعدها صام سبعة أيام إذا رجع من منى إلى مكة وغيرها وقيل إذا رجع إلى أهله فإن أخرها صام متى شاء التتابع في كل منها ليس بلازم على المشهور اهـ وجب عليه هديان وعجز عنهما صام عن كل واحد ثلاثة أيام قبل عرفة وسبعة إذا رجع لكن لا يصوم الثلاثة حتى يحرم بالحج فإن صام قبل الاحرام بالحج لم يجزه فإذا أراد أن يصوم أحرم في اليوم الرابع من ذي الحجة أو قبله وصام الثلاثة فإن لم يفعل ذلك فإنه يصوم أيام النحر وإن كان النقص متأخرا عن الوقف كترك النزول لمزدلفة ورمي الجمار والمبيت بمنى بعد يوم النحر وأخر الثلاثة ولو عمدا صام العشرة جميعا ولو قدم السبعة قبل الوقوف لم تجز ويستحب فيها التتابع ويشترط في الهدي سواء كان واجبا أو تطوعا من السن والسلامة من العيب ما يشترط في الأضحية والمعتبر في سلامته من العيوب وقت التقليد والأشعار والتعيين فلو كان سالما وقت تعيينه وجعله هديا ثم طرأ عليه عيب أجزأ واجبا أو تطوعا قاله في المدونة وهو المشهور كما صرح به ابن الحاجب والشيخ خليل في توضيحه خلافا لما في المختصر والشامل من تخصيص الإجزاء بالتطوع ولو عين وهو معيب ثم سلم
(فائدة) تلخص من هذا التنبيه أن الدم في الحج على ثلاثة أوجه كما تقدم الأول الهدي وهو ما وجب لنقص في حج أو عمرة إما بسبب نقص ما يجب فعله أو سبب فعل ما يجب تركه أو ما تركه أولى أو ما فعل من غير اختيار الثاني جزاء الصيد الواجب على قاتله الثالث الفدية وهي ما يجب في اللبس والطيب والدهن وإزالة الوسخ والقمل وقلم الظفر ونحو ذلك فالدم أحد مثلثات الحج وأن الهدي قد
стр. 528
يطلق أيضا على أحد أنواع الفدية وأحد أنواع الجزاء
(التنبيه الثاني) كما يحرم التعرض للحيوان البري في الحرم فكذاك يحرم فيه قطع ما ينبت بنفسه من الأشجار وغيرها إلا الأذخر والسنا للحاجة إليهما اهـ ابن الحاجب ويكره اختلاؤه للبهائم لمكان دوابه لا رعيه، التوضيح والاختلاء القطع وأما ما يستنبت فيجوز قطعه ابن يونس ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئا يبس أو لم ييبس من حرم مكة أو المدينة فإن فعل فيستغفر الله ولا جزاء فيها ولا يقطع ما أنبتته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرمان والفاكهة كلها والبقل كله والكرات والخس والسلق وشبهه والقثاء/ اللخمي والاصطياد في حرم المدينة حرام فإن صاد ففي المدونة لا جزاء فيه أو الأقيس أن فيه الجزاء ولا يؤكل ابن الحاجب والمدينة ملحقة بمكة في تحريم الصيد والشجر ولا جزاء على المشهور التوضيح ودليلنا ما في الصحيح أن رسول الله قال إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها بين الحرار الأربع ابن حبيب وغيره وإنما ذلك في الصيد وأما في قطع الشجر فبريد وعبارة الباجي على بريد من كل شق حولها واللابتان الحرتان إحداهما حيث ينزل الحج والأخرى تقابلها شرقي المدينة قال ابن نافع وحرتان أخريان أيضا من ناحية القبلة والجوف ابن الحاجب قال مالك وبلغني أن عمر رضي الله تعالى عنه حدد معالم الحرم أي مكة بعد الكشف وحد الحرم مما يلي المدينة أربعة أميال إلى منتهى التنعيم ومن العراق ثمانية المقطع ومن عرفة تسعة ومما يلي اليمن سبعة إلى إضاة ومن جدة عشرة إلى منتهى الحديبية ويعرف الحرم بأن سيل الحل إذا جرى نحوه وقف دونه
(التنبيه الثالث) اعلم أن دماء الحج الثلاثة والهدي والمتطوع به والمنذور باعتبار جواز أكل معطيها منها إن ذبحها أو نحرها أما بعد بلوغ محلها أي منحرها أي الموضع الذي يحل فيه نحرها إن سلمت إلى أن بلغته وهو منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة وأما قبل بلوغ محلها إذا عطبت وهلكت فذبحها أو نحرها قبله ومنعة من ذلك على أربعة أقسام نذكرها قريبا ثم الهدي المنذور قسمان مضمون في الذمة ومعين وكل منهما أما أن يسميه للمساكين بلفظه أو بقصده لهم بنيته فقط ولا يسميه لهم بلفظه ولا يقصده لهم بنيته فالهدي المنذور إذا على أربعة أوجه ودماء الحج ثلاثة وهدي التطوع المجموع ثمانية وترجع باعتبار جواز أكل مخرجها منها ومنعه إلى أربعة أقسام القسم الأول يجوز أكله منه قبل بلوغ المحل وبعده وهو كل هدي وجب لنقص في
стр. 529
حج أو عمرة والهدي والمنذور المضمون إذا يسمه للمساكين ولا نواه لهم فهذا يأكل منه قبل المحل لأنه مضمون يجب عليه بدله ويأكل منه بعد المحل لأن أكله غير معين فهو على سنة الهدايا وقد قال تعالى ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ القسم الثاني لا يأكل منه لا قبل المحل ولا بعده عكس الأول وهو نذر المساكين المعين إذا سماه للمساكين بلفظه أو نواه لهم كقوله لله علي أن أهدي هذه البدنة أو هذه البقرة أو هذه الشاة للمساكين فهذا لا يأكل منه قبل المحل لأنه غير مضمون ولا بعد المحل لأنه قد عين آكله وهم المساكين القسم الثالث يأكل منه قبل بلوغ المحل إذا عطب ولا يأكل منه بعد بلوغ المحل وهو ثلاثة أشياء جزاء الصيد وفدية الأذى إذا جعلها هديا ونذر المساكين المضمون إذا جعله لهم بلفظ أو نية وإنما أكل من هذه الثلاثة قبل إذا عطبت لأنه يجب عليه بدلها لكونها مضمونة في الذمة ولم يأكل منها بعد لأن آكلها معين وهم المساكين فنذر المساكين ظاهر وأما فدية الأذى وجزاء الصيد فلأن ذلك من مقابلة الطعام وهو للمساكين فكذلك بدله القسم الرابع ما يأكل منه
بعد المحل لا قبله وهو هدي التطوع والهدي المنذور المعين إذا لم يكن سماه للمساكين بلفظ أو نية وإنما لم يأكل من هذا القسم قبل المحل لأنه غير مضمون وجاز أكله منه بعد المحل لأن آكله غير معين وقد نظم هذه الأقسام على الترتيب الشيخ ابن غازي آخر نظائر الرسالة فقال
كل هدي نقص والذي ضمنتا
إن لم تكن سميت أو قصدت
ودع معينا إذا فعلتا
قبل كل جزاء صيد نلتا
وهدي فدية الأذى إن شئتا
وما ضمنت قصدا أو صرحتا
وبعد كل طوع وما عينتا
إن لم تكن سميت أو أضمرتا
فإن أكل معطي الهدي من هدي لا يجوز له الأكل منه وجب عليه بدله هديا كاملا إلا نذر المساكين المعين ففيه قولان مشهوران أحدهما أنه كغيره والثاني أنه يجب عليه قدر ما أكل فقط والله أعلم
وَسُنَّةُ الْعُمْرَةِ فاَفْعَلَها كَما
حَجَّ وَفي التَّنْعِيمِ نَدْباً أَحْرمَا
وَإثْر سَعْيكَ احْلِقَنْ وقَصِّرَا
تَحِلَّ مِنْهاَ وَالطَّوَاَف كَثِّرا
стр. 530
ماَ دُمْتَ في مَكَّةَ وارْع الحُرْمَهْ
لِجَانِبِ الْبَيْتِ وَزِدْ في الخِدْمَةْ
وَلازِم الصَّفاَ
فَإنْ عَزمْتَ
عَلَى الخُرُوجِ طُفْ كَمَا عَلمْتَ أخبر ﵀ أن العمرة سنة أي مؤكدة مرة في العمر وهو كذلك على المشهور وأن الاحرام بها يستحب أن يكون من التنعيم أي لأنه أمر عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن يخرج بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها اليه وتقدم عند تعرض الناظم لبيان مواقيت الحج المكانية بيان ميقاتي العمرة الزماني والمكاني وإن صفة الإحرام بها في استحباب الغسل والتنظيف وفيما يلبسه وما يحرم عليه من اللباس والطيب والصيد وغير ذلك وفي التلبية والطواف والرمل والركوع بعده والسعي بعده كالحج سواء بسواء ولذا قال (فافعلها كما حج) فما زائدة على حد فبما رحمة الله فإذا فرغ من السعي وحلق وقصر فقد حل منها وإلى ذلك أشار بقوله (وإثر سعيك احلقن أو قصرا تحل منها) ف «أو» في قوله أو قصرا للتخييروقدم الحلق لأنه أفضل ثم أفاد بقوله (والطواف كثرا) الخ أنه يستحب للآفاقي أن يكثر الطواف بالبيت ما دام بمكة لتعذر هذه العبادة العظيمة عليه بعد خروجه منها وأن يراعي حرمة مكة المشرفة لجانب البيت المعظم الكائن بها بتجنبه الرفث والفسوق والعصيان وبكثرة فعل الطاعات والخدمة لله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وملازمته الصلاة في الجماعة وغير ذلك من أفعال البر وإن كان ذلك مطلوبا في كل مكان وزمان ففي هذا المكان آكد لما تقرر أن المعصية تغلظ بالزمان والمكان باعتبار الإثم والأدب عليها وأن الطاعة تعظم ذلك أيضاً فيكثر ثوابها وأنه إن عزم على الخروج من مكة يستحب له أن يطوف طواف الوداع على الصفة التي علمتها مما تقدم من الابتداء بتقبيل الحجر وجعل البيت على اليسار إلى آخر ما ذكر من صفة الطواف
واعلم أن الأفعال المطلوبة في العمرة ثلاثة أقسام أركان لا تجبر وواجبات تجبر وسنن لا شيء في تركها
فأركانها ثلاثة الاحرام والطواف والسعي وأما الحلاق فليس بركن بل يجبر بالدم إذا تركه حتى رجع لبلده أو طال كما تقدم في موجبات الدم وواجباتها المنجبرة بالدم فهي كالحج فيما يتأتى فعله فيها من ذلك وذلك أربعة عشر على المشهور وأما السن والمستحبات فكالحج أيضا فيما يتأتى فعله فيها من ذلك وذلك نحو السنن قاله الحطاب في مناسكه وتفسد بالجماع وما في معناه إذا وقع قبل انقضاء أركانها ويكره تكرارها في العام الواحد على المشهور وأجاز ذلك مطرف وابن الماجشون وعلى المشهور فأول السنة المحرم فيجوز لمن اعتمر في آخر الحجة
стр. 531
أن يعتمر في المحرم قاله مالك ثم استثقله وقد تقدم قبل قوله ومنع الاحرام صيد البر ما يستحب لمن كمل حجه وفرغ منه ورجع الى مكة من كثرة التطوع بالطواف وشرب ماء زمزم إلى آخر ما ذكر هنالك وقد سئل مالك ﵁ أيهما أحب إليك المجاورة أو القفول فقال السنة الحج ثم القفول وكان عمر ﵁ إذا فرغ من حجه يقول يا أهل اليمن يمنكم ويا أهل العراق عراقكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل مصر مصركم وهذا والله أعلم لأن الغالب العجز عن آداب المجاورة إذ الجناب العظيم لا سيما معه ﵊ ولا يخلو الانسان من الهفوات والكسل غالبا وقد حكي عن بعض كبار الصوفية أنه جاور بمكة أربعين سنة ولم يبل في الحرم ولم يضطجع فمثل هذا تستحب له المجاورة وقال الشيخ أبو عبد الله محمد بن الحاج حكى الشيخ الجليل أبو عبد الله الفاسي رحمه الله تعالى أنه احتاج الى حاجة الانسان وهو بالمدينة المشرفة فخرج الى موضع من تلك المواضع وعزم أن يقضي فيه حاجته فسمع هاتفا ينهاه عن ذلك فقال الحجاج يعملون هذا فأجابه الهاتف بأن قال وأين الحجاج ثلاث مرات وقد لوح الناظم لهذا المعنى بقوله وارع الحرمة لجانب البيت وزد في الخدمة
وسُرْ لِقَبْرِ الْمُصْطَفَى بأَدَبٍ
ونيَّةٍ تُجَبْ لِكُلِّ مَطْلَبِ
سَلِّمْ عليْهِ سِرْ إِلَى الصِّدِّيق
ثُمَّ الَى عُمَرَ تَفُوزُ بِالتَّوفِيقِ
وَاعلَمْ بِأَنَّ ذَا المَقَامِ يُستَجابْ
فِيْهِ الدّعا فَلا تَمَلَّ مِنْ طِلاَبْ
