← Книги сунны

Книги сунны · id 1424

المستدرك على الصحيحين - ط الرسالة

أبو عبد الله الحاكم

Полный текст (6 773 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القَزْويني والذَّهبي (١)، وهو المطبوع باسم: "فضائل فاطمة الزهراء". ٢٢ - "فضائل أهل بيت رسول الله ﷺ "، ذكره الحاكم في "المستدرك"، بإثر حديثٍ ذكره، فقال: قد ذكرت في مناقب الحسن والحسين ﵄ طرفًا في "فضائل أهل بيت رسول الله ﷺ "، وبيّنتُ عِلَل هذا الحديث (٢). ٢٣ - "فضائل ابن خُزيمة"، ذكره الحاكم في "معرفة علوم الحديث"، فقال: فضائل هذا الإمام مجموعة عندي في أوراق كثيرة (٣). وقال ابن عبد الهادي: مناقب ابن خزيمة كثيرة قد استوعبها الحاكمُ. قلنا: ولم يُعثر على هذا الجزء. ٢٤ - "تراجم الشيوخ"، هكذا سماه أبو حازم العبدَوي (٤)، وذكره كذلك عبد الغافر الفارسي، لكنه اختصر التسمية بقوله: "التراجم"، وقد أبان لنا الحاكم عن مُراده بتراجم الشيوخ في "المدخل إلى كتاب الإكليل"، حيث قال: التراجم شرطها أن يقول المصنِّفُ: ذِكرُ ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبيّ ﷺ ، ثم يُترجِم على هذا المسند، فيقول: ذِكرُ ما روى قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق ﵁، فيلزَمُه أن يُخرِّج كلَّ ما روي عن قيس عن أبي بكر، صحيحًا كان أو سقيمًا. قلنا: ولم يُعثر على هذا الكتاب. ٢٥ - "الفوائد الكبير لأبي العباس"، ذكره البيهقي وروى عن الحاكم منه عدة روايات، وسماه هكذا (٥)، وأبو العباس هذا هو محمد بن يعقوب الأصمُّ شيخ _________ (١) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ١١٠٢، و "مشيخة سراج الدين القزويني" (٣٦٦)، و "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٩. (٢) "المستدرك" (٥٥٢٢). (٣) "معرفة علوم الحديث" ص ٨٣. (٤) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما. (٥) "السنن الكبرى" ٢/ ٥٨ و ٣٣٣ و ٣/ ٣٥٥.

стр. 72

الحاكم، وسماه البيهقي مرةً: "فوائد أبي العباس" (١)، وكان يسميه أحيانًا أخرى: "الفوائد" هكذا مطلقًا، وكلها عن أبي العباس الأصمّ (٢). وقال الحاكم في "المستدرك" بعد أن روى حديثًا لأبي العباس الأصمّ: حدّثنا أبو العباس عن بحر في "المسند"، وعن الربيع في "الفوائد"، وأنا جمعتُ بينهما (٣). وقال في موضع آخر: إنما جمعتُ بين الربيع وابن عبد الحكم (٤). قلنا: فالظاهر أنه يشير إلى هذه "الفوائد" التي جمعَها، وأنها مجموع روايات كتبٍ رواها أبو العباس الأصم عن شيوخه المصنفين لتلك الكتب، والله أعلم. وذكر البيهقيُّ للحاكم أيضًا في عدة روايات: "زيادات الفوائد" (٥)، وكلها من طريق أبي العباس الأصمّ أيضًا، فكأن الحاكم ألحق بـ "فوائد الأصم" زياداتٍ عنه بعد ذلك، فكان البيهقي يُميِّز أحيانًا بين ما سمعه الحاكم من الأصمّ قديمًا، وما سمعه منه متأخرًا، والله أعلم. وعلى كلٍّ فالكتاب في جملة ما لم يُعثر عليه من كتب أبي عبد الله الحاكم. ٢٦ - "فوائد الطُّوسي والفاكهي"، ذكره البيهقي أيضًا، وروى منه عن الحاكم روايةً (٦). ولم يُعثر عليه. ٢٧ - "فوائد النُّسَخ" ذكره أبو حازم العبدَوي (٧) والبيهقي، وروَى منه عن الحاكم روايةً (٨). وهو مما لم يُعثر عليه من كتبه. _________ (١) "السنن الكبرى" ٥/ ٤٥. (٢) "السنن الكبرى" ٢/ ٥٠ و ٥٦ و ٤/ ١١٤. (٣) "المستدرك" (١٢٠). (٤) "المستدرك" (٧٧٨٠). (٥) "السنن الكبرى" ١/ ١٨٤ و ٢/ ١٩٢ و "الدلائل" ٢/ ٨٢. (٦) "السنن الكبرى" ١/ ٢٩. (٧) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وغيره. (٨) "السنن الكبرى" ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.

стр. 73

٢٨ - "فوائد الشيوخ"، ذكره ابن خَلِّكان (١)، ولعله الذي أشار إليه عبد الغافر الفارسي بقوله: "الشيوخ" (٢)، والظاهر أن الحاكم تحصَّلت لديه نُسَخ "فوائد" عن شيوخه الأصمّ والطُّوسي والفاكهي وغيرهم، فجمعها جميعًا في كتاب، وأطلق عليه اسم "فوائد الشيوخ". ولعله يكون هو نفسه كتاب "فوائد النسخ" السابق ذِكرُه، والله أعلم. وبأي حال فلم يُعثر على هذا الكتاب. ٢٩ - "فوائد الخُراسانيين"، ذكره أبو حازم العبدوي (٣). ولم يُعثر عليه، وتجدر الإشارة إلى أن للحاكم أبي أحمد شيخ أبي عبد الله الحاكم كتابًا بهذا الاسم أيضًا، ولم يُعثر عليه كذلك. ٣٠ - "فوائد العراقيين"، ذكره تلميذه أبو يعلى الخليلي في قصة يذكرها في ثاني أيام دخوله على أبي عبد الله الحاكم، إذ دَخَل عليه وهو يُقرأ عليه في "فوائد العراقيين" (٤). وهذا لم يُعثر عليه أيضًا. ٣١ - "فضائل الشافعي"، ذكره أبو حازم العبدوي (٥)، ونقل عنه مُغلطاي (٦)، ونقل عنه السيوطي أيضًا غير أنه سماه "مناقب الشافعي" (٧). وهو في جملة ما لم يُعثر عليه من كتب الحاكم. ٣٢ - "الأمالي"، ذكره البيهقيُّ، وروى منه عن الحاكم عدةَ رواياتٍ (٨)، وقال _________ (١) "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٠. (٢) "المنتخب من كتاب السياق" ص ١٧. (٣) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما. (٤) "الإرشاد" ٣/ ٨٥٢. (٥) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما. (٦) "إكمال تهذيب الكمال" ١/ ٥٢ و ٧٧ و ٢٨٠، ٢/ ٣٥٣. (٧) "الدر المنثور" ١/ ٦٣٨ و ٧٦٨، و "نواهد الأبكار وشوارد الأفكار" ١/ ٢٩٤ و ٣/ ١٩٩. (٨) "السنن الكبرى" ٣/ ٤٣، و "شعب الإيمان" (٦٥١٦) و (٩١١٩)، و "الأسماء والصفات" (٤٥٩).

стр. 74

البيهقي مرةً: "الأمالي القديمة" (١)، وخرَّج منه السيوطي خبرًا (٢). ولم يُعثر على هذا الكتاب. ٣٣ - "حديث شعبة"، ذكره البيهقي أيضًا، وروى منه روايةً عن الحاكم (٣)، ونسب إليه السيوطي خبرًا (٤). وهو في جملة ما فُقد من كتب الحاكم. ٣٤ - "غرائب الشيوخ"، ذكره كذلك البيهقي، وروى عن الحاكم منه روايتين (٥). وهذا أيضًا من جملة ما فُقد من كتبه. ٣٥ - "المغازي"، ذكره البيهقي (٦)، وأشار إلى ما يدلُّ على أنه سمع من الحاكم بعضه وأنه أجازه ببعضه (٧). وقيَّد البيهقي الكتابَ مرةً بقوله: "مغازي ابن إسحاق" (٨)، والظاهر أن الحاكم جمع لنفسه كتابًا في المغازي يشتمل على "مغازي ابن إسحاق"، ويشتمل أيضًا على "مغازي موسى بن عقبة"؛ وذلك أن البيهقي أورد في "سننه الكبرى" و "دلائل النبوة"، وغيرهما عن أبي عبد الله الحاكم في كتابه _________ (١) "الخلافيات" (١٣٤). (٢) "اللآلئ المصنوعة" ٢/ ١٣٠. (٣) "السنن الكبرى" ٢/ ٥٨. (٤) "الدر المنثور" ٣/ ١٠٢. (٥) "السنن الكبرى" ٦/ ١٤٠ و ١٠/ ٨٤. (٦) "دلائل النبوة" ٣/ ٢٠٦ و ٥/ ٢١١. (٧) "دلائل النبوة" ٥/ ٣٠٩. (٨) "السنن الكبرى" ٦/ ٣٢٢. فائدة: يروي الحاكمُ "مغازي ابن إسحاق" عن شيخه أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق، كما يظهر من رواياته في المغازي والمناقب من "المستدرك"، وكذلك يظهر في روايات البيهقي في "دلائل النبوة" و "السنن الكبرى" وغيرهما عن الحاكم. ويروي "مغازي موسى بن عُقْبة" عن إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعْراني، عن جده الفضل بن محمد، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فُليح، عن موسى بن عقبة، كما يظهر من رواياته في "المستدرك"، وكذلك من روايات البيهقي لأكثر أخبار هذه "المغازي" عنه.

