Полный текст (614 стр.). Показаны 596–614 · переход к 601.
стр. 596
قدر استقامة كل أحد
بما جاء به الرسول الذي أرسل إليه وعلى طبعه البشري في الدنيا من الاحتياج إلى المأكول والمشروب وأن الله تعالى جعل في هذه الدار ما يرون من الأسباب والحرف وسائل إلى الطعام والشراب على ما ألفوه وجعل في الدار الآخرة قبل دخول الجنة محافظة عهود الرسل أسباب مطعومهم ومشروبهم وليس هناك سبب سوى ما قدموا فتجد أكثر الناس مما يظن بهه المعرفة لا يظن أن الناس يأكلون بعد البعث ولا يحتاجونه في معتقده وإنما ذلك البعث والحساب قدر ركعتين ودخول الجنة وأن الشفاعة تنالهم لا محالة فهذا هو الغرور ويكون ذلك من مختصر كلام في صفح ورقة لأن خير الكلام ما قل ودل فقد ورد أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرضين بمقدار خمسين ألف سنة وسيعمر بالخلائق أجمعين عرصات القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما صرح به القرآن ويقال عمارة العالم دور الفلك الأعظم خمسين ألف سنة وهذا الأخير لم أره والله أعلم بصحته أو فساده فإذا تقرر هذا فيلزم العالم أن يبلغ عن نبيه أعظم مهماته الذي أرسل به وموضع ذلك كل من قيد شيئاً أو ألفه أن يدمج هذا الأمر في سمائه أو يجعل له فصلا مستقلاً أو خاتمة وهو مناسب للخاتم ثم يكون هذا المقيد أو المؤلف هو أول قائم بهذا العلم وحمل نفسه على مقتضى ما علمه من الأوامر والنواهي ليكون ذلك داعية إلى الانتفاع به ظاهراً أو باطناً وما أفسد أحوال الشريعة إلا تساهل العلماء بأديانهم وطباع العامة على مراقبة الأفعال فلو رأوا من العلماء الخوف لخافوا وزاد الأمر بإظهار المناكر وسكت العلماء وزاد الصلحاء بجمع الدنيا وصدق القائل في قوله
وهل أفسد الدين إلا الملوك
وأحبار سوء ورهبانها
وزاد كل واحد ممن ذكر بالطمأنينة على ما عليه يخشى النكير عليه في الدنيا واستهون أمر آخرته وسبى العقول هم المأكول والمشروب فلوا أنصفوا استدلوا بالشاهد على الغائب وأخذوا الحزم للآتي كما أخذوه في هذه لأن الأبدان واحدة والبشرية طبيعتها في الاحتياج لا ينتفي بالموت بل يزداد شدة الاحتياج للطعام والشراب في عرصات القيامة حتى يأكل أهل الجنة من زيادة الكبد ويشربوا من الحوض فحينئذ يأكلون ويشربون تلذذاً وتنعماً بل وردت النصوص هي أن الله تكفل بالرزق في الدنيا ولم يرد في شيء تكفله في تلك العرصات وقد خطب الحجاج في ذلك فقال الحسن كلمة حكمة صدرت من فاسق وليس معهم ما بلغته الرسل من التوسع في الجنة فإن كل من دخلها يرى نفسه ملكاً من الملوك مما أفاض الله عليه من النعيم المقيم بل المهم الأعظم أمد العمار بالعرصات الكبار ولذلك لا تجد سورة من سور القرآن وإن كانت أخصر السور كالكوثر والعصر إلا والحق تعالى أنذر العباد بالموت أو حالة مآل الموت من أحوال القيامة إما تصريحاً أو ما يدل لذلك ثم الخوف من هذه العاقبة أهم المهمات أيضاً وإن
стр. 597
كان على أكمل حاله في الدين بل يخشى ولعله من زمرة أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ولا يخرج من عدتها إلا من زكاه الرسل وقد قال ﷺ «والمخلصون على خطر عظيم» نعم وكذا يظهر لي أن لا يبالغ المؤرخ في الثناء بما يختص الله بعلمه من أفعال القلوب كالزهد والولاية إلا أن يكون من أهل الإذن فإن الزهد هو خلو القلب من الميل إلى الدنيا فقد يكون الانسان تاركاً الدنيا ولم يتعلق بيده شيء منها لعدم القسمة الأزلية ولكن قلبه مفتون بها فليس هذا بزاهد وقد تكون يده عامرة وقلبه فارغاً من حبها يرى أنه أمين في التصرف فهذا زهد فمتى تعرف واتصل إلى ما فيه قلبه فتشهد عليه وربما تضرر بذلك في قبره إذا عرض عليه ما قيل فيه ولم يكن من أهله ويتأسف عليه دليله حديث أخت ابن رواحة حين تبكيه في مرض
أشرف منه عليه ويقال أنت كذلك فلما مات لم تبكه وكذلك لفظ الولاية وهو أشد من الأول لأنه يؤذن بحسن الخاتمة لقوله تعالى ﴿ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ ثم وصفهم فقال ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ وهو حسن الخاتمة تبشرهم الملائكة بذلك وكيف يصل المؤرخ إلى معرفة ذلك وقد قال ﷺ في ابن مظعون لا أدري ما يفعل به وأنا رسول الله وإني لأرجو له الخير وقد أتاه اليقين أو كيفما قال ﷺ وقال الغزالي إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا حسن الخاتمة قيل هي دعوى الولاية والكرامة اهـ وأنا لا أدري هل هذا مختص بالمدعي نفسه أو يشمل من ادعاها لغيره محبة وليس هو ممن يشهد بها من أهل الإذن فتأمله فالله أعلم قال الشيخ زروق وأما ادعاء المراتب والتجاسر عليها كقولهم فلان في مرتبة كذا وفلان بلغ إلى كذا أو ترجمة مشايخهم وسعة تقديمهم بالقطبانية ودعاؤها لمن لم يصلح أن يكون خديماً في المراحيض اهـ، ويقتصر المؤرخ على الأوصاف الظاهرة الصادقة كإتقان العلوم والفهم الثاقب والادراك والذكاء والحفظ وقوة العقل والنباهة والاصابة وعدم الخطأ والفصاحة والنجابة في التدريس والفراسة واستحضار الجواب والنقل الصائب والانصاف وعدم الميل للهوى وإفادة الطالب والحرص على ذلك ويعتبر هذا كله وما أشبهه مما يوصف به إما بالممارسة أو بالنقل الصحيح وقد علمت أنهم نصوا على أن التزكية بعد ما يسافر معه والسلام اهـ نص الورقة المذكورة وقد تضمن كلامه هذا الاشارة إلى مسألتين:
