Полный текст (826 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
للنكرة، وقال الشارح: وليس كذلك، بل النكرة قسمان: ناقصة وهي الموصوفة وتامة وهي التعجبية.
رابعها: استفهامية نحو: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾
خامسها: الشرطية وهي تنقسم إلى: زمانية نحو: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، وغير زمانية نحو: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾.
وأما الحرفية فلها استعمالات: أحدها: أن تكون مصدرية، أي تكون مع ما بعدها في تأويل المصدر نحو قولك: أعجبني ما قلت، أي: قولك.
وأشار بقوله: (كذلك) إلى أنها قد تكون زمانية أي ظرف زمان وهي الواقعة موقع الظرف نحو: ﴿ما دمت حياً﴾ أي مدة دوامي، وقد تكون غير زمانية نحو: يعجبني ما تقوم، أي قيامك، ومنه قوله تعالى: ﴿لما تصف ألسنتكم الكذب﴾ أي: لوصف، كذا قسمه الجزولي ونازع فيه ابن عصفور، لأن الظرفية ليست من معاني (ما) بل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر والمصادر، قد تستعمل ظروفاً نحو: أتيتك خفوق النجم، أي: وقت خفوقه، فلا ينبغي أن يعد قسماً للمصدر.
ثانيها: أن تكون (٤٩أ / د) نافية إما عاملة كقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ أو غير عاملة نحو: ما قام زيد.
ثالثها: أن تكون زائدة، إما كافة، إما عن عمل الرفع، نحو: قلما
стр. 212
وطالما، أو الرفع والنصب وهي المتصلة بـ (إن) وأخواتها، نحو: ﴿إنما الله إله واحد﴾ أو الجر، وهي المتصلة بـ (رب) وإما غير كافة نحو شتان ما بين زيد وعمرو.
تنبيه:
لا يفهم أن الموصولة وما بعدها إلى المصدرية أقسام الإسمية وأن قوله: (ومصدرية) إلى آخر كلامه أقسام الحرفية إلا بتوقيف.
ص: الثالث والعشرون (من) لابتداء الغاية غالباً، وللتبعيض والتبيين والتعليل والبدل والغاية وتنصيص العموم والفصل ومرادفة الباء وعن وفي وعند وعلى.
ش: لـ (من) معان:
أحدها: ابتداء الغاية في المكان اتفاقاً، نحو: ﴿من المسجد الحرام﴾ وفي الزمان عند الكوفين نحو: من أول يوم، وصححه ابن مالك لكثرة شواهده.
وأشار المصنف بقوله: (غالباً) إلى أنه الغالب عليها، حتى رد بعضهم سائر معانيها لابتداء الغاية / (٦١أ/ م) فإذا قلت: أخذت من الدراهم، فقد جعلت الدراهم ابتداء غاية الأخذ.
ثانيها: التبعيض نحو: ﴿تلك ... منهم من كلم الله﴾، وعلامتها صحة أن يوضع موضعها بعض.
ثالثها: التبيين نحو: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ وعلامتها أن يصلح موضعها الذي هو.
стр. 213
رابعها: التعليل، نحو: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾.
خامساً: البدل نحو: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾.
سادسها: الغاية، أي انتهاء الغاية، مثل (إلى) فيكون لابتداء الغاية من الفاعل ولانتهاء غاية الفعل من المفعول نحو: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، أي من مكاني إلى خلل السحاب.
فابتداء الرؤية واقع من الدار وانتهاؤها في خلل السحاب، ذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى وأنكره جماعة، وقالوا: هي لابتداء الغاية لكن في حق المفعول، ومنهم من جعلها في هذا المثال لابتداء الغاية في حق الفاعل بتقدير: رأيت الهلال من داري ظاهراً من خلل السحاب، ويحتمل أن يريد المصنف الغاية كلها ابتداء وانتهاء حكاه ابن أبي الربيع عن قوم فيما إذا دخلت (من) على فعل ليس له امتداد فيكون المبتدأ والمنتهى واحداً.
سابعها: تنصيص العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو ما جاءني من رجل، فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الوحدة، ولهذا يصح معه بل رجلان، فإذا دخلت تعين لنفي الجنس.
أما الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو: ما جاءني من أحد، فهي للتأكيد، وهذا كله في النفي ولا يجوز زيادتها في الإثبات خلافاً للكوفيين، ولا حجة/ (٤٩ب/د) لهم في قوله تعالى: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ لجواز إرادة البعض.
ثامنها: الفصل نحو: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ وتعرف بدخولها على ثاني المتضادين.
تاسعها: مرادفة الباء، نحو: ﴿ينظرون من طرف خفي﴾، قال
стр. 214
يونس: بطرف، ويحتمل ابتداء الغاية.
عاشرها: مرادفة (عن) كقوله تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ أي عن.
حادي عشرها: مرادفة (في) نحو: ﴿ماذا خلقوا من الأرض﴾ كذا قيل: والظاهر أنها على بابها، وينبغي تمثيله بما في (الشامل) لابن الصباغ عن الشافعي ﵁ في قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ أنها بمعنى (في) بدليل قوله وهو ﴿مؤمن﴾.
ثاني عشرها: مرادفة (عند) نحو: ﴿لن/ (٦١/ ب/ م﴾ تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار﴾ قاله أبو عبيدة.
ثالث عشرها: مرادفة (على) نحو: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ وقيل: ضمن قوله: (نصرناه) معنى (منعناه).
ص: الرابع والعشرون: من شرطية واستفهامية وموصولة ونكرة موصوفة قال أبو علي ونكرة تامة.
ش: (من) بالفتح تكون شرطية نحو: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ واستفهامية نحو: ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ وموصوله نحو: ﴿ألم تر أن الله
стр. 215
يسجد له من في السماوات ومن في الأرض﴾ ونكرة موصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، فوصفك لـ (من) بمعجب وهو نكرة، دليل على أن (من) نكرة.
وقال أبو علي الفارسي: تكون نكرة تامة لقوله:
(ونعم من هو في سر وإعلان).
فقال: إن الفاعل مستتر، ومن تمييز، وقوله: (هو) مخصوص بالمدح، وقال غيره: من موصول فاعل.
ص: الخامس والعشرون: (هل) لطلب التصديق الإيجابي لا للتصور ولا للتصديق السلبي.
ش: (هل) حرف استفهام، ولا يستفهم بها عن التصور، وهو العلم بالمفردات، أي لا يسأل بها عن ماهية الشيء، وإنما يستفهم بها عن التصديق وهو النسبة أي إسناد شيء إلى شيء، ولا يستفهم بها عن النفي فلا يقال: (هل لم يقم زيد؟) وإنما يستفهم بها عن التصديق الإيجابي، كقولك: هل قام زيد؟ وقد ترك الشارح هذا فلم يذكره ولم يشرحه؟
ص: السادس والعشرون الواو لمطلق الجمع وقيل للترتيب وقيل للمعية.
ش: في (الواو) العاطفة مذاهب: أصحها: أنها لمطلق الجمع، أي لا تدل على ترتيب ولا معية، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، احتمل قيامهما معاً، وتقدم قيام زيد وتقدم، قيام عمرو، والتعبير بهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما بالجمع المطلق، فإن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق، فلا يتناول المقيد بمعية، ولا بتقديم ولا بتأخير، بخلاف مطلق الجمع، فإنه يتناول الصور كلها، وهذا
стр. 216
كمطلق الماء، والماء المطلق، وقد ادعى إجماع النحاة على هذا المذهب السيرافي والسهيلي والفارسي، ووافقهم الإمام فخر الدين والبيضاوي وهو مردود/ (٥٠/ أ /د) بما سنحكيه من الخلاف.
الثاني: أنها تفيد الترتيب، حكي عن الفراء، وثعلب وقطرب وهشام، وأبي جعفر والدينوري، وأبي عمر الزاهد، وأنكره السيرافي عن الفراء وقال: لم أره في كتابه، وعزاه ابن الخبار وغيره للشافعي، وأنكر أصحابنا نسبته إليه، ونقله الماوردي عن جمهور أصحابنا.
