← Акыда

Акыда · id 14251

ماذا تعرف عن الله

أبو ذر القلموني

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ماذا تعرف عن الله؟؟؟ جمع وترتيب أبي ذر القلموني ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ [هود:٢٩] من أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن وليتق الله فيه

стр. 2

الطبعة الأولى ١٤٣٠هـ = ٢٠٠٩م من أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن وليتق الله فيه

стр. 3

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]

стр. 4

قال وسول الله ﷺ : "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ". [رواه ابن حبان، صحيح. كذا في مختصر العلو] [الفَلاة: هي الأرض الواسعة الخالية من الناس والماء والنبات].

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير

стр. 6

الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠]، ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ .......... رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران]، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران] ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران] , ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا

стр. 7

﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران]، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران]. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة]، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف]. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [الأعراف]، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ [الأعراف]، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [لأعراف]. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [يونس] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم]، ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾ [الكهف]، ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا

стр. 8

وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [المؤمنون]، ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان]، ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان]، ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾ [الممتحنة]، ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾ [التحريم]. يا رب: أدعوك وأنا العبد الذليل، وأنت الرب العزيز، يا رب. أسالك من فضلك ورحمتك لي ولكل المسلمين،

стр. 9

فإنه لا يملكها إلا أنت. اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيرًا لنا، وتوفنا ما علمت الوفاة خيرًا لنا، اللهم ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيمًا لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بالقضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا وارزقنا. اللهم إنا نسالك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك من الخير ما سألك منه عبدك ونبيك، ونعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من

стр. 10

النار وما قرب إليها من قول أو عمل، ونسالك أن تجعل كل قضاء قضيته لنا خيرًا. آمين، وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. قال السعدي -رحمه الله تعالى- في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان": ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته: لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء: لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات [الْبَصِيرُ﴾ يرى دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، ويرى سريان القوت في أعضاء الحيوانات الصغيرة جدًّا، وسريان الماء في الأغصان الدقيقة. وهذه الآية ونحوها دليل لمذهب

стр. 11

أهل السنة والجماعة من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات). وقال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا (١) وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]. جاء في "التفسير الميسر" لمجموعة من علماء التفسير: (ولله الأسماء الحسنى، الدالة على كمال عظمته، وكل أسمائه حسن، فاطلبوا منه بأسمائه ما تريدون، واتركوا الذين يُغيِّرون في أسمائه بالزيادة أو النقصان أو التحريف، كأن يُسمَّى بها من لا يستحقها: كتسمية المشركين بها آلهتهم، أو أن يجعل لها معنى

стр. 12

لم يُردْه الله ولا رسوله، فسوف يجزون جزاء أعمالهم السيئة التي كانوا يعملونها في الدنيا من الكفر بالله والإلحاد في أسمائه وتكذيب رسوله). قال رسول الل ﷺ : "لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ ؛ إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ وَلَدٌ وَهُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ" [رواه مسلم]. قال النووي -رحمه الله تعالى- في "شرح مسلم" ج ١٧ ص٢١٤: قال العلماء: معناه أن الله تعالى واسع الحلم حتى على الكافر الذي ينسب إليه الولد والند. اهـ وإن مما دعاني إلى كتابة هذه الرسالة ، غفلة كثير من المسلمين عن معرفة ما يتصل بذات ربهم العلي العظيم، بما فيهم الخاصة قبل العامة، وأعني بالخاصة: الذين يحصلون على شهادات عِلمية، جامعية ومتوسطة، حتى وصل الأمر إلى جواب بعضهم -ونحن في بيت من بيوت الله تعالى- عند السؤال عن: أين الله؟ وصل الأمر إلى أنَّ أخفهم

стр. 13

جميعًا مَن قال: إن الله في كل مكان -تعالى الله عمَّا يقولون علوُّا كبيرًا- وأشدهم جهلًا بذات الله تعالى من قال: إن الله في قلبي، وأعظم مِن هذا وذاك من قال: إن الله في البيت ... ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها، فهم حُذَّاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كان أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة. قال الحسن البصري: واللهِ لَبَلَغَ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي. اهـ ونسي هؤلاء جميعًا أنَّ الله تعالى قد أخبر عن نفسه قائلًا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] أي: ارتفع عليه وعلا. وأجمع السلف على إثبات استواء الله على عرشه، فيجب