стр. 598
الأولى الحض على ذكر شيء من أحوال المعاد وأهوال يوم القيامة الذي هو أهم الأشياء عند كل عاقل موفق وأنه ينبغي لكل من ألف كتاباً أن يختمه بشيء من ذلك ولا يغفله قلت ولا أظن أنهم أغفلوه إلا أنهم رأوا فناء مستقلاً يطول الكلام فيه فأفردوا له تآليف بالخصوص الثانية الاشارة إلى ما وقع لنا عند التعريف بشيخنا ناظم القصيدة
المشروحة من تحليته وتحلية اشياخه مما جرت به عادة المؤرخين من الوصف بالعلم والزهد والصلاح ونحو ذلك وأنه ينبغي للانسان عند ذلك التحلية بالأوصاف الظاهرة كاتقان العلوم والفهم الثاقب ونحو ذلك دون ما ختص الله بعلمه من أفعال القلوب كالزهد والولاية وقد تبعنا نحن في ذلك غيرنا ممن لا يحصى بكثرة ولكن الصواب ما قاله ﵁ ونفعنا به وبأمثاله ولم أزل منذ حضني على ما ذكر حول بفكري في ذلك وأريد مطالعة بعض كتب القوم عليه وجمع طرف منه باختصار فبينما أنا كذلك وقفت للسيد المذكور على تأليف له من جملة تآليفه العديدة المحررة المفيدة قد ختمه بخاتمة تشتمل على المهم من ذلك فأراحني مما أريد تكلف جمعه وترتيبه وأردت أن أختم بها هذا الشرح المبارك امتثالاً لأمره وتبركاً بألفاظه وصالح نيته قال نفعنا الله به
فصل في الخاتمة ختم الله لنا وإياكم بالحسنى
اعلم أن كل من قيد شيئاً ولم يذكر من أحوال المعاد طرفاً فقد أخل وأضاع ما يحقه في حق المصطفى ﷺ والقرآن المشحون بذكر أحواله ولا تكاد تجد فيه سورة إلا وقد أفصحت عن ذلك أو أومأت إلى بعض ما يخصه وأصغر السور الكوثر والإخلاص والعصر، فالكوثر الخير الذي أعطاه الله نبينا محمد ﷺ والاخلاص بمحض التوحيد الذي لم يأت به حرم عليه الحضور وملزوماته بحافات الكوثر وما بعث الله الرسل إلا للانذار بمواقفه واعلام الخلق بزلازله وعواصفه يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه يوم يقوم الحساب يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم يوم يقوم الأشهاد يوم يعض الظالم على يديه يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً مختلطين ملتفين وملتحمين لا يملك أحد إلا تحت قدميه ويوم
стр. 599
نحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً وعرضوا على ربك صفاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ان لبثتم إلا قليلاً.
وما شرعت التكاليف إلا للتزود إليه ولما لم ينتفع به فيه حتى تفصل عرصاته وأما من دخل الجنة وخلص إليها فلا يرى فيها إلا الملك الكبير ويخلق الله فيها الكلم الرضا وفوق الرضا ولم يذكر المؤمن بأفضل من كتابه الذي أنزل له لا ريب فيه ولا مراء وإني لأرى هذا الأمر بقي على كثير من المصنفين لأن كل ما صنفوا إنما هو لأجله وأجل ما أعد له واستعد للزاد إليه التقلل من الدنيا والزهد في متاعها لقول المصطفى ﷺ «المكثرون هم المقلون يوم القيامة» والزهد خلو القلب عن التعلق بها وليس بالزاهد العديم المفتتن بها واختلافهم في الفقير الصابر والغني الشاكر قيل المراد بالغني هنا هو الغنى بالله ولا علينا في تعمير يده أم لا وكذلك هو الفقير ليس هو العديم أيضاً وإنما ذلك في مقام القلب ونظره لسيده وبيانه أن الغني في هذا الباب قلبه فارغ من همومها في الوجود والعدم ففي الوجدان أن لا يضعف عن التصرف بالاذن وفي العدم لا يتمنى التصرف في ملك الغير والفقير يخشى الافتتان بوجدانها ويضيق صدره بما تعلق بها من التكاليف في التصريف ويود السلامة منها وإلى هذا أشار الشيخ زروق لا تجد فقيراً صابراً إلا غنياً شاكراً ولا غنياً شاكراً إلا فقيراً صابراً والله أعلم وأما من تعلق قلبه بالدنيا في الوجود والعدم أو يبكي على فقدان ما ضاع له منها ولا يريد إلا الازدياد منها على أي وجه كان من حلال أو حرام أو متشابه فأولئك الذين تنصب عليهم الأهوال صباً يوم يجيء ربك والملك صفا صفا والأولون في وارفات ظل العرش نفعنا الله بذكرهم أمين ومن أجل ما استعد به أيضاً الصلاة وإقامتها والمحافظة عليها بشروطها وما زال ﷺ عند احتضاره يوصي بالصلاة وعن إياس بن زياد قال قال
стр. 600
رسول الله ﷺ «لا بد من قيام الليل ولو حلب ناقة» وقد رؤي الجنيد في المنام قيل له كيف تجدك عند الله قال وجدت بركة ركيعات كنا نقوم بها في الليل فسئل
