← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

من هذا تخصيص قولنا: ذكر بعض أفراد العموم لا يخصص، وفهم من قول المصنف، (ولو بأخص من حكم العموم) أنه لا فرق بين أن يذكر لذلك الفرد جميع حكم العام أو بعض حكمه، كما لو لم يذكر في حديث مولاة ميمونة إلا بعض أحكام الطهارة كالصلاة فيه أو بيعه، ولم يتعرض الشارح لذكر ذلك، والله أعلم. ص: وأن العادة بترك بعض المأمور تخصص إن أقرها النبي ﷺ أو الإجماع وأن العام لا يقصر على المعتاد، ولا على ما وراءه بل تطرح له العادة السابقة. ش: اختلف النقل في أن العادة تخصيص أم لا؟ فنقل الإمام فخر الدين وأتباعه/ (٧٦ب/د) أنها تخصيص، وعكسه الآمدي وابن الحاجب/ (٩٤/أ/م) ولم يتوارد النقلان على محل واحد، وعلى ذلك مشى المصنف. فكلام الإمام وهو المذكور أولا فيما إذا ورد من الشارع لفظ عام ووجدنا العادة جارية لإخراج بعض أفراده كالنهي عن بيع الطعام بالطعام متفاضلا إذا جرت العادة ببيع بعض الأطعمة متفاضلا فتكون العادة مخصصة للعموم ودالة على جواز التفاضل في بيع ذلك الطعام، إن كانت تلك العادة موجودة في عصره ﵊ وأقرهم عليهم، وكذا إذا دل على جواز بيع ذلك النوع بجنسه مع التفاضل الإجماع، وكلام الآمدي وابن الحاجب، وهو المذكور ثانيا فيما إذا ورد النهي عن بيع الطعام بالطعام، وجرت العادة بأن لا يباع من الطعام إلا القمح، فهل يختص النهي به أو يشمل كل ما صدق عليه اسم الطعام؟

стр. 317

قال أبو حنيفة: يختص به، وقال الجمهور: لا، فلا يختص الحكم بالمعتاد ولا بما وراء المعتاد، بل تطرح تلك العادة ويؤخذ بالعموم فالكلام الأول في إخراج المعتاد عن غير المعتاد والثاني: في إدخال غير المعتاد مع المعتاد في حكمه، وحمل ابن دقيق العيد الكلام الثاني على العادة الفعلية، كما مثلناه. أما القولية فكأن يعتاد أهل العرف تخصيص اللفظ ببعض موارده اعتبارا يسبق الذهن بسببه إلى ذلك الخاص، فإذا أطلق العام قوي تنزيله على الخاص المعتاد، لأن الظاهر إنما يدل باللفظ على ما شاع استعماله فيه لأنه المتبادر إلى الذهن. ص: وأن نحو قضى بالشفعة للجار لا يعم وفاقا للأكثر. ش: ذهب الأكثرون – كما حكاه الآمدي وغيره – إلى أن قول الصحابي: قضى النبي ﷺ بالشفعة للجار، لا يفيد العموم لأن ما ذكره ليس لفظ الرسول بل حكاية لفعله، ويحتمل أن قضاءه كان لجار بصفة يختص بها. والحجة في المحكي وقد يكون خاصا فيتوهمه عاما، واختار الآمدي وابن الحاجب عمومه، لأن الظاهر أنه روى كما سمع من غير زيادة ولا نقص، وقال ابن دقيق العيد في (شرح العنوان) الحق الأول، إن كان/ (٩٤/ب/م) المحكي فعلا لو شوهد لم يجز حمله على العموم.

стр. 318

والثاني: إن كان قولاً لو حكي لكان دالاً على العموم. فإن قلت: هذه المسألة مفهومة من قوله فيما تقدم: إن الفعل المثبت ليس بعام. قلت: الفعل لا صيغة له حتى يتمسك بعمومه بخلاف القضاء ونحوه، فإنه لا يصدر إلا عن صيغة وقد يفهم الراوي منها العموم، فيرويه على ذلك. تنبيه: طرد الغزالي هذا في مثل نهي عن بيع الغرر/ (٧٧أ/د) ونكاح الشغار وأمر بقتل الكلاب. وتبعه شيخنا الإسنوي في (التمهيد) وجزم بعضهم هنا بالتعميم لأن (أمر) و (نهي) يدلان على ورود خطاب مكلف، ولما لم يذكر مأمورا ولا منهيا علم أن المخاطب به الكل. ص: مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه والمستقل الأخص جائز إذا أمكنت معرفة المسكوت

стр. 319

والمساوي واضح. ش: إذا كان خطاب الشارع جوابا لسؤال فله حالتان: إحداهما: أن يكون غير مستقل بدون السؤال مثل أن يسأل: هل يتوضأ بماء البحر؟ فيقول: نعم. فهو تابع للسؤال، إن كان عاما فهو عام، وإن كان خاصا فهو خاص. الثانية: أن يكون مستقلا بنفسه بحيث لو ورد ابتداء لأفاد العموم فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون أخص من السؤال كقولك: من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر، في جواب السؤال عمن أفطر في نهار رمضان، فهو جائز إذا أمكنت معرفة حكم المسكوت عنه منه، وهذا يفهم اشتراط أمرين: أحدهما: أن يكون في الجواب تنبيه على حكم المسؤول عنه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. ثانيهما: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد وإلا لم يفد التنبيه. ولا بد من شرط ثالث وهو أن لا يفوت وقت العمل بسبب استعمال السائل بالاجتهاد لئلا يلزم تكليف بما لا يطاق، ولم يبين المصنف ﵀ حكمه في العموم والخصوص وهو كحكم السؤال في ذلك لكن لا يسمى عاما وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ بل من التنبيه قاله الصفي الهندي. الثاني: أن يكون الجواب مساويا للسؤال إما في العموم أو الخصوص/ (٩٥/أ/م)

стр. 320

وحكمه واضح. وقال الغزالي: إن هذا هو المراد بقول الشافعي: ترك الاستفصال مع تعارض الاحتمال يدل على عموم الحكم. الثالث: أن يكون الجواب أعم من السؤال فهو مندرج في المذكور بعده وهو العام على سبب خاص لأن السبب قد يكون سؤالا وقد يكون غيره. ص: والعام على سبب خاص معتبر عمومه عند الأكثر فإن كانت قرينة التعميم فأجدر، وصورة السبب قطعية الدخول عند الأكثر، فلا تخص بالاجتهاد، وقال شيخ الإمام: ظنية، قال: ويقرب منها خاص في القرآن تلاه في الرسم عام للمناسبة. ش: إذا ورد العام على سبب خاص لم يختص الحكم بذلك السبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا مذهب/ (٧٧ب/د) الأكثرين، وبه قال الشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما، وخالف في ذلك مالك والمزني وأبو ثور، ونقل إمام الحرمين والغزالي والآمدي وابن الحاجب عن الشافعي كمقالتهم، وأنكره الإمام وقال: أنه التبس على ناقله، لأن الشافعي يقول: إن الأمة تصير فراشا بالوطء لقصة عبد بن زمعة. وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشا، ولا نلحقه إلا باعترافه، وحمل تلك