الثالث: أنها للمعية، نسبه الإمام في (البرهان) للحنفية.
ص: الأمر (أم ر) حقيقة في القول المخصوص، مجاز في الفعل، وقيل: للقدر المشترك، وقيل: مشترك بينهما وبين الشأن والصفة والشيء.
ش: إنما عبر بقوله: (أم ر) ليبين أنه ليس المراد بالأمر هنا مدلوله بل لفظه، وفي ذلك مذاهب.
أحدها: أنه حقيقة في القول المخصوص، والمراد بالقول الصيغة، وبالمخصوص الطالب للفعل، وسيأتي تعريفه وهو إما فعل أمر، أو اسم فعل، أو فعل مضارع مقرون باللام، فإن أطلق الأمر على الفعل نحو قولك:
стр. 217
زيد في أمر عظيم، كان مجازاً وإلا لزم الاشتراك، والمجاز أولى منه.
القول الثاني: أنه حقيقة في القدر المشترك بين القول والفعل، دفعاً للاشتراك والمجاز، فيكون من باب المتواطئ.
قال الشارح: ولا يعرف قائله، وإنما ذكره في الأحكام على سبيل الفرض والالتزام، أي لو قيل: فما المانع؟ ولهذا قال ابن الحاجب: إنه قول حادث هنا.
القول الثالث: أنه مشترك بينهما، أي بين القول المخصوص والفعل والشأن كقوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾ والصفة كقوله: لأمر ما يسود من يسود، أي لصفة من صفات الكمال، والشيء، كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر، أي لشيء، حكاه المصنف عن أبي الحسين البصري.
قال الشارح: وعليه نقد، فإن أبا الحسين لم يتعرض للفعل بخصوصه، إنما ذكر الشأن وقد اعترض بذلك الأصفهاني على صاحبي (المنتخب) و (التحصيل)، ولذلك لم يذكر في (المحصول) عن أبي الحسين الفعل في ذلك.
ص: وحده اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف.
ش: الكلام المتقدم في الأمر بحسب ما يقتضيه لفظه، وهنا بحسب ما يقتضيه مدلوله.
فقوله: (اقتضاء فعل)، أي طلب فعل، وهو جنس يشمل الأمر والنهي، ويخرج الإباحة وغيرها (٦٢/ ب / م) مما يستعمل فيه صيغة الأمر، وليس أمراً.
وقوله: (غير كف) فصل خرج به النهي، فإنه طلب فعل، وهو كف.
وقوله: (مدلول عليه بغير كف) صفة لقوله (كف) وهو قيد زاده
стр. 218
المصنف على ابن الحاجب لإدخال نحو، قولنا: كيف نفسك عن كذا، أو أمسك عن كذا، فإنه أمر مع أنه يخرج بقولنا: (غير كف) فبين أن الكف الذي أريد إخراجه ما دل عليه غير كف، أما طلب فعل هو كف دل عليه كف، فإنه ليس نهياً بل أمرا، وعلم أن هذا التعريف مبني على إثبات الكلام النفسي، فمن نفاه عرف الأمر/ (٥٠/ ب/ د) بأنه القول الطالب للفعل.
ص: ولا يعتبر فيه علو ولا استعلاء وقيل: يعتبران، واعتبرت المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني العلو، واعتبر أبو الحسين والإمام والآمدي وابن الحاجب الاستعلاء.
ش: في اعتبار العلو والاستعلاء في الأمر أربعة مذاهب.
أصحها: عدم اعتبارهما.
والثاني: اعتبارهما، وبه قال ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب.
والثالث: اعتبار العلو، فإن كان مساويا له فهو التماس أو دونه فسؤال.
والرابع: اعتبار الاستعلاء، والمراد بالعلو كون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، وبالاستعلاء، أن يكون الطلب بغلظة، وإظهار تعاظم، فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام.
ص: واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب.
ش: ذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه يعتبر في الأمر إرادة الدلالة بلفظه على الطلب ليخرج صيغة التهديد، ومن سبق في العلم القديم موته على الكفر، فالإرادة هي المميزة، ولم يعتبر الأكثرون ذلك، وقالوا: يحصل التمييز بأن الصيغة حقيقية في الطلب، فإن أريد غيره فهو مجاز لا بد له من قرينة.
стр. 219
ص: والطلب بديهي.
ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، فإنه أورد على ذكر الاقتضاء ـ وهو الطلب في تعريف الأمر ـ أن الطلب أخفى من الأمر، فهو تعريف بالأخفى، فأجيب عنه بأن الطلب بديهي التصور، بأن كل أحد يفرق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك والخبر، فهو وجداني كالجوع والشبع.
ص: والأمر غير الإرادة خلافاً للمعتزلة.
ش: ذهبت المعتزلة إلى / (٦٣/أ/ م) أن الأمر بالشيء هو إرادة فعله، وقال أصحابنا، بل هو غيرها، فإن الميت على كفره مأمور بالإيمان بلا شك، وهو غير مراد منه، إذ لو أريد منه لم يتخلف، كذا قرره بعضهم، واعترض بأنه مصادرة على المطلوب لأنهم يقولون: يقع غير المراد، ويراد ما لا يقع! تعالى الله عن جهلهم، فالأولى تقدير أن الإيمان غير مراد منهم بأنه ممتنع لسبق العلم القديم بانتفائه، والممتنع غير مراد بالاتفاق منا ومنهم، كما قال في (المحصول).
وتعبير المصنف بالأمر أولى من تعبير غيره بالطلب، لأن الطلب ليس كله أمراً عند المعتزلة، بل أمر خاص وهو مع العلو.
ص: مسألة: القائلون بالنفسي اختلفوا هل للأمر صيغة تخصه؟ والنفي عن الشيخ فقيل: للوقف، وقيل: للاشتراك، والخلاف في صيغة: افعل.
ش: اختلف القائلون بالكلام النفسي في أن الأمر هل له صيغة تخصه أم لا؟
على قولين:
أحدهما: وهو المنقول عن الشيخ الأشعري أنه ليست/ (٥١ / أ/ د) له صيغة تخصه، فقول القائل: افعل متردد بين الأمر والنهي.
стр. 220
ثم اختلف أصحابه في تحقيق مذهبه، فقيل: أراد الوقف، أي أن قول القائل: افعل، لا ندري وضع في اللسان العربي لماذا؟
وقيل: أراد الاشتراك، أي أن اللفظ صالح لجميع المحامل، صلاحية اللفظ المشترك للمعاني التي يثبت اللفظ لها.
القول الثاني: أن له صيغاً تخصه، لا يفهم منها غيره عند التجرد عن القرائن كفعل الأمر، واسم الفعل، والفعل المضارع المقرون باللام، وذكر إمام الحرمين والغزالي أن الخلاف في صيغة: (افعل) دون قول القائل: أمرتك، وأوجبت عليك، وألزمتك، فإنه من صيغ الأمر بلا خلاف، وتبعهما المصنف، وقال الآمدي: لا وجه لهذا التخصيص، فإن مذهب الأشعري أن الأمر عبارة عن الطلب القائم بالنفس، وليس له صيغة تخصه، وإنما يعبر عنه بما يدل عليه لانضمام القرينة إليه.
أما المنكرون للكلام النفسي فلا حقيقة للأمر، وسائر الأقسام عندهم إلا العبارات، ولا يأتي عندهم هذا الخلاف، فلهذا خص الخلاف بالقائلين بالنفسي.
ص: وترد للوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتكوين والتعجيز والإهانة والتسوية والدعاء والتمني والاحتقار والخبر والإنعام والتفويض والتعجب والتكذيب والمشورة والاعتبار.
ش: ذكر المصنف هنا لصيغة (افعل) ستة وعشرين معنى.