стр. 75

"المغازي" أخبارًا من "مغازي ابن إسحاق" وأخبارًا أخرى من "مغازي موسى بن عقبة". وهذا الكتاب مما لم يُعثر عليه أيضًا. ٣٦ - "صلاة الضحى"، ذكره السَّمعاني بقوله: كتابٌ فيه فضائل صلاة الضحى (١). وذكره أبو القاسم الرافعيّ باسم "كيفية صلاة الضحى" (٢)، وسماه الذهبي وابن حجر "صلاة الضحى" (٣)، وسماه السيوطي: "فضل صلاة الضحى" (٤). وقد رواه عن الحاكم جماعةٌ، منهم أبو الفضل محمد بن عبيد الله الصَّرّام (٥)، وأبو بكر محمد بن القاسم بن حبيب الصَّفّار (٦)، وأبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشِّيرازي (٧). ولم يُعثر على هذا الكتاب أيضًا. ٣٧ - "الأحاديث الألف" تخريج أبي عبد الله الحاكم من أصول السيد أبي الحسن محمد بن الحسين الحَسَني، ذكره السمعاني أيضًا، وذكر أنه عنده من رواية أبي عمرو المَحميِّ عن الحاكم (٨)، وأشار إليه أبو طاهر السِّلَفي (٩)، وأورد منه خبرًا من طريق أبي الفضل الصرّام وأبي المظفر موسى بن عمران، كلاهما عن السيد أبي الحسن الحسني المذكور بانتقاء أبي عبد الله الحاكم. وقد ذكر الحاكم هذا الجزءَ، فقال في ترجمته لأبي الحسن المذكور: عَقدتُ له الإملاء وانتقيتُ له ألفَ _________ (١) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣. (٢) "التدوين في أخبار قزوين" ١/ ٣٣٧. (٣) "تاريخ الإسلام" للذهبي ١١/ ٨٧٣، و "المعجم المفهرس" - ويُسمَّى أيضًا: "تجريد أسانيد الكتب المشهورة والأجزاء المنثورة" - لابن حجر العسقلاني (١١١). (٤) "الشمائل الشريفة" ص ٣١٩. (٥) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣. (٦) "المعجم المفهرس" لابن حجر (١١١). (٧) "التدوين في أخبار قزوين" ١/ ٣٣٧. (٨) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣ - ٧١٤. وانظر "التحبير في المعجم الكبير" للسمعاني ١/ ١٧١ الترجمة (٩١). (٩) الجزء الخامس من "المشيخة البغدادية" (٧٣).

стр. 76

حديث (١). وهذا مما لم يُعثر عليه أيضًا. ٣٨ - "الأحاديث المئة عن مئة شيخ"، ذكره السمعاني، وذكر أنه يرويه من طريق أبي عمرو عثمان بن محمد المحمي عن الحاكم (٢). وهو في جملة ما لم يعثر عليه من كتبه. ٣٩ - "الأربعين"، ذكره السمعاني (٣)، وذكره كذلك أبو علي الحسن بن محمد ابن عمروك البكري (٤)، وسراج الدين عمر بن علي القزويني (٥)، غير أن البكري سماه: "كتاب الأربعين بشعار أهل الحديث"، وأما القزويني فسماه: "الأربعين المخرَّج على شرط الصحيحين البخاري ومسلم بذكر شعار أهل الحديث"، ففي تسميته زيادة فائدة ببيان شرط الحاكم في الكتاب. وقد رووا جميعًا هذا الجزء من طريق أبي بكر أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف الشيرازي عن الحاكم. ويرويه عن الحاكم كذلك يعقوب بن أحمد الصَّيرفي كما وقع لابن حجر (٦). وهذا الكتاب في جملة ما فُقد من كتب الحاكم. ٤٠ - "أمالي العشيات"، ذكره أبو حازم العبدوي (٧). ولم يُعثر عليه كذلك. ٤١ - "الملاحم"، ذكره السمعاني أيضًا، وذكر أنه يرويه من طريق أبي عمرو عثمان ابن محمد المحميّ عن الحاكم (٨). ولم يتم العثور عليه كذلك. _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٩٩. (٢) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٧١٣. (٣) "التحبير في المعجم الكبير" ٢/ ٢٨٣ الترجمة (٩٥٤)، و "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ١٣٣. (٤) "الأربعين حديثًا" لأبي علي الحسن بن محمد البكري، الحديث الثاني عشر، ص ٨٨. (٥) "مشيخة القزويني" (١١٠) (٦) "المعجم المفهرس" (٩١١). (٧) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما. (٨) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٢٣٢.

стр. 77

٤٢ - "المعجم"، ذكره السمعاني وابن النجار (١) وغيرهما، وهو كتاب ذكر فيه الحاكم شيوخه، ويشتمل على ألفي شيخ (٢)، وذكر السمعاني أنه عنده من رواية البيهقي عن الحاكم، ومن طريق البيهقي أيضًا كان عند ابن حجر العسقلاني (٣)، وخرّج منه السيوطي خبرًا (٤). وهذا كتاب عظيم لو توفر لدينا لاستغنينا عن كثير من العناء في دراسة كثير من شيوخ الحاكم، لكن لم يُعثر عليه. ٤٣ - "القنوت"، ذكره ابن قيم الجوزية في خبر للحاكم في دعاء قنوت في الفجر (٥)، وأسند الذهبي خبره ذلك من غير أن يذكر كتابه (٦). ولم يتم العثور عليه. ٤٤ - "رفع اليدين"، ذكره البيهقي في "مناقب الإمام أحمد" فيما نقله عنه ابن رجب (٧). ولم يُعثر عليه. ٤٥ - "من حديث سفيان بن عُيينة"، ذكره السمعاني (٨)، وذكره كذلك الذهبي وابن حجر، لكنهما سمَّياه: "عوالي ابن عيينة" (٩). وذكر السمعاني أنه من رواية أبي بكر أحمد بن خلف الشيرازي عن الحاكم. ولم يُعثر عليه. ٤٦ - "الدعاء"، ذكره ابن حجر العسقلاني (١٠)، ولم يُعثر عليه أيضًا. _________ (١) "التحبير في المعجم الكبير" ١/ ١٤٥ الترجمة (٧٢)، و "ذيل تاريخ بغداد" ٥/ ٩٤. (٢) "تبيين كذِب المفتري" ص ٢٢٨، و "الدر الثمين في أسماء المصنفين" لتاج الدين علي بن أَنجَبَ البغدادي ص ١٠١. (٣) "المعجم المفهرس" (٧٨٤). (٤) "الزيادات على الموضوعات" - ويُسمّى ذيل اللآلئ المصنوعة - (١١٠). (٥) "زاد المعاد في هدي خير العباد" ١/ ٢٧٤. (٦) "تنقيح التحقيق" ١/ ٢٤٠ (٧) "فتح الباري شرح صحيح البخاري" ٦/ ٣٥٠. (٨) "المنتخب من معجم شيوخ السمعاني" ص ٩٧٨. (٩) "سير أعلام النبلاء" للذهبي ٨/ ٤٦٦، و "لسان الميزان" لابن حجر ٧/ ٣٦٠. (١٠) "المعجم المفهرس" (٣٤١).

стр. 78

٤٧ - "مناقب أصحاب الحديث"، ذكره أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن مَنْدَه (١)، وهو من جملة ما فُقد أيضًا. ٤٨ - "حديث الطَّيْر"، ذكره محمد بن طاهر المقدسي، فقال: ورأيت أنا حديث الطير جمع الحاكم بخطه في جزء ضخم (٢). وهو مما فُقد من كتبه. ٤٩ - "علامات أهل الحقائق"، ذكره ابن النجّار البغدادي في موضعين (٣)، ولم يُعثر عليه. ٥٠ - "الضعفاء"، أشار إليه الذهبي (٤)، حيث ذكر جملةً من المصنفات في الضعفاء، وذكر منها كتابي الحاكمين … ويعني بهما أبا أحمد الحاكم وأبا عبد الله الحاكم، وذكره ابن حجر (٥). قلنا: وقد أفرد الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" بابًا ترجمه بقوله: أسامي قوم من المجروحين ممن ظهر لي جرحُهم اجتهادًا ومعرفةً بجرحهم، لا تقليدًا فيه لأحد من الأئمة. قلنا: فالظاهر أن هذا هو المقصود بكتابه في الضعفاء، وكأنَّ الحاكم صنف ذلك الكتاب مستقلًا أولًا، ثم جمعه مع غيره في "المدخل إلى معرفة الصحيح"، والله تعالى أعلم. ٥١ - "جزء الألف دينار" تخريج أبي عبد الله الحاكم من حديث أبي بكر القطيعي، ذكره ابن حجر (٦). وهذا أيضًا مما لم يُعثر عليه من كتبه. ٥٢ - "سؤالات الحاكم للدارقطني"، وتضمن سؤالاته لشيخه الدارقطني عن كثير من الرجال لدى لقائه به في بغداد، وربما سماها مُغلطاي "السؤالات الكبرى" (٧). _________ (١) "جزء فيه ذكر أبي القاسم الطبراني" ص ٣٣٦. (٢) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٩. (٣) "ذيل تاريخ بغداد" ٢/ ٢٨ و ٣/ ٤٥. (٤) في مقدمة كتابه "المغني في الضعفاء" ١/ ٥. (٥) في "النكت على كتاب ابن الصلاح" ١/ ٣١٨. (٦) "المعجم المفهرس" (٩٩٠). (٧) "إكمال تهذيب الكمال" ١/ ٢٦١ و ٢/ ٥٨ و ١٠٩.

стр. 79

وممن رواها عن الحاكم: البيهقيُّ (١)، وأبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشِّيرازي (٢). وقد عُثر على هذه السؤالات، وطُبعت بحمد الله. ٥٣ - "سؤالات مسعود السِّجْزِي للحاكم"، وهذا تضمن سؤالات لمسعود بن علي السِّجْزي لأبي عبد الله الحاكم عن جماعة من الرجال، وفيه كذلك أسئلة البغداديين للحاكم عن أحوال الرواة، صدّر بها مسعود السِّجْزي هذا الجزء بأسئلته هو، وكأنَّ هذه السؤالات كانت منه نسخة لدى أبي عبد الله الحاكم رواها عنه بالإجازة أبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشِّيرازي (٣). وقد عُثر على هذه السؤالات أيضًا، وطُبِعت بحمد الله تعالى. ٥٤ - ذكر الحاكم أنه جمع رجال "التاريخ الكبير" للبخاري، مفصِّلًا بين من احتج به منهم، ومن جُرح جرحًا ظاهرًا، فقال في "المدخل إلى معرفة الإكليل" (٤): نظرنا وتأملنا فوجدنا البخاري قد جمع كتابًا في "التاريخ" على أسامي من روي عنهم الحديث من زمان الصحابة إلى سنة خمسين ومئتين، فبلغ عددهم قريبًا من أربعين ألف رجل وامرأة، جمعتُ أنا أساميهم، وما اختلفا فيه فاحتج به أحدهما ولم يحتج به الآخر، فلم يبلغوا ألفي رجل وامرأة، ثم جمعتُ مَن ظهر جَرحُه من جملة الأربعين ألفًا، فبلغوا مئتين وستة وعشرين رجلًا. قلنا: وهذا غير كتابه الذي قدَّمنا ذِكرَه في الضعفاء، بدليل أن عددًا ممن أوردهم في الضعفاء ليسوا في "تاريخ البخاري الكبير". هذا، وقد انتخب الحاكم لجماعة من مرويات شيوخه أجزاءً كان يسميها أحيانًا _________ (١) كما يظهر من نقل نقله عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥١/ ٣٨. (٢) كما يظهر من النسخة الخطية الموجودة منه. انظر مقدمة محقق "سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني" ص ٥٥. (٣) "المعجم المفهرس" لابن حجر (٦٩٤) و (٦٩٥). وانظر مقدمة مسعود السجزي على تلك السؤالات ص ٥٢ - ٥٣. (٤) ص ٥٠. ونقله ابن الأثير في "جامع الأصول في أحاديث الرسول" ١/ ١٧٢.