стр. 321

القصة على الزوجة وإخراج الأمة من عمومه، فقال الشافعي: إن هذا ورد على سبب خاص وهو الأمة. قال الإمام: فتوهم الواقف على هذا الكلام أن الشافعي يجعل العبرة لخصوص السبب، وإنما أراد أن الأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها لأن محل السبب لا يجوز إخراجه عن العموم قطعا، انتهى. فإن كانت هناك قرينة تقتضي التعميم فهو أجدر وأولى بالتعميم، كقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ فإن سببها سرقة رجل رداء صفوان بن أمية، فالإتيان بالسارقة معه قرينة دالة على التعميم، وقد تقوم القرينة على الاختصاص بالسبب كالنهي عن قتل النساء والصبيان فإن سببه أنه ﵊ رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة وذلك يدل على/ (٩٥/ب/م) اختصاصه بالحربيات فلا يتناول المرتدة، ثم إن صورة السبب قطعية الدخول حتى لا يجوز تخصيصها بالاجتهاد، بخلاف الزائد عليها فقد يدخله التخصيص وقد تقدم من كلام الإمام القطع بذلك، لكن المصنف إنما حكاه

стр. 322

عن الأكثر لأنه حكي عن أبي حنيفة تجويز إخراجه استنباطا لما تقدم عنه من لحوق الولد بالفراش في الحرة دون الأمة. ومال الشيخ الإمام السبكي إلى أن دلالته على صورة السبب ظنية فقال: القطع بالدخول ينبغي أن يكون محله إذا دلت قرائن حالية أو مقالية على ذلك أو على أن اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعا تحت اللفظ العام، ويدعي أنه يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس داخلا في الحكم، فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قوله ﵊: ((الولد للفراش)) وإن ورد في الأمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد. وبيان حكمه إما بالثبوت أو الانتفاء فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة، لأنها التي يتخذ لها الفراش غالبا، وقال: (الولد للفراش) كان فيه حصر أن الولد للحرة، ومقتضاه أنه لا يكون للأمة/ (٧٨/أ/د) ففيه نفي السبب عن المسبب وإثباته لغيره، فالمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السبب، أما القطع بدخوله أو خروجه فلا. انتهى. قلت: هو كلام ضعيف عجيب فإنه ﵊ صرح بإلحاقه لسيد الأمة بقوله: ((هو لك يا عبد بن زمعة)) فكيف يستقيم مع ذلك حمل الفراش على الحرة دون الأمة؟ ثم ذكر السبكي أنه يقرب من ورود الحكم على سبب أن يرد في القرآن الكريم آية خاصة ثم يتلوها في الرسم آية عامة، لكن يقتضي مناسبتها لها دخول ما دلت عليه الآية الخاصة فيها، فهل تكون

стр. 323

كالسبب في دعوى القطع بالدخول أو يكون كسائر العمومات؟ وقال: الحق إنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد، ومثل ذلك بقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ فإن مناسبتها لما قبلها وهي قوله/ (٩٦/أ/م) ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ وما بعدها أن ذلك إشارة إلى قول كعب بن الأشرف وقد سأله قريش من أهدى سبيلا؟ فقال: أنتم، فنزلت الآية فيه وفي أمثاله من أهل الكتاب الذين كتموا أمر النبي ﷺ مع بيانه لهم، وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموا ذلك، وأن ينصروه فكان ذلك أمانة عندهم فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك يناسب الأمر بالأمانة. ص: مسألة: إن تأخر الخاص عن العمل نسخ العام، وإلا خصص، وقيل: إن تقارنا تعارضا في قدر الخاص كالنصين، وقالت الحنفية وإمام الحرمين: المتأخر ناسخ فإن جهل فالوقف أو التساقط. ش: إذا تعارض نصان أحدهما عام والآخر خاص فله أحوال: أحدها: أن يعلم تأخر الخاص عن العام، فإن تأخر عن وقت العمل به كان ناسخا أي لقدر مدلوله من العام، لا لجميع أفراد العام، فإنه لا خلاف

стр. 324

في العمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل، وإنما لم يجعله تخصيصا لأن تأخير بيانه عن وقت العمل ممتنع، وإن لم يتأخر عن وقت العمل به فالأكثرون على أنه تخصيص، وأحال المعتزلة ذلك لمنعهم تأخير البيان عن وقت الخطاب. الثاني: أن يتأخر العام عن الخاص سواء تأخر عن وقت العمل به أم لا فيقدم الخاص فيما تعارضا فيه. الثالث: أن يتقارنا أي يوجدا في حالة واحدة، سواء تقدم في/اللفظ الخاص أو العام كأن يقول: ((فيما سقت السماء العشر)) ثم يقول عقبه: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) أو بالعكس فيقدم/ (٧٨ب/د) الخاص فيما تعارضا فيه، وحكى في (المحصول) في هذه الحالة قولا: إنهما يتعارضان في قدر الخاص. الرابع: أن لا يعلم تاريخهما فيعمل بالخاص أيضا. وقد يتناول هذه الأحوال الثلاثة الأخيرة، والقسم الثاني من الحالة الأولى قوله: (وإلا خصص) فإنه أحد في القسم الأول أن يتأخر الخاص عن وقت العمل فيصدق نفي ذلك بتأخر الخاص لا عن وقت العمل وبتأخر العام وتقارنهما وبعدم العلم، وما ذكرناه في هذه الأحوال هو مذهبنا./ (٩٦/ب/م). وقال الحنفية وإمام الحرمين: المتأخر ناسخ للمتقدم مطلقا، سواء تأخر العام أو الخاص، والمراد النسخ فيما تعارضا فيه فإن جهل الأمر في ذلك فحكى ابن الحاجب عنهم (التساقط) وصاحب البديع: (الوقف) فلهذا تردد

стр. 325

المصنف بينهما. ص: وإن كان عاما على وجه فالترجيح وقال الحنفية: المتأخر ناسخ. ش: إذا كان كل من الدليلين المتعارضين عاما من وجه خاصا من وجه فلا سبيل إلى تقديم أحدهما على الآخر، إلا بمرجح لقوله ﵊: ((من بدل دينه فاقتلوه)) مع نهيه عن قتل النساء، فإن الأول خاص في المرتدين عام في النساء والرجال والثاني خاص في النساء عام في الحربيات والمرتدات، وقد ترجح الأول بقيام القرينة على اختصاص الثاني بسببه، وهو الحربيات، قال الشيخ تقي الدين في شرح (الإلمام): وكان مرادهم الترجيح الذي لا يخص مدلول العموم كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجية عن مدلول العموم من حيث هو. قال الشارح: وفيما قاله نظر، فإن صاحب (المعتمد) حكى عن بعضهم في هذه المسألة أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم، فترجح على ما عمومه اتفاقي، قال: وما حكاه عن الحنفية من أن المتأخر ناسخ فهو قياس ما تقدم عنهم لكن لم أجده صريحا في هذه المسألة. انتهى.