فمثال الواجب قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾
стр. 221
ومثال الندب ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾.
ومثال الإباحة ﴿كلوا من الطيبات﴾.
واختلف المعتزلة في الإباحة في الجنة كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ فقال أبو علي الجبائي هو كمباح الدنيا، وقال ابنه أبو هاشم: بجواز أن يريده الله تعالى لما فيه من زيادة السرور للمثاب.
وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده لأن الثواب لا يصح إلا بها، ومثال التهديد: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.
ومثال الإرشاد ﴿واستشهدوا شهيدين﴾ والفرق بينه وبين الندب تعلقه بمصلحة دنيوية، بخلاف الندب فإن مصلحته أخروية فلا ثواب في الإرشاد على المشهور.
وفرق بعضهم بين أن يأتي بالمرشد إليه بقصد امتثال الإرشاد, فيثاب دون ثواب الندب أو بقصد تحصيل المصلحة الدنيوية فلا يثاب، أو بقصدهما فيثاب وهو دون ثواب القسم الأول.
ومثال إرادة الامتثال ـ كما في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه لم يذكره عند تعداد معاني (افعل) قولك عند العطش: اسقني/ (٥١/ ب / د) ماء، فإنه يحدث لك إرادة السقي، وهو طلبه، والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة، فإن فرض ذلك من السيد لعبده أمكن أن يكون للوجوب أو الندب مع زيادة كونه لغرض السيد، فإنه غير متصور في حق الباري تعالى، لغناه.
стр. 222
ومثال الإذن، قولك لطارق الباب: أدخل، وكأنه قسم من الإباحة.
ومثال التأديب قوله ﵊ لعمر بن أبي سلمة: ((كل مما يليك)) وهو قسم من الندب، كما ذكره البيضاوي، وفي هذا المثال نظر، لأن الشافعي رضي الله تعالى عنه نص في (الأم) و (مختصر البويطي) على أن الأكل من غير ما يليه حرام، وجوابه أن الخطاب لعمر بن أبي سلمة، وكان إذ ذاك صغيراً، فليس أمره إيجاباً قطعاً.
وفيه نظر، لأنه ﵊ خاطب بهذا اللفظ غير عمر بن أبي سلمة من البالغين.
وجوابه أن التمثيل إنما هو بخطابه لعمر بن أبي سلمة، والله أعلم.
ومثال الإنذار: ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ وجعله بعضهم قسماً من التهديد، لكن الفرق بينهما أن التخويف هو التهديد، والإنذار هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في المخوف، فقوله: ﴿قل تمتعوا﴾ أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بهذه/ (٦٤/ أ/ م) الصيغة.
ومثال الامتنان: ﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾.
стр. 223
قال الشارح: والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن، وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، وأن الإباحة قد يتقدمها حظر، مثل: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ قلت: الظاهر أن الامتنان نوع من الإباحة.
ومثال الإكرام: ﴿آدخلوها بسلام آمنين﴾ فقرينة السلام والأمن تدل على الإكرام.
ومثال التسخير: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ وقال القرافي: اللائق تسميته سخرية بكسر السين، لا تسخيراً فإن التسخير النعمة والإكرام، قال الله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾ ﴿فسخرنا له الريح﴾ والسخري الهزل قال الله تعالى: ﴿ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً﴾.
قلت: التسخير النقل إلى حالة ممتهنة وليس في السخرية انتقال أصلاً.
ومثال التكوين: ﴿كن فيكون﴾ وجعل الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين هذين المعنيين واحداً، لكن الفرق بينهما أن التكوين سرعة الوجود عن العدم، والتسخير الانتقال إلى حالة ممتهنة، كما تقدم.
ومثال التعجيز: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾.
стр. 224
ومثال الإهانة ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾.
ومثال التسوية: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾.
ومثال الدعاء: (اللهم اغفر لي).
ومثال التمني: قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
/ (٥٢أ/ د) ومثال الاحتقار: قول موسى ﵇ للسحرة: ﴿ألقوا﴾ والفرق بينه وبين الإهانة أن محل الاحتقار القلب، ومحل الإهانة الظاهر، فإذا اعتقدت في شخص أنك لا تعبأ به كنت محتقراً له بدون إهانة، وإذا أتيت بقول أو فعل يقتضي تنقيصه أو تركت قولاً أو فعلاً يقتضي تعظيمه كنت مهيناً له، وإن لم تحتقره بقلبك، فإن اجتمعا كان احتقاراً وإهانة.
ومثال الخبر قوله ﵊: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أي صنعت ما شئت، فمن لا حياء عنده يصنع ما شاء، لانتفاء المانع من ذلك وهو الحياء.
وجوز ابن عبد السلام أن تكون الصيغة هنا للإباحة على معنى أنك إذا أردت فعل أمر فاعرضه على نفسك، فإن وجدته لا تستحي منه فافعله، أو إنه تهكم).
ومثال الإنعام: ﴿كلوا مما طيبات من رزقناكم﴾ / (٦٤/ ب/ م) قاله الإمام في (البرهان)، قال: وهو وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكر
стр. 225
النعمة.
قلت: والظاهر أنه نوع من الإباحة كما قدمته في الامتنان بل هو بمعنى الامتنان.
ومثال التفويض: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ ذكره الإمام.
ومثال التعجب كما ذكره الصفي الهندي: ﴿قل كونوا حجارة﴾ وذكر ابن برهان والآمدي ذلك مثالاً للتعجيز.
ومثل العبادي في طبقاته التعجب بقوله: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ ومثال التكذيب: ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين﴾.
ومثال المشورة: ﴿فانظر ماذا ترى﴾.
ومثال الاعتبار ﴿انظروا إلى ثمره﴾.
ص: والجمهور حقيقة في الوجوب لغة أو شرعاً أو عقلاً؟ مذاهب، وقيل: في الندب، وقال الماتريدي: للقدر المشترك وقيل مشتركة بينهما وتوقف
стр. 226
القاضي والغزالي والآمدي فيها، وقيل: مشتركة فيهما وفي الإباحة، وقيل: في الثلاثة والتهديد، وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال، وقال الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي ﷺ المبتدأ للندب، وقيل: مشتركة بين الخمسة الأول، وقيل: بين الأحكام الخمسة والمختار وفاقاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صدر من الشارع أوجب الفعل.
ش: لما ذكر لصيغة افعل هذه المعاني، أخذ في بيان الحقيقة منها والمجاز، وفيه مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي.
وهل ذلك بوضع اللغة أو الشرع أو العقل؟
أقوال، حكي في البرهان عن الشافعي الأول، واختار هو الثاني، وصحح الشيخ أبو إسحاق الأول أيضاً.
الثاني: أنها حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره.
والثالث: أنها / (٥٢ب/ د) موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، فيكون من المتواطئ وبه قال أبو منصور الماتريدي من الحنفية.
والرابع: أن الصيغة مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي، أي وضعت لكل منهما، وبه قال المرتضي من الشيعة.
стр. 227
والخامس: الوقف فيهما، أي: يحتمل أنه حقيقة في الوجوب، ويحتمل أنه حقيقة في الندب، ويحتمل أنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي،/ (٦٥ / أ / م) وبه قال القاضي أبو بكر والغزالي والآمدي وفي تأدية عبارة المصنف لما قررته نظر.
والسادس: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة، وهل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي فيه خلاف، وعبارة المصنف محتملة للأمرين.
والسابع: أنها مشتركة بين هذه الثلاثة وبين التهديد.
والثامن: أنها حقيقة في إرادة الامتثال والوجوب، وغير مستفادة من القرائن، وبه قال القاضي عبد الجبار.
قال الشارح: وهذا من المصنف تكرار فقد سبق في قوله (واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب) ثم إن هذه المسألة مفرعة على القول بالكلام النفسي، وعبد الجبار ممن ينكره فكان ينبغي أن يقول: وأما المنكرون له فقالوا: لا يكون أمراً إلا بالإرادة.
