← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فقط فإنه منهي عنه لا لبسهما ولا نزعهما. ثالثها: أن يكون نهياً عن الجمع أي عن كل واحد سواء أتى به منفرداً أو مع الآخر كالنهي عن الزنا والسرقة. ص: ومطلق نهي التحريم وكذا التنزيه في الأظهر للفساد شرعاً، وقيل: لغة وقيل: معنى فيما عدا المعاملات مطلقاً، وفيها إن رجع، قال ابن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل أو لازم وفاقاً للأكثر، وقال الغزالي والإمام: في العبادات فقط. ش: النهي عن الشيء هل يدل على فساده أم لا؟ فيه مذاهب: الأول: أنه يقتضي الفساد مطلقاً في العبادات والمعاملات، وحكاه القاضي أبو بكر عن جمهور أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر الأصحاب، وقال: إنه الظاهر من مذهب الشافعي. الثاني: أنه لا يقتضيه، نقله القاضي عن جمهور المتكلمين، والإمام عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين، واختاره القفال الشاشي، والقاضي أبو بكر والغزالي وغيرهم، وعلى هذا الثاني قولان. أحدهما وبه قال الجمهور: إنه لا يدل على الصحة أيضاً، وادعى القاضي فيه الاتفاق. والثاني: أنه يدل على الصحة، وحكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. الثالث وهو الذي نقله المصنف عن الأكثرين وحكاه ابن برهان / (٥٨أ / د) عن نص الشافعي وحكي عن نص (الرسالة) التفصيل، فإن كان في غير المعاملات وهي العبادات والإيقاعات دل على الفساد مطلقاً، وإن كان في المعاملات فإن رجع إلى أمر داخل فيها كبيع الملاقيح، أو أمر خارج ولازم كالربا اقتضى الفساد، وإن رجع إلى أمر خارج غير لازم لم يقتض الفساد، وذلك كالنهي

стр. 247

عن البيع وقت نداء الجمعة فإن النهي عنه راجح إلى تفويت الجمعة، وهو أمر خارج غير لازم للعقد. فإن شك هل هو راجع إلى داخل أو خارج حكمنا بفساده أيضاً، وهو معنى قول المصنف: قال ابن عبد السلام: (أو احتمل رجوعه) وأشار بذلك إلى قوله في القواعد: وكل تصرف نهي عنه ولم يعلم لماذا نهي عنه فهو باطل حملاً للفظ النهي على الحقيقة. قال الشارح: وهي مسألة مهمة زادها المصنف على الأصوليين. الرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات فقط، وهو مذهب أبي الحسين البصري واختاره الإمام في (المحصول) وفي نقله عن الغزالي نظر، فقد صرح في آخر المسألة من (المستصفى) بأن كل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بشرطه دل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط، لا من حيث النهي. تنبيه: قوله: (مطلق النهي) خرج به ما اقترن به ما يدل على الفساد أو الصحة، فليس من محل الخلاف، وبين بإضافة النهي إلى التحريم أن المحل المتفق على جريان هذا الخلاف فيه أن يكون النهي للتحريم، فإن كان للتنزيه ففيه خلاف, الذي رجحه المصنف أنه كنهي التحريم لأن المكروه مطلوب الترك فلا يعتبر به إذا وقع، وذلك هو الفساد، ويخالف ذلك قول الصفي الهندي: محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم، وصرح بذلك بعض المصنفين. قلت: وذكر ابن الصلاح والنووي أن الصلاة في الأوقات المكروهة لا

стр. 248

تنعقد، وإن قلنا إن الكراهة فيها للتنزيه، واستشكله شيخنا الإسنوي بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد وهو تلاعب ولا إشكال فيه، لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة فإن المكروه غير داخل في مطلق الأمر، وإلا يلزم كون الشيء مطلوباً منهياً ولا يصح إلا ما كان مطلوباً، والله أعلم. تنبيه آخر: إذا قلنا باقتضاء النهي الفساد فهل ذلك من جهة الشرع أو اللغة؟ فيه مذهبان: نقلهما القاضي أبو بكر في (التقريب) وابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية أنه يقتضيه من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه، وهو مضاد للمشروعية، / (٥٨ ب / د) وقال إنه الأولى فلذلك نقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب، وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه يدل عليه شرعاً وجزم به البيضاوي. ص: فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقاً، ولفظه حقيقة وإن انتفى الفساد لدليل. ش: تقدم أن النهي إنما يدل على الفساد إذا كان لأمر داخل في المنهي عنه أو خارج عنه لازم له، فأما إذا كان لأمر، خارج عنه غير لازم له فإنه لا يفيد الفساد عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل: بل يفيده أيضاً، وذلك كالوضوء بماء مغصوب، فإن المنهي عنه لأمر خارج عنه ـ وهو الغصب ـ ينفك بالإذن من صاحبه أو الملك، ويترتب على قول الإمام أحمد باقتضاء النهي الفساد مطلقاً، أنه لو قام الدليل في نهي خاص على أنه ليس للفساد ولم يخرج النهي المذكور عن كونه باقياً على حقيقته. - لم يصر مجازا، لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه بل عن بعضه، فهو كالعموم الذي خص بعضه، فإنه حقيقة فيما بقي، ذكره ابن عقيل في الواضح.

стр. 249

قال الشارح: وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد بصيغته، فإن قلنا من جهة الشرع أو المعنى لم يكن فيه إخراج بعض مدلول اللفظ. قلت: ولك أن تقول: قد رجح المصنف/ (٧٢/ ب/ م) أن النهي يدل على الفساد في العبادات مطلقاً، والتفصيل إنما هو في المعاملات، وحكاه عن الأكثرين، والوضوء من العبادات، فاقتضى كلامه فيه الفساد إذا كان لمغصوب فكيف يحكي هذا هنا عن أحمد خاصة، ويجعله فيه مخالفاً للأكثر، وأيضاً فقد تقدم لنا قول أن النهي يدل على الفساد مطلقاً، وأن القاضي نقله عن جمهور الشافعية، والحنفية، والمالكية، فكيف يجتمع ذلك مع تخصيصه الفساد في هذه الصورة بالنقل عن أحمد. ص: وأبو حنيفة لا يفيد مطلقاً نعم المنهي لعينه غير مشروع ففساده عرضي ثم قال والمنهي لوصفه يفيد الصحة. ش: اشتهر عن أبي حنيفة أن النهي لا يفيد الفساد مطلقاً، واستدرك المصنف على هذا أن ذلك إنما هو في المنهي عنه لغيره، أما المنهي عنه لعينه فلا خلاف في فساده، وقد صرح أبو زيد في (تقويم الأدلة)، وقال شمس الأئمة السرخسي: إن المنهي عنه لعينه غير مشروع أصلاً، فيترتب على ذلك أن فساده عرضي، ثم قال أي أبو حنيفة: إن المنهي عنه لوصفه لا يفيد الصحة، وإنما يفيد ذلك الوصف خاصة كما لو تبايعا درهماً بدرهمين ثم طرح زيادته فإنه يصح العقد. قلت: وكيف يجتمع نفي الخلاف مع ما تقدم من حكاية قول بأنه/ (٥٩أ / د) لا يقتضي الفساد مطلقاً. ص: وقيل: إن نفي عنه القبول، وقيل: بل النفي دليل الفساد، ونفي الإجزاء كنفي القبول، وقيل: أولى بالفساد.

