← Фикх малики

Фикх малики · id 14249

الدر الثمين والمورد المعين

ميارة

Полный текст (614 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ربكم» وقال ﷺ «من قال أنا بريء من الاسلام فإن كان صادقا فهو كما قال أو كاذباً فلا يرجع إلى الاسلام سالماً». العشرون سؤال العوام عن غير ما كلفوا به من علم العقائد كسؤالهم عن الحروف هل هي قديمة أو حادثة ونحو ذلك اهـ باختصار وبعضه بالمعنى وقد كنت حالة قراءة هذا المحل من الرسالة لفقت في هذه الآفات أبياتاً لتحفظ وهي هذه: وللكلام من الآفات فاستمعن عشرون خذ عدها عن عالم رجل ما ليس يعنيك والفضول فاجتنبن والخوض في باطل مراء مع جدل خصومة وتصنع الكلام وزد سباً ولعناً غنا كشاعر محل مزح وسخرية وعد كذوب كذا إفشاء سر مع الكذاب ذي الحيل نميمة غيبة مدح يضاف لها ومن له فاعلمن وجهان كالجبل والسهو عن خطايا لدى الكلام وزد شغل ذوي الجهل بالتوحيد والعلل من غير ما كلفوا خوضاً به وهنا قد ما رمت بالتفصيل والجمل ويستعان على السلامة من هذه الأشياء بالخلوة ومجانبة الناس وبالصمت ففي الحديث من صمت نجا وفي الصمت حكمة وقليل فاعله قيل للسلامة عشرة أجزاء منها في الصمت وقال بعض الحكماء في الصمت سبعة آلاف خير وقد جمع ذلك في سبع كلمات في كل كلمة ألف خير وهي حصن من غير حائط، زينة من غير حلى، راحة الكرام الكاتبين، هيبة من غير سلطان، ستر العيوب، عبادة من غير عناء، الاستغناء عن الاستعذار إلى أحد، وقد كنت لفقت في ذلك بيتين وهما قولنا وفي الصمت حسن ثم زينة راحة كذا هيبة ستر عبادة واستغنا وفي كلها ألف من الخير فاعلمن فتبلغ سبعاً من ألوف بلا عنا وأشرت بقولنا بلا عنا أن الصمت الجامع لهذا الخير كله لا مشقة فيه ولا كلفة وزينة

стр. 562

وعبادة بالرفع وحذف التنوين للوزن وحذف العاطف في بعض المعاطيف للوزن أيضا قال الشيخ الجزولي وبالجملة فآفات اللسان كثير فينبغي للانسان أن لا يتكلم بكلام حتى يرويه في قلبه فإن كان خيراً قاله وإن كان شراً سكت عنه لأن اللسان ترجمان القلب وجميع ما يتكلم به الانسان على أربعة أقسام قسم ليس فيه إلا المضرة فهذا حرام، وقسم فيه مضرة ومنفعة فهذا كالأول لأن مضرته ذهبت بمنفعته وصار حراماً، وقسم ليس فيه مضرة ولا منفعة فلا ينبغي الاكثار منه لئلا يذهب العمر باطلاً، وقسم ليس فيه إلا المنفعة فهذا هو المطلوب فخرج من هذا أن ثلاثة أرباع الكلام لا خير فيها وليس له من كلامه إلا الرابع اهـ، ولبعضهم على آداب الطالب ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاء عند الناس إذا لكان الصمت من عين الذهب فافهم هداك الله آداب الطلب وأما حفظ البطن من الحرام المستلزم لأكل الحلال المشار إليه بقول الناظم (يحفظ بطنه من الحرام) فواجب أيضاً بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقد قال تعالى ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾ وقال ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ وقال ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ قال ابن عباس قد أمر الله المؤمنين بما أمر به الرسل وقدم تعالى أكل الحلال على صالح الأعمال تنبيهاً على أن الانتفاع بالأعمال لا يتوصل إليه إلا بعد إصلاح الرزق واكتسابه من حله ولهذا قال بعض الحكماء من أكل الحلال أطاع الله أحب أم كره ومن أكل الحرام عصى الله أحب أم كره لأنه إذا أكل الحلال شربت عروقه منه ونشطت للعبادة وإذا أكل الحرام شربت عروقه منه وكسلت عن العبادة وأما السنة فقوله «طلب الحلال فريضة على كل مسلم» وقوله «إن لله ملكاً على بيت المقدس ينادي كل يوم ألا من أكل حراماً لم يقبل منه صرف ولا عدل» قال أبو حامد الصرف النافلةوالعدل الفريضة وقال:

стр. 563

من أكل الحلال أربعين يوماً نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة على لسانه ـ وفي رواية أخرى ـ وزهده الله الدنيا وقال من اشترى ثوباً بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه. وقال: كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به. وقال: أول ما يفقد هذه الأمة [هذه الأمة درهم حلال وأخ صالح». وقال عمر: كنا ندفع أربعين باباً من الحلال مخافة الوقوع في الشبه من الحرام، وإنما الورع في الحلال وأما الحرام فتركه واجب، قيل من أنفق الحرام في طاعة الله كان كمن طهر ثوبه بالبول. وفي التوراة: من لم يبال من أين رمطعمه لم يبال الله من أي باب من أبواب النار أدخله. والإجماع على طلب الحلال فرض عين على كل مكلف، واختلف في الحلال هل هو موجود أم لا؟ فقيل: إنه موجود، وإنما قل طلابه، وقيل: هو ضالة مفقودة للحديث الأخير، ولا يعرف الحلال من الحرام إلا بالعلم. الشيخ: وينبغي للإنسان أن لا يكثر من طلب المال مخافة أن يكتسب بعضه من الحرام ويجب على المكلف ترك الحرام جملة من غير تفصيل، وأكل الحلال المجمع عليه، فإن لم يجده فالمتفق عليه، فإن لم يجده فالمختلف فيه في المذهب، فإن لم يجده فالمختلف فيه في غير المذهب، فإن لم يجده فكما قال القاسم بن محمد: لو كانت الدنيا كلها حرامًا لما كان لنا بد من العيش. فمن حصل له كسب طيب فأراد شراء قوته فليتلطف في شراء الطيب جهده، فإن بذل جهده واستفرغ طاقته وقع إن شاء الله على ما تسكن إليه نفسه، فإن تعذرت عليه معرفة أصله فشراء الخبز أولى من شراء الدقيق، وشراء الدقيق أولى من شراء الزرع، وشراء الزرع المجلوب أولى من شراء الزرع القريب، واختلف هل يجب عليه السؤال أم لا؟ وعلى القول بوجوبه فلا يقدم على شراء سلعة حتى يسأل عن أصلها، فإن لم يجد من يسأل فلينظر حلية البائع يفحص عن ذلك جهده. قال بعض العلماء: أصول الحلال عشرة: صيد البر، وصيد البحر، وتجارة بصدق، وإجارة]

стр. 564

[بنصح، والفيء إذا قسم على وجهه، وميراث عن أصل طيب، وماء الغدير، وما أنبتته الأرض غير الممتلكة، وهدية من أخ صالح، والسؤال عند الحاجة. اهـ. من الجزولي مختصراً ملفقاً من مواضع ولبعضهم في ذلك:] ياصاح إن للحلال الحر عشر أصول وهي صيد البحر وموت حل وماء الغدر ثم هدية المحب فادر من حله الله لا للشكر وصنعه بالنصح لا بالمكر والتجر بالصدق وصيد الفقر ثم السؤال عن شديد الفقر ونبت أرض لم تكن للغير والفيء يقسم بغير جور وانفرد الثعالبي بالمهر فزاده موافقاً للعشر لنص تقييد الجزولي الخير جزاه ربنا كل خير انتهى ثم قال الإمام الجزولي وأما عدد الوجوه التي يكسب منه المال الحرام فهو أن تقول اعلم أن أخذ أموال الناس من غير حلها على وجهين إما برضا أربابها أو بغير رضاه معشرة أوجه: فعدها ثم قال والذي برضاهم ستة عشر وجها وعدها قال وزاد بعضهم الغرور الخلابة اهـ وقد كنت حالة قراءة هذا المحل من الرسالة لفقت في هذا أبياتاً لتتم الفائدة بضمها لأبيات أصول الحلال المتقدمة وهي هذه وأخذ مال الغير إما بالرضا ومن ربه أولا ذا عشراً أرضا غصبا تعدية حرابة ترى سرقة وخلة ولا امترا ثم اقتطاعا ودلالة علم بكرة ربه خيانة وسم ثم خديعة وغشاً والذي مع الرضا فست عشرة احتذى وهي الربا ثم القمار والرشا وثمن الجاه وكلب لا تشا حلوان كاهن ومهر للبغي وثمن القرد وسنور بغي عليهما وأجرحجام كذا ما يأخذ القاضي وشاعر خذا وثمن الصورة آلة اللعب نائحة كذا الوصف قد طلب ثم بدا خلافه زيد الغرر خلابة والكل يرمي بشرر

стр. 565

إذ كلها أصل الى الحرام والخلف قل في أجرة الحجام نقل ذا في شرحه الجزولي ذو العلم بالفروع والأصول عامله الإله باللطف الخفي بفضله ولم يزل بنا حفى والاقتطاع أي باليمين الكاذبة والدلالة أي أخذ مال الغير بالاستدلال عليه لصحبة ونحوها إن علم طيب نفس صاحب المال بذلك فهو حلال وإن علم أن نفسه لا تطيب به أو جهل فهو حرام وكذا ما يؤخذ على وجه الحياء ووصف الكلب بجملة (لا تشا) لإفادة أن المراد به الذي لا يجوز اتخاذه وقيل ثمنه حرام مطلقا وسنور بالخفض عطف على القرد ومعنى بغى عليهما أي ظلماً بالبيع تكميلا للبيت وآلة نائحة بالخفض عطف على الصور مدخول الثمن وآلة اللعب الملاهي كالعود ونحوه والثمن بالنسبة الى الصورة وآلة اللهو حقيقة وبالنسبة للنائحة المراد به الأجرة والذي أعطى لوصف مطلوب وجوده ثم بدا عدمه وهو كان يعطي على أنه عالم فإذا به جاهل وأشرت بقولي يرمي بشرر إلى التنفير عن هذه الأشياء والبعد عنها وحفي بالحاء المهملة أي مكرم خبر زال ووقف عليه بالسكون على لغة ربيعة ويدخل في حفظ البطن من الحرام ما حرم أكلها كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة وما ذكر معها في الآية إذا أنفذت مقاتلها أو لم تنفذ وأيس من حياتها على خلاف في التي لم تنفذ مقاتلها وكذا الخمر وغيره من المسكرات قليلها وكثيرها والحشيشة كذلك وأما الأفيون وغيره من المفسدات فلا يحرم منه الا القدر المؤثر في العقل ويجوز استعمال اليسير منه الذي لا يؤثر لدواء ونحوه وقد اختلفت فتاوى شيوخنا فمن قبلهم من قرب عصره في استفاف دخان العشبة المسماة على لسان متعاطيها بطابة فمنهم من شدد المنع في ذلك ومنهم من أجازه لمن احتاج له لمرض ونحوه ولم يقطع بتحريمها (تنبيه) لا خصوصية للبطن في بالحفظ من الحرام بل وكذلك سائر الجسد فكما لا يحل لك أن تأكل إلا طيباً أي حلالاً فكذلك لا يحل لك أن تلبس إلا طيباً ولا تسكن إلا طيباً ولا تركب إلا طيباً ويجب عليك أن تستعمل سائر ما تنتفع به طيباً كما في الرسالة وأما ترك المشبهات فمطلوب أيضاً وزاد الناظم قوله بالاهتمام أي بقصد ونية ليفيد الوجه الأكمل وأن الثواب إنما يحصل في المتروك مع النية لا بمجرد الترك فمن ترك محرماً أو متشابهاً بنية الامتثال أثيب على تركه ومن تركه ولم يخطر بباله فلا ثواب له والأصل في ترك المشبهات ما أخرجه أهل الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا

стр. 566

يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب قال الإمام ابن حجر الهيتمي في الأربعين للنووي الحلال ما نص الله أو الرسول أوالمسلمون على تحليله بعينه أو جنسه ومنه أيضاً ما لم يعلم فيه منع على أسهل القولين والحرام ما نص أو أجمع على تحريمه بعينه أو جنسه على أن فيه حدا أو تعزيزاً أو وعيداً ثم قال والمشتبه به هو كل ما ليس بواضح الحل والحرمة مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني والأسباب فبعضها يعضده دليل الحلال وبعضها يعضده دليل الحرام ومن ثم فسر أحمد واسحق وغيرهما والمشتبه بما احتار فيه وفسره أحمد مرة باختلاط الحلال والحرام ثم الحصر في ثلاثة صحيح لأنه إن نص أو أجمع على الفعل الحلال أو على المنع جازماً فالحرام أو سكت عنه أو تعارض فيه نصان ولم يعلم المتأخر منهما فالمشتبه ثم ذكر كلاماً عجيباً في بيان المشتبه تركته لطوله فراجعه إن شئت وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: وحاصل ما فسر به العلماء المشبهات أربعة أشياء أحدها تعارض الأدلة، [والثاني: اختلاف العلماء وهي منتزعة من الأولى. والثالث: أن المراد بها قسم المكروه؛ لأنه يجتذبه جانباً الفعل والترك. والرابع: أن المراد بها، المباح ولا يمكن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفين من كل وجه بل يمكن حمله على ما يكون من قسم خلاف الأولى بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجع الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج. اهـ. وفي جواز الإقدام عليها قولان: قال الجزولي: وقد اختلف في المتشابه فقيل: مباح؛ لقوله تعالى: "وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" [البقرة: ٢٩]، وقيل: حرام كقوله تعالى: "أحل لكم الطيبات" [المائدة: ٥]. ومن العلماء من توقف فيه. اهـ. وأما قوله ﷺ في الحديث المتقدم: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام» فمعناه أنه بصدد الوقوع في الحرام لا من أكثر تعاطيها ربما صادف الحرام المحض، وإن لم يتعمده لا أن من ارتكب مشتبهاً فعل حرامًا، لكن الأولى تركه ليبرأ الدين والعرض كما قال ﷺ . وقد تقدم في شرح قوله: وحاصل التقوى اجتناب وامتثال، عن ابن جزي أن ترك الشبهات هو مقام الورع وهي الدرجة الثالثة من درجات التقوى، وحديث النعمان هذا]

стр. 567

[أحد الأحاديث الأربع التي مدار الإسلام، والثاني: قوله ﷺ : «ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»، والثالث: قوله ﷺ : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». والرابع: قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى» ولبعضهم فيها: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية اتق الشبهات وازهد ... ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية وأما حفظ الفجر وحفظ اليد من البطش بها لممنوع يريده، وحفظ الرجل من السعي لممنوع يريده المشار إليه بقول الناظم: يحفظ فرجه ويتقي الشهيد ... في البطش والسعي لممنوع يريد] فواجب أيضاً ومعنى يتقي يحذر والشهيد فعيل بمعنى فاعل أي الحاضر وهو الله تعالى وفي البطش يتعلق بيتقي والبطش التناول والأخذ الشديد، والسعي عطف على في البطش ولممنوع يتنازع فيه البطش والسعي وجملة يريد صفة لممنوع، قال في الرسالة: ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك قال الله تعالى ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ الجزولي: قوله من مال أو جسد أو دم ذكر ثلاثة أشياء فلا يحل أخذ مال الغير ولا قتله ولا جرحه ولا مباشرة جسده لا بالفرج ولا باليد إلا أن مباشرة الفرج أشد من مباشرة الجسد وهذا في غير المرأة المتزوجة وأما الرجال فيما بينهم فلا يباشر فرجه بفرجه ولا بيده ولا يجوز له مباشرة جسده بيده إلا أن يقصد بذلك اللذة فيمنع وكذا يجب أن يكف يده عن أن يكتب بظلم

стр. 568

أحد أو بقتله ولا يجوز إعانة هذا الكاتب بشيء من آلات الكتابة وكذا يكف يده عن الكتب للظالم إذا مدحه أو قال فيه ما ليس فيه وكما لا يحل لك أن تسعى بقدميك فيما لا يحل لك كمشيك في حائط غيرك أو فدانه إذا كان يتضرر من ذلك فكذلك لا يحل لك أن تسعى بهما إلى ما لا يحل لك من زنى أو غصب أو غيره ومن السعي المحرم السعي إلى أبواب الظلمة لقوله ﵊ من تواضع لغني لأجل غناه فقد ذهب ثلثا دينه قال أبو عمر للغني الشاكر فما بالك بغيره ولأن في وقوفه هناك إعانة لهم على فعلهم وأما لحوائج المسلمين ومنافعهم فجائز وكذلك للمداراة على نفسه والدفع عنها/الشيخ: ويؤخذ من الآية فوائد الأولى تحريم المتعة وهي أن يعير الأمة مدة لمن يستمتع بها ثم يردها وشذ من قال بجوازها من العلماء الثانية تحريم الاستمناء باليد وفي جوازه ومنعه وكراهته ثلاثة أقوال الثالث تحريم ما يفعله شرار النساء من المساحقة وهي بآلة أشد منها بغيرها ويعاقب من فعل ذلك منهن لأن هذه الثلاثة خارجة عن التزويج وملك اليمين اللذين لا يحل الوطء إلا بهما الرابعة تحريم وطء البهيمة لأن المراد بملك اليمين من الإناث الآدميات فلا يجوز وطء البهيمة ولا يصح ما أشيع عن الشافعية من جواز وطء الذكور بملك اليمين وأما كونه يوقف الأمور أي يقف عنها ولا يرتكبها حيث يجهل حكمها حتى يعلم أي يغلب على ظنه ما حكم الله به في تلك الأمور بالنظر في الأدلة أو في كتب العلم إن كان أهلا لذلك أو بالسؤال لأهل العلم لقوله تعالى ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ وحينئذ يفعل أو يترك فواجب أيضاً لقوله «لايحل لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه» وليس هذا من باب ترك الشبهات المتقدم لأن الشبهات ما اختلف فيه العلماء أو ما تجاذبته الحلية والتحريم فلتاركها لذلك شعور بالحكم في الجملة وتركها ورع كما مر وهذه المسألة فيمن لا شعور له بالحكم أصلاً والتوقف عنها حتى يعلم حكمها واجب فقهاً لا ودعاً والله أعلم قال الإمام شهاب الدين القرافي في الفرق الثالث والتسعين حكى الغزالي في إحياء

стр. 569

علوم الدين والشافعي في رسالته الاجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع ومن آجر وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله تعالى في الاجارة ومن قارض وجب عليه أن يعلم حكم الله تعالى في القراض ومن صلى وجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى في تلك الصلاة وكذا الطهارة وجميع الأعمال والأقوال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد أطاع الله تعالى طاعتين ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين ومن علم ولم يعمل بمقضي علمه فقد [أطاع الله وعصاه معصية، ثم قال: إذا تقرر هذا وأنه لابد من تقدم العلم بما يريد الإنسان أن يشرع فيه، فمثله قوله تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» [الإسراء: ٣٦] فنهى الله تعالى نبيه ﷺ عن اتباع غير المعلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجباً في كل حال، ومنه قوله ﵊: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». قال الشافعي ﵁: العلم قسمان: فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ما عدا ذلك. اهـ. ببعض اختصار. قال الشيخ زروق في قواعده ما معناه: إن وجوب تعلم أحد علم حاله إنما هو بوجه إجمالي يبرئه من الجهل بأصل حكمه بقدر وسعه وما وراء ذلك إنما هو فرض الكفاية، إذ لا يلزمه تتبع المسائل إلا عند النازلة، والله أعلم. وأما تطهير القلب من أمراضه كالرياء والحسد، والعجب، والكبر، والغل، والحقد، والبغي، والغضب لغير الله تعالى، والغش، والسمعة، والبخل، والإعراض عن الحق استكباراً، والخوض فيما لا يغني، والطمع وخوف الفقر، وسخط المقدور، والبطر، وتعظيم الأغنياء لغناهم، الاستهزاء بالفقراء لفقرهم، والفخر، والخيلاء، والتنافس في الدنيا، والمباهاة، والتزين للمخلوقين، والمداهنة، وحب المدح بما لم يفعل، والاشتغال بعيوب الخلق عن عيوبه، ونسيان النعمة، والمحبة والرغبة والرهبة لغير الله تعالى كلها حرام إجماعاً؛ فقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵁: معرفة حدودها وأسبابها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رزق الإنسان قلباً سليماً من هذه الأمراض المحرمة كفاه ولا يلزمه تعلم دوائها، فأما الرياء فهو مشتق من الرؤية والسمعة مشتقة من السماع، والرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بإرادتهم خصال الخير. قال الشيخ الجزولي: وهو حرام موجب لمقت الله تعالى، ودليل تحريمه الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى:]

стр. 570

[يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين» [النساء: ١٤٣]، وقال تعالى: «فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون» الآية [الماعون: ٤] إلى غير ذلك وأما السنة فقوله ﷺ : «لا يقبل الله عملاً فيه ذرة من الرياء» وقال: «الرياء الشرك الأصغر». وقال: «الرياء فيكم أخفى من دبيب النمل على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء». فخافوا من ذلك فقال لهم: «إني أخبركم بما يذهب قليل ذلك وكثيره، وهو أن تقول: اللهم إني أعوذ بك من أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم». وقيل لمعاذ: حدثنا! حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ فبكى حتى ظننا أنه لا يسكت، فسكت ثم قال: قال لي: «يا معاذ» قلت: لبيك بأبي وأمي أنت يا رسول الله؛ فقال: «إني أحدثك بحديث فإن حفظته نفعك وإن لم تحفظه وضيعته انقطعت حجتك يوم القيامة، يا معاذ إن الله تعالى جعل مصاعد أعمال بني آدم السموات السبع، وجعل على كل مصعد ملكاً لا يصعد بشيء من الأعمال إلا عليهم فتصعد الحفظة بعمل صالح فيما يظهر لهم؛ لأنهم لا يعلمون الغيب، فإذا انتهت إلى سماء الدنيا قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من يغتاب الناس يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه من الغيبة ووصلوا إلى السماء الثانية قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب النميمة أمرني ربي أن لا أدع عمل صاحب النميمة يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه من الغيبة والنميمة فوصلوا إلى السماء الثالثة يقول الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب الكبر أمرني ربي أن لا أدع عمل من يتكبر على الناس يجاوزني إلى غيري، فإذا صعد بعمل سلم صاحبه من الغيبة والنميمة والكبر، فوصلوا به إلى السماء»]

стр. 571

[الرابعة قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب العجب أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه مما تقدم ووصلوا به إلى السماء الخامسة قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا صاحب الحسد أمرني ربي أن لا أدع عمل صاحبه يجاوزني إلى غيري. فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه مما تقدم ووصلوا إلى السماء السادسة قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل واضربوا به وجه صاحبه أنا ملك الرحمة أمرني ربي أن لا أدع عمل من لا يرحم عباد الله يجاوزني إلى غيري، فإذا صعدوا بعمل سلم صاحبه مما تقدم ووصلوا به إلى السماء السابعة وله دوي كدوي النحل وضوء كضوء الشمس معه ثلاث آلاف ملك قال لهم الملك الموكل بها: ردوا هذا العمل بعمل سلم صاحبه مما تقدم وقطعوا به الحجب وضعوه بين يدي الله تعالى قال لهم: أنتم الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على نفسه، وأنه لم يردني بالعمل وأراد به غيري ردوه عليه فعليه لعنتي؛ فتقول الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا، فتلعنه السموات السبع ومن فيهن». وقال ﷺ : «إذا راءى العبد بعمله يقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي كيف يستهزيء بي ولا يستحي مني»، والإجماع على أن الرياء حرام وعلامات الرياء ثلاث: الكسل، والتقليل من العمل في الوحدة، والنشاط وتكثير العمل بين الناس والزيادة في العمل إذا أثنى عليه والنقص منه إذا ذم. وأما معالجته وتطهير القلب منه فهو بأن يزيل من قلبه أربعة أشياء: حب المحمدة وخوف المذمة واستجلاب المنفعة ودفع المضرة، ويعلم أن النافع والضار إنما هو الله تعالى، وأنه لو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ينفعوه مما لا يقدره الله له لم يقدروا على ذلك وكذلك عكسه، فإذا اعتقد ذلك تقوى يقينه وسلم من الرياء، ولو دخل على الإنسان الرياء في أثناء العبادة فالمشهور أنه لا يأثم، وقيل: إن عالجه وزال فلا إثم عليه، وإن تركه وتمادى أثم.] الشيخ: وقد روي عن بعض العلماء أنه لازم الصف الأول أربعين سنة فلما كان ذات يوم عاقه عائق عنه فصلى في الصف الأخير فأصابه من ذلك خجل فأعاد كل ما صلى في الصف الأول لما رأى أنه دخله في ذلك الرياء الشيخ: وقد يدخل على الانسان الرياء في بيته وهو وحده مثل أن ينطر في كتبه فيجد فيها مسألة غريبة أو مشكلة فيحفظها ليلقيها على غيره فيمدح بذلك ولذلك قال «تخوفت على أمتي الشرك أما أنهم لا يعبدون