وَسَلْ شَفَاعَةً وَخَتْماً حَسَناَ
وَعَجِّلِ الأَوْبَةَ إذْ نِلْتَ المُناَ
وادْخُلْ ضُحىً وَاصْحَبْ هَدِيَّة السُّرُورْ
الَى الأَقاَرِبِ وَمَنْ بِكَ يَدُورْ
إذا خرج الحاج من مكة يستحب له الخروج من كدا ولتكن نيته وعزيمته وكليته زيارته وزيارة مسجده وما يتعلق بذلك لا يشترك معه غيره لأنه ﷺ متبوع لا تابع فهو رأس الأمر المطلوب والمقصود الأعظم فإن زيارته سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها وليكثر الزائر من الصلاة على النبي ﷺ في طريقه ويكبر على كل شرف ويقول ما تقدم ويستحب أن ينزل خارج المسجد فيتطهر ويركع ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويجد التوبة ثم ليمش على رجليه فإذا وصل المسجد فليبدأ بالركوع إن كان وقت يجوز فيه الركوع وإلا فليبدأ بالقبر الشريف ويكون ركوعه في محراب النبي إن قدر أو في الروضة أو في غيره من المواضع ثم يتقدم إلى القبر الشريف ولا يلتصق به ويستقبله وهو متصف بكثر الذل والمسكنة والانكسار والفقر والفاقة والاضطرار ويشعر نفسه أنه واقف بين يديه ﷺ إذ لا فرق بين موته وحياته فيبدأ بالسلام عليه قال مالك فيقول السلام عليك أيها
стр. 532
النبي ورحمة الله وبركاته ثم يقول صلى الله عليك وعلى أزواجك وذرياتك وعلى أهلك أجمعين كما صلى على ابراهيم وآل ابراهيم وبارك عليك وعلى أزواجك وذرياتك وأهلك كما بارك على ابراهيم وآل ابراهيم في العالمين إنك حميد مجيد فقد بلغت الرسالة وأديت الأمانة وعبدت ربك وجاهدت في سبيله ونصحت لعباده صابرا محتسبا حتى أتاك اليقين صلى الله عليك أفضل الصلاة وأتمها وأطيبها وأزكاها» ثم ينتحي على اليمين نحو ذراع ويقول «السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته صفي رسول الله وثانيه في الغار جزاك الله عن أمة رسول الله خيرا» ثم ينتحى الى اليمين قدر ذراع فيقول «السلام عليك يا أبا حفص الفاروق ورحمة الله وبركاته جزاك الله عن آله سيدنا محمد ﷺ خيرا» وكره مالك لأهل المدينة الوقوف بالقبر كلما دخل أحدهم المسجد وخرج وإنما قال للغرباء لأنهم قصدوا ذلك قال مالك ولا بأس لمن قدم من أهل المدينة من سفر أو خرج الى سفر أن يقف بالقبر فيصلي على النبي ويدعو له ولأبي بكر وعمر ﵄ وليحذر الزائر مما يفعله بعض الجهلة من الطواف بالقبر الشريف على ساكنه أفضل الصلاة وأزكى السلام والتمسح بالبناء وإلقاء المناديل والثياب عليه ومن تقرب العامة بأكل التمر في الروضة وإلقاء شعورهم في القناديل وهذا كله من المنكرات ويستحب أن يزورالبقيع والقبور المشهورة فيه ومسجد قباء ويتوضأ من بئر أريس ويشرب منها وهذا في حق من كثرت إقامته وإلا فالمقام عنده ﷺ أحسن ليغتنم مشاهدته ﷺ وقد قال ابن أبي جمرة لما دخلت مسجد المدينة ما جلست إلا الجلوس في الصلاة وما زلت واقفا هناك حتى رحل الركب ولم أخرج إلى البقيع ولا غيره ولم أر غيره ﷺ وقد كان حضر لي أن أخرج الى البقيع فقلت إلى أين أذهب هذا بيت الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين والمضطرين والفقراء والمساكين وليس ثم من يقصد مثله ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم اهـ اللهم إنا نتوسل اليك بقدره عندك وجاهه لديك أن تغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وغي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر اللهم لنا ولآبائنا وأمهاتنا وأشياخنا وأزواجنا وذرياتنا وبلغ بجودك وكرمك مقصودنا فيهم من العلم والعمل لجميع الأخلاء والأحباب ومن له علينا حق من الإخوان والأصحاب وجميع المسلمين وأمتنا وإياهم على قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله تائبين بلا محنة واقبل على الجميع بفضلك واحسانك يا ذا الفضل العظيم والاحسان والجود والامتنان إنك جواد كريم متفضل إن لم نكن لرحمتك أهلا أن ننالها فرحمتك أهل أن تنالنا وفقنا للدعاء كي تستجيب لنا وأنت أكرم من وفى بما وعد وقول الناظم تجب بضم التاء مبنيا للمجهول وتمل بفتح التاء والميم مضارع ملل بالكسر مللا وطلاب مصدر طلب وحسنا منصوب على إسقاط الخافض أي وسل الختم
стр. 533
بالحسنى وهو الموت على قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله ﷺ والأوبة الرجوع والمنى المطلوب والمراد هنا هو الحج والزيارة واالأصل في استحباب تعجيل الأوبة قوله ﷺ «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله» وفي الحديث أيضا النهي عن أن يطرق الإنسان أهله ليلا كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة والأولى أن يكون أول النهار ضحى واذن قال: وادخل ضحى وأما استحباب استصحاب هدية يدخل بها السرور على أقاربه ومن يدور به من الحشم ونحوه فظاهر وذلك سنة ماضية لكن ذلك مقيد بما إذا لم يلحقه في ذلك كلفه وبهذه المسألة ختم أيضا الشيح خليل ﵁ مناسكه وقد رأيت أن أختم هذا الكتاب أعني كتاب الحج بكلام عجيب لا يصدر إلا ممن نور الله قلبه وفتح بصيرته ذكر الشيخ خليل في الفصل الرابع من الباب الأول من مناسكه فيما اشتملت عليه صفة الحج من الأقوال والأفعال قال ﵁ ونفعنا به اعلم نور الله قلبي وقلبك وضاعف في النبي المصطفى حبي وحبك أن الحج محتو على أحكام عديدة وقل من تعرض لها من المصنفين فأولها أن الله تعالى شرف عباده بأن استدعاهم لمحل كرامته والوصول الى بيته ولما كان الله تعالى منزلها عن الحلول في محل إقامة البيت الحرام مقام بيت الملك فإن الملك إذا شرف أحدهم دعاه لحضرته ومكنه من تقبيل يده وأمره باللياذ به وجدير به حينئذ أن يقضي حوائجه وكذلك الله تعالى استدعى عبيده لبيته الحرام وأمرهم باللياذ به وأقام الحجر الأسود مقام يد الملك فأمرهم بتقبيله وأمرهم بطلب حوائجهم إذا كان اللائق بملوك الدنيا قضاء الحوائج في هذه الحالة فكيف بملك الملوك المعطى بغير سؤال وشرع الغسل عند الاحرام لأن من استدعاه الملك ينبغي أن يكون على أكمل الحالات ويطهر قلبه ولسانه لأن الظاهر تبع للباطن فإذا أمر بتطهير الظاهر فالباطن أولى وشرع خلع الثياب إشعارا بحالة الموت ليتخلى عن الدنيا ويقبل على باب ربه وعبادته لأن نزع ثيابه كنزع ثياب الميت على المغسل ولبس ثياب الاحرام كلبس الأكفان وتشبيها بنبيه سيدنا موسى ﵇ لما
стр. 534
قدم على المناجاة قيل له (اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى) والحاج قادم على الأرض المباركة المقدسة ثم قصد بمخالفته حالته المعتادة ليتنبه لعظيم ما هو فيه فلا يوقع خللا ينافيه ثم أمره بالاحرام لأنه لما دعي وأتى مجيبا قيل له قدم النية وأظهر ما أتيت إليه فقال لبيك إجابة بعد إجابة وأمره أن لا يفعل ذلك إلا بعد الصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر فكأنه قيل له انته عن الرعونات البشرية وتهيأ على الاقدام لله تعالى وقد أمر الله تعالى سيدنا موسى ﵇ قبل مناجاته بصيام أربعين يوما لكن لما علم منك أيها العبد من الضعف ما علم لم يأمرك بذلك واكتفى منك بالصلاة مع حضور القلب وترك ما نهاك عنه ثم جعل ميقاتين زمانيا ومكانيا إشارة الى تعظيم هذه العبادة وأن العبد يحصل له بها الشرف فإنه إذا أعطي الزمان والمكان شرفا وحرمة بسبب القرب وهما مما لا يعقل كان العبد أولى وأمر عبيده بترك الرفاهية وإلقاء التفث إشارة إلى حظوظ النفس وأن العبد إذا قدم على مولاه لا يأتيه إلا خاضعا ذليلا ولا يشتغل بغير الله ونهى العبد عن الصيد إشارة إلى أن من دخل الحرم فهو آمن ولطمع العبد حينئذ في تأمين مولاه وشرع الغسل لدخول مكة إشارة إلى تطهير قلبه مما عساه اكتسبه من حال إحرامه الى وقت الدخول في محل الملك وأنه لا ينبغي أن يدخل إلا بعد تصفيته من جميع الأكدار وشرع طواف القدوم إشارة إلى تعجيل إكرامه لأن الضيف ينبغي أن يقدم إليه ما حضر ثم يهيأ له ما يليق به وكان سبعة أشواط لأن أبواب جهنم سبعة فكل شوط يغلق عنه بابا ثم يركع بعد الطواف زيادة في القرب والتداني لأن أقرب ما يكون العبد من مولاه وهو ساجد وأمره بعد ذلك بالسعي والبداية بالصفا إشارة إلى أن العبد إذا أطاع مولاه أوصلته طاعته إلى محل الصفا وصفاء القلوب ثم أمره بالنزول والمسير إلى المروة إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتردد في طاعة ربه بين صفاء القلوب بخلوه مما سوى ربه وبين المروة بالسمت الحسن وترك المجانة وأمره أن يفعل ذلك سبعا إما للمبالغة في الإبعاد عن جهنم وإما لما في السبع من الحكم التي لا يحيط بكنهها إلا رب الأرباب جعل الأيام والأقاليم سبعا والأفلاك سبعا وتطور الإنسان سبعا وطباق العين سبعا وأمره أن يسجد على سبع وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا وجعل رزق الانسان سبعا وأبواب جهنم سبعا إلى غير ذلك ثم أمره بالخروج إلى منى إشارة إلى بلوغ المنى ثم بالسير الى عرفات لأنه محل المعرفة والمناجاة تشبيها بنبيه سيدنا موسى ﵇ وتنبيها على شرف هذه الأمة بأن شرع لها ما شرع لأنبيائه مثله وخصها بأشياء وأمره بالدعاء لأنه ينور القلب
стр. 535
ويوجب انكساره وتذلله وأباح الجمع والقصر رفقا بهم واشعارا بارادته طول المناجاة معهم وسماع أصواتهم ثم أمرهم بطلب حوائجهم ولهذا استحب لهم الوقوف ليكون أبلغ في التضرع ثم ان وقوفهم في هذا اليوم تنبيه بوقوفهم في المحشر ألا ترى أن بركة بعضهم على بعض هناكبركة الأنبياء والرسل على المؤمنين يوم المحشر قد روي أن من صلى خلف مغفور غفر له فمن لطفه بك شرع الجماعة وحض على الإتيان إليها لعل أن تصادف المغفور له فيغفر لك وشرع الجمعة احتياطا ليحضر أهل البلد كلهم لاحتمال أن يكون في تلك الجماعة مغفور له وشرع العيدين لهذا لأنه يجتمع في العيدين أكثر من الجمعة ثم احتاط فشرع الموقف الأعظم ثم أمرهم بالنفر إلى منى إشارة إلى نيل المنى وإشعارا بقضاء حوائجهم ثم أباح لهم الجمع بين المغرب والعشاء رفقا بهم وأمرهم بالوقوف بالمشعر الحرام مبالغة في إكرامهم كما أن الملك إذا بالغ في إكرام شخص أدخله بستانه ومقاصيره وأمرهم بالمسير إلى جمرة العقبة ورميها بسبع حصيات إشعارا بالابعاد عن النار إذ الجمار مأخوذة من الجمر وطرد الشيطان إذ سبب ذلك ما قيل أن الشيطان تعرض لاسمعيل ﵇ لما ذهب مع أبيه للذبح وقال له إن أباك يريد أن يذبحك فاهرب منه فأمره ابراهيم ﵇ أن يرميه بسبع حصيات فكأنه جل وعلا يقول يا عبادي قد شرفتكم بدخول حرمي وأهلتكم لمناجاتي وأدخلتكم في زمرة أوليائي فابتروا الجمرة بالحصى وأبعدو عن محل من عصى وتلك الجمار فكاك رقابكم من النار قال تعالى في صفة النار وقودها الناس والحجارة وأنتم قد بعدتم عن النار فاجعلوا مكانكم الجمرة ثم انقلبوا إلى منى وانحروا وكلوا واشربوا فقد بلغتكم المنى واستحققتم القرى وشرع لهم الهدايا إشعارا باكرام قراهم فإنه كذلك يفعل بالكبير وكانت السنة الفطر على زيادة الكبد تشبيها بأهل الجنة فإنهم أول ما يفطرون على زيادة كبد الحوت الذي عليه الأرض ثم نهاهم عن الصوم ثلاثة أيام لأن الضيافة كذلك ثم شرع ذلك لأهل الأقاليم كلهم فمنعهم من صيام أيام التشريق زيادة في الاكرام للحجاج لكونه أدخل سائر الناس في ضيافتهم ولم يطلب الشرع فطر ثلاثة أيام متواليات إلا هنا ولهذا قال بعضهم أنه لا ينبغي أن يمكث الإنسان أربعة أيام متوالية من غير صوم ثم أمرهم بحلق رؤوسهم ليزول ما في الشعر من الدرن والعفن وفيه إشارة إلى نبذ المال لأن الشعر يقي الدماغ من البرد كما أن المال يقي الانسان من الفقر ولذلك قال المعبرون من رأى أن شعر رأسه قد ذهب فهو ذهاب ماله ثم أمرهم بلبس المخيط وأحل لهم ما منعوا منه من النساء والطيب بعد