стр. 80

"الفوائد"، فكان من ذلك: ١ - منتخب من مرويات أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني. ٢ - فوائد أبي بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحَرَشي. ٣ - فوائد أبي عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم الحليمي الفقيه الشافعي. ٤ - منتخب من مرويات أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن يزداد المُذكِّر المُطَوّعي الخباز الرازي. هـ - فوائد أبي طاهر محمد بن الفضل حفيد الإمام المعروف محمد بن إسحاق بن خُزيمة. ٦ - فوائد أبي القاسم عبيد الله بن علي بن الحسن النَّخَعي الداوودي الظاهري. ٧ - منتخب من مرويات أبي سهل بشر بن أحمد بن بشر الدِّهْقان الإسفراييني. ٨ - فوائد أبي جعفر محمد بن أحمد بن محمد السليطي. ٩ - منتخب من مرويات أبي يعقوب إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان النَّسَوِي الشَّرْمَغُولي. ١٠ - منتخب من مرويات أبي الحسن إسماعيل بن محمد بن الفضل الشَّعْراني. ١١ - منتخب من مرويات أبي حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي. وهذا يُعدُّ من تلامذة أبي عبد الله الحاكم، ومع ذلك انتخب عليه شيخه الحاكم. ١٢ - فوائد أبي الطيِّب عبد الله بن محمد القاضي الفُورُسي، المعروف بابن الفُورُس. ١٣ - منتخب من مرويات أبي القاسم عُبيد الله بن محمد القاضي البُخاري الكلاباذي. ١٤ - فوائد أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد عبد الله الماسَرْجِسي.

стр. 81

١٥ - فوائد أبي حامد أحمد بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكّي ابن المزكّي. ١٦ - فوائد أبي الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين الأديب المُعاذِي. ١٧ - منتخب من مرويات أبي عمر عبد الواحد بن أبي بكر أحمد بن محمد التّيمي المُنكَدِري (١). هذا ما استطعنا الوقوف عليه من مصنفات أبي عبد الله الحاكم ﵀ وفوائده ومنتخباته، بحسب الجهد والطاقة. وقد وقع من بعض العلماء وبعض المعاصرين الأفاضل ممن ترجم للحاكم أوهام في نسبة بعض الكتب إليه، وهي ليست له، وبعضها أقسامٌ من كتبٍ أخرى للحاكم، فلا يحسُن إفرادُها بالذِّكر، وبعضها اسمٌ لبعض كتب الحاكم مما تقدم ذِكرُه، غير أنه لا يشتهر بذلك الاسم، ومن ذلك: ١ - "ما تفرد بإخراجه كل واحد من الإمامين"، ذكره أبو حازم العبدوي (٢)، وقد عُثر على هذا الكتاب وطبع باسم "تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم"، لكن ذكر إبراهيم بن علي الكليب في تحقيقه لكتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح" أن هذا الكتاب هو جزء من كتابه "المدخل"، نظرًا للتطابق التام بين ما هو موجود في "تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم"، وما يقابله بهذا العنوان في "المدخل إلى معرفة الصحيح". فربما يكون أبو حازم العبدوي رأى هذا الجزء من الكتاب إذ لم تكن أجزاؤه مضمومةً إلى بعضها، فظنه كتابًا مستقلًا، وإنما هو قسم من جملة أقسام أخرى في كتاب "المدخل"، وربما يكون الحاكم نفسه صنف هذا الجزء أولًا _________ (١) ورد ذكر جميع ذلك في "الأنساب" للسمعاني: (الإسفراييني) و (الحرشي) و (الحليمي) و (الخباز) و (الخزيمي) و (الداوودي) و (الدهقان) و (السليطي) و (الشر مغولي) و (الشعراني) و (العبدوي) و (الفورسي) و (الكلاباذي) و (الماسرجسي) و (المزكي) و (المعاذي) و (المنكدري). (٢) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعون على طبقات الأربعين" ص ٤٠٩، وغيرهما.

стр. 82

ثم ضمَّه بعد ذلك إلى كتاب "المدخل"، والله تعالى أعلم. وقد أورد بعض المعاصرين للحاكم "رجال الصحيحين"، كتابًا مفردًا عن هذا الكتاب، وإنما هو هو، فلا يحسن إفراده بالذكر. ٢ - "الكنى والألقاب"، نسبه للحاكم عبد الرؤوف المناوي (١) وحاجي خليفة (٢) ثم صدّيق حسن خان (٣) ثم محمد بن جعفر الكتّاني (٤)، ثم محمد عبد الرحمن المباركفوري (٥)، وتبعهم غيرهم من المعاصرين ممن ترجم للحاكم. وليس لأبي عبد الله الحاكم كتاب بهذا الاسم، وإنما اشتبه على هؤلاء أن لأبي أحمد الحاكم شيخ أبي عبد الله الحاكم كتابًا بهذا الاسم، فكأنهم لما رأوا بعض المتقدمين يطلقون نسبة "الكنى" للحاكم غير مقيَّد بكنيته، ظنوه أبا عبد الله، وإنما هو شيخه أبو أحمد. وربما يكون بعض المتقدمين نسب لأبي عبد الله الحاكم قولًا في الكنى، فظنوه كتابًا مستقلًا له، وإنما يعني به ذلك المتقدّمُ قول الحاكم في باب من أبواب الكنى التي ذكرها في بعض كتبه، ككتابيه: "المدخل إلى الصحيح"، أو "معرفة علوم الحديث" مثلًا، فقد عقد في كلّ منهما بابًا في كُنى المُحدّثين، فقد قال في الكتاب الأول: أسامي المشهورين بالكُنى في الكتابين الصحيحين (٦). وقال في الكتاب الثاني: ذكر النوع الحادي والأربعين من معرفة أصول الحديث: معرفة الكنى (٧). وقال أبو الفيض الغُماري في ردِّه على المناوي: كتاب الكنى ليس هو لأبي عبد الله الحاكم وإنما هو لأبي أحمد الحاكم، وهو أكبر من أبي عبد الله بل هو _________ (١) "فيض القدير" ١/ ١١٥. (٢) "كشف الظنون" ١/ ٨١. (٣) "أبجد العلوم" ص ٢٧٢، و "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص ٩٠. (٤) "الرسالة المستطرفة" ص ١٢٠. (٥) مقدمة "تحفة الأحوذي" ص ١٩٢. (٦) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ٥٥. (٧) "معرفة علوم الحديث" ص ١٨٣.

стр. 83

شيخه (١). ٣ - "أصحاب الصُّفّة"، نسبه للحاكم الدكتور محمود ميرة على أنه كتاب مستقل له (٢)، معتمدًا في ذلك على قول ابن حجر: وقد اعتنى أصحاب بجمع الصُّفّة ابنُ الأعرابي والسُّلمي والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر (٣). وإنما سرد الحاكم أسماءهم في "المستدرك" بإثر حديث رواه (٤). ٤ - "أئمة الأمصار" ذكره ابن خلِّكان في خبر نقله عن ابن الصلاح، وسمّاه كذلك (٥)، وتبعه صدّيق حسن خان (٦). وهذا هو نفسه كتاب "مزكِّي رواة الأخبار" الذي قدَّمنا ذكره، والدليل على ذلك أن ابن الصلاح ذكر في "صيانة صحيح مسلم" ذلك الخبر الذي نقله عنه ابن خلكان، فسمى الكتاب: "كتاب المزكِّين لرواة الأخبار" (٧)، وقد ذكرنا أن الذهبي والمقريزي سمياه: "الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار"، فهذا ما عَنَاهُ ابن خَلّكان، فلا يحسُن ذكره كتابًا مفردًا عن "مزكي رواة الأخبار" كما فعل الدكتور محمود ميرة. ٥ - "عوالي مالك"، ذكره محمد بن جعفر الكتاني (٨)، ثم تبعه غيره ممن ترجم للحاكم من المعاصرين، ولم يذكر أحد من المتقدمين ممن ترجم لأبي عبد الله الحاكم أن له كتابًا بهذا الاسم، وأغلب الظن أن الكتاني وهم في ذلك، ومنشأ وهمه أن لأبي أحمد الحاكم شيخ أبي عبد الله الحاكم كتابًا بهذا الاسم، وكان بعضُ مَن _________ (١) "المداوي لعلل المناوي" ١/ ١٣٣. (٢) "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" ص ١٧٩. (٣) "فتح الباري" (بتحقيقنا) ٢/ ٣٥٦. (٤) "المستدرك" (٤٣٤٠). (٥) "وفيات الأعيان" ٥/ ١٩٥. (٦) "التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول" ص ١٢٠. (٧) "صيانة صحيح مسلم" ص ٦٢. (٨) "الرسالة المستطرفة" ص ١٦٤.

стр. 84

يُخرج منه يقتصر على ذكر النسبة فيقول: الحاكم في "عوالي مالك"، أو "عوالي مالك" للحاكم، فأوهم ذلك أنه يريد أبا عبد الله الحاكم، وإنما أراد شيخه أبا أحمد الحاكم، فباشتراكهما بوصف الحاكم حصل الوهم، والله تعالى أعلم. وقد عُثر على كتاب أبي أحمد الحاكم هذا وطُبع بحمد الله. ٦ - "فضائل العشرة"، ذكره إسماعيل باشا البغدادي (١)، ولم يذكره أحد ممن تقدّمه، وأغلب الظن أن نسبته للحاكم خطأٌ، ولعل إسماعيل البغدادي اطلع على قول لبعض المتقدمين نَسَب للحاكم شيئًا في فضائل العشرة، يريد فضائلهم في "المستدرك"؛ إذ خصص لهم في معرفة الصحابة من هذا الكتاب أقسامًا في فضائلهم، فظنّه إسماعيل كتابًا مستقلًا له، أو أنه رأى لوحة عليها اسم الحاكم لجزء مفرد من مخطوط "المستدرك" من قسم معرفة الصحابة فيه فضائل العشرة، فظنه كتابًا مستقلًا له، وإنما هو جزء من "المستدرك"، والله تعالى أعلم. ٧ - "المبتدأ من اللآلئ الكبرى"، ذكره إسماعيل باشا البغدادي أيضًا (٢)، ولم نَرَ أحدًا ممن تقدّمه ذكر هذا الكتاب في كتب أبي عبد الله الحاكم، على أن مثل هذه التسميات للكتب مما أحدثه المتأخرون بعد عصر الحاكم بقُرون. ويحتمل أن تكون كلمة "اللآلئ" محرفة عن "الأمالي"، فإن له كتابًا اسمه "الأمالي" كما قَدَّمنا، لكن لا دليل على تقوية هذا الاحتمال. ٨ - "المعرفة في ذكر المُخضرمين"، ذكره الدكتور محمود ميرة (٣)، ثم الدكتور موفق عبد القادر (٤)، معتمدين في ذلك على ما قاله الحاكم في "المستدرك": وقد ذكرت في كتاب المعرفة في ذكر المخضرمين شُريح بن هانئ، فإنه أدرك الجاهلية _________ (١) "هدية العارفين" ٢/ ٥٩. (٢) "هدية العارفين" ٢/ ٥٩ (٣) "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" ص ١٩٣. (٤) مقدمته في تحقيق "سؤالات مسعود السِّجْزي مع أسئلة البغداديين عن أحوال الرواة" ص ٢٥.