стр. 250

ش: إذا ورد من الشرع نفي القبول عن عباداة، فهل يدل ذلك على صحتها أو فسادها؟ مثل قوله ﵊: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وقوله: ((لا يقبل الله صلاة حائض)) أي: من بلغت سن الحيض ((إلا بخمار)) فيه قولان، حكاهما ابن عقيل من الحنابلة في كتابه في الأصول، فمن قال بالأول ـ وهو مراد المصنف بقوله: (وقيل: إن نفى عنه القبول) أي يفيد الصحة لقوله فيما قبله: يفيد الصحة ـ قال: إن القبول والصحة متغايران يظهر أثر الأول الثواب، والثاني في عدم القضاء، ومن قال بالثاني جعلهما متلازمين وهو مقتضى استدلال أصحابنا، وغيرهم بالحديثين المذكورين على اشتراط الطهارة وستر العورة في الصلاة، وحكى الشيخ تقي الدين/ (٧٣/ أ / م) في (شرح العمدة) في تفسير القبول قولين: أحدهما: أنه يرتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل عذر فلان إذا رتب عليه الغرض المطلوب، وهو عدم المؤاخذة، وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان. والثاني: أن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فهو أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح، ولا ينعكس. قلت: الذي ظهر لي في كون هذين الحديثين المذكورين نفى فيهما القبول وانتفت معه الصحة، وجاء في أحاديث أخر نفي القبول، فلم ينتف معه الصحة، كصلاة شارب الخمر، والعبد الآبق، وآتي العراف أنا ننظر فيما نفي فيه القبول، فإن قارنت ذلك الفعل معصية كالأحاديث الثلاثة المذكورة أجزأ، فانتفاء القبول (أي الثواب) لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم يقارنه معصية

стр. 251

كالحديثين الأولين، فانتفاء القبول بسببه انتفاء شرط وهو الطهارة في أحد الحديثين وستر العورة في الآخر، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط، والله أعلم. أما نفي الإجزاء نحو قوله ﵊: ((لا تجزئ صلاة من لا يقرأ فيها بأم القرآن)) فالمشهور أنه كنفي الصحة فيعود فيه ما سبق. والثاني: أنه أولى بالفساد، فيعود فيه الخلاف بالترتيب، لأن الصحة قد توجد، حيث لا قبول بخلاف الإجزاء مع الصحة. ص: العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر. ش: فهم من تصدير تعريف العام باللفظ أنه من عوارض الألفاظ، والمراد لفظ واحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على أشياء متعددة. وخرج بقوله: (يستغرق) المطلق، فإنه لا يدل على شيء من الأفراد أصلاً، والنكرة في سياق الإثبات مفردة / (٥٩ ب / د) كانت أو مثناة أو مجموعة أو عدداً، فإنها إنما تتناول الأفراد على سبيل البدل. واحترز بقوله: (الصالح له) عما لا يصلح فعدم استغراق (ما) لمن يعقل، إنما هو لعدم صلاحيتها له، أي: عدم صدقها عليه، لا لكونها غير عامة. وخرج بقوله: (من غير حصر) أسماء العدد، فإنها متناولة للصالح لها، لكن مع الحصر، وهذا مبني على أنها ليست عامة، وهو المعروف، وبه صرح ابن الحاجب هنا، ومقتضى كلامه في الاستثناء أنها عامة، وتبعه المصنف

стр. 252

هناك، وزاد / (٧٣ / ب / م) البيضاوي وغيره في هذا التعريف: (بوضع واحد) ليخرج المشترك إذا أريد به معنياه، فإنه مستغرق لما يصلح له لكن بوضعين لا بوضع واحد، فتناوله لهما ليس من العموم ولم يحتج المصنف لذكره، فإن تناول المشترك لمعنييه ليس من الشمول الوضعي بل بحسب الإرادة أو الاحتياط، لكن نقل الآمدي عن الشافعي والقاضي أن حمله على معنييه من باب العموم، وإذا كان كذلك فلا يؤتى بلفظ يخرجه، والله أعلم. ص: والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته، وأنه قد يكون مجازاً، وأنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني، وقيل به في الذهني ويقال للمعنى: أعم، ـ وللفظ: عام. ش: فيه مسائل: الأولى: الصحيح أن الصورة النادرة تدخل في العموم. وقال الشارح: زعم المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حكى فيه خلافاً، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء، ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين. أصحهما: نعم، لقوله ﵊: ((لا سبق إلا في خف أو حافر)). والثاني: لا، لأنه نادر عند المخاطبين بالحديث، وقال الغزالي في (البسيط): لو أوصى برأس من رقيقه جاز دفع الخنثى، وذكر صاحب (التقريب) وجهاً: أنه لا يجزئ، لأنه نادر لا يخطر بالبال، وهو بعيد، لأن العموم يتناوله. قال الشارح أيضا: وينبغي أن يكون الخلاف فيما ظهر اندراجه في

стр. 253

اللفظ، فإن لم يظهر وساعده المعنى فلم أرهم تعرضوا له، وينبغي أن يجري فيه خلاف أصحابنا في بيع الأب مال ولده من نفسه وبالعكس، هل يثبت فيه خيار المجلس؟ وجهان. والأصح: الثبوت، وإنما خص المتبايعين بالذكر آخراً للكلام على الغالب المعتاد، فلو قال المصنف: (والصحيح دخول النادرة تحت العموم ولو بالمعنى) لشمل، هذه الصورة، انتهى. الثانية: الصحيح دخول الصورة التي ليست مقصودة في العموم، فإن اللفظ متناول/ (٧٤ / أ / م) لها، ولا انضباط للمقاصد، وممن حكى الخلاف في ذلك القاضي عبد الوهاب، ويوجد في كلام أصحابنا، ولهذا قال في (البسيط) بعد حكاية الخلاف فيما لو وكله بشراء عبد فاشترى من يعتق (٦٠ / أ / د) على الموكل: وصار الخلاف التعلق بالعموم والالتفات إلى المقصود. قال المصنف: وليست غير المقصود هي النادرة، كما توهم بعضهم، بل النادرة هي التي لا تخطر غالباً ببال المتكلم، لندرة وقوعها، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال ولو غالباً، وميل الحنابلة إلى عدم الدخول. الثالثة: الصحيح أن المجاز كالحقيقة في أنه قد يكون عاماً فلم ينقل عن أحد من أئمة اللغة أن الألف واللام أو النكرة في سياق النفي أو غيرهما من صيغ العموم لا يفيد العموم إلا في الحقيقة، وخالف فيه بعض الحنفية، فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته، لأنه على خلاف الأصل، فيقتصر به على الضرورة، ورد بأن المجاز ليس خاصاً بمجال الضرورات، بل هو عند قوم غالب على اللغات، واستدل على أن العام قد يكون مجازاً بقوله ﵊:

стр. 254

((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام)) فإن الاستثناء معيار العموم، فدل على تعميم كون الطواف صلاة وكون الطواف صلاة مجاز. تنبيهان: أحدهما: قال الشارح: ظهر بهذا أن العبارة مقلوبة، والصواب أن يقال: وأن المجاز يدخل العموم، فإن صورة المسألة أن يشتمل المجاز على السبب المقتضي للعموم من الألف واللام وغيرها، والمحل قابل للعموم، ولهذا ذكر صاحب (البديع) هذه المسألة في بحث المجاز لا في العموم. ثانيهما: قال الشارح أيضاً: ظن المصنف في (الموانع) أن هذه مسألة المقتضى، وليس كذلك، فإن المقتضى لم يشتمل على دليل العموم، لأنه ليس بملفوظ، وإنما يقدر لأجل صحة الملفوظ فيقتصر على القدر الضروري، بخلاف المجاز المشتمل على أداة العموم، فإنه إذا لم يحمل على العموم يلزم منه إلغاء دليل العموم، انتهى. الرابعة: لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ، وليس المراد وصف اللفظ به مجرداً عن المعنى، بل باعتبار معناه الشامل للكثرة، وعطف المصنف ذلك على ما/ (٧٤/ب/م) عبر فيه بالأصح يقتضي خلافاً فيه.