стр. 14

إثباته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وهو استواء حقيقي، معناه: العلو والاستقرار على وجه يليق بالله تعالى. قال الإمام مالك: الاستواء معلوم (١)، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإنما وقعت الشبهة لمثل هؤلاء في ظنهم الكاذب أنَّ السماوات والأرض أكبر شيء في هذا الوجود، وغفلوا عن أن هذه السماوات والأرض في كرسي الرحمن لا تساوي حلقة أُلقيت في فلاة: أي صحراء واسعة، خالية من الناس والماء والنبات.

стр. 15

وغفَلوا أيضا عن أنَّ فضل العرش على الكرسي، كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة. قال رسول الله ﷺ : "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ (١) إِلَّا كَحَلَقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلَقَةِ» [رواه ابن حبان، وصححه الألبانى في "مختصر العلو"]. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ وإني لمَّا رأيت غفلة كثير من الناس عن معرفة الله معرفة علمية، استخرتُ الله تعالى، وشرعت في تحضير خطبة جمعة، جمعتُ فيها من أقوال أهل العلم -بطريقة سهلة ميسرة- ما يتصل باسماء الله تعالى وصفاته، ثم بعد إلحاح كثير من إخواننا في الله على جَعْل هذه الخطبة في كتاب ميسر، استخرتُ الله تعالى مرةً أخرى على تنفيذ ما طلبوا،

стр. 16

وزدتُ فيها كثيرًا عما ذُكر في الخطبة .. فإن وقت الخطبة محدود، وسميتها ماذا تعرف عن الله ... كل ذلك طمعًا في رحمة الله تعالى .. ثم في معرفته سبحانه معرفة علمية، خاصة، فوق المعرفة العامة، فالمعرفة العلمية: معرفة ذاته عن طريق أسمائه وصفاته، وأما المعرفة العامة والخاصة: فتكون من العبد لله تعالى، وعلى قدرها تكون معرفة الله تعالى للعبد. قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى- في "كتاب جامع العلوم والحكم": (ف معرفة العبد لربه نوعان: أحدهما: المعرفة العامة: وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان، وهذه عامة للمؤمنين. والثاني: معرفة خاصة: تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه والأنس به، والطمانينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون. كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما

стр. 17

هو؟ قال: معرفة الله . وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته: الإقرار به، ولكن المعرفة: التي إذا عرفته استحييت منه. ومعرفة الله أيضا لعبده نوعان: معرفة عامة: وهي علمه تعالى بعباده، واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]. وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢]. والثاني: معرفة خاصة. وهي تقتضي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه وإنجائه من الشدائد، وهي المشار إليها -في "صحيح البخاري"- بقوله ﷺ فيما يحكي عن ربه: "وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ". أ. هـ

стр. 18

﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح] مَن لا تعرف اللهَ تعالى معرفة خاصة علمية: كيف تدعو إلهًا لا تعلم عنه شيئًا؟! بل كيف تطلب إجابة دعاء قد سددت طريقه بعدم معرفة مولاك؟! وفي النهاية أقول: إن الكمال لله وحده، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وإنه لو كانت الذنوب تعمي البصر ما استطعت أن تنظر في كلامي، وإنني لا أطمع إلا في رحمته سبحانه، التي لا يملكها إلا هو. وإني أطلب منك الدعاء بظهر الغيب، خصوصًا أن: يجعلني الله وإياك وسائر المسلمين من عتقائه من النار، ويا حظ من زحزح عن النار وأدخل الجنة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران]. والسلام عليكم ورحمة الله (١).

стр. 19

فاعلم أنه لا إله إلا الله ينقسم توحيد الله تعالى إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول توحيد الوبوبية: هو: إفراد الله في أمور ثلاثة: في الخلق والملك والتدبير. وهذا النوع هو الذي أقر به الكفار ولم يدخلهم في الإسلام. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. القسم الثاني: توحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة: كالصلاة والدعاء والذبح. وهذا النوع من التوحيد هو دعوة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من أولهم إلى آخرهم. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]. قال المفسرون: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ أي: بتوحيد الربوبية. ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ أي: بتوحيد الألوهية.