стр. 85

والإسلام … ، وقد وهما في ذلك، إذ لم يتقدمهما أحدٌ إلى نسبة مصنف له بهذا الاسم، وإنما أراد الحاكم أنه أورد الرجل المذكور في كتاب "المعرفة" في باب ذكر المخضرمين، والأمر كذلك، فإنه سَرَد أسماء المخضرمين في كتاب "معرفة علوم الحديث"، وذكر منهم شريح بن هانئ. ٩ - "مسند أنس"، ذكره الدكتور محمود ميرة (١)، معتمدًا في ذلك على ما قاله الحاكم في "المستدرك": حدثنا علي بن حمشاذ العدل في مسند أنس، وهذا دليل على أن لشيخه ابن حمشاذ كتابًا جمع فيه مسند أنس بن مالك، فكيف يُنسب هذا إليه. ١٠ - "مناقب الصِّدِّيق"، نسبه إليه الدكتور محمود ميرة (٢)، ومحققو طبعة الميمان في مقدمة تحقيق "المستدرك" (٣)، مُعتمدين في ذلك على ما ورد في كلام الذهبي في "ميزان الاعتدال" في ترجمة محمد بن سليمان السعيدي، حيث قال: له في مناقب الصِّدِّيق، رَدَّ الحاكم خبره لجهالته. كذلك قال الذهبي، وإنما أراد أن له خبرًا في ذكر منقبة من مناقب الصِّدِّيق، وهذا الخبر أورده الحاكم في "المستدرك" من طريق عن أبي تحيى، أنه سمع عليًّا يَحلِف: لَأَنْزَل الله تعالى اسم أبي بكر من السماء صِدِّيقًا. ثم قال الحاكم بإثره: لولا مكان محمد بن سليمان السعيدي من الجهالة لحكمتُ لهذا الإسناد بالصّحة. (٤). قلنا: ولم يذكر أحدٌ من المتقدمين ممن ترجم للحاكم كتابًا له مفردًا في مناقب الصِّدِّيق، فتعيَّن صحة ما قلناه، والله أعلم. ١١ - "الرسالة البغدادية"، كذلك سماها محمد بن محمد المعروف بمرتضى الزّبيدي في نقلين نقلهما عن أبي عبد الله الحاكم (٥)، قال فيهما: قرأتُ في الرسالة _________ (١) "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" ص ١٩٣. (٢) المصدر السابق ص ١٩٤. (٣) المقدمة ص ١٠٨. (٤) "المستدرك" (٤٤٥٣). (٥) في "تاج العروس" ٣٠/ ٣٨٠ و ٤١٩، في مادتي (مثل) و (ميكل).

стр. 86

البغدادية للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، وهي عندي. قلنا: وبالرجوع إلى ذينك النقلين، رأينا أنهما في "سؤالات مسعود السجزي لأبي عبد الله الحاكم" التي صدرها - كما قدّمنا - بأسئلة البغداديين للحاكم أبي عبد الله عن جماعة من الرواة، فكلاهما من رواية مسعود السِّجزِي نفسه عن الحاكم، جمعهما السِّجزي في مصنف واحد، فلا يحسن إفراد "أسئلة البغداديين" عن "سؤالات السجزي"، كما فعل الدكتور محمود ميرة (١). المطلب السادس: مذهب الحاكم الفقهي: كان الإمام أبو عبد الله الحاكم شافعيّ المذهب، وقد صرّح هو نفسه بما يفيد ذلك فيما سمعه منه مسعود السِّجْزي، قال: سمعته يقول: إمامنا الشافعي المُطَّلِبي ﵁، قرشي النسب من صميمها (٢). ويظهر ذلك جليًا أيضًا من صنيع العلماء المصنفين في طبقات الشافعية، حيث أوردوا له ترجمةً في كتبهم، ومن أبرزهم ابن الصلاح وابن السُّبكي وابن كثير وابن قاضي شُهْبة (٣)، وغيرهم. وقد قدّمنا ذكر شيوخه الذين تفقه عليهم أبو عبد الله الحاكم، وهم جميعًا من فقهاء الشافعية، حتى قال علي بن الأنجب المعروف بابن الساعي: كان إمامًا في معرفة الفقه على مذهب الشافعي (٤). ومن خلال تتبع روايات البيهقي في كتبه نجده ينقل أقوال الشافعي في الفقه، بل _________ (١) "الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك" ص ١٨٤. (٢) "سؤالات السجزي للحاكم" (٣٧). (٣) انظر "طبقات الفقهاء الشافعية" لابن الصلاح ١/ ١٩٨، و"طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي ٤/ ١٥٥، و "طبقات الشافعيين" لابن كثير ص ٣٥٧، و "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة ١/ ١٩٣ الترجمة (١٥٣). (٤) "الدر الثمين في أسماء المصنفين" ص ١٠٢.

стр. 87

يروي كتب الشافعي عن أبي عبد الله الحاكم، من روايته عن أبي العباس الأصم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي، وفي ذلك ما يشير إلى أنه كان لدى أبي عبد الله الحاكم جميع فقه الشافعي رواية. وقد وقع لنا في "المستدرك" ما يشير إلى ذلك، حيث قال بإثر قصة الصحابي الذي حرس النبي ﷺ والصحابة يوم ذات الرقاع، وأُصيب بسهم ونزف وهو يصلي فلم يقطع صلاته: وهذه سنة ضَيّقة قد اعتقد أئمتنا بهذا الحديث أن خروج الدم من غير مَخرج الحَدَث لا يوجب الوضوء. قلنا: عنى بقوله: "أئمتنا": الشافعية، فإن من المعلوم أن هذا هو رأي الشافعي، فقد نقل المزني عن الشافعي قوله: وما كان من سوى ذلك من قيء أو رُعاف أو دم خرج من غير مخرج الحدث، فلا وضوء في ذلك، كما أنه لا وضوء في الجُشاء المتغيّر ولا البصاق لخُروجهما من غير مخرج الحدث (١). ولكن ذلك لا يعني أنه كان منصرفًا إلى فقه الشافعي لا يجاوزه أو يتعداه، فإن رجلًا في موضع الحاكم من سَعَة الرواية والمعرفة بالحديث، لا عجب أن يكون له اختيارات واجتهادات، لا تُوافق مذهب الشافعي، كحال غيره من علماء الشافعية الذين كان لهم من علم الحديث نصيب وافر، وكان لهم اجتهادات واختيارات خارج المذهب، كمحمد بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن حبان ونحوهم من الأئمة الفقهاء والحفاظ الكبار. ومن ذلك ما قاله الحاكم ﵀ في حديث عمر بن الخطاب لما حدث بحديث العُسْرة وما أصاب المسلمين يومئذ من القيظ الشديد، حتى إن الرجل كان ينحر بعيره، فيَعصِر فَرْثَه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. فقال الحاكم: قد ضمَّنه سُنَّةٌ غَريبةً، وهو أن الماء إذا خالطه فَرْتُ ما يؤكل لحمه لم يُنجِّسه، فإنه لو _________ (١) "مختصر المزني" بإثر "الأم" طبعة دار المعرفة ٨/ ٩٦.

стр. 88

كان يُنجِّسُ الماء لما أجاز رسول الله ﷺ المسلم أن يجعله على كَبِده، حتى يُنجس يَدَيه (١). ومعلوم أن فرثَ ما يؤكل لحمه عند الشافعية نجس بكل حالٍ (٢). المطلب السابع: مذهبه العقائدي: تكلم بعض العلماء في الإمام الحاكم من جهة مذهبه العقائدي، وأنه كان متشيعًا أو شيعيًا، فمن ذلك: ١ - ما ذكره أبو ذَرّ عبد بن أحمد بن عُفَير الهَرَوي أنهم كانوا في حلقة الحاكم أبي عبد الله بن البيع الحافظ بنيسابور إذا أخرج عن السُّدِّي في الصحيح يتغامَزُون عليه، وذلك أنه روى حديثَ الطَّير، ولم يتابعه أحدٌ عليه، قال: وكان يُنسَبُ إلى التشيع (٣). قلنا: ذلك أن السُّدِّي - واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن - اتهم بالتشيع (٤). لكن حديثَ الطير هذا له طرق ولم ينفرد به السُّدِّي، كما سيأتي بيانه في موضعه من الكتاب، فلا حجة في قول أبي ذر هذا. ٢ - وكذلك ذكر الخطيب البغدادي: أن الحاكم كان يميل إلى التشيع، معتمدًا في ذلك على ما حدثه به أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأُرْموي بنيسابور -قال: وكان شيخًا صالحًا فاضلًا عالمًا- قال: جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما، منها حديث الطائر، و "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه" فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوبوه في فعله (٥). _________ (١) "المستدرك" (٥٧٥). (٢) "الحاوي الكبير" لأبي الحسن الماوردي ٢/ ٢٥٠. (٣) "معجم السَّفَر" لأبي طاهر السلفي (٧٨٢). (٤) "الضعفاء الكبير" للعقيلي ١/ ٢٤٦. (٥) "تاريخ بغداد" ٣/ ٥١٠ - ٥١١.