стр. 255

قال الشارح: وينبغي أن يجعل استئنافاً لا عطفاً على ما قبله. قلت: يمكن أنه أراد من عوارض الألفاظ فقط، فيرجع التصحيح إلى تضعيف القول بأنه من عوارض المعاني أيضاً، لا إلى كونه من عوارض الألفاظ، ولذلك عقبه بقوله: (قيل والمعاني) والذاهبون إليه اختلفوا في أن عروضه للمعاني هل هو حقيقة أو مجاز؟ فقال بعضهم: حقيقة، فكما صح في الألفاظ شمول أمر لمتعدد صح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيهما. وقال القاضي عبد الوهاب: مراد قائله حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ / (٦٠/ ب / د) أن نفس الميتة وعينها لما لم يصح تناول التحريم لها عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص. وقال آخرون: بل هو مجاز، لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها، وإذا اختلفت تدافعت، وقولهم: عمهم الخصب والرخاء متعدد، فإن ما خص هذه البقعة غير ما خص الأخرى، وعزاه الصفي الهندي للجمهور، والظاهر أن الذي حكاه المصنف هو الأول، فإنه لو أراد الثاني لكان الراجح عنده أنه ليس من عوارض الألفاظ لا حقيقة ولا مجازاً، ولما حكاه الشارح قال: إنه أبعد الأقوال بل في ثبوته نظر. وفي المسألة قول رابع وهو: أنه من عوارض المعاني الكلية الذهنية، فإن المعنى الذهني واحد متناول لأمور كثيرة بخلاف المعاني الخارجية، لأن كل موجود في الخارج متخصص بمحل وحال مخصوص لا يوجد في غيره، فيستحيل شموله لمتعدد، وهذا بحث للصفي الهندي. تنبيه ليس المراد المعاني التابعة للألفاظ، فإنه لا خلاف في عمومها، لأن لفظها عام، وإنما المراد المعاني المستقلة كالمقتضى والمفهوم.

стр. 256

الخامسة: يقال في اصطلاح أهل الأصول للمعنى: أعم وأخص، وللفظ: عام وخاص. قال القرافي: ووجه المناسبة أن صيغة (أفعل) تدل على الزيادة والرجحان والمعاني أعم من الألفاظ فخصت بصيغة أفعل التفضيل، / (٧٥/أ/م) ومنهم من يقول فيها عام وخاص أيضاً. ص: ومدلوله كلية، أي محكوم فيه على كل فرد مطابقة، إثباتاً أو سلبا، لا كل ولا كلي. ش: مدلول العموم كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد، فقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ تنزل منزلة قوله: (اقتلوا زيداً المشرك وعمراً المشرك) وهكذا، حتى لا يبقى فرد منهم إلا تناوله اللفظ، وهذا مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان، أي كل واحد على انفراده، وليست دلالته من باب الكل وهو الحكم على المجموع من حيث هو كأسماء العدد، ومنه: كل رجل يحمل الصخرة، أي المجموع. لا كل واحد، ولا من باب الكلي، وهو ما اشترك في مفهومه كثيرون كالحيوان والإنسان، فإنه صادق على جميع أفراده، ويقابل الكلية الجزئية، والكل الجزء، والكلي الجزئي. وأشار المصنف بقوله: (مطابقة) إلى الرد على القرافي في إنكاره ذلك، موجهاً له بأن دلالة المطابقة دلالة اللفظ على مسماه بكماله، ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون دلالته عليه بالمطابقة وقد أجاب عن ذلك الأصفهاني في شرح (المحصول) بأن قوله: اقتلوا / (٦١أ / د) المشركين في قوة جملة من القضايا لما قررناه من تناوله لكل فرد فرد، فاللفظ لا يدل على قتل زيد المشرك لخصوص كونه زيداً، بل لعموم كونه فرداً من تلك القضايا، والذي في ضمن ذلك المجموع دال عليه مطابقة، وقال: فافهم ما ذكرناه فإنه من دقيق الكلام، وليس هو من دلالة التضمن. وأشار بقوله: (إثباتاً أو سلباً) إلى أن صيغة العموم قد تكون في الإثبات نحو قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ وقد تكون في السلب نحو: لا تقتلوا مسلماً، وكلاهما كلية، وأما سلب العموم نحو: ما كل

стр. 257

عدد زوجاً، فليس من العموم في شيء، فإنه لا يرتفع فيه الحكم عن كل فرد فرد، إذ يلزم عليه أن لا يكون في العدد زوج، فقط ظهر بذلك أن تنبيه الشارح هنا غير محتاج إليه، والله أعلم.

стр. 258

ص: ودلالته على أصل المعنى قطعية، وهو عن الشافعي – ﵀ – وعلى كل فرد بخصوصه ظنية وهو عن الشافعية، وعن الحنفية قطعية. ش: دلالة العام على أصل المعنى قطعية بلا خلاف، فلا معنى لتخصيص الشافعي بحكاية ذلك عنه، وأما دلالته على كل فرد بخصوصه/ (٧٥/ب/م) بحيث يستغرق الأفراد ففيه مذهبان: أحدهما: وبه قال الشافعية: أنها ظنية. ثانيهما: أنها قطعية، وعزاه المصنف للحنفية، أي: أكثرهم فقد ذهب أبو منصور الماتريدي ومن تبعه من مشايخ سمرقند إلى أنها ظنية، ونقل الإبياري في (شرح البرهان) القطع عن المعتزلة وقال إمام الحرمين: الذي صح عندي من مذهب الشافعي أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق فإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة. انتهي. وعبارة المصنف توهم خلافه. واعلم أن محل الخلاف في التجرد عن القرائن فإن اقترن به ما يدل على التعميم فدلالته على الأفراد قطعية بلا خلاف نحو قوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾، ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾، ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ وإن اقترن به ما يدل على أن المحل غير قابل

стр. 259

للتعميم فهو كالمجمل يجب التوقف فيه إلى ظهور المراد منه نحو قوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾. ص: وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع وعليه الشيخ الإمام. ش: العام في الأشخاص عام في الأحوال والأزمنة والبقاع، وحكاه المصنف عن والده، وصرح به من المتقدمين أبو المظفر السمعاني في (القواطع) وقال جماعة من المتأخرين: بل هو مطلق باعتبار الأحوال والأزمنة والبقاع، فقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ يتناول كل مشرك/ (٦١ب/د) لكن لا يعم الأحوال حتى يقبل في حال الذمة والهدنة ولا خصوص المكان، حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلا، ولا الزمان حتى يدل على القتل يوم الأحد مثلا. وقد أشاع هذا الكلام القرافي وظن أنه يلزم من هذه القاعدة أنه لا يعمل بعام في هذه الأزمنة، لأنه قد عمل بها في زمن ما، والمطلق يكتفى بالعمل به في صورة، ورد ذلك الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) وقال: تجب المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة مخالفة لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في/ (٧٦/أ/م) العمل به مرة واحدة، وإن كان العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم، محافظة على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعم، فإذا قال: من دخل داري فأعطه درهما، لم يجز حرمان الداخلين آخر النهار، لأنه مطلق في الزمان لما يلزم عليه من إخراج بعض الأشخاص بغير تخصيص ذكر ذلك في الكلام على حديث أبي أيوب لما قدم الشام

стр. 260

فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة، وكان أبو أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله ﵊: ((لا تستقبلوا ولا تستدبروا)) عاما في الأماكن، وهو مطلق فيها، وعلى ما قال هؤلاء لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه نعم، لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. ص: مسألة: كل، والذي، والتي، وأي، وما، ومتى، وأين، وحيثما، ونحوها للعموم حقيقة، وقيل: للخصوص، وقيل: مشتركة، وقيل: بالوقف. ش: اختلف في أن العموم هل له صيغة تخصه حقيقة أم لا؟ على مذاهب.