стр. 20

القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: الأسماء كاسمه تعالى: السميع العليم. والصفات: كصفة السمع والعلم. جاء في كتاب "لمعة الاعقاد" لابن قدامة -رحمه الله تعالى- بشرح ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- بتصرف ما يلي: القاعدة الأولى: في الواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله تعالى وصفاته ، وذلك بإبقاء دَلالتها على ظاهرها من غير تغيير؟ لأن الله تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين، والنبي ﷺ يتكلم باللسان العربي؟ فوجب إبقاء دلالة كلام الله، وكلام رسوله ﷺ على ما هي عليه في ذلك اللسان، ولأن تغييرها عن ظاهرها قول على الله بلا علم؛ مثال ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. فإن ظاهر الآية أن لله يدين حقيقيتين، فيجب إثبات ذلك له. فإذا قال قائل: المراد بهما القوة. قلنا له: هذا صرف للكلام عن ظاهره، فلا يجوز القول به؛ لأنه قول على الله بلا علم، وهو حرام. القاعدة الثانية: أسماء الله كلها حسنى، أي بالغة في

стр. 21

الحسن غايته؛ لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. القاعدة الثالثة: أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين: لقوله ﷺ : "أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ" [صحيح - رواه أحمد وغيره]. وما استأثر به في علم الغيب عنده لا يمكن حصره ولا الإحاطة به. والجمع بين هذا وبين قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»: أن معنى هذا الحديث: إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة. وليس المراد حصر أسمائه تعالى بهذا العدد، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فلا ينافي أن يكون عندك دراهم أخرى أعددتها لغير الصدقة. القاعدة الرابعة: أسماء الله تعالى لا تثبت بالعقل، وإنما تثبت بالشرع فهي توقيفية، يتوقف إثباتها على ما جاء عن الشرع فلا يُزاد فيها ولا يُنقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على الشرع.

стр. 22

ويراعي في صفات الله تعالى ما يلي: أولًا: صفات الله كلها عليا، صفات كمال ومدح، ليس فيها نقص بوجه من الوجوه: كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، وغير ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. ولأن الرب كامل فوجب كمال صفاته. ثانيًا: وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حقه: كالموت والجهل. ثالثًا: وإذا كانت الصفة كمالًا من وجه، ونقصًا من وجه، لم تكن ثابتة لله، ولا ممتنعة عليه على سبيل الإطلاق، بل لابد من التفصيل: فتُثْبَت لله تعالى في الحال التي تكون كمالًا، وتُمْتَنَع في الحال التي تكون نقصًا: كالمكر مثلًا. قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال:.٣]. فإذا قيل: هل يوصف الله بالمكر مثلًا؟ فلا تقل: نعم، ولا تقل: لا، ولكن قل: هو ماكر بمن يستحق ذلك، والله أعلم. رابعًا: صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية،

стр. 23

وسلبية: فالثبوتية: ما أثبتها الله لنفسه: كالحياة، والعلم. والسلبية: هي التي نفاها الله عن نفسه: كالظلم، لكن يجب اعتقاد ثبوت ضدها لله على الوجه الأكمل؛ لأن النفي لا يكون كمالًا حتى يتضمن ثبوتًا. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، فيجب أن ننفي عن الله تعالى الظلم، وفي نفس الوقت يجب أن نثبت له العدل . خامسًا: الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية. فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها: كالسمع والبصر. والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته : إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها: كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل. سادسًا: كل صفة من صفات الله فإنه يتوجه عليها ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: هل هي حقيقية ولماذا؟ الجواب: نعم