стр. 572

صنماً ولا وثناً ولا شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولكنهم يراءون بأعمالهم» انتهى ببعض اختصار وأما الحسد فقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵁ اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسداً فحد الحسد كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه الحالة الثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكنك تشتهي لنفسك مثلها وهذه الحالة تسمى غبطة وقد تسمى حدا كما يسمى الحسد غبطة ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني وقد قال ﷺ «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» فالحسد حرام إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر فهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وأذية الخلق فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فسادها لم يغمك تنعمه ويدل على تحريم الحسد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وقال ﷺ في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا» وقال زكريا صلوات الله وسلامه عليه. وقال الله تعالى [حم] الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي. وقال ﷺ . «أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا ويقتتلوا» قال بعض السلف إن أول خطيئة كانت هي الحسد حسد إبليس آدم أن يسجد له فحمله الحسد على المعصية وأما الغبطة والمنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة وإما

стр. 573

مندوب إليها أو مباحة ثم قال وأما بيان الدواء الذي ينفى به مرض الحسد عن القلب فاعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقاً أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر به على المحسود في الدنيا والدين ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته واستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان وناهيك بها جناية على الدين ثم قال: وأما كونه ضرراً عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك وتتعذب به ولا تزال في كمد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تصرف عنهم فتبقى مغموماً محزوناً كما تشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزتها في الحال نقد لنفسك، ولا تزال النعمة على المحسود يحسدك وأما كونه لا ضرر فيه على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدر الله من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله تعالى ولا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب ولذلك شكا نبي من الأنبياء ﵈ امرأة ظالمة مستولية على الخلق فأوحى الله تعالى إليه فر من قدامها حتى تنقضي أيامها أي ما قدرناه في الأزل فلا سبيل إلى تغييره فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام اقبالها فيها ومهما لم تزل النعمة بالجسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا كان عليه إثم في الآخرة اهـ، ولبعضهم في الحسد ألا قل لمن ظل لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب فجزاك عني بأن زادني وسد عليك وجوه الطلب [/شع [ وقال آخر عداتي لهم فضل علي ومنة فلا أذهب عني الرحمن الأعاديا [/شع [ هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا [/شع [ وقال آخر لا مات أعداؤك بل خلدوا حتى يروا منك الذي يكمد [/شع [ لا زلت محسوداً على نعمة فإنما الكامل من يحسد [/شع [

стр. 574

وأما العجب فقال في الإحياء أيضا: اعلم أن العجب إنما يكون بوصف هو كمال لا محالة وللعالم في كمال نفسه في علم وعمل ومال وغيره حالتان إحداهما أن يكون خائفاً على زواله مشفقاً على تكدره أو سلبه من أصله فهذا ليس بعجب والأخرى أن لا يكون خائفاً من زواله ولكن يكون فرحا به من حيث أنه نعمة من الله تعالى عليه من حيث إضافته إلى نفسه وهذا أيضا ليس بعجب وله حالة ثالثة وهي العجب وهي أن يكون غير خائف عليه بل يكون فرحاً به مطمئناً إليه ويكون فرحه من حيث إنه كمال ونعمة ورفعة وخير لا من حيث إنه عطية من الله تعالى ونعمة منه فيكون فرحه من حيث إنه صفته ومنسوب إليه بأنه له لا من حيث أنه منسوب إلى الله تعالى بأنه منه فمتى غلب على قلبه أنه نعمة من الله تعالى مهما شاء سلبه زال العجب بذلك عن نفسه فإذا العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم وهو مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال تعالى وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم، وقال ﷺ ثلاث مهلكات وثلاث منجيات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه وقال لأبي ثعلبة إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك وقال ابن مسعود ﵁: الهلاك في اثنين العجب والقنوط، وقال مطرف لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أبيت قائماً وأصبح معجباً، وقال ﷺ لو لم تذنبوا لخشيت عليكم أكبر من ذلك العجب فجعل العجب أكبر من الذنوب وقيل لعائشة ﵂ متى يكون الرجل مسيئاً فقالت إذا ظن أنه محسن

стр. 575

وآفات العجب كثيرة لأنه يدعو إلى الكبر إذ العجب أحد أسبابه فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى، هذا مع العباد وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها بنسيانها وما يتذكره منها يستصغره فلا يجتهد في تداركها وتلافيها بل يظن أنها تغفر له، وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويمن على الله بفعلها وينسى نعمة الله تعالى عليه بالتوفيق إليها والتمكن منها ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها ومن لا يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعاً فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع وإنما يتفقد من يغلب عليه الخوف دون العجب والمعجب يغتر بنفسه وربه تعالى، ويأمن مكر الله تعالى وعذابه ويظن أنه عند الله تعالى بمكان وأن له عنده حقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه وعطية من عطاياه، وعلة العجب الجهل المحض فعلاجه المعرفة المضادة للجهل فقط إذ لامعنى لعجب العبد بعبادته وعجب لعالم بعلمه وعجب الجميل بجماله وعجب الغني بغناه لأن ذلك كله من الله تعالى والعبد إنما هو محل لفيضان فضل الله تعالى وجوده والمحل أيضا من وجوده وفضله اهـ باختصار والفرق بينه وبين الكبر الذي هو خلق في النفس هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه أن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به والعجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده لتصور أن يكون معجباً ولا يتصور أن يكون متكبراً إلا أن يكون معه غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال فعند ذلك يكون يكون التكبر ومن أراد استقصاء حقائق أمراض القلب وأسبابها وعلاجها لتطهير القلب منها وما ورد في ذمها فعليه بالربع الثالث من كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وهو ربع المهلكات فإنه يجد من ذلك ما يشفي العليل ويبرد الغليل وَاعْلَمْ بأَنَّ أَصْلَ ذِي الآفاتِ حُبُّ الرِّياسَةِ وَطَرْحُ الآتِي رَاسُ الخَطَايا هُوَ حُبُّ الْعاجِلَهْ لَيْسَ الدُّوَا إِلاّ في الاِضْطِرَارِ لَهْ أخبر أن أصل هذه الآفات أي آفات القلوب وهي أمراضها التي يطلب من الأنسان تطهير قلبه منها مثل الكبر والحسد وغيرهما كما تقدم إنما هو حب الرياسة في الدنيا الذي قيل فيه إنه آخر ما ينزع من قلوب الصديقين ونسيان الآخرة وعنه عبر بطرح الآتي كما استدل على ذلك بقوله «حب الدنيا رأس كل خطيئة» وعن الدنيا عبر بالعاجلة قال الله تعالى ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا﴾ الآية ولماذكر أن

стр. 576

أصل الآفات هو الدنيا بدليل الحديث المتقدم أرشدك إلى أن دواء تلك الآفات والمختص منها هو في اللجوء والاضطرار إليه في التغلب على النفس ومخالفة هواها وسوقها إلى الطاعة وهي تنفر وتميل إلى المعصية لأن ذلك طبعها قال الله تعالى ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾ وقال تعالى ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ وقد سمى جهاد النفس الجهاد الأكبر لأن مشقة جهاد النفس دائمة ومشقة جهاد العدو في وقت دون وقت لأن جهاد النفس متصل بالإنسان وجهاد العدو منفصل عنه ولأن جهاد النفس لا يحصل إلا بامتثال جميع المفروضات بخلاف جهاد العدو وأجمع العلماء والحكماء أن لا طريق لسعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى وترك الشهوات وقال «المؤمن من بين خمس شدائد مؤمن يحسده وكافر يقاتله ومنافق يبغضه وشيطان يضله ونفس تنازعه» وذكر أن راهباً نصرانياً كان يتعبد في صومعته فلا يأتيه ذو عاهة إلا يبرأ بمر يده عليه فسمع به رجل صالح فتعجب من ذلك فأتاه وسأله بماذا بلغت هذه المنزلة فقال بمخالفة هوى النفس فقال له ذلك الرجل أعرضت لا إله إلا الله عليها قط فقال لا ولا أعرفها فقال دعني إلى غد فإني أعرضها عليها هذه الليلة فذهب الرجل الصالح فلما أتاه من الغد قال له النصراني أمدد يمينك وأنا أقول لك لا إله إلا الله ثم قال له عرضتها على نفسي البارحة فنفرت منها غاية النفور فقلت إن فيها رضاء الله تعالى وليكن من دعائك اللهم ملكنا نفوسنا ولا تسلطها علينا صح من الجزولي وقد ورد في ذم الدنيا والجاه أحاديث فعليك بالاحياء إن أردت الوقوف على ذلك يَصْحَبُ شَيْخاً عَارِفَ المَسالِكْ يَقِيهِ فِي طَرِيقِهِ الْمَهالِكْ يُذَكِّرُهُ الله إِذَا رَآهُ وَيُوصِلُ الْعَبْدَ إِلى مَولاهُ يُحاسِبُ النَّفْسَ عَلى الأَنْفاسِ وَيَزِنُ الْخَاطِرَ بالْقِسْطاسِ وَيَحْفَظُ الْمَفْرُوضَ رَاسِ المَالِ والنَّفْلَ رِبْحَهُ يُوَالِي وَيُكْثِرُ الذِّكْرَ بِصَفْوِ لُبِّهِ وَالْعَونُ فِي جَمِيع ذَا بِرْبِّهِ يُجَاهِدُ النَّفْسَ لرَبِّ الْعَالَمِينْ وَيَتَحلَّى بِمَقَامَاتِ اليَقِينْ

стр. 577

خَوْفٌ رَجَا شُكْرٌ وَصَبْرٌ تَوْبَهْ زُهْدٌ تَوَكلُّ رِضاً مَحَبَّهْ يَصْدُقُ شاهِدَهُ فِي الْمُعَامَلةْ يَرْضَى بِمَا قَدَّرَهُ الإِلَهُ لَهْ يَصِيرُ عِنْدَ ذَاكَ عَارِفاً بِهِ حُرَّاً وَغَيْرُهُ خلاَ مِنْ قَلْبِهِ فَحَبَّهُ الإِلهُ وَاصْطَفَاهُ لِحَضْرَةِ الْقدُّوسِ واجتَبَاهُ أما صحبة الشيخ العارف بالمسالك جمع مسلك موضع السلوك يعني الطريق الموصلة إلى الله تعالى الذي يقي صاحبه المهالك ويذكره الله إذا رآه ويوصله إلى مولاه فقال الشيخ الإمام العارف الولي سيدي أبو عبد الله بن عباد أثناء شرحه لقوله السيد العارف ابن عطاء الله لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ما نصه ولا بد للمريد في هذه الطريق من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تأديب نفسه وتخلص من هواه فليسلم نفسه إليه وليلتزم طاعته والانقياد إليه في كل ما يشير به عليه من غير ارتياء ولا تأويل ولا تردد فقد قالوا من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه وقال أبو علي الثقفي ﵁ لو أن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح ومن لم يأخذ أدبه من آمر له أو ناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المقاصات وقال سيدي أبو مدين ﵁ من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه، قال المؤلف ﵀ في لطائف المنن إنما قد يكون الاقتداء بولي دلك الله عليه وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه فطوى عنك شهود بشريته في وجوه خصوصيته فألقيت إليه القياد فسلك بك سبيل الرشاد يعرفك برعونات نفسك في كمائنها ودفائنها ويدلك على الجمع على الله ويعلمك الفرار عما سوى الله ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى أن يوفقك على إساءة نفسك ويعرفك بإحسان الله إليك فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب منها وعدم الركون إليها ويفيدك العلم باحسان الله إليك الاقبال عليه والقيام بالشكر إليه والدوام على ممر الساعات بين يديه قال فإن قلت فأين من هذا وصفه لقد دللني على غرب من عنقاء مغرب فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين وإنما قد يعوزك وجود الصدق في طلبهم «جد صدقاً تجد مرشداً» ويجد ذلك في آيتين من كتاب الله تعالى قال الله سبحانه ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾ وقال سبحانه ﴿فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم﴾ فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى الله اضطرار الظمآن إلى الماء والخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك ولو اضطررت إلى الله اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الحق منك قريباً ولك