والتاسع: أن أمر الله حقيقة في الوجوب وأمر النبي ﷺ حقيقة في الندب، إذا كان مبتدأ، أي غير موافق لنص ولا مبيناً لمجمل، فإن كان كذلك فهو للوجوب أيضاً، حكاه القاضي عبد الوهاب عن شيخه أبي بكر الأبهري وذكر المازري أنه روى عنه أيضاً أنه للندب مطلقاً.
العاشر: أنها مشتركة بين الخمسة المذكورة أولاً في معاني صيغة (افعل) وهي الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد، حكاه الغزالي.
الحادي عشر: أنها مشتركة بين الأحكام الخمسة المشهورة، وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، حكاه في (المحصول).
الثاني عشر: أنها حقيقة في اللغة في الطلب الجازم، والتوعد على تركه بالعقاب ثبت بالشرع بأمر خارج فاستفيد الوجوب من مجموع ذلك، وهذا يوافق القول بأنها حقيقة في الوجوب، ولا يوافق واحداً من الأقوال المحكية هناك
стр. 228
في أن ذلك باللغة أو الشرع أو العقل، بل هو زائد عليها لقوله بثبوته لمجموع اللغة والشرع، وكلام الشافعي ﵁ لا ينافيه، واختاره المصنف تبعاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين.
ص: وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث خلاف العام.
ش: إذا وردت صيغة الأمر / (٦٥/ ب / م) (٥٣أ/ د) من الشارع مجردة عن القرائن، وفرعنا على أنها حقيقة في الوجوب، فهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن كون المراد بها ذلك أو غيره؟ فيه الخلاف الآتي في وجوب اعتقاد العموم قبل البحث عن المخصص، حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ في (العدة) وهي مسالة غريبة قل من ذكرها.
ص: فإن ورد الأمر بعد حظر قال الإمام أو استئذان فللإباحة وقال أبو الطيب والشيرازي والسمعاني والإمام: للوجوب وتوقف إمام الحرمين.
ش: إذا فرعنا على اقتضاء الأمر الوجوب، فورد بعد حظر ففيه مذاهب:
أحدها: أنه للإباحة، فإن سبق الحظر قرينة صارفة، وهذا هو المحكي عن نص الشافعي، ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورجحه ابن الحاجب.
والثاني: أنه للوجوب، لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا ينافيه وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي المظفر السمعاني والإمام فخر الدين الرازي والبيضاوي، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين.
والثالث: الوقف بينهما، وإليه مال إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف
стр. 229
في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر.
قال الشارح: ولم يحكوا هنا القول الآتي في المسألة بعدها برجوع الحال إلى ما كان قبلها ولا يبعد طرده.
قلت: كان شيخنا الإمام البلقيني يقول: إن هذا هو المختار، فإنه للإباحة في قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ وللإيجاب في قوله تعالى ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ فالاصطياد كان قبل تحريمه بالإحرام مباحاً، فاستمر كذلك، وقتال المشركين قبل تحريمه في هذه المدة كان واجباً فاستمر كذلك.
تنبيهان:
أحدهما حكي عن القاضي أبي بكر أنه رغب عن تعبير الجمهور بالأمر بعد الحظر إلى أن الأولى أن يقال: افعل بعد الحظر، لأن افعل يكون أمراً تارة وغير أمر أخرى، والمباح لا يكون مأمورا به، وإنما هو مأذون فيه.
ثانيهما: ذكر الإمام أن الأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم، ومثل له بقوله ﵊ لما قيل له كيف نصلي عليك: ((قولوا ....)) الحديث.
قلت: ويمكن التمثيل له أيضاً بقوله ﵊ / (٦٦ / أ / م) لما سئل عن
стр. 230
الوضوء من لحوم الإبل: ((توضؤوا منها)) فيجري فيه الخلاف المتقدم.
ص: وأما النهي بعد الوجوب فالجمهور للتحريم، وقيل: للكراهة وقيل: للإباحة، وقيل: لإسقاط الوجوب، وإمام الحرمين على وقفه.
ش: اختلف في النهي الوارد بعد الوجوب على مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنه يقتضي التحريم، ونقل القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق الاتفاق / (٥٣ ب/ د) عليه، وفرق بينه وبين الأمر بأوجه.
أحدها: أن مقتضى النهي ـ وهو الترك ـ موافق للأصل، بخلاف مقتضى الأمر وهو الفعل.
ثانيها: أن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه، والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به، واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من جلب المصالح.
ثالثها: أن القول بالإباحة في الأمر بعد التحريم سببه وروده في القرآن والسنة كثيراً للإباحة، وهذا غير موجود في النهي بعد الوجوب.
المذهب الثاني: أنه لكراهة التنزيه حكاه ابن تيمية في (المسودة الأصولية) عن حكاية القاضي أبي يعلى من الحنابلة.
الثالث: أنه للإباحة كالقول به في المسألة المتقدمة، ويدل له قوله تعالى: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾.
стр. 231
الرابع: أنه يرفع ذلك الوجوب فيكون نسخاً، ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبله، وهذا يؤخذ من نقل صاحب (المسودة الأصولية).
الخامس: الوقف كالمسألة قبلها، وبه قال إمام الحرمين.
أما النهي بعد الاستئذان فهو مرتب على ما فهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة، لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضاً خبر، لكن القرائن ترشد إلى أن المراد الاستفهام عن الحكم الشرعي نقل هذا عن السبكي، ومثل له بحديث سعد: أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) وبحديث: أينحني بعضنا لبعض؟ قال: (لا) والظاهر فيهما التحريم لما فهم منه أن الاستفهام عن الإباحة.
قلت: ويحتمل أن المفهوم منه فيهما السؤال عن الندب، ويحتمل أن المفهوم من المثال الأول أن السؤال عن الندب، وفي الثاني عن الإباحة، ومن أمثلته حديث: سئل عن لحوم الغنم فقال: ((لا توضؤوا منها)) والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم.
ص: مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية، وقيل: مدلولة، وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار
стр. 232
مطلقاً، وقيل: إن / (٦٦ / ب / م) علق بشرط أو صفة وقيل بالوقف.
ش: اختلف في الأمر المطلق أي الذي ليس مقيدا بمرة ولا تكرار على مذاهب:
أحدها: أنه لطلب فعل الماهية، من غير دلالة على تكرار ولا مرة، لكن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به، وهذا مختار الإمام مع نقله عن الأقلين، ورجحه أيضاً الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
الثاني: أنه يدل على المرة بلفظه، وأن هذا مدلوله فلا يحمل على التكرار إلا بدليل، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء وعن اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي حامد، وقال ـ أعني الشيخ أبا حامد ـ: إنه مقتضى/ (٥٤أ/ د) قول الشافعي.
الثالث: أنه للتكرار، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو حاتم القزويني كما نقله عنه صاحبه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
وقول المصنف: (مطلقاً) يحتمل أنه أراد به التكرار المستوعب لزمان العمر، وهو كذلك عند القائل به، لكن بشرط الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما قاله الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ، ويحتمل أنه أراد به مقابل ما سنحكيه من التفصيل في القول بعده، وإليه ذهب الشارح.
والرابع: أنه إن علق على شرط أو صفة اقتضى التكرار مثل: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وإن كان مطلقاً لم يقتضيه، وقال البيضاوي في هذه الصورة: يقتضه قياساً لا لفظاً.
стр. 233
الخامس: الوقف وهذا محتمل لأمرين كلاهما قول محكي، أحدهما: أن يكون مشتركاً بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة.
والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه، فيتوقف لعدم علمنا بالواقع، فتكون الأقوال ستة وفيه قول سابع، وهو: أن المعلق بالصفة يقتضي التكرار دون المعلق بالشرط، ارتضاه القاضي أبو بكر، ورجحه بعض المتأخرين، لأنهم لم يذكروا في القياس أن تعليق الحكم على الشرط يفيد كونه علة له، إنما ذكروا ذلك في الصفة، وذكر الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي وغيرهم: أن محل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة فإن ثبت كونه علة كالزنا، تكرر الحكم بتكرره اتفاقاً، وهذا مناف لكلام الإمام وأتباعه، حيث مثلوا بهاتين الآيتين مع كون / (٦٧/ أ / م) الجنابة علة للطهر، والسرقة علة للقطع، والله أعلم.
تنبيه:
جعل الشارح لفظ المصنف الأمر بطلب الماهية بالباء، وشرحه على أنه تصوير للمسألة، والخبر في قوله: (لا لتكرار ولا مرة) ولا معنى لذلك، فإن الأمر هو الطلب وإنما عبارة لطلب الماهية باللام وهو الخبر، وقوله: (لا التكرار ولا مرة) لتقرير ذلك، وتأكيده والله أعلم.
ص: ولا لفور خلافاً لقوم وقيل للفور أو العزم وقيل مشترك والمبادر ممتثل خلافاً لمن منع ومن وقف.
ش: اختلف في أن الأمر المطلق أي المجرد عن القرائن هل يقتضي الفور أم لا؟
على مذاهب.
أحدها: انه لا يفيد الفور ولا التراخي، قال إمام الحرمين: ينسب إلى الشافعي وأصحابه، وهو الأليق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في
стр. 234
مجموعاته في الأصول، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم.
فقول المصنف: (ولا فور) معطوف على قوله: (لا لتكرار).
الثاني: أنه يقتضي الفور، وهو قول الحنفية والحنابلة، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن المالكية، وقال به من أصحابنا أبو بكر الصيرفي والقاضي أبو حامد.
الثالث: أنه يقتضي الفور أو العزم، وهذا شامل للمضيق والموسع، والعزم/ (٥٤ ب/ د) إنما يكون في الموسع، ولا ينافي هذا العود للأعم، فإن انفراد بعض أفراد الأعم بالحكم لا يوجب عدم العود للأعم، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بناء على أصله في الواجب الموسع أنه يجب العزم فيه عند التأخير على إيقاع الفعل في بقية الوقت.
الرابع: أنه مشترك بين الفور والتراخي، ولو عبر المصنف بالوقف لتناول القول بالاشتراك والوقف لعدم العلم بمدلوله، وهو قول خامس أنه يقتضي التراخي كذا أطلقه البيضاوي وجماعة، وقال الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: إن هذا الإطلاق مدخول، إذ مقتضاه أنه لو امتثل على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
قلت: إنما أرادوا التأخير جوازاً لا على سبيل التحتم، والله أعلم.
وسواء قلنا: الأمر يقتضي الفور/ أم لا لو بادر إلى فعله أول الوقت كان ممتثلاً للأمر، ووراءه قولان غريبان:
أحدهما: حكاه ابن الصباغ في العدة عن بعضهم أنه قال: لا يقطع بكونه ممتثلاً للأمر لجواز إرادة التراخي وقال: إنه خرق للإجماع، ومثله قول
стр. 235
الإمام في (البرهان): إن من ترجم المسألة بأن الصيغة (هل) تقتضي التراخي / (٦٧/ ب / م) فلفظه مدخول، فإنه يقتضي اقتضاءها للتراخي على قول، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
الثاني: أنا نتوقف في ذلك لكونه مشكوكاً في أن المراد به الفور أو التراخي، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين، قلت: وعبارة ابن الصباغ تقتضي مساواة الأول من هذين القولين للثاني، والله أعلم.
ص: مسألة: الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر الأول يستلزم القضاء وقال الأكثر القضاء بأمر جديد.
ش: إذا أخرج المكلف الواجب عن وقته المعين له شرعاً فهل يجب القضاء بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه لا أنه عينه أم لا يجب القضاء إلا بأمر جديد؟
فيه مذهبان، وبالأول قال القاضي عبد الجبار من المعتزلة والرازي أي الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف عن الشيرازي وهو الشيخ أبو إسحاق، وفيه نظر، فإنه صحح في (اللمع) قول الأكثرين وبالثاني قال الأكثرون.
ص: والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء، وأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به، وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه، وأن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الأصح أن إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء، وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضياً إما لذلك المأتي به فيلزم تحصيل الحاصل، أو لغيره فيلزم أنه لم يأت بتمام المأمور به بل ببعضه والفرض خلافه.
стр. 236
وقال أبو هاشم وعبد الجبار: لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد.
وفي الرد على أبي هاشم بما تقدم نظر فإنه لا يقول ببقاء التكليف بالمأمور به، بل يوافق على سقوطه، لكنه يقول: السقوط مستفاد من البراءة الأصلية / (٥٥/ أ / د) وغيره يقول: من ذلك الأمر.
واعلم أن هذا الخلاف مبني على تفسير الإجزاء بسقوط القضاء، فأما إذا فسر بسقوط التعبد به كما هو المختار فإنه حاصل عند الإتيان بالمأمور به على الوجه المشروع بلا خلاف كما صرح به جماعة.
المسألة الثانية: الأصح أن الأمر الوارد على زيد بأن يأمر عمرا بشيء لا يصير عمراً مأموراً من جهة الأمر الأول بذلك الشيء، ومثال ذلك قوله ﵊ في الأولاد: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر)) فليس الصبيان مأمورين بأمر الشارع، ومثل له أيضاً بقوله ﵊ / (٦٨/ أ/ م) لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض: ((مره فليراجعها)) ونقل العالمي من الحنفية عن بعضهم أنه أمر، وحكى سليم الرازي في (التقريب) ما يقتضى أنه يجب على الناس الفعل جزماً، وإنما الخلاف في تسميته أمراً.
وقال في (المحصول): الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد: أوجب على عمرو كذا، وقال لعمرو: كل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالأمر بالأمر أمر بالشيء في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما أوجب عليك فلان فهو واجب عليك، فإن لم يقل ذلك لم يجب لقوله عليه
стр. 237
الصلاة والسلام: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع) فإن ذلك الأمر لا يقتضي الوجوب على الصبي.
وقال الشارح: الحق التفصيل، فإن كان للأول أن يأمر الثالث فالأمر للثاني بأمر الثالث أمر للثالث، وإلا فلا.
المسألة الثالثة: إذا ورد الأمر بلفظ يتناوله، أي تناول الآمر، فهل يدخل فيه الآمر أم لا؟ فيه مذهبان.
أصحهما عند المصنف: نعم نظراً إلى عموم الأمر، وكونه آمراً لا ينافيه وعزاه الهندي للأكثرين، لكن قال الشارح: إن الأكثرين ـ وهو مذهب الشافعي ـ على عدم الدخول لا سيما على قول من اشترط في الآمر العلو، قال: وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن الآمر مأموراً بمخاطبة غيره، فإن كان لم يدخل فيه قطعاً ولهذا قال: قطع أصحابنا فيما لو وكله ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء أنه ليس له أن يبرئ نفسه، وعلله صاحب التتمة بما ذكرنا، ونص الشافعي على أنه لو وكله أن يفرق ثلثه على الفقراء ليس له صرفه على نفسه، وإن كان فقيراً أو مسكيناً، ووجهه القاضي أبو الطيب في تعليقه بأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فإذا أمر الله تعالى نبيه بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر، انتهى.
واحترز بقوله: (بلفظ يتناوله) عما إذا أمر بلفظ خاص، فإنه لا يدخل الآمر تحته قطعاً.