стр. 326

ص: المطلق والمقيد المطلق: الدال على الماهية بلا قيد، وزعم الآمدي وابن الحاجب دلالته على الوحدة الشائعة توهماه النكرة، ومن ثم قالا: الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي وليس بشيء وقيل بكل جزئي وقيل: إذن فيه. ش: لما كان معنى المطلق والمقيد قريبا من معنى العام والخاص ذكرهما في ذيل مسائلهما، وعرف المطلق بأنه الدال على الماهية بلا قيد، أي: من غير اعتبار عارض من عوارضهما كقولنا الرجل خير من المرأة. وقولنا: (بلا قيد) مخرج للمعرفة والنكرة، لأن الأول يدل عليها مع وحدة معينة كزيد، والثانية/ (٧٩أ/د) مع وحدة غير معينة/ (٩٧/أ/م) كرجل، وهذا صريح في الفرق بين المطلق والنكرة. وذهب الآمدي وابن الحاجب إلى أنهما بمعنى واحد، فقال الآمدي: المطلق النكرة في سياق الإثبات، وقال ابن الحاجب: ما دل على شائع في جنسه فقوله: شائع، أي لا يكون متعينا، بحيث يمتنع صدقه على كثيرين، وقوله: (في جنسه) أي له أفراد تماثله، فيدخل فيه الدال على الماهية من حيث هي، والدال على واحد غير معين وهي النكرة. قال الشارح: وقول المصنف: (توهماه النكرة) ممنوع، بل تحققاه

стр. 327

وما صنعاه خير مما صنعه المصنف، فإن مفهوم الماهية بلا قيد، ومفهومها مع قيد الوحدة، لا يخفى تغايرهما على أحد، ولكن لم يفرق الأصوليون بينهما لعدم الفرق بينهما في تعليق التكليف، فإن التكليف لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج، والمطلق الموجود في الخارج واحد غير معين في الخارج، لأن المطلق لا يوجد في الخارج إلا في ضمن الآحاد، ووجوده في ضمنه هو صيرورته عينه/ بانضمام مشخصاته إليه، فيكون المطلق الموجود واحدا غير معين، وذلك هو مفهوم النكرة، والأصولي إنما يتكلم فيما يقع به التكليف، وأما الاعتبارات العقلية كما فعله المصنف فلا تكليف بها، إذ لا وجود لها في الخارج، لأن المكلف به يجب إيقاعه والإتيان بما لا يقبل الوجود في الخارج لا يمكن، فلا يكلف به ثم زاد ذلك بسطا. وقوله: (ومن ثم) أي ولأجل هذا التأصيل، قال الآمدي، وابن الحاجب: إن الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي من جزئيات الماهية لا بالكلي المشترك، فإذا قيل اضرب من غير تعيين فالمطلوب الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهية الكلية المشتركة، لا أن الماهية هي المطلوبة لأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب. وقال المصنف: إنه ليس بشيء، لأنا نفرق بين الماهية بشرط شيء وبشرط لا شيء ولا بشرط شيء وإذا فرقت بينهما علمت أن المطلوب الماهية من حيث هي لا بقيد الجزئية ولا الكلية، وهو غير مستحيل، بل موجود في الجزئيات وذهب الإمام فخر الدين إلى أنه أمر بالماهية المشتركة بين الأفراد لا بجزئي معين، وحكاه أبو المناقب الزنجاني عن مذهب الشافعي، وإليه أشار

стр. 328

بقوله: (وقيل بكل جزئي) ووجه بناء هذه المسألة على هذا الأصل أن من قال: الأمر بمطلق الماهية أمر بواحد من جزئياتها – فالمطلق عنده عبارة عن جزئي ممكن مطابق للماهية لا عين الماهية، ومن قال: إنه أمر بالماهية من حيث هي فالمطلق عنده عبارة عن الماهية من حيث هي. وقوله: (وقيل إذن فيه) أشار به إلى بحث/ (٧٩ب/د) الصفي الهندي حيث قال: ويمكن أن الأمر بالماهية الكلية وإن لم يقتض الأمر بجزئياتها لكن يقتضي تخيير المكلف في الإتيان بكل واحد من تلك الجزئيات بدلا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منهما والتخيير بينهما يقتضي جواز فعل كل منها وهو الذي أشار المصنف إليه بالإذن، والله أعلم. ص: مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص، وزيادة أنهما إن اتحد حكمهما وموجبهما وكانا مثبتين وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ، وإلا حمل المطلق عليه، وقيل: المقيد ناسخ إن تأخر، وقيل: يحمل المقيد على المطلق وإن كانا منفيين فقائل المفهوم يقيده به، وهي خاص وعام، وإن كان أحدهما أمرا والآخر نهيا فالمطلق مقيد بضد الصفة، وإن اختلف السبب فقال أبو حنيفة: لا يحمل وقيل: يحمل لفظا، وقال الشافعي: قياسا، وإن اتحد الموجب واختلف حكمهما فعلى الخلاف. ش: المطلق والمقيد كالعام والخاص في جريان الأحكام المتقدمة هناك اتفاقا واختلافا ويزيد هنا الكلام في تعارض المطلق والمقيد وله أحوال: أحدها: أن يتحد حكمهما وموجبهما – بكسر الجيم، أي: سببهما – ويكونا مثبتين كتقييد الرقبة في كفارة القتل في موضع وإطلاقها في موضع آخر، فإن تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ وإن تقدم عليه أو تأخر

стр. 329

عنه لا عن وقت العمل ففيه مذاهب: أصحها: حمل المطلق عليه جمعا بين الدليلين، ويكون المقيد بيانا للمطلق أي بين أنه المراد منه، وقد حكى الآمدي وغيره الاتفاق على هذا لكن/ (٩٨أ/م) الخلاف فيه موجود عند الحنفية كما حكاه ابن السمعاني في (القواطع) والمالكية كما حكاه الطرطوشي. الثاني: كالذي قبله في الأخذ بالمقيد، لكن لا يجعل بيانا للمطلق إن تأخر عنه بل هو ناسخ له. الثالث:/ (٨٠أ/د) أنه يحمل المقيد على المطلق، فيبقى المطلق على إطلاقه ويكون المقيد ذكر فرد من أفراد الماهية. الحالة الثانية: كالتي قبلها في اتحاد الحكم والسبب، لكنهما منفيان نحو: لا تعتق مكاتبا، ولا تعتق مكاتبا كافرا، فالقائل، بأن المفهوم حجة يقيد قوله: (لا تعتق/مكاتبا) بمفهوم قوله: (لا تعتق مكاتبا كافرا) فيجوز إعتاق المكاتب المسلم، وبهذا صرح الإمام فخر الدين في (المنتخب) وهو مقتضى كلام (المحصول) ومن لا يقول بالمفهوم يعمل بالإطلاق، ويمنع إعتاق المكاتب مطلقا، وبهذا قال الآمدي وابن الحاجب، وهذا من باب الخاص والعام لكونه نكرة في سياق النهي، فإن الأفعال في معنى النكرات وليس من باب المطلق والمقيد كما توهمه ابن الحاجب.