стр. 89

قال ابن السُّبكي: الخطيب ثقة ضابط، فتأملت مع ما في النفس من الحاكم من تخريجه حديث الطير في "المستدرك"، وإن كان خَرّج أشياء غير موضوعة لا تعلّق لها بتشيع ولا غيره، فأوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده ميلٌ إلى عليّ ﵁ يزيد على الميل الذي يُطلب شرعًا، ولا أقول: إنه ينتهي به إلى أن يضع من أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ولا إنه يفضل عليًا على الشيخين، بل أستبعد أن يفضّله على عثمان ﵄، فإني رأيته في كتابه "الأربعين" عقد بابًا لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان، واختصهم من بين الصحابة، وقدّم في "المستدرك" ذِكرَ عثمان على عليّ ﵄. وروى فيه من حديث أحمد بن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: أول حَجَرٍ حمله النبي ﷺ لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر، ثم حمل عمر حجرًا، ثم حمل عثمان حجرًا، فقلت: يا رسول الله، ألا ترى إلى هؤلاء، كيف يُسعدونك؟ فقال: "يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي". فمن يُخرِّج هذا الحديث الذي يكاد يكون نصًا في خلافة الثلاثة، مع ما في إخراجه من الاعتراض عليه، يُظن به الرفض؟! قال: وخَرّج أيضًا في فضائل عثمان حديث: "لينهض كل رجل منكم إلى كُفئه" فنهض النبي ﷺ إلى عثمان، وقال: "أنت وليّي في الدنيا والآخرة" وصححه، مع أن في سنده مقالات، وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدالة على أفضلية عثمان، مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقد غَلَب على الظنّ أنه ليس فيه - ولله الحمد - شيءٌ مما يستنكر عليه، إفراطٌ في ميل لا ينتهي إلى بدعة. ثم قال: أنا أجوِّز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك، ولذلك حكم بأن الحاكم ثقة، ولو كان يعتقد فيه رفضًا لجَرَحه به، لا سيما على مذهب من يرى ردّ رواية المبتدع مطلقًا، فكلام الخطيب عندنا يقرب من الصواب (١). _________ (١) "طبقات الشافعية الكبرى" ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.

стр. 90

وبعد أن نقل الزركشي قول الخطيب البغدادي عقَّبه بقوله: وقد كان عند الحاكم ميل إلى علي، ونعيذه بالله من أن يبغض أبا بكر أو عمر أو عثمان ﵃ (١). قلنا: ما اعتمد عليه الخطيب من قول الأُرمَوي في نسبة الحاكم للتشيع لمجرد إخراجه حديث الطير وحديث "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه"، وزعمه بأنه لما أخرجهما في "مستدركه" لم يلتفت أصحابُ الحديث إلى قوله، فلا حجة فيه لمجرد ذلك، وسيأتي في موضعهما من الكتاب بيان عدم تفرد الحاكم بهما، وأن لهما طرقًا أخرى غير طريق الحاكم، وأنه صححهما -سوى الحاكم- غيرُ واحد من أهل المعرفة بالحديث، فبطل زعم الأرموي، ثم لم يذكر لنا الأرموي من هم أصحاب الحديث الذين أنكروا على الحاكم ذلك ولم يلتفتوا إلى قوله! ٣ - وذكر محمد بن طاهر المقدسي: أنه سأل أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي عن الحاكم أبي عبد الله، فقال: ثقة في الحديث، رافضيٌّ خبيثٌ (٢). وقد ردّ عليه الذهبي بقوله: كذا قال شيخ الإسلام الأنصاري، ولم يُصِب، فإن الحاكم ليس برافضي، بل هو شيعي مُعظِّم للشيخين بيقينٍ، ولذِي النُّورَين، وإنما تكلّم في معاويةَ ﵁ فأُوذِي (٣). وقد نقل في بعض كتبه بسند جيد عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: دخلتُ على أبي عبد الله الحاكم وهو في داره لا يُمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كَرّامٍ، وذلك أنهم كسروا مِنبرَه ومنعوه من الخروج، فقلت له: لو خرجت وأمليتَ في فضائل هذا الرجل -يعني معاوية بن أبي سفيان- حديثًا لاسترحت من هذه المحنة! فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي (٤). _________ (١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ١٩٧. (٢) رواه عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٨. (٣) "معجم الشيوخ" ١/ ٢٨١. (٤) رواه عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٥، و "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٨.

стр. 91

وقال في موضع آخر: ما كان الرجل رافضيًا، بل كان شيعيًا ينال من الذين حاربوا عليًا ﵁، ونحن نترضى عن الطائفتين، ونحبُّ عليًا أكثر من خُصومه (١). ولهذا اقتصر الذهبي في بعض المواضع التي ترجم فيها للحاكم على قوله: يتشيّع (٢). وقوله في ترجمته لأبي عمرو محمد بن أحمد بن حمدان بن علي الحيري: تشيُّعه خفيف كالحاكم (٣). ٤ - ووصف ابن طاهر المَقدِسي أيضًا أبا عبد الله الحاكم بأنه كان شديد التعصُّب للشيعة في الباطن، وكان يُظهِر التّسنن في التقديم والخلافة، وأنه كان غاليًا منحرفًا عن معاوية وآله، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه (٤). وقد ردَّ عليه الذهبي بقوله: أما انحرافه عن خُصوم عليّ فظاهرٌ، وأما أمرُ الشَّيخَين فمُعظِّمٌ لهما بكل حال، فهو شيعيٌّ لا رافضيٌّ (٥). وقال ابن السبكي في الرد عليه أيضًا: ثم أنّى له اطّلاعٌ على باطن الحاكم، حتى يقضي بأنه كان يتعصب للشيعة باطنًا (٦). - ومما يجدر ذكره بصدد الردّ على اتهام الحاكم بالرفض؛ عدة أمور تدلُّ على براءته من ذلك ﵀، منها: ١ - أن الحاكم تكلّم في جماعةٍ من الرافضة، وفي آخرين من غُلاة الشيعة، ولو كان الحاكم رافضيًا لما أقدم على ذلك، ومن هؤلاء: أ - تليد بن سُليمان، وكان رجل سُوء؛ يشتم أبا بكر وعمر وعثمان (٧)، وقد قال _________ (١) "المعجم المختص بالمحدثين" ص ٣٠٣. (٢) "المغني في الضعفاء" (٥٧٠٠). (٣) "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٣٥٨. (٤) رواه عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٩/ ٩٨. (٥) "تذكرة الحفاظ" ٣/ ١٠٤٥. (٦) "طبقات الشافعية" ٤/ ١٦٤. (٧) "تهذيب الكمال" للمزي ٤/ ٣٢٢.

стр. 92

عنه الحاكم: رديء المذهب، منكر الحديث، روى عن أبي الجَحّاف أحاديث موضوعةً، كذبه جماعةٌ من أئمتنا (١). كذا قال فيه الحاكم، مع أن الإمام أحمد بن حنبل قال عنه في رواية أبي بكر المَرُّوذي: كان مذهبه التشيع. ولم ير به بأسًا (٢)، وروى أبو بكر الأثرم عن الإمام أحمد قوله: كتبتُ عنه حديثًا كثيرًا عن أبي الجحاف (٣). قلنا: فلو كان الحاكم رافضيًا، لتشبّث بقولي الإمام أحمد هذين في حق هذا الرجل، ولكن الحاكم ما كان ليدع قول أئمة الحديث الذين تبين لهم من حال تليد هذا ما يوجب التنكب عن حديثه، فهو بريءٌ من الرفض بلا شكٍّ. وقد خَرّج الحاكم لتليد هذا في "المستدرك" (٤) حديثًا من رواية الإمام أحمد بن حنبل عنه، وحسّنه؛ لأجل رواية الإمام أحمد بن حنبل له عن تليد، وقد أودعه الإمام أحمد في "مسنده" (٥)، فكأن أحمد انتخبه له دون سائر رواياته، وكذلك فعل الحاكم، فلا اعتراض عليه، وروى له الحاكم حديثًا آخر في "فضائل فاطمة الزهراء" (٦) فيه ذمُّ الرافضة، وقد ترجّح لدى الحاكم صحة رواية تليد لذلك الخبر، لأنه روى خبرًا يخالف مُعتقده، ولأجل ذلك خرج حديثه، ولم يُخرّج له غير ذينك الحديثين، وهذا من تمام تحقيق الحاكم وتمحيصه واحتياطه لحديث رسول الله ﷺ ، وإلا فهو يرى رداءة مذهب تليد في الجملة كما ذكرنا عنه. ب - أبو الصَّلْت عبد السلام بن صالح الهروي، الذي قال عنه الذهبي: شيخ الشيعة، فقد قال عنه الحاكم: روى عن حماد بن زيد وأبي معاوية وعباد بن العوام _________ (١) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٥٤ ترجمة (٢٩). (٢) "العلل ومعرفة الرجال" رواية المَرُّوذي وغيره ترجمة (١٨٩). (٣) "تهذيب الكمال" ٤/ ٣٢٢. (٤) "المستدرك" (٤٧٦٤). (٥) "المسند" ١٥ / (٩٦٩٨). (٦) "فضائل فاطمة الزهراء" (٢٢٨).

стр. 93

وغيرهم أحاديثَ مناكير (١). وبيَّن ابن عدي أن مناكيره في أحاديث يرويها في فضل أهل البيت (٢). هذا مع أن ابن معين كان يذهب إلى توثيقه، فلو كان أبو عبد الله الحاكم رافضيًا، لتمسّك بقول ابن معين هذا وأطلق توثيقه، لكنه لم يخرج له سوى حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "أنا مدينةُ العلم وعليٌّ بابُها" (٣)، وذلك لأنَّ يحيى بن معين قد ثبّته في هذا الحديث فيما رواه عنه الحاكم نفسه. ج- إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، فقد روى الحاكم عن يحيى بن معين قوله فيه: كان جَهميًا رافضيًا (٤). ثم ذكر الحاكم أن إبراهيم هذا ليس بالقوي عندهم (٥). كذلك قال فيه، مع أن الإمام الشافعي كان حسن الرأي فيه، ووثقه، فلو كان الحاكم رافضيًا لتشبث بقول الشافعي في حقِّ هذا الرجل، وذهب فيه مذهبَه، ولكن الحاكم ما كان ليذر قول أئمة الحديث الطاعنين في ابن أبي يحيى الأسلمي هذا، لما تبيَّن لهم من حاله ما لم يتبين للإمام الشافعي، فدل ذلك على إنصاف الحاكم واحتياطه لحديث رسول الله ﷺ ، وأنه ليس برافضي كما انّهم بذلك. د -أبو بكر أحمد بن محمد بن السَّرِيّ بن يحيى بن أبي دارم، وهذا شيخ الحاكم، لكن قال فيه: رافضيٌّ غير ثقة (٦)، هكذا قدَّم وصفه بالرفض على سبيل الذّمِّ له، فدل ذلك على أن الحاكم لا يرتضي الرفض، فضلًا عن أن يكون هو رافضيًا. وقد خرج له في "المستدرك" أحاديث صححها، وأغلبها مما لم ينفرد بها ابن أبي دارم، فكثيرًا ما يقرنه الحاكم - بحسب استقرائنا - بغيره ليؤكد على عدم تفرده _________ (١) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٩٧ ترجمة (١٣٩). (٢) "الكامل في الضعفاء" ٥/ ٣٣١. (٣) "المستدرك" (٤٦٨٧). (٤) "معرفة علوم الحديث" ص ١٠٧. (٥) "سؤالات السجزي للحاكم" (٢٦٢). (٦) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٧٨.