تنبيه:
اعترض على المصنف/ (٥٥ ب/ د) بأنه / (٦٨ / ب / م) كيف يجتمع كلامه هنا مع قوله في آخر العام (الأصح أن المخاطب داخل في خطابه إن كان خبراً لا أمراً) وجمع المصنف
стр. 238
بينهما بحمل كلامه في الأوامر على الإنشاء، سواء صدر عن المنشئ للحكم، وهو الله تعالى، أو عن المبلغ عنه وهو النبي ﷺ ، وكلامه في العموم على الخطاب أعم من كونه إنشاء أو خبراً.
قال الشارح: ولا يخفى ما فيه من التعسف، مع وروده في الصورة التي يجتمعان فيها، ولو جمع بينهما بحمل المذكور هنا على ما إذا تناوله الخطاب كقوله: إن الله يأمر بكذا، والمذكور في العام على ما إذا لم يتناوله اللفظ كقوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ لكان أولى ولهذا لم يدخل موسى ﵇ في ذلك الأمر بدليل قوله: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ولا يظن بموسى ﵇ ذلك.
وقول المصنف هنا بلفظ: (يتناوله) ولم يذكر هذا القيد هناك ـ صريح فيما ذكرته، والعجب منه كيف لم يقع على هذا وهو ظاهر من لفظه، وقد رأيت في (التمهيد) لأبي الخطاب هذا التفصيل في هذه المسألة، ففرق المصنف المسألة في موضعين، وذكر كل شق في موضع. انتهى.
المسألة الرابعة: مذهبنا كما قال الآمدي: جواز دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال البدنية، خلافاً للمعتزلة، استدلوا بأن الوجوب لقهر النفس وكسرها، والنيابة تنافي ذلك، وقال أصحابنا: النيابة لا تأباه لما فيها من بدل المؤنة وتحمل المنة.
وخرج بقول المصنف: (إلا لمانع) الصلاة والاعكتاف وكذا الصوم على الجديد، وعكس ذلك ابن عبد السلام في أماليه فقال: الطاعات لا تدخلها النيابة إلا الحج والصوم على قول، لأن القصد بها الإجلال والإنابة، ولا يلزم من تعظيم الوكيل تعظيم الموكل.
وقال الصفي الهندي: اتفقوا على جواز النيابة في العبادة المالية، ووقوعها
стр. 239
كتفرقة الزكاة، واختلفوا في البدنية، فذهب أصحابنا إلى جوازه ووقوعه ومنعه غيرهم.
ص: مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، وعن القاضي: يتضمنه، وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والإمام والآمدي، وقال إمام الحرمين والغزالي، لا عينه ولا يتضمنه، وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط، أما اللفظي فليس عين النهي قطعاً، ولا يتضمنه على الأصح، وأما النهي فقيل: أمر بالضد، وقيل: على الخلاف.
ش: اختلف المثبتون للكلام النفسي في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ على مذاهب.
أحدها: أنه عين النهي عن ضده، وهو قول للأشعري والقاضي أبي بكر وأطنب في نصرته في (التقريب).
واحترزنا بقولنا: (معين) عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهياً عن الضد كما صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي في (التقريب) وغيرهما / (٥٦أ / د).
وقيدنا الضد بالوجودي، للاحتراز عن النقيض، وهو ترك المأمور به فإنه منهي عنه بلا خلاف فقولنا: قم، نهي عن ترك القيام، وهل هو نهي على التلبس بضد من أضداده الوجودية كالقعود والاضطجاع؟ وهذا موضع الخلاف.
стр. 240
الثاني: أنه ليس عينه ولكن يتضمنه عقلاً، وذكر إمام الحرمين أن القاضي أبا بكر صار إليه في آخر مصنفاته، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، وفي نقل المصنف هذا المذهب عن القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري نظر، فإنهما لا يثبتان الكلام النفسي أصلاً كغيرهما من المعتزلة، وإنما تكلما في الكلام اللساني كما سنوضحه، وأما الآمدي فإنه قال: إن جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يستلزمه وإن منعناه استلزمه.
الثالث: أنه ليس نهيا عن ضده، ولا يتضمنه، واختاره إمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب، وقال إلكيا: إنه استقر عليه القاضي.
الرابع: التفصيل بين أمر الإيجاب فيتضمن النهي عن ضده، وأمر الندب ليس نهياً عن ضده، ولا يتضمنه فإن أضداده مباحة غير منهي عنها، وهو قول بعض المعتزلة.
أما المنكرون للكلام النفسي وهم المعتزلة فإن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده عندهم قطعاً فإن الأمر والنهي لهما صيغتان مختلفتان، ولم يتكلم الشيخ والقاضي إلا في النفسي، فهو موضع الخلاف، ثم اختلف المعتزلة في أن الأمر اللساني بشيء هل يتضمن النهي عن ضده أم لا؟
فذهب قدماؤهم إلى منعه، والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين وغيرهما إلى إثباته.
أما النهي عن الشيء فهل هو أمر بضده أم لا؟
فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف السابق في الأمر.
والثاني: أنه أمر بالضد قطعاً، وهي طريقة القاضي في التقريب، فإنه جزم بذلك/ (٦٩/ ب / م) بعد حكاية الخلاف في الأمر، ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة، وقال: يلزم منها القول بمذهب الكعبي في نفي المباح، فإنه قال: لا يقدر مباح إلا وهو ضد محظور فيكون
стр. 241
واجباً، وحكى ابن الحاجب طريقة القطع على عكس المذكورة هنا، وهي أنه ليس أمرا بالضد قطعاً ونازعه المصنف في ثبوتها، وقال: إنه لم يعبر عليه نقلاً ولم يتجه له عقلاً، وقال غيره: إنه مبني على أن النهي طلب نفي الفعل لا طلب الكف عنه الذي هو ضده كما هو مذهب أبي هاشم فلا يكون أمرا بالضد.
ص: مسألة: الأمران غير متعاقبين أو بغير متماثلين غيران والمتعاقبان بمتماثلين ولا مانع من التكرار، والثاني غير معطوف قيل معمول/ (٥٦/ ب / د) بهما، وقيل: تأكيد، وقيل بالوقف، وفي المعطوف التأسيس أرجح وقيل: التأكيد، فإن رجح التأكيد بعادي قدم، وإلا فالوقف.
ش: إذا صدر من الآمر أمران فلهما أحوال.
أحدها: أن يكونا غير متعاقبين أي لا يكون الثاني عقب الأول، فهما غيران بلا خلاف ويجب العمل بهما.
الثانية: أن يكون متعاقبين لكنهما مختلفان غير متماثلين، فهي كالأولى في وجوب العمل بهما قطعاً، سواء أمكن الجمع بينهما كصل وصم أو امتنع كصل وأد الزكاة.
الثالثة: أن يكونا غير متعاقبين بمتماثلين، والمأمور به لا يمكن تكرره نحو: اقتل زيداً، اقتل زيداً، فالثاني تأكيد قطعاً.
الرابعة: أن لا يمتنع التكرار، ويكون الثاني غير معطوف على الأول، نحو صل ركعتين، صل ركعتين ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يعمل بهما فيجب التكرار، لأن التأسيس أولى من التأكيد، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين.
والثاني: أنه تأكيد فلا يجب سوى مرة لكثرة التأكيد في كلامهم، والأصل عدم الزائد، وبه قال أبو بكر الصيرفي.
стр. 242
والثالث: الوقف لتعارض الأمرين، / (٧٠/ أ/ م) وبه قال أبو الحسين البصري.
الخامسة: أن يعطف الثاني على الأول ولا يكون هناك مرجح للتأكيد، نحو صل ركعتين، وصل ركعتين، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الراجح عنده أنه يجب الحمل على التأسيس فيتكرر المأمور به لاقتضاء العطف المغايرة من غير معارض.
والثاني: أنه يحمل على التأكيد فيجب مرة، لأنه المتيقن وفي حكاية المصنف الخلاف هنا نظر، فقد صرح الصفي الهندي وغيره بأنه لا خلاف هنا في الحمل على التأسيس، لأنه الشيء لا يعطف على نفسه، ولم يحك ابن الحاجب القول الثاني.