стр. 330

وقال الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) في قوله ﵊: ((لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول)) هذا يقتضي تقييد النهي بحالة البول وفي رواية أخرى النهي عن مسه باليمين من غير تقييد فمن الناس من أخذ بهذا المطلق – وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص – فيخص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث لأن هذا يتجه في باب الأمر والإثبات، فإنه لو جعلنا الحكم للمطلق والعام في صورة الإطلاق أو العموم كان فيه إخلال باللفظ الدال على طلب القيد وقد تناوله الأمر، وذلك غير، جائز وأما في باب النهي فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، وهذا كله بعد النظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم. انتهى. قلت: وقد يقال في هذا الحديث: إنه من مفهوم الموافقة لأنه إذا نهى عن إمساكه حالة البول من الاحتياج لذلك ففي غير هذه الحالة مع عدم الاحتياج لإمساكه أولى بالنهي، وقد يقال: لا مفهوم له أصلا لأنه خرج مخرج الغالب، والله أعلم/ (٩٨/ب/م). الحالة الثالثة: كالتي قبلها أيضا لكن أحدهما أمر، والآخر نهي، كأن يقول: أعتق رقبة، ويقول: لا تملك رقبة كافرة، فلا يعتق كافرة لاستحالة ذلك لعدم ملكها، وتقييد المطلق بضد الصفة التي هي الكفر، وهو الإيمان، وليس من حمل المطلق على المقيد، وقد ذكر هذه الصورة الآمدي وابن الحاجب. الحالة الرابعة: أن يختلف السبب ويتحد الحكم كإطلاق الرقبة في كفارة

стр. 331

الظهار وتقييدها بالإيمان في القتل ففيه مذاهب: أحدها: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يحمل عليه أصلا. الثاني: أنه يحمل عليه، من جهة اللفظ، وحكي عن جمهور أصحابنا وقال الماوردي/ (٨٠ب/د) والروياني وسليم الرازي: إنه ظاهر مذهب الشافعي. الثالث: أنه يحمل عليه من جهة القياس إن اقتضى ذلك بأن يشتركا في المعنى، وعزاه المصنف تبعا للآمدي للشافعي. قال الشارح: وأصحابه أعرف بمذهبه، وصحح هذا الثالث الإمام والآمدي وغيرهما. وقال الشارح: تخصيص الحمل بالقياس تبع فيه ابن الحاجب مع أن القائل بأنه لا يحمل بنفس اللفظ يقول: لا بد من دليل، إما قياس أو غيره ولا نخصه بالقياس انتهى. وقال الماوردي: عندي أنه يعتبر أغلظ الحكمين فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه ولم يقيد إلا بدليل. الحالة الخامسة: أن يختلف الحكم ويتحد السبب كآية الوضوء فإنه قيد فيها غسل اليدين إلى المرفقين، وأطلق في التيمم الأيدي، وسببهما واحد، وهو الحدث، ففيها الخلاف، أي في الحالة التي قبلها كما ذكره أبو الوليد الباجي وأبو بكر بن العربي، وحكى القرافي عن أكثر الشافعية حمل المطلق

стр. 332

هنا على القيد، لكن قال ابن الحاجب: إن اختلف حكمهما مثل اكس ثوبا، وأطعم طعاما نفيسا، فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقا، أي سواء اتحد السبب أو اختلف. قال المصنف: وأومأ غيره إلى المخالفة، فقال: ينبغي أن يكون الثوب نفيسا كالطعام. ص: والمقيد بمتنافيين يستغنى عنهما إن لم يكن أولى بأحدهما من الآخر قياسا. ش: محل حمل المطلق على المقيد إذا لم يكن هناك قيدان متنافيان/ (٩٩أ/م) فمتى كان كذلك استغنى عن القيدين وسقطا وتمسكنا بالإطلاق هذا إذا قلنا بالحمل من جهة اللفظ، فإن قلنا به من جهة/القياس حمل على ما حمله عليه أولى، فإن لم يكن قياسا رجع إلى أصل الإطلاق، وقد جعل القرافي من هذا الترتيب في غسل ولوغ الكلب عند القائل به، فإنه ورد مطلقا في قوله: (إحداهن بالتراب) وتعارض فيه قيدان: أحدهما: (أولاهن) والآخر: (السابعة) والحق التخيير بين الغسلتين وأن القيد كونه في أحدهما لا بعينها بدليل قوله في رواية أخرى (أولاهن) أو (أخراهن بالتراب) وهو ظاهر نص الشافعي فليس هذا من تنافي القيدين بل من التخيير، والله أعلم.

стр. 333

ص: الظاهر والمؤول الظاهر ما دل دلالة ظنية: والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا ففاسد، أو لا لشيء فلعب، لا تأويل ومن البعيد تأويل أمسك على ابتدئ وستين مسكينا على ستين مدا/ (٨١أ/د) و ((أيما امرأة نكحت نفسها)) على الصغيرة والأمة والمكاتبة و ((لا صيام لمن لم يبيت)) على القضاء والنذر، و ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) على التشبيه و ﴿إنما الصدقات﴾ على بيان المصرف و (من ملك ذا رحم) على الأصول والفروع، (والسارق يسرق البيضة) على الحديد (وبلال يشفع الأذان) على أن يجعله شفعا لأذان ابن أم مكتوم. ش: الظاهر في الاصطلاح ما دل على معنى دلالة ظنية. وخرج بالظنية القطعية وهي دلالة النص. قال الشارح: وهذا التعريف أعم مما ذكره المصنف في باب المنطوق والمفهوم، حيث قال: (ظاهر إن احتمل مرجوحا كالأسد) فإن المراد هنا ما يفيد معنى سواء أفاد معه معنى آخر إفادة مرجوحة أو لم يفده. قلت: لو لم يدل على معنى آخر دلالة مرجوحة لكان نصا، فإنه إذا لم يحتمل معنى آخر كانت دلالته قطعية فلا تفاوت بين التعبيرين، والله أعلم. وأما التأويل فإنه حمل الظاهر على المحتمل المرجوح أي يكون للفظ دلالتان راجحة ومرجوحة، فيحمل على المرجوحة، وهذا يشمل الصحيح والفاسد، فإن كان ذلك الحمل لدليل صيره راجحا فهو صحيح، وإن كان لما يظن دليلا وليس بدليل فهو فاسد، أو لا لشيء فهذا لعب/ (٩٩ب/م) غير معتد به، لأنه

стр. 334

إنما سمي مؤولا لأنه يؤول إلى الظهور عند قيام الدليل عليه، فإذا لم يكن دليل قائم ولا مظنون فلا تأويل، ثم ذكر المصنف صورا من التأويلات البعيدة: أحدها: تأويل الحنفية قوله ﵊ لغيلان بن سلمة لما أسلم على عشرة نسوة: ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)) على أن معنى الإمساك ابتداء نكاح أربع منهن، وإنما كان بعيدا لأنه لم ينقل عنه ولا عن غيره تجديد نكاح مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين. الثانية: تأويلهم أيضا قوله تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ على أن المراد إطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا، فيجزي عندهم ذلك ولو أعطاه لمسكين واحد، فيلزم على تقديرهم، الذي لا دليل عليه، إلغاء المنصوص عليه وهو ستون مسكينا، ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يبطله، ولا يقال حاجة واحد في ستين يوما مثل حاجة ستين في يوم واحد، لأنه يفوت منه دعاء الجمع الكثير وهو أقرب إلى الإجابة. الثالثة: حملهم أيضا قوله ﵊: ((أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل)) على الصغيرة والأمة والمكاتبة، ووجه بعده في الصغيرة أنها لا تسمى في/ (٨١ب/د) العرف امرأة، مع أنه عندهم صحيح، موقوف على إجازة الولي، وفي الأمة أنه قال في بقية الحديث ((فإن دخل بها فلها المهر)) ومهر

стр. 335

الأمة ليس لها، وإنما هو لسيدها، وفي المكاتبة أنها صورة نادرة قليلة الوقوع، فحمل اللفظ العام المؤكد عليها بعيد. الرابعة: حملهم أيضا قوله ﵊: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) على القضاء والنذر، فإن صوم الفرض يصح عندهم بنية من النهار، فحملوا صيغة العموم على النادر. الخامسة: حملهم أيضا قوله ﵊: ((ذكاة الجنين ذكاة