стр. 94

برواياته تلك، وأنه لا نكارة فيها. هـ - وروى الحاكم عن أبي مسلم البغدادي قوله: عبيد الله بن موسى من المتروكين؛ تركه أبو عبد الله أحمد بن حنبل لتشيُّعه، وقد عُوتب أحمد بن حنبل على روايته عن عبد الرزاق، فذكر أنه رَجَع عن ذلك (١). قلنا: لم يرو الحاكم مثل هذا إلا وهو يرى أن الغُلوّ في التشيُّع أمر مذموم، إذ كان عُبيد الله بن موسى غاليًا في التشيع، على أن الشيخين البخاري ومسلمًا قد احتجا جميعًا بعبيد الله بن موسى هذا، إذ كان ثقة حافظًا، وتخيَّرا له من حديثه ما لا نكارة فيه، والحاكم كذلك قد احتج بعبيد الله بن موسى، ومع ذلك نقل هذا القول عن الإمام أحمد، فلو كان الحاكم رافضيًا لما نقله، بل يتجاهله ويطوي ذكره، والله تعالى أعلم. ٢ - ما خرَّجه من حديث حذيفة بن اليمان في فضل الصاحبين أبي بكر وعمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكرٍ وعُمر"، وقوله بعد الحديث: هذا حديث مِن أجلَّ ما رُوي في فضائل الشيخين (٢). ففي تخريج الحاكم لهذا الحديث الذي يكاد يكون نصًا في خلافة الصاحبين، ثم في قوله هذا الذي ذكره بإثر الحديث، ما يدفع عنه تهمة الرفض دون أدنى شكٍّ. وكذلك ما ذكره في مناقب عثمان بن عفان ﵁ من أخبارٍ مما يَرُدُّ به أهلُ السُّنة على من يدم عثمان من الشيعة والروافض، ومن ذلك ما رواه عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي من قوله: لما حُصِرَ عثمان بن عفان أشرف عليهم من فوق داره، ثم قال: أُذكِّرُكم الله، هل تعلمون أنَّ رُوْمَةَ لم يكن يشرب منها أحدٌ إلَّا بثمن، فابتعتها من مالي فجعلتُها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: نعم. فلا شك أن مَن يُخرج مثل هذا الخبر بريء من تلك التهمة بيقين. ٣ - وكذلك ما ذكره من مناقب الصحابة الذين كانوا يوم الجمل وصفين فيمن _________ (١) نقله عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٦/ ١٨٩. (٢) "المستدرك" (٤٥٠٠ - ٤٥٠٤).

стр. 95

قاتل عليًا رضوان الله تعالى عنهم أجمعين بسبب ما حصل من الفتنة، كعائشة أم المؤمنين وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعمرو بن العاص وابنه عبد الله بن عمرو وحبيب بن مسلمة الفهري والضحاك بن قيس. ومن يذكر مناقب هؤلاء لا شكّ ببراءته ببراءته من تهمة الرفض والغلو في التشيع. ٤ - ولما ذكر الحاكم أبا هريرة الدوسي الذي تبغضه غُلاةُ الشيعة، أثنى عليه ثناء عظيمًا، ووصفه بأحسن وصف، فقال: وأنا ذاكر بمشيئة الله في هذا رواية أكابر الصحابة ﵃ أجمعين عن أبي هريرة، فقد روى عنه … وذكرهم، ثم قال: ﵃ أجمعين، فقد بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلًا، فأما التابعون فليس فيهم أجلُّ ولا أشهر وأشرفُ وأعلمُ من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يَطول لكثرتهم، والله يعصِمُنا من مخالفة رسول رب العالمين، والصحابة المنتجبين، وأئمة الدين من التابعين، ومَن بَعدَهم من أئمة المسلمين ﵃ أجمعين، في أمر الحافظ علينا شرائعَ الدِّين، أبي هريرة ﵁ (١). فهذا الكلام الذي قاله الحاكم في أبي هريرة في الثناء عليه وعلى أصحابه، لهو الأدلة القاطعة على براءة الحاكم من تهمة الغلو في التشيع. ٥ - على أن الرافضة يذهبون فيما يعتقدون إلى أن علي بن أبي طالب راجعٌ مرةً أخرى إلى الدنيا، كما هو معلوم من مُعتقَدِهم منذ مُبتدأ شأنهم (٢)، وقد أخرج الحاكم في "مستدركه" عن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقيل له: إن هذه الشيعة يزعمون أنَّ عليًّا مبعوثٌ قبل يوم القيامة، قال: كذبوا، والله ما هؤلاء بشيعة، لو علِمْنا أنه مبعوثٌ ما زَوِّجْنا نِساءَه، ولا اقتسمنا مالَه، وروى نحوه عن ابن عباس. فلو كان الحاكم رافضيًا لتنكب عن ذكر هذين الخبرين عن الحسن بن علي وابن _________ (١) "المستدرك" بإثر (٦٣٠٠). (٢) "مقالات الإسلاميين" لأبي الحسن الأشعري ١/ ٥٤.

стр. 96

عباس، ولكن الرجل يرى هذا المذهب مذهبًا مذمومًا، وفي ذلك ما يبرئه من الرفض كما لا يخفى على كل ذي إنصاف وبصيرة. بقي أن الحاكم رحمه الله تعالى كان ميالًا لعليّ ﵁، ويحمل في قلبه على خصومه، ومثل هذا يعدُّ تشيُّعًا خفيفًا كما وصفه به الذهبي فيما قدّمناه عنه، وليس مثل ذلك مما يؤثِّر في الحكم على الرجل، ولا ما يغُضُّ من شأنه ومقداره؛ فقد كان التشيُّع - على هذا المعنى - في تلك الحقب الأولى مذهبًا لعدد من الحفاظ والمحدثين، ولم يكن هو وحده سببًا للجرح في الرواية عند الجمهور من نقاد الحديث ورواته ممن سلك مسلك الاعتدال في الحكم على الرجال، اللهم إلا أن يظهر من صاحبه كذب متعمَّد، أو يكون صاحبه ضعف بسبب آخر متعلق بضبط الرواية، فيكون ضعفه بسبب ذلك لا بسبب التشيع؛ وهذا معنى قول البخاري لما سئل عن أبي غسان، فقال للسائل: عَمَّاذا تسأل؟ قلت: شأنه في التشيع، فقال: هو على مذهب أهل بلده، ولو رأيتُم عُبيد الله بن موسى وأبا نُعيم و وجميع مشايخنا الكوفيين لما سألتمونا عن أبي غسان (١). قال الذهبي: وقد كان أبو نعيم وعبيد الله مُعظَّمين لأبي بكر وعمر، وإنما ينالان من معاوية وذويه (٢). وقد كانت الكوفة في تلك الحقبة كما يقول الذهبي: تغلي بالتشيع وتفُور، والسُّني فيها طرفة (٣). وهذا معنى قول أبي عبد الله بن الأخْرَم أيضًا لما سئل عن الفضل بن محمد الشَّعراني، فقال: صدوق، إلا أنه كان غاليًا في التشيع، قيل له: فقد حدّث عنه في "الصحيح"! قال: لأن كتاب مسلم ملآنٌ من حديث الشِّيعة (٤). _________ (١) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٤٣٢ و ١٦/ ٣٧٣. (٢) المصدر السابق ١٠/ ٤٣٢. (٣) "تذكرة الحفاظ" ٣/ ٨٤٠ (٤) نقله عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام" ٦/ ٧٩٢.

стр. 97

٦ - وقد ميّز الذهبي بين الرافضة وبين غيرهم من الشيعة بقوله: كل من أحبّ الشيخين فليس بغالٍ في التشيع، ومن تكلم فيهما فهو غالٍ رافضيٌّ (١). قلنا: ولا شك أن الإمام الحاكم ﵀ من الفريق الأول الذي يعظم الشيخين ﵄ وأرضاهما، ولهذا قدّم ذكر مناقبهما في "مستدركه" على مناقب علي بن أبي طالب، كما نبّه عليه ابن السبكي فيما أوردناه عنه، ثم أورد الحاكم في "المستدرك" ما يشير إلى تقديم النبي ﷺ لهما ولعثمان بن عفان من بعدهما على سائر الصحابة في عدة أخبار، مما يكاد يكون نصًا في خلافتهم - على حد تعبير ابن السُّبكي - فبطل بيقين اتهامُ الحاكم بالرفض أو الغُلُوّ في التشيع، وأنه إن كان عليه شيء من ذلك فهو ميله لعليّ ﵁، وحمله في قلبه على خصومه في زمن المحنة ولا سيما معاوية ﵁ وعن سائر الصحابة، ولكن من غير إطالة اللسان فيهم وشتمهم، على نحو ما كان عليه أهل الرفض وأهل الغُلوّ في التشيُّع. *ولعل سائلًا يقول: هل ثمة سببٌ أدّى بالحاكم إلى ذلك الميل لعلي بن أبي طالب على هذا النحو؟ والجواب عن ذلك يمكن استنتاجه من خلال ما أفصح به الحاكم ﵀ في مقدمته لكتابه "فضائل فاطمة الزهراء"، حيث قال: إن زماننا قد خلَّفَنا في رُعاة يتقرّبُ الناسُ إليهم ببغض آل رسول الله ﵌، والوضع منهم، فكل من يتوسل إليهم فتوسله بذكر الآل بما قد نزَّهَهُم الله عنه، وإنكار كلِّ فضيلةٍ تذكر من فضائلهم، والله المستعان على ذلك. ثم تحدث الحاكم عن سبب تصنيفه لتلك الرسالة، فقال: مما حملني على تحرير هذه الرسالة أن حضرت مجلسًا حضره أعيان الفقهاء والقضاة والأمناء من المُزكِّين وغيرهم، وجرى بحضرتهم ذكرُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فانتَدَب له عينٌ من أعيان الفقهاء، فقال: كان عليٌّ لا يحفظ القرآن!! وهذا _________ (١) المصدر السابق ٧/ ٣٣٩.