стр. 536
الإفاضة إشارة إلى آخر التعب في الدنيا والنصب بالعبادة أن يدخلوا الجنة مستحلين ما حرم عليهم من الشهوات متلذين بالطيب والزوجات ثم أمرهم بالرجوع إلى منى ليرموا الجمرات ويكبروا في سائر الأوقات مبالغة في الابعاد من النار وتعظيم الملك الجبار وفي ذلك إشارة إلى التخلي عن الدنيا لأن وقوفهم عند الجمرات تشبيه بوقوفهم عند الموقف الذي في المحشر والسؤال عن كل موقف ولتعلم يا أخي أن تكثير أسباب المغفرة دليل على أن الله رحيم بهذه الأمة فإنه إذا أخطأ العبد سببا من أسباب المغفرة لا يخطئه سبب آخر فنسأل الله العظيم أن يصلح قلوبنا ويحقق رجاءنا وأملنا وأن يقدمنا عليه وهو راض عنا ويطهر قلوبنا من رعونات البشرية فإنه قادر على ذلك اهـ
*****
стр. 537
كتاب مبادىء التصوف، وهوادي التعرف
ختم هذا النظم بمبادىء علم التصوف وفاء بما وعد به صدر النظم في قوله (وفي طريقة الجنيد السالك) وتفاؤلا لأن يكون السعي في تصفية القلب وتطهيره خاتمة الأمر والمبادىء جمع مبدأ وهو في اصطلاح أكثر الأصوليين ما يتوقف عليه المقصود بوجه ما ولا يخلو توقف المقصود عليه إما أن يكون باعتبار معرفته أو باعتبار الشروع فيه أو باعتبار البحث عن مسائله فإن توقف باعتبار معرفته فإن كان من جهة المعنى فهو الحد ومعرفته تستلزم معرفة الموضوع وإن كان من جهة اللفظ فهو الاسم وإن توقف عليه باعتبار الشروع فيه فإن كان باعتبار الغاية والمقصود منه فهي الفائدة وفي معناها معرفة الفضيلة وكذا معرفة فضل واضعه فإن ذلك مما يبعثه على الشروع فيه وإن كان باعتبار الإذن في الشروع فهو الحكم وإن توقف باعتبار البحث في مسائله فيسمى ذلك بالاستمداد عند الاصوليين وبالمبادىء عند المنطقيين ولا شك أن ما ذكره الناظم في هذا الكتاب من مسائل التصوف من التوبة والتقوى وغض البصر عن المحارم وما ذكر بعده يتوقف عليه غيره مما هو أرقى منه مما هو المقصود بالذات قال الإمام الهروي واعلم أن العامة من علماء هذه الطائفة والمشيرين إلى هذه الطريقة اتفقوا على أن النهايات لا تعلم إلا بتصحيح البدايات كما أن الأبنية لا تقوم إلا على الأساس وتصحيح البدايات هو إقامة الأمر على مشاهدة الاخلاص ومتابعة السنة وتعظيم النهي على مشاهدة الخوف وغاية الحرمة والشفقة على العالم يبذل النصيحة وكف المؤوفة ومجانبة كل صاحب يفسد الوقت وكل سبب يفتن القلب على أن الناس في هذا الشأن ثلاثة نفر: رجل يعمل بين الخوف والرجاء شاخصا إلى الحب مع صحبة الحياء فهذا هو الذي يسمى المريد ورجل مختطف من وادي الفرقة إلى وادي الجمع وهو الذي يقال له المراد ومن سواهما مدع مفتون مخدوع وجميع هذه المقامات يجمعها رتب ثلاث
الرتبة الأولى أخذ القاصد في السير. الرتبة الثانية دخوله في القربة. الرتبة الثالثة حصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد في طريق الفناء اهـ
ثم قال واعلم أن الأقسام العشرة التي ذكرتها في صدر هذا الكتاب هي قسم البدايات وهي عشرة أبواب
الباب الأول اليقظة قال تعالى ﴿قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله﴾ والقومة لله تعالى هي اليقظة من سنة الغفلة والنهوض عن ورطة الفترة وهو أول ما يستنير قلب العبد بالحياة لرؤية نور التنبيه.
стр. 538
الثاني التوبة قال تعالى ﴿من لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ فسقط اسم الظلم عن التائب
الثالث المحاسبة قال تعالى ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ وإنما يسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة
الرابع الإنابة قال تعالى ﴿وأنيبوا إلى ربكم واسلموا له﴾ والإنابة الرجوع.
الخامس التفكر قال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر ليتبن للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ والتفكر تصرف البصيرة لاستدراك البغية.
السادس التذكر قال تعالى ﴿وما يتذكر إلا من ينيب﴾ والتذكر فوق التفكر فإن التفكر طلب والتذكر وجود
السابع الاعتصام قال تعالى ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم﴾ والاعتصام بحبل الله والمحافظة على طاعته من إقبال أمره والاعتصام به هو التوقي عن كل موهم والتخلص عن كل تردد
الثامن الفرار قال تعالى ﴿ففروا إلى الله﴾ والفرار هو الهرب مما لم يكن إلى ما لم يزل
التاسع الرياضة قال تعالى ﴿والذين يؤتون ما أوتوا وقلوبهم وجلة﴾ والرياضة تمرين النفس على قبول الصدق.
العاشر السماع قال تعالى ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ ونكتة السماع حقيقة الانتباه اهـ باختصار فقف عليه لي محله إن شئت وفي تسمية التصوف تصوفا أقوال قال الشيخ زروق رحمه الله تعالى في قواعده وقد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف ورأس ذلك بالحقيقة خمس.
أولها من الصوفة لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير لها. الثاني أنه من صوفة الفقهاء للينها فالصوفي هين لين الثالث أنه من الصفة إذ جملته اتصاف بالمحامد وترك الأوصاف المذمومة. الرابع أنه من الصفاء وصح هذا القول حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله تعالى
تخالف الناس في الصوفي واختلفوا
جهلا وظنوه مأخوذا من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتى
صافي فصوفي حتى سمي الصوفي
الخامس أنه منقول من الصفة لأن صاحبه تابع لأهلها فيما أثبت الله لهم من الصوف حيث قال تعالى ﴿يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه﴾ وهذا هو الأصل الذي يرجع اليه كل قول فيه والله أعلم اهـ
وقيل سمي بذلك لأنه يصفي القلوب وهو كما قال أبو حامد الغزالي ﵁ تجريد القلب لله
стр. 539
واحتقار ما سواه، قال وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح في شرح نظم الإمام ابن ذكرى لشيخ شيوخنا سيد أحمد المنجور
علم به تصفية البواطن
من كدرات النفس في المواطن
ما نصه: التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدورات النفس أي عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وطلب العلو وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والأنفة والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، وهذا لأن علم التصوف يطلع على العيب والعلاج وكيفيته فبعلم التصوف يتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب من غيرالله وتحليته بذكره سبحانه اهـ ثم قال في شرح قوله
وبه وصول العبد للاخلاص
روح العبادة بالاختصاص
الاخلاص إفراد الله تعالى بالطاعة بالقصد وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله دون شيء آخر من تصنع لمخلوق واكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح من الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى ولا شك أن العبد إنما يصل الى هذا باطلاعه على عيوب النفس وآفات العمل وكيفية العلاج حتى يتحرز من الرياء والخفاء وقصد الهوى النفسي وأشار بقوله روح العبادة بالاختصاص أي بسبب اختصاص المعلم بالله سبحانه إلى قول السيد ابن عطاء الله: الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها: قال سيدي أبو عبد الله بن عباد إخلاص كل عبد هو روح أعماله فبوجود ذلك حيلتها وصلاحيتها للتقرب بها ويكون فيها أهلية وجود القبول لها وبعدم ذلك يكون موتها وسقوطها عن درجة الاعتبار وتكون إذ ذاك أشباحا بلا روح وصورا بلا معان ثم قال في شرح قوله
وذاك واجب على المكلف
تحصيله يكون بالعرف
يعني أن علم التصوف فرض عين على كل مكلف وذاك أن الغالب أن الانسان أن الانسان لا ينفك عن دواعي الشر والرياء والحسد فيجب عليه أن يتعلم ما يتخلص به من ذلك قال أبو حامد ﵁ وكيف لا يجب عليه وقد قال ثلاث مهلكات الحديث ولا ينفك بشر عنها أو عن بقية ما سنذكره من مقدمات أحوال القلب كالكبر
стр. 540
والعجب وأخواتهما وتتبع هذه الثلاث المهلكات وإزالتها فرض عين ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها ومعرفة أسبابها ومعرفة علاجها فإن من لا يعرف الشر يقع فيه والعلاج ممكن وهو مقابلة الشيء بضده فكيف يمكن دون معرفة السبب والمسبب فأكثر ما ذكرناه في ربع المهلكات من فروض الأعيان وقد تركه الناس كافة اشتغالا بما لا يعني وأشار بقوله تحصيله يكون بالمعرف إلى تحصيل علم التصوف بمعنى الاتصاف بثمرته يكون بالشيخ المعرف للمريد عيوب نفسه وخبايا حظوظها قال الإمام أبو عبد الله بن عباد ولا بد للمريد في هذا الطريق من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تأديب نفسه وتخلص من هواه فيسلم نفسه إليه وليلزم طاعته والانقياد اليه في كل مايشير به عليه من غير ارتياب ولا تردد فقد قالوا من لم يكن له شيخ فإن الشيطان شيخه وقال أبو علي الثقفي رضي عنه لو أن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ وإمام أو مؤدب ناصح ومن لم يأخذ آدابه من آمر له وناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في صحيح المعاملات انتهى
وقد استفيد من هذا الكلام ثلاث مسائل
الأولى أن بالتصوف يصل العبد الى الاخلاص الذي هو روح العبادة.