السادسة: أن يكون هناك مرجح للتأكيد بأمر عادي، كالتعريف نحو: صل ركعتين، وصل الركعتين، فيقدم التأكيد ويحمل عليه لرجحانه، هذا مقتضى عبارة المصنف، وعبارة ابن الحاجب: (قدم الأرجح) ورد الشارح كلام المصنف إليه، وقال: الأرجح هو العمل بالثاني، لأن صرف العطف المقتضي للتغاير معارض بلام التعريف وتبقي أظهرية التأسيس سالمة من المعارض، ويوافقه كلام شراح (ابن الحاجب).
السابعة: أن لا يترجح التأكيد بل يتساويان، فيجب الوقف.
قال الشارح: كذا قالوا، ويظهر أن التأكيد في هذا أرجح، وعلله بما لم يظهر لي، والذي يظهر عندي أن هذه الصورة السابعة لا وجود لها، وهي الخامسة، فإنه إذا عطف الثاني على الأول فذلك يقتضي التأسيس، فإما أن يعارضه ما يقتضي التأكيد أم لا، فعدم المعارضة هي الحالة الخامسة التي أنكر على المصنف حكاية قول فيها بالتأكيد فكيف يرجحه الشارح هنا؟ لكن هذه العبارة التي أتى بها المصنف في قوله (وإلا / (٥٧أ / د) فالوقف) هي عبارة ابن الحاجب، ومثل ذلك شراحه بقوله: اسقني ماء، واسقني الماء، وهذا إنما يظهر مثالاً
стр. 243
للحالة السادسة، فقط ظهر الخلل في تصوير هذه الحالة وحكمها، والله أعلم.
ص: النهي: اقتضاء كف عن فعل، لا بقول: كف.
ش: هذا تعريف النهي، فالاقتضاء هو الطلب، وخرج بإضافته إلى الكف عن فعل الأمر فإنه اقتضاء فعل.
وبقولنا: (لا بقول كف) أي لا بقول القائل/ (٧٠ / ب / م) كف عن كذا، وهو فعل أمر من الكف، فإنه يطلب كفا عن فعل وليس نهياً بل هو أمر وكان ينبغي أن يقول (وما في معناه) كقولك: اكفف، أو أمسك، أو ذر أو دع، أو جاوز، أو تنح، أو عد، أو تجاوز، أو إياك أو رويدك، أو مهلا، أو قف، فهذه كلها أوامر بالمطابقة وإن اقتضت كفا، وإنما هي نواهي بالتضمن، بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ضمناً.
ص: وقضيته الدوام ما لم يقيد بالمرة، وقيل: مطلقاً.
ش: حكى المصنف في مقتضى النهي قولين: أصحهما الدوام، أي: يفيد الانتهاء عن المنهي عنه دائماً، إلا أن يقيد بمرة واحدة فيحمل عليها.
والثاني: أنه يحمل على الدوام مطلقاً، ولو قيد بالمرة، وهذا الثاني قريب لم أره لغيره، وقال البيضاوي، إنه كالأمر في التكرار والفور، ومقتضاه أن الراجح عدم دلالته عليهما، لكن اقتضى كلامه قبل ذلك أنه يدل عليهما، وبه قال الشيخ أبو إسحاق والآمدي وابن الحاجب، وقال الشيخ أبو حامد وابن برهان وغيرهما: إنه مجمع عليه وفي (المحصول): إنه المشهور لكنه قال: إن المختار خلافه.
ص: وترد صيغته للتحريم والكراهة والإرشاد والدعاء وبيان العاقبة والتقليل والاحتقار واليأس.
стр. 244
ش: ترد صيغة النهي، وهي: (لا تفعل) لسبعة أمور، جمعها الغزالي والآمدي وغيرهما.
أحدها: التحريم، كقوله: ﴿ولا تقتلوا النفس﴾.
الثاني: الكراهة كقوله: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾.
الثالث: الإرشاد، والفرق بينه وبين الكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في أن كراهة المشمس شرعية أو إرشادية؟
أي يتعلق بها الثواب أو ترجع لمصلحة طبية، ومثله إمام الحرمين بقوله: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ قال الشارح: وفيه نظر، بل هو للتحريم.
قلت: الظاهر ما قاله إمام الحرمين، فإنه تعالى قال: ﴿إن تبد لكم تسؤكم﴾ فبين أن مصلحة دنيوية وهي تجنب ما يسؤهم بسماعهم ما يكرهون.
الرابع: الدعاء، كقوله: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾
الخامس: بيان العاقبة كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾.
السادس: التقليل والاحتقار أي للمنهي عنه، كقوله: ﴿لا تمدن عينيك﴾ واعلم أن التقليل هنا بالقاف / (٥٧ ب/ د) فهو بمعنى الاحتقار وعطفه عليه تأكيد، ولو اقتصر على أحدهما لكان أولى، وظن بعض من تأخر عن الشارح أنه التعليل بالعين، فأفرده عنه، ومثله بقوله: لا تذنب فلا أحسن إليك،
стр. 245
وقال: لم يمثل الشارح هذا.
قلت: وهو مخالف لكلام غيره، ولو كان كما ظنه لم يجتمع هذا مع قوله أو لا تبعاً للشارح (لسبعة) فإنها حينئذ ثمانية، والله أعلم.
السابع: اليأس كقوله: ﴿لا تعتذروا اليوم﴾
وبقى عليه ثامن، وهو الخبر نحو: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ ذكره في (المحصول).
وتاسع: وهو التهديد كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري.
وعاشر: وهو النهي بعد الإيجاب فهو إباحة للترك.
وحادي عشر: وهو الالتماس كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا.
ص: وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر.
ش: أي هل يعتبر في النهي إرادة الدلالة باللفظ على الترك أم لا، وهل صيغة النهي حقيقة في التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة؟ يعود فيه ما تقدم في الأمر.
ص: وقد يكون عن واحد ومتعدد جمعا كالحرام المخير، وفرقاً كالنعلين تلبسان أو تنزعان، ولا يفرق وجميعاً كالزنا والسرقة.
ش: النهي قد يكون عن واحد، وقد يكون عن متعدد، أي شيئين فصاعداً وهذا على ثلاثة أقسام.
أحدها: أن يكون نهياً عن الجمع أي الهيئة الاجتماعية، فله فعل أيهما شاء على انفراده، ومثله المصنف بالحرام المخير وسبق ما فيه.
ثانيها: عكسه، وهو النهي عن الافتراق دون الجمع كلبس إحدى النعلين
стр. 246
فقط فإنه منهي عنه لا لبسهما ولا نزعهما.
ثالثها: أن يكون نهياً عن الجمع أي عن كل واحد سواء أتى به منفرداً أو مع الآخر كالنهي عن الزنا والسرقة.
ص: ومطلق نهي التحريم وكذا التنزيه في الأظهر للفساد شرعاً، وقيل: لغة وقيل: معنى فيما عدا المعاملات مطلقاً، وفيها إن رجع، قال ابن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل أو لازم وفاقاً للأكثر، وقال الغزالي والإمام: في العبادات فقط.
ش: النهي عن الشيء هل يدل على فساده أم لا؟
فيه مذاهب:
الأول: أنه يقتضي الفساد مطلقاً في العبادات والمعاملات، وحكاه القاضي أبو بكر عن جمهور أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر الأصحاب، وقال: إنه الظاهر من مذهب الشافعي.
الثاني: أنه لا يقتضيه، نقله القاضي عن جمهور المتكلمين، والإمام عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين، واختاره القفال الشاشي، والقاضي أبو بكر والغزالي وغيرهم، وعلى هذا الثاني قولان.
أحدهما وبه قال الجمهور: إنه لا يدل على الصحة أيضاً، وادعى القاضي فيه الاتفاق.
والثاني: أنه يدل على الصحة، وحكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن.