стр. 98

الشَّعْبيّ قد نصّ عليه، فقلتُ: أوغير هذا؟! فإن الصحابة الذين هم أعلمُ بذلك من الشعبي قد شهدوا له بحفظ القرآن، وهذا أبو عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمي، سيد القراء من التابعين، قرأ عليه، وله عنه حرفٌ مُجوّد، قال: الشعبي أعرفُ به من غيره … قال: ثم جرى في المجلس ذكر بنات النبي ﵌: زينب ورقية وأم كلثوم، فقال بعضهم: إن الرواة لينكرون أنهن بنات خديجة من رسول الله ﵌، فقلت: هنَّ بناتها منه، إلا أن ذكر فاطمة ﵂ في الأخبار أشهر، وفضائلها في الروايات أكثر … ثم ذكر الحاكم كلامًا آخر حصل في ذلك المجلس وغيره مما يتعلق بهذا الموضوع (١). فكأن الحاكم رحمه الله تعالى لما شاع في زمانه ذلك التحامل على آل بيت النبي ﷺ ، وذلك كل الاستخفاف بشأن علي بن أبي طالب، سبب ذلك الأمر لديه رَدّة فعل قويةً، وبرزت لديه غَيرةٌ شديدة على آل بيت النبي ﷺ ، فانبرى للدفاع عن أهل البيت الكرام، مبينًا فضائلهم وما امتازوا به عن غيرهم من الناس، مما لا يخالفه فيه أهل السنة والجماعة، ولا سيما علي بن أبي طالب الذي يُقِرُّ أهل السُّنّة بفضائله الجليلة، ولا ينكرونها، ومع ذلك فقد كان أهل النَّصب يُوجهون إليه سهام العداوة والبغضاء، ويتهمونه بما لا تصح نسبته إليه، ولم يُراعُوا له شرف الصحبة ولا القرابة من رسول الله ﷺ ، فكان ميل الحاكم لعليّ إذا ردة فعل ضد ذلك التوجه الناصبي الذي ساد في زمانه، والله تعالى أعلم. - وفاة الإمام الحاكم: وبعد حياة حافلة بذلك العطاء العلمي المتميز الذي طبع اسم الإمام الحاكم في _________ (١) "فضائل فاطمة الزهراء" ص ٣٠ - ٣١.

стр. 99

ذاكرة التراث الإسلامي، وقع به القدر المحتوم فدعاه ربُّه إلى جواره، وذلك في ثالث صفر سنة خمس وأربع مئة يوم الأربعاء، حيث دخل الحمام واغتسل وخَرَج، فقال: آه، فقبضت روحه وهو مُتزِرٌ لم يلبس قميصه بعد، وصلى عليه القاضي أبو بكر الحيري، رحمه الله تعالى (١). _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٣، و "طبقات الشافعية" ٤/ ١٦١.

стр. 100

الفصل الثاني كتاب "المستدرك على الصحيحين"، والقيمة العلمية لتصحيح الحاكم لدى العلماء، والمنهج الذي سار عليه فيه في هذا الفصل سنتحدث عن كتاب "المستدرك على الصحيحين"، والقيمة العلمية لتصحيح الحاكم لدى العلماء، مع بيان منهج الحاكم الذي سار عليه في الكتاب، وما أُخِذ عليه فيه في الجُملة، ثم نذكر عناية العلماء بالكتاب. ثم نتكلم بعد ذلك عن أصول "المستدرك" الخطية التي اعتمدناها في تحقيقه، خطتنا في تحقيق الكتاب، وما تميزت به طبعتنا هذه عن سائر طبعات الكتاب السابقة، والله ولي التوفيق.

стр. 101

المبحث الأول كتاب "المستدرك على الصحيحين"، والقيمة العلمية لتصحيح الحاكم لدى العلماء، مع بيان المنهج الذي سار عليه في الكتاب، وما أُخِذ عليه فيه في الجُملة، وعناية العلماء بالكتاب المطلب الأول: كتاب "المستدرك على الصحيحين"، والقيمة العلمية لتصحيح الحاكم لدى العلماء: هذا هو الاسم الذي يُعرف به الكتاب، وكذلك سماه تلميذه أبو حازم العبدوي لما سرد مؤلفات الحاكم (١)، وكذلك سماه البيهقي في عددٍ من أسانيده مما يرويه عن أبي عبد الله الحاكم، فيقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في كتاب "المستدرك" (٢). يعد كتاب "المستدرك" كما قدمنا ديوانًا مهمًا من دواوين السنة النبوية المطهرة التي لا يمكن لأهل الحديث الاستغناء عنها بحال من الأحوال، لما يشتمل عليه من نفائس الروايات التي لا تكاد تجدها في غيره، وفيها من الفوائد ما لا يخفى على كل ذي بصيرة بهذا الفن، ذلك أن الأئمة الذين تقدموه ممن صنف في الصحيح لم يَستوعبوا الروايات الصحيحة، كما صرحوا بذلك هم أنفسهم. فقد قال البخاري: ما أدخلتُ في هذا الكتاب إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح كي لا يطول الكتاب (٣). ولما اعترض على الإمام مسلم بأنه ترك باقي الصحيح، اعتذر قائلًا: إنما قلتُ: صحاحٌ، ولم أقل: ما لم أخرجه ضعيفٌ، وإنما أخرجتُ هذا من الصحيح، ليكون _________ (١) نقله عنه ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص ٢٢٨. (٢) انظر مثال ذلك "السنن الكبرى" ٢/ ٢٨١ و ٣١٨ و ٣/ ٣٥٥. (٣) أسنده عنه ابن عدي في "أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه" ص ٦٢.

стр. 102

مجموعًا لمن يكتبُه (١). وفي هذين القولين ردٌّ على ما قاله أبو عبد الله بن الأخْرَم، حيث ذكر كلامًا معناه: قَلَّ ما يفوتُ البخاريَّ ومسلمًا مما يثبت من الحديث (٢). وقد ظهر جليًّا في الواقع التطبيقي أيضًا أن في غير "الصحيحين" زيادة عليهما من الأحاديث والروايات الصحيحة الشيء الكثير، فقد صنف في الصحيح جماعة جاؤوا بعد البخاري ومسلم، كابن الجارود وابن خزيمة وابن السكن وابن حبّان وغيرهم، فزادوا على ما ذكره الشيخان أحاديث أخرى، ثم جاء الدارقطني ليلزم الشيخين إخراج أحاديث تركاها مع أنها على شرطهما في كتاب سماه "الإلزامات"، وصنيع الدارقطني هذا -وإن كان محل نظر عند علماء هذه الصناعة، لكون الشيخين قد نَصا كما تقدم على عدم استيعاب الصحيح أصلًا- يفيدنا بأنه يوجد على شرطهما أحاديثُ زيادة على ما في "صحيحيهما"، وكذلك الحال في صنيع الحاكم في "المستدرك على الشيخين" - مع كونه مُتعقّبًا عليه من هذه الحيثية بنحو ما تُعقب به على الدارقطني - يفيدنا أيضًا بوجود زيادة على ما في "الصحيحين" من الأحاديث الصحاح. وذهب ابن الصلاح إلى تقرير هذا الأمر مبينًا إياه أحسن بيان، فقال: إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشهورة لأئمة الحديث، كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم؛ منصوصًا على صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودًا في كتاب أبي داود، وكتاب الترمذي، وكتاب النسائي، وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره. _________ (١) نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٢/ ٥٧١. (٢) أسنده عنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٥٨/ ٩١.

стр. 103

ويكفي مجرد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه، ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المُخرَّجة على كتاب البخاري وكتاب مسلم، ككتاب أبي عوانة الإسفراييني، وكتاب أبي بكر الإسماعيلي، وكتاب أبي بكر البرقاني، وغيرها، من تتمةٍ لمحذوف، أو زيادة شرح في كثير من أحاديث "الصحيحين" (١). وينطبق مثلُ ذلك أيضًا على كتاب "المستدرك"، فقد قال ابن الصلاح: "المستدرك على الصحيحين" للحاكم أبي عبد الله كتاب كبير، يشتمل مما فاتهما على شيء كثير، وإن يكن عليه في بعضه مقال، فإنه يصفو له منه صحيحٌ كثيرٌ (٢). وقد أكد على ذلك ابن حجر العسقلاني، حيث قال: إن كتاب "المستدرك" للحاكم كتاب كبير جدًا، يصفو له منه صحيح كثيرٌ زائدٌ على ما في "الصحيحين"، وهو مع حرصه على جمع الصحيح الزائد على "الصحيحين" واسع الحفظ، كثير الاطلاع، غزير الرواية، فيبعد كل البعد أن يوجد حديثٌ بشرط الصحة لم يُخرّجه في "مستدركه" (٣). لكن خالف في ذلك النووي، فقال: إن الحاكم اعتنى بضبط الزائد عليهما، وهو متساهل، فما صححه ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا، حكمنا بأنه حسن إلَّا أن يظهر فيه علةٌ توجب ضعفه (٤). وهذا الإطلاق من النووي بالاكتفاء بالحكم بحُسن ما صححه الحاكم مما لم يسبقه غيره إلى ذلك مع كونه ليس فيه علةٌ تُوجب ضعفه، فيه مجازفة وإسراف، وذلك أن جملةً لا بأس بها من الأحاديث مما صححه الحاكم يبلغ درجة الصحة _________ (١) "مقدمة ابن الصلاح" ص ٢١. (٢) المصدر السابق ص ٢٠. (٣) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٢٧٢. (٤) انظر "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" ١/ ١١١.

стр. 104

العليا حقيقةً. وعلى فرض أن كثيرًا منها يبلغ درجة الحسن وحسب، فليس ذلك بمعارض لتصحيح الحاكم لها، وذلك لأن الحاكم لا يجعل الحَسنَ قَسيمًا للصحيح أصلًا، ولكنه يجعله من قسم الصحيح، قال ابن الصلاح: من أهل الحديث من لا يُفرد نوع الحسن ويجعله مندرجًا في أنواع الصحيح؛ لاندراجه في أنواع ما يُحتجُّ به، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرُّفاته (١). قلنا: وهذا ما ظهر لنا لدى عملنا في الكتاب، بخلاف النووي فإنه - كما هو معلوم - ممن يذهب إلى التفريق بين الحسن والصحيح (٢). وقال محمد بن جعفر الكتّاني: ومذهب الحاكم إدراج الحسن في الصحيح، لكن هذا كله اصطلاح له ولا مشاحّة فيه (٣). وأقرب بُرهان على كون الحاكم لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويحكم على الكل بالصحة: أنه صحح أسانيد عدة أحاديث، ثم أعقبها بالحكم على بعض رواتها بوصف "صدوق"، لدفع توهُّم ما قد يُتوهّم من ضعف ذلك الراوي، مع أن الصدوق في اصطلاح المتأخرين من المُحدِّثين حديثه حَسنُ لا صَحيحُ، والمُطالع لكتاب "المستدرك" يجد مصداق هذا الذي قلناه. نعم، هو يُفرّق بين ما كان على شرطهما أو أحدهما وبين ما يصحح إسناده مطلقًا مما فيه رجلٌ صدوق، كما يشهد بذلك قوله بإثر حديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي إسناده عمر ابن الحسن، وأرجو أنه صدوق، ولولا ذلك لحكمتُ بصحته على شرط الشيخين. _________ (١) "مقدمة ابن الصلاح" ص ١١٠. (٢) فقد فرّق في كتابه في علوم الحديث -وهو "التقريب"- بين النوعين، ثم ختم ذلك بقوله: ثم الحسن كالصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه في القوة، ولهذا أدرجَتْه طائفةٌ في نوع الصحيح. انظر "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي" ١/ ١٧١. (٣) "الرسالة المستطرفة" ص ٢٢ - ٢٣.