стр. 336

أمه)) على أنه يذكى كما تذكى أمه، فرووا الحديث بالنصب وقرروا دلالته على مدعاهم/بوجهين: أحدهما: أن التقدير كذكاة أمه، حذفت الكاف فانتصب. ثانيهما: أنه أعمل فيه الذكاة الأولى لأنها مصدر فكأنه قال: ذكاة الجنين ذكاة مثل ذكاة أمه، والخبر محذوف أي واجبة. وقال أصحابنا: إن النصب غلط، والمحفوظ في الرواية الرفع وقوله:/ (١٠٠أ/م) (ذكاة الجنين) خبر مقدم، وقوله (ذكاة أمه) مبتدأ مؤخر، أي: إن ذكاة أم الجنين ذكاة له، لا يحتاج مع تذكيتها إلى تذكيته، أي: إذا لم يدرك ذكاته، وادعى الحنفية أن رواية الرفع تشهد لهم أيضا لأن تقديرها: مثل ذكاة أمه، وهو بعيد، لأن الجنين ما دام في البطن، لا يمكن تذكيته، فإذا خرج واستقل وأمكنت تذكيته صار كبقية الحيوانات في التذكية فلا مزية للجنين على غيره في ذلك حتى يخص بالذكر، ويدل لما قلناه رواية البيهقي: ((ذكاة الجنين في ذكاة أمه)) وفي رواية: (بذكاة). السادسة: حمل المالكية قوله تعالى ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الآية على أن المراد بيان المصرف، فجوزوا إعطاء صنف واحد وفي ذلك حرمان للباقين، وقد ملكهم الله تعالى بلام التملك وشركهم بواو التشريك. السابعة: حمل بعض الشافعية قوله ﵊: ((من ملك ذا رحم محرم عتق عليه)) على الأصول والفروع دون بقية الأرحام المحارم

стр. 337

لاختصاص العتق عندهم بالأصول والفروع وهو بعيد، لأن للأب والابن اسما يعرف به، هو أبلغ في تعريفه فالعدول عنه إلى لفظ عام لا معنى له إلا شمول الحكم لجميع ما دل عليه اللفظ، والمعتمد عند أصحابنا في الجواب عن ذلك ضعف الحديث، فقد قال الترمذي: لا يتابع راويه عليه، وهو خطأ عند أهل الحديث، وقال النسائي: إنه حديث منكر. الثامنة: حمل بعضهم قوله ﵊: ((لعن الله السارق/ (٨٢/أ/د) يسرق البيضة)) على بيضة الحديد، وهي الخوذة دون بيضة الدجاجة ونحوها، حكاه ابن قتيبة عن يحيي بن أكثم، وقال: هو باطل، وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق إنما هو موضع تقليل وكأنه أورد على ظاهر الآية، ثم أعلم بعد أن القطع إنما يكون في ربع دينار فصاعدا. قلت: والأحسن الجواب بأنه ينجر به سرقة القليل إلى أن يسرق نصابا فيقطع، والله أعلم. التاسعة: حمل بعضهم قوله: أمر بلال أن يشفع الأذان على أن المراد أن يجعله شفعا لأذان ابن أم مكتوم، وهنا قول بعض السلف: إن كلمات الأذان مفردة وهو بعيد، لأن بلالا كان أذانه متقدما على أذان ابن أم مكتوم لقوله ﵊ ((إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا

стр. 338

أذان ابن أم مكتوم)) فكيف يكون أذانه شفعا/ (١٠٠ب/م) لأذان ابن أم مكتوم، وهو متقدم عليه؟ ص: المجمل ما لم تتضح دلالته فلا إجمال في آية السرقة ولا في نحو ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ ((لا نكاح إلا بولي)) ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) لوضوح دلالة الكل وخالف قوم. ش: عبر بـ (ما) ليتناول القول والفعل كتركه ﵊ التشهد الأول فإنه يحتمل العمد فيكون غير واجب، والسهو فلا يدل على أنه غير واجب سواء تركه عمدا أو سهوا، فلا إجمال فيه، واحترز بقوله: لم تتضح دلالته، عن المهمل فإنه لا دلالة له أصلا، وهذا له دلالة غير واضحة، ثم ذكر صورا ادعى فيها الإجمال، والأصح خلافه: الأولى: آية السرقة قال بعض الحنفية: فيها إجمال في القطع، لأنه يحتمل الشق والإبانة وفي اليد لاحتمالها الجميع إلى المنكب، وإلى الكوع والأصح خلافه والقطع هو الإبانة وإطلاقه على الشق لأن فيه إبانة لانفصال بعض أجزاء اللحم عن بعضها، واليد حقيقة إلى المنكب وإطلاقها هنا إلى الكوع مجاز من إطلاق الكل على الجزء، دل عليه فعل النبي ﷺ والإجماع.

стр. 339

الثانية: لا إجمال أيضا في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ لأن العرف دال على التعميم فيتناول العقد والوطء، وقد تقدم هذا في قول المصنف: في العموم: (وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى) ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ وحمله الكرخي على ظاهره وقال: الحكم متعلق بالعين، ومعناه خروجها عن أن يكون/ (٨٢ب/د) محلا شرعا كما أن حرمة الفعل خروج عن الاعتبار شرعا. الثالثة: قال الحنفية أو بعضهم: قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ مجمل لاحتماله مسح الكل والبعض على السواء، وبينت السنة المراد بمسحه ﵊ على الناصية: وقال الجمهور: لا إجمال فيه. ثم قال المالكية: هو حقيقة في مسح الكل. وقال الشافعية: إنه حقيقة في القدر المشترك بين الكل والبعض وهو ما ينطلق عليه الاسم. الرابعة: مثل قوله ﵊: ((لا نكاح إلا بولي)) وقوله:

стр. 340

((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) وقوله: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) ذهب قوم إلى أنه مجمل ثم اختلفوا في سبب إجماله على أقوال: أحدها: أنه ليس المراد نفي الوقوع، فإن وقوعها مشاهد ولم يعلم المراد منها فكانت مجملة. ثانيها: أنها مترددة بين نفي الجواز ونفي الكمال. الثالث: أنها ظاهرة في نفي الوجوب ونفي الحكم فسارت مجملة، وقال الجمهور: لا إجمال فيها وهو مبني على ثبوت الحقائق الشرعية وتقديمها على اللغوية واختصاصها بالصحيح، والحقائق الشرعية الصحيحة منتفية في هذه الصورة لانتفاء جزئها أو شرطها. الخامسة: قوله ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ذهب البصريان أبو الحسين وأبو عبد الله إلى أنه مجمل وقال الجمهور: لا إجمال فيه، بل معناه نفي المؤاخذة والعقاب، لكن هل هو بالعرف أو اللغة؟ جزم ابن الحاجب بالأول وابن السمعاني بالثاني. وقال الشارح: نفى المصنف في باب العموم أن يكون هذا عاما حيث قال: (لا المقتضى) وهنا نفى أن يكون مجملا، وهو في الاضطراب متابع لابن الحاجب. قلت: لا اضطراب في ذلك فلا عموم فيه، ولا إجمال وإنما معناه رفع شيء مخصوص وهو العقاب بدليل اقتضى ذلك، والله أعلم. وقول المصنف: (خالف قوم) أي في جميع ما تقدم كما أوضحناه. ص: إنما الإجمال في مثل القرء والنور والجسم ومثل المختار