عن الاشارات والالهامات التي كانت تتلقى منه في مقدمات التصوف فقال هيهات ذهب كل ذلك ووقع مثل هذا لعبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك سئل أيضاً اذ رؤى في المنام عن الاجتهادات في المسائل فقال لم يبق لنا إلا صلوات الليل فإذا كان هؤلاء هكذا مع أن ما هم فيه مطلوب فأين ما فيه غيرهم من الفضول ممن يرى لنفسه مزية أو ترى له ويروى أن إنساناً عامل نبينا ﷺ بشيء فأراد ﷺ مكافأته فقال له سل حاجتك قال الجنة يا رسول الله فقال له ولعلك تطلب بعض ما جرت به العادة أو كيفما قال ﷺ قال لا، لا أطلب إلا الجنة فقال ﷺ أعني على نفسك بقيام الليل أو كيفما كانت ألفاظ هذا الحديث ومن ذلك بعض أهل الفساد ومباينتهم قال الله تعالى
﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ فتأمل في ألفاظ هذه الآية الكريمة وما احتوت عليه من الفضائل والثناء الجميل على من اتصف بما ذكر وظاهرها غير شريطه كبير صلاة ولا صوم سوى وظائف التكاليف التي لا ينجح عمل دونها والله أعلم بما ينزل، ووجدت في طرة من تفسير الواحدي قال لما نزلت قال ﷺ اللهم لا تجعل لفاجر عندي يداً فيحبه قلبي اهـ لكن الحب والبغض في هذا الباب يحتاجان إلى تصرف علمي خال عن
стр. 601
الهوى وجنونه حتى يبغض محقاً أو يحب مفسداً وإلا هلك وهذا الباب كثير الاشتباه عسير التخلص إلا من سلمه الله وهذا فيما لابسه أهل الديانات وأما غيرهم فلا ذمة ولا ذمام وفي شرح الرسالة للزناتي عنه ﵊ اللهم لا تجعل لفاجر علينا منة فترزقه بها مني محبة
وقال عيسى ابن مريم ﵊ تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا الى الله بالتباعد عنهم والتمسوا رضا الله بسخطهم اهـ نعم وإن كل من تعلم العلم لله أو حفظ القرآن لوجه الله ولم يصيره آلة لما يأكل به فأولئك جلساء الرحمن فعن معمر الانصاري أن رسول الله ﷺ قال من تعلم علماً مما ينفع الله به الآخرة لا يتعلمه إلا للدنيا أو قال يتعلمه للدنيا حرم الله عليه أن يجد عرف الجنة وعن الغافقي في فضائل القرآن عن رسول الله ﷺ من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيجيء قوم يقرءون القرآن يسألون به الناس وعن الحسين قراءة القرآن ثلاثة: صنف اتخذوه بضاعة يأكلون به وصنف أقاموا حروفه وضيعوا حدوده واستطالوا به على بلادهم واشتروا به الولاة وأكثر هذا الضرب من حملة القرآن لا كثرهم الله وصنف عمدوا على دواء القرآن فوضعوه على داء قلوبهم فذكروا به في محاريبهم وجثوا به في برانيسهم واستشعروا الخوف وارتدوا الحزن فأولئك الذين يستقى بهم الغيث وينصرونهم على الأعداء، والله لهذا الضرب في حملة القرآن أعز من الكبريت الأحمر، وعن زاذان قال: من قرأ القرآن ليأكل به الناس لقي الله ليس في وجهه مضغة لحم وعن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله ﷺ إذا قدم إليه مهاجر دفعه إلى أحد منا يعلمه القرآن فدفع إلي رجلاً فكنت أقرئه القرآن فأهدى إلي قوساً فأخبرت بذلك النبي ﷺ فقال جمرة بين كتفيك تقلدتها
وعن أبي أنه كان يقرىء رجلاً من
стр. 602
أهل اليمن سورة فرأى قوساً عنده فقال بعنيها فقال له بل هي لك هدية فأخبر النبي ﷺ فقال إن أردت أن تقلد قوساً من نار فخذها وفي رواية لو تقوستها لتقوست قوساً من نار وعن أبي أيضاً قال كنت أختلف إلى رجل مكفوف اقرئه القرآن فكان يدعو لي بطعام فآكله فوجدت منه في نفسي فسألت النبي ﷺ فقال ﷺ إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله الذي يأكلون فكل وإن كان طعاماً يتحفك به فلا تأكل فأتيته نحو ما أتيته فلما فرغ قال يا جارية سلمي طعام أخي فقلت له هذا طعام أهلك الذي تأكلون قال لا ولكن أتحفك به فقلت إن رسول الله ﷺ قد نهاني عنه اهـ
وهكذا ها هنا وفي الصحيح أن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله في قضية الرقي وفيها فاضربوا لي معكم بسهم وهذا والله أعلم يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والنسخ على تسليم صحة ما في الغافقي وفيه أيضاً عن أبي أيوب الأنصاري أنه أمر رجلاً يمسك عليه المصحف وقال لا تردن علي باء ولا تاء ولا حرفاً ولا حرفين إلا أن يكون آية كاملة فإنه سيكون قوم يقرءون القرآن ولا يسقطون منه حرفاً اللهم لا تجعلني منهم، وعن فضالة بن عبيد الانصاري مثله قال لرجل خذ هذا المصحف وأمسك علي ولا تردن علي ألفاً ولا واواً فإنه سيكون قوم يقرءون القرآن ولا يسقطون منه ألفاً ولا واو ثم رفع فضالة يديه فقال اللهم لا تجعلني منهم، وفي رواية لا تأخذن علي حرفاً إلا آية كاملة اهـ
الغافقي فانظر ما معنى هذين الحديثين الأخيرين فان الكمال عند الناس اليوم خلاف مقتضاهما نعم أما قوله لا تردن علي حرفاً ولا حرفين فإن القرآن في عصر الصحابة يقرأ على حروف كثيرة والكل قرآن كلها في الصحيح في سورة الفرقان من قوله ﷺ اقرأ يا هشام اقرأ يا عمر وقال في كل من ذلك كذلك أنزل وكل ما حواه الصحابي لا يكون حجة على صحابي آخر لأن كل واحد منهم ثبت عنده ما لم يثبت عند الآخر وذلك سبب جمع عثمان للقرآن