стр. 261

أحدها: -وبه قال الجمهور وهو الصحيح -: نعم. الثاني: أن هذه الصيغ موضوعة للخصوص، وهو أقل الجمع، لأنه المتيقن، واستعملت في العموم مجازا. الثالث: أنها مشتركة بين العموم والخصوص. الرابع: الوقف، ونقله القاضي في (مختصر التقريب) عن الأشعري ومعظم المحققين واختاره، قال: وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة فلم نجد صيغة دالة على العموم، سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد. وهذه الصيغ التي ذكرها المصنف قسمان: أحدهما: يشتمل على جميع المفهومات وهو الأربعة المذكورة أولاً، فـ (كل) أقوى صيغ العموم، سواء أكانت مبتدأ بها نحو: ﴿كل من عليها فان﴾ أو تابعة نحو: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ وجميع ما تفرع عن الذي والتي تثنية وجمعا مثلهما نحو: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى﴾، ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾، ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾، ﴿واللائي يئسن﴾. (وأي) عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص/ (٧٦/ب/م) والأزمان والأمكنة والأحوال ومنه ((أيما امرأة نكحت نفسها)) وينبغي تقيدها بالاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة لتخرج الصفة/ (٦٢/أ/د) كمررت برجل أي رجل، والحال نحو: مررت بزيد أي رجل.

стр. 262

القسم الثاني: يختص ببعض المفهومات فمنه (ما) وهي مختصة بما لا يعقل، و (متى) للزمان، نحو: متى تقم أقم، و (أين) و (حيثما) للمكان نحو: أين تجلس أجلس قال الله تعالى: ﴿أينما تكونوا يدركم الموت﴾ وحيثما .... وحكي عن ابن الحاجب تقيد الزمان بالمبهم فلا تقول: متى زالت الشمس فأتني. ص: والجمع المعرف باللام أو الإضافة للعموم ما لم يتحقق عهد خلافا لأبي هاشم مطلقا، ولإمام الحرمين إذا احتمل معهودا. ش: ومن صيغ العموم لا بأصل الوضع بل بقرينة: الجمع المعرف باللام في الإثبات نحو قوله تعالى: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ أو الإضافة نحو: عبيدي أحرار، ونسائي طوالق، وسواء فيه جمع السلامة والتكسير هذا قول الأكثرين، ويدل له قوله ﵊ في قولنا في التشهد: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، (فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض) ووراء ذلك مذهبان: أحدهما – وبه قال أبو هاشم – أنه لا يفيد العموم بل الجنس مطلقا أي: سواء احتمل عهد أم لا، وعزاه الماوردي لأبي حامد الإسفرايني. الثاني – وبه قال إمام الحرمين -: أنه إذا احتمل الجنس والعهد ولم يقم

стр. 263

دليل على أحدهما، فهو مجمل محتمل لهما، وليس في عبارة المصنف إفصاح عن هذا، غاية ما دل عليه أنه لا يقول هنا بالعموم فهل يحمله على الجنس أو يتوقف؟ لم يتعرض له، والمنقول عنه ما قدمته، وأشار المصنف بقوله: ما لم (يتحقق عهد) إلى أن محل الخلاف إذا لم يكن هناك عهد، فإن كان انصرف إلى المعهود ولم يعم، وقد نقل في (المحصول) وغيره الاتفاق عليه. تنبيهات: الأول: كيف يجتمع العموم في المعرف باللام مع قول سيبويه وغيره: إن جمع السلامة للقلة، وهي من الثلاثة للعشرة؟ وقد حمل إمام الحرمين كلام النحاة على النكرة، وقال غيره: لا مانع أن يكون/ (٧٧/أ/م) أصل وضعها القلة وغلب استعمالها في العموم لعرف استعمال أو شرع، فنظر النحاة إلى أصل الوضع، والأصوليون إلى غلبة الاستعمال. ثانيها: كيف يجتمع قولهم: إن محل الخلاف حيث لا عهد، مع قولهم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن السبب قرينة في انصرافه إلى العهد؟ وأجيب بأن تقدم السبب الخاص قرينة على أنه مراد، لا أن غيره ليس بمراد، فمحل السبب قطعي، وغيره ظني، إذ ليس في السبب ما ينفيه. ثالثها: قال الشارح: خلاف أبي هاشم والإمام: إنما هو في الجمع المعرف دون المضاف وطرده المصنف فيه لعدم الفارق. ص: والمفرد المحلى مثله خلافا للإمام مطلقا، ولإمام الحرمين والغزالي إذا لم يكن واحده بالتاء، زاد الغزالي: أو تميز بالوحدة. ش: ومن صيغ العموم بقرينة في الإثبات المفرد المحلى باللام نحو قوله

стр. 264

تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ / (٦٢ب/د) ﴿والسارق والسارقة﴾ نص عليه الشافعي في (الرسالة) وحكاه الآمدي عن الأكثرين، ورجحه ابن الحاجب، ووراءه مذاهب. أحدها: أنه لا يفيد العموم مطلقا، صححه الإمام ومن تبعه. الثاني: أنه لا يفيد العموم إذا لم يتميز الواحد منه عن الجنس بالتاء نحو: ﴿الزانية والزاني﴾ فإن تميز واحده عن جنسه بالتاء نحو: ((لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل)) أفاد الاستغراق قاله إمام الحرمين كما حكاه عنه المصنف، ولم ينقله على وجهه فإنه قال في القسم الأول: إن لاح قصد المتكلم للجنس، دل على الاستغراق نحو: الدينار أشرف من الدرهم وإن لم يعلم الحال فهو مجمل، ونقل في القسم الثاني قولين. الثالث – وبه قال الغزالي – أنه لا يفيد العموم في صورتين: إحداهما: ألا يتميز واحده عن جنسه بالتاء كما تقدم عن شيخه. الثانية: أن يتميز بالواحدة كالدينار والرجل يصح أن يقال: دينار واحد، ورجل واحد، فإن تميز واحده عن جنسه بالتاء، وخلا عنها نحو: ((لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل)) أو لم يتميز بوصفه بالوحدة نحو الذهب، لا يقال: ذهب واحد، فهو للاستغراق في الصورتين. تنبيهات: أحدها: ألحق المصنف الجمع المضاف بالمعرف، ولم يلحق المفرد المضاف

стр. 265

بالمعرف، وقد ذكر في (المحصول) أن المفرد المضاف للعموم ذكره في الاستدلال بقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ على أن الأمر للوجوب مع أنه ينكر إفادة المفرد المعرف للعموم، فالإضافة عنده أدل على العموم من اللام، ومن العجيب قول الصفي الهندي: لم ينصوا على الإضافة هنا، لكن مقتضى التسوية بين الإضافة ولام التعريف في الأولى أن يكون كذلك هنا، ورد عليه الشارح بأنه قد صرح بالتسوية جماعة. ثانيها: فهم من قوله: (مثله) أن شرط تعميمه أن لا يتحقق عهد، فإن كان هناك عهد انصرف إليه قطعا. ثالثها: تعبير المصنف بالمفرد أعم من تعبير ابن الحاجب باسم الجنس لشموله الاسم الذي ليس بجنس، وهو ما يتغير لفظه عند تكرر مدلوله نحو: دينار، تقول: هذان ديناران، وهذه دنانير، بخلاف النساء والإبل ونحوهما، كذا فرق بينهما ابن التلمساني ولا أثر لذلك بالنسبة إلى العموم فإنه باعتبار التحلية باللام. رابعها: عموم المفرد الذي دخلت عليه (أل) غير عموم الجمع، فالأول يعم المفردات، والثاني يعم الجموع، لأن (أل) تعم أفراد ما دخلت عليه، وقد دخلت على جمع. وفائدة هذا تعدد الاستدلال بالجمع على مفرد في حالة النفي أو النهي لأن العموم وارد على أفراد المجموع، والواحد ليس بجمع. خامسها: مقتضى عموم المفرد المعرف باللام أن الحالف بالطلاق يقع عليه بالحنث جميع الطلقات والمنقول أنه لا يقع غير واحدة، وأجاب عنه ابن عبد السلام بأنها يمين فيراعى/ (٦٣أ/د) فيها العرف لا الوضع اللغوي، وجوز السبكي جوابا آخر، وهو أن الطلاق حقيقة واحدة، وهي قطع عصمة النكاح، وليس له