الثانية أن معرفته فرض عين على كل مكلف.
الثالثة أن تحصيل هذا العلم لا بد له من الشيخ
ولفظ هوادي في ترجمة الناظم جمع هاد اسم فاعل من هدى بمعنى بين وأرشد وهو معطوف على مبادىء والتعرف مصدر تعرف إذا طلب المعرفة ولعل المراد المعرفة وعبر بالتعرف للسجع والحاصل أنه وصف المسائل المذكورة في هذا الكتاب بوصفين بكونها يتوقف عليها المقصود ولذلك سماها مبادي وبكونها ترشد للمعرفة فمصدوق المتعاطفين في الترجمة شيء واحد والله أعلم وهو مسائل الكتاب لا أن المبادي غير الهوادي كما قد يعطيه العطف والله أعلم
وَتَوْبةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ يُجتَرَمْ
تَجِبُ فَوْراً مُطْلَقاً وهْيَ النَّدَمْ
بِشَرْطِ الاِقْلاَعِ ونَفْيِ الاِصْرَارْ
وليَتلاَفَ مُمْكِناً ذَا اسْتِغْفارْ
أخبر أن التوبة تجب أي وجوب الفرائض على الأعيان من كل ذنب أي كبيرا كان أو صغيرا كان حقا لله تعالى أو لآدمي أو لهما كان الذنب معلوما عنده أو مجهولا فتجب التوبة من الذنوب المجهولة إجمالا ومن المعلومة تفصيلا وجملة يجترم بالجيم صفة الذنب ومعناها يذنب لأن الجرم هو الذنب، قال في الصحاح الجرم الذنب والجريمة منه
стр. 541
تقول منه جرم واجرام واجترام بمعنى انتهى وأن وجوب التوبة على الفور لا على التراخي فمن أخرها وجب عليه التوبة من ذلك التأخيروالظاهر أن الاطلاق راجع للفورية فكما تجب التوبة من كل ذنب فكذلك تجب فورا في جميعها ويحتمل رجوع الاطلاق للذنب فيكون لتأكيد العموم المستفاد من لفظ كل كما ما تقدم وأن التوبة هي الندم أي على المعصية من حيث أنها معصية وإن شئت قلت لقبحها شرعا فالندم على شرب الخمر لاضراره بالبدن ليس بتوبة وإنما يكون الندم المذكور توبة بثلاثة شروط
الأول الاقلاع أي عن الذنب في الحال بحيث يتركه ويتجنبه فورا ولكن هذا إنما يشترط في معصية اتصلت بالتوبة فلو تاب من معصية بعد الفراغ منها كشرب الخمر بالأمس سقط هذا الشرط
الشرط الثاني أن ينوي أن لا يعود إلى ذلك أبداً وهذا الشرط لا بد منه في حق من تاب بعد الفراغ من المعصية، وفي حق من تاب حال التلبس بها فيلزمه مع الإقلاع أن ينوي أن لا يعود أبداً وعلى هذا الشرط عبر بنفي الاصرار إذ هو كما في الرسالة المقام على الذنب واعتقاد العودة اليه على أن الواو في كلام الرسالة بمعنى أو فإذا انتفيا ثبت مقابلهما وهو الاقلاع ونية أن لا يعود أبدا وهو الثاني هو المراد هنا وعلى هذا فنفي الاصرار أعم من الاقلاع فلو اكتفى بنفي الاصرار على الاقلاع لكفى والله أعلم، ولا يشمل الاقلاع من غير نية أصلا إذ لا بد في التوبة من النية لأنها روح العمل
الشرط الثالث تلافي ما يمكن تلافيه وتداركه من الحق الناشىء عنها كحق القذف فيتداركه بتمكين نفسه عن المقذوف أو وارثه ليستوفيه وإلى ذلك أشار بقوله وليتلافى ممكنا وقيل لا يشترط ذلك بل يجب عليه فإن لم يفعله فتوبته صحيحة وذلك ذنب آخر تلزمه التوبة منه، قلت ويظهر من كلام بعضهم أن هذا الشرط آيل الى شرط الاقلاع وذلك ظاهر فإن من وجب عليه حق يمكنه تلافيه فلم يفعل لم يقلع إذ ما من وقت إلا وفيه عاص بترك التلافي فإن لم يمكن تدارك الحق كما إذا لم يكن مستحقه موجودا سقط هذا الشرط كما يسقط أيضا في توبة معصية لا ينشأ عنها حق لآدمي وذا استغفار حال التائب النادم واستغفاره شرط كمال لا شرط صحة والتوبة لغة الرجوع وشرعا الرجوع من أفعال مذمومة شرعا إلى أفعال محمودة شرعا وقيل الرجوع عن أربعة أشياء إلى أربعة أشياء من الكفر إلى الإيمان ومن المعصية إلى الطاعة ومن البدعة إلى السنة ومن الغفلة إلى اليقظة وقيل نفور النفس عن المعصية بحيث يحصل عن ذلك الندم على المعاصي والعزم على الترك في المستقبل والاقلاع في الحين فيرد المظالم
стр. 542
ويتحلل من الاعراض ويسلم نفسه للقصاص إن أمكن ذلك وهذا هو الذي ذكره الناظم ومعنى قوله ﷺ الندم توبة أي معظمها الندم على حد قوله ﷺ الحج عرفات أي معظم أركانه عرفات والعبارات متقاربة المعنى قال الإمام سيدي عبد الرحمن الجزولي في شرح الرسالة: التوبة نعمة من الله تعالى على العبد وأبوابها مفتوحة ما لم يعاين أي الموت قال تعالى وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذ حضر أحدهم الموت أي حضرت أسبابه ومقدماته وما لم تطلع الشمس من مغربها قال تعالى ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ والتوبة مما خصت به هذه الأمة لأنه كان من قبلنا إذا أذنب ذنبا يجده مكتوبا على باب داره وكفارته اقتل نفسك أو افعل كذا والتوبة مأخوذة من الثوب لأن يستر به العورة
كما تستر التوبة الذنوب وليس بينهما فرق اهـ وانتظر قوله مأخوذة من الثوب فإن الثوب بالمثلثة والتوبة بالمثناة فمادتهما متغايرة والله أعلم
وفي شرح جمع الجوامع لالعراقي قال الواسطي كانت التوبة في بني اسرائيل بقتل النفس كما قال تعالى ﴿فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ قال فكانت توبتهم إفناء نفوسهم وتوبة هذه الأمة أشد وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع رسوم الهياكل ومثله بعضم بمن أراد كسر لوزة في قارورة لكن ذلك يسير على من يسره الله عليه اهـ، قال الجزولي وأما حكمها فهي فرض عين والأصل فيها الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿وتوبوا الى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا توبو إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم﴾ الآية. ولعل وعسى من الله تعالى بمعنى الوجوب وأما السنة فقوله ﷺ «توبوا فإني أتوب في كل يوم سبعين مرة
стр. 543
وفي بعضهاـ مائة مرة» وقال «والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» والاجماع على أنها واجبة ويجب على كل مكلف مسلما كان أو كافرا حراً أو عبداً ذكراً كان أو أنثى مريضا أو صحيحا مقيما أو مسافراً، الشيخ لا خلاف أنها واجبة على الفور ولا قائل بأنها على التراخي فمن أخرها فهو عاص تجب عليه التوبة من تأخيرها لأنها معصية ثانية ثم قال وهي على قسمين واجبة من المحظور ومندوبة من المكروه اهـ
(تنبيهات) الأول ظاهر قوله من كل ذنب وجوب التوبة من الذنب كبيراً كان أو صغيراً من الكبائر فتفتقر اليها اتفاقاً وفي الصغائر ثلاثة أقوال الأول أنها تفتقر إلى التوبة قاله القاضي عبد الوهاب وهو ظاهر قول الرسالة والتوبة فريضة من كل ذنب وهذا القول هو ظاهر النظم، قال أبو بكر بن الطيب وهو المشهور الثاني أنها لا تفتقر إلى توبة بل توبتها اجتناب الكبائر لقوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ وهو قوله في أول الرسالة وغفر الصغائر باجتناب الكبائر الثالث أنها إن كانت منوطة بالكبيرة كالقبلة لمن أراد الزنا ثم تاب عنه غفرت باجتناب الكبيرة وإن كانت منفردة مستقلة بنفسها افتقرت الى التوبة وهل تكفير الصغائر باجتناب الكبائر على القول به قطعي أو ظني قولان لجماعة الفقهاء والمحدثين والأصوليين
الثاني الكبيرة والصغيرة نسبة وإضافة وإلا فكل ذنب فهو كبير بالنظر الى مخالفة ذي الجلال والاكرام وقال ابن عباس كل ما عصى الله تعالى به فهو كبيرة فتسمية بعض الذنب صغائر إنما هو تكفيرها باجتناب غيرها مما هو أكبر منها فكلها كبائر وبعضها أكبر من بعض ولهذا لم يأت في الشرع لفظ يحصرها في عدد معين وإنما ذلك ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر لئلا يواقعوها وما ورد في الاحاديث من تسميتها بالسبع الموبقات لا يدل على حصرها في سبع ولهذا قال ابن عباس هي الى السبعين وروي الى سبعمائة أقرب منها الى السبع وقد اختلف في الكبيرة على ستة أقوال فقيل هي ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة كقوله تعالى ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ الآية وقيل ما فيه حد كالزنا والسرقة الآية الزانية والزاني الآية والسارق السارقة الآية
стр. 544
قال الرافعي وهم الى ترجيح هذا أميل وقيل هي ما نص الكتاب على تحريمه كقوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الآية أو وجب في جنسه حد وقيل أنها أخفيت ليكون الناس من اجتناب جميع المنهيات على حذر مخافة الوقوع فيها وقال الاستاذ أبو اسحق الإسفرايني والشيخ الإمام والد صاحب جمع الجوامع هي كل ذنب ونفيا الصغائر نظر الى عظمة من عصى بذلك وشدة عقابه وقيل وهو المختار وفاقا لإمام الحرمين إنها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة ثم سرد صاحب جمع الجوامع منها نحو السبعة والثلاثين رأيت أن أذكرها منظومة ليسهل حفظها
قال الإمام جلال الدين السيوطي في الكوكب الساطع في نظم جمع الجوامع في المسألة برمتها ما نصه
وفي الكبيرة اضطراب إذ تحد
فقيل ذو توعد وقيل حد
وقيل ما في جنسه حد وما
كتابنا بنصه قد حرما
وقيل لا حد لها بل أخفيت
وقيل كل والصغائر بقيت
والمرتضى قول إمام الحرمين
جريمة تؤذننا بغير مين
بقلة اكتراث من أناه
بالدين والرقة في تقواه
[ش] كالقتل والزنا وشرب الخمر
ومطلق المسكر ثم السحر
والقذف واللواط ثم الفطر
ويأس رحمة وأمن المكر
والغصب والسرقة والشهادة
بالزور والرشوة والقياده
منع الزكاة وديانة فرار
خيانة في الكيل والوزن ظهار
نميمة كتم شهادة يمين
فاجرة كذب على النبي يبين
وسب صحبه وضرب المسلم
سعاية عقوق قطع الرحم
حرابة تقديمه الصلاة أو
تأخيرها ومال أيتام رووا
وأكل خنزير وميت والربا
والغل أو صغيرة قد واظبا
انتهى وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في شرح العمدة سلك بعد المتأخرين طريقا فقال إذا أردت أن تعرف الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإذا نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهي من الكبائر وذلك مثل
стр. 545
إلقاء المصحف في القاذورات وتضميخ الكعبة بالعذرة فهذا من الكبائر ولم ينص عليها الشارع انتهى
وقد كنت لفقت في نقل تقي الدين هذا أبياتاً لتكمل الفائدة بضمنها لنظم السيوطي المذكور آنفاً وهي قولنا:
ولتقي الدين عن بعض نظر
فيما نشا عن بعض ما منها ذكر
من المفاسد مع الذي نشا
عن غيرها من مغفل مما تشاء
فإن تساويا أو أربى الآخر
فهي كبيرة وقس ما يذكر
ثم قال تقي الدين بعد كلام ولابد مع هذا من أمرين
أحدهما أن المفسدة لا تؤخذ مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فقد يقع الغلط في ذلك ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر هو تشويش العقل فإن أخذ هذا بمجرده لزمه منه أن لا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة لخلائها عن المفسدة المذكورة مع أنها كبيرة وإن خلت عن المفسدة المذكورة لأنها تقترن بها مفسدة التجرؤ على شرب الخمر الكثير الموقع في المفسدة فهذا الاقتران يصيرها كبيرة