стр. 603
على حرف واحد وحمل الناس عليه وأما الآية الكاملة فلا تتفق المصاحف على إسقاطها لذلك قال له لا ترد علي إلا آية كاملة وبقي قولهما (اللهم لا تجعلني منهم) على إشكال فيه والله أعلم
وفي الصحاح لالجوهري وفي حديث حذيفة أن من أقرأ الناس القرآن منافقاً لا يدع منه واو ولا ألفا يلفه بلسانه كما تلف البقرة الخلا بلسانها وأظن إلى هذا الفريق أشار الشيخ سيدي عبد الله الهبطي في الفتية السنية حيث قال
أما الذين يقرءون القرآن
فإنهم على سبيل الشيطان
ترك الصلاة عندهم مشهور
وإن تكن بفوتها الحضور
ما عندهم بالاحتفال معروف
إلا الذي أتى بعلم المحذوف
قد ضيعوا عليهم أصول الدين
كضيعة المفروض والمسنون
فكل متصد لطلب مرتبة أياً كانت مما تبنى عليه أساسات الدين ليأكل بها ويرتزق فقد خيف عليه التلطف ولكن يبقى حتى يسأل ويستخير الله ويشاء ويشاور بشرط أهليته لها وكل طالب علم أو قراءة لا يهتم بإقامة الفرائض فذلك دليل على عدم القصد به وجه الله تعالى فإن خدمة العلم هي خدمة الله تعالى فإذا لم يحافظ على أوامره فإنما يخدم هواه وذلك إذا رأيته يتأخر عن أول الصلاة اكتفاء بآخرها فإن من ترك أول صلاة الجماعة اختياراً لا يحصل له أجر صلاة الجماعة وما روي من قول مالك لابن وهب مالذي قمت عنه بأولى مما قمت إليه مشكل إذا كان قيامه لصلاة الجماعة وأما إن كان الوقت والحالة أن الاتساع حاصل أو كانت جماعة أخرى فلا إشكال ولا بد من ملاحظة صورة القضية كيف كانت وكذلك الذي يبادر اللوح أو الكتاب بأثر السلام ولا مراد له في فضل المعقبات وفي تنبيه الغافل
وروى عن عمر ﵁ أنه رأى رجل بادر التنفل بعد السلام فقام إليه وضرب به الأرض ما أهلك من كان قبلكم إلا أنهم لا يفصلون بين فرضهم ونفلهم فرآهم ﷺ وقال له إن الله أصاب بك الصواب يا ابن الخطاب تأمل هذه القضية فهي في النافلة المجانسة للصلاة فأين غيرها من نحو اللوح والكتاب بل قل لي أين منها من سلم وابتدر شقاشق الكلام الذي نحن فيه سائر الدهر ونصوا أن أقل ما يكفي من ذلك قراءة آية للكرسي والتسبيح والتحميد والتكبير عشراً عشراً ثم كل طالب مصيب بحق أن يكون له ورد في الذكر كل يوم ولو مائة صلاة على سيدنا ومولانا محمد ﷺ ليستعين بذلك على تصحيح نيته وطلب العلم أفضل الأعمال لكن بنية صالحة وكذلك رغائب المفروضات لا سيما ركعتي المغرب فإنه مروي أنها ترفع من عمل النهار ومما يجب التنبيه عليه ما سببت به الأهواء من
стр. 604
قراءة القرآن بالألحان العجمية وتحسين قراءته بنغماتهم ويحسبون أنهم على شيء وإنما تزين قراءته بألحان العرب الذي أنزل بلسانهم وذلك أن طبع الموسيقى العجمي لا يتم إلا بمد ما لا يمد وقصر ما لا يقصر وعلى خلافه اللحن العربي ولذلك ورد الاذن به فقيل فيما روي (اقرأوا القرآن بألحان العرب) وهذا المبذول قد يمتنع لعارض، قال الشيخ أبو العباس في القباب في شرح قواعد عياضرحمهما الله عند قول القاضي حسن الصوت ما نصه: سئل مالك في العتبية في النفر يكونون في المسجد فيقولون لرجل حسن الصوت اقرأ علينا يريدون حسن صوته فكره ذلك وقال إنما هذا شبه الغناء قيل له أفرأيت قول عمر لأبي موسى الاشعري ﵄ ذكرنا ربنا، فقال إن من الأحاديث أحاديث قد سمعتها وأنا أتقيها ووالله ما سمعت هذا قط قبل هذا المجلس وكره القراءة بالالحان وقال هذا شبه الغناء ولا أحب أن يعمل بذلك وقال إنما اتخذوها يأكلون بها ويكسبون عليها
(شرح) قال القاضي أبو الوليد بن رشد إنما كره مالك للنفر يقولون للحن الصوت إقرأ علينا إذا أرادوا بذلك حسن صوته كما قال لا إذا قالوا ذلك استدعاء لرقة قلوبهم لسماعهم قراءته الحسنة فقد روى أن رسول الله ﷺ قال ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن أي ما استمع لشيء ما استمع لنبي يحسن الصوت بالقرآن طلباً لرقة قلبه بذلك وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى أبا موسى الأشعري قال له ذكرنا ربنا فيقرأ عنده وكان حسن الصوت فلم يكن عمر ليقصده لا لالتذاذ حسن صوته وإنما استدعى رقة قلبه بسماع قراءة القرآن وهذا لا بأس به إذا صح من فاعله على هذا الوجه وقوله إن من الأحاديث أحاديث سمعتها وأنا أتقيها وإنما أتقي أن يكون التحدث بما روي عن عمر ذريعة لاستجازه القرآن بالالحان ابتغاء استماع الأصوات الحسان والالتذاذ بذلك حتى يقصد أن يقدم الرجل للامامة لحسن صوته لا لما سوى ذلك مما يرغب في امامته من أجله فقد روي أن النبي ﷺ قال (بادروا بالموت أشياء) ذكر أحذها نشواً يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليغنيهم وإن كان أقلهم فقهاً فالتحذير إنما وقع لإيثارهم تقديم حسن الصوت على
стр. 605