стр. 341

لتردده بين الفاعل والمفعول وقوله تعالى: ﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ وقوله ﵇: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) وقولك: زيد طبيب ماهر الثلاثة زوج وفرد. ش: ذكر في هذه الجملة أمثلة للمجمل، والإجمال تارة يكون في المفرد وتارة في/ (٨٣/أ/د) المركب، فالأول قد يكون لوضع اللفظ لكل منهما كالقرء، فإنه وضع في اللغة للطهر وللحيض، ولهذا جعل الشافعي العدة بالأطهار وأبو حنيفة بالحيض، وقد يكون لصلاحيته لمتماثلين كالنور للعقل ونور الشمس وغيرها، والجسم للسماء والأرض وغيرهما، وقد يكون لصلاحيته للفاعل والمفعول، كالمختار تقول: اخترت فلانا، فأنا مختار، وهو مختار، قال العسكرى: ويتميز بحرف الجر فتقول في الفاعل: مختار لكذا،/ (١٠١ب/م) وفي المفعول: مختار من كذا ثم ذكر للثاني أمثلة: أحدها: قوله تعالى: ﴿أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح﴾ فإنه

стр. 342

محتمل للزوج والولي، وقد حمله الشافعي على الأول ومالك على الثاني كذا ذكره ابن الحاجب من المجمل ولا إجمال فيه عندنا، لقيام الدليل على أن المراد به الزوج، وذلك مبسوط في موضعه. ثانيهما: قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾ فهو مجمل لكونه دخله استثناء لمجهول، والمجهول إذا أخرج من المعلوم صار الجميع مجهولا. ثالثها: قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ فإن الواو فيه مترددة بين العطف والقطع ولهذا اختلفوا في أن الوقف على قوله: ﴿إلا الله﴾ أم لا؟ وقد سبق ذلك، وأن الأصح أنه لا إجمال فيه. رابعها: قوله ﵊: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) فقد وقع التردد في مرجع الضمير في قوله: (جداره) هل يعود على صاحب الخشبة، لأنه أقرب مذكور أو على الجار ويوافق الأول منع الشافعي في الجديد إجبار الجار على وضع جذوع جاره على جداره. خامسها: قول القائل: زيد طبيب ماهر، قد ترجع المهارة إلى الصنعة وهي الطب وإلى الموصوف وهو زيد، فتكون مهارته في غير الطب. سادسها: قول القائل: الثلاثة زوج وفرد، متردد من حيث اللفظ بين أن يكون المراد أن مجموع أجزائه زوج وفرد، وأن يكون المراد أنه موصوف

стр. 343

بالزوجية والفردية، وإن كان الواقع هو الأول لصدق اللفظ، ولو حمل على الثاني لكان كذبا، وفي عد هذا من المجمل نظر لا يخفى. ص: والأصح وقوعه في الكتاب والسنة. ش: المخالف في وقوع المجمل في القرآن والسنة داود الظاهري، قال الصيرفي: لا أعلم قال به غيره، والحجة عليه ما سبق من الآيات والأحاديث. ص: وأن المسمى الشرعي أوضح من اللغوي/ (٨٣/ب/د) وقد تقدم فإن تعذر حقيقة فيرد إليه بتجوز أو مجمل أو يحمل على اللغوي أقوال. ش: لما كان المسمى الشرعي أوضح من اللغوي قدم عليه، فيحمل اللفظ على مدلوله الشرعي، إلا أن يقوم دليل على إرادة اللغوي، وقد تقدم ذلك في فصل الحقيقة والمجاز. فإن تعذرت الحقيقة الشرعية فهل يرد إليها بتجوز أو يحمل على الحقيقة اللغوية أو يجعل مجملا؟ فيه أقوال، أصحها/ (١٠٢/أ/م) الأول، ومثاله قوله ﵊: ((الطواف بالبيت صلاة)) فإنه ليست فيه حقيقة الصلاة الشرعية فكان مجازا، والمراد أن حكمه حكم الصلاة في الطهارة وستر العورة، ويدل لذلك قوله في بقية الحديث: ((إلا أن الله أحل فيه الكلام)) فدل على أن المراد كونه صلاة في الحكم إلا ما استثني لا في الحقيقة. ومن حمله على اللغوي قال: الصلاة هنا بمعنى الدعاء، ومن قال بالإجمال فللتردد بينهما أي بين المجاز الشرعي والحقيقة اللغوية.

стр. 344

ص: والمختار أن اللفظ المستعمل لمعنى تارة ولمعنيين ليس ذلك المعنى أحدهما مجمل فإن كان أحدهما فيعمل به ويوقف الآخر؟ ش: إذا ورد من الشارع لفظ له استعمالان أحدهما لمعنى واحد، والثاني لمعنيين ففيه مذهبان: أحدهما – وهو المختار: أنه مجمل إذا لم تقم قرينة على المراد. والثاني – واختاره الآمدي: أنه يحمل على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد، وأطلق الغزالي وغيره المسألة، وقيدها المصنف بما إذا لم يكن ذلك المعنى المنفرد أحد ذينك المعنيين، فإن كان أحدهما عمل به قطعا لأنه إن كان هو تمام المراد باللفظ فلا إشكال، وإلا فهو أحد المرادين ويوقف الآخر عن العمل به، فإنه محل نظر.

стр. 345

البيان والمبين ص: البيان، إخراج الشيء من خيز الإشكال إلى حيز التجلي وإنما يجب لمن أريد فهمه اتفاقا. ش: هذا التعريف للبيان حكاه ابن السمعاني وغيره عن أبي بكر الصيرفي، وزاد عنه إمام الحرمين وابن الحاجب: (والوضوح) وأورد عليه القاضي أنه يخرج عنه البيان ابتداء وهو الظاهر من غير سبق إجمال، وأورد عليه إمام الحرمين، أن لفظ الحيز مجاز، ودخوله في التعريف ممتنع، وأجاب المصنف عن الأول بمنع تسمية الواضح ابتداء بيانا، وعن الثاني بأن المجاز الظاهر يجوز دخوله، وإلا لم يسلم لهم تعريف، فلذلك تبعه المصنف فيه واتفقوا على أنه/ (٨٤أ/د) لا يجب بيان المجمل إلا لمن أريد منه الفهم إما للعمل كالصلاة/ أو للإفتاء كأحكام الحيض في حق الرجال، فالمراد فهمهم/ (١٠٢ب/م) لها ليفتوا بها النساء، وكأنه أريد بالواجب هنا ما لا بد منه، فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء. ص: والأصح أنه قد يكون بالفعل وأن المظنون يبين المعلوم وأن المتقدم، وإن جهلنا عينه من القول والفعل هو البيان وإن لم يتفق البيانان كما لو طاف بعد الحج طوافين، وأمر بواحد فالقول وفعله ندب أو واجب متقدما أو متأخرا وقال أبو الحسين المتقدم.