الثالث وهو الذي نقله المصنف عن الأكثرين وحكاه ابن برهان / (٥٨أ / د) عن نص الشافعي وحكي عن نص (الرسالة) التفصيل، فإن كان في غير المعاملات وهي العبادات والإيقاعات دل على الفساد مطلقاً، وإن كان في المعاملات فإن رجع إلى أمر داخل فيها كبيع الملاقيح، أو أمر خارج ولازم كالربا اقتضى الفساد، وإن رجع إلى أمر خارج غير لازم لم يقتض الفساد، وذلك كالنهي
стр. 247
عن البيع وقت نداء الجمعة فإن النهي عنه راجح إلى تفويت الجمعة، وهو أمر خارج غير لازم للعقد.
فإن شك هل هو راجع إلى داخل أو خارج حكمنا بفساده أيضاً، وهو معنى قول المصنف: قال ابن عبد السلام: (أو احتمل رجوعه) وأشار بذلك إلى قوله في القواعد: وكل تصرف نهي عنه ولم يعلم لماذا نهي عنه فهو باطل حملاً للفظ النهي على الحقيقة.
قال الشارح: وهي مسألة مهمة زادها المصنف على الأصوليين.
الرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات فقط، وهو مذهب أبي الحسين البصري واختاره الإمام في (المحصول) وفي نقله عن الغزالي نظر، فقد صرح في آخر المسألة من (المستصفى) بأن كل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بشرطه دل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط، لا من حيث النهي.
تنبيه:
قوله: (مطلق النهي) خرج به ما اقترن به ما يدل على الفساد أو الصحة، فليس من محل الخلاف، وبين بإضافة النهي إلى التحريم أن المحل المتفق على جريان هذا الخلاف فيه أن يكون النهي للتحريم، فإن كان للتنزيه ففيه خلاف, الذي رجحه المصنف أنه كنهي التحريم لأن المكروه مطلوب الترك فلا يعتبر به إذا وقع، وذلك هو الفساد، ويخالف ذلك قول الصفي الهندي: محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم، وصرح بذلك بعض المصنفين.
قلت: وذكر ابن الصلاح والنووي أن الصلاة في الأوقات المكروهة لا
стр. 248
تنعقد، وإن قلنا إن الكراهة فيها للتنزيه، واستشكله شيخنا الإسنوي بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد وهو تلاعب ولا إشكال فيه، لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة فإن المكروه غير داخل في مطلق الأمر، وإلا يلزم كون الشيء مطلوباً منهياً ولا يصح إلا ما كان مطلوباً، والله أعلم.
تنبيه آخر:
إذا قلنا باقتضاء النهي الفساد فهل ذلك من جهة الشرع أو اللغة؟
فيه مذهبان: نقلهما القاضي أبو بكر في (التقريب) وابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية أنه يقتضيه من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه، وهو مضاد للمشروعية، / (٥٨ ب / د) وقال إنه الأولى فلذلك نقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب، وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه يدل عليه شرعاً وجزم به البيضاوي.
ص: فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقاً، ولفظه حقيقة وإن انتفى الفساد لدليل.
ش: تقدم أن النهي إنما يدل على الفساد إذا كان لأمر داخل في المنهي عنه أو خارج عنه لازم له، فأما إذا كان لأمر، خارج عنه غير لازم له فإنه لا يفيد الفساد عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل: بل يفيده أيضاً، وذلك كالوضوء بماء مغصوب، فإن المنهي عنه لأمر خارج عنه ـ وهو الغصب ـ ينفك بالإذن من صاحبه أو الملك، ويترتب على قول الإمام أحمد باقتضاء النهي الفساد مطلقاً، أنه لو قام الدليل في نهي خاص على أنه ليس للفساد ولم يخرج النهي المذكور عن كونه باقياً على حقيقته.
- لم يصر مجازا، لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه بل عن بعضه، فهو كالعموم الذي خص بعضه، فإنه حقيقة فيما بقي، ذكره ابن عقيل في الواضح.
стр. 249
قال الشارح: وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد بصيغته، فإن قلنا من جهة الشرع أو المعنى لم يكن فيه إخراج بعض مدلول اللفظ.
قلت: ولك أن تقول: قد رجح المصنف/ (٧٢/ ب/ م) أن النهي يدل على الفساد في العبادات مطلقاً، والتفصيل إنما هو في المعاملات، وحكاه عن الأكثرين، والوضوء من العبادات، فاقتضى كلامه فيه الفساد إذا كان لمغصوب فكيف يحكي هذا هنا عن أحمد خاصة، ويجعله فيه مخالفاً للأكثر، وأيضاً فقد تقدم لنا قول أن النهي يدل على الفساد مطلقاً، وأن القاضي نقله عن جمهور الشافعية، والحنفية، والمالكية، فكيف يجتمع ذلك مع تخصيصه الفساد في هذه الصورة بالنقل عن أحمد.
ص: وأبو حنيفة لا يفيد مطلقاً نعم المنهي لعينه غير مشروع ففساده عرضي ثم قال والمنهي لوصفه يفيد الصحة.
ش: اشتهر عن أبي حنيفة أن النهي لا يفيد الفساد مطلقاً، واستدرك المصنف على هذا أن ذلك إنما هو في المنهي عنه لغيره، أما المنهي عنه لعينه فلا خلاف في فساده، وقد صرح أبو زيد في (تقويم الأدلة)، وقال شمس الأئمة السرخسي: إن المنهي عنه لعينه غير مشروع أصلاً، فيترتب على ذلك أن فساده عرضي، ثم قال أي أبو حنيفة: إن المنهي عنه لوصفه لا يفيد الصحة، وإنما يفيد ذلك الوصف خاصة كما لو تبايعا درهماً بدرهمين ثم طرح زيادته فإنه يصح العقد.
قلت: وكيف يجتمع نفي الخلاف مع ما تقدم من حكاية قول بأنه/ (٥٩أ / د) لا يقتضي الفساد مطلقاً.
ص: وقيل: إن نفي عنه القبول، وقيل: بل النفي دليل الفساد، ونفي الإجزاء كنفي القبول، وقيل: أولى بالفساد.
стр. 250
ش: إذا ورد من الشرع نفي القبول عن عباداة، فهل يدل ذلك على صحتها أو فسادها؟ مثل قوله ﵊: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وقوله: ((لا يقبل الله صلاة حائض)) أي: من بلغت سن الحيض ((إلا بخمار)) فيه قولان، حكاهما ابن عقيل من الحنابلة في كتابه في الأصول، فمن قال بالأول ـ وهو مراد المصنف بقوله: (وقيل: إن نفى عنه القبول) أي يفيد الصحة لقوله فيما قبله: يفيد الصحة ـ قال: إن القبول والصحة متغايران يظهر أثر الأول الثواب، والثاني في عدم القضاء، ومن قال بالثاني جعلهما متلازمين وهو مقتضى استدلال أصحابنا، وغيرهم بالحديثين المذكورين على اشتراط الطهارة وستر العورة في الصلاة، وحكى الشيخ تقي الدين/ (٧٣/ أ / م) في (شرح العمدة) في تفسير القبول قولين: أحدهما: أنه يرتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل عذر فلان إذا رتب عليه الغرض المطلوب، وهو عدم المؤاخذة، وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان.
والثاني: أن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فهو أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح، ولا ينعكس.
قلت: الذي ظهر لي في كون هذين الحديثين المذكورين نفى فيهما القبول وانتفت معه الصحة، وجاء في أحاديث أخر نفي القبول، فلم ينتف معه الصحة، كصلاة شارب الخمر، والعبد الآبق، وآتي العراف أنا ننظر فيما نفي فيه القبول، فإن قارنت ذلك الفعل معصية كالأحاديث الثلاثة المذكورة أجزأ، فانتفاء القبول (أي الثواب) لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم يقارنه معصية
следующие страницы →