الكثير الفقه فلو كانا رجلين متساويين في الفضل والفقه أحدهما أحسن صوتاً بالقراءة لما كان مكروهاً أن يؤم الأحسن صوتاً بالقراءة لأنها مرتبة زائدة محمودة خصه الله تعالى بها وقد قال رسول الله ﷺ لأبي موسى الأشعري تغبيطاً لما وهبه الله تعالى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود
فحاصل ما جلبت إليه هذه الرواية وما قال القاضي إنما يستحب تقديم الحسن الصوت مع استوائه مع غيره في جميع موجبات الامامة فتكون له فضيلة زائدة ومن قدم الحسن الصوت لصوته فهو من باب الغناء الذي ينزه كتاب الله أن يتخذ لذلك وإنما يجوز ذلك إذا طلب به رقة القلب والخشوع وأما من قصد الالتذاذ بصوته الحسن فلا يجوز ذلك وهذا الذي يفعل في بلادنا في تراويح رمضان يقدمون ذوي الاصوات الحسان لحسن أصواتهم على من هو أولى بالإمامة منهم لا شيء غير الصوت الحسن وهذا الذي جاء في الحديث التحذير منه وربما قدموا لذلك من لا يحسن وضوء أو لا غيره بل ربما قدموا لذلك صبياً قبل بلوغه وعقدوا له جموعاً لسماع صوته فإذا فرغ خرجوا من المسجد لا أرب لهم في الصلاة وإنما غرضهم سماع صوته وأكثرهم جلوس لا يصلون ولا ترى ناهياً عن ذلك ولا منكراً له بل تزخرف المساجد ويكثرون بها النيران وربما جلب بعضهم للمسجد المأكل يأكلها في المسجد لتتم لذاته بسماع الصوت الحسن وأكل الطيبات وقد ينتهي الحال لبعضهم أن يواعد لمجلس هذا القاريء من له غرض فاسد في مجالسته على وجه لا يجوز شرعاً وشرح جميع ما يقع في ذلك من أهل المجون مما ينزه كتابنا عنه فيأتي شهر رمضان الذي عظم الله شأنه وقال النبي ﷺ ينادي مناد يا طالب الخير هلم ويا طالب الشر أمسك فينصب لأهل الشر في المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ولد يغنيهم بالقرآن فيجتمع عليه الرعاع لسماع صوته خاصة لا لرقة ولا لغيرها ثم يكون ذلك داعية لقبائح يعرفها من عرفها وذلك كله استخفاف بحرمة الشهر وحرمة المسجد وحرمة الصلاة وبعظم حرمة القرآن كلام الرب سبحانه فكل من أعان على شيء من ذلك بفعل أو قول فهو شريك بل من قدر على تغييره ولم يفعل فهو آثم عاص اهـ كلام الإمام القباب رحمه الله تعالى
أشار إلى ما يقع في القرويين وغيره في ليالي رمضان وخصوصاً ليلة سبع وعشرين واستفدنا بكلامه قدم هذه الداهية ولا نكير لها على مرور الاعصار والدهور
стр. 606
لأن وفاته سنة سبع وسبعين وسبعمائة ولم يكبر عليه إذ ذاك سوى توالي إمامة التراويح من لا يصلح للإمامة واجتماع الشباب ومن يصبو ويميل للهوى والأغاني لاستماع القراءة فيميل بهم الطبع إلى ما فطروا عليه من الفساد لعدم الرياضة لطريق الرشاد وقد تفاقم الخطب بعده في وقتنا هذا لو رآه أو سمع به لضاق عليه التعبير وذلك أنه لا تبقى كهلة ولا شابة إلا وأخذت أهبتها مما في وسعها من حللها وحليها وحضرت المسجد بعد العصر من ليلة سبع وعشرين وأهل العلم يرون ذلك وربما استعذر بعضهم وقال لا قدرة له ولا يبقى في البلد فتى ولا شاب إلا وحضر ذلك المجمع ويبيتون ليلتهم كذلك وفريق من الناس يصلون وفريق فيما شاء من الصياح وفريق من التمتع بالنظر ويون ذلك تبركاً بالليلة المباركة وما هي إلا كما قال الحريري عام هياط ومياط فهي ليلة هياط ومياط فسبحان ربنا ما أوسع حلمه وكنت أظن أن هذا قريب العهد لعدم الحكم وانقضاء العلماء حتى رأيت هذا السيد تبرأ مما وقع له من ذلك في وقته وأما المستضعفون من المؤمنين متبرئون مما تبرأ منه وزيادة ما يزيد من ذلك في وقتنا وحسبنا الله ونعم الوكيل ممن يستحل شيئاً مما نهى الكتاب والسنة عنه فلم يرد بقراءته وجه الله وهو ممن قال فيه ﷺ أشد الناس عذاباً عالم لم ينفعه الله بعلمه
فإن قيل الاستماع لطلب الرقة ممدوح وكل واحد من المستمعين وجد رقة وحالة انتقل بها في باطنه لحالة أخرى بها وجد
(فالجواب) أن الوجد إلهي وشيطاني فالإلهي يورث الأحوال الحسنة الشرعية فيسرع الى التوبة ويندم على ما سلف له من سوء الفعل ويتبدل من حال المعصية للتوبة ويظهر عليه في حبه للآخرة ولإقبال على أسبابها من حينه لأنه تلي عليه كتاب سيده فلا يسعه إلا العمل بمقتضاه هذا في العاصي المقارب للخير وأما من سبق له الصلاح فإنه تنخرق له الأستار لسماعه وتتلقى سره هبات أسرار التوحيد على فسيح الامتياز ومعالم العرفان وأما الوجد الشيطاني فحرقة الهوى تتقد في أحشائه ينصرف بها إلى محبة الصور المحرمة ومعانقتها والانضمام إليها والتحدث معها وهكذا الباب والمرء فقيه نفسه فمن وجد من نفسه الحالة الأولى يندب في حقه الاستماع بشروطه ومن وجد الحالة الثانية حرم عليه الاستماع وإن كان بشروطه ومن كان بينهما بحيث لا يتضرر ولا يسأل وقتا مطلوباً به يجوز له الاستماع بشروطه وهي أن لا يكون هذا السماع بمحل يحضره الأحداث وسماع النساء والمساجد وأوقات الصلاة لأنه لهو مباح في حق من لا يتضرر
стр. 607
به، والمساجد تنزه عن اللهو وأن لا يدوم عليه فمطلق سماع الصوت الحسن لا نكير عليه إلا أن يعرض لذلك مانع على ما تقدم وبالله التوفيق.