стр. 266

أفراد حتى يقال: إنها تندرج في العموم ولكن مراتبه مختلفة فقد يكون رجعيا وقد يكون بائنا بينونة صغرى، وقد يكون بائنا بينونة كبرى، فإذا لم يذكر المراتب، ولا نواها لم يحمل إلا على أقل المراتب، لأن أل لا دلالة لها على قوة مرتبة ولا ضعفها،/ (٧٨/أ/م) فلا يحمل إلا على الماهية، وليست آحاد المراتب بمنزلة آحاد العموم حتى يقال بالاستغراق. انتهى. ص: والنكرة في سياق النفي للعموم وضعا، وقيل: لزوما، وعليه الشيخ الإمام، نصا إن بنيت على الفتح وظاهراً إن لم تبن. ش: من صيغ العموم النكرة في سياق النفي، والمراد النكرة المعنوية ليدخل في ذلك المطلق، وليس المراد النكرة الصناعية المقابلة للمعرفة. ودخل في هذه العبارة ما باشره النفي نحو: ما أحد قائما، وما باشر عامله نحو: ما قام أحد، وسواء أكان النافي، (ما) أو (لم) أو (لن) أو (ليس) أو غيرها، وظهر بذلك أن قول الشارح: كان الأحسن أن يقول: (في النفي) لتعم ما كانت في سياقه وما انصب النفي عليها – مردود، بل التعبير بقولنا: (في سياق النفي) شامل للنوعين، وفرق الآمدي بين ما دخل النفي عليها فجعلها للعموم، وما كانت في سياقه ولم يباشرها نحو ليس في الدار رجل فقال: إنها ليست للعموم وهو خلاف المشهور. وهنا أمران: أحدهما: اختلف في أن دلالتها على العموم هل هو وضعي بمعنى أن اللفظ وضع لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة – أو بطريق اللزوم بمعنى أن نفي فرد

стр. 267

مبهم يقتضي نفي جميع الأفراد ضرورة؟ والأول: ظاهر كلام أصحابنا واختاره القرافي. والثاني: محكي عن الحنفية، واختاره والد المصنف ويؤيد الأول صحة الاستثناء من هذه الصيغة بالاتفاق فدل على تناولها لكل فرد، وينبني على هذا الخلاف التخصيص بالنية، فيصح على الأول ولا يصح على الثاني، فلو نوى معينا لم يسمع. ثانيهما: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم قسمان: أحدهما: نص في ذلك، وهو ما إذا بنيت لتركبها مع (لا) نحو: لا إله إلا الله. والثاني: ظاهرة في ذلك، وهو ما إذا لم تبن مع (لا) بل أعربت نحو: لا رجل في الدار، فإنه يصح أن يقال بعده: بل رجلان، فدل على أنها ليست نصا في العموم. قال إمام الحرمين: ولهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول: ما فيها رجل، بل رجلان، كما تعدل عن الظاهر فتقول: جاء الرجال/ (٧٨/ب/م) إلا زيدا. انتهى. وهذا يدل على عمومه حيث لا قرينة، فمع القرينة يخرج عن ذلك فيكون ذلك كالاستثناء نحو: جاء الرجال إلا زيدا وبذلك يرد على القرافي في قوله: (إن المعربة لا تدل على (/ (٦٣/ب/د) العموم) ويقال: بل هي دالة على العموم ظاهرا لا نصا فيعمل فيها بذلك حتى يقوم الدليل على خلافه، وعلى هذا يحمل قول الجرجاني والزمخشري إنها في هذه الحالة ليست للعموم – أي ليست نصا في

стр. 268

ذلك، والله أعلم. ويرد على إطلاق المصنف أن غير المبنية ظاهرة في العموم المجرورة بـ (من) نحو ما جاءني من رجل فإنها معربة، وهى نص في العموم أيضا، والله أعلم. ص: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ أو عقلا، كترتيب الحكم على الوصف، وكمفهوم المخالفة، والخلاف في أنه لا عموم له لفظي، وفي أن الفحوى بالعرف وأن المخالفة بالعقل تقدم. ش: قد يستفاد العموم من اللغة، وهو الأكثر وقد يستفاد من العرف أو العقل فالعرف في أمرين: أحدهما: الفحوى، والمراد به مفهوم الموافقة إذا قلنا إن دلالته لفظية، فإن الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأولى، وسبق في المفهوم أن استفادته من العرف رأي لم يرتضه المصنف. ثانيهما: إضافة الحكم إلى الأعيان نحو: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ فإن العرف دل على أن المراد تحريم الاستمتاعات المقصودة من النساء من الوطء ومقدماته، وقيل: إن العموم فيه من باب الاقتضاء لاستحالة تحريم الأعيان فيضمر ما يصح به الكلام، ويجري فيه الخلاف في عموم المقتضى، وقد يترجح هذا بقولهم: الإضمار خير من النقل مثل قوله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾

стр. 269

وأما استفادته العموم من العقل ففي (أمرين): أحدهما: ترتيب الحكم على الوصف فإنه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، بمعنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انتفت انتفى. ثانيهما: مفهوم المخالفة عند القائلين به، كقوله ﵊: ((في سائمة الغنم الزكاة)) فهو دال على انتفاء الوجوب في غير السائمة، كذا في (المحصول) لكن/ (٧٩/أ/م) الذي اختاره في (المعالم) أن دليل العموم فيه العرف العام وهو أظهر ولا متابع للمحصول على أن دلالة المفهوم عقلية، ولذلك اقتصر البيضاوي على القسم الأول ثم ذكر المصنف أن المخالف في عموم المفهوم – وهو الغزالي – ليس خلافه مع الجمهور خلافا محققا بل هو لفظي، لأن الغزالي موافق للجمهور على حجية المفهوم. ومنشأ الخلاف أن الغزالي قال: إن العام ما يستغرق في محل النطق، والجمهور قالوا: ما يستغرق في الجملة. ثم ذكر المصنف أن الكلام في أن العرف هو الدال على عموم الفحوى، وأن العقل هو الدال على عموم مفهوم المخالفة تقدم، أي في الكلام على المفهوم، وهو صحيح في الفحوى، وأما مفهوم المخالفة فالمذكور هناك أنه هل دل باللغة والشرع أو المعنى وهو/ (٦٤أ/د) العرف كما تقدم ولم يذكر العقل. ص: ومعيار العموم الاستثناء. ش: يستدل على عموم اللفظ بقبوله للاستثناء، فإنه إخراج ما لولاه

стр. 270

لوجب دخوله في المستثنى منه، فلزم أن يكون كل الأفراد واجبة الاندراج، وهذا هو معنى العموم، وأورد على هذا صحة الاستثناء من العدد, ولا عموم فيه فأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: كل مستثنى منه عام، بل قلنا: كل عام يقبل الاستثناء فمن أين العكس وفي جوابه نظر، فإن معيار الشيء ما يسعه وحده، فإذا وسع غيره معه خرج عن كونه معياره، فاللفظ يقتضي اختصاص الاستثناء بالعموم، ولذلك لم يشترط ابن مالك في الاستثناء كونه من عام، بل جوزه من النكرة في الإثبات بشرط الفائدة نحو: جاءني قوم صالحون، إلا زيدا وخرج عليه الاستثناء من العدد نحو: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾. ص: والأصح: أن الجمع المنكر ليس بعام، وأن أقل مسمى الجمع ثلاثة لا اثنان، وأنه يصدق على الواحد مجازا، وتعميم العام بمعنى المدح والذم إذا لم يعارضه عام آخر، وثالثها: يعم مطلقا، وتعميم نحو: ﴿لا يستوون﴾ ولا أكلت، قيل: وإن أكلت. ش: فيه مسائل: الأولى: الأصح – وبه قال الجمهور -: أن الجمع المنكر لا يقتضي العموم بل يحمل على أقل الجمع على الخلاف الآتي فيه وقال أبو علي الجبائي: (بل يقتضيه كالمعرف، قال الصفي الهندي: الذي أظنه) / (٧٩/ب/م) أن الخلاف في غير جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدا، إذ هو مخالف لنصهم على أنه للعشرة فما دونها.

стр. 271

قلت: وكلام الجمهور في الحمل على أقل الجمع محمول على جموع القلة، لنصهم على أن جموع الكثرة إنما يتناول أحد عشر فما فوقها، ويخالفه قول الفقهاء: إنه يقبل تفسير الأفراد بدراهم بثلاثة، مع أن دراهم جمع كثرة، وكأنهم جروا في ذلك على العرف من غير نظر إلى الوضع اللغوي. تنبيه: لا بد من تقيد الجمع المنكر بكونه غير مضاف إذ المضاف عام كما تقدم. الثانية: اختلف في أقل الجمع على مذهبين: أحدهما: أن أقله ثلاثة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واختاره الإمام وأتباعه. الثاني: أن أقله اثنان وبه قال مالك، واختاره الأستاذ أبو إسحاق والغزالي. وفهم من قول المصنف: (مسمى الجمع) أن محل الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة لا في المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء، فإن ذلك ثابت للاثنين فما زاد بلا خلاف، ثم الخلاف في جمع القلة، فإن أقل جمع الكثرة أحد عشر بإجماع النحاة، لكن ذكر الرافعي في فروع الطلاق لو قال: إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فامرأتي طالق لم يحنث إلا إذا تزوج ثلاث نسوة أو/ (٦٤ب/د) اشترى ثلاثة أعبد، ومقتضى ما تقدم أن لا يحنث إلا بأحد عشر. الثالثة: يصدق مسمى الجمع على واحد مجازا، قاله إمام الحرمين. ويفهم منه إطلاقه على اثنين بطريق الأولى، وفهم من كونه مجازا أنه لا بد له من قرينة، ومثل ذلك بقول الزوج، وهو يرى امرأته تتصدى لناظر لها:

стр. 272

تتبرجين للرجال؟ ولم تر إلا واحدا، فإن الأنفة من ذلك يستوي فيها الجمع والواحد. واعترض بأنه إنما أراد الجمع بظنه أنها لم تتبرج لهذا الواحد، إلا وقد تبرجت لغيره، ومثله بعضهم بقوله: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية﴾ فإن المراد واحد وهو سليمان ﵇/ (٨٠/أ/م) وكذا قوله: ﴿بم يرجع المرسلون﴾ والرسول واحد بدليل ﴿ارجع إليهم﴾. الرابعة: اختلف في تعميم العام إذا تضمن مدحا أو ذما نحو قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية، على ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه يحمل الذهب والفضة على العموم إذ لا صارف عنه ولا تنافي بين العموم والذم، وقال به الشيخ أبو حامد: إنه المذهب. الثاني: أنه ليس بعام لأنه إنما سيق لذم الكانزين وتعلق به ذكر النقد ونسب للشافعي ولهذا منع التمسك بآية الزكاة في وجوب زكاة الحلي، لأن اللفظ لم يقع مقصودا له، ونقل عنه أنه قال: الكلام يفصل في مقصوده، ويحمل في غير مقصوده. الثالث: أنه للعموم إلا إن عارضه عام آخر، لم يقصد به المدح أو الذم، فيترجح الذي لم يسق كذلك عليه نحو قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ مع قوله ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ فالأولى سيقت لبيان الحكم

стр. 273

فقدمت على ما سياقها المنة بإباحة الوطء بملك اليمين، وقد رد أصحابنا بهذا على داود الظاهري احتجاجه بالثانية على إباحة الأختين بملك اليمين. وقال الشارح: هذه مسألة متكررة مع قوله أول الباب: (وغير المقصود) فإن القاضي عبد الوهاب لما حكى الخلاف في تعميمها مثل بأنه الزكاة، ووافقه عليه الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام) ولهذا حكى الأصفهاني في (شرح المحصول) الخلاف الذي نقله القاضي عبد الوهاب في غير المقصود هنا، وبه يظهر العجب من المصنف في (منع الموانع) الكبير فإنه استغرب الخلاف في غير المقصودة حتى نقله عن (المسودة الأصولية) لابن تيمية. انتهى. الخامس: نفي الاستواء كقوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾ فيه مذهبان: أحدهما: أنه يقتضي نفي الاستواء من كل وجه فهو عام، وهذا مذهب الشافعي، وصححه ابن برهان والآمدي وابن الحاجب. والثاني: لا وهو مذهب الحنفية، واختاره الإمام وأتباعه ومنهم البيضاوي. ومن فوائد/ (٦٥أ/د) الخلاف الاستدلال/ (٨٠/ب/م) بهذه الآية على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح، وعدل المصنف عن التمثيل بقوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب

стр. 274

النار وأصحاب الجنة﴾ وهي الآية التي مثل بها الأصوليون، وتمسكوا بها على أن المسلم لا يقتل بالكافر، لأن قوله: ﴿أصحاب الجنة هم الفائزون﴾ قرينة على إرادة الاستواء في الفوز لا مطلقا، ويمكن دعوى مثل ذلك في الآية التي مثل بها المصنف لقوله عقبها: ﴿أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ الآيتين وأيضا فيحتمل أن يراد بالفاسق الكافر فلا يدل على نفي ولاية الفاسق للنكاح، وهي المسألة الخلافية، لكن هذا لا يمنع التمثيل لأنه إن لم يدل على نفي ولاية الفاسق دل على نفي ولاية الكافر على ابنته. السادسة: الفعل المتعدي الذي ليس مقيدا بشيء إذا وقع بعد نفي نحو: (والله لا أكلت) هل هو عام أم لا؟ فيه مذهبان: أصحهما أنه عام، وممن رجحه البيضاوي. والثاني: لا، وهو مذهب الحنفية، ورجحه الإمام كالمسألة قبلها. وفائدة الخلاف قبول التخصيص ببعض المأكولات فيقبل على الأول فلا يحنث بغيره ولا يقبل على الثاني، لأن التخصيص فرع العموم، وهذا نفي للحقيقة وهي شيء واحد ليس بعام، وكلام القاضي عبد الوهاب يدل على جريان الخلاف في الفعل القاصر أيضا وهو مخالف لكلام الإمام والغزالي والآمدي وغيرهم فلو كان في سياق الشرط نحو: إن أكلت فأنت طالق فهو كالنفي، كما ذكره ابن الحاجب وأشار المصنف إلى تضعيفه، لأن إمام الحرمين مثل النكرة في سياق الشرط بقوله: من يأتني بمال أكرمه وقال: لا يخص هذا بمال معين.