стр. 346

ش: فيه مسائل: الأولى: يجوز البيان بالقول إما من الكتاب أو السنة اتفاقا، واختلف في البيان بالفعل والأصح جوازه، كصلاة النبي ﷺ وحجه فإنهما مبينان لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ ﴿ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا﴾ ومن منع قال: الفعل يطول فيتأخر به البيان مع إمكان تعجيله. قال القاضي في (التقريب): فلو قال: القصد بما كلفتم بهذه الآية ما أفعله ثم فعل فعلا فلا خلاف أنه يكون بيانا. الثانية: إذا كان المجمل معلوما فهل يجوز أن يكون المبين له مظنونا؟ فيه مذاهب: الأول: الجواز، حكاه القاضي أبو بكر عن الجمهور واختاره هو والإمام فخر الدين. الثاني: أن البيان يجب أن يكون أقوى دلالة من المبين، واختاره ابن الحاجب. الثالث: أنه يجوز أن يكون مساويا، وبه قال الكرخي. الرابع: إن عم وجوبه سائر المكلفين كالصلاة ونحوها وجب أن يكون بيانه معلوما متواترا، وإن لم تعم به البلوى، واختص العلماء بمعرفته كنصاب السرقة وأحكام المكاتب قبل في بيانه خبر الواحد، حكاه القاضي أبو بكر عن العراقيين. الثالثة: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل فلهما حالتان:

стр. 347

إحداهما: أن يتفقا في الحكم فالبيان هو المتقدم منهما. والثاني: تأكيد له، فإن علم عينه فذاك وإلا فهو المبين مع الجهل به في الصحيح. وقال الآمدي: الأشبه مع الجهل تقدير المرجوح سابقا فيكون هو المبين والثاني تأكيد له، لئلا يلزم من عكسه تأكيد الراجح بالمرجوح، وهو ممتنع. الثانية: أن يختلفا في الحكم كما لو طاف ﵊ بعد الحج طوافين وأمر بواحد، فالصحيح أن البيان بالقول، ويحمل فعله على أنه من خصائصه إما مندوب أو واجب، ولا فرق بين أن يتقدم القول أو الفعل. وقال أبو الحسين البصري: البيان هو المتقدم منهما، قولا كان أو فعلا كما لو اتفقا./ (١٠٣/أ/م). ص: مسألة:/ (٨٤/ب/د) تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع، وإن جاز وإلى وقته واقع عند الجمهور سواء كان للمبين ظاهر أم لا، وثالثها: يمتنع في غير المجمل، وهو ما له ظاهر، ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر بخلاف المشترك والمتواطئ، وخامسها: في غير النسخ، وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض، وعلى المنع المختار أنه يجوز للرسول ﷺ تأخير التبليغ إلى الحاجة وأنه يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص ولا بأنه مخصص. ش: تأخير البيان عن وقت احتياج المكلف إليه وهو وقت الفعل، أطلق

стр. 348

أكثر أهل الأصول أنه ممتنع، وعللوه بأنه تكليف بما لا يطاق، ومقتضاه أنه يجري فيه الخلاف في تكليف ما لا يطاق، وبه صرح في (المحصول) فعلى هذا يكون الأرجح جوازه، وإن كان لم يقع، وكذلك عبر به المصنف، وعدل عن تعبير غيره بوقت الحاجة إلى وقت الفعل، فإن الأستاذ أبا إسحاق قال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائلين بأن للمؤمنين حاجة إلى التكليف. قلت: لا يلزم من هذه العبارة القول بمذهب المعتزلة هذا، فإنه لا يتوقف على الحاجة إلى التكليف، بل على حاجة المكلف إلى بيان ما كلف به. تنبيه: صرح القاضي أبو بكر بأن المراد تأخير البيان عن وقت جواز الشروع في الفعل، ومقتضاه/ أن تأخير بيان صلاة الظهر عن وقت الزوال تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا يشكل تعليلهم المنع بأنه تكليف بما لا يطاق، لأنه إذا بين له في نصف الوقت فقد أخر عن الزوال، ولم يلزم عليه تكليف ما لا يطاق، وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل ففيه مذاهب: أصحها – وبه قال الجمهور: أنه جائز، وواقع، سواء أكان للمبين ظاهر كتأخير بيان التخصيص ومدة النسخ أو لا. الثاني: أنه ممتنع وهو قول المعتزلة كما حكاه القاضي أبو بكر عنهم، وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا. الثالث: أنه يمتنع في غير المجمل وهو ماله ظاهر للإلباس ويجوز فيما لا ظاهر له أنه لا يحصل فيه تجهيل، وبه قال/ (١٠٣/ب/م) الكرخي، وحكى الإبياري في (شرح البرهان) قولا بعكسه، وعلله بأن للعام فائدة في الجملة بخلاف المجمل. الرابع: أنه يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر، مثل أن يقول:

стр. 349

هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، ويجوز تأخير البيان التفصيلي أما ما ليس له ظاهر يعمل به كالمشترك فيجوز تأخير بيانه/ (٨٥/أ/د) مطلقا، وبه قال أبو الحسين البصري. الخامس: أنه يمتنع في غير النسخ، ويجوز فيه وهو قول الجبائي، ومقتضاه أن النسخ من محل الخلاف، لكن قال بعضهم: إنه يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وهو مقتضى كلام القاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي. السادس: أنه يمتنع إبداء بعض، وتأخير بعض لئلا يعتقد المكلف بإظهار البعض أن لا إشكال بعده، بخلاف تأخير بيان الكل، فإنه جائز، وإذا فرعنا على امتناع تأخير البيان فهنا مسألتان: إحداهما: المختار أنه يجوز للرسول ﷺ تأخير تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة، فإن معرفته إنما هي لوجوب العمل، ولا عمل قبل الوقف، وقيل: تجب المبادرة، وكلام الإمام فخر الدين والآمدي وابن الحاجب يقتضي أن الخلاف في غير القرآن، أما القرآن فيجب تبليغه على الفور قطعا، واستشكل الفرق. الثانية: يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود بالمخصص – بكسر الصاد – بل يجوز إسماعه العام المخصوص بدون مخصصه، خلافا للجبائي فإنه منعه في المخصص السمعي دون العقلي وخرج (بالموجود) من ليس موجودا حالة ورود التخصيص فلا يشترك إسماعه بلا خلاف، لعدم إمكانه، هذا مقتضى عبارة المصنف وشرحه عليه شارحه لكن الذي تقتضيه عبارة ابن الحاجب أن المراد المخصص الموجود أي الذي ورد مع ورود العام المخصوص للاحتراز عن مخصص لم يرد، فيكون الوجود صفة للدليل المخصص لا المكلف، وعليه شرحوه، فكلام المصنف مخالف له في التقرير، وعلى كل حال، فأي فرق بين هذه المسألة وبين المذكورة قبلها وهي تأخير التبليغ يحتاج ذلك إلى تأمل.

стр. 350

وقوله: (ولا بأنه مخصص) أي ولا بأن العام مخصص بفتح الصاد أي دخله تخصيص، فكأن المراد أنه لا يجب إعلامه بتعين المخصص الوارد على الرسول، ولا بأن ذلك العام مخصوص، فلا يجب الإعلام لا على التفصيل ولا على الجملة، والمراد قبل وقت العمل، فكأن القائل بالمنع اكتفى بإعلام الرسول بذلك، وإن لم يعلم به المكلفين،/ (١٠٤/أ/م). ولعل فرق ما بين هذه المسألة والتي قبلها فرق ما بين العام والخاص فالأولى في مطلق التبليغ، وإن لم يكن بيانا لمجمل، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ﴾ لا يدل على الفور، والثانية: في بيان المجمل. وقال الشارح في قوله: (ولا بأنه مخصص) هذا العطف يقتضي طرد الخلاف السابق هنا، وليس كذلك، بل الجميع كما قال القاضي (٨٥/ب/د) على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه، ولعله أراد المخصص السمعي. انتهى. ص: النسخ: اختلف في أنه رفع أو بيان والمختار رفع الحكم الشرعي بخطاب فلا نسخ بالعقل وقول الإمام من سقط رجلاه/نسخ غسلهما مدخول ولا بالإجماع ومخالفتهم تتضمن ناسخا. ش: النسخ يطلق في اللغة على الإزالة، وعلى النقل، فقيل: مشترك بينهما، وقيل: حقيقة في الأول، وقيل: في الثاني. وأما في الاصطلاح فاختلف في أنه رفع أو بيان، فقال بالأول القاضي أبو بكر وطائفة، وبالثاني الأستاذ أبو إسحاق وطائفة.