ذكر هذا ليتجنب الموفق منه ما حقه أن يجتنب فإن اللهو إسراف في العمر وكان الشيخ يحيى ابن عمر العالم العامل ينكر جميعه وكان الفقهاء في زماننا بأفريقية يحضرون السماع وكان يعيب عليهم ذلك وكان يسميهم القوالين المغيرين فكان يقول سبحان الله ما للقرآن إذا تلاه المغير يخشع وإذا تلاه غيره لا يخشع فقال لهم زعيمهم أنا أسببه لكم أو كيفما قال فجاء إلى محل يستمع الشيخ فقرأ فدعا عليه الشيخ فبح وفسد صوته وكان يرى ذلك من كراماته
واعلم أن أضر الأسباب الخارقة للمروءة الانهماك في طلب الرزق والافراط فيه حتى لا يشعر بنفسه في أي باب هو وما يأتيك من ذلك قد فرغ منه قبل بروزك إلى هذا الوجود وإن أبشع وأفظع ما يؤتى في طلبه من تلك الأبواب اكتسابه بالدين وأكله بذات التقى وليس من المتقين وسيبتلي يوم تبلى السرائر ولا ناصر له من المنتصرين ونسأل الله ستره يوم اسبال ستره على المذنبين آمين
قال الغزالي واحذر أن تعطي بالدين وذلك أن يعطيك لظنه بأنك ورع تقي فتأكل بالدين لكن شرط حله أن لا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي لامتنع عليك من العطاء فلا فرق بين ما يأخذه بالتصوف والتقوى وهو ليس متصفاً به باطناً وبين من يزعم علوي ليعطي وهو كاذب وكل ذلك حرام عند أولي البصائر وإن أفتى الفقيه الحل بناء على الظاهر اهـ، وكذلك على من تصدر في الامامة والشهادة وهو يعلم الجرحة في نفسه أو تصدر للفتيا أو للقضاء وهو لم يتقنهما بشرائطهما وهذا على القياس والله أعلم، ولم يكتب الكاتب هذا على تبرئة بل لتقوم حجة الله وما منا إلا له مقام معلوم عنده في التستر به عن الناس اللهم يسر علينا أحسن المخارج
(واعلم) أن يجوعون يوم القيامة جوعاً شديداً فمنهم آكل وغير آكل وربما استغرب ذلك من سمعه فنورد من ذلك أدلة صريحة على وقوعه لمن كان أهلاً من ذلك فمن العلوم الفاخرة لسيدي عبد الرحمن الثعالبي رحمه الله تعالى أخرج أبو بكر بن الخطيب عن ابن مسعود ﵁ قال يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط وأعرى ما كانوا قط وأنصب ما كانوا قط فمن أطعم لله أطعمه ومن سقى لله سقاه ومن كسى لله كساه ومن عمل لله كفاه
وذكر القرطبي أنه يحشر الناس عراة غرلاً أعطش ما كانوا وأجوع ما كانوا قط فلا يسقى ذلك اليوم إلا من سقى لله ولا يطعم إلا من أطعم لله
стр. 608
ولا يكسى إلا من كسى لله ولا يكفي إلا من اتكل على الله ومصداق هذا من كتاب الله يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ويطعمون الطعام على حبه إلى قوله فوقاهم الله شر ذلك اليوم أي من إزالة الجوع والعطش والعري إلى غير ذلك من أهوال يوم القيامة وإفزاعها ثم قال سيدي عبد الرحمن في قوله ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾ فعن ابن مسعود تبدل الأرض ناراً والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها وعن علي تبدل الأرض فضة والسماء ذهبا وعن جعفر بن محمد تبدل الأرض خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة ثم قرأ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وعن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب تبدل الأرض خبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه وما ذكرناه من هذا المعنى مروي في الصحيح، قال ابن عطية روي في تبديل الأرض أخبار منها في الصحيح يبدل الله هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي وفي الصحيح أن الله يبدلها خبزاً يأكل المؤمن منها من تحت قدميه ثم روى ابن عطية عن أبيه أن التبديل في الأرض لكل فريق ما يقتضيه حاله فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته وفريق يكون على فضة إن صح السند بها وفريق الكفرة يكونون على نار ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله
قال الغزالي في الدرة الفاخرة والناس على أنواع في المحشر فالملوك كالذر كما جاء عن المتكبرين وليس المراد كهيئة الذر في الحلقة وإنما المعنى أنهم تحت الأقدام حتى صاروا كالذر في مذلتهم وانحطاطهم وقوم يشربون ماء بارداً عذباً زلزالاً لأن الصبيان يطوفون على آبائهم بكؤوس من أنهار الجنة وقوم مد على رءوسهم ظل يمنعهم من الحر وهي الصدقة الطيبة وذكر القرطبي عن أبي بكر برجان في إرشاده ولا يبعد عنك رحمك الله أن يكون الناس كلهم في صعيد واحد وموقف واحد سواء وأحدهم يشرب وآخر لا يشرب وأحدهم يسعى نوره بين يديه والآخر في الظلمة وأحدهم في حر الشمس وآخر مستظل بظل العرش مع قرب المكان والمجاورة لأنهم كانوا كذلك في الدنيا يمشي المؤمن بنور إيمانه بين الناس والكافر في ظلام كفره والمؤمن في وقاية الله
стр. 609
وكفايته والكافر والقاصي في خذلانه وغوايته والمؤمن السني يكرع في سنة الرسول ويروى ببرد اليقين ويمشي في سبل الهداية بحسن الاقتداء والمبتدع عطشان سالك في مسالك الضلالة والبدع وهو لا يدري، كذلك في الوجود الأعمى لا يجد نور بصر البصير ولا ينفعه قال الشيخ الثعالبي ﵀ فاعمل في أيام قصار لأيام طوال تربح ربحاً لا منتهى لسروره واستحضر عمرك بل عمر الدنيا وهو سبعة آلاف سنة مثلاً لتتخلص من يوم مقداره خمسون ألف سنة فلو لم تعمل إلا للخلاص من ذلك اليوم دون رجاء الجنة وخوف النار لكان ربحك كثيراً وتنعيمك كبيراً ثم قال: قال صاحب العاقبة واعلم أنه كلما طال قيامك في طاعة الله وتعبك قصر قيامك في ذلك اليوم وقل تعبك فيه وكلما طال تصرفت في طاعة الله وإقبالك وإدبارك في حاجة مسلم يقل مشيك في ذلك اليوم ويقل نصبك وبقدر ما تبذل تعطى وكما تدين تدان وقال الغزالي من طال انتظاره في الدنيا للموت لشدة مقاساته الصبر عن الشهوات فإنه يقصر انتظاره في ذلك اليوم وقال في الاحياء قال النبي ﷺ ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك لا يهمهم حساب ولا ينالهم فزع حتى يفزع مما بين الناس رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأمَّ الناس وهم به راضون ورجل أذن في مسجد ودعا إلى الله ابتغاء وجهه ورجل ابتلي بالرزق في الدنيا فلم يشغله ذلك عن عمل الآخرة قال القشيري في التجيير لو أن رجلاً له ثواب سبعين نبياً وله خصم بنصف دانق لا يدخل الجنة حتى يرضى خصمه وقيل يؤخذ بدانق فضة سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم ولا يكون شيء أشد على أهل القيامة من أن يرى الانسان من يعرفه مخافة أن يدعي عليه شيئاً والدانق سدس الدرهم وروى رزين عن أبي هريرة ﵁ قال كنا نسمع أن الرجل يلتقي بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه فيقول مالك إلى وما بيني وبينك معرفة فيقول كنت تراني على الخطايا وعلى المنكر ولا تنهاني وقال في الحديث الواحد الذي رحل جابر بن عبد الله من أجله إلى عبد الله بن أنيس مسيرة شهر هو قول عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول يحشر الله العباد أو قال الناس شك همام وأومأ بيده إلى الشام عراة غرلا بهما قال ما بهما قال ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب أنا الملك الديان
стр. 610
لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قال قلنا وكيف إنما نأتي الله حفاة عراة قال بالحسنات والسيئات اهـ بعض ما يحصل به التذكير لمن يتذكر من كلام الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي ﵀ والمقصود به أن بعض الناس ربما استغرب احتياج الناس إلى الأكل والشرب في عرصات القيامة أو أنه لا وجود هنالك لما يؤكل أو يشرب أما من استغربه لأجل ما يرى من رمة العظام وكون الحياة الثانية لا على طبعها البشري إلى هذا الاحتياج فإنه يخشى على نفسه ما هو أشد من ذلك الشك في تمام الاعادة وما ذكره الغزالي في ذخيرته أنه لا أكل هنالك ولا شرب ولا نوم فالنوم مسلم وأما عدم الأكل والشرب عنده فيجب حمله على أن ذلك غير مبذول للخلائق بأسرها كما هو المعتاد في الدنيا وإلا فمثل الغزالي لا يخفى عليه ما تقدم من النصوص وما يأتي أيضاً لابن حجر في شرح حديث الصحيح بل تقدم عنه خلاف ذلك كما نقل عن سيدي عبد الرحمن إذ قال آنفاً وقوم يشربون ماء بارداً الخ وينبغي أن ينبه العوام لذلك ليتخذوا أهبة زادهم الآن من المأكول والمشروب وهم لم يشكوا فيه وعليه صاروا أسارى في هذه الحياة فلعل ذلك أن يكون داعية لهم إلى الاستعداد للحياة الأخروية مع أن الله تعالى تكفل به في الدنيا ولم يتكفل به في الآخرة يروى أن الحجاج خطب يوماً فقال إن الله تكفل لنا بالدنيا ووكلنا إلى طلب الآخرة وليتنا تكفل لنا بالآخرة ووكلنا إلى طلب الدنيا فقال الحسن سبحان الله كلمة حكمة صدرت من فاسق أو قال كلمة حق ومصداقه قوله ﷺ الحكمة ضالة المؤمن فأينما وجدها فهو أحق بها
ابن حجر تكون الأرض يوم القيامة يعني أرض الدنيا خبزة يتكفؤها الجبار أي يميلها من كفأت الإناء إذا قلبته قوله كما يكفىء أحدهم خبزته في السفر، قال الخطابي يعني خبزة الملة التي يضعها المسافر فإنها تدحى كما تدحى الرقاقة وإنما تقلب على الأيدي حتى تستوي نزلا لأهل الجنة بضم الزاي وقد تسكن ما يقدم للضيف ويطلق على الرزق وعلى الفضل وما يعجل للضيف قبل الطعام وهو اللائق هنا، قال الداودي المراد أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة من أهل المحشر لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلوا الجنة وظاهر الخبر يخالفه وكأنه بناه على ما أخرج الطبري عن سعيد بن جبير قال تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه وعن محمد بن كعب أو محمد بن
стр. 611
سيرين نحوه أو البيهقي عن عكرمة بسند ضعيف: تبدل الأرض مثل الخبزة يأكل منها أهل الاسلام حتى يفرغوا من الحساب وعن أبي جعفر الباقر نحوه ثم ذكر ابن حجر استشكال بعضهم انقلاب جرم الأرض إلى طبع المأكول والمشروب وأجاب عن ذلك فانظره ومرادنا من هذا اثبات افتقار الخلق إلى المأكول والمشروب وإثبات وجود ما يؤكل ويشرب لمن كان أهلاً لذلك وإن ذلك لا من باب المجاز بل عن الحقيقة وإلى ذلك أشار ابن حجر بقوله والأولى الحمل عن الحقيقة ما أمكن وقدرة الله تعالى صالحة لذلك بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ، قال: ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول زمن الموقف بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلون منها من تحت أقدامهم ما شاء الله بغير علاج ولا كلفة ويكون معنى قول (نزلا لأهل الجنة) اللذين يصيرون إلى الجنة أعم من كون ذلك يقع قبل الدخول أو بعده والله أعلم
وقال في أحاديث باب الحشر أخرج أحمد والنسائي والبيهقي من حديث أبي ذر حدثني الصادق الصدوق ﷺ إن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم الحديث اهـ ما قصد نقله ملتقطاً من فتح الباري لابن حجر رحمه الله تعالى ولفظ الحديث المشروح من صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ تكون الأرض يوم القيامة خبزة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفىء أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة الحديث واعلم أن ألفاظ التبديل في الروايات تكررت باختلاف فيها ففي بعضها (خبزة) وفي بعضها (كالخبزة) وفي بعضها (فضة) وفي بعضها (كالفضة) وفي بعضها (أرضاً عفراء) وفي بعضها (ناراً) واختلافها مع صحتها تقتضي أن كل واحد من المكلفين يرى منها ما ناسب دينه واستقامته بما جاءت به الرسل أيام حياته عليها في دار الدنيا من الكمال في دينه والتقصير فيه وعوائد الله في الآخرة هي خرق عوائده في الدنيا فلا يطمع أحد أن يحشر هنالك إلا على ما ناسب حاله في الطاعة والعصيان
قال ابن حجر فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها ويؤيده ما وقع في الحديث قبله أن أرض الدنيا تصير خبزة والحكمة في ذلك مما تقدم أنها تعد لأكل المؤمنين
стр. 612
[منها في زمن الموقف ثم تصير نزلاً لأهل الجنة. اهـ.