стр. 24

هي حقيقية، لأن الأصل فى الكلام الحقيقة. السؤال الثاني: هل يجوز تكييفها ولماذا؟ لا يجوز تكييفها لقوله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]. ولأن العقل لا يمكنه إدراك كيفية صفات الله تعالى. نضرب مثالًا للتكييف: أن يتخيل إنسان ليد الله كيفية معينة لا مثيل لها فى أيدي المخلوقين، فلا يجوز هذا التخيل. السؤال الثالث: هل تماثل صفات المخلوقين ولماذا؟ الجواب: لا يماثل صفات المخلوقين لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. الفرق بين التمثيل والتكييف: أن "التمثيل": ذكر كيفية الصفة مقيدة بمماثل، و"التكييف": ذكر كيفية الصفة غير مقيدة بمماثل. "مثال التمثيل": أن يقول قائل: يد الله كيد الإنسان، فهذا تمثيل. و"مثال التكييف": أن يتخيل إنسان ليد الله كيفية معينة لا مثيل لها فى أيدي المخلوقين، فلا يجوز هذا التَّخَيُّل. اهـ.

стр. 25

جاء في كتاب "العقيدة الصافية للفرقة الناجية" للشيخ: سيد سعيد السيد -أثابه الله تعالى-، وكتاب "شرح لمعة الاعتقاد" لابن عثيمين -رحمه الله تعالى-، وكتاب "العقيدة الواسطية" لابن تيمية -رحمه الله تعالى- بشرح ابن عثيمين، وكتاب "العقيدة في الله" للشيخ: عمر سليمان الأشقر -أثابه الله تعالى- ما يلي (١): ١ - صفة الوجه: أجمع العلماء على إثبات الوجه لله تعالى، فيجب إثباته له بدون تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، وهو وجه حقيقي يليق بالله تعالى. قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا" [متفق عليه]. قَالَ

стр. 26

ابْن بَطَّال: فِي هَذِهِ الآيَة وَالْحَدِيث دَلالَة عَلَى أَنَّ للهِ وَجْهًا وَهُوَ مِنْ صِفَة ذَاته، وَلَيْسَ بِجَارِحَةٍ (١)، وَلا كَالْوُجُوهِ الَّتي نُشَاهِدهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ. ٢ - اليدان: وهما يدان حقيقيتان لله تعالى تليقان به، وليستا بجارحتين. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ

стр. 27

مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقال النبى ﷺ " «يَمِينُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" إلى قوله: "وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضَ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» [رواه مسلم، ورواه البخاري بمعناه]. وأجمع السلف على إثبات اليدين لله، فيجب إثباتهما له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، مع مراعاة أن كِلتا يدي الرحمن يمين، لقوله ﷺ : «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» [رواه مسلم]. الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيف نوفق بينها: الأول: الإفراد كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. الثاني: التثنية: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤]. الثالث: الجمع كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]. والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول: الوجه الأول مفرد مضاف، فيشمل كل ما ثبت لله من يدٍ، ولا ينافى الثنتين، وأما الجمع ﴿أَيْدِينَا﴾ فهو للتعظيم،

стр. 28

لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر، وحينئذٍ لا ينافى التثنية، على أنه قد قيل: إن أقل الجمع اثنان، فإذا حمل الجمع على أقله، فلا معارضة بينه وبين التثنية أصلًا. فائدة: الأشياء التي خلقها الرحمن بيده: جاء في "كتاب العقيدة في الله" ما مختصره: المخلوقات التي خلقها الله تعالى بيده، وذكرها لنا -سبحانه- في كتابه، أو وردت في سنة رسوله ﷺ هي: أ- آدم: وفي ذلك يقول الله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وفي حديث احتجاج آدم وموسى ﵉ "قال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، "قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ" [رواه مسلم]. ب- كتب- سبحانه- التوواة بيده: ورد في بعض روايات حديث المحاجَّة بين آدم وموسى ﵉: أن آدم قال لموسى: "أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ" [صحيح سنن أبي داود]. وفي رواية في "الصحيحين": "اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ".