стр. 578

مجيباً ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ولتوجه الحق بتيسير ذلك عليك اهـ وفي كلامه رحمه الله تعالى تنبيه على أن الشيخ من منح الله وهداياه للعبد المريد إذا صدق في إرادته وبذل في مناصحة مولاه جهد استطاعته لا على ما يتوهمه من لا علم عنده وعند ذلك يوفقه الله لاستعمال الآداب معه لما أرشده على مرتبته ورفيع درجته قال سيدي أبو مدين ﵁ الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم وسرك بالتعظيم الشيخ من هذبك بأخلاقه وأدبك بإطراقه وأنار باطنك بإشراقه الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه قال في لطائف المنن: وليس شيخك من سمعت منه إنما شيخك من أخذت عنه وليس شيخك من واجهتك عبارته إنما شيخك الذي سرت فيه إشارته وليش شيخك من دعاك إلى الباب إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب وليس شيخك من واجهك مقاله إنما شيخك الذي نهض بك حاله هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك حتى تجلت فيه أنوار ربك نهض بك إلى الله ونهضت إليه وسار بك حتى وصلت إليه ولا زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه فزج بك في نور الحضرة وقال ها أنت وربك اهـ وآداب المريد مع الشيخ والشيخ مع المريد كثيرة مذكورة في كتب أئمة الصوفية ﵃ ومن أبلغ ذلك وأوجزه ما ذكره الإمام أبو القاسم القشيري قال ﵁: فشرط المريد أن لا يتنفس نفساً إلا بإذن شيخه ومن خالف شيخه من نفس سراً أو جهراً فسيرى غيه من غي ما يحبه سريعاً ومخالفة الشيوخ فيما يسترونه منهم أشد مما يكابدونه بالجهد وأكثر لأن هذا يلتحق بالخيانة ومن خالف شيخه لا يشم رائحة الصدق فإن صدر منه شيء فعليه بسرعة الاعتذار والافصاح عما حصل منه من المخالفة والخيانة ليهديه شيخه إلى ما فيه كفارة جرمه ويلتزم في الغرامة ما يحكم به عليه فإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمته فإن المريدين عيال على شيوخهم فرض عليهم أن ينفقوا من قوة أحوالهم ما يكون جبراناً لتقصيرهم اهـ، وقال الشيخ العارف محي الدين أبو العباس البوني ﵀: وإياك أن تحقر فعلاً يخطر لك إلا أن تلقيه للشيخ طاعة كان أو معصية على أي نوع برز لك ولو اختلف عليك ألف مرة في الساعة اختلف إليه ساعة في الخاطر ليعلمك الدواء الذي تزعجه به أو يحمل عنك بهمته قال ولقد رأيت تلميذاً من أصحاب شيخنا الامام تاج العارفين أبي أحمد عبد العزيز بن أبي بكر القرشي المهدي رحمه الله تعالى وكنت جالساً عنده فدخل عليه وفي يده باقلات فقال يا سيدي إني وجدت هذه الباقلات فما أصنع بها فقال له اتركها حتى تفطر عليها فقلت يا سيدي حتى الباقلات يعلم بها فقال يا ولدي

стр. 579

لو خالفني في لحظة من خطراته لم يفلح أبداً، فإذا جوهدت النفس بهذه المجاهدات وقوتلت بهذه المقاتلات رجعت عن جميع مألوفاتها الدينية وعاداتها الردية وزال عنها النفور والاستكبار ودانت لمولاها بالعبودية والافتقار وتركت أعمالها وصفت أحوالها وهذه هي خاصيتها التي خلقت لأجلها ومزيتها التي شرفت من قبلها وإنما ألفت سوى هذا لمرض أصابها من الركون لهذا العالم الأدنى والأنس بالشهوات التي تزول وتفنى حتى امتنع عليها ما خلقت لأجله من موجب سعادتها وغاية شرفها وإفادتها فلما تعالجت بما ذكرناه عادت إلى الصحة وإلى طبعها الأصلي فألفت العبودية والتزمتها وصارت بذلك مطمئنة صالحة لأن يقال لها ﴿يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي﴾ ثم قال وعلامة وصول المريد إلى هذا المقام الحميد أن تستوي عنده الأحوال ولا يتأثر باطنه بما يواجه به من قبيح الأفعال والأقوال لاستغراق قلبه في مطالعة حضرة الكمال قال أبو عثمان الخيري ﵀ لا يكمل الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء في المنع والعطاء والعز والذل قال محمد بن خفيف ﵁ قدم علينا بعض أصحابنا فاعتل وكان به علة البطن فكنت أخدمه وآخذ منه الطست طول الليل فغفوت مرة فقال لي لعنك الله فقيل لي كيف وجدت نفسك عند قوله لعنك الله قال كقوله رحمك الله!؟ وحكي عن ابراهيم بن أدهم ﵁ أنه قال ما سررت في الاسلام إلا مرات معدودات كنت في مركب يوماً وكان رجل يحكي الحكايات المضحكة فضحك منه الناس وكان يقول رأيت وقتاً في معركة الترك علجا ثم كان يأخذ بلحيتي ويمر يده على حلقي هكذا حين حكايته والناس يضحكون منه ولم يكن في ذلك المركب عنده أحد أصغر مني ولا أحقر فسررت بذلك، ويوماً آخر كنت جالساً فجاء إنسان وبال علي وكان حاتم الأصم ﵁ رجل يسيء القول فيه وفي أصحابه ويواجههم كل يوم بالقبيح فوقع عليه جذع من السقف في بعض الأيام في حال مواجهة القوم بالسب والشتم فمات فقال الحمد لله فقيل له هذا خلاف ما تأمرنا به فقال ما حمدت الله شماتة ببلوته بل حمدت الله إذ لم أسر بنكبته، هذا وأشباهه معلوم من أحوالهم ضرورة أبلغ من هذا كله محبة الموت وكراهية البقاء في الدنيا شوقاً إلى لقاء المولى قال بعضهم حقيقة زوال الهوى من القلب حب لقاء الله تعالى في كل نفس من غير اختيار حالة يكون المرء عليها فإذا وجد المريد هذه العلامات في نفسه فقد خرج من عالم جنسه ووصل إلى حضرة قدسه وكان كما قال الشاعر لك الدهر طوعاً والأنام عبيد فعش كل يوم من زمانك عيد

стр. 580

وكما قال سيدي أبو العباس بن العريف ﵁ في هذا المعنى يدم لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سر غيبه ولولاك لم يطبع عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيك وطنبت على مركب الكشف المصون خيامه وجاء حديث لا يمل سماعه شهي إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طال نعيمها وزال عن القلب المعنى غرامه وأنشدوا في معناه أيضاً قولي لآمالي ألا فابعدي وقد الأحباب لي موعدي قد كنت قبل اليوم مستأنساً منك بخل مشفق مسعدى وإن نسيم الوصل قد هب نحوهم رطيبا فلي عندك ظل ندى وحيث لاحت لي أعلامهم فليس لي فقر إلى مرشد وإن لم يجد في نفسه هذه العلامات فليستمر على سلوكه ومجاهداته لا يغتر بما يتراءى له من سني حالاته فإنه لم يصل بعد ولم يصل له من هوى نفسه فقد وليس طريق موت النفس يقطع جميع الارفاق عنها وردها الى الاجتزاء بالحشيش والنخالة والمبالغة في التقشف والتقلل مع قطع النظر عن أحوال القلب وهممه وقصوره وإرادته وترك الالتفات إلى ما يحمد منها وما يذم فذلك كله غلو وبدعة وقد غلط في هذه طوائف من الناس وعملوا عليه في رياضتهم ومجاهدتهم ولم يقصدوا بذلك إخلاص العبودية لربهم فأداهم ذلك إلى اختلال عقولهم وانحلال قوى أبدانهم ولم يحصلوا من أمرهم على فائدة وذلك بجهلهم بالسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة اهـ كلام الشيخ ابن عباد ﵁ وأما محاسبة النفس على الأنفاس فقد أطال الإمام الغزالي في الإحياء الكلام في ذلك نحو ثلاثين ورقة في كتاب المراقبة والمحاسبة وذلك أثناء الربع الثالث من الكتاب المذكور فعليك به إن أردت استقصاء المسألة ولنذكر نبذة يسيرة من ذلك قال رحمه الله تعالى: قال الله ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وقال ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه وقال يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم﴾ الآية فعرف أهل البصائر من جملة العباد أن الله تعالى لهم بالمرصاد وأنهم سيناقشون في الحساب وتحققوا أنه لا ينجيهم من ذلك إلا لزوم المحاسبة وصدق المراقبة ومطالبة

стр. 581

النفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللحظات فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته وطالت في عرصات القيامة وقفاته فلما انكشف لهم ذلك علموا أنه لا ينجيهم منه إلا طاعة الله تعالى وقد أمرهم بالصبر والمرابطة فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آكنوا اصبروا وصابروا ورابطوا فرابطوا أنفسهم أولا﴾ بالمشارطة ثم بالمراقبة ثم بالمحاسبة ثم بالمجاهدة ثم بالمعاتبة فكانت لهم في المرابطة ستة مقامات ولا بد من شرحها وبيان حقيقتها وفضيلتها وتفصيل الأعمال فيها وأصلها المحاسبة ولكن كل حساب فبعد مشارطة ومراقبة ويتبعه عند الخسران معاتبة ومعاقبة فلنذكر شروح هذه المقامات اعلم أن مطلب المتعاملين في التجارات عند المحاسبة سلامة رأس المال ثم الربح وكما أن التاجر يستعين بشريكه فيسلم المال إليه حتى يتجر فيه ثم يحاسبه فكذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة ورأس ماله العمر وإنما مطلبه وربحه تزكية النفس إذ به فلاحها، ففلاحها بالأعمال الصالحات، والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذ يستعملها ويستخدمها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله، وكما أن الشريك يصير خصماً منازعاً يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولاً ويراقب ثانياً ويحاسبه ثالثاً ويعاتبه أو يعاقبه رابعاً فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولاً فيوظف عليها الوظائف ويشترط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع رأس المال كالعبد الخائن إذا خلا له الجو وانفرد بالمال ثم بعد الفرغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيراً من تدقيقه في أرباح الدنيا الحقيرة الفانية فحتم على كل مؤمن أن لا يغفل من محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها فان كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها فاذا أصبح وفرغ من فريضة الصبح فينبغي له أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس ويقول لها مالي بضاعة إلا العمر فان فنى فنى رأس المال ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه فإياك إياك أن تضيعيه ثم يستأنف لها وصية أخرى في أعضائه السبعة العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل فإذا وصى نفسه وشرط عليها ما ذكرناه فلا يبقى إلا المراقبة لها عند الخوض في الأعمال فانها ان تركت طغت وفسدت وكما أن العبد يكون له وقت أول النهار يشارط نفسه