وقال سيدي عبد الرحمن في «تفسيره»: تبدل للمؤمنين خبزاً وللكافرين ناراً. اهـ.
ثم التبديل المذكور لا يلزم كونه نفس جرم الأرض، بل يحتمل جرم الخبزة المتبدلة منها على شكلها وهيئتها في القدر والاتساع، فإذا شوهد من اقتدار الله تعالى عظم هذه الأرض واستدارتها فلا يستبعد أيضاً في قدرته خلق قدرها وعلى صورتها شكلاً من طعام أو فضة أو نار؛ لأن الكل بالنسبة إلى اختراعه تعالى شيء واحد، فالقادر على ما يشاء لا يستحيل في حقه فعل ما يشاء، والذي ظهر أن أرض المحشر غير هذه الأرض التي نحن الآن عليها، بل هي أرض الساهرة. قال الغزالي: هي التي يسهر الخلائق عليها وينساقون من هذه إلى تلك، وهنا ذكر في «ذخيرته» أن الطعام والشراب في الموقف لا يمكن، ولكن تقدم من الجواب عنه ما رأيت، وذكر أن تلك الأرض خارجة عن فلك القمر وهي الأرض البيضاء التي هي من وراء جبل قاف، ونقل عنه في العلوم الفاخرة قوله: يبقى الناس على قبورهم بعد انبعاثهم منها مطرقين ألف سنة حتى تقوم نار من المغرب أو المحشر لها دوي فيدهش منها الخلق، ويأتي كل واحد عمله بقدر إيمانه، من لا إيمان له لا نور له وسرعة وصولهم على قدر أعمالهم في كلام أكثر من هذا، ويؤيده أيضًا أن أرض المحشر غير هذه ولا متبدلة بنفس جوهريتها ما ورد في الصحيح من شهود الأمكنة كما في الأذان لا يبلغ مدى صوت المؤذن، وكذلك شهودها أيضاً بما صنع فيها، ولا يأتي المكان إلا على هيئته لقيام الحجة فالله أعلم. فلا بقعة من بقاع الأرض التي نحن عليها إلا وذكر الله عليه أو عصي، ولذلك ينتقل الأمر عنها إلى الأرض التي لم يعص الله عليها قط. وفي الصحيح: «من غصب شبراً من الأرض طوقه إلى سبع أرضين» يحمله حتى يقضي بين الناس «بي يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» [المعارج: ٤] في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وقد عمت الغصوبات وتكرزت على البقاع، فلا يكتفي في حمل الأول على الأخير. بل كل واحد له ما عرف ذاته مما اغتصبه، فعلى هذا فهذه الأرض من جملة من]
стр. 613
يحشر الموقف، فإن الله تعالى أعلم. وفي التنزيل: «وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة» [الحاقة: ١٤] ابن حجر: غباراً في وجوه الكفار ولم يذكروا مناسبتها لمن يحشر على الفضة إذا بدلت الأرض فضة والسماء ذهباً، ولعل هذا للمشغوف بهما الذي قطع على تعظيمهما وجمعهما عمره، فيحشر على حالته تلك على الفضة، ويومئذ لا يمكن الانتفاع بهما ولا أخذ شيء منهما إذا لو كانت الجنة كلها فضة لما كان لها فضل بل فيها غيرها ترابها المسك وحصباؤها الدر والياقوت وحشيشها الزعفران وفواكه مما يشتهون، وأبنيتها من الذهب والفضة إلى غير ذلك مما يتنعم به في دار الخلود، لا أحرمنا الله والوالدين والأجنة من الوصول إلى دار القرار، رب استجب إنك أنت العزيز الغفار، نسأل الله السلامة والعافية لنا ولكم من محن الدنيا والآخرة، وسبب هذه الخاتمة ما رأيت من بعض الناس من قلة اكتراثهم بجوع يوم الموقف، وما ترى منهم إلا من يشتكي بهم الرزق في هذه الحياة العاجلة فإذا قيل وهل فرغت مما تحتاج إليه من هذا في مواقف القيامة؟ يقول وهل الناس يأكلون هنالك إنا لا نحتاج إلى الأكل إذ ذاك ومنهم من يجعل اتكاله على الله هنالك أقوى منه مما في هذه وإني لأرى أن يذكر كل مؤلف فصلاً من هذا الباب يجعله ذخيرة فيما ألف ينبىء عن حاله أنه لم يكن غافلاً عن أمره بل وعلى أهل كل مجلس اجتمعوا أن يتذكروا به ويجعله كل واحد من مهمات أحواله فلعل الله يرحمهم بذلك ويقبل عثراتهم إذ بذلك يتأكد الإيمان بالغيب الذي جاءت أنباء الرسل عليهم الصلاة والسلام به فإن موقع القيامة من الوجود كما قال تعالى يوم عظيم وهو المهم الأكبر الذي بلغته الرسل إلى الخلق عليهم الصلاة والسلام فقد ورد أن الله تعالى قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ونزل القرآن وأخبرت السنة أن يقدر مقامهم بعد إخراجهم من قبورهم إلى أن يصير كل واحد منهم إلى دائرة بقائه من الجنة أو النار ذلك المقدار خمسون ألف سنة وكان أول ابتداء دائرة خلقهم النور المحمدي فدار بهم شكله الكريم المقدس في دوائر التكليف دهوراً وقروناً متنقلين أحوالاً فأحوالاً فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه إلى أن كان آخر منزلة انتقالاتهم من حكم إلى حكم ومن مستقر إلى آخر وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى
стр. 614
الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون حين ينادون ليلزم كل واحد مكانه لا انتقال ولا حالة تنبيك أيها العلوي ولا نفحة تسر بها أيها السفلي لمثل هذا فليعمل العاملون
والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً انتهى.