الثاني إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الوسائل إلى بعض الكبائر مساوية لبعض الكبائر أو زائدة عليها فامساك امرأة محصنة لمن يزني بها أو مسلماً معصوما لمن يقتله كبيرة أعظم مفسدة من أكل مال اليتيم المنصوص على كونه من الكبائر وكذلك لو دل على عورة من عورات المسلمين تقضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم كان ذلك أعظم من الفرار من الزحف المنصوص على كونه منها وكذلك تفعل على القول بأن ما رتب عليه لعن أو وعيد فهو كبيرة متعتبر المفسدة بالنسبة إلى ما رتب عليه شيء من ذلك فما ساوى أقلها فهي كبيرة وما نقص فليس بكبيرة اهـ
فلا بد من ذكر فروع
الأول إذا وقعت التوبة بشروطها فهل تقبل قطعا أو ظناً فمذهب القاضي أنه لا يقطع بها ومذهب الشيخ أبي الحسن القطع بها والخلاف إنما هو في توبة المؤمن العاصي وأما توبة الكافر من كفره وهي إسلامه فالإجماع على أنها مقبولة قطعاً لقوله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ وفي القطع بقبول توبته فتح لباب الإيمان وسوق إليه في عدم القطع بقبول توبة المؤمن وبقائه بين الرجاء والخوف، سد لباب العصيان ومنع منه
الثاني واختلف هل تصح التوبة من بعض الذنوب أم لا فذهبت المعتزلة إلى أن ذلك لا يصح ولا خلاف بين أهل في صحتها وهي طاعة من الطاعات ويطلب بالتوبة فيما بقي وعلى هذا إذا أسلم الكافر فيصح إسلامه وإن كان يزني ويسرق
стр. 546
وحكمه حكم المؤمن العاصي فأما التوبة من كل الذنوب فهي التوبة النصوح
الثالث إذا تذكر المذنب ذنبه فهل يجب عليه تجديد الندم أو لا قولان للقاضي وإمام الحرمين قائلا يكفيه أن لا يبتهج ولا يفرح عند تذكره
الرابع من تاب ثم عاود فهل تكون عودته نقصاً أم لا قولان للقاضي مع ابن العربي وإمام الحرمين قائلاً توبته الأولى صحيحة وهذه معصية أخرى واختاره المتأخرون
الخامس هل توبة الكافر نفس إسلامه أم لا بد من الندم على الكفر فأوجبه الإمام وقال غيره إيمانه لأن كفره ممحو بإيمانه وإقلاعه عنه قال تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾
السادس الذنب الذي يتاب منه إن كان حقاً لله فيكفي فيه الندم والاقلاع ويشرع في قضاء الفوائت كالصلاة والصيام وشبه ذلك وإن كان حقا لآدمي وجب عليه رده إن كان مالاً والتحلل منه إن كان عرضاً فإن لم يجده ولا وجد أحداً من ورثته فإنه يستغفر الله ويتصدق عليه وإن كان نفساً وجب عليه تسليم نفسه للاولياء إن أمكن ذلك فإن لم يفعل مع الإمكان فمذهب الجمهور صحتها وهذه معصية أخرى ويجب عليه أن يتوب منها وقيل لا تصح وهو مرجوح
وحَاصِلُ التَّقْوَى اجتِنابٌ وَامْتَثاَلْ
في ظاهِرٍ وَباطِنٍ بِذَا تُنالْ
فَجَاءَتِ الأَقْسامُ حقّاً أَرْبَعَةْ
وَهِيَ لِلسَّالِكِ سُبْلُ المَنْفَعَةْ
أخبر أن حاصل التقوى ومدارها المأمور بها في غير ما آية هي اجتناب أي للمنهيات في الظاهر والباطن وامتثال أي للمأمورات في الظاهر أيضا والباطن وبذلك الاجتناب والامتثال تنال التقوى وتدرك وإذا كان كذلك فأقسامها أربعة: اجتناب وامتثال في الظاهر فهذان قسمان اجتناب وامتثال في الباطن فهذان قسمان آخران ففي ظاهر وباطن يتنازع فيه اجتناب وامتثال وأن التقوى للسالك طريق إلى المنفعة أي الأخروية وسبل بضم السين وسكون الباء تخفيفاً عن ضم جمع سبيل وهو الطريق وأعلم أن التقوى في عرف الشرع هي وقاية الإنسان نفسه عما يضره في الآخرة قال البيضاوي والمتقي اسم فاعل من قوله وقاه فاتقى والوقاية فرط الصيانة ولها ثلاث مراتب
الأولى التوقي من العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى ﴿ألزمهم كلمة التقوى﴾
والثانية التجنب عن كل ما فيه إثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع وهو المعنى بقوله ﴿تعالى﴾
стр. 547
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا
والثالثة أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بسرائره وهي التقوى الحقيقي المطلوبة بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ اهـ
في تفسير ابن جزي: درجات التقوى خمس أن يتقي العبد الكفر وذلك مقام الإسلام أن يتقي المعاصي والمحرمات وهو مقام التوبة وأن يتقي الشبهات وهو مقام الورع وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد وأن يتقي حضور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة، قال والبواعث على التقوى عشرة خوف العقاب الدنيوي والأخروى ورجاء الثواب الدنيوي والأخروي فهذه أربعة وخوف الحساب والحياء من نظر الله وهو مقام المراقبة والشكر على نعمه لطاعته والعلم لقوله تعالى ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وتعظيم جلال الله وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة فيه لقول القائل
تعصى الإله وأنت تظهر حبه
هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
وقال آخر
قالت وقد سألت عن حال عاشقها
بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ
وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
انتهى والسالك أي إلى الله تعالى وهو المريد ويقابله المجذوب وهو المراد وهذا الثاني أعلى، قال الشيخ العارف سيدي أبو عبد الله بن عباد ﵁ ونفعنا به: بنو آدم في أول نشأتهم ومبدأ خلقتهم وخروجهم من بطون أمهاتهم موسومون بالجهل وعدم العلم قال الله تعالى ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ ثم إن الله تعالى لما اختص بعضهم بخصوصية عنايته واختار منهم من أهله لولايته وما ذلك إلا بحصول العلم الذي يتضمنه قوله تعالى ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ الذي يحقق لهم النسبة ويوجب لهم الزلفة والقربة المشار إلى ذلك بقوله ﴿لعلكم تشكرون﴾ جعلهم على قسمين مرادين ومريدين وإن شئت قلت مجذوبين وسالكين وكلاهما مراد ومجذوب على التحقيق قال الله ﴿الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب﴾ فالمريدون السالكون إلى الله تعالى في حال سلوكهم محجوبون عن ربهم برؤية الأغيار
стр. 548
فالآثار والأكوان ظاهرة لهم موجودة لديهم والحق تعالى غيب عنهم فهم يستدلون بها عليه في حال ترقيتهم والمرادون المجذبون واجههم الحق بوجهة الاكرام وتقرب إليهم فعرفوه به فلما عرفوه على هذا الوجه انحجبت الأغيار عنهم فلم يروها فهم يستدلون به عليها ففي حال تذللهم فهذا حال الفريقين وبعيد ما بينهما وذلك أن المستدل به على غيره عرف الحق الذي هو الوجود الواجب لأهله وهو المختص بوصف القدم وأثبت الأمر المشار به إلى الآثار العدمية من وجود أصله المشار به إلى المؤثر المتحقق وجوده والمستدل بغيره عليه على عكس ما ذكرنا لأنه استدل بالمجهول على المعلوم وبالمعدوم على الموجود وبالأمر الخفي على الظاهر الجلي وذلك لوجود الحجاب ووقوفه مع الأسباب وعدم احتظائه بالوصول والاقتراب وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه بالأشياء الحاضرة ومتى بعد حتى تكون الآثار القريبة هي التي توصل إليه أو فقد حتى تكون الآثار الموجودة هي التي تدل عليه
عجبت لمن ينبغي عليك شهادة
وأنت الذي أشهدته كل مشهد
يَغُضُّ عَينَهُ عَنِ المحارِمِ
يَكُفُّ سَمْعَهُ عَنِ الْمَآَثِمِ
كَغِيبَةٍ نَمِيمةٍ زُورٍ كَذِبْ
لِسَانُهُ أَحْرَى بِتَرْكِ مَا جُلِبَ
يَحْفَظُ بَطْنَهُ مِنَ الحَرَامِ
يَتْرُكُ مَا شُبِّهَ بِاهتِمامِ
يَحْفَظُ فَرْجَهُ وَيتَّقِي الشَّهيدْ
في البَطْشِ والسَّعْي لِمَمْنوع يُريدْ
وَيُوقِفُ الأمُورَ حَتَّى يَعْلَمَاَ
ماَ الله فِيهِنْ بِهِ قَدْ حَكَمَا
[ش] يُطَّهِرُ الْقَلْبَ مِنَ الرِّياءِ
وَحَسَدٍ عُجْبٍ وكُلِّ داءٍ
قال الإمام سيدي عبد الرحمن الجزولي في شرح الرسالة: الدين شيئان امتثال الأوامر واجتناب النواهي واجتناب النواهي أشد على النفس من امتثال الأوامر لأن امتثال الأوامر يفعله كل أحد واجتناب النواهي لا يفعله إلا الصديقون وهذا كله لا يتوصل إليه إلا بالعلم قال الله تعالى ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ والدليل على أن ترك النواهي أشد قوله ﷺ لقوم قدموا من الغزو «رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس عن هواها» وروي
стр. 549
عنه ﷺ أن قال «خلق الله الجنة فحفها بالمكاره وخلق النار فحفها بالشهوات» وخلق للنار سبعة أبواب وخلق لابن أدم سبعة جوارح فمتى أطاع الله بجارحة من تلك الجوارح السبعة غلق عنه باب من تلك الأبواب ومتى عصى الله بجارحة من تلك الجوارح السبعة استوجب الدخول من باب من تلك الأبواب
والجوارح السبعة هي السمع والبصر واللسان واليدان والرجلان والبطن والفرج وسميت جوارح لأنها كواسب تكسب الخير والشر وأصل صلاح هذه الجوارح وفسادها من القلب لأن القلب كالسلطان والجوارح كالأجناد لا تفعل إلا ما أمرها به القلب وقد قال «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» قالها ثلاثاً. فينبغي للإنسان أن يجعل من جوارحه حاجباً يمنع عنها كل شيء بأن يمتثل الأمر ويجتنب النهي حتى يجري أفعاله وأقواله كلها على سنن للشرع قال الله تعالى ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ وقد نبه أبو محمد على هذا في أول الكتاب حيث دعا وقال أعاننا الله على رعاية ودائعه وهي الجوارح باجتناب المنهيات وحفظ ما أودعنا من شرائعه بامتثال المأمورات فمن رعى ودائعه وحفظ شرائعه فقد فاز، قال ﷺ «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» الشيخ: والجوارح نعمة من الله على العبد وأمانة لديه ومن أشد الطغيان وغاية الخسران استعانة العبد بنعمة الله على معصية الله تعالى وخيانته لما أمنه الله تعالى عليه اهـ
وقد اشتمل كلام الناظم في هذه الأبيات على أربع مسائل:
الأولى: حفظ الجوارح السبعة كل بما يليق به الثانية ترك الأمور المشبهات بالحلال مع عدم القطع بكونها منه. الثالثة الوقوف على الأمور التي لم يعلم حكم الله فيها فلا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. الرابعة تطهير القلب من أمراضه كالرياء والحسد والعجب وغير ذلك
فقوله يغض ويكف ويحفظ في الموضعين ويترك ويتقي ويوقف ويطهر لفظها لفظ الخبر والمراد الطلب ولولا رفعها لقلت إنها على حذف لام الأمر لكنها إذا حذفت يبقى عملها وهو الجزم والغض والستر وغض البصر عن المحارم فرض عين والدليل عليه الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من
стр. 550
أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ فقرن الأمر بغض البصر مع الأمر بحفظ الفرج وهو في الأخير للوجوب باجماع وأتى بمن الدالة على التبعيض ليبقى جواز النظر إلى الزوجات ونحوها إذ لو قال يغضوا أبصارهم للزم غض البصر مطلقاً حتى لا يرى الإنسان أين يمشي، وأما السنة فقول ﷺ العينان تزنيان وزناهما النظر والإجماع على تحريم النظر إلى المحارم وهي النساء والمراد من الصبيان على جهة الالتذاذ وإلى ما يكره مالكه أن ينظر له فيه من الكتب والأمتعة ونحوها وإلى الملاهي الملهية على أحد القولين والقول الآخر بالكراهة فقط ومن المحرم أيضاً النظر في عورات النساء وعيوبهن والنظر إلى أخيه المسلم بعين الاحتقار والازدراء وانظر هل مما نحن بصدده من نظر العين أو هما من
عمل القلب وهو الظاهر إذ لا يحتاج إلى العين في تلك الرسالة وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج ومفهومه أن في الثانية الحرج وكذا في الأولى بتعمد وقد روي عنه أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁ لا تتبع النظرة النظرة فإن النظرة الأولى لك والثانية عليك قيل معناه لا تتبع نظر عينيك نظر قلبك وقيل معناه لا تتبع النظرة الأولى الواقعة سهواً بالنظرة الثانية التي وقعت عمداً وقال علي بن أبي طالب ﵁ العيون مصائد الشيطان، وقال بعض الحكماء من أرسل طرفه استدعى حتفه، وجاء في قوله تعالى ﴿يعلم خائنة الاعين﴾ أنها النظرة الثانية ﴿وما تخفي الصدور﴾ قيل الأولى
(فرع) من تابع التفكير اختياراً فهو كمتعمد النظر ومن دفعه من قبله ما استطاع ولم يندفع لما كلف به مما ليس في مقدوره ولا بسبب له فيه فلا شيء عليه فيه
(فرع) يجوز النظر إلى المرأة المتجالة وهي الكبيرة التي لا أرب للرجال فيها مشتقة من التجلي وهو الظهور ولا تحجب لانقطاع أربها من النكاح وانظر هل هذا لكل أحد وإنما يباح النظر إليها لمن لا يتهم أن يتعلق بها قلبه كالشاب وأما الشيخ فلا يجوز له النظر إليها إذ قد يتشوف إليها وقد جاء عن أبي حنيفة لكل ساقطة لاقطة ويدل على
стр. 551
الثاني أنهم أباحوا النظر إلى الوحش ولم يبيحوه إلى العلى وما ذلك إلا للتشوف وعدمه
(فرع) يجوز النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها إذا باعت أو اشترت أو تزوجت فيجوز للشهود النظر إليها ليتحققوا صفاتها ويكتبوها أعني صفات الوجه والسن والقد وهذا إذا كانوا لا يعرفونها وأما إن عرفوها فلا ينظروا إليها ويكتفوا بسماع كلامها وكذلك إن أخبرهم بها مخبر فحصل لهم العلم بذلك وقال ابن شعبان ينبغي أن لا يشهد لشابة أو عليها إلا من يبلغ ستين سنة من الشهود ومن الشهادة لها الشهادة على جرح فيها وهل هو مأمومة أو جائفة أو غيرهما وشبه الشهادة عليها نظر الطبيب والجرائحي إذا كان في الوجه أو في اليدين والرجلين وأما في الفرج فلا يجوز واختلف إذا كان في سائر الجسد فقيل يقطع عليه الثوب وينظر إليه وقيل لا ينظر إليه إلا النساء ونظر الراقي وقد ذكر عن الشيخ أبي يعرى نفعنا الله ببركاته أنه كان يرقي النساء فأنكر ذلك عليه بعض الفقهاء فلما وصلوا إليه قال لهم جئتم لكذا أليس أنكم تقولون يجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع الداء أفلا جعلتموني كالطبيب الكافر فانقطعوا
(فرع) يجوز للخاطب أن ينظر من المخطوبة الوجه والكفين بعلمها وهذا إذا خطبها لنفسه وكان يظن الإجابة وإلا لم يجز له ذلك
(فرع) اختلف في عبد المرأة هل يجوز له النظر إليها أو يمنع، ثالث الأقوال يجوز إذا كان وغداً أي قبيح المنظر ولا يجوز إن كان غير وغد واختلف في عبد زوجها وعبد الأجنبي وهل يدخلان عليها ويريان شعورها أم لا قولان المشهور المنع
(فرع) واختلف فيمن أراد شراء أمة هل يجوز له أن ينظرها أما الأطراف فلا خلاف أنه يجوز له أن ينظرها كما أنه لا خلاف أنه لا يجوز له النظر إلى الفرج وفي النظر إلى جسدها قولان الجواز والمنع
(فرع) يجوز لكل من الزوجين النظر إلى فرج الآخر ولحسه بلسانه وكذا السيد مع أمته وقيل بكراهة ذلك لأنه يؤدي إلى ضعف البصر، قاله بعض الأطباء وكذا يكره النظر لعورة الصبيان
(فرع) اختلف هل يجوز للرجل أن يرى شعر أم زوجته أم لا على قولين وكذا اختلف في العم والخال هل تضع المرأة خمارها عندهما أم لا فكرهه الشافعي وعكرمة لكونهما ينعتانها لأبنائهما وأجازه بعضهم
هذا بعض ما يتعلق بالبصر وأما السمع
стр. 552
فيجب عليه أيضاً أن يكف سمعه عن كل ما يأثم بسماعه كالغيبة والنميمة والزور والكذب ونحوه وعلى ذلك نبه الناظم بقوله يكف سمعه عن المأثم كغيبة ونميمة زور وكذب ويأتي تفسيرها قريباً في عد آفات اللسان إن شاء الله قال في الرسالة ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله قال الشيخ الجزولي يشتمل الغناء والملاهي الملهية والغيبة وسماع كلام امرأة لا تحل لك وسماع المحلقين للقصص وغيرها والباطل كثير ومفهومه أنه لم يتعمد فلا إثم عليه ولكن ذلك إذا سمعه وألغاه وأعرض عنه كالنظرة الأولى فأما إذا سمعه فتمادى على سماعه فهو مأثوم والأصل في ذلك قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقوله «المستمع شريك القائل»
قال الشاعر
وسمعك صن عن سماع القبيح
كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح
شريك لقائله فانتبه
قال وهذا الحديث يعارض ما قال مالك في موطأ يحيى بن يحيى قال له أوصني قال أوصيك بثلاث الأولى اجمع لك فيها علم العلماء هي إذا سئلت عن شيء لا تدري فقل لا أدري والثانية اجمع لك فيها طب الأطباء وهي أن ترفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه والثالثة اجمع لك فيها حكمة الحكماء وهي إذا كنت في قوم فكن أصمتهم فإن أصابوا أصبت معهم وإن أخطأوا سلمت منهم مع أنه قال في الحديث المستمع شريك القائل فيحمل ما قاله مالك على ما إذا كان لا يقدر على تغييره ولا على أن يقوم عنهم قال ابن شعبان وكذلك الأمرد من الصبيان لا يحل سماع كلامه إذا كان فيه لين يخاف منه اللذة قال أبو حامد ولا يصلي خلفه الأشفاع لأنه يتلذذ بصوته ثم قال الشيخ الجزولي عند قوله ولا سماع شيء من الملاهي والغناء: والملاهي آلة الغناء كالمزمار والأتار وما أشبه ذلك والغناء ممدود وهو كلام موزون طيب مفهوم المعنى محرك للقلب وتحريم سماع الملاهي والغناء عام في الرجال والنساء وإذا حرم سماع الملاهي على الانفراد فأحرى إذا اجتمعا وظاهره سواء اتخذ ذلك حرفة أو لا أكثر التردد إليه أم لا، أما إن اتخذه حرفة أو أكثر التردد إليه فلا خلاف في المذهب أنه حرام وأن ذلك جرحة في شهادته وإمامته واختلف فيمن ليس ذلك حرفة له وقل حضوره له فقيل حرام وقيل مباح،
стр. 553
الشيخ: ومذهب مالك أن سماع آلة اللهو كلها حرام إلا الدف في النكاح والكبر على خلاف وكذلك استعمالها وبيعها وشراؤها ولا يجوز وقيل يجوز الاستماع اليها وقال أبو حامد الطبل والقصب والدف والقضيب فيجوز سماعه ولا يحرم إلا ما ورد في الشرع تحريمه وذلك كالأتار والمزامير والعود والقرن المعتاد للشرب فيمنع تبعا لمنع شرب الخمر ليكون ذلك مبالغة في الانقطاع وأما الغناء فمذهب مالك منعه سواء كان بآلة أو بغير آلة وروي عن الشافعي إجازته إذا كان بغير آلة ثم قال فإن كان يحرك ما في القلب من الخوف ومحبة الله تعالى كان مندوباً إليه وإن كان يحرك
محبة المخلوق لغلبة الشهوة وتمكنه من الشيبة فالسماع في حقه حرام ومن لم يتصف باحدى الوصفين المتقدمين اتخذه مستراحاً يتقوى به على حاله فهو مكروه عند أهل الفضل والدين لأنه لهو ولعب واختلف عندهم في التواجد فقيل لا يجوز وإن من حسن الأدب الإصغاء وترك المشقة والحركة وخصوصاً الشاب بين يدي المشايخ والمبتدىء بين يدي المنتهي وذهب بعضهم إلى جوازه ورجاء لتحقيق الوجد وتهييج ما هو كامن في البطن ككمون النار في الحجر ولا تظن أن ذلك لفهم المعنى بل ذلك ثابت في كل الحيوانات وخصوصاً الإبل فإنها كلما طالت عليها البراري وسمعت الحداء مدت أعناقها وطوت المراحل ثم قال: ويقال أن الطير كانت تقف على رأس داود ﵇ لاستماع صوته وقال أبو سليمان لا يحصل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه/ الشيخ: وللسماع عندهم شروط منها المكان والإمكان والإخوان وطول الاشتياق وأن لا يحضر هناك شاب يخاف منه الفتنة قال وقد اتفق أربعون شيخاً أن ما على الشيخ اللبيب أشد من الشاب وقال ومن البدعة الكبرى ما نشاهده في كثير مما يدعي لنفسه العبادة والتقدم في الزهد وينسب نفسه إلى التصوف والفقر من الاضطراب وأنواع الرقص والإيماء باليد والرأس والضرب على الصدر والوقوع على الحاضرين حتى يؤدي ذلك إلى الضحك والطنز والاستهزاء وأما اللسان فأشار إليه بقوله (لسانه أحرى بترك ما جلب) فلسانه أحرى جملة اسمية والمبتدأ على حذف مضاف يدل عليه يكف وبذلك المضاف يتعلق بترك وبنى (جلب) للمجهول للوزن والجالب هوالناظم أي كف لسانك بترك ما جلبناه وذكرناه وأتينا به في كف السماع من الغيبة والنميمة والزور والكذب ونحوها من المآثم أحرى أي في الوجوب من كف السماع عن ذلك والأحروية ظاهرة قال في الرسالة ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والزور والفحشاء والغيبة والنميمة والباطل وكذلك قال رسول الله «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» قال الشيخ الجزولي اللسان نعمة من الله تعالى على
стр. 554
العبد وهو أشد الجوارح السبعة وروي أنه ما من صباح إلا والجوارح تشكو به وتقول ناشدناك الله إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا وخطر اللسان عظيم لا يسلم منه إلا بالصمت ولذلك مدحه وحث عليه فقال «من صمت نجا» وقال «الصمت حكم وقليل فاعله» وقال «من تكفل لي ما بين لحييه ضمنت له على الله الجنة» وقال ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان وروي عنه أنه قال لساني سبع إن أطلقته أكلني. وحقيقة الكذب الاخبار عن الشيء على غير ما هو عليه والصدق ضده والشك في الحديث كالكذب فيه قال مالك من حدث بكل ما سمع فهو كاذب فينبغي أن لا يحدث الانسان إلا بما علمه قطعاً أو سمعه أو نقل إليه نقلاً متواتراً ثم إن كان الكذب سهواً فلا إثم فيه ولا حرج لقوله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وإن كان عمداً فهو محرم باجماع، في الجملة وإن كان تعرض له أحكام الشريعة الخمسة باعتبار متعلقاته والدليل على تحريمه في الجملة الكتاب والسنة والاجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ وأما السنة فقوله ﷺ «ثلاث من كن فيه فهو منافق من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» ومعناه منافق في العمل لا في الاعتقاد وقال أيضاً إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن
стр. 555
الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً إلى غير ذلك مما ورد والاجماع على أن الكذب محرم فمن أباحه استفسر فإن أباح ما هو حرام منه فإنه يستناب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل فحكمه في الجملة التحريم ثم قد يكون واجباً مثل أن يكذب لإنقاذ نفس أو مال كما إذا هرب الإنسان من ظالم إلى جهة فيسألك عنه فتقول له جاز يميناً وهو على الشمال فالكذب في هذا واجب يؤجر عليه فإن صدق أثم وعليه أن يحلف إذا طلب منه اليمين ويلغز بيمينه ولا يلزمه الطلاق إن حلف واللغز أن ينوي في يمينه طلاق الدابة من وثاقها أو الحجر من الأعلى إلى الأسفل واختلف إذا حلف ولم يلغز في يمينه هل يلزمه الطلاق أم لا على قولين سببهما هل هو كالمكره أم لا، ويكون حراماً وهو الكثير فيه كالكذب لقطع حق مخلوق أو على وجه المزاح للانبساط وكلاهما حرام والأول أشد من الثاني والتوبة من الأول الاستحلال من المظالم والنية أن لا يعود ومن الثاني الندم والنية أن لا يعود ويكون مستحباً وهو الكذب على الكفار بأن يقول لهم إن المسلمين تهيئوا للقائكم بكثرة العدد وتأمر عليهم البطل فلان ونحو ذلك ويكون مكروهاً وهو الكذب للزوجة ومباحاً وهو الكذب للاصلاح بين المسلمين إذا وقعت بينهم شحناء وقيل في هذا إنه مندوب قال والعرض على الضيف بغير جد حرام من وجهين أحدهما أنه أطعمه الحرام والثاني كذب من غير منفعة وانظر هل يجوز التعريض بالكذب كما روي عن اللخمي أنه إذا أتاه من يكره رؤيته يقول لجاريته قولي له انظره في المسجد وروي عن الشعبي أنه كان إذا أتاه من يكره رؤيته يقول لجاريته اجعلي اصبعك في وسط دائرة وقولي له ليس هو هنا فأباح هذا وكره التصريح قال أبو حامد وتباح المعاريض تخفيفاً كقوله
﵇ «لا تدخل الجنة عجوز» وقوله في عين زوجك بياض لأن هذه الكلمة أوهمت خلاف المراد فيباح هذا مع النساء والصبيان لتطيب قلوبهم بالمزاح ومن يتمتع من أكل الطعام فلا ينبغي أن يكذب ويقول لا أشتهي شيئاً إذا كان يشتهي بل يعدل إلى المعاريض وقد قال لامرأة قالت ذلك «لا تجمعي بين كذب وجوع» والزور أيضاً وهو الإخبار
стр. 556
بالشيء على غير ما هو عليه إلا أنه خاص بالشهادة مشتق من زور الصدر وهو اعوجاجه لا من نزور الكلام الذي هو تحسينه وقال الزناتي من زور زوراً إذا مال عن الصواب ودليل تحريمه الكتاب وهو قوله تعالى ﴿والذين لا يشهدون الزور﴾ ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ والسنة وهو قوله «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قالوا بلى يا رسول قال الاشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور» وأجمعت الأمة على تحريمه والفحشاء مأخوذة من فحش الشيء إذا ظهرت قبائحه واشتهرت قولاً كان أو فعلاً والمراد هنا القول القبيح، قال إن الله يكره الفاحش البذيء وهو الذي لا يكني عن الألفاظ المتفاحشة فيدخل فيه كل ما يستحيا منه أن يذكر بمحضر أهل الفضل والصلاح ومن يجب توقيره كالآباء والإخوة كذكر الغائط والجماع بألفاظ العامة السفهاء والسفلة من الناس والغيبة وهي أن تقول في أخيك ما لو سمعه لكرهه ولو كان ذلك فيه سواء كان ذلك في نفسه أو بدنه أو ماله أو ولده أو في فعله أو قوله أو في دينه أو دنياه حتى في ثوبه وردائه ودابته وكل ما يتعلق به حتى قولك واسع الكم أو طويل الذيل سواء كان تصريحاً أو تعريضاً أو بالاشارة أو الرمز وهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه﴾ قيل وجه الشبه بينهما أن الميت لا ينتصر لنفسه وأما السنة فقوله «إياكم والغيبة فإنها أشد من الزنا» وفي رواية «أشد من ثلاثين زنية في الاسلام» وقال «من أراد أن يفرق حسناته يميناً وشمالاً فليغتب الناس» وقال ﵊ «الغيبة تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب الرقيق» وقال حأتدرون من المفلس من أمتي قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال «إنما المفلس من أمتي الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا
стр. 557
وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا نفذت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار» أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وقال «من اغتيب أخوه بمحضره فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة وإن لم ينصره أذله الله في الدنيا والآخرة» وقال ابن المبارك «لو كنت ممن يغتاب الناس لاغتبت أبوي فإنهما أحق بحسناتي» وروى عن الحسن أنه بلغه أن رجلاً اغتابه فأهدى له طبقاً من رطب فقيل له في ذلك فقال بلغني أنه أهدى إلي حسناته وهي أحب ما عنده فأهديت له أحب ما عندي وقال مالك ﵁ أدركت أناساً بالمدينة لا عيوب لهم فاشتغلوا بعيوب الناس فأحدث الناس لهم عيوباًوأدركت أناس بالمدينة لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فسكت الناس عن عيوبهم، ثم قال: وأشد الغيبة غيبة القراء لأنها تجمع بين الغيبة وتزكية النفس والنفاق وكلها حرام كأن يقول أصلح الله فلاناً لقد أساء فيما جرى له فيظهر من نفسه الدعاء له ويقول بلسانه ما ليس في قلبه لأن مراده أن يسمع الناس قبحه وإلا دعا له سراً أو كتم معصيته أو يقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان لطلب الدنيا وهو يعرض بغيره/ الشيخ: ومن الغيبة أن يقول: السدراتي فعل كذا لأن ذلك تكرهه قبيلته فلو قال: كان فلان يفعل كذا وكذا ففي كونه غيبة قولان والمستمع للغيبة شريك للمتكلم بها فيجب على من سمعها أن يقوم من ذلك الموضع الذي سمعها فيه إن أمكنه ذلك وإن لم يمكنه نهاهم عن ذلك بقول غليظ مظهراً في وجهه ذلك فإن انتهوا فهو المطلوب وإلا أبغضهم في قلبه وكذبهم لأنهم فساق فإن قال لهم دعوا غيبة الناس ومقصوده إظهار الورع فلا يخرجه ذلك عن الغيبة قال بعض العلماء الغيبة فاكهة القراء ومزبلة الأتقياء ومراتع النساء وتباح الغيبة في مواضع عند السلطان لدفع ظلم والشكاية به فيذكر للسلطان أمره وما فعل له أما عند غيره ممن لا قدرة له على الدفع فلا، وعند الاستغاثة على تغير المنكر ورد الظالم عن ظلمه بمن له قدرة على ذلك أيضاً وعند المفتي كقول هند ﵄ للنبي إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، وعند التحذير من مصاهرة أو شركة أو مجاورة وعند التعريف به فيذكر عدالته أو جرحته ويدخل في ذلك دعاء من عرف باسم فيه عيب بذلك الاسم
стр. 558
كالأعرج والأعمش والطويل إذا قصد صفته لا غيبته والعدول الى اسم آخر أولى وعند ذكر بدعة المبتدع سواء أكانت بدعته ظاهرة يدعو إليها أو خفية يلقيها لمن يظفر بها وعند ذكر فسق الفاسق المجاهر بفسقه قال ﵊ «من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة فيه» قال أبو حامد والصحيح أن ذكر الفاسق بمعصية يخفيها ويكره ذكرها لا يجوز من غير عذر اهـ باختصار وبعضه بالمعنى وقد نظم بعضهم هذه المواضع السبعة التي تجوز فيها الغيبة في بيت فوطأ له شيخنا الامام العالم الحاج الأبر سيدي أبو العباس أحمد محمد بن القاضي ﵀ ببيتين آخرين قبله وهما هذان
ألا إن اغتياب الناس ذنب
عظيم الوصف من أردى المناكر
فحب غيبة إلا حروفا
ببيت جاء عن بعض الأكابر
تظلم واستغث واستفت حذر
وعرف بدعة فسق المجاهر
ثم قال الإمام الجزولي ودواء الغيبة في التفكر بالوعيد الوارد فيها من تبديد حسناته وغيره وبالتفكر في عيوب نفسه فيشغله ذلك عن عيوب الناس قال صلى الله تعالى عليه وسلم «طوبى لعبد شغلته عيوبه عن عيوب الناس» وبالصمت أيضاً والنميمة هي أن ينقل الانسان من غيره إلى غيره ما يكره المنقول فيه سماعه أو المنقول عنه التحدث به سواء كان ذلك بالكلام أو بغيرهما وهي محرمة بالكتاب والسنة وبالاجماع قال تعالى ﴿لا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم﴾ وقال ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ وهو الذي يعيب الناس ويفسد بينهم وقال ﷺ «أشد الناس عذاباً يوم القيامة المشاءون بالنميمة والقطاعون بين الاخوان» وقال «لا يدخل الجنة قتات» والقتات النمام والاجماع على تحريمها لأنها تؤدي إلى التقاطع والتدابر المنهي عنهما وقال ﷺ «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله اخوانا» ومن نقل ما يكره فيجب عليه خمسة أشياء: أن لا يصدق الناقل لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين
стр. 559
آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وأن ينهاه عن ذلك لأنه من باب النهي عن المنكر وأن يبغضه في الله تعالى لأن الله تعالى يبغض النمام والحب في الله والبغض في الله من الإيمان وأن لا يفحص عن حقيقة ما قاله له لقوله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ وهذا تجسس وأن لا يعاقب بذلك المنقول عنه لأن في ذلك نميمة/ الشيخ: فكيف يحب الانسان ويعتقد أنه ناصح له كما هو في زماننا من ينقل إليه ما يكره ويوجب عليه خمس مسائل كما تقدم، وقد روي عن بعض الصالحين أنه دخل عليه رجل فقال له: ان فلاناً قال فيك كذا وكذا فقال له يا هذا طالت غيبتك عني وألزمتني ثلاثة أشياء شوشتني وشغلت خاطري بعد أن كان فارغاً وبغضت إلي أخي بعد أن كان حبيبي وأدخلتني الشك فيك بعد أن كنت عندي مأموناً
الشيخ: النميمة أشد من الغيبة لأن فيها الغيبة وزيادة كذلك يحرم أنواع سائر الباطل ككثرة المزاح لأنه يؤدى إلى ذهاب الهيبة والوقار ولذا قال بعض الحكماء لا تمازح الشريف فيحرقك ولا الدنيء فيتجاسر عليك ومن الباطل تزكية الانسان نفسه وذم الطعام بل إن أعجبه أكله وإلا تركه واللعنة فلا يجوز لعن إنسان معين وإن كان كافراً وأما لعن الجنس فيجوز لخبر لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده وقد ذكر الامام أبو حامد الغزالي ﵁ من أنواع الباطل المتعلقة باللسان عشرين آفة
الأولى الكلام فيما لا يعني وهو ما لا يعود على الانسان منفعة لا في دنياه ولا في آخرته ولذا قيل إن العاقل لا ينبغي له أن يرى إلا ساعيا في تحصيل حسنة لمعاده أو درهم لمعاشه، وقال بعض الحكماء من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يغنيه
والثانية فضول الكلام كتكرار ما لا فائدة في تكراره والاتيان بالألفاظ المستغنى عنها وذكر الله في غير محل التعظيم كقوله الهم أخر هذا الكلب أو الحمار وفضول الكلام لا تنحصر بل المهم محصور في قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف
والثالثة الخوض في الباطل مثل حكايات أحوال النساء ومجالس أهل الخمر ومقامات
стр. 560
الفساق وتنعم الاغنياء وتجبر الملوك
والرابعة المراء والجدال في الدين
والخامسة الخصومة واللدده
السادسة التصنع في الكلام بتكلف السجع ونحوه.
والسابعة السب والفحش.
والثامنة اللعن لانسان أوحيوان أو جماد.
والتاسعة الغناء والشعر.
والعاشرة كثرة المزاح والافراط منه
والحادية عشرة الاستهزاء والسخرية ويكون بالأقوال والأفعال والمحاكاة.
والثانية عشرة إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من التهاون.
والثالثة عشرة الوعد الكذوب إذ هو من علامات النفاق.
والرابعة عشر الكذب وأحرى في اليمين
والخامسة عشر الغيبة.
والسادسة عشرة النميمة.