стр. 29

ج- كتب- سبحانه- بيده كتابًا موضوعًا عنده: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ: غَلَبَتْ، أَوْ قَالَ سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ" [متفق عليه]. د - غرس - سبحانه - جنة عدن بيده. ثبت في "صحيح مسلم": أن رسول الله ﷺ قال: " سَاَلَ مُوسَى رَبَّهُ: "مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ - إلى أن قال ﷺ [قال موسى ﵇]: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ... ". فقد أخبر أنه غرس جنتهم بيده سبحانه. ٣ - الأصابع: إن لله تعالى أصابع لا تشبه أصابع المخلوقين، وهي تليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ،

стр. 30

وَالخَلاَئِقَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ. «فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ. [رواه البخاري]. أي أن ذلك ليس في جنب ما يقدر عليه -سبحانه- بعظيم. قال ابن بطال: لا يُحمل ذكر الإصبع على الجارحة، بل يحمل على أنه صفة من صفات الذات، لا نُكيف ولا نُحدد. ٤ - كلام الله: فالله يتكلم كيف يشاء، متى شاء، ولا يشبه كلامُه كلامَ المخلوقين، نؤمن بكلامه -سبحانه- على الوجه الذي يليق بجلال وجهه، وهو كلام بحروف وأصوات مسموعة. قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]. قال رسول الله ﷺ : " يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ". [رواه البخاري]. قال البخاري: في هذا دليل على أن صوت الله تعالى لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله تعالى يُسْمَع من بُعْد

стр. 31

كما يُسمَع من قُرْب، وأن الملائكة يصعقون من صوته. بالإضافة إلى ذلك يُراعى في كلام الله ما يلي: أ- كلام لا يُحصى ولا يُستقصى: قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] (١).

стр. 32

ب- القرآن كلام الله تعالى حقيقة، وليس بمخلوق: قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. وليس معنى أن الله تعالى يتكلم بصوت وحروف أنه يلزم لذلك حنجرة وغيرُها كما هو عند المخلوقين، فتعالى الله عن ذلك علوُّا كبيرا، ولكن له صوت بحروف. ج- جاء في "العقيدة الصافية": كلام الله تعالى من صفاته الذاتية والفعلية: أ- إن كلام الله تعالى تعالى من صفاته الذاتية، لقيامه به واتصافه به ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. ب- وكلام الله تعالى أيضًا صفة فعلية لله تعالى، وذلك لتعلقه بمشيئته وقدرته، فالله تعالى يتكلم متى شاء، وبما شاء، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالتكلم حَصُل بعد مجيء موسى ﵇، فدلَّ على أنه متعلق بمشيئة الله تعالى. ٥ - العلو والفوقيهّ: [ وقبل أن نتكلم عن هذه النقطة علينا

стр. 33

أن نعلم ما يلي: السماء السابعة فوقها الكرسي، فوق الكرسي الماء، وفوق الماء العرش ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، والله فوق العرش، وهو سبحانه غني عن عرشه، كما سياتي تفصيل ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى]. فيجب الإيمان بعلو الذات لله تعالى وفوقيته، وكونِه في السماء، وذلك بدون تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ونؤمن أن مُلك الله وسلطانه في السماء والأرض، وعلمَه وسع كل شيء في السماوات والأرض، ولكن ذاته فوق سبع سماوات، مستو على عرشه. قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، وليس المراد هنا أن جُرْمَ السماء تحويه عن ذلك- بل المراد: ب "السماء" معنيين: المعنى الأول: العلو والفوقية، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: مَنْ على السماء، وذلك إذا أريد بالسماء: السماء المبنية. المعنى الثاني: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: مَن في العلو، إذا أريد بالسماء: ما علا وارتفع.

стр. 34

أنواع العلو: أ- علو الصفة: بمعنى أن صفاتِهِ كلها عليا ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. ب- علو الذات: وذلك بمعنى أن ذاته تعالى فوق جميع مخلوقاته، فالله تعالى على عرشه فوق سبع سماوات، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، فهو فوقهم مهيمن عليهم، وهو معهم في كل مكان بعلمه وإحاطته. أما ذاته العليا فهو فوق سبع سماوات. وضرب شيخ الإسلام ﵀ لذلك مثلًا بالقمر، قال: إنه يقال: مازلنا نسير والقمر معنا، وهو موضوع في السماء، وهو من أصغر المخلوقات، فكيف لا يكون الخالق مع الخلق، الذي الخلق بالنسبة إليه ليسوا بشيء، وهو فوق سماواته؟! والرسول ﷺ يقول في سفره: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ" [رواه مسلم]. فجمع بين كونه صاحبًا له، وخليفة له في أهله، مع أنه بالنسبة للمخلوق غير ممكن، لا يمكن أن يكون شخص ما صاحبًا لك في السفر وخليفة لك في أهلك.