стр. 582

فيه على سبيل التوصية بالحق فكذلك ينبغي أن تكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها كما يفعل التاجر في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم حرصاً على الدنيا الفانية ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال وفي الربح والخسران لتتبين له الزيادة من النقصان فإن كان ثم فضل حاصل استوفاه وشكره وإن ثم خسران طالبه بضمانه وكلفه تداركه في المستقبل فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم هذه التجارة جملة النهار ومعاجلة نفسه الأمارة بالسوء فيحاسبها على الفرائض فإذا أدارها على وجوهها شكر الله تعالى عليها ورغبها في مثلها وإن فوتها من أصلها طالبها بالقضاء وإن أداها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل وإن ارتكب معصية اشتغل بعقابها وتعذيبها ومعاتبتها ولا يمهلها لئلا تتأنس بفعل المعاصي ويعسر عليه فطامها فإذا أكل لقمة شبهة لشهوة نفس فينبغي أن يعاقب البطن بالجوع وإذا نظر إلى محرم فينبغي أن يعاقب العين بمنع النظر وكذلك ينبغي أن يعاقب كل طرف من الأطراف بمنعه عن شهواته هكذا كانت عادة سالكي الآخرة وإن رآها تتوانى بحكم الكسل في شيء من الفضائل أو وِرد من الأوراد فينبغي أن يؤدبها بتثقيل الأوراد عليها ويلزمها فنوناً من الفضائل جبراً لما فات وتداركاً لما فرط ويقبل على نفسه فيقرر عندها جهلها وحماقتها ويقول لها ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقاً أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنك سائرة إلى أحدهما لا محالة على القرب فما بالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم فأراك ترين الموت بعيداً ويراه الله قريباً أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب ويحك جرأتك على معصية الله إن كان لاعتقادك أن الله تعالى لا يراك فما أعظم كفرك وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد حماقتك وما أقل حياءك ويحك لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه كيف كان غضبك عليه ومقتك له فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله تعالى وغضبه أنظر تمام كلامه نفعنا الله به وأما وزن الخاطر الذي يخطر على بال الانسان من فعل أو ترك بالقسطاس بضم القاف وكسرها وهو الميزان بلغة الروم وفي المشارق هو أقوم الموازين قال وذكر البخاري عن مجاهد أنه العدل بالرومية اهـ والمراد به هنا حكم الشرع فقد تقدم عن الشيخ الجزولي ما معناه أنه ينبغي للانسان أن يجعل على قلبه الذي هو أمير الجسد حاجباً يشاوره فيما يريد فعله أو تركه وهو الشرع فإذا خطر على بال الانسان فعل أو ترك رجع فيه إلى الشرع فيما أمره بفعله يفعله وما أمره بتركه تركه وحينئذ يوصف بالاستقامة وإنما يزن الخاطر بالشرع لأن الأحكام لا تعرف إلا منه ثم له ثلاثة أحوال:

стр. 583

أحدها أن يعلم أنه مأمور به شرعاً إما على طريق الوجوب أو الاستحباب فليبادر إلى فعله فإنه من الرحمن ثم يحتمل أن يكون إلهاماً من الله تعالى ويحتمل أن يكون من إلقاء الملك في الروع والفرق بينهما أن إلقاء الملك قد تعارضه النفس والشيطان بالوسواس بخلاف الخواطر الإلهية فإنه لا يردها شيء بل تنقاد لها النفس كذلك الشيطان طوعاً وكرهاً وإنما يبادر إلى فعله كما قال الاستاذ أبو القاسم القشيري إنك إن توقفت برد الأمر وهبت ريح التكاسل فإن خشيت مع كونه مأموراً به أن يقع على صفة منهية لعجب أو رياء فلا يكون ذلك مانعاً لك من المبادرة إليه ومن ثم قال السهروردي اعمل إن خفت العجب مستغفراً منه وذلك لأن تطهير القلب من نزعات الشيطان بالكلية متعذر فلو وقفنا العبادة على الكمال لتعذر الاشتغال بشيء من العبادات وذلك يوجب البطالة وهي أقصى غرض الشيطان ومن ثم أيضاً كان احتياج استغفارنا إلى الاستغفار لا يوجب ترك الاستغفار الحالة الثانية أن تجد ذلك منهياً عنه شرعاً فلا تقربه فإن ذلك الخاطر من الشيطان أو من النفس والفرق بينهما أن خاطر النفس لا ترجع عنه وخاطر الشيطان قد تنقله إلى غيره إن صمم الانسان على عدم فعله لأن القصد الاغراء لا حصر قضية معينة فإن فعلت ذلك ذلك المنهي فاستغفر الله منه ولا تيأس من الرحمة قال الله تعالى ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم﴾ الآية الحالة الثالثة أن يشك هل ذلك الأمر الذي خطر له مأمور به أو منهي عنه فإن كان مقابل النهي الإباحة فترجح الإمساك عنه ولا يجب لأن من باب الشبهة وتركه ورع لا وجوب وإن كان مقابله الوجوب فيجب الفعل قياساً على الشك في عدد ركعات الصلاة وهذه الحالة الثالثة راجعة إلى ترك المشبهات وقد تقدم ذلك من قوله يترك ما شبه باهتمام وحديث النفس ما لم تتكلم أو تعمل فإنهما مغفوران وأما المحافظة على الفرائض وتسمى رأس مال الانسان لانتظاره الربح الاخروي من قبلها وعلى النوافل وتسمى ربحاً لأن ما زاد على رأس المال ربح فبالاتيان بها على أكمل وجوهما لما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال مخبراً عن الله تعالى وما تقرب الي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بهاورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه وليس المراد قرب المسافة لأن الله

стр. 584

تعالى ليس له مكان فيقرب منه العبد وإنما قربه بالاجابة لمن دعاه والعطاء لمن سأله كما صرح به آخر الحديث فقرب العبد بالطاعة والكف على المخالفة وبعده بعصيانه ومتابعة هواه ومن هذا المعنى بالنسبة للفرض وحديث الاعرابي الذي سأل النبي ﷺ عما افترض الله عليه فذكر له قواعد الاسلام فقال لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فشهد له ﷺ بالفلاح إن صدق وهو دخول الجنة وما يقرب منه تعالى ويكون سبباً بفضل الله وجوده لدخول الجنة فجدير بالمحافظة عليه فضلاً عن مطلق الاتيان به وأما الاكثار من الذكر فمطلوب قال في الرسالة وقال معاذ ابن جبل ﵁ ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله قال الشيخ الجزولي لأن الانسان إذا أكثر من ذكر الله تعالى تجدد خشوعه وتقوى إيمانه وازداد يقينه وبعدت الغفلة عن قلبه وكان الى التقوى أقرب وعن المعاصي أبعد، وقد ذكر الله تعالى حكم الذكر وفضله وكيفيته وصفته وفائدته وعقوبة من أعرض عنه فأما حكمه وفضله فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات وقال فاذكروني أذكركم وقال ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها إلى غير ذلك من الآيات وأما كفيته فقال تعالى الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وأما صفته فقال تعالى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله كذكركم آباءكم وذكرالأب يكون بالتعظيم وكذلك ذكر الله تعالى وأما فائدته فقال الله تعالى ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ وقال ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ وأما عقوبة من أعرض عنه فقال تعالى ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً﴾ وقال ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن﴾ الآية اهـ ومعنى يَعْشُ يغفل ومعنى الآية ومن غفل عن ذكر الله يسر الله له شيطاناً يكون له قريناً عقوبة له على الغفلة عن الذكر ثم قال الامام الجزولي أيضاً وما قال معاذ ﵁ إنما أراد به الذكر بالقلب هو إحضار الانسان قلبه والخوف والخشوع

стр. 585

وتصور اطلاع ربه عليه في سره وعلانيته وعلم جميع أحواله ومتصرفاته وأنه لا تخفى عليه خافية ولا يستر عنه مستور فلذلك كان الذكر بالقلب أفضل من الذكر باللسان وقيل الذكر باللسان أفضل قاله أبو عبيدة بن عبد الله وقيل إن من كان يقتدي به وكان محفل من الناس فالذكر باللسان أفضل ليقتدى به وإن كان ممن لا يقتدى به وكان بمحضر الناس فذكره بالقلب أفضل وارتضى هذا القول الطبري اهـ، والقول الأول أن الذكر بالقلب أفضل هو الذي يؤخذ من قوله الناظم وبكثرة الذكر يصفو لبه والله أعلم وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف وهذا إن كانت الباء فيه للآلة وأما إن كانت للمصاحبة فلا وقد جلب الامام الجزولي في فضل الذكر أحاديث كثيرة كقوله ﷺ أفضل العبادات الذكر وأفضل الذكر الخفي وقال في الصحيحين من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملاء ذكرته في ملاء خير منه قال ويؤخذ من هذا الحديث أن الملائكة أفضل وقال في شرح البخاري لابن بطال قال أبو موسى قال النبي ﷺ «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» إلى غير ذلك فإن أردت تتبع ما ورد في ذلك فعليك بشرع الجزولي في المحل المذكور والصفو بالواو الخالص واللب القلب والمعنى أن يطلب من الذاكر أن يصفي قلبه من التعلق بغير الله تعالى ورجاء أحد سواه مع استحضار الخوف والخشوع واطلاع ربه عليه في السر والعلانية كما تقدم عن الجزولي وأما كون الاستعانة على جميع الأشياء بالله تعالى لا بغيره فظاهر إذ غيره لا يملك ضراً ولا نفعاً إذا كان عون الله للمرء خادماً تهيأ له من كل صعب مراده إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده وأما مجاهدة النفس وهي الجهاد الأكبر فقد تقدم بعض ما فيه عند قول (واعلم بأن أصل ذي الآفات) البيتين وراجع آخر الكلام الذي نقلنا على قوله يحاسب النفس على الأنفاس حيث قال (وإن رآها تتوانى بحكم الكسل) الخ وأما التحلي بمقامات

стр. 586

اليقين التي من جملتها الخوف والرجاء فقال الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء في بيان حقيقة الرجاء والخوف ما نصه بيانه أن كل ما يلاقيه من مكروه ومحبوب ينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى وإلى منتظر في الاستقبال إذا خطر بذلك موجود فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً وإن كان ما خطر بقلبك موجوداً في الحال سمي وجداً وذوقاً وإدراكاً وإنما سمي وجداناً لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمي انتظاراً وتوقعاً فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً وإن كان محبوباً حصل في انتظاره وتعلق القلب به واحضار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح يسمى ذلك الارتياح رجاء فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده ولكن ذلك المحبوب المتوقع لا بد أن يكون له سبب فإن كان انتظاره لأجل حضور أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق وإن كان ذلك انتظاراً مع انخرام أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق أصدق عليه من اسم الرجاء وإن كان لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاع فاسم التمني أصدق على انتظاره لأنه انتظار من غير سبب وعلى كل حال فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما تتردد فيه أما ما يقطع به فلا وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والإيمان كالبذر فيه والطاعة جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى حفر الأنهار وسقاية الماء إليها والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا ينمو زرع إلا من بذر الإيمان وقلما ينفع الإيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه كما لا ينمو بذر في أرض سبخة فينبغي أن يقاس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع فكل من طلب أرضاً طيبة وألقى فيها بذراً جيداً غير عفن ولا مسوس ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سقاية الماء في أوقاته ثم طهره ونقاه من الشوك والحشيش وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده ثم جلس منتظراً من فضل الله تعالى دفع الصواعق والآفات المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاءً وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهد البذر أصلاً ثم انتظر حصاد الزرع منه سمي انتظاره حمقاً وغروراً لا رجاء وإن بث البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء لها وأخذ ينتطر مياه الأمطار حيث لا تغلب الأمطار ولا تمتنع أيضاً سمي انتظاره تمنياً لا رجاءً فإذا اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل الله سبحانه بصرف القواطع والمفسدات فالعبد إذا بث بذر الإيمان وسقاه بماء الطاعات وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته عليه إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة كان انتظاره رجاء حقيقياً محموداً في نفسه باعثاً له على