стр. 105

وقوله في حديث آخر: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو عثمان هذا هو مولى المغيرة، وليس بالنَّهدي، ولو كان النَّهديَّ لحكمتُ بصحته على شرط الشيخين. وفي هذا حجةٌ على النووي أيضًا فيما يقتضيه كلامه من أنه ليس فيما صححه الحاكم حديث على شرطهما أو أحدهما، بل الصحيح أن في "المستدرك" أحاديثَ على شرط الشيخين، وأخرى على شرط أحدهما، فعنده من الصحيح زيادةٌ على ما في "الصحيحين" بشرطهما أو شرط أحدهما حقيقةً، كما يفيده كلام ابن الصلاح وابن حجر اللذين قدمناهما، وبنحو قولهما قول الذهبي أيضًا في مقالته الآتي ذكرها في الرد على الماليني، وكلام هؤلاء في هذا الباب أوثق وأقوم، لأنهم في هذا العلم أقعد وأكثر درايةً وتحقيقًا من النووي، كما هو معلوم لدى العارفين بهذه الصناعة. ثم وقفنا على عبارة لابن الصلاح قريبة من عبارة النووي التي قدمناها، فكأن النووي قد أخذها منه، ثم صاغها بما يتفق مع وجهته التي ولاها، فاختصر بعض حروف عبارة ابن الصلاح، فإن ابن الصلاح قال في كلامه عن الحاكم: وهو واسعُ الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن تتوسط في أمره، فنقول: ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن، يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه. انتهى، وعبارة ابن الصلاح هذه هي الأقربُ والأليق بحال تصحيح الحاكم، إذ مقتضى كلامه إثبات وجود الصحيح والحسن في أحاديث الحاكم، وهذا هو التحقيق. وقد ذهب أبو سعد الماليني في حكمه على أحاديث "المستدرك" إلى أبعد مما ذهب إليه النووي، حيث قال: طالعتُ كتاب "المستدرك على الشيخين" الذي صنفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أرَ فيه حديثًا على شرطهما (١). فردَّ عليه الذهبي بقوله: هذه مُكابَرَةٌ وغُلُوُّ، وليست رتبه أبي سعد أن يَحكُم _________ (١) أسنده عنه محمد بن طاهر المقدسي في "المنثور من الحكايات والسؤالات" (٨).

стр. 106

بهذا، بل في "المستدرك" شيءٌ كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقلُّ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها عللٌ خَفيّة مُؤثّرة، وقطعةٌ من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مَناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردتُ منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماءٌ، وبكل حالٍ فهو كتابٌ مفيدٌ قد اختصرته، ويُعوز عملًا وتحريرًا (١). وقد أورد ابن حجر كلام الذهبي هذا في الرد على الماليني، ثم قال: وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين، من الإيضاح أنه ليس جميعه كما قال، فنقول: ينقسم "المستدرك" أقسامًا، كل قسم منها يمكن تقسيمه: الأول: أن يكون إسنادُ الحديث الذي يُخرجه محتجًا برواته في "الصحيحين" أو أحدهما على صورة الاجتماع، سالمًا من العلل، واحترزنا بقولنا: على صورة الاجتماع، عما احتجا برواته على صورة الانفراد، كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأنَّ سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه، فإذا وُجِد حديث من روايته عن الزهري لا يُقال: على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما، بل لا يكون على _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٦. وعبارة الذهبي هنا أضبط من عبارته التي قالها في "تاريخ الإسلام"، ٩/ ٩٨ - ٩٩، حيث قال: في هذا "المستدرك" جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء أو له علةٌ، وما بقي وهو نحو الربع، فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات، قد أعلمتُ لما اختصرت هذا "المستدرك"، ونبّهتُ على ذلك. لأنَّ كتاب "السير" من آخر مصنفات الحافظ الذهبي، أي: بعد أن خاض غمار دراسة الحديث ورجاله، وأمضى سنين طويلة من البحث والتحقيق والمراجعة، ولهذا فإن تقريراته فيه وتحقيقاته لا شك أنها أضبط مما في كتبه السابقة، والله تعالى أعلم.

стр. 107

شرطهما إلَّا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع. وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كلٌّ منهما برجل منه، ولم يحتج بآخَرَ منه، كالحديث الذي يروى من طريق شعبة مثلًا سماك عن بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما، فلا يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرّح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره. واحترزتُ بقولي: أن يكون سالمًا من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا أن فيهم من وصف بالتدليس، أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدرّسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط، فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلّس قد عنعنه، أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه، بأنه على شرطهما، وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه، إلا إذا صرّح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما، ولا يوجد في "المستدرك" حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرًا أو أصلًا إلا القليل (١). نعم، وفيه جملة مُستكثَرةٌ بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهمًا في ذلك ظنًا أنهما لم يخرجاها. القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج، بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره، ويلحق بذلك ما _________ (١) سيذكر الحافظ ابن حجر في آخر كلامه المنقول عنه أن الذي يَسلَم من "المستدرك" على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حرّره دون الألف حديث. فهذا تفسير مراده هنا بالقليل.

стр. 108

إذا أخرجا لرجل وتجنّبا ما تفرّد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ما لم ينفرد به، فلا يَحسُن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعدما تبين له أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلحق أفراده بشرطهما، وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" بابًا مستقلًا ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك"، زاعمًا أنها على شرطهما! ولا شك في نزول أحاديثه عن درجة الصحيح، بل ربما كان فيها الشاذُّ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن، والحاكم وإن كان ممن لا يفرّق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحًا تبعًا لمشايخه، كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان، فإنما يُناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما. وهذا القسم هو عُمدة الكتاب. القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويُصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحدٍ منهما، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم، وكثير منها يُعلّق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها، كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث عن إسحاق بن بزرج عن الحسن بن علي، في التزيين للعيد. قال في إثره لولا جهالة إسحاق لحكمتُ بصحته (١). وكثير منها لا يتعرّض للكلام عليه أصلًا، ومن هنا دخلت الآفة كثيرًا فيما صححه، وقل أن تَجِدَ في هذا القسم حديثًا يلتحق بدرجة الصحيح، فضلًا عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين، والله أعلم. ومن العجيب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال _________ (١) "المستدرك" (٧٧٥١).

стр. 109

بعد روايته: هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن (١)، مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء (٢): عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعةً لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. وقال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتُهم قد ظهر عندي جَرحُهم؛ لأن الجرح لا أستحِلُّه تقليدًا. انتهى، فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة، ومن هنا يتبين صحة مقالة ابن الأخرم التي قدمناها، وأن قول المؤلف (يعني به ابن الصلاح): أنه يصفُو له منه صحيح كثيرٌ، غير جيد، بل هو قليل بالنسبة إلى أحاديث الكتابين؛ لأن المكرر يقرب من ستة آلاف، والذي يسلم من "المستدرك" على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حرّرناه دون الألف، فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين، والله أعلم (٣). كذا قال الحافظ ابن حجر، وفي بعض تفاصيله التي ذكرها مناقشات: ١ - فاعتراضه في شأن التصحيح على شرط الشيخين أو أحدهما يدور -كما هو واضح- على كون الرجال الذين يصحح الحاكم أحاديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، هم أعيانهم رجال الشيخين، وذلك مبنيٌّ على ما فهمه بعض العلماء، ومنهم ابن حجر، من مراد الحاكم في قوله الذي ذكره في مقدمة "المستدرك": أنه يذكر فيه أحاديث رجال احتجَّ بمثلها الشيخان، فإن ابن حجر يذهب في ذلك إلى قول ابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد وغيرهم في أن مراد الحاكم "بمثلها" أعيانُ الرواة، فعلى هذا يُخطّئون الحاكم بتصحيحه على شرط الشيخين أو أحدهما أحاديثَ لرجالٍ لم يُخرِّج لهم الشيخان، ولكنهم مُنازَعون في ذلك بأن مراده بالمِثْلية مَن كان نظيرًا لرواة الشيخين في الثقة، وليس أعيان رواة الشيخين، _________ (١) "المستدرك" (٤٢٧٤). (٢) الذي هو في "المدخل إلى الصحيح" له ١/ ١٨٠ ترجمة (٩٧). (٣) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٣١٤ - ٣١٩.

стр. 110

أو أنه أراد الصنفَين كليهما، كما سيأتي بيانه مفصلًا -إن شاء الله- لدى الحديث عن منهج الحاكم في "المستدرك". ٢ - ثم ما ذكره بأن مَن أخرج لهم الشيخان في المتابعات والشواهد والتعاليق فلا يكون حديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، فهو كلام صحيحٌ، لكن ظهر لنا أن الحاكم كان يذهب في شرط الشيخين إلى ما هو أوسع وأبعد مدى مما حَدَّده به بعض الأئمة بعد الحاكم، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- لدى الحديث عن منهج الحاكم في "المستدرك". ٣ - وأما دعواه: أن إخراج مسلم لبعض نسخة العلاء بن عبد الرحمن وتركه لبعضها الآخر، إنما هو انتقاء لما لم ينفرد به العلاء، فدعوى غير صحيحة؛ فقد أخرج له مسلم عددًا مما انفرد به من الروايات، مثل حديث: "اتقوا اللعانين"، وحديث: "الجرس مزامير الشيطان"، وحديث: "أتدرون ما المفلس" (١)، وغير ذلك. على أنه لو فُرض صحة كون مسلم قد أخرج من هذه النسخة ما لم ينفرد به العلاء، فليُبحَث كذلك عما صححه الحاكم من رواياته، فلعله لم ينفرد به، وقد ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب أنه متابع في أكثر ما رواه له، أو أن له شواهد، فلا يصح بعد ذلك إطلاق القول بأنه لا شك في نزول أحاديثه التي رواها بمثل هذه الأسانيد عن درجة الصحيح، والله تعالى أعلم. ٤ - ثم ما بال الحافظ ابن حجر هنا أطلق القول بذلك مع أنه قبل ذلك بورقات (٢) وافق ابن الصلاح على أنه يصفو للحاكم صحيح كثير زائد على ما في "الصحيحين"، وأن الحاكم مع حرصه على جمع الصحيح الزائد على "الصحيحين" واسع الحفظ، كثير الاطلاع، غزير الرواية، فيَبعُد كل البعد أن يوجد حديث بشرط الصحة لم يُخرّجه في "مستدركه"! فمقتضى ذلك أن الحافظ يعتد بالحاكم فيما يقوله من _________ (١) "صحيح مسلم" (٢٦٩) و (٢١١٤) و (٢٥٨١). (٢) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٢٧٢.
следующие страницы →