стр. 35

ج- علو قهر: فلا غالب له ولا منازع، فكل شيء تحت سلطان قهره، ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾. [الزمر] د- علو الشأن: فتعالى الله عن جميع النقائص والعيوب. ٦ - الاستواء على العرش: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] أي: ارتفع عليه وعلا. وأجمع السلف على إثبات استواء الله على عرشه، فيجب إثباته من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وهو استواء حقيقي، معناه: العلو والاستقرار على وجه يليق بالله تعالى. قال الإمام مالك: الاستواء معلوم (١)، والكيف مجهول، والإيمان به

стр. 36

واجب، والسؤال عنه بدعة. وجاء في كتاب "التوجيهات الإسلامية" ما يلي: (الله فوق العرش) القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة والعقل السليم، والفطرة السليمة تؤيد ذلك. ١ - قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (١) [طه]. (أي علا وارتفع) كما جاء في البخاري عن التابعين. ٢ - وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]. قال ابن عباس: (هو الله) كما في تفسير ابن الجوزي. ٣ - وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. ٤ - وقال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]. (أي رفعه الله إلى السماء). ٥ - وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ

стр. 37

وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ (١) [الأنعام]. (معنى في

стр. 38

السماوات: على السماوات). وأما قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. (أي رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم، حيث كنتم، وأين كنتم الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه). ٦ - "وعرج ﷺ إلى السماء السابعة حتى كلمه ربه، وفرض عليه خمس صلوات". كما رواه البخاري ومسلم. ٧ - وقال ﷺ : «أَلَا تَأْمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" (وهو الله) (ومعنى في السماء: على السماء) رواه البخاري ومسلم. ٨ - وقال ﷺ : "ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" (أي هو الله). رواه الترمذي وقال: حسن صحيح [وصححه الألباني في "صحيح الجامع"]. ٩ - سأل الرسول ﷺ جارية فقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» [رواه مسلم]. ١٠ - وقال ﷺ : "وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْمَاءِ، وَاللهُ ﵎ فَوْقَ

стр. 39

الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ" (١). ١١ - قال أبو بكر ﵁: "ومَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ فِي السَّماءِ، حَيٌّ لاَ يَمُوتُ". [التاريخ الكبير للبخاري]. ١٢ - وسئل عبد الله بن المبارك ﵁: كيف نعرف ربنا؟ قال: إنه فوق السماء على العرش بائن من خَلْقه. ومعناه: أن الله فوق العرش بذاته، منفصل من خَلْقه، لا يشَبهه أحد من مخلوقاته في عُلوّه. ١٣ - إن الأئمة الأربعة اتفقت على عُلوّ الله فوق عرشه، لا يُشبهه أحد من مخلوقاته. ١٤ - المصلي يقول في سجوده: (سبحان ربي الأعلى)، ويرفع يديه إلى السماء عند الدعاء. ١٥ - الأطفال حين تسالهم: أين الله؟ فيجيبون بفطرتهم

стр. 40

السليمة هو في السماء. ١٦ - العقل الصحيح يؤيد أن الله في السماء، ولو كان في كل مكان لأخبر به الرسول ﷺ وعلمه أصحابه، علمًا بأنه توجد أماكن نجسة وقذرة! تعالى الله عما يقولون عُلُوُّا كبيرًا. ١٧ - والقول بأن الله معنا في كل مكان بذاته يؤدي إلى تعدد الذات، لأن الأمكنة كثيرة ومتعددة. ولما كانت ذات الإله واحدة لا يمكن أن تتعدد، بطل القول بأن الله في كل مكان بذاته، وثبت أن الله على السماء فوق عرشه، وهو معنا في كل مكان بعلمه، يسمعنا ويرانا أينما كنا. اهـ. [من "التوجيهات الإسلامية"]. سؤال: ما هو العرش ؟ "العرش" لغة: السرير الخاص بالملك. وفى الشرع: العرش العظيم الذي استوى عليه الرحمن ﷻ ، وهو أعلى المخلوقات وأكبرها، وَصَفَهُ الله في كتابه بأنه عظيم وبأنه كريم وبأنه مجيد. و "الكرسى" غير
следующие страницы →