стр. 351

ومعنى الأول: أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ إذ لولا وروده لاستمر ومعني الثاني: أنه انتهى بذاته، ثم حصل بعده حكم، لأنه عند الله مغيا بغاية معلومة. فالناسخ بيان لها، واختار المصنف الأول، وارتضى في تعريفه أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج بالحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية، كتحريم، أو إيجاب ما هو على البراءة الأصلية، لم يرد فيه قبل ذلك حكم، فإنه لا يسمى نسخا. وتناول قوله: (بخطاب) اللفظ والمفهوم، وأورد عليه النسخ بالفعل كنسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ وأجيب عنه بأن الفعل نفسه لا ينسخ وإنما يدل على نسخ سابق وخرج به الرفع بالنوم أو الغفلة أو الجنون أو الموت، وعلم من ذلك أنه لا نسخ بالعقل فمن سقطت عنه العبادة لعجزه عنها لا يقال: إنها نسخت في حقه، ومن ذلك رد على الإمام فخر الدين في قوله في (المحصول): إن من سقطت رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، لأن زوال الحكم لزوال محله أو سببه ليس نسخا، وكذلك الإجماع لا ينسخ به، لأنه لا ينعقد في زمنه ﵊، ولا نسخ بعده، فإن أجمعوا على مخالفة نص فهو دال على ناسخ سواه، فالنسخ بدليله لا به، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: إن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع، وقد كان المصنف رحمه الله تعالى ذكر هذا في التخصيص/ (١٠٤/أ/م) ثم ضرب عليه هناك وألحقه هنا فإنه محله. ص: ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.

стр. 352

ش: خرج بالبعض الجميع، فلا يجوز نسخ جميع القرآن بالاتفاق ومثال نسخ التلاوة والحكم ما في (صحيح مسلم) عن عائشة ﵂: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس) ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: (الشيخ/ (٨٦/أ/د) والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) كان في القرآن كما رواه النسائي. والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة، ومثال عكسه نسخ عدة الوفاة بالحول المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿متاعا إلى الحول غير إخراج﴾ بقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾ والمعروف أن الخلاف في نسخ أحدهما فقط، وعبارة المصنف تبعا لابن الحاجب تقتضي جريانه في نسخهما معا لكنه قال في شرحه: الخلاف في نسخهما معا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن. قلت: والمانع من وقوع النسخ في بعض القرآن مطلقا هو أبو مسلم الأصفهاني، وذكر ابن التلمساني في شرح (المعالم) أنه الجاحظ، وفيه

стр. 353

نظر، فليست كنية الجاحظ أبا مسلم بل أبو عثمان، وأبو مسلم شخص آخر من المعتزلة معروف. ص: ونسخ الفعل قبل التمكن. ش: الجمهور على أنه يجوز نسخ الشيء بعد وجوبه أو ندبه قبل التمكن من فعله، سواء أكان قبل مجيء وقته أو بعده، ولكن لم يمض منه ما يمكن فعله فيه، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الحنفية والحنابلة فأما نسخه بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه وكذلك في الوقت بعد مضي زمن يسعه كما صرح بنفي الخلاف فيه ابن برهان وإمام الحرمين والغزالي، لكن مقتضى كلام ابن الحاجب في أثناء الخلاف جريان الخلاف فيه، وحكى الصفي الهندي المنع في هذه الصورة عن الكرخي. ص: والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة وبالسنة للقرآن وقيل يمتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة قال الشافعي وحيث وقع بالسنة فمعها/قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق/ (١٠٥/أ/م) الكتاب والسنة. ش: فيه مسائل: الأولى: يجوز نسخ القرآن بالقرآن إجماعا، كما تقدم في عدتي الوفاة.

стр. 354

الثانية: يجوز نسخ السنة بالقرآن كالتوجه لبيت المقدس إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة، فإنه نسخ بالقرآن، وكذا مباشرة الصائم ليلا حرمت بالسنة ثم نسخ تحريمها بالقرآن، والمشهور عن الشافعي منعه، ونسبه الرافعي لاختيار أكثر أصحابنا. الثالثة: نسخ القرآن بالسنة له صورتان. إحداهما: أن تكون متواترة، والمشهور جواز وقوعه ومنعه الشافعي. والمشهور عنه الجزم بمنعه، كذا نقله إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والنووي وغيرهم. وذكر البيضاوي أن له في ذلك قولين،/ (٨٦/ب/د) والظاهر أنه إنما نفى الوقوع فقط. الثانية: أن تكون آحادا والمشهور جوازه عقلا، وحكى الآمدي وغيره الاتفاق عليه، لكن الخلاف ثابت، نقله القاضي أبو بكر وغيره، والمشهور عدم وقوعه، وحكى إمام الحرمين عليه إجماع الأمة لكن مخالفة بعض الظاهرية في هذا مشهورة وكأنه ما اعتد بخلافهم لكن ذهب القاضي أبو بكر والغزالي إلى وقوعه في زمنه ﵊ دون ما بعده، ثم قال الشافعي: (حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلا بد أن يكون مع السنة قرآن يعضدها على النسخ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فلا بد أن يكون مع القرآن سنة موافقة له على النسخ) وعبارته في (الرسالة): (فإن قيل: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟. قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي ﷺ فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله) انتهى. وفائدته في الصورة الأولى الاطلاع على عظمة النبي ﷺ في نسخ القرآن بسنته، وفي عكسه، انتقال الناس من سنة إلى سنة لما يترتب عليه من الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

стр. 355

ص: وبالقياس وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه والسلام والعلة منصوصة. ش: هل يجوز النسخ بالقياس، كأن يرد نص بإباحة بيع الأرز بالأرز متفاضلا لم يرد جريان الربا في السنة المنصوصة فتنسخ الإباحة/ (١٠٥/ب/م) المتقدمة بالقياس على السنة المنصوصة؟ فيه مذاهب: أحدها: الجواز مطلقا، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه. الثاني: المنع مطلقا، وبه قال الأكثرون كما حكاه القاضي أبو بكر واختاره، وحكاه أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي وقال القاضي حسين: إنه المذهب. الثالث: أنه يجوز بالقياس الجلي دون غيره. الرابع: يجوز إن كان في زمنه ﵊، وكانت علته منصوصة وإلا فلا، واختاره الآمدي وجعل الصفي الهندي المنع بعد وفاته ﵊ محل وفاق. تنبيه: أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا مع قوله تبعا لغيره في القياس على المستنبطة أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض. فإذا كانت المعارضة تقطعها عن العمل فقياس المستنبطة ملغى عند المعارضة فلا يكون ناسخا. وأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: إن القياس ينسخ، وإن كانت علته مستنبطة بل أطلقنا أنه ناسخ وإنما يكون ناسخا/ (٨٧/أ/د) إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.
следующие страницы →