والسابعة عشرة كلام ذي اللسانين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه.
والثامنة عشرة المدح لما قد يكون فيه من الكذب والرياء ومدح الظالم ولما يدخل على الممدوح من الكبر والعجب والرضا عن النفس ونحو ذلك.
والتاسعة عشرة الغفلة عن دقائق الخطأ في بحر الكلام لا سيما ما يتعلق بالله وصفاته مثاله ما روى حذيفة قال رسول الله ﷺ «لايقل أحدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت» وذلك لأن العطف بالواو يوهم التشريك وقال ﵊ «لاتقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم
стр. 561
ربكم» وقال ﷺ «من قال أنا بريء من الاسلام فإن كان صادقا فهو كما قال أو كاذباً فلا يرجع إلى الاسلام سالماً».
العشرون سؤال العوام عن غير ما كلفوا به من علم العقائد كسؤالهم عن الحروف هل هي قديمة أو حادثة ونحو ذلك اهـ باختصار وبعضه بالمعنى وقد كنت حالة قراءة هذا المحل من الرسالة لفقت في هذه الآفات أبياتاً لتحفظ وهي هذه:
وللكلام من الآفات فاستمعن
عشرون خذ عدها عن عالم رجل
ما ليس يعنيك والفضول فاجتنبن
والخوض في باطل مراء مع جدل
خصومة وتصنع الكلام وزد
سباً ولعناً غنا كشاعر محل
مزح وسخرية وعد كذوب كذا
إفشاء سر مع الكذاب ذي الحيل
نميمة غيبة مدح يضاف لها
ومن له فاعلمن وجهان كالجبل
والسهو عن خطايا لدى الكلام وزد
شغل ذوي الجهل بالتوحيد والعلل
من غير ما كلفوا خوضاً به وهنا
قد ما رمت بالتفصيل والجمل
ويستعان على السلامة من هذه الأشياء بالخلوة ومجانبة الناس وبالصمت ففي الحديث من صمت نجا وفي الصمت حكمة وقليل فاعله قيل للسلامة عشرة أجزاء منها في الصمت وقال بعض الحكماء في الصمت سبعة آلاف خير وقد جمع ذلك في سبع كلمات في كل كلمة ألف خير وهي حصن من غير حائط، زينة من غير حلى، راحة الكرام الكاتبين، هيبة من غير سلطان، ستر العيوب، عبادة من غير عناء، الاستغناء عن الاستعذار إلى أحد، وقد كنت لفقت في ذلك بيتين وهما قولنا
وفي الصمت حسن ثم زينة راحة
كذا هيبة ستر عبادة واستغنا
وفي كلها ألف من الخير فاعلمن
فتبلغ سبعاً من ألوف بلا عنا
وأشرت بقولنا بلا عنا أن الصمت الجامع لهذا الخير كله لا مشقة فيه ولا كلفة وزينة
стр. 562
وعبادة بالرفع وحذف التنوين للوزن وحذف العاطف في بعض المعاطيف للوزن أيضا قال الشيخ الجزولي وبالجملة فآفات اللسان كثير فينبغي للانسان أن لا يتكلم بكلام حتى يرويه في قلبه فإن كان خيراً قاله وإن كان شراً سكت عنه لأن اللسان ترجمان القلب وجميع ما يتكلم به الانسان على أربعة أقسام قسم ليس فيه إلا المضرة فهذا حرام، وقسم فيه مضرة ومنفعة فهذا كالأول لأن مضرته ذهبت بمنفعته وصار حراماً، وقسم ليس فيه مضرة ولا منفعة فلا ينبغي الاكثار منه لئلا يذهب العمر باطلاً، وقسم ليس فيه إلا المنفعة فهذا هو المطلوب فخرج من هذا أن ثلاثة أرباع الكلام لا خير فيها وليس له من كلامه إلا الرابع اهـ، ولبعضهم على آداب الطالب
ولو يكون القول في القياس
من فضة بيضاء عند الناس
إذا لكان الصمت من عين الذهب
فافهم هداك الله آداب الطلب
وأما حفظ البطن من الحرام المستلزم لأكل الحلال المشار إليه بقول الناظم (يحفظ بطنه من الحرام) فواجب أيضاً بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقد قال تعالى ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ وقال ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ قال ابن عباس قد أمر الله المؤمنين بما أمر به الرسل وقدم تعالى أكل الحلال على صالح الأعمال تنبيهاً على أن الانتفاع بالأعمال لا يتوصل إليه إلا بعد إصلاح الرزق واكتسابه من حله ولهذا قال بعض الحكماء من أكل الحلال أطاع الله أحب أم كره ومن أكل الحرام عصى الله أحب أم كره لأنه إذا أكل الحلال شربت عروقه منه ونشطت للعبادة وإذا أكل الحرام شربت عروقه منه وكسلت عن العبادة وأما السنة فقوله «طلب الحلال فريضة على كل مسلم» وقوله «إن لله ملكاً على بيت المقدس ينادي كل يوم ألا من أكل حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل» قال أبو حامد الصرف النافلةوالعدل الفريضة وقال:
стр. 563
من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة على لسانه ـ وفي رواية أخرى ـ وزهده الله الدنيا وقال من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه. وقال: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به. وقال: أول ما يفقد هذه الأمة [هذه الأمة درهم حلال وأخ صالح». وقال عمر: كنا ندفع أربعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الشبه من الحرام، وإنما الورع في الحلال وأما الحرام فتركه واجب، قيل من أنفق الحرام في طاعة الله كان كمن طهر ثوبه بالبول. وفي التوراة: من لم يبال من أين رمطعمه لم يبال الله من أي باب من أبواب النار أدخله. والإجماع على طلب الحلال فرض عين على كل مكلف، واختلف في الحلال هل هو موجود أم لا؟ فقيل: إنه موجود، وإنما قل طلابه، وقيل: هو ضالة مفقودة للحديث الأخير، ولا يعرف الحلال من الحرام إلا بالعلم.
الشيخ: وينبغي للإنسان أن لا يكثر من طلب المال مخافة أن يكتسب بعضه من الحرام ويجب على المكلف ترك الحرام جملة من غير تفصيل، وأكل الحلال المجمع عليه، فإن لم يجده فالمتفق عليه، فإن لم يجده فالمختلف فيه في المذهب، فإن لم يجده فالمختلف فيه في غير المذهب، فإن لم يجده فكما قال القاسم بن محمد: لو كانت الدنيا كلها حرامًا لما كان لنا بد من العيش. فمن حصل له كسب طيب فأراد شراء قوته فليتلطف في شراء الطيب جهده، فإن بذل جهده واستفرغ طاقته وقع إن شاء الله على ما تسكن إليه نفسه، فإن تعذرت عليه معرفة أصله فشراء الخبز أولى من شراء الدقيق، وشراء الدقيق أولى من شراء الزرع، وشراء الزرع المجلوب أولى من شراء الزرع القريب، واختلف هل يجب عليه السؤال أم لا؟ وعلى القول بوجوبه فلا يقدم على شراء سلعة حتى يسأل عن أصلها، فإن لم يجد من يسأل فلينظر حلية البائع يفحص عن ذلك جهده. قال بعض العلماء: أصول الحلال عشرة: صيد البر، وصيد البحر، وتجارة بصدق، وإجارة]
стр. 564
[بنصح، والفيء إذا قسم على وجهه، وميراث عن أصل طيب، وماء الغدير، وما أنبتته الأرض غير الممتلكة، وهدية من أخ صالح، والسؤال عند الحاجة. اهـ. من الجزولي مختصراً ملفقاً من مواضع ولبعضهم في ذلك:]
ياصاح إن للحلال الحر
عشر أصول وهي صيد البحر
وموت حل وماء الغدر
ثم هدية المحب فادر
من حله الله لا للشكر
وصنعه بالنصح لا بالمكر
والتجر بالصدق وصيد الفقر
ثم السؤال عن شديد الفقر
ونبت أرض لم تكن للغير
والفيء يقسم بغير جور
وانفرد الثعالبي بالمهر
فزاده موافقاً للعشر
لنص تقييد الجزولي الخير
جزاه ربنا كل خير
انتهى ثم قال الإمام الجزولي وأما عدد الوجوه التي يكسب منه المال الحرام فهو أن تقول اعلم أن أخذ أموال الناس من غير حلها على وجهين إما برضا أربابها أو بغير رضاه معشرة أوجه: فعدها ثم قال والذي برضاهم ستة عشر وجها وعدها قال وزاد بعضهم الغرور الخلابة اهـ
وقد كنت حالة قراءة هذا المحل من الرسالة لفقت في هذا أبياتاً لتتم الفائدة بضمها لأبيات أصول الحلال المتقدمة وهي هذه وأخذ مال الغير إما بالرضا
ومن ربه أولا ذا عشراً أرضا
غصبا تعدية حرابة ترى
سرقة وخلة ولا امترا
ثم اقتطاعا ودلالة علم
بكرة ربه خيانة وسم
ثم خديعة وغشاً والذي
مع الرضا فست عشرة احتذى
وهي الربا ثم القمار والرشا
وثمن الجاه وكلب لا تشا
حلوان كاهن ومهر للبغي
وثمن القرد وسنور بغي
عليهما وأجرحجام كذا
ما يأخذ القاضي وشاعر خذا
وثمن الصورة آلة اللعب
نائحة كذا الوصف قد طلب
ثم بدا خلافه زيد الغرر
خلابة والكل يرمي بشرر
стр. 565
إذ كلها أصل الى الحرام
والخلف قل في أجرة الحجام
نقل ذا في شرحه الجزولي
ذو العلم بالفروع والأصول
عامله الإله باللطف الخفي
بفضله ولم يزل بنا حفى
والاقتطاع أي باليمين الكاذبة والدلالة أي أخذ مال الغير بالاستدلال عليه لصحبة ونحوها إن علم طيب نفس صاحب المال بذلك فهو حلال وإن علم أن نفسه لا تطيب به أو جهل فهو حرام وكذا ما يؤخذ على وجه الحياء ووصف الكلب بجملة (لا تشا) لإفادة أن المراد به الذي لا يجوز اتخاذه وقيل ثمنه حرام مطلقا وسنور بالخفض عطف على القرد ومعنى بغى عليهما أي ظلماً بالبيع تكميلا للبيت وآلة نائحة بالخفض عطف على الصور مدخول الثمن وآلة اللعب الملاهي كالعود ونحوه والثمن بالنسبة الى الصورة وآلة اللهو حقيقة وبالنسبة للنائحة المراد به الأجرة والذي أعطى لوصف مطلوب وجوده ثم بدا عدمه وهو كان يعطي على أنه عالم فإذا به جاهل وأشرت بقولي يرمي بشرر إلى التنفير عن هذه الأشياء والبعد عنها وحفي بالحاء المهملة أي مكرم خبر زال ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويدخل في حفظ البطن من الحرام ما حرم أكلها كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة وما ذكر معها في الآية إذا أنفذت مقاتلها أو لم تنفذ وأيس من حياتها على خلاف في التي لم تنفذ مقاتلها وكذا الخمر وغيره من المسكرات قليلها وكثيرها والحشيشة كذلك وأما الأفيون وغيره من المفسدات فلا يحرم منه الا القدر المؤثر في العقل ويجوز استعمال اليسير منه الذي لا يؤثر لدواء ونحوه وقد اختلفت فتاوى شيوخنا فمن قبلهم من قرب عصره في استفاف دخان العشبة المسماة على لسان متعاطيها بطابة فمنهم من شدد المنع في ذلك ومنهم من أجازه لمن احتاج له لمرض ونحوه ولم يقطع بتحريمها
(تنبيه) لا خصوصية للبطن في بالحفظ من الحرام بل وكذلك سائر الجسد فكما لا يحل لك أن تأكل إلا طيباً أي حلالاً فكذلك لا يحل لك أن تلبس إلا طيباً ولا تسكن إلا طيباً ولا تركب إلا طيباً ويجب عليك أن تستعمل سائر ما تنتفع به طيباً كما في الرسالة وأما ترك المشبهات فمطلوب أيضاً وزاد الناظم قوله بالاهتمام أي بقصد ونية ليفيد الوجه الأكمل وأن الثواب إنما يحصل في المتروك مع النية لا بمجرد الترك فمن ترك محرماً أو متشابهاً بنية الامتثال أثيب على تركه ومن تركه ولم يخطر بباله فلا ثواب له والأصل في ترك المشبهات ما أخرجه أهل الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا
следующие страницы →