стр. 275

فقال المصنف: مراده العموم البدلي لا الشمولي، يعني فإنه لا يتوقف الجزاء على الإتيان بجميع الأموال بل يكفي واحد كما لو قال: إن رأيت رجلا فأنت طالق، يقع برؤية واحد. وإذا كان العموم في النفي بالشمول وفي الشرط للبدل لم يستو الشرط والنفي، فلذلك ضعف المصنف إلحاقه به، لكن الذي فهمه الإبياري من كلام إمام الحرمين في الشرط عموم الشمول، والله أعلم. ص: لا المقتضى والعطف على العام، والفعل المثبت، ونحو: كان يجمع في السفر، ولا المعلق بعلة لفظا، لكن قياسا خلافا/ (٨١/أ/م) لزاعمي ذلك. ش: فيه مسائل: الأولى: الصحيح أن المقتضى لا عموم له، فإذا لم يستقم الكلام إلا بتقدير واحتمل ذلك أمورا فلا يقدر الجمع، إذ لا عموم له، وإنما يقدر واحد بدليل، فإن لا يقم دليل معين على أحدهما فهو مجمل، مثل قوله ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) هذا ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، وحكى القاضي عبد الوهاب/ (٦٥/ب/د) عمومه عن أكثر الشافعية والمالكية، وصححه النووي في (الروضة) في الطلاق. وسمي مقتضيا لأنه أمر اقتضاه النص لتوقف صحته عليه، وهو بكسر الضاد: اللفظ الطالب للإضمار، وبفتحها ذلك المضمر نفسه الذي اقتضاه الكلام تصحيحا، وهو المراد هنا. الثانية: العطف على العام لا يقتضي عموم المعطوف خلافا للحنفية حيث قالوا: إن قوله ﵊: ((لا يقتل مسلم بكافر)) لو كان عاما

стр. 276

للذمي لكان المقدر في قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) وهو بكافر عاما، ضرورة اشتراك المعطوفين وليس كذلك، إذ الكافر الذي لا يقتل المعاهد به هو الحربي لا الذمي، هذا تقدير كلام المصنف، والذي في (المحصول) و (المنهاج) وغيرهما أن عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافا للحنفية، كما في (المحصول) أو بعضهم كما في (المنهاج) ومثلوه بهذا المثال، وقالوا: إن الحنفية قالوا: تقديره: ولا ذو عهد في عهده بكافر، حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والكافر الذي يمنع قتل المعاهد به هو الحربي فقط، فإنه يقتل بالذمي فكذلك المعطوف عليه، فيكون الكافر الذي يمتنع قتل المسلم به هو الحربي دون الذمي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه. وعلى كلا التقديرين ما أدري ما أوجب الحنفية تقدير (بكافر) في الجملة الثانية، فإن لفظ الحديث يفيد وحده ومعناه ولا ذو عهد، ما دامت مدة عهده قائمة غير منقضية فتقدير ما لا دليل عليه غير مقبول، وبتقدير قيام دليل على تقديره فدخول التخصيص في العموم لا يخرجه عن كونه عاما، فإن الصيغة للعموم وهو باق على تناوله لبقية الأفراد، وإن خرج بعضها بدليل، وبتقدير/ (٨١/ب/م) خروجه بذلك عن العموم هل يزيد ذلك على ما لو كان في أصل وضعه خاصا كقوله: (لا يقتل ذو عهد في عهده بحربي) أفيلزم من اختصاص ذلك بالحربي اختصاص الجملة الأولى بالحربي؟ على أن التخصيص

стр. 277

الذي ذكروه فيما لا دليل على تقديره لم يدخل في المعطوف نفسه، وإنما دخل في بعض متعلقاته والله أعلم. الثالثة: الفعل المثبت نحو قول الصحابي: صلى النبي ﵊ في الكعبة – لا عموم له، فلا يعم الفرض والنفل، لأن الأفعال نكرات كما حكى الزجاجي إجماع النحاة عليه، والنكرة لا عموم لها في الإثبات، إلا أن تكون في معرض الامتنان نحو قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ فإنها تدل على العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب فإن كانت في سياق النفي أو الشرط دلت على العموم كما تقدم وخالف فيما ذكرناه من أن الفعل المثبت لا عموم له قوم. الرابعة:/ (٦٦أ/د) نحو قول الصحابي: كان النبي ﷺ يجمع بين الصلاتين في السفر، مثل الذي قبله في أنه فعل مثبت لكن فيه زيادة (كان) وقد اختلف في دلالتها على التكرار على ثلاثة مذاهب، صحح ابن الحاجب أنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف، وصحح في (المحصول) أنها لا تقتضيه عرفا ولا لغة. وقال عبد الجبار: تقتضيه في العرف لا في اللغة، فإنه لا يقال في العرف: كان فلان يتهجد – إذا تهجد مرة. وكلام الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) يميل إليه. فإن قلنا: لا دلالة لها على التكرار استوت مع التي قبلها، وإن قلنا

стр. 278

بدلالتها على التكرار كان هذا المثال أولى بالعموم من الذي قبله، وقد ظهر بذلك أنه ليس مثالا له كما توهم بعضهم. الخامسة: الصحيح أن الحكم المعلق بعلة كما لو قيل: حرمت الخمر لكونها مسكرة لا يعم جميع صور المسكر من جهة اللفظ، وإنما يعمها من جهة الشرع قياسا وقيل: يعمها من جهة اللفظ فيكون ذلك لغة، وقيل: لا يعم أصلا، وهو المحكي عن القاضي أبي بكر. وقول المصنف: خلافا لزاعمي ذلك يرجع إلى المسائل الخمس التي أولها المقتضى. ص: وأن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، وأن نحو: ﴿يا أيها النبي﴾ لا يتناول الأمة إلا بدليل ونحو: ﴿يا أيها الناس﴾ / (٨٢/أ/م) يشمل الرسول ﵊ وإن اقترن بقل، وثالثها: التفصيل، وأنه يعم العبد والكافر ويتناول الموجودين دون من بعدهم. ش: فيه مسائل. الأولى: قال الشافعي ﵁: ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، مثاله قوله ﵊ لغيلان لما أسلم على عشر نسوة: ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)) ولم يسأله: هل ورد العقد عليهن معا أو مرتبا؟ فدل على عدم الفرق على خلاف قول الحنفية:

стр. 279

إن العقد إذا ورد مرتبا تعينت الأربع الأوائل. قال في (المحصول): وفيه نظر، لاحتمال أنه ﵊ أجاب بعد معرفة الحال. وأصل هذا قول إمام الحرمين: إنه يعم، إذا لم يعلم ﵊ تفاصيل الواقعة، فإن علم لم يعم، وهو كالتقييد لكلام الشافعي، ومقابل الأصح المقدر في كلام المصنف أنه مجمل فيبقى على الوقف. وعن الشافعي عبارة أخرى قد تعارض هذه العبارة، وهي قول: (حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال) فأثبت بعضهم للشافعي في ذلك قولين، وجمع القرافي بينهما بحمل الأولى على ما إذا كان الاحتمال في محل الحكم، والثانية على ما إذا كان في دليله، ولا حاصل لهذا الجمع، والحق حمل الأولى على ما إذا كان هناك قول يحال عليه العموم، والثانية على ما إذا لم يكن قول، وإنما هو (٦٦ب/د) فعل فإن الفعل لا عموم له، وكان شيخنا الإمام البلقيني يعتمد ذلك في الجمع بين العبارتين، والله أعلم. الثانية: الخطاب المختص بالنبي نحو: ﴿يا أيها النبي﴾ ﴿يا أيها الرسول﴾ لا تدخل الأمة تحته، كما لا يدخل الرسول في الخطاب المختص بالأمة إجماعا، إلا بدليل خارجي من قياس أو غيره. وقيل بدخولهم هنا، وحكي عن أبي حنيفة وأحمد واختاره إمام الحرمين. الثالثة: الخطاب المتناول للرسول والأمة كقوله: ﴿يا أيها الناس﴾ فيه مذاهب: الأصح وبه قال الأكثرون: أنه يتناوله.