стр. 587

المواظبة والقيام بمقتضى الإيمان وفي إتمام أسباب المغفرة إلى الموت وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحوناً برذائل الأخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور وقال «الأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» وقال تعالى ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ وقال تعالى ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا﴾ ثم قال وأعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف لأن أقرب العباد إلى الله تعالى أحبهم له والحب يغلب بالرجاء واعتبر ذلك بملكين تخدم أحدهما خوفاً من عقابه والآخر رجاء لثوابه ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغائب لا سيما وقت الموت قال الله تعالى ﴿لا تقنطوا من رحمة الله﴾ فحرم أصل اليأس وفي أخبار يعقوب ﵇ إن الله تعالى أوحى إليه أتدري لما فرقت بينك وبين يوسف لقولك أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون لم خفت الذئب عليه ولم ترحني ولم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له وقال ﷺ «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» وقال ﵇ مخبراً عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ودخل ﷺ على رجل وهو في النزع فقال كيف نجدك فقال أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة بي فقال فما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاهُ الله تعالى ما رجا وأمنه مما يخاف ثم قال واعلم أن الخوف عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرجاء ومن أنس بالله وملك الحق قلبه صار بن

стр. 588

وقته مشاهداً لجمال الحق على الدوام ولم يبق له التفات إلى المستقبل لم يكن له خوف ولا رجاء بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء فإنهما زمامان يمنعان النفس عن الخروج إلى رعونتها وإلى هذا أشار الواسطي حيث قال: الخوف حجاب بين العبد وبين الله تعالى، وقال أيضاً إذا ظهر الحق على السرائر لم يبق فيها فضلة لرجاء ولا خوف، ثم قال اعلم أن فضيلة الشيء بقدر غنائه في الافضاء إلى سعادته لقاء الله سبحانه إذ لا مقصود سوى السعادة ولا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه والقرب منه فكل ما أعان عليه فله فضيلة وفضيلته بقدر إعانته وقد ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء الله تعالى في الآخرة إلا بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلا بانقلاع حب الدنيا من القلب ولا ينقلع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات ولا تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف فالخوف هو النار المحرقة للشهوات فإذا فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث على الطاعات ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف فكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي يقرب بها إلى الله تعالى قال تعالى ﴿هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ وقال تعالى ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فوصفهم بالعلم لخشيتهم وقال ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ووصى الله تعالى الأولين والآخرين بالتقوى فقال ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ وقال ﴿وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ فأمر بالخوف وأوجبه وشرطه بالإيمان فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف وإن ضعف ويكون ضعف خوفه بحسب ضعف مرتبته وإيمانه وقال في فضيلة التقوى إذا جمع الله تعالى بين الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم ناداهم بصوت يسمع أقصاهم كما يسمع أدناهم فيقول يا أيها الناس إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يوم هذا فانصتوا إلي اليوم إنما هي أعمالكم ترد عليكم أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فوضعتم نسبي ورفعتم نسبكم قلت إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان وفلان أغنى من فلان فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي أبن المتقون فينصب للقوم لواء

стр. 589

فيتبع القوم لواءهم إلى منازلهم فيدخلون الجنة بغير حساب وقال ﵊ «رأس الحكمة مخافة الله » اهـ المقصود منه وقال في الشكر قبله ما نصه: اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين وهو أيضاً ينتظم من علم وحال وعمل فالعلم هو الأصل ويورث الحال والحال يورث العمل فأما العلم فهو معرفة النعمة من النعم والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بد من بيان مجموع ذلك ليحصل بمجموعه الإحاطة بحقيقة الشكر فإن كل ما قيل بحقيقة الشكر قاصر عن الإحاطة بكمال معانيه فالأصل الأول العلم وهو علم بثلاثة أمور بعين النعمة ووجه كونها نعمة من حقه وبذات المنعم ووجود صفاته التي يتم بها الإنعام وبصدور الإنعام منه عليه فإنه لا بد من نعمة ومنعم عليه تصل إليه النعمة من المنعم بقصد وإرادة هذا في حق غير الله تعالى، فأما في حق الله تعالى فلا يتم إلا بأن يعرف أن النعم كلها من الله تعالى وهو المنعم والوسائط مسخرون من جهته ثم قال والأصل الثاني الحال المستمدة من أصل المعرفة وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضع وهذا أيضاً في نفسه شكر على تجرده كما أن المعرفة شكر ولكن إنما يكون شكر اً إذا كان جامعاً شروطه وشروطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ولا بالأنعام، ثم قال الأصل الثالث: العمل بموجب الفرح الحاصل من معرفة النعم وهذا العمل يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح أما القلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق وأما باللسان فاظهار الشكر لله فالتحميدات الدالة عليه وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته حتى أن شكر العينين أن يستر كل عيب يراه المسلم وشكر الأذنين أن يستر كل عيب يسمعه فيدخل هذا في جملة شكر نعمة هذه الأعضاء والشكر باللسان إظهار الرضا عن الله تعالى وما هو مأمور به اهـ وأما الصبر فقال فيه أيضاً إنه عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة

стр. 590

فإن ثبت حتى يقهره ويستمر على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب الله تعالى والتحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها التحق باتباع الشيطان فإذن ترك الأفعال المشتبهات عمل يثمره حال يسمى الصبر وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضادتها لأسباب السعادة في الدنيا والآخرة فإذا قوى يقينه يكون الشهوة عدواً قاطعاً لطريق الله تعالى قوى ثبات باعث الدين فإذا قوى ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث الدين المضاد لباعث الشهوة وقوة المعرفة والإيمان بقبح محبة الشهوات وسوء عاقبتها وكونها عدواً قاطعاً لطريق الله تعالى اهـ وأما التوبة فقد تقدم الكلام عليها أول الكتاب أعني كتاب التصوف حيث تعرض لها الناظم، وأما الزهد فقد قال فيه أيضاً في كتاب الفقر والزهد اعلم أن الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقراً وإن كان المحتاج إليه موجوداً مقدوراً عليه لم يكن المحتاج فقيراً وإذا فهمت هذا لم تشك في أن كل موجود سوى الله تعالى فهو فقير لأنه محتاج إلى دواء الوجود في ثاني الحال ودوام وجوده مستفاد من فضل الله تعالى وجوده ثم قال هذا معنى الفقر مطلقاً ولكنا لسنا نقصد بيان الفقر المطلق بل بيان الفقر من المال على الخصوص وإلا ففقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجته لا ينحصر لأن حاجاته لا حصر لها ومن حاجاته ما يتوصل إليه بالمال وهو الذي أريد بيانه فقط فنقول: كل قائد للمال فإنما نسميه فقيراً بالإضافة إلى المال الذي فقدناه إذا كان ذلك المفقود محتاجاً إليه في حقه ثم يتصور أن تكون له خمسة أحوال عند الفقر ونحن نميزها ونخصص كل حال باسم ليتوصل بالتمييز إلى ذكر أحكامها الحالة الأولى وهي العليا أن يكون بحيث لو أتاه المال لكراهة وتأذى به وهرب من أخذه مبغضاً له ومحترزاً من شره وشغله وهذه الحالة هي الزهد واسم صاحبها زاهد ثم قال في بيان حقيقة الزهد اعلم أن الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات السالكين وينتظم هذا المقام من علم وحال وعمل كسائر المقامات أما الحال فنعني به ما يسمى زهداً وهو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه وكل من عدل عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه وعدل إلى غيره لرغبته فيه فحاله بالإضافة إلى العدول عنه يسمى زهداً وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحباً فإذا يستدعي حال الزهد مرغوباً عنه ومرغوباً فيه فهو خير من المرغوب عنه ثم قال وأما العلم الذي هو المثمر لهذه الحالة فهو العلم يكون المتروك حقيراً بالإضافة إلى

стр. 591

المأخوذ كعلم التاجر بأن العوض خير من المبيع فيرغب فيه وما لم يتحقق هذا العلم لا يتصور أن تزول الرغبة عن البيع وكذلك من عرف أن ما عند الله باق وأن الآخرة خير وأبقى أي لذاتها خير في أنفسها وأقوى كما يقال الجوهر خير من الثلج مثلاً وهي أبقى كما يكون الجوهر أبقى من الثلج ولا يعسر على مالك الثلج بيعه بالجواهر واللآليء فهذا مثال الدنيا والآخرة فالدنيا كالثلج الموضوع في الشمس لا يزال في الذوبان حتى ينقرض والآخرة كالجواهر التي لا فناء لها فبقدر قوة اليقين والمعرفة بالتفاوت بين الدنيا والآخرة تقوى الرغبة في البيع والمعاملة حتى أن من قوى يقينه باع نفسه وماله قال الله تعالى ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ ثم قال وأما الصادر عن حال الزهد فهو ترك وأخذ لأنه بيع ومعاملة واستبدال الذي هو خير بالذي هو أدنى فكما أن العمل الصادر عن عقد البيع هو ترك المبيع وإخراجه من اليد وأخذ العوض فكذلك الزهد يوجب ترك المزهود فيه بالكلية وهي الدنيا بأسرها مع أسبابها ومقدماتها وعلائقها فيخرج من القلب حبها ويدخل حب الطاعات ويخرج من اليد والعين ما أخرجه من القلب ويوظف على اليدين والعين وسائر الجوارح وظائف الطاعات وإلا كان كمن سلم المبيع ولم يأخذ الثمن، فإذا وفى بشرط الجانبين في الأخذ والترك فليستبشر ببيعه الذي بايع به وأما التوكل فقال فيه إنه مشتق من الوكالة يقال وكّل أمره إلى فلان أي فوضه إليه واعتمد عليه ويسمى الموكل إليه وكيلا ويسمى المفوض إليه متكلاً عليه ومتوكلاً عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه بتقصير ولم يعتقد فيه عجزاً وقصورا فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ثم قال فإذا عرفت التوكل فقس التوكل على الله تعالى عليه فإن ثبت في نفسك بكشف أو باعتقاد جازم أنه لا فاعل إلا الله تعالى كما سبق واعتقدت مع ذلك تمام العلم والقدرة على كفاية العباد ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد والآحاد وإنه ليس وراء منتهى قدرته ولا وراء منتهى علمه علم ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة اتكل لا محالة قلبك عليه وحده ولا يلتفت إلى غيره بوجه ولا إلى نفسك وحولك وقوتك فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله فإن كنت لا تجد هذه الحالة من نفسك فسببه أحد أمرين إما ضعف اليقين بإحدى هذه الخصال وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام الغالبة عليه وأما الرضى فقال فيه: اعلم أن الرضى ثمرة من ثمار المحبة وهو هنا أعلى مقامات المقربين وحقيقته غامضة على الأكثرين فقد أنكر المنكرون تصور الرضا بما يخالف الهوى ثم قالوا إن أمكن الرضا بكل شيء لأنه فعل الله تعالى فينبغي أن يرضى بالكفر والمعاصي وانخدع به قوم فرأوا الرضا بالفجور والفسق وترك الاعتراض والانكار من باب التسليم لقضاء الله تعالى ولو انكشفت هذه الأسرار