стр. 280

والثاني: لا، لما له من الخصائص. والثالث: التفصيل بين أن يقترن بـ (قل) فلا يشمله، لأن الأمر بالتبيلغ قرينة عدم شموله، وإلا تناوله ونقل عن/ (٨٢/ب/م) الصيرفي وزيفه إمام الحرمين وغيره. الرابعة: الخطاب بـ ﴿يا أيها الناس﴾ ونحوه، يتناول العبد كما حكاه ابن برهان عن معظم الأصحاب، وقيل: لا يتناوله إلا بدليل. الخامسة: ويتناول الكافر أيضا على الصحيح، ولعل تقابله مبني على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع. السادسة: الخطاب بـ ﴿يا أيها الناس﴾ و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يختص بالموجودين حالة الخطاب، ولا يتناول من بعدهم إلا بدليل منفصل، من قياس أو غيره، وقال الحنابلة: بل هو عام، والخلاف لفظي للاتفاق على عمومه، ولكن هل هو بالصيغة أو الشرع قياسا أو غيره. ص: وأن (من) الشرطية تتناول الإناث، وأن جمع المذكر السالم، لا يدخل فيه النساء ظاهرا، وأن خطاب الواحد لا يتعداه، وقيل: يعم عادة، وأن خطاب القرآن والحديث بـ (يا أهل الكتاب) لا يشمل الأمة، وأن المخاطب داخل في عموم خطابه إن كان خبرا لا أمرا، وأن نحو: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ يقتضي الأخذ من كل نوع وتوقف الآمدي. ش: فيه مسائل:

стр. 281

الأولى: الصحيح أن (من) الشرطية تتناول الإناث بدليل قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى﴾ فالتفسير بالذكر والأنثى دال على تناول القسمين، وقوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله﴾ وقيل: يختص بالمذكر كقولهم في الاستفهام منة ومنتان حكاه ابن الحاجب وغيره، وحكاه ابن الدهان النحوي عن الشافعي وهو غريب وإنما حكي عن بعض الحنفية وأنهم تمسكوا به في مسألة المرتدة، فجعلوا قوله ﵊: ((من بدل دينه فاقتلوه)) لا يتناولها. تنبيه: التقييد بالشرطية ذكره إمام الحرمين وهي تخرج الموصولة والاستفهامية، وقال الصفي الهندي: الظاهر أنه لا فرق، والخلاف جار في الجميع، واعتذر بعضهم عن الإمام بأنه إنما خص الشرطية لأنه لم يذكر الاستفهامية والموصولة في صيغ العموم/ (٦٧/أ/د) والحق أن الاستفهامية من صيغ العموم دون الموصولة نحو: مررت بمن قام، فلا عموم لها. الثانية: جمع المذكر السالم نحو: مسلمين، هل يتناول الإناث؟ فيه مذاهب: أحدها: وبه قال الجمهور: لا، إلا بدليل منفصل، وإلى ذلك أشار

стр. 282

بقوله: ظاهرا. الثاني: يتناول الإناث ظاهرا ولا يخرجن عنه إلا بدليل حكاه الشارح عن الحنفية. والذي في كلام الآمدي وابن الحاجب وغيرهما حكايته عن الحنابلة وصححه من أصحابنا/ (٨٣/ ١/م) الماوردي والروياني. الثالث: وبه قال إمام الحرمين دخولهن بالتغليب لا بأصل الوضع، وقيد المصنف جمع المذكر بالسالم فيخرج عنه جمع التكسير وفي بعض نسخه وكذا المكسر وضميرهما. قال الشارح: وهو استدراك على تصويرهم المسألة بالجمع السالم فإن المكسر كذلك. قال: ولم أر لهم تصريحا بذلك بل رأيت في بعض المسودات أن جمع التكسير لا خلاف في عدم الدخول فيه، ويشهد له أنه لو وقف على بني زيد فإنه لا يدخل فيه البنات. نعم، إن دلت قرينة على الدخول دخلن على الأصح كما لو وقف على بني تميم أو هاشم فإن القصد الجهة انتهى. الثالثة: الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة لا يتعداه إلى غيره، إلا بدليل منفصل، قاله الجمهور، وقيل: يعم بنفسه من جهة العادة، لا من جهة اللغة. وقال إمام الحرمين: الخلاف لفظي، وقال غيره: معنوي.

стр. 283

الرابعة: الخطاب الوارد في القرآن أو الحديث على أهل الكتاب كقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾ لا يشمل غيره من الأمة، لأن اللفظ قاصر عليهم، كذا جزم به المصنف لكن في (المسودة) الأصولية للشيخ مجد الدين ابن تيمية أنه يشملهم إن شركوهم في المعنى وإلا فلا. قلت: نفي المصنف الشمول من حيث اللفظ وإثبات ابن تيمية له اعتبار القياس ولهذا قيده بأن يشركوهم في المعنى ثم قال ابن تيمية: والشمول هنا هل هو بطريق العادة العرفية أو للاعتبار العقلي؟ فيه خلاف. قال: وعلى هذا ينبني استدلال الأئمة على حكمنا بمثل قوله: ﴿أتأمرون الناس بالبر﴾ الآية، فإن هذه الضمائر لبني إسرائيل قال: وهذا كله في الخطاب على لسان سيدنا محمد ﷺ أما خطابه لهم على ألسنة أنبيائهم فهي مسألة شرع من قبلنا .... انتهي. أما عكسه وهو الخطاب للمؤمنين هل يشمل أهل الكتاب ففي (الاصطلام) لابن السمعاني عن بعض الحنفية نفيه، ثم اختار إثباته وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ خطاب تشريف لا تخصيص وذلك راجع إلى أن الكفار هل هم مخاطبون بالفروع؟ الخامسة: في دخول المخاطب بكسر الطاء في خطابه؟ / (٨٣/ب/م) ثلاثة مذاهب: الدخول مطلقا، عزاه في (المحصول) للأكثرين، وعليه مشى المصنف في الأوامر حيث قال: (وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه). وعدمه مطلقا.

стр. 284

والتفصيل بين/ (٦٧ب/د) الخبر فيدخل فيه، والأمر فلا يدخل فيه، وعليه مشى المصنف هنا، وهو اختيار أبي الخطاب الحنبلي، وفرق بينهما بأن الأمر استدعاء الفعل على جهة الاستعلاء فلو دخل المتكلم تحت ما يأمر به غيره لكان مستدعيا من نفسه، ومستعليا، وهو محال، وهذا احتمال في المحصول. قال الشارح: والحق إنه إن كان الكلام في شموله وضعا فليس كذلك سواء كان أمرا أو خبرا، وإن كان المراد حكما فمسلم إذا دل عليه دليل أو كان اللفظ (شاملا) كألفاظ العموم نحو: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له)) بخلاف مثل قوله: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) و ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول)) فلا يدخل فيه النبي ﷺ ومن حكى فيه خلافا فقد شذ. انتهى. السادسة: إذا كان المأمور به اسم جنس مجموعا مجرورا بمن نحو قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فقال الجمهور: إنه يقتضي الأخذ من

стр. 285

كل نوع من الأموال، ونص عليه الشافعي في (الرسالة) والبويطي ووجهه أن الجمع المضاف للعموم، فقال الكرخي: يكفي أخذ صدقة واحدة من جملة الأموال لدلالة من على التبعيض، واختاره ابن الحاجب مع اعترافه بأن الأكثرين على خلافه، وتوقف الآمدي فقال: هي محتملة ومأخذ الكرخي دقيق. قلت: وينبني على ذلك ما وقع في الفتاوى فيما لو شرط على المدرس أن يلقي كل يوم ما تيسر من علوم ثلاثة وهي التفسير والأصول والفقه هل يجب أن يلقي من كل واحد منها أم يكفي من واحد منها. التخصيص ص: التخصيص قصر العام على بعض أفراده والقابل له حكم ثبت لمتعدد. ش: عرف التخصيص بأنه قصر العام على بعض أفراده، ولم يقل: (اللفظ) ليتناول ما عمومه عرفي أو عقلي كالمفهوم فإنه يدخله التخصيص/ (٨٤/أ/م) مع أنه ليس بلفظ، وإنما لم يقل بدليل، لأن القصر لا يكون إلا بدليل، وعدل عن تعبير ابن الحاجب (بمسمياته) إلى (أفراده) فإن مسمى العام واحد، وهو كل الأفراد لكن كان ينبغي التقييد بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة،
следующие страницы →