стр. 592

لمن اقتصر على سماع ظواهر الشرع لما دعا رسول الله ﷺ لابن عباس فقال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ثم قال اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر فأما الرضى فلا يتصور فإنما أتى من ناحية إنكارالمحبة فأما إذا ثبت تصور الحب لله تعالى واستغراق الهم به فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ويكون ذلك من وجهين الوجه الأول أن يبطل الاحساس بالألم حتى يجري عليه المؤلم ولا يحس به وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها ومثاله الرجل المحارب فإنه حال غضبه أو خوفه قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة بل الذي يكون في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بألمها لشغل قلبه، والوجه الثاني هو أن يحس بالألم يدركه ولكن يكون راضياً به بل راغباً فيه مريداً له أعني بقلبه وإن كان كارهاً له بطبعه كالذق يتلمس من الفصاد الفصد والحجامة فإنه يدرك ألمه إلا أنه راضٍ به وراغب فيه ومتقلد من الفصاد المنة بفعله فهذا حاله حال الراضي بما يجري عليه من الألم وكذلك كل من يسافر في طلب الربح يدرك مشقة السفر ولكن حبه لثمرة سفره طيب عنده مشقة السفر وجعله راضياً به ومهما أصابته بلية من الله تعالى وكان له يقين بأن ثوابه الذي ادخر له فوق ما نابه رضي به ورغب فيه وأحبه وشكر الله تعالى عليه هذا إن كان يلاحظ الثواب والاحسان الذي يجاري به عليه ويجوز أن يغلب الحب بحيث يكون حظ المحب في مراد حبيبه ورضاه لا لمعنى آخر وراءه فيكون مراده حبيبه ورضاه محبوباً عنده ومطلوباً وكل ذلك موجود في المشاهدات في حب الخلق وأما الحب فقال فيه أول ما ينبغي أن يتحقق أنه لا تتصور محبة إلا بعد معرفة وإدراك إذ لايحب الانسان ما لا يعرفه ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد بل هو من خاصة الحي المدرك فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك وكل ما في إدراكه ألم، فهو مبغض عند المدرك وما يخلو من استعقاب ألم ولذة فلا يوصف بكونه محبوباً ولا مكروهاً فإذا كل لذيذ محبوب عند الملذ به ومعنى كونه محبوباً أن في الطبع ميلاً إليه ومعنى كونه مبغضاً أن في الطبع نفرة عنه فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي عشقاً والبغض عبارة عن نفرة الطبع من المؤلم المتعب فإذا قوي سمي مقتاً ثم قال فكل لذيذ محبوب وكل حسن وجمال فلا يخلو إدراكه عن لذة ولا أحد ينكر كون الجمال محبوباً بالطبع فإن ثبت أن الله تعالى جميل كان لا محالة محبوباً عند من انكشف له جماله وجلاله كما قال ﷺ «إن الله جميل يحب

стр. 593

الجمال» ثم قال والمستحق للمحبة هو الله وحده وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله تعالى فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى وحب الرسول ﷺ محمود لأنه عين حب الله تعالى وكذلك حب العلماء والأتقياء لأن محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحب المحبوب محبوب وكل ذلك راجع إلى حب الأصل فلا يجاوزه إلى غيره فلا محبوب في الحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه اهـ، باختصار ومن أراد بسط ذلك وبيانه وحججه وضرب مثله في الشاهد فعليه بالاحياء/ قوله يصدق شاهده في المعاملة البيت يصدق عطف بحذف العاطف على (يتحلى) وشاهد العبد أي حاضره والمطلع على سره وجهره هو الله تعالى والمعاملة معاملة العبد ربه تعالى والمعنى أنه يطلب من العبد أن يقصد بطاعته وجه الله تعالى إذ هو المطلع عليه والرقيب عليه لا الرياء والسمعة ولهذا المعنى عبر بالشاهد والله أعلم وقد تقدم بعض الكلام على ذلك في شرح قوله يطهر القلب من الرياء، وتقدم الكلام قريباً على الرضا بالمقدور من محبوب أو مكروه وأن من استولى على قلبه محبة الله تعالى رضى بكل ما يصدر منه له إذ الحب يورث الرضا بأفعال المحبوب قوله يصير عند ذاك عارفاً به البيتين معناه أن من اتصف بالأوصاف المذكورة يصير عارفاً بالله تعالى حراً لخلو قلبه عن محبة غيره إذ لو تعلق قلبه بمحبة غيره لكان عارفاً لذلك الغير وكأنه يشير لقول الإمام ابن عطاء الله رضي الله تعالى عنه ما أحببت شيئاً إلا كنت له عبداً وهو لا يحب أن تكون لغيره عبد اهـ، وقال قبل هذا: أنت حر مما أنت عنه آيس وعبد لما أنت له طامع اهـ، وإذا اتصف العبد بما ذكر وصار عارفاً بربه حراً من رق غيره لاعراضه عنه عبداً له تعالى لإقباله عليه بكليته أحبه الإله تعالى واصطفاه واجتباه لحضرته ومعنى اصطفى اجتبى واختار وجب لغة في أحب ذَا الْقَدْرُ نَظْماً لا يَفي بِالْغَايَهْ وَفي الّذي ذَكَرُتُهُ كِفَايهْ أَبْيَاتُهُ أَرْبَعَةَ عَشْرَة تَصِلْ مَعَ ثَلثَمائَةٍ عَدَّ الرَّسُلْ سَمَّيْتُهُ بِالْمُرْشِدِ الْمُعِينِ عَلَى الضَّرورِيِّ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ فاَسْأَلُ النَّفْعَ بِهِ على الدَّوَامْ مِنْ رَبِّنَا بِجَاهِ سَيِّدِ الأَنامِ قَدِ انْتَهى وَالْحَمْدُ لله الْعَظِيمِ صَلَّى وَسَلّم عَلى الْهادِي الْكريم أخبر أن هذا القدر الذي ذكر من النظم بمعنى أن ما اشتمل عليه النظم من المسائل

стр. 594

الدينية لا يفي ذلك بغاية ما يطلب من المكلف بل هو أكثر من ذلك لكن تتبعه يؤدي إلى التطويل المورث للملل والترك رأساً ففي ما ذكرنا كفاية لمن اعتنى به وفهمه ثم أخبر أن عدة أبيات النظم أربعة عشرة مع ثلثمائة وذلك عدد الرسل عليهم الصلاة والسلام وتسكين العين من أربعة عشر لغة وبها قرأ حفص والحسين قوله تعالى أحد عشر كوكباً ثم أخبر أنه سماه بالمرشد الخ والمرشد والمعين اسما فاعل من أرشده إذا هداه لطريق الخير ومن أعان والضروري من علوم الدين هو الواجب على الأعيان سماه ضرورياً لأن التكليف به ضرورة تدعو إلى تعلمه وإما لكونه لما كان واجباً على كل أحد ولا مندوحة عن تعلمه استحق أن يكون كالعلم المدرك ضرورة بلا تأمل والله تعالى أعلم والدين ما يدان به الله تعالى أي ما يعامل به من قولهم (كما تدين تدان) أي كما تعامل والأولى والغالب من صنيع المؤلفين ذكر تسمية الكتاب في أوله ثم طلب من الله تعالى النفع بهذا النظم على الدوام والاستمرار متوسلا في نيل ذلك بجاه أي بقدر سيد الأنام أي الخلق (فائدة) عدة الانبياء على ما في صحيح ابن حيان مرفوعاً مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً الرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر وفي رواية خمسة عشر وقيل أربعة عشر وقال سعد الدين في شرح العقائد روي أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً والأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية فقد قال تعالى منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ولا يوقن في ذلك العدد أن يدخل فيهم من ليس منهم أو يخرج منهم من هو منهم ان ذكر عدد أقل من عددهم قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في الاشراف ما معناه أنه يستخرج عدة المرسلين من اسم نبينا ومولانا محمد وبيانه أن حروفه خمسة عشر ثلاث ميمات وحاء بألف وهمزة ودال وكل ميم تسعون أربعون لكل ميم وعشرة للياء فاضرب تسعين عدد نطق لفظ كل ميم في ثلاث عدد الميمات باثنين وسبعين وفي لفظ دال خمسة وثلاثون وفي لفظ حاء بالهمزة عشر المجتمع خمسة عشر ومن قال وأربعة عشر أسقط الهمزة من الحاء ومن قال وثلاثة عشر قال الواحد الزائد على الرسل زيادته بالمقام المحمود الذي تظهر فيه مرتبته على سائر الرسل ويكون سائر الخلق آدم فمن سواه من ذريته تحت لوائه وهذا العدد أيضاً هو عدد أصحاب بدر، اللهم إنا نتوسل إليك بجاه أحب الخلق إليك وأعظمهم قدراً عندك سيدنا ونبينا محمد وبجاه جميع الانبياء والرسل وأهل بدر وبجميع الأولياء والصديقين والشهداء والصالحين أن لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا عيباً

стр. 595

إلا سترته ولا ديناً إلا أديته ولا عدواً إلا كفيته ولا مريضاً إلا شفيته ولا حاجة لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضينا يا أرحم الراحمين يارب العالمين واغفر اللهم لنا ولآبائنا ولأمهاتنا وأولادنا وأشياخنا وأحبابنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات بمنتك وجودك يا أرحم الراحمين يارب العالمين وكان الفراغ من هذا الشرح المسمى (بالدر الثمين في شرح المرشد المعين) مع فترات عنه كانت تعرض أثناء تأليفه خامس ربيع الثاني من عام أربعة وأربعين وألف (قال مؤلفه عفا الله عنه) لما فرغت من هذا الشرح المبارك وأكملته أوقفت عليه السيد الأجل العالم العلامة الدراكة الفهامة عالم عصره وسيد أهل وقته الورع الزاهد العارف العابد سيدي أبا العباس أحمد بن علي السوسي البورسعيدي أبقى الله بركته وعظم حرمته ونفعنا به وبأمثاله وطلبت منه حفظ الله النظر فيه والتأمل وأن يشير على ما عسى أن يظهر له فيه فبقي عنده أياماً ثم جئته فوجدته قد كتب لي بخط يده المباركة ورقة هذا نصها. الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يقول كاتبه غفر الله له: نظرت هذا المجلد المسمى بالدر الثمين الموافق اسمه لما وضع له من المعنى الأتم المكين لما فيه من المحاسن وجمع النظائر ونظم قلائد الفرائض والنقول المنسوبة المسرودة الفوائد الكثيرة المسائل المشحونة الوسائل جعل الله نية مؤلفه خالصة لوجهه الكريم وجعل فيه خدمته لمقام ألوهيته العظيم فماذا عسى أن أقول فيه غير أني محتاج إلى كثير مما فيه لأجل ما دون فيه من المسائل الدينية والفروع الكثيرة الفقهية ولأني لا أصل إلى تلك الدواوين ولا رأيت الكثير منها فلله دره فلو أدركه شيخنا صاحب الأصل لسر به لأنه ﵀ كان مهتماً به وأني لأظن أنه أشار إلي بذلك في بعض أيام حياته واني لأرجو أن يضاعف الله عليه برضوانه ويهيج بأنواره مقام ضريحه وأكوانه تتناوبه وشارحه امداد من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ولم أر فيه من آراء الشارح حفظه الله شيئاً حتى يتكلم معه وإنما هي تقول الأئمة وهو في ذلك موكل لأمانته كما قال الشيخ زروق العلماء موكلون إلى أماناتهم في نقلهم مبحوث معهم في فهمهم اهـ، نعم ولم يبق لذي رأي في الدين ولا اجتهاد المستنبط من أصول سوى التبيين والصناعة في تدوين ما رسموا والتقريب على البليد فيما سطروا والعمل بما قالوا والاهتداء بهم فيما أولوا رحمة الله عليهم ورضوانه وأشير على المؤلف حفظه الله أن ظهر له الفضل بخاتمة يأتي فيها بطرف من أحوال المعاد الذي تبرز فيه فائدة هذه الفرائض وتنشر فيه على القائمين بمحافظتها وسنها ألوية الأمن من زلازل أهواله والعوارض لأن الشيء إذا تقررت فائدته وتبن حصول الضرورة إليه داع لتزاحم الطلب عليه كما شوهد في هذه الدار وإني لأرى ذلك بقى على كثير من المؤلفين لأن الرسل لم تبعث إلا للانذار بأهواله وامتداد المقام به ومقدار خمسين ألف سنة وأن الناس يعمرونه على

стр. 596

قدر استقامة كل أحد بما جاء به الرسول الذي أرسل إليه وعلى طبعه البشري في الدنيا من الاحتياج إلى المأكول والمشروب وأن الله تعالى جعل في هذه الدار ما يرون من الأسباب والحرف وسائل إلى الطعام والشراب على ما ألفوه وجعل في الدار الآخرة قبل دخول الجنة محافظة عهود الرسل أسباب مطعومهم ومشروبهم وليس هناك سبب سوى ما قدموا فتجد أكثر الناس مما يظن بهه المعرفة لا يظن أن الناس يأكلون بعد البعث ولا يحتاجونه في معتقده وإنما ذلك البعث والحساب قدر ركعتين ودخول الجنة وأن الشفاعة تنالهم لا محالة فهذا هو الغرور ويكون ذلك من مختصر كلام في صفح ورقة لأن خير الكلام ما قل ودل فقد ورد أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرضين بمقدار خمسين ألف سنة وسيعمر بالخلائق أجمعين عرصات القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما صرح به القرآن ويقال عمارة العالم دور الفلك الأعظم خمسين ألف سنة وهذا الأخير لم أره والله أعلم بصحته أو فساده فإذا تقرر هذا فيلزم العالم أن يبلغ عن نبيه أعظم مهماته الذي أرسل به وموضع ذلك كل من قيد شيئاً أو ألفه أن يدمج هذا الأمر في سمائه أو يجعل له فصلا مستقلاً أو خاتمة وهو مناسب للخاتم ثم يكون هذا المقيد أو المؤلف هو أول قائم بهذا العلم وحمل نفسه على مقتضى ما علمه من الأوامر والنواهي ليكون ذلك داعية إلى الانتفاع به ظاهراً أو باطناً وما أفسد أحوال الشريعة إلا تساهل العلماء بأديانهم وطباع العامة على مراقبة الأفعال فلو رأوا من العلماء الخوف لخافوا وزاد الأمر بإظهار المناكر وسكت العلماء وزاد الصلحاء بجمع الدنيا وصدق القائل في قوله وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها وزاد كل واحد ممن ذكر بالطمأنينة على ما عليه يخشى النكير عليه في الدنيا واستهون أمر آخرته وسبى العقول هم المأكول والمشروب فلوا أنصفوا استدلوا بالشاهد على الغائب وأخذوا الحزم للآتي كما أخذوه في هذه لأن الأبدان واحدة والبشرية طبيعتها في الاحتياج لا ينتفي بالموت بل يزداد شدة الاحتياج للطعام والشراب في عرصات القيامة حتى يأكل أهل الجنة من زيادة الكبد ويشربوا من الحوض فحينئذ يأكلون ويشربون تلذذاً وتنعماً بل وردت النصوص هي أن الله تكفل بالرزق في الدنيا ولم يرد في شيء تكفله في تلك العرصات وقد خطب الحجاج في ذلك فقال الحسن كلمة حكمة صدرت من فاسق وليس معهم ما بلغته الرسل من التوسع في الجنة فإن كل من دخلها يرى نفسه ملكاً من الملوك مما أفاض الله عليه من النعيم المقيم بل المهم الأعظم أمد العمار بالعرصات الكبار ولذلك لا تجد سورة من سور القرآن وإن كانت أخصر السور كالكوثر والعصر إلا والحق تعالى أنذر العباد بالموت أو حالة مآل الموت من أحوال القيامة إما تصريحاً أو ما يدل لذلك ثم الخوف من هذه العاقبة أهم المهمات أيضاً وإن

стр. 597

كان على أكمل حاله في الدين بل يخشى ولعله من زمرة أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ولا يخرج من عدتها إلا من زكاه الرسل وقد قال ﷺ «والمخلصون على خطر عظيم» نعم وكذا يظهر لي أن لا يبالغ المؤرخ في الثناء بما يختص الله بعلمه من أفعال القلوب كالزهد والولاية إلا أن يكون من أهل الإذن فإن الزهد هو خلو القلب من الميل إلى الدنيا فقد يكون الانسان تاركاً الدنيا ولم يتعلق بيده شيء منها لعدم القسمة الأزلية ولكن قلبه مفتون بها فليس هذا بزاهد وقد تكون يده عامرة وقلبه فارغاً من حبها يرى أنه أمين في التصرف فهذا زهد فمتى تعرف واتصل إلى ما فيه قلبه فتشهد عليه وربما تضرر بذلك في قبره إذا عرض عليه ما قيل فيه ولم يكن من أهله ويتأسف عليه دليله حديث أخت ابن رواحة حين تبكيه في مرض أشرف منه عليه ويقال أنت كذلك فلما مات لم تبكه وكذلك لفظ الولاية وهو أشد من الأول لأنه يؤذن بحسن الخاتمة لقوله تعالى ﴿ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ثم وصفهم فقال ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ وهو حسن الخاتمة تبشرهم الملائكة بذلك وكيف يصل المؤرخ إلى معرفة ذلك وقد قال ﷺ في ابن مظعون لا أدري ما يفعل به وأنا رسول الله وإني لأرجو له الخير وقد أتاه اليقين أو كيفما قال ﷺ وقال الغزالي إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا حسن الخاتمة قيل هي دعوى الولاية والكرامة اهـ وأنا لا أدري هل هذا مختص بالمدعي نفسه أو يشمل من ادعاها لغيره محبة وليس هو ممن يشهد بها من أهل الإذن فتأمله فالله أعلم قال الشيخ زروق وأما ادعاء المراتب والتجاسر عليها كقولهم فلان في مرتبة كذا وفلان بلغ إلى كذا أو ترجمة مشايخهم وسعة تقديمهم بالقطبانية ودعاؤها لمن لم يصلح أن يكون خديماً في المراحيض اهـ، ويقتصر المؤرخ على الأوصاف الظاهرة الصادقة كإتقان العلوم والفهم الثاقب والادراك والذكاء والحفظ وقوة العقل والنباهة والاصابة وعدم الخطأ والفصاحة والنجابة في التدريس والفراسة واستحضار الجواب والنقل الصائب والانصاف وعدم الميل للهوى وإفادة الطالب والحرص على ذلك ويعتبر هذا كله وما أشبهه مما يوصف به إما بالممارسة أو بالنقل الصحيح وقد علمت أنهم نصوا على أن التزكية بعد ما يسافر معه والسلام اهـ نص الورقة المذكورة وقد تضمن كلامه هذا الاشارة إلى مسألتين:

стр. 598

الأولى الحض على ذكر شيء من أحوال المعاد وأهوال يوم القيامة الذي هو أهم الأشياء عند كل عاقل موفق وأنه ينبغي لكل من ألف كتاباً أن يختمه بشيء من ذلك ولا يغفله قلت ولا أظن أنهم أغفلوه إلا أنهم رأوا فناء مستقلاً يطول الكلام فيه فأفردوا له تآليف بالخصوص الثانية الاشارة إلى ما وقع لنا عند التعريف بشيخنا ناظم القصيدة المشروحة من تحليته وتحلية اشياخه مما جرت به عادة المؤرخين من الوصف بالعلم والزهد والصلاح ونحو ذلك وأنه ينبغي للانسان عند ذلك التحلية بالأوصاف الظاهرة كاتقان العلوم والفهم الثاقب ونحو ذلك دون ما ختص الله بعلمه من أفعال القلوب كالزهد والولاية وقد تبعنا نحن في ذلك غيرنا ممن لا يحصى بكثرة ولكن الصواب ما قاله ﵁ ونفعنا به وبأمثاله ولم أزل منذ حضني على ما ذكر حول بفكري في ذلك وأريد مطالعة بعض كتب القوم عليه وجمع طرف منه باختصار فبينما أنا كذلك وقفت للسيد المذكور على تأليف له من جملة تآليفه العديدة المحررة المفيدة قد ختمه بخاتمة تشتمل على المهم من ذلك فأراحني مما أريد تكلف جمعه وترتيبه وأردت أن أختم بها هذا الشرح المبارك امتثالاً لأمره وتبركاً بألفاظه وصالح نيته قال نفعنا الله به فصل في الخاتمة ختم الله لنا وإياكم بالحسنى اعلم أن كل من قيد شيئاً ولم يذكر من أحوال المعاد طرفاً فقد أخل وأضاع ما يحقه في حق المصطفى ﷺ والقرآن المشحون بذكر أحواله ولا تكاد تجد فيه سورة إلا وقد أفصحت عن ذلك أو أومأت إلى بعض ما يخصه وأصغر السور الكوثر والإخلاص والعصر، فالكوثر الخير الذي أعطاه الله نبينا محمد ﷺ والاخلاص بمحض التوحيد الذي لم يأت به حرم عليه الحضور وملزوماته بحافات الكوثر وما بعث الله الرسل إلا للانذار بمواقفه واعلام الخلق بزلازله وعواصفه يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه يوم يقوم الحساب يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم يعض الظالم على يديه يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً مختلطين ملتفين وملتحمين لا يملك أحد إلا تحت قدميه ويوم

стр. 599

نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً وعرضوا على ربك صفاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ان لبثتم إلا قليلاً. وما شرعت التكاليف إلا للتزود إليه ولما لم ينتفع به فيه حتى تفصل عرصاته وأما من دخل الجنة وخلص إليها فلا يرى فيها إلا الملك الكبير ويخلق الله فيها الكلم الرضا وفوق الرضا ولم يذكر المؤمن بأفضل من كتابه الذي أنزل له لا ريب فيه ولا مراء وإني لأرى هذا الأمر بقي على كثير من المصنفين لأن كل ما صنفوا إنما هو لأجله وأجل ما أعد له واستعد للزاد إليه التقلل من الدنيا والزهد في متاعها لقول المصطفى ﷺ «المكثرون هم المقلون يوم القيامة» والزهد خلو القلب عن التعلق بها وليس بالزاهد العديم المفتتن بها واختلافهم في الفقير الصابر والغني الشاكر قيل المراد بالغني هنا هو الغنى بالله ولا علينا في تعمير يده أم لا وكذلك هو الفقير ليس هو العديم أيضاً وإنما ذلك في مقام القلب ونظره لسيده وبيانه أن الغني في هذا الباب قلبه فارغ من همومها في الوجود والعدم ففي الوجدان أن لا يضعف عن التصرف بالاذن وفي العدم لا يتمنى التصرف في ملك الغير والفقير يخشى الافتتان بوجدانها ويضيق صدره بما تعلق بها من التكاليف في التصريف ويود السلامة منها وإلى هذا أشار الشيخ زروق لا تجد فقيراً صابراً إلا غنياً شاكراً ولا غنياً شاكراً إلا فقيراً صابراً والله أعلم وأما من تعلق قلبه بالدنيا في الوجود والعدم أو يبكي على فقدان ما ضاع له منها ولا يريد إلا الازدياد منها على أي وجه كان من حلال أو حرام أو متشابه فأولئك الذين تنصب عليهم الأهوال صباً يوم يجيء ربك والملك صفا صفا والأولون في وارفات ظل العرش نفعنا الله بذكرهم أمين ومن أجل ما استعد به أيضاً الصلاة وإقامتها والمحافظة عليها بشروطها وما زال ﷺ عند احتضاره يوصي بالصلاة وعن إياس بن زياد قال قال

стр. 600

رسول الله ﷺ «لا بد من قيام الليل ولو حلب ناقة» وقد رؤي الجنيد في المنام قيل له كيف تجدك عند الله قال وجدت بركة ركيعات كنا نقوم بها في الليل فسئل عن الاشارات والالهامات التي كانت تتلقى منه في مقدمات التصوف فقال هيهات ذهب كل ذلك ووقع مثل هذا لعبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك سئل أيضاً اذ رؤى في المنام عن الاجتهادات في المسائل فقال لم يبق لنا إلا صلوات الليل فإذا كان هؤلاء هكذا مع أن ما هم فيه مطلوب فأين ما فيه غيرهم من الفضول ممن يرى لنفسه مزية أو ترى له ويروى أن إنساناً عامل نبينا ﷺ بشيء فأراد ﷺ مكافأته فقال له سل حاجتك قال الجنة يا رسول الله فقال له ولعلك تطلب بعض ما جرت به العادة أو كيفما قال ﷺ قال لا، لا أطلب إلا الجنة فقال ﷺ أعني على نفسك بقيام الليل أو كيفما كانت ألفاظ هذا الحديث ومن ذلك بعض أهل الفساد ومباينتهم قال الله تعالى ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ فتأمل في ألفاظ هذه الآية الكريمة وما احتوت عليه من الفضائل والثناء الجميل على من اتصف بما ذكر وظاهرها غير شريطه كبير صلاة ولا صوم سوى وظائف التكاليف التي لا ينجح عمل دونها والله أعلم بما ينزل، ووجدت في طرة من تفسير الواحدي قال لما نزلت قال ﷺ اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً فيحبه قلبي اهـ لكن الحب والبغض في هذا الباب يحتاجان إلى تصرف علمي خال عن
следующие страницы →